← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9062

كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي

علاء الدين عبد العزيز البخاري

Полный текст (1 522 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وَكَذَلِكَ صَوْمُ اللَّيَالِي لِأَنَّ الْوِصَالَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ وَلَا مُمْكِنٍ وَالنَّهَارُ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ لِشَهْوَةِ الْبَطْنِ غَالِبًا فَتَعَيَّنَ لِلصَّوْمِ تَحْقِيقًا لِلِابْتِلَاءِ فَصَارَ النَّهْيُ مُسْتَعَارًا عَنْ النَّفْيِ. وَلَا يَلْزَمُ النِّكَاحُ بِغَيْرِ شُهُودٍ لِأَنَّهُ مَنْفِيٌّ بِقَوْلِهِ ﵇ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِشُهُودٍ» فَكَانَ نَسْخًا وَإِبْطَالًا وَإِنَّمَا يَسْقُطُ الْحَدُّ وَيَثْبُتُ النَّسَبُ وَالْعِدَّةُ لِشُبْهَةِ الْعَقْدِ وَلِأَنَّ النِّكَاحَ شُرِعَ لِمِلْكِ ضَرُورِيّ لَا يَنْفَصِلُ عَنْ الْحِلِّ حَتَّى لَمْ يُشْرَعْ مَعَ الْحُرْمَةِ وَمِنْ قَضِيَّةِ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ فَبَطَل الْعَقْدُ لِمُضَادَّةٍ ثَبَتَتْ بِمُقْتَضَى النَّهْيِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ وُضِعَ لِمِلْكِ الْعَيْنِ وَالتَّحْرِيمُ لَا يُضَادُّهُ لِأَنَّ الْحِلَّ فِيهِ تَابِعٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ شُرِعَ فِي مَوْضِعِ الْحُرْمَةِ وَفِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْحِلَّ أَصْلًا كَالْأَمَةِ الْمَجُوسِيَّةِ وَالْعَبْدِ وَالْبَهَائِمِ وَكَمِلْكِ الْخَمْرِ. ــ [كشف الأسرار] الشَّاعِرِ: إنَّ الْمَضَامِينَ الَّتِي فِي الصُّلْبِ ... مَاءُ الْفُحُولِ فِي الظُّهُورِ الْحُدْبِ جَمْعُ مَضْمُونٍ مِنْ ضَمِنَ الشَّيْءَ بِمَعْنَى تَضَمَّنَهُ يُقَالُ ضَمِنَ كِتَابُهُ كَذَا وَكَانَ مَضْمُونُ كِتَابِهِ كَذَا. وَالْمَلَاقِيحُ مَا فِي الْبُطُونِ مِنْ الْأَجِنَّةِ جَمْعُ مَلْقُوحٍ أَوْ مَلْقُوحَةٍ مِنْ لَقَحَتْ الدَّابَّةُ إذَا حَبِلَتْ وَهُوَ فِعْلٌ لَازِمٌ فَلَا يَجِيءُ اسْمُ الْمَفْعُولِ مِنْهُ إلَّا مَوْصُولًا بِحَرْفِ الْجَرِّ إلَّا أَنَّهُمْ اسْتَعْمَلُوهُ مَحْذُوفَ الْجَارِ وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ بِعْت الْوَلَدَ الَّذِي سَيَحْصُلُ مِنْ هَذَا الْفَحْلِ أَوْ مِنْ هَذِهِ النَّاقَةِ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ. قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ صَوْمُ اللَّيَالِي) أَيْ وَكَبَيْعِ الْحُرِّ وَالْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ صَوْمُ اللَّيَالِي فِي أَنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ مَعَ أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِأَنَّ الْوِصَالَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فَإِنَّ الشَّرْعَ أَخْرَجَ زَمَانَ اللَّيْلِ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَقْتًا لِلصَّوْمِ وَلَمْ يَجْعَلْهُ وَقْتًا لَهُ أَصْلًا فَكَانَ النَّهْيُ عَنْهُ بِمَعْنَى النَّفْيِ ثُمَّ صَوْمُ الْفَرْضِ يَتَأَدَّى بِصِيَامِ أَيَّامِ الْوِصَالِ إذَا نَوَاهُ لِأَنَّ الْقُبْحَ فِي الْمُجَاوِرِ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ فِي اللَّيْلِ لَا لِمَعْنًى مُتَّصِلٍ بِوَقْتِ الصَّوْمِ بِخِلَافِ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ لِأَنَّ الْقُبْحَ لِمَعْنًى اتَّصَلَ بِوَقْتِ الصَّوْمِ. قَوْلُهُ (وَلَا مُمْكِنٍ) لِأَنَّ الْآدَمِيَّ لَا يَحْيَى بِدُونِ الْأَكْلِ عَلَى مَا عَلَيْهِ جِبِلَّتُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُعَيِّنَ بَعْضَ الزَّمَانِ لِلصَّوْمِ وَبَعْضَهُ لِلْفِطْرِ فَتَعَيَّنَتْ النُّهُرُ لِلصَّوْمِ لِأَنَّ الِابْتِلَاءَ يَتَحَقَّقُ فِيهَا لِأَنَّ فِي النَّفْسِ دَاعِيَةٌ إلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَذَلِكَ فِي النَّهَارِ فِي الْعَادَةِ فَيَتَحَقَّقُ خِلَافُ هَوَى النَّفْسِ بِالْإِمْسَاكِ عَنْ الشَّهَوَاتِ فِيهِ، فَأَمَّا الْإِمْسَاكُ فِي اللَّيْلِ فَعَلَى وِفَاقِ هَوَاهَا فَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ مَعْنَى الِابْتِلَاءِ عَلَى الْكَمَالِ إذْ أَصْلُ بِنَاءِ الْعِبَادَةِ عَلَى مُخَالَفَةِ الْعَادَةِ لَا عَلَى مُوَافَقَتِهَا وَلَا يُقَالُ بِأَنَّ الْجِمَاعَ يُوجَدُ فِي اللَّيَالِي عَادَةً وَهُوَ إحْدَى الْمُفْطِرَاتِ فَكَانَ الْإِمْسَاكُ عَنْهُ فِي اللَّيْلِ عَلَى خِلَافِ هَوَى النَّفْسِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ اللَّيْلُ مَحَلًّا لِلصَّوْمِ أَيْضًا لِأَنَّا نَقُولُ شَهْوَةُ الْفَرْجِ تَابِعَةٌ لِشَهْوَةِ الْبَطْنِ وَلِهَذَا كَانَ الصَّوْمُ وِجَاءً عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ الْأَثَرُ فَلَا يُعْتَبَرُ بِنَفْسِهَا. [النِّكَاحُ بِغَيْرِ شُهُودٍ] قَوْلُهُ (وَلَا يَلْزَمُ النِّكَاحُ بِغَيْرِ شُهُودٍ) أَيْ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ النِّكَاحُ بِغَيْرِ شُهُودٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَشْرُوعًا مَعَ أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِدَلِيلِ تَحَقُّقِ حُكْمِ النَّهْيِ فِيهِ وَهُوَ الْحُرْمَةُ وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ حُمِلَ قَوْلُهُ ﵇ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِشُهُودٍ» عَلَى حَقِيقَتِهِ يَلْزَمُ الْخُلْفُ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الشَّرْعِ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى النَّهْيِ كَمَا حُمِلَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] عَلَيْهِ لِهَذَا الْمَعْنَى لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ بَلْ نَقُولُ هُوَ مَنْفِيٌّ فَكَانَ ذَلِكَ إخْبَارًا عَنْ عَدَمِهِ كَقَوْلِهِ ﵇ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِطَهَارَةٍ» وَكَقَوْلِك لَا دَخْلَ فِي الدَّارِ وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ بَقَاءَ الْمَشْرُوعِيَّةِ بَلْ يُوجِبُ انْتِفَاءَ ضَرُورَةِ صِدْقِ الْخَبَرِ وَمَا ذُكِرَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ الْخُلْفُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي النِّكَاحِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ مُنْتَفٍ أَصْلًا وَ. قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا يَسْقُطُ الْحَدُّ) جَوَابُ سُؤَالٍ يَرِدُ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَبْقَ مَشْرُوعًا أَصْلًا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْقُطَ الْحَدُّ وَلَا يَثْبُتَ النَّسَبُ وَلَا يَجِبَ الْعِدَّةُ وَالْمَهْرُ فِيهِ لِأَنَّهَا مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ، وَالْحُكْمُ لَا يَثْبُتُ بِدُونِ السَّبَبِ فَقَالَ إنَّمَا يُثْبِتُ هَذِهِ الْأَحْكَامَ لِشُبْهَةِ الْعَقْدِ وَهِيَ وُجُودُ صُورَتِهِ فِي مَحَلِّهِ لَا لِانْعِقَادِ أَصْلِ الْعَقْدِ إذْ الشُّبْهَةُ مَا يُشْبِهُ الثَّابِتَ وَلَيْسَ بِثَابِتٍ قَوْلُهُ (وَلِأَنَّ النِّكَاحَ شُرِعَ لِمِلْكٍ ضَرُورِيٍّ) يَعْنِي وَلَئِنْ كَانَ صِيغَتُهُ نَهْيًا لَمْ يَكُنْ الْقَوْلُ بِبَقَاءِ الْمَشْرُوعِيَّةِ وَالْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ وَلَوَجَبَ حَمْلُهَا عَلَى النَّفْيِ وَالنَّسْخِ أَيْضًا لِأَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا يُوجِبُ بَقَاءَ الْمَشْرُوعِيَّةِ فِيمَا أَمْكَنَ إثْبَاتُ مُوجِبِهِ وَهُوَ الْحُرْمَةُ مَعَ

стр. 282

وَكَذَلِكَ نِكَاحُ الْمَحَارِمِ مَنْفِيٌّ لِعَدَمِ مَحَلِّهِ فَلَفْظُ النَّهْيِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] مُسْتَعَارٌ عَنْ النَّفْيِ. وَأَمَّا اسْتِيلَاءُ أَهْلِ الْحَرْبِ فَإِنَّمَا صَارَ مَنْهِيًّا بِوَاسِطَةِ الْعِصْمَةِ وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي حَقِّنَا دُونَ أَهْلِ الْحَرْبِ لِانْقِطَاعِ وِلَايَتِنَا عَنْهُمْ وَلِأَنَّ الْعِصْمَةَ مُتَنَاهِيَةٌ يَتَنَاهَى سَبَبُهَا وَهُوَ الْإِحْرَازُ فَسَقَطَ النَّهْيُ فِي حُكْمِ الدُّنْيَا. ــ [كشف الأسرار] الْمَشْرُوعِيَّةِ لَا فِيمَا لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ وَالنِّكَاحُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِمِلْكٍ ضَرُورِيٍّ لَا يَنْفَصِلُ عَنْ الْحَلِّ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ أَنْ لَا يَكُونَ مَشْرُوعًا لِأَنَّهُ اسْتِيلَاءٌ عَلَى حُرَّةٍ مِثْلِهِ فِي الشَّرَفِ وَالْكَرَامَةِ وَاسْتِرْقَاقٌ لَهَا حُكْمًا مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ وَلَكِنَّهُ إنَّمَا شُرِعَ ضَرُورَةَ بَقَاءِ النَّسْلِ إذَا لَوْ لَمْ يُشْرَعْ لَاجْتَمَعَ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ عَلَى وَجْهِ السِّفَاحِ بِدَاعِيَةِ الشَّهْوَةِ وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى مِنْ الْفَسَادِ فَشُرِعَ النِّكَاحُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ لِيَظْهَرَ أَثَرُهُ فِي حِلِّ الِاسْتِمْتَاعِ. وَلِهَذَا سُمِّيَ ذَلِكَ الْمِلْكُ حِلًّا فِي نَفْسِهِ وَلِهَذَا لَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ حَتَّى بَقِيَتْ حُرَّةً مَالِكَةً لِأَجْزَائِهَا وَمَنَافِعِهَا بَعْدَ النِّكَاحِ كَمَا كَانَتْ قَبْلَهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ طَرَفَهَا أَوْ آجَرَتْ نَفْسَهَا أَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ كَانَ الْأَرْشُ وَالْأَجْرُ وَالْعُقْرُ لَهَا دُونَ الزَّوْجِ وَإِذَا كَانَ الْمُوجِبُ الْأَصْلِيُّ فِي النِّكَاحِ الْحِلَّ وَمُوجِبُ النَّهْيِ الْحُرْمَةُ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ مُوجِبِهِمَا لِتَضَادٍّ بَيْنَهُمَا ثُمَّ الْحُرْمَةُ ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ فَيَنْعَدِمُ الْحِلُّ ضَرُورَةً وَمِنْ ضَرُورَةِ انْعِدَامِهِ خُرُوجُ السَّبَبِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا، لِأَنَّ الْأَسْبَابَ الشَّرْعِيَّةَ تُرَادُ لِأَحْكَامِهَا لَا لِذَوَاتِهَا وَمِنْ ضَرُورَةِ خُرُوجِ السَّبَبِ عَنْ الْمَشْرُوعِيَّةِ صَيْرُورَةُ النَّهْيِ فِيهِ بِمَعْنَى النَّفْيِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا انْعِقَادُ النِّكَاحِ وَبَقَاؤُهُ مَعَ حُرْمَةِ الِاسْتِمْتَاعِ فِي حَالَةِ الْإِحْرَامِ وَالِاعْتِكَافِ وَالْحَيْضِ وَكَذَا بَقَاؤُهُ مَعَ الظِّهَارِ الْمُوجِبِ لِلْحُرْمَةِ لِأَنَّهُ إنَّمَا انْعَقَدَ وَبَقِيَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ لِيَظْهَرَ أَثَرُهُ بَعْدَ زَوَالِ هَذِهِ الْعَوَارِضِ فَإِنَّهَا تَزُولُ لَا مَحَالَةَ فَالْإِحْرَامُ يَنْتَهِي بِضِدِّهِ، وَالْحَيْضُ تَنْتَهِي بِالطُّهْرِ، وَحُرْمَةُ الظِّهَارِ تَزُولُ بِالْكَفَّارَةِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَهُنَاكَ مَانِعٌ حِسِّيٌّ لَا يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إلَيْهَا إلَّا بِرَفْعِهِ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ عَنْ صِحَّةِ النِّكَاحِ لِأَنَّ بَعْدَ رَفْعِ الْمَانِعِ يَظْهَرُ أَثَرُهُ فَأَمَّا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَالْحُرْمَةُ لَيْسَتْ بِمُغَيَّاةٍ إلَى غَايَةٍ يُمْكِنُ إظْهَارُ أَثَرِ النِّكَاحِ بَعْدَ انْتِهَائِهَا فَلَا يَكُونُ فِي الِانْعِقَادِ فَائِدَةٌ أَصْلًا. [نِكَاحُ الْمَحَارِمِ] قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ نِكَاحُ الْمَحَارِمِ مَنْفِيٌّ) أَيْ مَحْمُولٌ عَلَى النَّفْيِ لِعَدَمِ مَحَلِّهِ لِأَنَّ النَّصَّ الْوَارِدَ فِيهِ يُوجِبُ تَحْرِيمَ الْعَيْنِ، وَالْحُرْمَةُ مَتَى أُضِيفَتْ إلَى الْعَيْنِ أَخْرَجَتْهَا عَنْ مَحَلِّيَّةِ الْفِعْلِ لِأَنَّ الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَكَانَتْ إضَافَةُ الْحُرْمَةِ إلَيْهِنَّ نَفْيًا لِلْحِلِّ لَا نَهْيًا. قَوْلُهُ (مُسْتَعَارٌ عَنْ النَّفْيِ) أَيْ لِلنَّفْيِ يَعْنِي إنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ النِّكَاحِ الْمَذْكُورِ فِي النَّصِّ الْعَقْدَ فَالنَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى النَّفْيِ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أَنَّ الْحُرْمَةَ الثَّابِتَةَ بِالْمُصَاهَرَةِ هِيَ الْحُرْمَةُ الثَّابِتَةُ بِالنَّسَبِ عَلَى أَنْ تَقُومَ الْمُصَاهَرَةُ مَقَامَ النَّسَبِ فَكَانَ تَقْدِيرُهُ وَحَرَّمَتْ عَلَيْكُمْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ فَتَخْرُجُ عَنْ مَحَلِّيَّةِ النِّكَاحِ فَكَانَ النَّهْيُ مَجَازًا بِمَعْنَى النَّفْيِ لَا مَحَالَةَ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْكَرْدَرِيُّ ﵀ لَا يَرِدُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] نَقْضًا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ لِأَنَّ كَلَامَنَا فِيمَا كَانَ مَشْرُوعًا ثُمَّ صَارَ مَنْهِيًّا عَنْهُ أَيَبْقَى مَشْرُوعًا بَعْدَ النَّهْيِ أَمْ لَا وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَشْرُوعًا أَصْلًا بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا﴾ [النساء: ٢٢] فَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَذَا الْبَابِ ثُمَّ مَا ذُكِرَ جَوَابٌ عَنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَرِدُ نَقْضًا عَلَى الْأَصْلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَهُوَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْأَفْعَالِ الشَّرْعِيَّةِ يُوجِبُ بَقَاءَ الْمَشْرُوعِيَّةِ. [اسْتِيلَاءُ أَهْلِ الْحَرْبِ] فَلَمَّا فَرَغَ عَنْهُ شَرَعَ فِي جَوَابِ مَا يَرِدُ نَقْضًا عَلَى الْأَصْلِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْأَفْعَالِ الْحِسِّيَّةِ يُوجِبُ انْتِفَاءَ الْمَشْرُوعِيَّةِ عَنْهَا أَصْلًا وَهِيَ أَرْبَعُ مَسَائِلَ فَقَالَ وَأَمَّا اسْتِيلَاءُ أَهْلِ الْحَرْبِ وَوَجْهُ وُرُودِهِ أَنَّ الِاسْتِيلَاءَ فِعْلٌ حِسِّيٌّ وَالنَّهْيُ عَنْ الْفِعْلِ الْحِسِّيِّ يُوجِبُ قُبْحًا فِي عَيْنِهِ وَانْتِفَاءَ الْمَشْرُوعِيَّةِ عَنْهُ وَقَدْ قُلْتُمْ بِخِلَافِهِ حَيْثُ جَعَلْتُمُوهُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ الَّذِي هُوَ نِعْمَةٌ وَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ سَبَبٍ

стр. 283

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كشف الأسرار] مَشْرُوعٍ رِعَايَةً لِلتَّنَاسُبِ بَيْنَ السَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ فَكَانَ هَذَا نَقْضًا لِذَلِكَ الْأَصْلِ. وَتَوْجِيهُ الْجَوَابِ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الِاسْتِيلَاءَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِذَاتِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ اسْتَوْلَى عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ أَوْ عَلَى صَيْدٍ يَصِيرُ مَمْلُوكًا لَهُ بِالْإِجْمَاعِ فَثَبَتَ أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِغَيْرِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا عِصْمَةَ الْمَحَلِّ، وَالْعِصْمَةُ إنَّمَا يَثْبُتُ فِي حَقِّنَا دُونَ أَهْلِ الْحَرْبِ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَثْبُتُ بِالْخِطَابِ بِالْإِجْمَاعِ وَلَمْ يَثْبُتْ الْخِطَابُ فِي حَقِّهِمْ لِانْقِطَاعِ وِلَايَةِ التَّبْلِيغِ وَالْإِلْزَامِ فَكَانُوا فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ أَعْنِي ثُبُوتَ الْعِصْمَةِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْخِطَابُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ فَكَانَ اسْتِيلَاؤُهُمْ عَلَى هَذَا الْمَالِ وَاسْتِيلَاؤُهُمْ عَلَى الصَّيْدِ سَوَاءٌ وَلَكِنْ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا اسْتِيلَاؤُهُمْ عَلَى رِقَابِنَا فَإِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ تَمَلُّكَهَا بِالِاسْتِيلَاءِ وَيَعْتَقِدُونَ إبَاحَةَ ذَلِكَ وَمَعَ هَذَا لَا يَمْلِكُونَهَا فَلِذَلِكَ ضُمَّ إلَيْهِ دَلِيلًا آخَرَ يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الْأَمْوَالِ وَالرِّقَابِ فَقَالَ وَلِأَنَّ الْعِصْمَةَ مُتَنَاهِيَةٌ يَعْنِي وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْعِصْمَةَ ثَابِتَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ إلَّا أَنَّهَا انْتَهَتْ بِانْتِهَاءِ سَبَبِهَا وَهُوَ الْإِحْرَازُ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِ الشَّيْءِ مُحَرَّمَ التَّعَرُّضِ مُحَصَّنًا لِحَقِّ الشَّرْعِ أَوْ لِحَقِّ الْعَبْدِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْإِحْرَازِ وَهُوَ يَتَحَقَّقُ بِالْيَدِ عَلَيْهِ حَقِيقَةً بِأَنْ كَانَ فِي تَصَرُّفِهِ أَوْ بِالدَّارِ عَلَى مَا عُرِفَ وَقَدْ انْتَهَى كِلَاهُمَا بِإِحْرَازِهِمْ الْمَأْخُوذَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَيَنْتَهِي الْعِصْمَةُ الثَّانِيَةُ بِهِ كَمَا يَنْتَهِي عِصْمَةُ النَّفْسِ بِانْتِهَاءِ الْإِسْلَامِ وَإِذَا انْتَهَتْ الْعِصْمَةُ بِانْتِهَاءِ سَبَبِهَا سَقَطَ النَّهْيُ وَلَمْ يَبْقَ الِاسْتِيلَاءُ مَحْظُورًا لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِنَاءً عَلَى عِصْمَةِ الْمَحَلِّ وَلَمْ يَبْقَ (فَإِنْ قِيلَ) ابْتِدَاءُ الِاسْتِيلَاءِ وَرَدَ عَلَى مَحَلٍّ مَعْصُومٍ فَيَلْغُو لِعَدَمِ مُصَادَفَتِهِ مَحَلَّهُ فَلَا يَفْسُدُ زَوَالُ الْعِصْمَةِ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَنْ أَخَذَ صَيْدَ الْحَرَمِ وَأَخْرَجَهُ لَا يَمْلِكُهُ وَلَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ يَجِبُ الضَّمَانُ وَإِنْ زَالَتْ عِصْمَةُ الْحَرَمِ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْأَخْذِ لَاقَاهُ وَهُوَ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْمِلْكِ. وَكَذَا إذَا اشْتَرَى خَمْرًا فَصَارَتْ خَلًّا لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ وَإِنْ صَارَ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ بَعْدَ زَوَالِ الْخَمْرِيَّةِ كَذَلِكَ هَذَا (قُلْنَا) قَدْ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أَنَّ لِلْفِعْلِ الْمُمْتَدِّ حُكْمَ الِابْتِدَاءِ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ كَأَنَّهُ يَحْدُثُ سَاعَةً فَسَاعَةً كَمَا فِي لُبْسِ الْخُفِّ فِي حَقِّ الْمَسْحِ وَلُبْسِ الثَّوْبِ فِي حَقِّ الْحِنْثِ، وَالِاسْتِيلَاءُ فِعْلٌ مُمْتَدٌّ فَصَارَ بَعْدَ الْإِدْخَالِ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَأَنَّهُ اسْتَوْلَى عَلَى مَالٍ غَيْرِ مَعْصُومٍ ابْتِدَاءً فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيَصْلُحُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ كَاسْتِيلَاءِ الْمُسْلِمِ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْمَالِ وَهُوَ مَالُ أَهْلِ الْحَرْبِ وَهَكَذَا نَقُولُ فِي الصَّيْدِ أَنَّهُ يَمْلِكُ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ عَنْ الْحَرَمِ حَتَّى لَوْ بَاعَ يَجُوزُ بَيْعُهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَامِعِ وَلَوْ أَكَلَهُ يَحِلُّ إلَّا أَنَّهُ يَجِبُ الْإِرْسَالُ وَلَوْ لَمْ يُرْسِلْ يَجِبُ الْجَزَاءُ تَعْظِيمًا لِلْحَرَمِ وَصِيَانَةً لِحُرْمَتِهِ فَإِنَّا لَوْ قُلْنَا بِأَنَّ مَنْ أَخَذَ الصَّيْدَ وَأَخْرَجَهُ لَا يَجِبُ الْإِرْسَالُ وَالْجَزَاءُ يُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى تَفْوِيتِ الْأَمْنِ عَنْ الصَّيْدِ وَإِلَى هَتْكِ حُرْمَةِ الْحَرَمِ فَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْبَيْعِ فَلَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُمْتَدٍّ فَإِذَا لَمْ يُصَادِفْ مَحَلَّهُ بَطَلَ أَصْلًا وَهَذَا بِخِلَافِ اسْتِيلَائِهِمْ عَلَى رِقَابِ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ لَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ بِحَالٍ لِأَنَّ عِصْمَتَهَا عَنْ الِاسْتِرْقَاقِ ثَبَتَتْ بِالْحُرِّيَّةِ الْمُتَأَكَّدَةِ بِالْإِسْلَامِ وَلَمْ تَنْتَهِ بِالْإِحْرَازِ الْمَوْجُودِ مِنْهُمْ وَبِخِلَافِ مَا إذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ مُسْتَأْمَنًا فَاسْتَوْلَى عَلَى مَالِهِ مُسْلِمٌ حَيْثُ لَا يَمْلِكُهُ وَإِنْ لَمْ تَبْقَ الْعِصْمَةُ بِزَوَالِ الْيَدِ وَالدَّارِ جَمِيعًا، وَتَحَقَّقَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى مَالٍ غَيْرِ مَعْصُومٍ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ لَمْ يَتِمَّ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ بِالْإِحْرَازِ وَالْمُسْلِمُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ وَمَالَهُ بِدَارِهِمْ بَلْ يَدْخُلُهَا عَلَى سَبِيلِ الْعَارِيَّةِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ أَهْلِ

стр. 284

وَأَمَّا الْمِلْكُ بِالْغَصْبِ فَلَا يَثْبُتُ مَقْصُودًا بِهِ بَلْ شَرْطًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَهُوَ الضَّمَانُ لِأَنَّهُ شُرِعَ جَبْرًا وَلَا جَبْرَ مَعَ بَقَاءِ الْأَصْلِ عَلَى مِلْكِهِ إذْ الْجَبْرُ يَعْتَمِدُ الْفَوَاتَ ــ [كشف الأسرار] دَارِ الْإِسْلَامِ حَيْثُمَا كَانَ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. وَحَقِيقَةُ الْخِلَافِ أَنَّ عِصْمَةَ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ يَثْبُتُ بِالْإِحْرَازِ بِالدَّارِ أَمْ بِمُجَرَّدِ الْإِسْلَامِ فَعِنْدَنَا تَثْبُتُ بِالْإِحْرَازِ وَعِنْدَهُ تَثْبُتُ بِالْإِسْلَامِ أَوْ بِمَا يَخْلُفُهُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَهُوَ عَقْدُ الذِّمَّةِ وَقَدْ عُرِفَ تَحْقِيقُهُ فِي مَوْضِعِهِ ثُمَّ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَمَّا زَالَ الْعَاصِمُ وَهُوَ الْإِحْرَازُ بِالدَّارِ بَطَلَتْ الْعِصْمَةُ فَيُمْلَكُ بِالِاسْتِيلَاءِ لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ عَلَى مَالِ غَيْرِ مَعْصُومٍ لَيْسَ بِمَحْظُورٍ فَيَصْلُحُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ وَعِنْدَهُ لَمَّا بَقِيَ الْعَاصِمُ وَهُوَ إسْلَامُ الْمَالِكِ لَمْ تَزُلْ الْعِصْمَةُ فَلَا يُمْلَكُ بِالِاسْتِيلَاءِ لِأَنَّهُ مَحْظُورٌ فَلَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ الَّذِي هُوَ نِعْمَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْمِلْكُ بِالْغَصْبِ] قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْمِلْكُ بِالْغَصْبِ) إلَى آخِرِهِ جَوَابٌ عَنْ نَقْضٍ آخَرَ يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ أَيْضًا وَوَجْهُ وُرُودِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الِاسْتِيلَاءِ وَاعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ مَشَايِخِنَا قَالُوا سَبَبُ الْمِلْكِ فِي الْمَغْصُوبِ لِلْغَاصِبِ تَقَرُّرُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ كَيْ لَا يَجْتَمِعَ الْبَدَلُ وَالْمُبْدَلُ فِي مِلْكِ شَخْصٍ وَاحِدٍ وَلَكِنَّ هَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ الْمِلْكَ عِنْدَنَا يَثْبُتُ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ وَلِهَذَا نَفَذَ بَيْعُ الْغَاصِبِ وَسُلِّمَ الْكَسْبُ لَهُ وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْغَصْبُ هُوَ السَّبَبُ الْمُوجِبُ لِلْمِلْكِ عِنْدَ أَدَاءِ الضَّمَانِ وَهَذَا أَيْضًا وَهْمٌ فَإِنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ عِنْدَ أَدَاءِ الضَّمَانِ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ لِلْغَاصِبِ حَقِيقَةً وَلِهَذَا لَا يُسَلَّمُ لَهُ الْوَلَدُ وَلَوْ كَانَ الْغَصْبُ هُوَ السَّبَبَ لِلْمِلْكِ لَكَانَ إذَا تَمَّ لَهُ الْمِلْكُ بِذَلِكَ السَّبَبِ يَمْلِكُ الزَّوَائِدَ الْمُتَّصِلَةَ وَالْمُنْفَصِلَةَ كَالْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ إذَا تَمَّ بِالْإِجَازَةِ يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ بِزَوَائِدِهِ الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ. وَمَعَ هَذَا فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ بَعْضُ الشُّنْعَةِ لِأَنَّ الْغَصْبَ عُدْوَانٌ مَحْضٌ فَلَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فَالْأَسْلَمُ أَنْ يُقَالَ الْغَصْبُ يُوجِبُ رَدَّ الْعَيْنِ وَرَدَّ الْقِيمَةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ رَدِّ الْعَيْنِ بِطَرِيقِ الْجَبْرِ مَقْصُودًا بِهَذَا السَّبَبِ ثُمَّ يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِهِ لِلْغَاصِبِ شَرْطًا لِلْقَضَاءِ بِالْقِيمَةِ لَا حُكْمًا ثَابِتًا بِالْغَصْبِ مَقْصُودًا وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الْوَلَدَ لِأَنَّ الْمِلْكَ كَانَ شَرْطًا لِلْقَضَاءِ بِالْقِيمَةِ وَالْوَلَدُ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِالْقِيمَةِ وَهُوَ بَعْدَ الِانْفِصَالِ لَيْسَ بِتَبَعٍ فَلَا يَثْبُتُ هَذَا الْحُكْمُ فِيهِ بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ فَإِنَّهَا تَبَعٌ مَحْضٌ وَالْكَسْبُ كَذَلِكَ بَدَلُ الْمَنْفَعَةِ فَيَكُونُ تَبَعًا مَحْضًا وَثُبُوتُهُ فِي الْبَيْعِ بِثُبُوتِهِ فِي الْأَصْلِ سَوَاءٌ ثَبَتَ فِي الْمَتْبُوعِ مَقْصُودًا بِسَبَبِهِ أَوْ شَرْطًا لِغَيْرِهِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَلَا بُدَّ مِنْ كَشْفِ سِرِّ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ يَجِبُ بِمُقَابَلَةِ الْيَدِ الْفَائِتَةِ أَمْ بِمُقَابَلَةِ الْعَيْنِ فَعِنْدَنَا يَجِبُ بِمُقَابَلَةِ الْعَيْنِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ يَجِبُ بِمُقَابَلَةِ الْيَدِ قَالَ لِأَنَّ الْمَضْمُونَ بِالْغَصْبِ مَا فَاتَ بِالْغَصْبِ وَهُوَ الْيَدُ فَكَانَ شَرْعُ الضَّمَانِ لِجَبْرِ مَا ذَكَرْنَا مَا فَاتَ عَلَى الْمَالِكِ لِأَنَّهُ ضَمَانُ جَبْرٍ بِالِاتِّفَاقِ لَا بِإِزَاءِ مَا هُوَ قَائِمٌ لِيَفُوتَ وَإِذَا كَانَ الضَّمَانُ لِجَبْرِ مَا ذَكَرْنَا بَقِيَ الْمِلْكُ فِي الْمَغْصُوبِ كَمَا كَانَ. وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ الْمِلْكُ فِي الضَّمَانِ لِلْمَالِكِ يَدًا لَا ذَاتًا عَلَى مِثَالِ الْمَضْمُونِ لَكِنَّ إثْبَاتَ يَدِ الْمِلْكِ بِدُونِ مِلْكِ الذَّاتِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَإِنَّ الْيَدَ كَانَتْ ثَابِتَةً عَلَى وَجْهٍ يَتَمَكَّنُ بِهَا مِنْ الِانْتِفَاعِ وَهَذَا بِدُونِ مِلْكِ الذَّاتِ لَا يُتَصَوَّرُ فَأَثْبَتْنَا الْمِلْكَ فِي الذَّاتِ ضَرُورَةَ تَحَقُّقِ الْمُمَاثَلَةِ بَيْنَ الْفَائِتِ وَالْجَابِرِ وَمَا ثَبَتَ ضَرُورَةً غَيْرُهُ كَانَ عَدَمًا فِي حَقِّ نَفْسِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَغْصُوبَ إذَا كَانَ مُدَبَّرًا وَتَعَذَّرَ رَدُّهُ وَجَبَ الضَّمَانُ مُقَابَلًا بِالْيَدِ بِالِاتِّفَاقِ وَيَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهِ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ ضَرُورَةَ تَحَقُّقِ الْمُمَاثَلَةِ وَفَصْلُ الْمُدَبَّرِ يُوَضِّحُ أَنَّ الضَّمَانَ بِمُقَابَلَةِ الْيَدِ إذْ لَوْ كَانَ بَدَلًا عَنْ الْعَيْنِ وَكَانَ مِنْ شَرْطِ الْقَضَاءِ بِهِ زَوَالُ مِلْكِ الْمَالِكِ عَنْ الْعَيْنِ لَمَّا قَضَى الْقَاضِي بِهِ فِي مَحَلِّهِ لَا يَتَحَقَّقُ هَذَا

стр. 285

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كشف الأسرار] الشَّرْطُ وَإِنْ تَمَّ بِقَضَاءٍ بِالْقَاضِي يَنْبَغِي أَنْ يَزُولَ مِلْكُهُ عَنْ الْمُدَبَّرِ كَمَا لَوْ قَضَى بِجَوَازِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الضَّمَانَ بِمُقَابَلَةِ قَطْعِ الْيَدِ لَمْ تَقَعْ الْحَاجَةُ إلَى إزَالَةِ مِلْكِ الْعَيْنِ عَنْ الْمَالِكِ إلَى الْغَاصِبِ كَمَا فِي الْمُدَبَّرِ إذَا لَيْسَ فِيهِ اجْتِمَاعُ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ فِي مِلْكِ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ «قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الشَّاةِ الْمَغْصُوبَةِ الْمَصْلِيَّةِ أَطْعِمُوهَا الْأَسَارَى» فَقَدْ أَمَرَهُمْ بِالتَّصَدُّقِ بِهَا وَلَوْ لَمْ يَمْلِكُوهَا لَمَا أَمَرَهُمْ بِهِ لِأَنَّ التَّصَدُّقَ بِمِلْكِ الْغَيْرِ إذَا كَانَ مَالِكُهَا مَعْلُومًا لَا يَجُوزُ وَلَكِنْ يَحْفَظُ عَلَيْهِ عَيْنَ مِلْكِهِ فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ يُبَاعُ فَيُحْفَظُ عَلَيْهِ ثَمَنُهُ وَلِأَنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا يَجِبُ بِمُقَابَلَةِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَمَقْصُودُ صَاحِبِ الدَّرَاهِمِ مَثَلًا عَيْنُ الدَّرَاهِمِ لَا امْتِلَاءُ كِيسِهِ وَيَدِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ تُقَوَّمُ الْعَيْنُ بِهِ وَيُسَمَّى الْوَاجِبُ قِيمَةَ الْعَيْنِ لَا قِيمَةَ الْيَدِ وَيَتَقَدَّرُ بِمَالِيَّةِ الْعَيْنِ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ خَلَّفَ عَنْ الضَّمَانِ الْأَصْلِيِّ بِالْغَصْبِ، وَالْمَضْمُونُ الْأَصْلِيُّ هُوَ الْمَالُ الْمَغْصُوبُ بِعَيْنِهِ بِالْإِجْمَاعِ وَعَلَيْهِ رَدُّهُ إلَى مَالِكِهِ لِيَخْرُجَ عَنْ الضَّمَانِ الْأَصْلِيِّ بِالْغَصْبِ فَكَذَا الْخُلْفُ يَكُونُ خُلْفًا عَنْ ذَلِكَ الْمَضْمُونِ وَهُوَ الْمَالُ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ فَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ إلَى مَا ذَكَرَهُ الْخَصْمُ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ هَذَا كَمَا لَا يُقْضَى بِالْقِيمَةِ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ يَمِينِ الْمَغْصُوبِ وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا قَالَهُ الْخَصْمُ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمُتَقَوِّمَ بَدَلًا عَمَّا لَيْسَ بِمُتَقَوِّمٍ مَعَ إمْكَانِ جَعْلِهِ بَدَلًا عَنْ الْمُتَقَوِّمِ وَلَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ فِي الشَّرْعِ وَنَحْنُ جَعَلْنَاهُ بَدَلًا عَمَّا هُوَ مُتَقَوِّمٌ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْوَاجِبَ بَدَلُ الْعَيْنِ وَإِنَّمَا يَجِبُ بِطَرِيقِ الْجَبْرِ بِالْإِنْفَاقِ، وَالْجَبْرُ يَسْتَدْعِي الْفَوَاتَ لَا مَحَالَةَ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجْبُرُ الْفَائِتَ دُونَ الْقَائِمِ كَانَ مِنْ ضَرُورَةِ الْقَضَاءِ بِقِيمَةِ الْعَيْنِ انْعِدَامُ مِلْكِهِ فِي الْعَيْنِ لِيَكُونَ جَبْرًا لِمَا فَاتَ وَلِتَتَحَقَّقَ الْمُمَاثَلَةُ الَّتِي هِيَ شَرْطُ ضَمَانِ الْعُدْوَانِ وَمَا لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ إلَّا بِشَرْطٍ فَإِذَا وَقَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى إثْبَاتِهِ يُقَدَّمُ شَرْطُهُ عَلَيْهِ لَا مَحَالَةَ كَمَا فِي قَوْلِهِ اعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَعْتَقَهُ يُقَدَّمُ التَّمْلِيكُ مِنْهُ عَلَى نُفُوذِ الْعِتْقِ عَنْهُ ضَرُورَةَ كَوْنِهِ شَرْطًا فِي الْمَحَلِّ لَا أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ أَعْتِقْهُ عَنِّي سَبَبًا لِلتَّمْلِيكِ مَقْصُودًا وَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّا نُثْبِتُ بِالْعُدْوَانِ الْمَحْضِ مَا هُوَ حَسَنٌ مَشْرُوعٌ بِهِ وَهُوَ الْقَضَاءُ بِالْقِيمَةِ جَبْرًا لِحَقِّهِ فِي الْفَائِتِ ثُمَّ انْعِدَامُ الْمِلْكِ فِي الْعَيْنِ لَمَّا كَانَ مِنْ شَرْطِ هَذَا الْمَشْرُوعِ يَثْبُتُ بِهِ فَيَكُونُ حَسَنًا بِحُسْنِهِ. وَصَحَّ الْأَمْرُ بِإِيجَابِ الْبَدَلِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ شَرْطُهُ بَعْدُ وَهُوَ عَدَمُ مِلْكِ الْأَصْلِ إذَا كَانَ الشَّرْطُ مِمَّا يَثْبُتُ بِالِائْتِمَارِ بِهِ مُقْتَضًى كَالْأَمْرِ بِالْإِعْتَاقِ صَحَّ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ مِلْكُ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ مِمَّا يَثْبُتُ مُقْتَضَى الِائْتِمَارِ بِهِ فَإِذَا أَعْتَقَ يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِالشِّرَاءِ أَوَّلًا ثُمَّ الْعِتْقُ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِالشِّرَاءِ ثُمَّ أَمَرَ بِالْإِعْتَاقِ فَكَذَا هَهُنَا يَزُولُ مِلْكُ الْأَصْلِ أَوَّلًا مُقْتَضًى بِهِ ثُمَّ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِلْكُ الْبَدَلِ كَمَا لَوْ أَتَى بِمَا يَنُصُّ عَلَى الْإِزَالَةِ مِنْ ضَمَانِ بَيْعٍ وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْغَصْبَ مُوجِبٌ لِلْمِلْكِ فِي الْبَدَلَيْنِ كَالْبَيْعِ إلَّا أَنَّهُ أَوْجَبَ اقْتِضَاءً وَالشِّرَاءَ نَصًّا (فَإِنْ قِيلَ) قَدْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ بَدَلُ الْعَيْنِ إلَّا أَنَّهُ بَدَلُ خِلَافَةٍ لَا بَدَلُ مُقَابَلَةٍ لِأَنَّ فِي بَدَلِ الْمُقَابَلَةِ قِيَامَ الْمُبْدَلِ شَرْطٌ كَالثَّمَنِ مَعَ الْمُثْمَنِ لِيُقَابِلَ بِهِ الْبَدَلَ، وَفِي بَدَلِ الْخِلَافَةِ الشَّرْطُ عَدَمُ الْأَصْلِ لِيَقُومَ الْخَلَفُ مَقَامَهُ كَالتَّيَمُّمِ مَعَ الْوُضُوءِ وَالِاعْتِدَادِ بِالْأَشْهُرِ مَعَ الِاعْتِدَادِ بِالْأَقْرَاءِ ثُمَّ هَهُنَا عَدَمُ الْأَصْلِ شَرْطٌ فَعُلِمَ أَنَّهُ بَدَلُ خِلَافَةٍ وَفِي بَدَلِ الْخِلَافَةِ إذَا ثَبَتَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْأَصْلِ سَقَطَ حُكْمُ الْخَلَفِ كَالْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ إذَا حَصَلَتْ أَسْقَطَتْ

стр. 286

وَشَرْطُ الْحُكْمِ تَابِعٌ لَهُ فَصَارَ حَسَنًا لِحُسْنِهِ وَإِنَّمَا قَبُحَ لَوْ كَانَ مَقْصُودًا بِهِ وَفِي ضَمَانِ الْمُدَبَّرِ قُلْنَا بِزَوَالِ الْمُدَبَّرِ عَنْ مِلْكِ الْمَوْلَى لِكَوْنِهِ مَالًا مَمْلُوكًا تَحْقِيقًا لِشَرْطِ الْمَشْرُوعِ وَهُوَ وُجُوبُ الضَّمَانِ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي صِيَانَةً لِحَقِّهِ وَلِأَنَّ ضَمَانَ الْمُدَبَّرِ جُعِلَ مُقَابَلًا بِالْفَائِتِ وَهُوَ الْيَدُ دُونَ الرَّقَبَةِ وَهَذَا طَرِيقٌ جَائِزٌ لَكِنْ لَا يُصَارُ إلَيْهِ عَنْ الْمُقَابَلَةِ بِالرَّقَبَةِ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ وَالضَّرُورَةِ فَالطَّرِيقُ الْأَوَّلُ وَاجِبٌ وَهَذَا جَائِزٌ. وَأَمَّا الزِّنَا فَلَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ أَصْلًا بِنَفْسِهِ إنَّمَا هُوَ سَبَبٌ لِلْمَاءِ وَالْمَاءُ سَبَبٌ لِلْوَلَدِ وُجُودًا ــ [كشف الأسرار] التَّيَمُّمَ فَهَهُنَا إذَا عَادَ الْعَبْدُ مِنْ الْإِبَاقِ جَاءَتْ الْقُدْرَةُ عَلَى الْأَصْلِ فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ اعْتِبَارُ الْخَلَفِ (قُلْنَا) نَحْنُ نُسَلِّمُ أَنَّهُ بَدَلُ خِلَافَةٍ وَلَكِنَّا نَحْتَاجُ إلَى إزَالَةِ الْأَصْلِ عَنْ مِلْكِهِ حَالَ مَا يَقْضِي الْقَاضِي بِإِدْخَالِ الْبَدَلِ فِي مِلْكِهِ احْتِرَازًا عَنْ اجْتِمَاعِ الْبَدَلِ وَالْمَبْدُولِ فِي مِلْكٍ وَاحِدٍ فَإِذَا دَخَلَ الْبَدَلُ فِي مِلْكِهِ وَزَالَ الْأَصْلُ عَنْ مِلْكِهِ وَوَقَعَ الْفَرَاغُ عَنْهُ لَا يُلْتَفَتُ إلَى حُصُولِ الْقُدْرَةِ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ بَعْدَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَدَلِ فَلَا يُوجِبُ سُقُوطَ اعْتِبَارِ الْبَدَلِ كَمَنْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْمَاءِ قَوْلُهُ. (وَشَرْطُ الشَّيْءِ تَابِعٌ لَهُ) لِأَنَّهُ يَثْبُتُ لِتَصْحِيحِ الْغَيْرِ لَا أَنْ يَثْبُتَ مَقْصُودًا بِنَفْسِهِ وَلِهَذَا يَثْبُتُ بِثُبُوتِ الْمَشْرُوطِ وَيَسْقُطُ بِسُقُوطِهِ كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ (فَصَارَ) أَيْ ثُبُوتُ الْمِلْكِ لِلْغَاصِبِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ (حَسَنًا بِحُسْنِهِ) أَيْ بِحُسْنِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي هُوَ مَشْرُوطُهُ وَهُوَ الضَّمَانُ وَإِنْ قَبُحَ أَنْ لَوْ ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْغَاصِبِ مَقْصُودًا بِالْغَصْبِ ثُمَّ أَجَابَ الشَّيْخُ عَنْ فَصْلِ الْمُدَبَّرِ بِوَجْهَيْنِ تَقْرِيرُ الْأَوَّلِ أَنَّا نَقُولُ فِي فَصْلِ الْمُدَبَّرِ بِزَوَالِهِ عَنْ مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ بَعْدَ تَقَرُّرِ حَقِّهِ فِي الْقِيمَةِ تَحْقِيقًا لِشَرْطِ الْمَشْرُوعِ وَهُوَ الضَّمَانُ وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يَظْهَرْ الْمُدَبَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ وَظَهَرَ لَهُ كَسْبٌ كَانَ لِلْغَاصِبِ دُونَ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَلَكِنْ لَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْغَاصِبِ صِيَانَةً لِحَقِّ الْمُدَبَّرِ فَإِنَّ حَقَّ الْعِتْقِ ثَبَتَ لَهُ بِالتَّدْبِيرِ، وَالْمِلْكُ فِي الْمُدَبَّرِ يَحْتَمِلُ الزَّوَالَ وَلَكِنْ لَا يَحْتَمِلُ الِانْتِقَالَ، وَالزَّوَالُ كَافٍ لِتَحَقُّقِ الشَّرْطِ فَيَثْبُتُ هَذَا الْقَدْرُ وَنَظِيرُهُ الْوَقْفُ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ (فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي) أَرَادَ بِهِ الْغَاصِبَ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُشْتَرِي عِنْدَ أَدَاءِ الضَّمَانِ وَتَقْدِيرُ الثَّانِي أَنَّ فِي الْمُدَبَّرِ الْقِيمَةَ لَيْسَتْ بِبَدَلٍ عَنْ الْعَيْنِ لِأَنَّ مَا هُوَ شَرْطُهُ وَهُوَ انْعِدَامُ الْمِلْكِ فِي الْعَيْنِ مُتَعَذِّرٌ فِي الْمُدَبَّرِ فَيُجْعَلُ هَذَا خَلَفًا عَنْ النُّقْصَانِ الَّذِي حَلَّ بِيَدِهِ وَلَكِنْ هَذَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ فَفِي كُلِّ مَحَلٍّ يُمْكِنُ إيجَادُ الشَّرْطِ فِيهِ لَا يَتَحَقَّقُ الضَّرُورَةُ فَيُجْعَلُ بَدَلًا عَنْ الْعَيْنِ وَإِذَا تَعَذَّرَ إيجَادُ الشَّرْطِ يُجْعَلُ خَلَفًا عَنْ النُّقْصَانِ الَّذِي حَلَّ بِيَدِهِ وَنَظِيرُهُ فَصْلَانِ أَحَدُهُمَا ضَمَانُ الْعِتْقِ فَإِنَّهُ بِمُقَابَلَةِ الْعَيْنِ فِي كُلِّ مَحَلٍّ يَحْتَمِلُ إيجَادَ شَرْطِهِ وَهُوَ تَمْلِيكُ الْعَيْنِ وَفِيمَا لَا يَحْتَمِلُ إيجَادَ الشَّرْطِ كَالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ عِنْدَهُمْ لَا يُجْعَلُ بَدَلًا عَنْ الْعَيْنِ وَكَذَلِكَ ضَمَانُ الصُّلْحِ فَإِنَّهُ إذَا أَخَذَ الْقِيمَةَ بِالتَّرَضِّي كَانَ الْمَأْخُوذُ بَدَلًا عَنْ الْعَيْنِ فِي كُلِّ مَحَلٍّ يَحْتَمِلُ تَمْلِيكُ الْعَيْنِ وَفِي كُلِّ مَحَلٍّ لَا يَحْتَمِلُ تَمْلِيكَ الْعَيْنِ بِجَعْلِ الْمَأْخُوذِ بِمُقَابَلَةِ الْجِنَايَةِ الَّتِي حَلَّتْ بِيَدِهِ فَكَذَلِكَ إذَا أَخَذَ الْقِيمَةَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. قَوْلُهُ (فَالطَّرِيقُ الْأَوَّلُ) أَيْ جَعْلُ الضَّمَانِ مُقَابَلًا بِالْعَيْنِ (وَاجِبٌ) أَيْ ثَابِتٌ مُتَقَرِّرٌ لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ (وَهَذَا) أَيْ جَعْلُهُ مُقَابَلًا بِقَطْعِ الْيَدِ (جَائِزٌ) أَيْ مُمْكِنٌ مُحْتَمَلٌ يَجُوزُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَالْمَجَازِ مَعَ الْحَقِيقَةِ لَا يَتْرُكُ الْحَقِيقَةَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَيُصَارُ إلَى الْمَجَازِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ. [الزِّنَا لَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ أَصْلًا بِنَفْسِهِ] قَوْلُهُ (وَأَمَّا الزِّنَا فَلَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ أَصْلًا) وَهَذَا يَرِدُ نَقْضًا عَلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ أَيْضًا بِالطَّرِيقِ الَّذِي مَرَّ ذِكْرُهُ فَقَالَ نَحْنُ لَا نُوجِبُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ بِالزِّنَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ زِنًا وَلَكِنَّا جَعَلْنَاهُ مُوجِبًا لِهَذِهِ الْحُرْمَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ سَبَبٌ لِلْمَاءِ كَالْوَطْءِ الْحَلَالِ وَالْمَاءُ سَبَبٌ لِوُجُودِ الْوَلَدِ الَّذِي هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْكَرَامَاتِ وَالْحُرُمَاتِ. وَبَيَانُهُ أَنَّ أَصْلَ هَذِهِ الْحُرْمَةِ فِي الْوَطْءِ الْحَلَالِ لَيْسَ لِعَيْنِ الْمِلْكِ وَلَكِنْ لِمَعْنَى الْبَعْضِيَّةِ وَهُوَ أَنَّ

стр. 287

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كشف الأسرار] مَاءَ الرَّجُلِ يَخْتَلِطُ بِمَاءِ الْمَرْأَةِ فِي الرَّحِمِ وَيَصِيرَانِ شَيْئًا وَاحِدًا وَيَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الْإِنْسَانِ يَعْتِقُ وَيُوصَى لَهُ وَيَرِثُ وَبَيْنَ الْوَاطِئِ وَالْمَاءِ بَعْضِيَّةٌ وَكَذَا بَيْنَ الْمَوْطُوءَةِ وَهَذَا الْمَاءِ فَيَصِيرُ بَعْضُهَا مُخْتَلِطًا بِبَعْضِهِ فَيَثْبُتُ حُكْمُ الْبَعْضِيَّةِ الَّتِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ أُمَّهَاتِهَا وَبَنَاتِهَا، وَالْبَعْضِيَّةُ الَّتِي بَيْنَ الْوَاطِئِ وَآبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ لِذَلِكَ الْمَاءِ الَّذِي هُوَ بَعْضُهَا وَإِذَا ثَبَتَ لِلْمَاءِ وَالْمَاءُ بَعْضُهُمَا تَعَدَّتْ الْبَعْضِيَّةُ إلَيْهِمَا ثُمَّ لَمَّا صَارَ هَذَا الْمَاءُ إنْسَانًا اسْتَحَقَّ سَائِرَ كَرَامَاتِ الْبَشَرِ وَمِنْ جُمْلَتِهَا حُرْمَةُ الْمَحَارِمِ فَيَثْبُتُ الْحُرْمَةُ فِي حَقِّهِ لِلْبَعْضِيَّةِ أَعْنِي تَحْرُمُ عَلَيْهِ أُمَّهَاتُ الْمَوْطُوءَةِ وَبَنَاتُهَا وَأَبَاءُ الْوَاطِئِ وَأَبْنَاؤُهُ لِلْبَعْضِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَعَدَّى مِنْهُ هَذِهِ الْحُرْمَةَ إلَى الطَّرَفَيْنِ لِتَعَدِّي الْبَعْضِيَّةِ مِنْهُ إلَيْهِمَا أَيْ يَتَعَدَّى حُرْمَةَ آبَاءِ الْوَاطِئِ وَأَبْنَائِهِ مِنْ الْوَلَدِ إلَى الْمَرْأَةِ وَحُرْمَةَ أُمَّهَاتِ الْمَوْطُوءَةِ وَبَنَاتِهَا مِنْهُ إلَى الرَّجُلِ لِصَيْرُورَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ بَعْضًا لِلْآخَرِ بِوَاسِطَتِهِ لِأَنَّ جُزْأَهُ صَارَ جُزْءًا مِنْهَا إذْ الْوَلَدُ مُضَافٌ بِكَمَالِهِ إلَيْهَا وَجُزْؤُهَا صَارَ جُزْءًا مِنْهُ لِأَنَّهُ مُضَافٌ إلَيْهِ بِتَمَامِهِ أَيْضًا فَصَارَ الْوَلَدُ عَلَى هَذَا التَّحْقِيقِ سَبَبًا لِثُبُوتِ الْحُرْمَةِ بَيْنَهُمَا بِالْبَعْضِيَّةِ الَّتِي تَحْدُثُ بَيْنَهُمَا بِوَاسِطَتِهِ حُكْمًا. وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى تَعْلِيلُ عُمَرَ ﵁ فِي عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ بِهِ حَيْثُ قَالَ كَيْفَ تَبِيعُونَهُنَّ وَقَدْ اخْتَلَطَتْ لُحُومُكُمْ بِلُحُومِهِنَّ وَدِمَاؤُكُمْ بِدِمَائِهِنَّ ثُمَّ أُقِيمَ الْوَطْءُ مَقَامَ الْوَلَدِ لِأَنَّ الْوُقُوفَ عَلَى حَقِيقَةِ الْعُلُوقِ مُتَعَذِّرٌ وَهُوَ سَبَبٌ ظَاهِرٌ مُفْضٍ إلَيْهِ فَأُقِيمَ مَقَامَهُ وَجُعِلَ الْوَلَدُ كَالْحَاصِلِ تَقْدِيرًا وَاعْتِبَارًا لِلِاحْتِيَاطِ وَكَمَا أَنَّ الْوَطْءَ الْحَلَالَ مُفْضٍ إلَيْهِ فَكَذَا الْحَرَامُ مُفْضٍ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ بَيْنَهُمَا فِي الْإِفْضَاءِ إلَيْهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَقُومَ مَقَامَهُ فِي إثْبَاتِ الْحُرْمَةِ أَيْضًا، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُثْبِتَ الْحُرْمَةَ بَيْنَ الْوَاطِئِ وَالْمَوْطُوءَةِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَارَ بَعْضًا لِلْآخَرِ وَالِاسْتِمْتَاعُ بِالْبَعْضِ حَرَامٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] وَبِقَوْلِهِ ﵇ «نَاكِحُ الْيَدِ مَلْعُونٌ» إلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُ فِي حَقِّ الْمَوْطُوءَةِ ضَرُورَةَ إقَامَةِ النَّسْلِ كَمَا سَقَطَتْ حَقِيقَةُ الْبَعْضِيَّةِ فِي حَقِّ آدَمَ ﵇ لِهَذَا الْمَعْنَى حَتَّى حَلَّتْ حَوَّاءُ لِآدَمَ ﵇ وَقَدْ خُلِقَتْ مِنْهُ حَقِيقَةً، وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ بِنْتُهُ ثُمَّ هَذِهِ الْبَعْضِيَّةُ لَا يَخْتَلِفُ بِالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ فَلَا يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْحُرْمَةِ وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ حُكْمُ هَذِهِ الْبَعْضِيَّةِ بِالْمَحَلِّ فَإِنَّ إلْقَاءَ الْبَذْرِ إنَّمَا يَكُونُ حَرْثًا فِي الْمَحَلِّ الَّذِي خُلِقَ مَنْبَتًا لَهُ وَذَلِكَ النِّسَاءُ لَا الرِّجَالُ إلَّا أَنَّ إتْيَانَ دُبُرِ الْمَرْأَةِ يُوجِبُ الْحُرْمَةَ عِنْدَنَا لِمَعْنَى الْمِسَاسِ عَنْ شَهْوَةٍ وَأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْوَطْءِ الَّذِي هُوَ حَرْثٌ مِنْ النِّسَاءِ وَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْ الرَّجُلِ سَبَبًا لِوَطْءٍ هُوَ حَرْثٌ وَالْبَعْضِيَّةُ فِي الْحَرْثِ فَمَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ لَا يَكُونُ عِلَّةً لِلْحُرْمَةِ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ. فَلِهَذَا قُلْنَا لَا تَثْبُت الْحُرْمَةُ بِاللِّوَاطَةِ وَلَا بِوَطْءِ الْمَيْتَةِ وَلَا بِوَطْءِ الصَّغِيرَةِ وَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ زِنًا مُوجِبٌ لِلْحَدِّ لَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْكَرَامَةِ كَمَا قَالَ وَلَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ حَرْثٌ لِلْوَلَدِ وَهُوَ مُبَاحٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْحُرْمَةِ، وَالْكَرَامَةُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ حَرْثٌ فَيَكُونُ هَذِهِ الْحُرْمَةُ مُضَافَةً إلَى مَا هُوَ مُبَاحٌ لَا إلَى مَا هُوَ مَحْظُورٌ أَلَا تَرَى أَنَّ فِي جَانِبِهَا الْفِعْلَ زِنًا تُرْجِمَ عَلَيْهِ وَإِذَا حَبِلَتْ بِهِ كَانَ لِذَلِكَ الْوَلَدِ مِنْ الْحُرْمَةِ مَا لِغَيْرِهِ مِنْ بَنِي آدَمَ وَيَكُونُ نَسَبُهُ ثَابِتًا مِنْهَا وَتَحْرُمُ هِيَ عَلَيْهِ وَيُتَوَقَّفُ فِي رَجْمِ الْأُمِّ إلَى أَنْ تَلِدَ وَيَنْقَطِعَ الرَّضَاعُ وَثُبُوتُ هَذَا كُلِّهِ بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ لِأَنَّهُ حَرْثٌ لَا لِأَنَّهُ

стр. 288

وَالْوَلَدُ هُوَ الْأَصْلُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْحُرُمَاتِ وَلَا عِصْيَانَ وَلَا عُدْوَانَ فِيهِ ثُمَّ يَتَعَدَّى مِنْهُ إلَى أَطْرَافِهِ وَيَتَعَدَّى مِنْهُ إلَى أَسْبَابِهِ وَمَا يُعْمَلُ لِقِيَامِهِ مَقَامَ غَيْرِهِ فَإِنَّمَا يُعْمَلُ بِعِلَّةِ الْأَصْلِ أَلَا تَرَى أَنَّ التُّرَابَ لَمَّا قَامَ مَقَامَ الْمَاءِ نُظِرَ إلَى كَوْنِ الْمَاءِ مُطَهِّرًا وَسَقَطَ وَصْفُ التُّرَابِ فَكَذَلِكَ يُهْدَرُ وَصْفُ الزِّنَا بِالْحُرْمَةِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ مَا لَا يُوصَفُ بِذَلِكَ فِي إيجَابِ حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ. ــ [كشف الأسرار] زِنًا فَكَذَلِكَ هَهُنَا وَإِنَّمَا لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ مِنْ جَانِبِهِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الِانْتِسَابِ التَّشَرُّفُ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الزَّانِي (فَإِنْ قِيلَ) فَعَلَى مَا ذَكَرْتُمْ يَكُونُ الزِّنَا مَحْظُورًا مِنْ وَجْهٍ مُبَاحًا مِنْ وَجْهٍ وَهَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا وَجَبَ بِهِ الْحَدُّ كَمَا فِي الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ (قُلْنَا) هَذَا الْفِعْلُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ زِنًا مَحْظُورٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَكِنْ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ سَبَبًا لِلْبَعْضِيَّةِ لَيْسَ بِمَحْظُورٍ وَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ لِلْفِعْلِ جِهَتَانِ إحْدَاهُمَا مَشْرُوعٌ وَالْأُخْرَى مَحْظُورٌ كَمَا مَرَّ، فَوُجُوبُ الْحَدِّ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ زِنًا وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ هُوَ مَحْظُورٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَثُبُوتُ وَصْفٍ آخَرَ لِأَصْلِ الْفِعْلِ لَا يَقْدَحُ فِي الْفِعْلِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ زِنًا لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ فِيهِ مِلْكًا وَلَا شُبْهَةً فَلَا يُوقِعُ خَلَلًا فِيمَا هُوَ سَبَبٌ لِلْحَدِّ فَيَجِبُ الْحَدُّ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الشَّرْعُ أَعْرَضَ عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ فِي بَابِ الْحَدِّ لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ عَنْهَا. وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا قَالُوا الْحُرْمَةُ تَثْبُتُ هَهُنَا بِطَرِيقِ الْعُقُوبَةِ كَمَا يَثْبُتُ حِرْمَانُ الْمِيرَاثِ فِي حَقِّ الْقَاتِلِ عُقُوبَةً وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] وَعَلَى هَذَا الطَّرِيقِ يَقُولُونَ الْمَحْرَمِيَّةُ لَا تَثْبُتُ حَتَّى لَا تُبَاحَ الْخَلْوَةُ وَالْمُسَافَرَةُ وَلَكِنَّ هَذَا فَاسِدٌ فَإِنَّ التَّعْلِيلَ لِتَعْدِيَةِ حُكْمِ النَّصِّ لَا لِإِثْبَاتِ حُكْمٍ آخَرَ سِوَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فَإِنَّ ابْتِدَاءَ الْحُكْمِ لَا يَجُوزُ إثْبَاتُهُ بِالتَّعْلِيلِ، وَالْمَنْصُوصُ حُرْمَةٌ ثَابِتَةٌ بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ فَإِنَّمَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ لِتَعْدِيَةِ تِلْكَ الْحُرْمَةِ إلَى الْفُرُوعِ لَا لِإِثْبَاتِ حُرْمَةٍ أُخْرَى كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ قُلْت وَإِنَّمَا اخْتَارَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا هَذَا الطَّرِيقَ لِأَنَّ ثُبُوتَ هَذِهِ الْحُرْمَةِ لِمَا كَانَ بِطَرِيقِ الِاحْتِيَاطِ فِي إثْبَاتِ حُرْمَةِ الْمُنَاكَحَةِ وَالْمُسَافَرَةِ وَالْخَلْوَةِ جَمِيعًا كَمَا قَالُوا فِيمَا إذَا كَانَ الرَّضَاعُ ثَابِتًا غَيْرَ مَشْهُورٍ بَيْنَ النَّاسِ لَا تَحِلُّ الْمُنَاكَحَةُ وَلَا الْخَلْوَةُ وَالْمُسَافَرَةُ أَيْضًا لِلِاحْتِيَاطِ وَالِاحْتِرَازِ عَنْ التُّهْمَةِ وَمَذْهَبُنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ وَعِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ وَمَسْرُوقٍ ﵃ وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْبُرْغَرِيُّ فِي طَرِيقَتِهِ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ وَكَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ فِي الْأَسْرَارِ فَقَالَ وَيَدُلُّ لَنَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنْهُ ثُمَّ بِمَا ذَكَرْنَا خَرَجَ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ فَإِنَّا لَا نَجْعَلُ الْحَرَامَ مُحَرِّمًا لِلْحَلَالِ وَإِنَّمَا بُنِيَتْ الْحُرْمَةُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْفِعْلَ حَرْثٌ لِلْوَلَدِ وَحُرْمَةُ هَذَا الْفِعْلِ لِكَوْنِهِ زِنًا، مَعَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ مُجْرًى عَلَى ظَاهِرِهِ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْحَرَامِ يُحَرِّمُ الْحَلَالَ كَمَا إذَا وَقَعَتْ قَطْرَةٌ مِنْ خَمْرٍ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ وَكَالْوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ وَوَطْءِ الْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَوَطْءِ الْأَبِ جَارِيَةَ الِابْنِ فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ حَرَامٌ حَرَّمَ الْحَلَالَ لَا لِأَنَّهُ حَرَامٌ بَلْ لِلْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا فَكَذَلِكَ هَهُنَا كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ قَوْلُهُ (وَالْوَلَدُ هُوَ الْأَصْلُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْحُرُمَاتِ) أَيْ الْحُرُمَاتِ الْأَرْبَعِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا. (وَلَا عِصْيَانَ) بِالنَّظَرِ إلَى حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى (وَلَا عُدْوَانَ) بِالنَّظَرِ إلَى حُقُوقِ الْعِبَادِ أَيْضًا فِي الْوَلَدِ لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا عِصْيَانَ وَلَا عُدْوَانَ فِي صُنْعِهِ وَلِهَذَا اسْتَحَقَّ هَذَا الْوَلَدُ جَمِيعَ كَرَامَاتِ الْبَشَرِ الَّتِي اسْتَحَقَّهَا الْمَخْلُوقُ مِنْ مَاءِ الرَّشْدَةِ كَمَا ذَكَرْنَا (ثُمَّ يَتَعَدَّى) أَيْ الْحُرُمَاتِ الْمَذْكُورَةَ (مِنْهُ) أَيْ الْوَلَدِ (إلَى أَطْرَافِهِ) أَيْ طَرَفَيْهِ وَهُمَا الْأَبُ وَالْأُمُّ لَا غَيْرُ لِأَنَّ حُرْمَةَ أُمَّهَاتِ الْمَوْطُوءَةِ وَبَنَاتِهَا لَا يَتَعَدَّى مِنْهُ إلَّا إلَى الْأَبِ وَكَذَلِكَ حُرْمَةُ آبَاءِ الْوَاطِئِ وَأَبْنَائِهِ لَا يَتَعَدَّى إلَّا إلَى الْأُمِّ وَلَا يَسْتَقِيمُ تَفْسِيرُ الْأَطْرَافِ بِالْأَبَوَيْنِ

стр. 289

وَأَمَّا سَفَرُ الْمَعْصِيَةِ فَغَيْرُ مَنْهِيٍّ لِمَعْنًى فِيهِ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ خُرُوجٌ مَدِيدٌ مُبَاحٌ وَإِنَّمَا الْعِصْيَانُ فِي فِعْلِ قَطْعِ الطَّرِيقِ أَوْ التَّمَرُّدِ عَلَى الْمَوْلَى وَهُوَ مُجَاوِرٌ لَهُ فَكَانَ كَالْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا النَّهْيُ عَنْ الْأَفْعَالِ الْحِسِّيَّةِ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِكَمَالِ الْقُبْحِ فِيهَا وَهُوَ مُقْتَضًى مَعَ كَمَالِ الْمَقْصُودِ مُمْكِنٌ عَلَى مَا قُلْنَا وَالنَّهْيُ فِي صِفَةِ الْقُبْحِ يَنْقَسِمُ انْقِسَامَ الْأَمْرِ مَا قَبُحَ لِعَيْنِهِ وَضْعًا مِثْلُ الْكُفْرِ وَالْكَذِبِ وَالْعَبَثِ وَمَا قَبُحَ مُلْحَقًا بِالْقَسَمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ بَيْعُ الْحُرِّ وَالْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَمَّا وُضِعَ لِتَمْلِيكِ الْمَالِ كَانَ بَاطِلًا فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ وَمَا قَبُحَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ وَهُوَ الْبَيْعُ وَقْتَ النِّدَاءِ وَالصَّلَاةُ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ ــ [كشف الأسرار] وَالْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي عَامَّةِ الشُّرُوحِ فَافْهَمْ (وَيَتَعَدَّى) أَيْ سَبَبِيَّةَ ثُبُوتِ هَذِهِ الْحُرْمَةِ وَالضَّمِيرُ الْمُسْتَكِنُّ رَاجِعٌ إلَى الْمَفْهُومِ لَا إلَى الْمَذْكُورِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى مَا رَجَعَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ الْمُسْتَكِنُّ فِي يَتَعَدَّى الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لَا يَتَعَدَّى إلَى الْأَسْبَابِ وَلِهَذَا أُعِيدَ لَفْظُ يَتَعَدَّى وَإِلَّا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ وَإِلَى أَسْبَابِهِ (إلَى أَسْبَابِهِ) أَيْ أَسْبَابِ الْوَلَدِ مِنْ النِّكَاحِ وَالْوَطْءِ وَالتَّقْبِيلِ وَالْمَسِّ بِشَهْوَةٍ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَالنَّظَرِ إلَى الْفَرْجِ خِلَافًا لَهُ وَلِابْنِ أَبِي لَيْلَى (وَمَا يُعْمَلُ لِقِيَامِهِ مَقَامَ غَيْرِهِ) أَيْ يُعْمَلُ بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ وَالْبِدَايَةِ. فَإِنَّمَا يُعْمَلُ بِعِلَّةِ الْأَصْلِ أَيْ بِالْمَعْنَى الَّذِي يُعْمَلُ بِهِ الْأَصْلُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى أَوْصَافِ نَفْسِهِ وَصَلَاحِيَّتِهِ لِلْحُكْمِ بَلْ يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إلَى صَلَاحِيَّةِ الْأَصْلِ كَالنَّوْمِ وَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَالسَّفَرِ لَمَّا أُقِيمَتْ مَقَامَ خُرُوجِ النَّجَاسَةِ وَخُرُوجِ الْمَنِيِّ وَالْمَشَقَّةِ عَمِلَتْ عَمَلَهَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى أَوْصَافِ أَنْفُسِهَا وَصَلَاحِيَّتِهَا لِلْحُكْمِ وَكَالتُّرَابِ لَمَّا أُقِيمَ مَقَامَ الْمَاءِ فِي إفَادَةِ التَّطْهِيرِ نُظِرَ إلَى صَلَاحِيَّةِ الْمَاءِ لِلتَّطْهِيرِ وَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى وَصْفِ التُّرَابِ الَّذِي هُوَ تَلْوِيثٌ فَكَذَلِكَ هَهُنَا أُقِيمَ الزِّنَا مَقَامَ الْوَلَدِ بِمَعْنَى السَّبَبِيَّةِ فَأَخَذَ حُكْمَ الْوَلَدِ وَأُهْدِرَ وَصْفُ الزِّنَا بِالْحُرْمَةِ لِأَنَّهُ مَعَ هَذِهِ الصِّفَةِ سَبَبٌ صَالِحٌ لِلْوَلَدِ وَلِهَذَا أُقِيمَ مَقَامَهُ وَالْوَلَدُ لَا يُوصَفُ بِالْحُرْمَةِ وَالْقُبْحِ لِمَا ذَكَرْنَا وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ قَالَ «وَلَدُ الزِّنَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ» فَذَلِكَ فِي مَوْلُودٍ خَاصٍّ لِأَنَّا نُشَاهِدُ أَنَّ وَلَدَ الزِّنَا قَدْ يَكُونُ أَصْلَحُ، وَمَنْفَعَتُهُ أَعْوَدُ إلَى النَّاسِ مِنْ وَلَدِ الرَّشْدَةِ كَذَا فِي طَرِيقَةِ الصَّدْرِ الْحَجَّاجِ قُطْبِ الدِّينِ السَّرْبَلِيِّ (لِقِيَامِهِ) أَيْ الزِّنَا (مَقَامَ مَا لَا يُوصَفُ) وَهُوَ الْوَلَدُ (بِذَلِكَ) أَيْ بِوَصْفِ الْحُرْمَةِ (فِي إيجَابِ حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ) أَيْ قِيَامُهُ مَقَامَ الْوَلَدِ وَإِهْدَارُ وَصْفِ الْحُرْمَةِ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ خَاصَّةً لَا فِي حَقِّ سُقُوطِ الْحَدِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [سَفَرُ الْمَعْصِيَةِ فَغَيْرُ مَنْهِيٍّ لِمَعْنًى فِيهِ] قَوْلُهُ (وَأَمَّا سَفَرُ الْمَعْصِيَةِ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ رَابِعَةُ الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ الَّتِي تَرِدُ نَقْضًا عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ فَأَجَابَ وَقَالَ إنَّهُ لَيْسَ بِمَنْهِيٍّ لِمَعْنًى فِي عَيْنِهِ بَلْ هُوَ مَنْهِيٌّ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ مُجَاوِرٍ لَهُ فَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ صَيْرُورَتَهُ مَعْصِيَةً لِذَاتِهِ، وَانْتِفَاءُ مَشْرُوعِيَّتِهِ كَالْوَطْءِ حَالَةَ الْحَيْضِ وَالْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ وَالِاصْطِيَادِ بِقَوْسِ الْغَيْرِ وَهَذَا لِأَنَّ خُطَاهُ إنَّمَا صَارَتْ سَفَرًا بِقَصْدِهِ مَكَانًا بَعِيدًا لَا بِقَصْدِهِ الْإِغَارَةَ وَالْبَغْيَ وَالتَّمَرُّدَ عَلَى الْمَوْلَى أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَصَدَ ذَلِكَ الْمَكَانَ بِلَا قَصْدِ الْإِغَارَةِ صَارَ مُسَافِرًا وَلَوْ قَصَدَ الْإِغَارَةَ بِدُونِ أَنْ يَقْصِدَ مَكَانًا بَعِيدًا لَمْ يَصِرْ مُسَافِرًا وَإِنْ طَافَ الدُّنْيَا، وَكَذَلِكَ إذَا تَبَدَّلَ قَصْدُهُ بِقَصْدِ الْحَجِّ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَاصِيًا وَلَمْ يَتَغَيَّرْ سَفَرُهُ وَكَذَا الْعَبْدُ إذَا لَحِقَهُ إذْنُ مَوْلَاهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ سَفَرُهُ وَخَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَاصِيًا فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ مَعْنَى الْمَعْصِيَةِ مُجَاوِرٌ لِهَذَا السَّفَرِ فَصَلُحَ سَبَبًا لِلتَّرْخِيصِ. قَوْلُهُ (وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّ النَّهْيَ الْمُطْلَقَ عَنْ الْأَفْعَالِ الشَّرْعِيَّةِ يُوجِبُ قُبْحًا فِي غَيْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ حَتَّى بَقِيَ مَشْرُوعًا (النَّهْيُ عَنْ الْأَفْعَالِ الْحِسِّيَّةِ) حَيْثُ يُوجِبُ قُبْحًا فِي عَيْنِهَا حَتَّى لَا تَبْقَى مَشْرُوعَةً أَصْلًا (لِأَنَّ الْقَوْلَ بِكَمَالِ الْقُبْحِ) الَّذِي هُوَ مُقْتَضَى النَّهْيِ فِي الْأَفْعَالِ الْحِسِّيَّةِ (مَعَ كَمَالِ الْمَقْصُودِ) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مُتَصَوَّرُ الْوُجُودِ مِنْ الْعَبْدِ لِيَتَحَقَّقَ الِابْتِلَاءُ (عَلَى مَا قُلْنَا) أَيْ قَبْلَ هَذَا أَنَّ الْأَفْعَالَ الْحِسِّيَّةَ لَا تَنْعَدِمُ بِصِفَةِ الْقُبْحِ. قَوْلُهُ (وَالنَّهْيُ) أَيْ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ (فِي صِفَةِ الْقُبْحِ يَنْقَسِمُ انْقِسَامَ الْأَمْرِ) أَيْ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي صِفَةِ الْحُسْنِ تَحْقِيقًا لِلْمُقَابَلَةِ إذْ النَّهْيُ يُقَابِلُ الْأَمْرَ (مَا قَبُحَ لِعَيْنِهِ وَضْعًا) وَهُوَ قِسْمَانِ قِسْمٌ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَسْقُطَ الْقُبْحُ عَنْهُ بِحَالٍ كَالْكُفْرِ وَهُوَ عَلَى مُقَابَلَةِ الْإِيمَانِ وَقِسْمٌ يَحْتَمِلُ

стр. 290

وَمَا قَبُحَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ وَهُوَ مُلْحَقٌ بِهِ وَصْفًا وَذَلِكَ مِثْلُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَصِيَامِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْأَفْعَالِ الْحِسِّيَّةِ يَقَعُ عَلَى الْقَسَمِ الْأَوَّلِ وَعَنْ الْأُمُورِ الْمَشْرُوعَةِ يَقَعُ عَلَى هَذَا الْقِسْمِ الَّذِي قُلْنَا إنَّهُ مُلْحَقٌ بِهِ وَصْفًا. (بَابُ مَعْرِفَةِ أَحْكَام الْعُمُومِ) : الْعَامُّ عِنْدَنَا يُوجِبُ الْحُكْمَ فِيمَا تَنَاوَلَهُ قَطْعًا وَيَقِينًا بِمَنْزِلَةِ الْخَاصِّ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ هُوَ الَّذِي حَكَيْنَا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ قَالَ إنَّ الْخَاصَّ لَا يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُنْسَخَ الْخَاصُّ بِهِ مِثْلُ حَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ فِي بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ نُسِخَ وَهُوَ خَاصٌّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﵇ «اسْتَنْزِهُوا مِنْ الْبَوْلِ» ــ [كشف الأسرار] ذَلِكَ كَالْكَذِبِ فَإِنَّ قُبْحَهُ يَسْقُطُ فِي إصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ وَفِي الْحَرْبِ وَفِي إرْضَاءِ الْمَنْكُوحَتَيْنِ كَمَا وَرَدَ بِهِ الْأَثَرُ وَهُوَ فِي مُقَابَلَةِ الصَّلَاةِ. وَمَا قَبُحَ مُلْحَقًا بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِثْلُ بَيْعِ الْحُرِّ وَالْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ وَمِثْلُ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ فَإِنَّ الْبَيْعَ فِي نَفْسِهِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْمَصَالِحُ وَلَكِنَّ الشَّرْعَ لَمَا قَصُرَ مَحَلُّهُ عَلَى مَالٍ مُتَقَوِّمٍ حَالَ الْعَقْدِ وَالْحُرُّ لَيْسَ بِمَالٍ وَكَذَا الْمَاءُ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ مِنْهُ الْحَيَوَانُ لَيْسَ بِمَالٍ صَارَ بَيْعُهُ عَبَثًا لِحُلُولِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ نَحْوَ ضَرْبِ الْمَيِّتِ وَأَكْلِ مَا لَا يُتَغَدَّى بِهِ وَكَذَلِكَ الشَّرْعُ لَمَّا قَصَرَ أَهْلِيَّةَ الْعَبْدِ لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ عَلَى حَالِ طَهَارَتِهِ عَنْ الْحَدَثِ صَارَ فِعْلُ صَلَوَاتِهِ مَعَ الْحَدَثِ عَبَثًا لِخُرُوجِهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ نَحْوَ كَلَامِ الطَّائِرِ وَالْمَجْنُونِ فَالْتَحَقَا بِالْقَبِيحِ وَضْعًا بِوَاسِطَةِ عَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ وَالْمَحَلِّيَّةِ شَرْعًا كَذَا فِي التَّقْوِيمِ وَهَذَا فِي مُقَابَلَةِ الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ (وَمَا قَبُحَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ) مُجَاوِرٌ يَقْبَلُ الِانْفِكَاكَ مِثْلُ الْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ وَالصَّلَاةِ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ وَهَذَا فِي مُقَابَلَةِ السَّعْيِ وَالطَّهَارَةِ وَمَا قَبُحَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ وَهُوَ مُلْحَقٌ بِهِ وَصْفًا مِثْلُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَصَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ وَهَذَا فِي مُقَابَلَةِ الْجِهَادِ وَالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الْعُمُومِ] (قَوْلُهُ) الْعَامُّ عِنْدَنَا يُوجِبُ الْحُكْمَ فِيمَا تَنَاوَلَهُ أَيْ فِي جَمِيعِ الْأَفْرَادِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَهُ قَطْعًا وَيَقِينًا وَقَدْ فَسَّرْنَاهُمَا فِي أَوَّلِ بَابِ أَحْكَامِ الْخُصُوصِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ مَشَايِخِنَا كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ وَيُشِيرُ قَوْلُهُ الْعَامُّ بِعُمُومِهِ إلَى اسْتِوَاءِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْخَبَرِ فِي ذَلِكَ وَفِيهِ خِلَافٌ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ وَهَذَا إذَا أَمْكَنَ اعْتِبَارُ الْعُمُومِ فِيهِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ لِكَوْنِ الْمَحَلِّ غَيْرَ قَابِلٍ لَهُ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] فَحِينَئِذٍ يَجِبُ التَّوَقُّفُ فِيهِ إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ مَا هُوَ الْمُرَادُ بِهِ بِبَيَانٍ ظَاهِرٍ بِمَنْزِلَةِ الْمُجْمَلِ وَلَا يَعْمَلُ فِيهِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ ﵀ قَوْلُهُ (لَا يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ) أَيْ لَا يَتَرَجَّحُ عَلَيْهِ مَنْقُولٌ مَنْ قَضَى عَلَيْهِ بِمَعْنَى حَكَمَ لِأَنَّ الرَّاجِحَ حَاكِمٌ عَلَى الْمَرْجُوحِ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُنْسَخَ الْخَاصُّ بِالْعَامِّ إذَا كَانَ الْعَامُّ مُتَأَخِّرًا. قَوْلُهُ (مِثْلُ حَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ) وَهُوَ مَا رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ «أَنَّ قَوْمًا مِنْ عُرَنَةَ أَتَوْا الْمَدِينَةَ فَاجْتَوَوْهَا أَيْ كَرِهُوا بِالْمَقَامِ بِهَا لِأَنَّهَا لَمْ تُوَافِقْهُمْ فَاصْفَرَّتْ أَلْوَانُهُمْ وَانْتَفَخَتْ بُطُونُهُمْ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنْ يَخْرُجُوا إلَى إبِلِ الصَّدَقَةِ وَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَفَعَلُوا وَصَحُّوا ثُمَّ ارْتَدُّوا وَمَالُوا إلَى الرُّعَاةِ وَقَتَلُوهُمْ وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَثَرِهِمْ قَوْمًا فَأُخِذُوا فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ وَتَرَكَهُمْ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ حَتَّى مَاتُوا قَالَ الرَّاوِي حَتَّى رَأَيْت بَعْضَهُمْ يَكْدُمُ الْأَرْضَ بِفِيهِ مِنْ شِدَّةِ الْعَطَشِ» هَذَا حَدِيثٌ خَاصٌّ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي أَبْوَالِ الْإِبِلِ ثُمَّ هُوَ مَنْسُوخٌ عِنْدَهُ بِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵇ «اسْتَنْزِهُوا الْبَوْلَ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ» إذَا الْبَوْلُ اسْمُ جِنْسٍ مُحَلَّى بِاللَّامِ فَيَتَنَاوَلُ أَبْوَالَ الْإِبِلِ وَغَيْرَهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْعَامُّ مِثْلَ الْخَاصِّ لَمَا صَحَّ نَسْخُ الْأَوَّلِ بِالثَّانِي إذْ مِنْ شَرْطِهِ الْمُمَاثَلَةُ (فَإِنْ قِيلَ) إنَّمَا يَصِحُّ الْقَوْلُ بِالنَّسْخِ إذَا ثَبَتَ تَقَدُّمُ الْأَوَّلِ وَتَأَخُّرُ الثَّانِي وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَعْرِفْ التَّارِيخَ. (قُلْنَا) قَدْ ثَبَتَ تَقَدُّمُ الْأَوَّلِ بِدَلِيلِ

стр. 291

وَمِثْلُ قَوْلِهِ ﵇ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» نُسِخَ بِقَوْلِهِ «مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ فَفِيهِ الْعُشْرُ» وَلِمَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِيمَنْ أَوْصَى بِخَاتَمِهِ لِإِنْسَانٍ ثُمَّ بِالْفَصِّ مِنْهُ لِآخَرَ بِكَلَامٍ مَفْصُولٍ أَنَّ الْحَلْقَةَ لِلْأَوَّلِ وَالْفَصَّ بَيْنَهُمَا وَإِنَّمَا اسْتَحَقَّهُ الْأَوَّلُ بِالْعُمُومِ وَالثَّانِي بِالْخُصُوصِ وَهَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا. ــ [كشف الأسرار] أَنَّ الْمُثْلَةَ الَّتِي تَضَمَّنَهَا ذَلِكَ الْحَدِيثُ قَدْ نُسِخَتْ بِالِاتِّفَاقِ وَهِيَ كَانَتْ مَشْرُوعَةً فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ فَدَلَّ انْتِسَاخُهُ عَلَى تَقَدُّمِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ وَلَمْ يَثْبُتْ تَقَدُّمُ الْحَدِيثِ الثَّانِي بِدَلِيلٍ بَلْ فِيهِ مُجَرَّدُ احْتِمَالٍ فَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ وَمِثْلُ قَوْلِهِ ﵇ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» يَجِبُ الْعُشْرُ فِي قَلِيلِ مَا أَخْرَجَتْهُ الْأَرْضُ وَكَثِيرِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵇ «مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ فَفِيهِ الْعُشْرُ» وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يَجِبُ الْعُشْرُ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ الْوَسْقِ لِقَوْلِهِ ﵇ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» قَالَا الْمُرَادُ مِنْ الصَّدَقَةِ الْعُشْرُ لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ إذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ نِصَابًا وَلَا يَجِبُ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ إذَا لَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا فَكَانَ هَذَا الْحَدِيثُ نَصًّا فِي الْمَسْأَلَةِ وَالْجَوَابُ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْعَامَّ فِي إيجَابِ الْحُكْمِ مِثْلُ الْخَاصِّ ثُمَّ إذَا وَرَدَا فِي حَادِثَةٍ وَيُعْرَفُ تَارِيخُهُمَا كَانَ الثَّانِي نَاسِخًا إنْ كَانَ هُوَ الْعَامُّ وَمُخَصَّصًا إنْ كَانَ هُوَ الْخَاصُّ كَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَعْطِ زَيْدًا دِرْهَمًا ثُمَّ قَالَ لَهُ لَا تُعْطِ أَحَدًا شَيْئًا كَانَ نَسْخًا لِلْأَوَّلِ وَلَوْ قَالَ لَا تُعْطِ أَحَدًا شَيْئًا ثُمَّ قَالَ أَعْطِ زَيْدًا دِرْهَمًا كَانَ تَخْصِيصًا لَهُ. وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ تَارِيخَهُمَا يُجْعَلُ الْعَامُّ آخِرًا لِلِاحْتِيَاطِ وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ كَذَلِكَ كَذَا فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ نُسِخَ بِقَوْلِهِ «مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ فَفِيهِ الْعُشْرُ» وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ إنَّمَا عَمِلَ بِالْحَدِيثِ الْعَامِّ دُونَ الْخَاصِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفِيمَا تَقَدَّمَ أَيْضًا لِأَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَهُ أَنَّ الْعَامَّ الْمُتَّفَقَ عَلَى قَبُولِهِ أَوْلَى مِنْ الْخَاصِّ الْمُخْتَلَفِ فِي قَبُولِهِ لِأَنَّهُمَا لَمَّا تَسَاوَيَا يُرَجَّحُ الْعَامُّ بِكَوْنِهِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ عَلَى الْخَاصِّ فَقَوْلُهُ ﵇ «مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ فَفِيهِ الْعُشْرُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لِأَنَّهُمَا عَمِلَا بِهِ فِيمَا وَرَاءَ الْخَمْسَةِ الْأَوْسُقِ وَحَكَمَا بِتَفَاوُتِ الْوَاجِبِ عِنْدَ قِلَّةِ الْمُؤْنَةِ وَكَثْرَتِهَا فَأَوْجَبَا الْعُشْرَ فِيمَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ وَنِصْفَ الْعُشْرِ فِيمَا سُقِيَ بِدَالِيَةٍ عَمَلًا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَجَعَلَا الْحَدِيثَ الْخَاصَّ مُخَصِّصًا لَهُ وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ لَمْ يَعْمَلْ بِالْحَدِيثِ الْخَاصِّ أَصْلًا فَكَانَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ أَوْلَى مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ. قَوْلُهُ (وَلِمَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ) عَطْفٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الدَّلِيلِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ، الْعَامُّ بِمَنْزِلَةِ الْخَاصِّ فِيمَا تَنَاوَلَهُ عِنْدَنَا لِمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ كَذَا وَلِمَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ إذَا أَوْصَى بِخَاتَمِهِ لِإِنْسَانٍ وَبِفَصِّهِ لِآخَرَ فِي كَلَامِ مَوْصُولٍ كَانَتْ الْحَلَقَةُ لِلْأَوَّلِ وَالْفَصُّ لِلثَّانِيَّ بِالِاتِّفَاقِ وَأَمَّا إذَا فَصَلَ فَكَذَا الْجَوَابُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَكُونُ الْفَصُّ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ بِإِيجَابِهِ فِي الْكَلَامِ الثَّانِي تَبَيَّنَ أَنَّ مُرَادَهُ مِنْ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ إيجَابُ الْحَلَقَةِ لِلْأَوَّلِ بِدُونِ الْفَصِّ وَهَذَا الْبَيَانُ مِنْهُ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَ مَفْصُولًا لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا يُلْزِمُهُ شَيْئًا فِي حَالِ حَيَاتِهِ فَيَكُونُ الْبَيَانُ الْمَوْصُولُ فِيهِ وَالْمَفْصُولُ سَوَاءً كَمَا فِي الْوَصِيَّةِ بِالرَّقَبَةِ لِإِنْسَانٍ وَبِالْخِدْمَةِ أَوْ الْغَلَّةِ لِآخَرَ كَذَا الدَّارُ مَعَ السُّكْنَى وَالْبُسْتَانُ مَعَ الثَّمَرَةِ. وَمُحَمَّدٌ ﵀ يَقُولُ اسْمُ الْخَاتَمِ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ الْحَلَقَةَ وَالْفَصَّ جَمِيعًا فَكَانَ إيجَابُ الْفَصِّ لِلثَّانِي تَخْصِيصًا لِذَلِكَ الْعُمُومِ وَتَخْصِيصُ الْعَامِّ إنَّمَا يَصِحُّ مَوْصُولًا فَإِذَا كَانَ مَفْصُولًا لَا يَكُونُ تَخْصِيصًا بَلْ يَكُونُ مُعَارِضًا فَكَانَ كَلَامُهُ الثَّانِي فِي الْفَصِّ إيجَابًا لِلثَّانِي وَبَقِيَ عُمُومُ الْإِيجَابِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا كَانَ، وَالْعَامُّ مِثْلُ الْخَاصِّ فِي إيجَابِ الْحُكْمِ فَثَبَتَ

стр. 292

وَقَالُوا فِي رَبِّ الْمَالِ وَالْمُضَارِبِ إذَا اخْتَلَفَا فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الْعُمُومَ ــ [كشف الأسرار] الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُمَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ فَجَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ نِصْفَيْنِ وَلَيْسَتْ الْوَصِيَّةُ الثَّانِيَةُ رُجُوعًا عَنْ الْأُولَى كَمَا لَوْ أَوْصَى بِالْخَاتَمِ لِلثَّانِي بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمَسَائِلِ لِأَنَّ اسْمَ الرَّقَبَةِ وَالدَّارِ وَالْبُسْتَانِ لَا يَتَنَاوَلُ الْخِدْمَةَ وَالسُّكْنَى وَالثَّمَرَةَ وَلَكِنَّ الْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ إنَّمَا يُسْتَخْدَمُ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِهِ وَلَا حَقَّ لِلْغَيْرِ فِيهِ فَإِذَا أَوْجَبَ الْخِدْمَةَ لِلْغَيْرِ لَمْ يَبْقَ لِلْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ حَقٌّ بِحُكْمِ التَّعَارُضِ فِي الْإِيجَابِ وَكَذَا السُّكْنَى وَالثَّمَرَةُ يُوضِحُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَوْصَيْت بِهَذَا الْخَاتَمِ إلَّا فَصَّهُ صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ صِحَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ فِيمَا إذَا كَانَ الْكَلَامُ مُتَنَاوِلًا لَهُ وَلِهَذَا جَعَلَ عِبَارَةَ عَمَّا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى وَبِمِثْلِهِ لَوْ أَوْصَى بِالرَّقَبَةِ إلَّا خِدْمَتَهَا أَوْ بِالدَّارِ إلَّا سُكْنَاهَا أَوْ بِالْبُسْتَانِ إلَّا ثَمَرَتَهُ بَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْإِيجَابَ لَمْ يَتَنَاوَلْ هَذَا الْأَشْيَاءَ حَتَّى لَمْ يَعْمَلْ الِاسْتِثْنَاءُ فِي إخْرَاجِهَا فَإِذَا أَوْجَبَهَا لِلْآخَرِ اخْتَصَّ بِهَا مَنْ أَوْجَبَهَا كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. وَهَكَذَا الْخِلَافُ مَذْكُورٌ فِي الْهِدَايَةِ وَالْإِيضَاحِ وَالزِّيَادَاتِ لِلْقَاضِي الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ وَالزِّيَادَاتِ لِلْإِمَامِ الْعَتَّابِيِّ وَالْمَنْظُومَةِ وَشُرُوحِهَا فَكَانَ قَوْلُ الشَّيْخِ (وَهَذِهِ قَوْلُهُمْ جَمِيعًا) مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ رِوَايَةً عَنْ الشَّيْخَيْنِ عَلَى وِفَاقِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي التَّقْوِيمِ وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَتَاوَاهُمْ وَمُحَاجَّتُهُمْ أَمَّا الْفَتْوَى فَقَدْ قَالُوا فِي رَجُلٍ أَوْصَى إلَى آخِرِهِ فَقَدْ أَسْنَدَ هَذَا الْقَوْلَ إلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ وَكَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الزِّيَادَاتِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافِ أَبِي يُوسُفَ وَإِنَّمَا ذَكَرَ خِلَافَهُ فِي الْمَبْسُوطِ أَوْ تُصْرَفُ الْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ وَهَذَا إلَى أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ أَيْ كَوْنُ الْعَامِّ مِثْلُ الْخَاصِّ قَوْلُهُمْ جَمِيعًا أَوْ إلَى قَوْلِهِ وَإِنَّمَا اسْتَحَقَّهُ الْأَوَّلُ بِالْعُمُومِ وَالثَّانِي بِالْخُصُوصِ ثُمَّ الْخَاتَمُ لَيْسَ بِعَامٍّ حَقِيقَةً لِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ أَفْرَادًا مُتَّفِقَةَ الْحُدُودِ بَلْ الْفَصُّ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ وَالْيَدِ وَالرِّجْلِ فِي اسْمِ الْإِنْسَانِ وَلَا يَصِيرُ الْإِنْسَانُ بِاعْتِبَارِ هَذِهِ الْأَجْزَاءِ تَمَامًا فَكَذَلِكَ الْخَاتَمُ لَكِنَّهُ شَبِيهٌ بِالْعَامِّ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْفَصَّ يَدْخُلُ فِي اسْمِ الْخَاتَمِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَفَوَاتُهُ لَا يُخِلُّ بِالْحَقِيقَةِ أَيْضًا كَمَا أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الثَّلَاثَةِ فِي الْعَامِّ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ. وَقَدْ يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بِمِثْلِهِ كَالْوَاحِدِ مَعَ الْعَشَرَةِ فِي مَسْأَلَةِ الصِّفَاتِ، فَإِنَّهُ جُعِلَ نَظِيرَ الصِّفَاتِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَيْنَ الْعَشَرَةِ وَلَا غَيْرَهَا كَالصِّفَاتِ لَيْسَتْ عَيْنَ الذَّاتِ وَلَا غَيْرَهُ لَا أَنَّهُ نَظِيرٌ لِلصِّفَاتِ حَقِيقَةً لِأَنَّ ذَاتَ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ مُنَزَّهَةٌ عَنْ النَّظِيرِ وَكَذَلِكَ الْوَاحِدُ جُزْءٌ مِنْ الْعَشَرَةِ وَالصِّفَاتُ لَيْسَتْ بِجُزْءٍ لِلذَّاتِ وَرَأَيْت فِي بَعْضِ نُسَخِ أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْعُمُومَ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى لَفْظٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَامًّا لِتَعَدُّدِهِ بِاعْتِبَارِ أَجْزَاءٍ يَصِحُّ افْتِرَاقُهَا حِسًّا كَعَشَرَةٍ فَإِنَّ اسْتِثْنَاءَ بَعْضِهَا يُسَمَّى تَخْصِيصًا وَهُوَ لَا يَجْرِي إلَّا فِي الْعَامِّ. [رَبِّ الْمَالِ وَالْمُضَارِبِ إذَا اخْتَلَفَا فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ] قَوْلُهُ (وَقَالُوا) أَيْ الْعُلَمَاءُ الثَّلَاثَةُ (فِي رَبِّ الْمَالِ إلَى آخِرِهِ) إذَا اخْتَلَفَ الْمُضَارِبُ وَرَبُّ الْمَالِ فِي الْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ التَّصَرُّفِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِأَنَّ الْعُمُومَ لَوْ كَانَ ثَابِتًا بِالتَّنْصِيصِ أَوْ بِاتِّفَاقِهِمَا ثُمَّ نَهَاهُ رَبُّ الْمَالِ عَنْ الْعُمُومِ قَبْلَ التَّصَرُّفِ عَمِلَ نَهْيُهُ فَهَهُنَا أَوْلَى فَيُجْعَلُ اخْتِلَافُهُمَا حَجْرًا لَهُ عَنْ الْعُمُومِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّصَرُّفِ وَقَدْ ظَهَرَ رِبْحٌ فَقَالَ الْمُضَارِبُ أَمَرْتَنِي بِالْبَزِّ وَقَدْ خَالَفْت فَالرِّبْحُ لِي وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ لَمْ أُسَمِّ شَيْئًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ قَالَ الْمُضَارِبُ وَفِي الْعَقْدِ خُسْرَانٌ دَفَعْت الْمَالَ مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ

стр. 293

وَلَوْلَا اسْتِوَاؤُهُمَا وَقِيَامُ الْمُعَارَضَةِ بَيْنَهُمَا لَمَا وَجَبَ التَّرْجِيحُ بِهِ بِدَلَالَةِ الْعَقْدِ. وَقَدْ قَالَ عَامَّةُ مَشَايِخِنَا إنَّ الْعَامَّ الَّذِي لَمْ يَثْبُتْ خُصُوصُهُ لَا يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسُ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي الشَّهِيدُ فِي كِتَابِ الْغَرَرِ فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْجُمْلَةُ أَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَنَا مَا قُلْنَا ــ [كشف الأسرار] وَلَمْ تُسَمِّ شَيْئًا وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ دَفَعْته إلَيْك مُضَارَبَةً فِي الْبَزِّ وَقَدْ خَالَفْت فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُضَارِبِ مَعَ يَمِينِهِ اسْتِحْسَانًا عِنْدَنَا وَقَالَ زُفَرُ ﵀ الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ وَهُوَ الْقِيَاسُ وَفِي قَوْلِ الشَّيْخِ الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الْعُمُومَ إشَارَةً إلَى مَا قُلْنَا يَعْنِي أَيُّهُمَا يَدَّعِي الْعُمُومَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ. فَزُفَرُ ﵀ يَقُولُ الْإِذْنُ مُسْتَفَادٌ مِنْ جِهَةِ رَبِّ الْمَالِ وَلَوْ أَنْكَرَ الْإِذْنَ أَصْلًا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فَكَذَلِكَ إذَا قَرَّبَهُ بِصِفَةٍ دُونَ صِفَةٍ كَالْمُعِيرِ مَعَ الْمُسْتَعِيرِ إذَا اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الْإِعَارَةِ كَانَ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَ الْمُعِيرِ وَالْمُوَكِّلُ مَعَ الْوَكِيلِ إذَا اخْتَلَفَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُوَكِّلِ فَهَذَا مِثْلُهُ وَلَنَا أَنَّ مُقْتَضَى الْمُضَارَبَةِ الْعُمُومُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَحْصِيلُ الرِّبْحِ وَتَمَامُ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْعُمُومِ فِي التَّفْوِيضِ لِلتَّصَرُّفِ إلَيْهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ خُذْ هَذَا الْمَالَ مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ يَصِحُّ وَيَمْلِكُ بِهِ جَمِيعَ التِّجَارَاتِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُقْتَضَى مُطْلَقِ الْعَقْدِ الْعُمُومَ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ إلَّا بِالتَّنْصِيصِ عَلَى مَا يُوجِبُ التَّخْصِيصَ كَالْوَكَالَةِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ لَمَا وَجَبَ التَّرْجِيحُ بِدَلَالَةِ الْعَقْدِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ مُقْتَضَى مُطْلَقِ الْعَقْدِ الْعُمُومُ فَالْمُدَّعِي لِإِطْلَاقِ الْعَقْدِ مُتَمَسِّكٌ بِمَا هُوَ الْأَصْلُ وَالْآخَرُ يَدَّعِي تَخْصِيصًا زَائِدًا فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِالْأَصْلِ كَمَا فِي الْبَيْعِ إذَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا شَرْطًا زَائِدًا مِنْ خِيَارٍ أَوْ أَجَلٍ. قَوْلُهُ (وَلَوْلَا اسْتِوَاؤُهُمَا) أَيْ وَلَوْلَا الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ أَوْ بَيْنَ الْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ (لَمَا وَجَبَ التَّرْجِيحُ) أَيْ تَرْجِيحُ الْعُمُومِ هَهُنَا (بِدَلَالَةِ الْعَقْدِ) وَهِيَ مَا ذَكَرْنَا لِأَنَّ التَّرْجِيحَ يَعْتَمِدُ الْمُسَاوَاةَ إذْ لَا تَرْجِيحَ عِنْدَ عَدَمِ الْمُسَاوَاةِ بَلْ لَا يُعْمَلُ بِالْأَدْنَى لِأَنَّهُ لَا يُسَاوِي الْأَعْلَى وَلَا يُقَاوِمُهُ. [الْعَامَّ الَّذِي لَمْ يَثْبُتْ خُصُوصُهُ لَا يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسُ] قَوْلُهُ (الْعَامُّ الَّذِي لَمْ يَثْبُتْ خُصُوصُهُ) يَعْنِي الْعَامَّ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ لَا يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ أَيْ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسُ لِأَنَّهُمَا ظَنِّيَّانِ فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْقَطْعِيِّ بِهِمَا لِأَنَّ التَّخْصِيصَ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ وَالظَّنِّيُّ لَا يُعَارِضُ الْقَطْعِيَّ هَذَا أَيْ مَا ذَكَرْنَا مِنْ عَدَمِ جَوَازِ التَّخْصِيصِ بِهِمَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ عُلَمَائِنَا وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْجَصَّاصِ وَعِيسَى بْنِ أَبَانَ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ ﵃ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ جَمَعَ الصَّحَابَةَ وَأَمَرَهُمْ بِأَنْ يَرُدُّوا كُلَّ حَدِيثٍ مُخَالِفٍ لِلْكِتَابِ وَعُمَرُ ﵁ رَدَّ حَدِيثَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فِي الْمَبْتُوتَةِ أَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ وَقَالَ لَا نَتْرُكُ كِتَابَ اللَّهِ بِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَا نَدْرِي أَصَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ وَرَدَّتْ عَائِشَةُ ﵂ حَدِيثَ تَعْذِيبِ الْمَيِّتِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ وَتَلَتْ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] أَوْرَدَ هَذَا كُلَّهُ الْجَصَّاصُ ذَكَرَهُ أَبُو الْيُسْرِ فِي أُصُولِهِ (وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي الشَّهِيدُ) يَعْنِي الْحَاكِمَ أَبَا الْفَضْلِ مُحَمَّدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ السُّلَمِيُّ الْمَرْوَزِيِّ صَاحِبَ الْمُخْتَصَرِ هَكَذَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ وَظَنِّي أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْقَاضِيَ الشَّهِيدَ أَبَا نَصْرٍ الْمُحْسِنَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ الْمُحْسِنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْخَالِدِيَّ الْمَرْوَزِيِّ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَعْرُوفُ بِالْقَاضِي الشَّهِيدِ فَأَمَّا أَبُو الْفَضْلِ فَمَعْرُوفٌ بِالْحَاكِمِ الشَّهِيدِ (مَا قُلْنَا) وَهُوَ أَنَّ الْعَامَّ مِثْلُ الْخَاصِّ فِي إيجَابِ الْحُكْمِ قَطْعًا قَوْلُهُ. (وَلِهَذَا قُلْنَا) أَيْ وَلِأَنَّ تَخْصِيصَ الْعَامِّ مِنْ الْكِتَابِ لَا يَجُوزُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَبِالْقِيَاسِ ابْتِدَاءً قُلْنَا إلَى آخِرِهِ إذَا تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ عَامِدًا لَا تَحِلُّ

стр. 294

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كشف الأسرار] الذَّبِيحَةُ عِنْدَنَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] الْآيَةَ وَمُطْلَقُ النَّهْيِ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِحَرْفِ مِنْ لِأَنَّهُ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ لِلْمُبَالَغَةِ فَيَقْتَضِي حُرْمَةَ كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ، وَالْهَاءُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] إنْ كَانَتْ كِنَايَةً عَنْ الْأَكْلِ فَالْفِسْقُ أَكْلُ الْحَرَامِ وَإِنْ كَانَتْ كِنَايَةً عَنْ الْمَذْبُوحِ فَالْمَذْبُوحُ الَّذِي يُسَمَّى فِسْقًا فِي الشَّرْعِ يَكُونُ حَرَامًا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ تَحِلُّ لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «الْمُسْلِمُ يَذْبَحُ عَلَى اسْمِ اللَّهِ سَمَّى أَوْ لَمْ يُسَمِّ» وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ «قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هُنَا أَقْوَامًا حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِشِرْكٍ يَأْتُونَنَا بِلُحْمَانٍ لَا يُدْرَى يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا أَمْ لَا قَالَ اُذْكُرُوا أَنْتُمْ اسْمَ اللَّهِ وَكُلُوا» . قَالَ وَلَا مُتَمَسَّكَ لَكُمْ فِي الْآيَةِ لِأَنَّ النَّاسِيَ قَدْ خُصَّ مِنْهَا بِالنَّصِّ وَهُوَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ «سُئِلَ عَمَّنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ نَاسِيًا فَقَالَ كُلُوهُ فَإِنَّ تَسْمِيَةَ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ» فَيُخَصُّ الْعَامِدُ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ لِشُمُولِ الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ إيَّاهُمَا فَإِنَّ وُجُودَ التَّسْمِيَةِ فِي الْقَلْبِ حَالَةَ الْعَمْدِ أَظْهَرُ مِنْهُ فِي حَالَةِ النِّسْيَانِ أَوْ نَخُصُّهُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَالْبَرَاءِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵃، فَأَجَابَ الشَّيْخُ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْآيَةَ لَحِقَهَا خُصُوصٌ لِأَنَّ النَّاسِيَ لَيْسَ بِتَارِكٍ لِلذِّكْرِ بَلْ هُوَ ذَاكِرٌ فَإِنَّ الشَّرْعَ أَقَامَ الْمِلَّةَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَقَامَ الذِّكْرِ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ لِلْعَجْزِ كَمَا أَقَامَ الْأَكْلَ نَاسِيًا مَقَامَ الْإِمْسَاكِ فِي الصَّوْمِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ النَّاسِيَ ذَاكِرٌ حُكْمًا لَا يُثْبِتُ التَّخْصِيصَ فِي الْآيَةِ فَبَقِيَتْ عَلَى عُمُومِهَا فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهَا بِالْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الظَّنِّيَّ لَا يُعَارِضُ الْقَطْعَ وَلِأَنَّ التَّخْصِيصَ إنَّمَا يَجُوزُ إذَا بَقِيَ تَحْتَ الْعَامِّ مَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهِ أَمَّا الْفَرْدُ الْوَاحِدُ فِي اسْمِ الْجِنْسِ أَوْ الثَّلَاثَةِ فِي اسْمِ الْجَمْعِ وَهَهُنَا لَمْ يَبْقَ تَحْتَ النَّصِّ إلَّا حَالَةَ الْعَمْدِ فَلَوْ أُلْحِقَ الْعَمْدُ بِالنِّسْيَانِ لَمْ يَبْقَ النَّصُّ مَعْمُولًا بِهِ أَصْلًا فَيَكُونُ الْقِيَاسُ أَوْ خَبَرُ الْوَاحِدِ ح مُعَطِّلًا لِلنَّصِّ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ إلْحَاقُ الْعَامِدِ بِالنَّاسِي لِأَنَّ النَّاسِيَ عَاجِزٌ مُسْتَحِقٌّ لِلنَّظَرِ وَالتَّخْفِيفِ وَالْعَامِدُ جَانٍ مُسْتَحَقٌّ لِلتَّغْلِيظِ وَالتَّشْدِيدِ فَإِثْبَاتُ التَّخْفِيفِ فِي حَقِّهِ بِإِقَامَةِ الْمِلَّةِ مَقَامَ الذِّكْرِ خَلَفًا عَنْهُ لَا يَدُلُّ عَلَى إثْبَاتِهِ فِي حَقِّ الْعَامِدِ إذْ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَعْذُورِ وَغَيْرِ الْمَعْذُورِ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ فِي الذَّبْحِ وَغَيْرِ الذَّبْحِ كَمَا أَنَّ فِي اشْتِرَاطِ الذِّكْرِ فِي الذَّبْحِ يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ وَكَمَا فِي الْأَكْلِ فِي الصَّوْمِ يَفْصِلُ بَيْنَ النَّاسِي وَالْعَامِدِ وَلِأَنَّ الْخَلَفَ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْأَصْلِ كَمَا فِي التُّرَابِ مَعَ الْمَاءِ، وَالْعَجْزُ إنَّمَا تَحَقَّقَ فِي حَقِّ النَّاسِي دُونَ الْعَامِدِ وَلِأَنَّ الْعَامِدَ مُعْرِضٌ عَنْ التَّسْمِيَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ مُسَمِّيًا حُكْمًا مَعَ الْإِعْرَاضِ عَنْهَا بِخِلَافِ النَّاسِي فَإِنَّهُ غَيْرُ مُعْرِضٍ. وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَدَلِيلُهَا لِأَنَّهَا سَأَلَتْ عَنْ الْأَكْلِ عِنْدَ وُقُوعِ الشَّكِّ فِي التَّسْمِيَةِ وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَهُمْ أَنَّ التَّسْمِيَةَ مِنْ شَرَائِطِ الْحِلِّ وَإِنَّمَا أَفْتَى النَّبِيُّ ﵇ بِإِبَاحَةِ الْأَكْلِ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ وَهُوَ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَدَعُ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا لِأَنَّ السُّؤَالَ كَانَ عَنْ الْأَعْرَابِ كَمَنْ اشْتَرَى لَحْمًا فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ يُبَاحُ لَهُ التَّنَاوُلُ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ وَإِنْ كَانَ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ ذَبِيحَةُ مَجُوسِيٍّ وَأَمَّا حَدِيثُ الْبَرَاءِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ فَمَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ النِّسْيَانِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «وَإِنْ تَعَمَّدَ لَمْ يَحِلَّ» كَذَا فِي

стр. 295

وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] عَامٌّ لَمْ يَلْحَقْهُ خُصُوصٌ لِأَنَّ النَّاسِيَ فِي مَعْنَى الذَّاكِرِ لِقِيَامِ الْمِلَّةِ مَقَامَ الذِّكْرِ فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِالْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] لَمْ يَلْحَقْهُ الْخُصُوصُ فَلَا يَصِحُّ تَخْصِيصُهُ بِالْآحَادِ وَالْقِيَاسِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْعَامُّ يُوجِبُ الْحُكْمَ لَا عَلَى الْيَقِينِ وَعَلَى هَذَا مَسَائِلُهُ ــ [كشف الأسرار] الْمَبْسُوطِ (فَإِنْ قِيلَ) الْمُرَادُ مِنْ الْآيَةِ إمَّا مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ كَمَا قَالَ الْكَلْبِيُّ أَوْ ذَبَائِحُ الْمُشْرِكِينَ لِلْأَوْثَانِ كَمَا قَالَ عَطَاءٌ أَوْ الْمَيْتَةُ وَالْمُنْخَنِقَةُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] وَأَكْلُ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ لَا يُوجِبُ الْفِسْقَ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ يَأْكُلُهُ وَبِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] أَيْ لَيُوَسْوِسَونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنَّمَا كَانُوا يُجَادِلُونَهُمْ فِي تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَيَقُولُونَ إنَّكُمْ تَأْكُلُونَ مَا قَتَلْتُمُوهُ وَلَا تَأْكُلُونَ مَا قَتَلَهُ اللَّهُ لَا فِي مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ. وَبِدَلِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] وَإِنَّمَا يَكْفُرُ الْإِنْسَانُ إذَا أَطَاعَ الْكُفَّارَ فِي إبَاحَةِ الْمَيْتَةِ لَا فِي مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ (قُلْنَا) الْآيَةُ بِظَاهِرِهَا وَعُمُومِهَا يَتَنَاوَلُ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا وَغَيْرَهُ وَالْعِبْرَةُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا لِخُصُوصِ السَّبَبِ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] قُلْنَا أَكْلُ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ فِسْقٌ أَيْضًا حَتَّى إنَّ مَنْ يَعْتَقِدُ حُرْمَتَهُ يَفْسُقُ بِأَكْلِهِ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَكِنْ مَنْ أَكَلَهُ مُعْتَقِدًا إبَاحَتَهُ إنَّمَا لَا يَفْسُقُ لِتَأْوِيلِهِ كَمَا لَا يُحْرَمُ الْبَاغِي عَنْ الْمِيرَاثِ بِقَتْلِ الْعَادِلِ لِأَنَّهُ يَقْتُلُهُ مُتَأَوِّلًا قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١] قُلْنَا سَلَّمْنَا أَنَّ هَذَا النَّصَّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ مُجَادَلَتُهُمْ فِي الْمَيْتَةِ إلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجَابَ بِجَوَابٍ أَعَمَّ مِمَّا سَأَلُوا كَمَا هُوَ دَأْبُ التَّنْزِيلِ وَهِيَ الْحُرْمَةُ عَلَى وَصْفٍ يَشْمَلُ الْمَيْتَةَ وَغَيْرَهَا وَهُوَ تَرْكُ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ التَّحْرِيمَ بِوَصْفٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْوَصْفَ هُوَ الْمُوجِبُ لِلْحُرْمَةِ كَالْمَيْتَةِ فَيَكُونُ الْآيَةُ بَيَانًا أَنَّ الْمَيْتَةَ حُرِّمَتْ لِكَوْنِهَا مَتْرُوكَةَ التَّسْمِيَةِ وَأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ مُؤَثِّرٌ فِي إثْبَاتِ الْحُرْمَةِ كَمَا أَنَّ وَصْفَ الْمَوْتِ مُؤَثِّرٌ فِيهِ فَإِذَا حُمِلَتْ عَلَى الْمَيِّتَةِ وَعَلَى ذَبَائِحِ الْمُشْرِكِينَ كَمَا ذَكَرَهُ الْخَصْمُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ هَذَا الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ كَانَ فِيهِ إبْطَالُ الْوَصْفِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَبْسُوطِ كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ لَا يَفْصِلُ بَيْنَ النِّسْيَانِ وَالْعَمْدِ وَيُحَرِّمُ الْمَتْرُوكَ نَاسِيًا أَيْضًا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ الظَّوَاهِرِ وَكَانَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃ يَفْصِلَانِ بَيْنَ النَّاسِي وَالْعَامِدِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا فَقَدْ كَانُوا مُجْمِعِينَ عَلَى الْحُرْمَةِ إذَا تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَامِدًا وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُونَ إذَا تَرَكَهَا نَاسِيًا وَكَفَى بِإِجْمَاعِهِمْ حُجَّةً وَلِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ مَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ عَامِدًا لَا يُسْمَعُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ وَلَوْ قَضَى الْقَاضِي بِجَوَازِ الْبَيْعِ فِيهِ لَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] مُبَاحُ الدَّمِ بِرِدَّةٍ أَوْ زِنًا أَوْ قَطْعِ طَرِيقٍ أَوْ قِصَاصٍ إذَا الْتَجَأَ إلَى الْحَرَمِ لَا يُقْتَلُ فِيهِ عِنْدَنَا وَلَا يُؤْذَى لِيَخْرُجَ وَلَكِنْ لَا يُطْعَمُ وَلَا يُسْقَى وَلَا يُجَالَسُ وَلَا يُبَايَعُ حَتَّى يُضْطَرَّ إلَى الْخُرُوجِ فَيُقْتَلَ خَارِجَ الْحُرُمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] عَلَّقَ الْأَمْنَ بِالشَّرْطِ فَيَثْبُتُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ لَا أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا قَبْلَهُ فَكَانَ مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ صَارَ آمِنًا، وَلَا يَتَحَقَّقُ الْأَمْنُ إلَّا بِإِزَالَةِ الْخَوْفِ، وَغَيْرُ الْجَانِي لَيْسَ بِخَائِفٍ فَلَا يُتَصَوَّرُ ثُبُوتُ الْأَمْنِ فِي حَقِّهِ فَعَرَفْنَا أَنَّ النَّصَّ مُتَنَاوِلٌ لِلْجَانِي فَيَثْبُتُ الْأَمْنُ فِي حَقِّهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يُقْتَلُ فِيهِ لِأَنَّ الْجَانِيَ قَدْ خُصَّ مِنْ الْآيَةِ بِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ أَمَرَ بِقَتْلِ نَفَرٍ مِنْهُمْ ابْنُ خَطَلٍ فَوَجَدُوهُ مُتَعَلِّقًا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَتَلُوهُ» . وَقَوْلُهُ ﵇ «الْحَرَمُ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا وَلَا فَارًّا بِدَمٍ» وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الطَّرَفِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ قِصَاصٌ فِي الطَّرَفِ فَدَخَلَ الْحَرَمَ اُسْتُوْفِيَ مِنْهُ فِي الْحَرَمِ

стр. 296

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كشف الأسرار] فَلَمَّا لَمْ يَبْطُلْ أَدْوَنُ الْحَقَّيْنِ بِالْحَرَمِ فَأَعْلَاهُمَا أَوْلَى وَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَا إذَا أَنْشَأَ الْقَتْلَ فِيهِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ فَكَذَا إذَا الْتَجَأَ إلَيْهِ وَقَالَ وَمَعْنَى الْآيَةِ وَمَنْ حَجَّهُ فَدَخَلَهُ كَانَ آمِنًا مِنْ الذُّنُوبِ الَّتِي اكْتَسَبَهَا أَوْ مِنْ النَّارِ فَأَجَابَ الشَّيْخُ عَنْ كَلَامِهِ وَقَالَ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ هَذَا الْعَامِّ بِالْآحَادِ وَالْقِيَاسِ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْحَقْهُ خُصُوصٌ فَبَقِيَ قَطْعِيًّا فَلَا يُعَارِضُهُ الدَّلَائِلُ الظَّنِّيَّةُ. وَذَكَرَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا أَنَّ التَّمَسُّكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي إثْبَاتِ الْأَمْنِ لِلْجَانِي الدَّاخِلِ فِي الْحَرَمِ مُشْكِلٌ لِأَنَّ الضَّمِيرَ الْبَارِزَ فِي دَخَلَهُ رَاجِعٌ إلَى الْبَيْتِ لَا إلَى الْحَرَمِ فَإِنَّ الْبَيْتَ هُوَ الْمَذْكُورُ إلَّا إذَا وَقَعَ النِّزَاعُ فِي الْجَانِي إذَا دَخَلَ الْبَيْتَ فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهَا وَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيمَنْ دَخَلَ الْحَرَمَ أَيْضًا لِعَدَمِ الْقَائِلِ بِالْفَصْلِ عِنْدَ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ فَأَمَّا إذَا سَلَّمَ الْخَصْمُ أَنَّ دُخُولَ الْبَيْتِ يُفِيدُ الْأَمْنَ وَلَكِنَّ دُخُولَ الْحَرَمِ لَا يُفِيدُهُ فَالْإِلْزَامُ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْآيَةِ مُتَعَذِّرٌ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ فَبَعْضُهُمْ قَالُوا لَا يَصِيرُ آمِنًا بِالدُّخُولِ فِي الْبَيْتِ وَلَكِنْ لَا يُقْتَلُ فِي الْبَيْتِ كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى تَلْوِيثِهِ بَلْ يُؤْخَذُ وَيُخْرَجُ مِنْ الْبَيْتِ وَيُقْتَلُ، وَبَعْضُهُمْ قَالُوا يَصِيرُ آمِنًا بِالدُّخُولِ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَأْمَنْ بِالدُّخُولِ فِي الْحَرَمِ وَلَا يُقَالَ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ عَيْنَ الْكَعْبَةِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧] وَمَقَامُ إبْرَاهِيمَ خَارِجَ الْبَيْتِ فِي الْحَرَمِ لِأَنَّا نَقُولُ مَقَامُ إبْرَاهِيمَ مَا قَامَ عِنْدَهُ إبْرَاهِيمُ وَتَعَبَّدَ، وَإِبْرَاهِيمُ كَانَ يَقُومُ فِي الْبَيْتِ وَلَا يُقَالُ أَيْضًا إنَّ الْبَيْتَ لَمَّا صَارَ مَأْمَنًا لَهُ صَارَ الْحَرَمُ مَأْمَنًا لَهُ أَيْضًا تَبَعًا لَهُ لِأَنَّهُ مِنْ حَرِيمِهِ لِأَنَّا نَقُولُ حُرْمَةُ التَّبَعِ دُونَ حُرْمَةِ الْمَتْبُوعِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْبَيْتِ مَأْمَنًا لِلْجَانِي أَنْ يَكُونَ الْحَرَمُ كَذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْبَيْتِ قِبْلَةً لِلصَّلَاةِ كَوْنُ الْحَرَمِ كَذَلِكَ. وَمِنْ الطَّوَافِ حَوْلَ الْبَيْتِ وُجُوبُهُ حَوْلَ الْحَرَمِ، وَمِنْ وُجُوبِ تَبْرِئَةِ الْبَيْتِ عَنْ النَّجَاسَاتِ وُجُوبُ تَبْرِئَةِ الْحَرَمِ عَنْهَا فَكَذَلِكَ هَذَا كَذَا فِي طَرِيقَةِ الصَّدْرِ الْحَجَّاجِ قُطْبِ الدِّينِ ﵀ وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ هُوَ الطَّرِيقُ الْأَوَّلُ فَإِنَّ صِفَةَ " الْأَمْنِ " تَعُمُّ الْبَيْتَ وَالْحَرَمَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] وَقَالَ إخْبَارًا عَنْ إبْرَاهِيمَ ﵇ ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] وَلِهَذَا ثَبَتَ الْأَمْنُ لِلصَّيْدِ بِدُخُولِ الْحَرَمِ فَلَا مَعْنَى لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْبَيْتِ وَالْحَرَمِ وَلَمَّا أَخَذَ الْحَرَمُ حُكْمَ الْبَيْتِ فِي الْأَمْنِ صَارَ الْبَيْتُ وَالْحَرَمُ بِمَنْزِلَةِ شَيْءٍ وَاحِدٍ فِيمَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ كَذَلِكَ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ الرَّاجِعُ إلَى الْبَيْتِ مُتَنَاوِلًا لِلْحَرَمِ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ [آل عمران: ٩٧] وَلَمْ يَقُلْ فِي حَرَمِهِ آيَاتٌ مَعَ أَنَّ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ خَارِجَ الْبَيْتِ وَمَا قَالُوا مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ هُوَ الْبَيْتُ بِاعْتِبَارِ عِبَادَتِهِ فِيهِ فَاسِدٌ لِأَنَّ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَالتَّأْوِيلِ لَمْ يُفَسِّرْهُ بِذَلِكَ. وَلِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧] فَسَّرَ الْآيَاتِ بِمَقَامِ إبْرَاهِيمَ إذْ هُوَ عَطْفُ بَيَانٍ لِآيَاتٍ وَلَيْسَ فِي كَوْنِ الْبَيْتِ مُتَعَبَّدًا لَهُ آيَةٌ بَلْ هِيَ ظُهُورُ أَثَرِ قَدَمِهِ فِي الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ وَغَوْصُهُ فِيهَا إلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِبْقَاؤُهُ دُونَ سَائِرِ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ لِإِبْرَاهِيمَ خَاصَّةً، وَحِفْظُهُ مَعَ كَثْرَةِ الْأَعْدَاءِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَلَاحِدَةِ أَلْفَ سَنَةٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قِيلَ فِيهِ آيَاتٌ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مَا قَالُوا لَقِيلَ هُوَ آيَةٌ بَيِّنَةٌ مَقَامُ إبْرَاهِيمَ فَثَبَتَ أَنَّ الطَّرِيقَ الْأَوَّلَ صَحِيحٌ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فَصْلَ الطَّرَفِ لِأَنَّ الْأَطْرَافَ فِي حُكْمِ الْأَمْوَالِ عَلَى مَا عُرِفَ وَالْأَمْنُ ثَبَتَ لِلْأَنْفُسِ فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ﴾ [آل عمران: ٩٧] يَتَنَاوَلُ الْأَنْفُسَ لَا الْأَطْرَافَ إلَّا أَنَّ الْأَمَانَ يَثْبُتُ فِيهَا تَبَعًا لِلنَّفْسِ حَتَّى لَمْ يُحِلَّ الْجِنَايَةَ عَلَى أَطْرَافِ الْمُرْتَدِّ وَالْكَافِرِ

стр. 297

وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْوَقْفُ وَاجِبٌ فِي كُلِّ عَامٍّ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ يَثْبُتُ بِهِ أَخَصُّ الْخُصُوصِ، أَمَّا مَنْ قَالَ بِالْوَقْفِ فَقَدْ احْتَجَّ بِأَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ مُجْمَلٌ فِيمَا أُرِيدَ بِهِ لِاخْتِلَافِ أَعْدَادِ الْجَمْعِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُؤَكَّدُ بِمَا يُفَسِّرُهُ فَيُقَالُ جَاءَنِي الْقَوْمُ أَجْمَعُونَ وَكُلُّهُمْ، فَلَمَّا اسْتَقَامَ تَفْسِيرُهُ بِمَا يُوجِبُ الْإِحَاطَةَ عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ مُحْتَمَلًا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْخَاصَّ لَا يُؤَكَّدُ بِمِثْلِهِ يُقَالُ جَاءَنِي زَيْدٌ نَفْسُهُ لَا جَمِيعُهُ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْمَجَازَ دُونَ الْبَيَانِ فَلَا يُؤَكَّدُ بِالْجَمِيعِ وَقَدْ ذُكِرَ الْجَمْعُ وَأُرِيدَ بِهِ الْبَعْضُ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وَإِنَّمَا هُوَ وَاحِدٌ فَلِذَلِكَ وَجَبَ الْوَقْفُ ــ [كشف الأسرار] فِي الْحَرَمِ فَإِذَا وَجَبَ الْقِصَاصُ وَالْقَطْعُ بِالْجِنَايَةِ أَوْ السَّرِقَةُ لَا يَمْنَعُ اسْتِيفَاءَهُ إلَّا مِنْ الَّذِي ثَبَتَ تَبَعًا بِخِلَافِ طَرَفِ الصَّيْدِ فَإِنَّ طَرَفَهُ بِمَنْزِلَةِ ذَاتِهِ لِأَنَّ الصَّيْدَ لَا يَبْقَى مُتَوَحِّشًا بَعْدَ فَوَاتِ طَرَفِهِ فَكَانَ إتْلَافُ طَرَفِهِ إخْرَاجًا لَهُ عَنْ الصَّيْدِيَّةِ وَلِأَنَّ مَنْ ثَبَتَ فِيهِ بِنَصٍّ مَقْصُودٍ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا» الْحَدِيثَ وَكَذَا لَا يَلْزَمُ مِنْ إنْشَاءِ الْقَتْلِ فِيهِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ فِيهِ لِأَنَّ النَّصَّ تَنَاوَلَ الدَّاخِلَ فِي الْحَرَمِ وَبِالدُّخُولِ يَثْبُتُ الْأَمَانُ وَلَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّهِ وَلِأَنَّ الْمُلْتَجِئَ إلَى الْحَرَمِ مُعَظِّمٌ حُرْمَتَهُ بِالِالْتِجَاءِ إلَيْهِ فَاسْتَحَقَّ الْأَمْنَ، وَالْمُنْشِئُ هَاتِكٌ لِحُرْمَتِهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْأَمْنُ. وَأَمَّا قَتْلُ ابْنِ خَطَلٍ فَقَدْ كَانَ فِي سَاعَةِ أُحِلَّتْ مَكَّةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ كَمَا وَرَدَ بِهِ الْأَثَرُ أَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا وَالزِّيَادَةُ لَيْسَتْ بِمَشْهُورَةٍ وَلَئِنْ ثَبَتَتْ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْقِطُ الْعُقُوبَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْعَامُّ يُوجِبُ الْحُكْمَ لَا عَلَى الْيَقِينِ] قَوْلُهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ الْعَامُّ يُوجِبُ الْحُكْمَ لَا عَلَى الْيَقِينِ) يَعْنِي مُوجِبُ الْعَامِّ عِنْدَهُ ظَنِّيٌّ بِمَنْزِلَةِ الْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَلِهَذَا جَوَّزَ تَخْصِيصَ الْعَامِّ ابْتِدَاءً بِهِمَا وَجَعَلَ الْخَاصَّ أَوْلَى بِالْمَصِيرِ إلَيْهِ مِنْ الْعَامِّ مُتَقَدِّمًا كَانَ أَوْ مُتَأَخِّرًا كَذَا ذُكِرَ فِي كُتُبِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ عَلَى هَذَا دَلَّتْ مَسَائِلُهُ فَإِنَّهُ رَجَّحَ خَبَرَ الْعَرَايَا عَلَى عُمُومِ قَوْلِهِ ﵇ «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ كَيْلٌ بِكَيْلٍ» الْحَدِيثَ كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَبَيَانُهُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ أَجَازَ الْعَرِيَّةَ وَهِيَ أَنْ يَبْتَاعَ الرَّجُلُ مَا عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ خَرْصًا بِمِثْلِ مَا يَعُودُ إلَيْهِ بَعْدَ الْجَفَافِ تَمْرًا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ «رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا» سُئِلَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ﵁ مَا عَرَايَاكُمْ هَذِهِ قَالَ «إنَّ مَحَاوِيجَ الْأَنْصَارِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الرُّطَبَ لِيَأْتِيَنَا وَلَيْسَ بِأَيْدِينَا نَقْدٌ نَبْتَاعُهُ وَعِنْدَنَا فُضُولُ قُوتِنَا مِنْ التَّمْرِ فَرَخَّصَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَبْتَاعَ بِخَرْصِهَا تَمْرًا فَنَأْكُلَ مَعَ النَّاسِ الرُّطَبَ» فَرَجَّحَ خَبَرَ الرُّخْصَةِ لِخُصُوصِهِ عَلَى الْخَبَرِ الْعَامِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَعِنْدَنَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ الْبَيْعُ لِأَنَّ مَا عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ تَمْرٌ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالتَّمْرِ إلَّا كَيْلًا بِكَيْلٍ عَمَلًا بِعُمُومِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ فَرَجَّحْنَاهُ بِعُمُومِهِ وَلَكِنْ بِكَوْنِهِ مُتَّفَقًا عَلَى قَبُولِهِ عَلَى الْخَاصِّ الْمُخْتَلَفِ فِي قَبُولِهِ، وَقُلْنَا الْعَرِيَّةُ الَّتِي رَخَّصَ فِيهَا هِيَ الْعَطِيَّةُ وَهِيَ أَنْ يَهَبَ الرَّجُلُ ثَمَرَةَ بُسْتَانِهِ لِرَجُلٍ ثُمَّ يَشُقَّ عَلَى الْمُعْرِي دُخُولُهُ فِي بُسْتَانِهِ لِمَكَانِ أَهْلِهِ فِيهِ وَلَا يَرْضَى مِنْ نَفْسِهِ خُلْفَ الْوَعْدِ وَالرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ فَيُعْطِيَهُ مَكَانَ ذَلِكَ تَمْرًا مَحْدُودًا بِالْخَرْصِ لِيَنْدَفِعَ ضَرَرُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا يَكُونَ مُخْلِفًا لِلْوَعْدِ وَهَذَا عِنْدَنَا جَائِزٌ لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ لَمْ يَصِرْ مِلْكًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ مَا دَامَ مُتَّصِلًا بِمِلْكِ الْوَاهِبِ فَمَا يُعْطِيهِ مِنْ التَّمْرِ لَا يَكُونُ عِوَضًا عَنْهُ بَلْ يَكُونُ هِبَةً مُبْتَدَأَةً وَإِنَّمَا سُمِّيَ ذَلِكَ تَبَعًا مَجَازًا لِأَنَّهُ فِي الصُّورَةِ عِوَضٌ يُعْطِيهِ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ خُلْفِ الْوَعْدِ، وَاتَّفَقَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَظَنَّ الرَّاوِي أَنَّ الرُّخْصَةَ مَقْصُورَةٌ عَلَيْهِ فَنَقَلَ كَمَا وَقَعَ عِنْدَهُ وَكَذَلِكَ رَجَّحَ الشَّافِعِيُّ قَوْلَهُ ﵇ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» عَلَى عُمُومِ قَوْلِهِ ﵇ «مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ فَفِيهِ الْعُشْرُ» كَمَا رَجَّحَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ، إلَّا أَنَّهُ رَجَّحَ نَظَرًا إلَى خُصُوصِهِ وَعُمُومِ الْآخَرَ فَإِنَّ الْخَاصَّ عِنْدَهُ رَاجِحٌ عَلَى الْعَامِّ بِكُلِّ حَالٍ، وَهُمَا رَجَّحَاهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ التَّارِيخَ لَمَّا لَمْ يُعْرَفْ بَيْنَهُمَا جُعِلَا كَأَنَّهُمَا وَرَدَا مَعًا فَجُعِلَ الْخَاصُّ مُخَصِّصًا لِلْعَامِّ حَتَّى لَوْ عُلِمَ كَوْنُ الْعَامِّ مُتَأَخِّرًا كَانَ نَاسِخًا لِلْخَاصِّ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لَهُ قَوْلُهُ

стр. 298

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كشف الأسرار] وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْوَقْفُ وَاجِبٌ فِي كُلِّ عَامٍّ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ) يَعْنِي عَلَى الْعُمُومِ أَوْ الْخُصُوصِ وَيُسَمَّوْنَ الْوَاقِفِيَّةَ وَقَدْ تَحَزَّبُوا فِرَقًا فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَيْسَ فِي اللُّغَةِ صِيغَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْعُمُومِ خَاصَّةٌ لَا تَكُونُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَالْأَلْفَاظُ الَّتِي ادَّعَاهَا أَرْبَابُ الْعُمُومِ أَنَّهَا عَامَّةٌ لَا تُفِيدُ عُمُومًا وَلَا خُصُوصًا بَلْ هِيَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا أَوْ مُجْمَلَةٌ فَيَتَوَقَّفُ فِي حَقِّ الْعَمَلِ وَالِاعْتِقَادِ جَمِيعًا إلَّا أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى الْمُرَادِ كَمَا يُتَوَقَّفُ فِي الْمُشْتَرَكِ أَوْ كَمَا يُتَوَقَّفُ فِي الْمُجْمَلِ. وَالْخَبَرُ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَهُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ الْأَشْعَرِيَّةِ وَعَامَّةِ الْمُرْجِئَةِ وَإِلَيْهِ مَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْبَرْدَعِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَثْبُتُ بِهِ أَخَصُّ الْخُصُوصِ وَهُوَ الْوَاحِدُ فِي اسْمِ الْجِنْسِ وَالثَّلَاثَةُ فِي صِيغَةِ الْجَمْعِ وَيَتَوَقَّفُ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ إلَى أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ وَيُسَمَّوْنَ أَصْحَابَ الْخُصُوصِ وَبِهِ أَخَذَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَلْخِيّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ فِي حَقِّ الْكُلِّ فِي حَقِّ الِاعْتِقَادِ دُونَ الْعَمَلِ فَقَالُوا يَجِبُ أَنْ يُعْتَقَدَ عَلَى الْإِبْهَامِ أَنَّ مَا أَرَادَ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ فَهُوَ حَقٌّ وَلَكِنَّهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ وَهُوَ مَذْهَبُ مَشَايِخِ سَمَرْقَنْدَ رَئِيسُهُمْ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ ﵏ وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْخَبَرِ وَبَيْنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَتَوَقَّفَ فِي الْخَبَرِ وَأَجْرَى الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ عَلَى الْعُمُومِ وَهَذَا قَوْلٌ حَكَاهُ أَبُو الطَّيِّبِ بْنُ شِهَابٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَأَجْرَى الْأَخْبَارَ عَلَى ظَوَاهِرِهَا فِي الْعُمُومِ فَعِنْدَ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ لَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِعَامٍّ أَصْلًا وَكَذَا عِنْدَ الْفَرِيقِ الثَّانِي فِيمَا وَرَاءَ أَخَصِّ الْخُصُوصِ وَعِنْدَ الْفَرِيقِ الثَّالِثِ يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِظَوَاهِر الْعُمُومَاتِ فِي الْأَحْكَامِ لَا فِي الِاعْتِقَادَاتِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الْعَمَلُ وَهِيَ تُوجِبُ الْعَمَلَ وَكَذَا إذَا قَالَ عَلَيَّ دَرَاهِمُ لِفُلَانٍ فَعِنْدَ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ وَالرَّابِعِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إلَّا بَعْدَ الْبَيَانِ كَمَا لَوْ قَالَ عَلَيَّ شَيْءٌ وَعِنْدَ الْفَرِيقِ الثَّانِي يَلْزَمُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ لِأَنَّهَا أَخَصُّ الْخُصُوصِ وَكَذَا عِنْدَ الْفَرِيقِ الْخَامِسِ وَأَرْبَابِ الْعُمُومِ أَيْضًا، لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْعُمُومِ هَهُنَا مُتَعَذِّرٌ فَيُصَارُ إلَى أَخَصِّ الْخُصُوصِ ثُمَّ لَمَّا كَانَ وُجُوبُ التَّوَقُّفِ عِنْدَ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ لِلْإِجْمَالِ أَوْ لِلِاشْتِرَاكِ أَشَارَ الشَّيْخُ فِي بَيَانِ شُبْهَتِهِمْ إلَى الْمَعْنَيَيْنِ. فَأَشَارَ إلَى الْإِجْمَالِ بِقَوْلِهِ اللَّفْظُ مُجْمَلٌ فِيمَا أُرِيدَ بِهِ أَيْ فِي مَعْرِفَةِ الْمُرَادِ بِهِ حَقِيقَةً لِأَنَّ الِاسْتِغْرَاقَ لَيْسَ مِنْ مُوجِبَاتِ الْعُمُومِ وَشَرَائِطِهِ عِنْدَكُمْ عَلَى مَا مَرَّ ذِكْرُهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ يَسْتَقِيمُ أَنْ يُقْرَنَ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْبَيَانِ وَالتَّفْسِيرِ مَا يُوجِبُ عُمُومَ الصِّيغَةِ وَإِحَاطَتَهَا لِلْجَمِيعِ فَيُقَالُ جَاءَنِي الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَأَجْمَعُونَ، وَلَوْ كَانَ الْعُمُومُ وَالْإِحَاطَةُ مُوجَبَ اللَّفْظِ لَمْ يَسْتَقِمْ تَفْسِيرُهُ بِمَا هُوَ عَيْنُ مُوجَبِهِ كَالْخَاصِّ لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُقْرَنَ بِهِ مَا هُوَ بَيَانُ مُوجِبِهِ بِأَنْ يُقَالَ جَاءَنِي زَيْدٌ كُلُّهُ أَوْ جَمِيعُهُ وَلَمَّا اسْتَقَامَ ذَلِكَ عَرَفْنَا أَنَّهُ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْإِحَاطَةِ بِنَفْسِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْبَعْضُ مُرَادًا مِنْهُ لَا مَحَالَةَ وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِأَنَّ أَعْدَادَ الْجَمْعِ مُخْتَلِفَةٌ وَلَيْسَ بَعْضُهَا أَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ لِاسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِي مَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ فَلَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ بِالتَّأَمُّلِ فِي صِيغَةِ اللَّفْظِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمُجْمَلِ فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ فِيهِ وَحَاصِلُ الْفَرْقِ أَنَّ قَوْلَهُ جَاءَنِي زَيْدٌ مَوْضُوعُهُ الْأَصْلِيُّ مَعْلُومٌ لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَا وُضِعَ لَهُ أَيْضًا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَهُوَ مَجِيءُ الْخَبَرِ أَوْ الْكِتَابِ، أَمَّا الْمَوْضُوعُ الْأَصْلِيُّ فِي الْعَامِّ فَالْجَمْعُ وَذَلِكَ يُوجَدُ

стр. 299

وَجْهُ الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ الْأَخَصَّ وَهُوَ الثَّلَاثَةُ مِنْ الْجَمَاعَةِ وَالْوَاحِدُ مِنْ الْجِنْسِ مُتَيَقَّنٌ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ. ــ [كشف الأسرار] فِي الْكُلِّ فِيمَا دُونَهُ مِنْ الْأَعْدَادِ إلَى الثَّلَاثَةِ وَمَعَ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَا وُضِعَ لَهُ أَيْضًا وَهُوَ الْفَرْدُ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَلِهَذَا يُؤَكَّدُ بِمَا يَقْطَعُ الِاحْتِمَالَيْنِ أَيْ احْتِمَالَ الْمَجَازِ وَاحْتِمَالَ الْبَعْضِ فَيُقَالُ جَاءَنِي الْقَوْمُ أَنْفُسُهُمْ كُلُّهُمْ أَوْ أَجْمَعُونَ وَلَا يُقَالُ جَاءَنِي زَيْدٌ نَفْسُهُ كُلُّهُ أَوْ جَمِيعُهُ، وَإِذَا كَانَ الِاحْتِمَالُ وَالِاشْتِبَاهُ فِيهِ مَوْضُوعُهُ الْأَصْلِيُّ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُجْمَلِ بِخِلَافِ الْخَاصِّ. وَأَشَارَ إلَى الِاشْتِرَاكِ بِقَوْلِهِ (وَقَدْ ذُكِرَ الْجَمْعُ) أَيْ صِيغَةُ الْجَمْعِ (وَأُرِيدَ بِهِ الْبَعْضُ) أَيْ الْبَعْضُ الْخَاصُّ (مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] كَانَ أَبُو سُفْيَانَ وَاعَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ أَنْ يُوَافِيَهُ الْعَامَ الْمُقْبِلَ بِبَدْرٍ الصُّغْرَى فَلَمَّا دَنَا الْمَوْعِدُ رُعِبَ وَنَدِمَ وَجَعَلَ لِنُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيِّ عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ عَلَى أَنْ يُخَوِّفَ الْمُؤْمِنِينَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ الَّذِينَ يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] أَيْ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ (وَإِنَّمَا هُوَ الْوَاحِدُ) إنَّ النَّاسَ أَيْ أَهْلَ مَكَّةَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ أَيْ الْجَيْشَ لِقِتَالِكُمْ فَاخْشَوْهُمْ وَلَا تَأْتُوهُمْ فَزَادَهُمْ ذَلِكَ الْقَوْلُ إيمَانًا أَيْ ثُبُوتًا فِي دِينِهِمْ وَإِقَامَةً عَلَى نُصْرَةِ نَبِيِّهِمْ وَلَمَّا اُسْتُعْمِلَتْ هَذِهِ الصِّيَغُ فِي الْخُصُوصِ اسْتِعْمَالًا شَائِعًا كَمَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي الْعُمُومِ بَلْ اسْتِعْمَالُهَا فِي الْخُصُوصِ أَكْثَرُ فَقَلَّ مَا وُجِدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْكَلِمَاتِ الْمُطْلَقَةِ فِي الْمُحَاوَرَاتِ مِنْ الْعُمُومَاتِ مَا لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ تَخْصِيصُ قَضَيْنَا بِأَنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ إذْ الْأَصْلُ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةُ كَمَا قَضَيْنَا بِاشْتِرَاكِ اسْمِ الْعَيْنِ لَمَّا رَأَيْنَا الْعَرَبَ يَسْتَعْمِلُونَ لَفْظَ الْعَيْنِ فِي مُسَمَّيَاتِهِ اسْتِعْمَالًا وَاحِدًا مُتَشَابِهًا فَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْعُمُومِ مَجَازٌ فِي الْخُصُوصِ فَهُوَ مُتَحَكِّمٌ كَمَنْ ادَّعَى عَلَى الْعَكْسِ وَإِذَا ثَبَتَ الِاشْتِرَاكُ وَجَبَ التَّوَقُّفُ لَا مَحَالَةَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْمُرَادُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ أَنَّ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى الْمُرَادِ إلَّا بِالْبَيَانِ وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي قَدْ تَوَقَّفَ عَلَيْهِ بِالتَّأَمُّلِ وَبِالْبَيَانِ كَمَا فِي الْمُشْتَرَكِ قَوْلُهُ (وَجْهُ الْقَوْلِ الْآخَرِ) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِهَا وَهُوَ الْقَوْلُ بِأَخَصِّ الْخُصُوصِ أَنَّهُ لَا وَجْهَ إلَى الْقَوْلِ بِالتَّوَقُّفِ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى إهْمَالِ اللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ مَعَ إمْكَانِ الْعَمَلِ بِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَثْبُتَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ مُحْتَمَلَاتِهِ ثُمَّ تَنَاوَلَ اللَّفْظَ لِلْأَخَصِّ وَهُوَ الثَّلَاثَةُ مِنْ الْجَمَاعَةِ وَالْوَاحِدُ مِنْ الْجِنْسِ مُتَيَقَّنٌ لِثُبُوتِهِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ أَعْنِي تَقْدِيرَ إرَادَةِ الْعُمُومِ وَتَقْدِيرَ إرَادَةِ الْخُصُوصِ وَتَنَاوُلُهُ لِلْعُمُومِ مُحْتَمَلٌ فَالْعَمَلُ بِالْمُتَيَقَّنِ وَجَعْلُ اللَّفْظِ حَقِيقَةً فِيهِ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ، وَوَجْهُ قَوْلِ مَشَايِخِ سَمَرْقَنْدَ ﵏ أَنَّ صِيَغَ الْعُمُومِ مَوْضُوعَةٌ لَهُ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ وَلَكِنْ فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ صَارَتْ مُشْتَرَكَةً وَوُرُودُ هَذِهِ النُّصُوصِ كَانَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي صَارَتْ مُشْتَرَكَةً فَلَوْ اعْتَقَدْنَا فِيهَا الْعُمُومَ لَا نَأْمَنُ عَنْ الْوُقُوعِ فِي الْخَطَأِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهَا الْخُصُوصَ إذْ أَكْثَرُ الْعُمُومَاتِ غَيْرُ مُسْتَوْعَبَةٍ، وَلَوْ قُلْنَا بِالتَّوَقُّفِ فِي حَقِّ الْعَمَلِ أَوْ بِأَخَصِّ الْخُصُوصِ كَمَا قَالُوا لَا نَأْمَنُ مِنْ أَنْ يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إلَى تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ ارْتِكَابِ مَحْظُورٍ إذْ احْتِمَالُ إرَادَةِ الْعُمُومِ قَائِمٌ أَيْضًا فَقُلْنَا بِالتَّوَقُّفِ فِي حَقِّ الِاعْتِقَادِ وَبِالْعُمُومِ فِي حَقِّ الْعَمَلِ احْتِيَاطًا وَوَجْهُ قَوْلِ مَنْ تَوَقَّفَ فِي الْخَبَرِ دُونَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى التَّكْلِيفِ بِأَوَامِرَ وَنَوَاهٍ عَامَّةٍ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ لِلْعُمُومِ لَمَا كَانَ التَّكْلِيفُ عَامًّا، بِخِلَافِ الْخَبَرِ إذْ لَيْسَ فِيهِ تَكْلِيفٌ فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ فِيهِ بِالدَّلِيلِ الَّذِي قَالَهُ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ وَوَجْهُ قَوْلِ مَنْ عَكَسَ الْأَمْرَ أَنَّ احْتِمَالَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ

стр. 300

وَوَجْهُ قَوْلِنَا وَالشَّافِعِيِّ إنَّهُ مُوجِبٌ لِأَنَّ الْعُمُومَ مَعْنًى مَقْصُودٌ بَيْنَ النَّاسِ شَرْعًا وَعُرْفًا فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَفْظُهُ وُضِعَ لَهُ لِأَنَّ الْأَلْفَاظَ لَا يَقْصُرُ عَنْ الْمَعَانِي أَبَدًا أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْتِقَ عَبِيدَهُ كَانَ السَّبِيلُ فِيهِ أَنْ يَعُمَّهُمْ فَيَقُولَ عَبِيدِي أَحْرَارٌ وَالِاحْتِجَاجُ بِالْعُمُومِ مِنْ السَّلَفِ مُتَوَارَثٌ وَقَدْ احْتَجَّ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ فِي الْحَمْلِ أَنَّهُ يَنْسَخُ سَائِرَ وُجُوهِ الْعِدَدِ بِقَوْلِهِ ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وَقَالَ إنَّهُ آخِرُهُمَا نُزُولًا ــ [كشف الأسرار] وَالتَّحْرِيمِ وَالتَّنْزِيهِ فِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَهِيَ الطَّلَبُ وَالْمَنْعُ قَائِمٌ فَيُتَوَقَّفُ فِيهِمَا بِخِلَافِ الْخَبَرِ لِمَا نَذْكُرُ مِنْ دَلِيلِ أَرْبَابِ الْعُمُومِ. قَوْلُهُ (وَوَجْهُ قَوْلِنَا وَالشَّافِعِيِّ إنَّهُ مُوجِبٌ) إلَى آخِرِهِ وَاعْلَمْ أَنَّ فِي دَلَائِلِ أَرْبَابِ الْعُمُومِ كَثْرَةً وَلَكِنَّ الشَّيْخَ أَشَارَ إلَى اثْنَيْنِ مِنْهَا إلَى الدَّلِيلِ الْمَعْقُولِ وَإِلَى إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَقَوْلُهُ (الْعُمُومَ مَعْنًى مَقْصُودٌ إلَى قَوْلِهِ عَبِيدِي أَحْرَارٌ) إشَارَةٌ إلَى الْمَعْقُولِ قَوْلُهُ (وَالِاحْتِجَاجُ إلَى آخِرِهِ) إشَارَةٌ إلَى الْإِجْمَاعِ أَمَّا بَيَانُ الْأَوَّلِ فَهُوَ أَنَّ الْأَسْمَاءَ وُضِعَتْ دَلَالَاتٌ عَلَى الْمَعَانِي الْمَقْصُودَةِ وَقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ فِي بَابِ الْأَمْرِ ثُمَّ مَعْنَى الْعُمُومِ مَقْصُودٌ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ كَمَعْنَى الْخُصُوصِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ لَفْظٌ مَوْضُوعٌ مُخْتَصٌّ بِهِ كَسَائِرِ الْمَقَاصِدِ، إذْ الْأَلْفَاظُ لَا تَقْصُرُ عَنْ الْمَعَانِي أَعْنِي الْمَعَانِيَ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا تَفْهِيمُ الْغَيْرِ وَهَذَا لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِاللَّفْظِ الْخَاصِّ لَهُ فِي ذَلِكَ مُرَادٌ لَا يَحْصُلُ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ وَهُوَ تَخْصِيصُ الْفَرْدِ بِشَيْءٍ فَكَانَ لِتَحْصِيلِ مُرَادِهِ لَفْظٌ مَوْضُوعٌ وَهُوَ الْخَاصُّ فَكَذَا الْمُتَكَلِّمُ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ لَهُ مُرَادٌ فِي الْعُمُومِ لَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِاللَّفْظِ الْخَاصِّ وَلَا يَتَيَسَّرُ عَلَيْهِ التَّنْصِيصُ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِمَّا هُوَ مُرَادٌ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِمُرَادِهِ لَفْظٌ مَوْضُوعٌ لُغَةً أَيْضًا قَوْلُهُ (أَلَا تَرَى) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ عُرْفًا يَعْنِي الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مَقْصُودٌ بَيْنَ النَّاسِ عُرْفًا أَنَّ (مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْتِقَ جَمِيعَ عَبِيدِهِ جُمْلَةً يَقُولُ عَبِيدِي أَحْرَارٌ) وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى تَحْصِيلِ هَذَا الْمَقْصُودِ إلَّا بِالتَّعْمِيمِ فَمَنْ جَعَلَ مُوجِبَهُ التَّوَقُّفَ فَإِنَّهُ يَسُدُّ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ بَابَ تَحْصِيلِ مَقْصُودِهِ فِي الْعُمُومِ بِاسْتِعْمَالِ صِيغَتِهِ إلَيْهِ أَشَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَاعْتَرَضُوا عَلَى هَذَا الدَّلِيلِ فَقَالُوا هَذَا قِيَاسٌ أَوْ اسْتِدْلَالٌ وَاللُّغَةُ ثَبَتَتْ تَوْقِيفًا وَنَقْلًا لَا قِيَاسًا وَإِنْ سَلِمَ أَنْ ذَلِكَ وَاجِبٌ فِي الْحِكْمَةِ لَا نُسَلِّمُ عِصْمَةَ وَاضِعِي اللُّغَةِ حَتَّى لَا يُخَالِفُوا الْحِكْمَةَ فِي وَضْعِهَا أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ عَقَلَتْ الْمَاضِيَ وَالْمُسْتَقْبَلَ وَالْحَالَ ثُمَّ لَمْ تَضَعْ لِلْحَالِ لَفْظًا خَاصًّا حَتَّى لَزِمَ اسْتِعْمَالُ الْمُسْتَقْبَلِ فِيهَا وَكَمَا عَقَلَتْ الْأَلْوَانَ عَقَلَتْ الرَّوَائِحَ ثُمَّ لَمْ تَضَعْ لِلرَّوَائِحِ أَسَامِيَ حَتَّى لَزِمَ تَعْرِيفُهَا بِالْإِضَافَةِ فَيُقَالُ رِيحُ الْمِسْكِ وَرِيحُ الْعُودِ وَلَا يُقَالُ لَوْنُ الدَّمِ وَلَوْنُ الزَّعْفَرَانِ بَلْ يُقَالُ أَحْمَرُ أَوْ أَصْفَرُ. وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُمْ وَضَعُوا لِلْعُمُومِ لَفْظًا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمْ وَضَعُوا فِيهِ لَفْظًا خَاصًّا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَقَطْ فَإِنَّ الْعَيْنَ مَوْضُوعٌ لِلْبَاصِرَةِ وَلَكِنْ بِصِفَةِ الِاشْتِرَاكِ بَيْنَ أَشْيَاءَ لِأَنَّهُمْ اسْتَعْمَلُوهُ فِي غَيْرِ الْبَاصِرَةِ فَكَذَلِكَ صِيَغُ الْعُمُومِ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ وَأَمَّا بَيَانُ الثَّانِي وَهُوَ الْعُمْدَةُ فِي الْبَابِ فَهُوَ أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِالْعُمُومِ أَيْ بِالْعَامِّ عَنْ السَّلَفِ وَهُمْ الصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ مُتَوَارَثٌ أَيْ ثَابِتٌ فَقَدْ اخْتَلَفَ عَلِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵄ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ إنَّهَا تَعْتَدُّ بِأَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى وَاَلَّذِينَ أَيْ وَأَزْوَاجُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ أَيْ يُسْتَوْفَى أَزْوَاجُهُمْ ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] أَيْ يَعْتَدِدْنِ هَذِهِ الْمُدَّةَ وَقِيلَ عَشْرًا ذَهَابًا إلَى اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ دَاخِلَةٌ مَعَهَا يَقْتَضِي أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ وَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ﴾ [الطلاق: ٤] أَيْ ذَوَاتُ الْحَمْلِ مِنْ النِّسَاءِ ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] أَيْ عِدَّتُهُنَّ وَضْعُ حَمْلِهِنَّ يَقْتَضِي أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِوَضْعِ الْحَمْلِ وَالتَّارِيخُ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِأَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ احْتِيَاطًا وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ إنَّهَا تَعْتَدُّ

стр. 301

وَصَارَ نَاسِخًا لِلْخَاصِّ الَّذِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَدَلَّ عَلَى مَا قُلْنَا إنَّهُ مُوجِبٌ مِثْلَ الْخَاصِّ وَاحْتَجَّ عَلِيٌّ ﵁ فِي تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَطْئًا بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَقَالَ أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] فَصَارَ التَّحْرِيمُ أَوْلَى ــ [كشف الأسرار] بِوَضْعِ الْحَمْلِ لَا غَيْرُ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ﴾ [الطلاق: ٤] مُتَأَخِّرٌ فِي النُّزُولِ عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] الْآيَةَ حَتَّى قَالَ مَنْ شَاءَ بِأَهِلَّتِهِ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إنَّ سُورَةَ النِّسَاءِ الْقُصْرَى يَعْنِي سُورَةَ الطَّلَاقِ نَزَلَتْ بَعْدَ الْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا كَمَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهَا فَصَارَ بِعُمُومِهِ نَاسِخًا لِمَا تَقَدَّمَهُ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] فَلِهَذَا أَوْجَبَ عَلَيْهَا الِاعْتِدَادَ بِوَضْعِ الْحَمْلِ لَا غَيْرُ. قَوْلُهُ (فَصَارَ نَاسِخًا) أَيْ صَارَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ﴾ [الطلاق: ٤] نَاسِخًا لِلْخَاصِّ الَّذِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ النَّصَّيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآخَرِ عَامٌّ مِنْ وَجْهٍ خَاصٌّ مِنْ وَجْهٍ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ﴾ [الطلاق: ٤] عَامٌّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَغَيْرُهَا خَاصٌّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا أُولَاتِ الْأَحْمَالِ. وَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] خَاصٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَوَّلِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا عَامٌّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا الْحَامِلَ وَغَيْرَ الْحَامِلِ فَنَسَخَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ﴾ [الطلاق: ٤] بِعُمُومِهِ حُكْمَ هَذَا النَّصِّ الْخَاصِّ النِّسْبِيِّ فِي حَقِّ الْحَامِلِ لِكَوْنِهِ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ فَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فَصَارَ نَاسِخًا لِلْخَاصِّ فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَرَمَيْنِ الْإِمَامَيْنِ عَمِلَ بِالْعُمُومِ كَمَا هُوَ مُوجَبُ الصِّيغَةِ إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا جَمَعَ بَيْنَ النَّصَّيْنِ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِالتَّارِيخِ وَالْآخَرَ عَمِلَ بِالْمُتَأَخِّرِ لِمَعْرِفَتِهِ بِهِ وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ ﵄ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَطْئًا بِمِلْكِ الْيَمِينِ قَالَ عَلِيٌّ ﵁ يَحْرُمُ ذَلِكَ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] يُوجِبُ تَحْرِيمَهُ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ لَمَّا حَرَّمَ نِكَاحًا وَهُوَ سَبَبٌ مُفْضٍ إلَى الْوَطْءِ فَلَأَنْ يُحَرِّمَ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا وَطْئًا بِمِلْكِ الْيَمِينِ كَانَ أَوْلَى وَقَوْلُهُ ﷻ ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] يُوجِبُ حِلَّهُ فَكَانَ الْأَخْذُ بِمَا يُحَرِّمُ أَوْلَى احْتِيَاطًا وَوَافَقَهُ عُثْمَانُ ﵁ فِي أَنَّ النَّصَّيْنِ يُوجِبَانِ التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ إلَّا أَنَّهُ رَجَّحَ الْمُوجِبَ لِلْحِلِّ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ فَعَمِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْعُمُومِ. وَلَا يُقَالُ الْمُبِيحُ عِبَارَةٌ وَالْمُحَرِّمُ دَلَالَةٌ فَلَا يَتَعَارَضَانِ لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ خُصَّ مِنْ الْمُبِيحِ الْأَمَةُ الْمَجُوسِيَّةُ وَالْأُخْتُ مِنْ الرَّضَاعِ وَأُخْتُ الْمَنْكُوحَةِ وَغَيْرُهُنَّ فَكَانَ أَدْنَى مِنْ الْقِيَاسِ فَيُعَارِضُهُ الدَّلَالَةُ بَلْ تَتَرَجَّحُ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّا نَقُولُ الْحُرْمَةُ ثَابِتَةٌ بِالْعِبَارَةِ أَيْضًا فَإِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾ [النساء: ٢٣] يَتَنَاوَلُ الْجَمْعَ مِنْ حَيْثُ النِّكَاحُ وَالْوَطْءُ جَمِيعًا وَكَذَلِكَ قَدْ اشْتَهَرَ الِاحْتِجَاجُ بِالْعُمُومَاتِ عَنْ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي الْوَقَائِعِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِنْ أَحَدٍ فَإِنَّهُمْ عَمِلُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] فَاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى إرْثِ فَاطِمَةَ ﵂ حَتَّى نَقَلَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ «نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ» وَأَجْرَوْا قَوْله تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] وَ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ [الإسراء: ٣٣] ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨] ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وَ ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] وَقَوْلُهُ ﵇ «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا» «مَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ» «لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ» «لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحْصَى عَلَى الْعُمُومِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ «لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] قَالَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَكَانَ ضَرِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ بِمَنْ

стр. 302

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كشف الأسرار] لَا يَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَنَزَلَ قَوْلُهُ عَزَّ ذِكْرُهُ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] » فَعَقَلَ الضَّرِيرُ وَغَيْرُهُ عُمُومَ لَفْظِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] . قَالَ بَعْضُ الْكُفَّارِ أَنَا أَخْصِمُ لَكُمْ مُحَمَّدًا فَجَاءَ وَقَالَ أَلَيْسَ عُبِدَ الْمَلَائِكَةُ وَعُبِدَ الْمَسِيحُ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونُوا مِنْ حَصَبِ جَهَنَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١] الْآيَةَ تَنْبِيهًا عَلَى التَّخْصِيصِ وَلَمْ يُنْكِرْ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ ﵃ تَعَلُّقَهُ بِالْعُمُومِ وَمَا قَالُوا لَهُ لَمَّا اسْتَدَلَّ اسْتَدْلَلْتَ بِلَفْظٍ مُشْتَرَكٍ أَوْ مُجْمَلٍ وَلَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] قَالَتْ الصَّحَابَةُ فَأَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ ظُلْمَ النِّفَاقِ وَالْكُفْرِ وَاحْتَجَّ عُمَرُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵄ بِقَوْلِهِ ﵇ «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» فَدَفَعَهُ أَبُو بَكْرٍ بِقَوْلِهِ ﵇ «إلَّا بِحَقِّهَا» وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ التَّعَلُّقَ بِالْعُمُومِ هَذَا وَأَمْثَالُهُ لَا تَنْحَصِرُ حِكَايَتُهُ فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ الْقَوْلَ بِالْعُمُومِ مَذْهَبُ السَّلَفِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ قَبْلَ ظُهُورِ الْوَاقِفِيَّةِ مُتَوَارَثٌ ذَلِكَ عَنْهُمْ بِالنَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ وَأَنَّهُمْ كَانُوا يُجْرُونَ أَلْفَاظَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى الْعُمُومِ إلَّا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى تَخْصِيصِهِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَطْلُبُونَ دَلِيلَ الْخُصُوصِ لَا دَلِيلَ الْعُمُومِ فَكَانَ الْقَوْلُ بِالتَّوَقُّفِ أَوْ بِأَخَصِّ الْخُصُوصِ مُخَالِفًا لِإِجْمَاعِ السَّلَفِ فَوَجَبَ رَدُّهُ قَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ ﵀ وَالطَّرِيقُ الْمُخْتَارُ فِي إثْبَاتِ الْعُمُومِ عِنْدَنَا أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى صِيغَةٍ تَدُلُّ عَلَى مَعْنَى الْعُمُومِ لَا يَخْتَصُّ بِلُغَةِ الْعَرَبِ بَلْ هِيَ ثَابِتَةٌ فِي جَمِيعِ اللُّغَاتِ فَيَبْعُدُ أَنْ يَغْفُلَ عَنْهَا جَمِيعُ أَصْنَافِ الْخَلْقِ فَلَا يَضَعُوهَا مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا وَيَدُلُّ عَلَى وَضْعِهَا تَوَجُّهُ الِاعْتِرَاضِ عَلَى مَنْ عَصَى الْأَمْرَ الْعَامَّ وَسُقُوطُ الِاعْتِرَاضِ عَمَّنْ أَطَاعَ وَلُزُومُ النَّقْضِ وَالْخُلْفِ عَلَى الْخَبَرِ الْعَامِّ. وَجَوَازُ بِنَاءِ الِاسْتِحْلَالِ عَلَى الْمُحَلِّلَاتِ الْعَامَّةِ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أُمُورٍ تَدُلُّ عَلَى الْغَرَضِ وَبَيَانُهَا أَنَّ السَّيِّدَ إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ مَنْ دَخَلَ الْيَوْمَ دَارِي فَأَعْطِهِ رَغِيفًا أَوْ دِرْهَمًا فَأَعْطَى كُلَّ دَاخِلٍ لَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ وَأَنْ يُعَاتِبَهُ فِي إعْطَائِهِ وَاحِدًا مِنْ الدَّاخِلِينَ وَيَقُولَ لِمَ أَعْطَيْتَ هَذَا مِنْ جُمْلَتِهِمْ وَهُوَ قَصِيرٌ وَأَنَا أَرَدْتُ الطِّوَالَ أَوْ هُوَ أَسْوَدُ وَأَنَا أَرَدْتُ الْبِيضَ وَلِلْعَبْدِ أَنْ يَقُولَ مَا أَمَرْتَنِي بِإِعْطَاءِ الطِّوَالِ وَالْبِيضِ بَلْ بِإِعْطَاءِ مَنْ دَخَلَ وَهَذَا دَخَلَ فَالْعُقَلَاءُ إذَا سَمِعُوا فِي اللُّغَاتِ كُلِّهَا رَأَوْا اعْتِرَاضَ السَّيِّدِ سَاقِطًا وَعُذْرَ الْعَبْدِ مُتَوَجِّهًا وَقَالُوا لِلسَّيِّدِ أَنْتَ أَمَرْتَهُ بِإِعْطَاءِ مَنْ دَخَلَ وَهَذَا قَدْ دَخَلَ وَلَوْ أَنَّهُ أَعْطَى الْجَمِيعَ إلَّا وَاحِدًا فَعَاتَبَهُ السَّيِّدُ وَقَالَ لِمَ لَمْ تُعْطِهِ فَقَالَ الْعَبْدُ لِأَنَّ هَذَا طَوِيلٌ أَوْ أَبْيَضُ وَكَانَ لَفْظُك عَامًّا فَقُلْت لَعَلَّكَ أَرَدْتَ الْقِصَارَ أَوْ السُّودَ اسْتَوْجَبَ التَّأْدِيبَ بِهَذَا الْكَلَامِ وَقِيلَ لَهُ مَالَكَ وَالنَّظَرَ إلَى الطُّولِ وَاللَّوْنِ وَقَدْ أَمَرْتُكَ بِإِعْطَاءِ الدَّاخِلِ فَهَذَا مَعْنَى سُقُوطِ الِاعْتِرَاضِ عَنْ الْمُطِيعِ وَتَوَجُّهِهِ عَلَى الْعَاصِي وَأَمَّا النَّقْضُ عَلَى الْخَبَرِ فَهُوَ مَا إذَا قَالَ مَا رَأَيْتُ الْيَوْمَ أَحَدًا وَكَانَ قَدْ رَأَى جَمَاعَةً كَانَ كَلَامُهُ خُلْفًا مَنْقُوضًا وَكَذِبًا فَإِنْ قَالَ أَرَدْتُ أَحَدًا غَيْرَ تِلْكَ الْجَمَاعَةِ كَانَ مُسْتَنْكَرًا وَهَذِهِ إحْدَى صِيَغِ الْعُمُومِ فَإِنَّ النَّكِرَةَ فِي النَّفْيِ تَعُمُّ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْعُمُومِ وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا﴾ [الأنعام: ٩١] إنَّمَا أَوْرَدَ هَذَا نَقْضًا عَلَى كَلَامِهِمْ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَامًّا فَلِمَ وَرَدَ النَّقْضُ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ

стр. 303

وَذَلِكَ عَامٌّ كُلُّهُ ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ كُلُّ عَامٍّ يَحْتَمِلُ إرَادَةَ الْخُصُوصِ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ فَتَمَكَّنَتْ فِيهِ الشُّبْهَةُ فَذَهَبَ الْيَقِينُ، وَلَنَا أَنَّ الصِّيغَةَ مَتَى وُضِعَتْ لِمَعْنًى كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَاجِبًا بِهِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِهِ، وَإِرَادَةُ الْبَاطِنِ لَا تَصْلُحُ دَلِيلًا لِأَنَّا لَمْ نُكَلَّفْ دَلِيلًا دَرْكُ الْغَيْبِ فَلَا يَبْقَى لَهُ عِبْرَةً أَصْلًا ــ [كشف الأسرار] أَرَادُوا غَيْرَ مُوسَى فَلَمْ يَلْزَمْ دُخُولُ مُوسَى تَحْتَ اسْمِ الْبَشَرِ. وَأَمَّا الِاسْتِحْلَالُ بِالْعُمُومِ فَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ أَعْتَقْت عَبِيدِي أَوْ إمَائِي وَمَاتَ عَقِيبَهُ جَازَ لِمَنْ سَمِعَهُ أَنْ يُزَوِّجَ مِنْ أَيِّ عَبِيدِهِ شَاءَ أَوْ يَتَزَوَّجَ بِأَيِّ جَوَارِيهِ بِغَيْرِ رِضَاءِ الْوَرَثَةِ وَإِذَا قَالَ الْعَبِيدُ الَّذِينَ هُمْ فِي يَدِي مِلْكُ فُلَانٍ كَانَ ذَلِكَ إقْرَارًا مَحْكُومًا بِهِ فِي الْجَمِيعِ وَبِنَاءُ أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ عَلَى الْعُمُومَاتِ فِي سَائِرِ اللُّغَاتِ لَا يَنْحَصِرُ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَنْفِقْ عَلَى عَبْدِي غَانِمٍ أَوْ عَلَى زَوْجَتِي زَيْنَبَ وَلَهُ عَبْدَانِ اسْمُهُمَا غَانِمٌ وَزَوْجَتَانِ اسْمُهُمَا زَيْنَبُ يَجِبُ الْمُرَاجَعَةُ وَالِاسْتِفْهَامُ لِأَنَّهُ أَتَى بِاسْمٍ مُشْتَرَكٍ غَيْرِ مَفْهُومٍ فَلَوْ كَانَ لَفْظُ الْعُمُومِ مُشْتَرَكًا فِيمَا وَرَاءَ أَقَلِّ الْجَمْعِ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ التَّوَقُّفُ عَلَى الْعَبْدِ إذَا أَعْطَى ثَلَاثَةً مِمَّنْ دَخَلَ الدَّارَ وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَاجَعَ فِي الْبَاقِي وَلَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ كُلِّهِمْ فِي اللُّغَاتِ كُلِّهَا (فَإِنْ قِيلَ) إنْ سَلَّمْنَا لَكُمْ مَا ذَكَرْتُمُوهُ فَإِنَّمَا نُسَلِّمُ بِسَبَبِ الْقَرَائِنِ فَإِذَا عَرِيَ عَنْ الْقَرَائِنِ فَلَا نُسَلِّمُ وَفِي قَوْلِهِ أَنْفِقْ عَلَى عَبِيدِي وَجَوَّارِيَّ فِي غَيْبَتِي إنَّمَا كَانَ مُطِيعًا بِالْإِنْفَاقِ عَلَى الْجَمِيعِ بِقَرِينَةِ الْحَاجَةِ إلَى النَّفَقَةِ وَفِي قَوْلِهِ أَعْطِ مَنْ دَخَلَ دَارِي لِقَرِينَةِ إكْرَامِ الزَّائِرِ (قُلْنَا) فَلْنُقَدِّرْ أَضْدَادَهَا فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ لَا تُنْفِقْ عَلَى عَبِيدِي وَزَوْجَاتِي كَانَ عَاصِيًا بِالْإِنْفَاقِ مُطِيعًا بِالتَّصْنِيعِ وَلَوْ قَالَ اضْرِبْهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى ثَلَاثَةٍ بَلْ إذَا ضَرَبَهُمْ جَمِيعًا عُدَّ مُطِيعًا وَلَوْ قَالَ مَنْ دَخَلَ دَارِي فَخُذْ مِنْهُ شَيْئًا بَقِيَ الْعُمُومُ. قَوْلُهُ (وَذَلِكَ عَامٌّ كُلُّهُ) إشَارَةٌ إلَى مَا احْتَجَّ ابْنُ مَسْعُودٍ وَعَلِيٌّ ﵄ مِنْ الْآيَاتِ فَعُمُومُ الْأُولَيَيْنِ ظَاهِرٌ وَكَذَا عُمُومُ الثَّالِثَةِ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] إذْ مَعْنَاهُ وَحَرُمَ عَلَيْكُمْ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَالْجَمْعُ اسْمُ جِنْسٍ مُحَلَّى بِاللَّامِ فَيَتَنَاوَلُ الْجَمْعَ نِكَاحًا وَوَطْئًا قَوْلُهُ (ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ) إلَى آخِرِهِ اخْتَلَفَ أَرْبَابُ الْعُمُومِ فِي مُوجِبِ الْعَامِّ فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ مِنْهُمْ مُوجِبُهُ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ مَشَايِخِ سَمَرْقَنْدَ وَعِنْدَ عَامَّةِ مَشَايِخِنَا الْعِرَاقِيِّينَ مِنْهُمْ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْجَصَّاصُ مُوجِبُهُ قَطْعِيٌّ كَمُوجِبِ الْخَاصِّ وَتَابَعَهُمْ فِي ذَلِكَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ وَعَامَّةُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ الشَّيْخُ الْمُصَنِّفُ ﵏ وَثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ تَظْهَرُ فِي وُجُوبِ الِاعْتِقَادِ وَجَوَازِ تَخْصِيصِهِ بِالْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ ابْتِدَاءً فَعِنْدَ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ لَا يَجِبُ أَنْ يُعْتَقَدَ الْعُمُومُ فِيهِ وَيَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِالْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَعِنْدَ الْفَرِيقِ الثَّانِي عَلَى الْعَكْسِ تَمَسَّكَ مَنْ قَالَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ بِأَنَّ الْيَقِينَ وَالْقَطْعَ لَا يَثْبُتُ مَعَ الِاحْتِمَالِ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ قَطْعِ الِاحْتِمَالِ ثُمَّ احْتِمَالُ إرَادَةِ الْخُصُوصِ فِي الْعَامِّ قَائِمٌ لِأَنَّهُ لَا يَرِدُ إلَّا عَلَى احْتِمَالِ الْخُصُوصِ فِي نَفْسِهِ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ بِالدَّلِيلِ أَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَمِلٍ لِلْخُصُوصِ كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ - لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النساء: ٧٥ - ١٧٠] . وَإِذَا كَانَ الِاحْتِمَالُ ثَابِتًا فِي نَفْسِهِ لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِثُبُوتِ مُوجِبِهِ قَطْعًا مَعَ الِاحْتِمَالِ كَالثَّابِتِ بِالْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْخَاصِّ فَإِنَّ احْتِمَالَ إرَادَةِ الْمَجَازِ وَالنَّسْخِ قَائِمٌ فِيهِ وَمَعَ ذَلِكَ يَثْبُتُ مُوجَبُهُ قَطْعًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ احْتِمَالَ الْمَجَازِ ثَابِتٌ فِي الْعُمُومِ أَيْضًا مَعَ احْتِمَالِ التَّخْصِيصِ فَكَانَ الِاحْتِمَالُ فِيهِ أَكْثَرَ وَأَقْوَى فَيَجُوزُ أَنْ يُؤَثِّرَ فِي رَفْعِ الْقَطْعِ وَالْيَقِينِ وَحَقِيقَةُ الْفَرْقِ أَنَّ احْتِمَالَ التَّخْصِيصِ لَا يُخْرِجُ الْعَامَّ عَنْ حَقِيقَتِهِ لِأَنَّ الْعُمُومَ بَاقٍ بَعْدَ التَّخْصِيصِ إلَى الثَّلَاثِ لِمَا نَذْكُرُ أَنَّ الْعَامَّ

стр. 304

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كشف الأسرار] بَعْدَ التَّخْصِيصِ لَا يَصِيرُ مَجَازًا فِيمَا وَرَاءَهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ احْتِمَالُ إرَادَةِ التَّخْصِيصِ بِمَنْزِلَةِ إرَادَةِ مُسَمًّى آخَرَ لِهَذِهِ الصِّيغَةِ فَيَجُوزُ أَنْ يُعْتَبَرَ فِي رَفْعِ الْيَقِينِ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ كَالْمُشْتَرَكِ إذَا تَرَجَّحَ بَعْضُ وُجُوهِهِ بِدَلِيلٍ ظَاهِرٍ كَانَ احْتِمَالُ إرَادَةِ الْمُسَمَّى الْآخَرِ مُعْتَبَرًا فِي رَفْعِ الْقَطْعِ وَالْيَقِينِ، فَأَمَّا احْتِمَالُ إرَادَةِ الْمَجَازِ فِي الْخَاصِّ فَيُخْرِجُهُ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَأَصْلِهِ فَكَانَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فَلَا يُعْتَبَرُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَأَمَّا احْتِمَالُ النَّسْخِ فَذَكَرَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ فِي أُصُولِهِ أَنَّ الْخَاصَّ بِنَفْسِهِ لَا يُوجِبُ شَيْئًا مَا لَمْ يُتَفَحَّصْ وَلَمْ يُتَأَمَّلْ فَإِذَا تُفُحِّصَ عَنْهُ وَلَمْ يُوقَفْ عَلَى النَّسْخِ فَقَدْ زَالَ الِاحْتِمَالُ فَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِي زَمَانِنَا ابْتِدَاءُ النَّسْخِ حَتَّى أَنَّ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ الْخَاصُّ يُوجِبُ الْعَمَلَ دُونَ الْعِلْمِ لِتَوَهُّمِ الِانْتِسَاخِ فَأَمَّا إرَادَةُ الْخُصُوصِ فَمَوْهُومٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ، وَكُلُّ عَامٍ مُحْتَمِلٌ لِلْخُصُوصِ فِي كُلِّ زَمَانٍ فَيُوجِبُ الْعَمَلَ دُونَ الْعِلْمِ وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ رِوَايَةِ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ أَخْبَارُ الْآحَادِ الْخَاصَّةُ فِي مُعَارَضَةِ عُمُومِ الْكِتَابِ وَتَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِهَا وَبِالْقِيَاسِ فَكَانَ ذَلِكَ اتِّفَاقًا مِنْهُمْ أَنَّهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ دُونَ الْعِلْمِ. وَتَمَسَّكَ مَنْ قَالَ بِأَنَّ مُوجِبَهُ قَطْعِيٌّ بِأَنَّ اللَّفْظَ مَتَى وُضِعَ لِمَعْنًى كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى عِنْدَ إطْلَاقِهِ وَاجِبًا أَيْ لَازِمًا وَثَابِتًا بِذَلِكَ اللَّفْظِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِهِ، ثُمَّ صِيغَةُ الْعُمُومِ مَوْضُوعَةٌ لَهُ وَحَقِيقَةٌ فِيهِ فَكَانَ مَعْنَى الْعُمُومِ وَاجِبًا وَثَابِتًا بِهَا قَطْعًا حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِهِ كَمَا فِي الْخَاصِّ فَإِنَّ مُسَمَّاهُ ثَابِتٌ بِهِ قَطْعًا لِكَوْنِهِ مَوْضُوعًا لَهُ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى صَرْفِهِ إلَى الْمَجَازِ فَأَمَّا الِاحْتِمَالُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخَصْمُ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ أَصْلًا لِأَنَّهُ إرَادَةٌ فِي بَاطِنِ الْمُكَلَّفِ وَهِيَ غَيْبٌ عَنَّا وَلَيْسَ فِي وُسْعِنَا الْوُقُوفُ عَلَيْهَا فَلَا يُعْتَبَرُ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ دَلِيلٌ فَقَبْلَ ظُهُورِهِ يَكُونُ مُوجِبُهُ ثَابِتًا قَطْعًا بِمَنْزِلَةِ الْخَاصِّ فَإِنَّ إرَادَةَ الْمَجَازِ لَمَّا كَانَتْ غَيْبًا لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ كَانَ مُوجِبُهُ ثَابِتًا قَطْعًا قَبْلَ ظُهُورِ الدَّلِيلِ يُوَضِّحُهُ أَنَّ وُرُودَ صِيغَةِ الْعُمُومِ عَلَى إرَادَةِ الْخُصُوصِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ يُوهِمُ التَّلْبِيسَ عَلَى السَّامِعِ وَيُؤَدِّي إلَى تَكْلِيفِ الْمُحَالِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ وُرُودُ الْعَامِّ عَلَى إرَادَةِ الْخُصُوصِ وَلَا وُرُودُ الْخَاصِّ عَلَى إرَادَةِ الْمَجَازِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ يُفْهِمُ السَّامِعَ مُرَادَ الْخِطَابِ قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ ﵀ الْخَصْمُ مَالَ إلَى أَنَّ الْإِرَادَةَ مُغَيِّرَةٌ حُكْمَ الْحَقِيقَةِ لَا مَحَالَةَ وَاحْتِمَالُ الْإِرَادَةِ ثَابِتٌ حَالَ التَّكَلُّمِ فَيَثْبُتُ احْتِمَالُ التَّغَيُّرِ بِهِ إلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا لَمْ يُكَلِّفْنَا مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْإِرَادَةِ فِي حَقِّ الْعَمَلِ فَلَزِمَنَا الْعَمَلُ بِالْعُمُومِ الظَّاهِرِ دُونَ مَا لَا نَصِلُ إلَيْهِ مِنْ الْإِرَادَةِ الْبَاطِنَةِ وَبَقِيَ احْتِمَالُ الْإِرَادَةِ مُعْتَبَرًا فِي حَقِّ الْعِلْمِ فَلَا نَعْلَمُ قَطْعًا وَأَنَّهُ كَلَامٌ حَسَنٌ وَلَكِنْ يَجِبُ أَنْ نَقُولَ كَذَلِكَ فِي حَقِيقَةِ الْخَاصِّ مَعَ مَجَازِهِ. وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا لَمْ يُكَلِّفْنَا مَا لَيْسَ فِي وُسْعِنَا وَلَيْسَ فِي وُسْعِنَا الْوُقُوفُ عَلَى الْبَاطِنِ إلَّا بِدَلَالَةٍ ظَاهِرَةٍ لَمْ يَجْعَلْ الْبَاطِنَ حُجَّةً أَصْلًا فِي حَقِّنَا وَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ فِي الْعَمَلِ وَالْعِلْمِ جَمِيعًا وَجَعَلَ الْحُجَّةَ مَا يَظْهَرُ بِهِ الْبَاطِنُ وَإِنْ كَانَ سَبَبًا لِثُبُوتِ الْحُجَّةِ فِي الْحَقِيقَةِ إقَامَةً لِلسَّبَبِ الظَّاهِرِ مَقَامَ مَا هُوَ حُجَّةٌ بَاطِنَةٌ تَيْسِيرًا عَلَى الْعِبَادِ كَإِقَامَةِ الْبُلُوغِ مَقَامَ اعْتِدَالِ الْعَقْلِ وَكَإِقَامَةِ دَلِيلِ الْمَحَبَّةِ وَالْبُغْضِ وَهُوَ الْإِخْبَارُ مَقَامَ حَقِيقَتِهِمَا حَتَّى سَقَطَ اعْتِبَارُ الِاعْتِدَالِ فَلَمْ يُخَاطَبْ الصَّبِيُّ وَإِنْ اعْتَدَلَ عَقْلُهُ وَخُوطِبَ الْبَالِغُ وَإِنْ لَمْ يَعْتَدِلْ عَقْلُهُ وَكَذَا

стр. 305

وَالْجَوَابُ عَمَّا احْتَجَّ بِهِ طَائِفَةُ أَهْلِ الْمَقَالَةِ الْأُولَى أَنَّا نَدَّعِي أَنَّهُ مُوجِبٌ لِمَا وُضِعَ لَهُ لَا أَنَّهُ مُحْكِمٌ لِمَا وُضِعَ لَهُ فَكَانَ مُحْتَمَلًا أَنْ يُرَادَ بِهِ بَعْضُهُ فَيَصْلُحُ تَوْكِيدُهُ بِمَا يَحْسِمُ بَابَ الِاحْتِمَالِ لِيَصِيرَ مُحْكَمًا كَالْخَاصِّ يَحْتَمِلُ الْمَجَازَ فَتَوْكِيدُهُ بِمَا يَقْطَعُهُ لَا بِمَا يُفَسِّرُهُ فَيُقَالُ جَاءَنِي زَيْدٌ نَفْسُهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْمَجِيءِ مَجَازًا. (بَابُ الْعَامِّ إذَا لَحِقَهُ الْخُصُوصُ) فَإِنْ لَحِقَ هَذَا الْعَامَّ خُصُوصٌ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ لَا يَبْقَى حُجَّةً أَصْلًا سَوَاءٌ كَانَ الْمَخْصُوصُ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا، وَقَالَ غَيْرُهُ إنْ كَانَ الْمَخْصُوصُ مَعْلُومًا بَقِيَ الْعَامُّ فِيمَا وَرَاءَ الْمَخْصُوصِ عَلَى مَا كَانَ وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا يَسْقُطُ حُكْمُ الْعُمُومِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنْ كَانَ الْمَخْصُوصُ مَعْلُومًا بَقِيَ الْعَامُّ فِيمَا وَرَاءَهُ عَلَى مَا كَانَ فَأَمَّا إذَا كَانَ مَجْهُولًا فَإِنَّ دَلِيلَ الْخُصُوصِ يَسْقُطُ، فَعَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ يَبْطُلُ الِاسْتِدْلَال ــ [كشف الأسرار] سَقَطَ اعْتِبَارُ حَقِيقَةِ الْمَحَبَّةِ وَالْبُغْضِ وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ إنْ أَخْبَرْتِنِي أَنَّكِ تُحِبِّينِي أَوْ تُبْغِضِينِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَتَطْلُقُ بِالْإِخْبَارِ صِدْقًا أَوْ كَذِبًا فَكَذَا هَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي بَعْضِ تَصَانِيفِهِ وَلَمَّا سَقَطَ اعْتِبَارُ الْإِرَادَةِ فِي حَقِّ الْعَمَلِ بِالِاتِّفَاقِ يَسْقُطُ فِي حَقِّ الْعِلْمِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّ الْعِلْمَ عَمَلُ الْقَلْبِ وَالْقَلْبُ أَصْلٌ وَالْعَمَلُ يَقُومُ بِالْجَوَارِحِ وَإِنَّهَا تَابِعَةٌ لِلْقَلْبِ فَلَمَّا سَقَطَ فِي حَقِّ التَّبَعِ فَفِي حَقِّ الْأَصْلِ أَوْلَى وَلَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسُ فَإِنَّ اعْتِبَارَ الِاحْتِمَالِ فِيهِمَا سَاقِطٌ فِي حَقِّ الْعَمَلِ ثُمَّ لَمْ يَسْقُطْ فِي حَقِّ الْعِلْمِ بِالِاتِّفَاقِ فَكَذَا هَهُنَا. قَوْلُهُ (وَالْجَوَابُ عَمَّا احْتَجَّتْ بِهِ الطَّائِفَةُ الْأُولَى) يَعْنِي الْوَاقِفِيَّةَ (أَنَّا نَدَّعِي أَنَّهُ) أَيْ الْعَامَّ (مُوجِبٌ لِمَا وُضِعَ لَهُ) وَهُوَ الْعُمُومُ قَطْعًا عِنْدَ عَدَمِ دَلِيلِ الْخُصُوصِ (لَا أَنَّهُ مُحْكِمٌ لِمَا وُضِعَ لَهُ) أَيْ فِيمَا وُضِعَ لَهُ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ صَلَاحِيَّتُهُ لِإِرَادَةِ الْخُصُوصِ (فَكَانَ مُحْتَمَلًا أَنْ يُرَادَ بِهِ بَعْضُهُ) أَيْ صَالِحًا فِي ذَاتِهِ لِذَلِكَ وَقَدْ حَقَّقْنَا هَذَا فِي (أَوَّلِ بَابِ أَحْكَامِ الْخَاصِّ) بِمَا يَحْسِمُ أَيْ يَقْطَعُ بِالْكُلِّيَّةِ. (بَابُ الِاحْتِمَالِ) أَيْ صَلَاحِيَّتُهُ الْآنَ يُرَادُ بِهِ بَعْضُهُ (لِيَصِيرَ مُحْكَمًا) أَيْ غَيْرَ قَابِلٍ لِمَعْنًى آخَرَ يَعْنِي إنَّمَا صَلُحَ تَوْكِيدُهُ مَعَ أَنَّهُ بِدُونِ التَّوْكِيدِ يُوجِبُ الْعُمُومَ وَالْإِحَاطَةَ لِيَصِيرَ مُحْكَمًا لَا لِمَا ظَنَّهُ الْخَصْمُ أَنَّهُ مُجْمَلٌ أَوْ مُشْتَرَكٌ فَيَصِيرُ بِهَذَا التَّوْكِيدِ مُفَسَّرًا وَيَكُونُ هَذَا التَّوْكِيدُ إزَالَةً لِخَفَائِهِ وَتَعْيِينًا لِبَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ (كَالْخَاصِّ يَحْتَمِلُ الْمَجَازَ فَتَوْكِيدُهُ بِمَا) يَقْطَعُ احْتِمَالَ الْمَجَازِ (لَا بِمَا يُفَسِّرُهُ) فَيُقَالُ جَاءَنِي زَيْدٌ نَفْسُهُ (لِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْمَجِيءِ) أَيْ غَيْرَ مَجِيءِ زَيْدٍ بَلْ يَحْتَمِلُ مَجِيءَ خَبَرِهِ وَكِتَابِهِ وَإِنَّمَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِجَوَابِ أَصْحَابِ الْخُصُوصِ لِأَنَّ فِيمَا ذُكِرَ جَوَابًا عَمَّا احْتَجُّوا بِهِ أَيْضًا وَإِنَّمَا سَوَّيْنَا فِي مُوجِبِ الْعَامِّ بَيْنَ الْخَبَرِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ صِيغَةِ الْعُمُومِ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الْكُلِّ فَلَا وَجْهَ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْخَبَرِ وَغَيْرِهِ وَقَوْلُ الْفَارِقِ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى التَّكَالِيفِ بِأَوَامِرَ وَنَوَاهٍ عَامَّةٍ قُلْنَا فَكَذَا الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى التَّكْلِيفِ بِأَخْبَارٍ عَامَّةٍ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى مَعْنَى كَوْنِهِمْ مُكَلَّفِينَ بِمَعْرِفَتِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩] وَكَذَلِكَ عُمُومَاتُ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ إذْ بِمَعْرِفَتِهَا يَتَحَقَّقُ الِانْزِجَارُ عَنْ الْمَعَاصِي وَالِانْقِيَادُ لِلطَّاعَاتِ وَمَعَ التَّسَاوِي فِي التَّكْلِيفِ لَا مَعْنَى لِلْفَرْقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْعَامِّ إذَا لَحِقَهُ الْخُصُوصُ] اعْلَمْ أَنَّ التَّخْصِيصَ لُغَةً تَمْيِيزُ بَعْضِ الْجُمْلَةِ بِحُكْمٍ وَلِهَذَا يُقَالُ خُصَّ فُلَانٌ بِكَذَا وَفِي اصْطِلَاحِ هَذَا الْعِلْمِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْأُصُولِيِّينَ فِيهِ فَقِيلَ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بَيَانُ مَا لَمْ يَرِدْ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ وَقِيلَ هُوَ إخْرَاجُ مَا تَنَاوَلَهُ الْخِطَابُ عَنْهُ. وَقِيلَ هُوَ تَعْرِيفُ أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لِلْعُمُومِ إنَّمَا هُوَ الْخُصُوصُ وَقِيلَ هُوَ قَصْرُ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ، وَفِي كُلِّ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ كَلَامٌ وَالْحَدُّ الصَّحِيحُ عَلَى مَذْهَبِنَا أَنْ يُقَالَ هُوَ قَصْرُ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ بِدَلِيلٍ مُسْتَقِلٍّ مُقْتَرِنٍ وَاحْتَرَزْنَا بِقَوْلِنَا مُسْتَقِلٍّ عَنْ الصِّفَةِ وَالِاسْتِثْنَاءِ وَنَحْوِهِمَا إذْ لَا بُدَّ عِنْدَنَا لِلتَّخْصِيصِ مِنْ مَعْنَى الْمُعَارَضَةِ وَلَيْسَ فِي الصِّفَةِ ذَلِكَ وَلَا فِي الِاسْتِثْنَاءِ لِأَنَّهُ لِبَيَانِ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الصَّدْرِ وَلِهَذَا يَجْرِي الِاسْتِثْنَاءُ حَقِيقَةً فِي الْعَامِّ وَالْخَاصِّ وَلَا يَجْرِي التَّخْصِيصُ حَقِيقَةً إلَّا فِي الْعَامِّ، وَلِهَذَا لَا يَتَغَيَّرُ

стр. 306

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كشف الأسرار] مُوجِبُ الْعَامِّ بِاسْتِثْنَاءٍ مَعْلُومٍ بِالِاتِّفَاقِ وَيَتَغَيَّرُ بِاسْتِثْنَاءٍ مَجْهُولٍ بِلَا خِلَافٍ وَبِقَوْلِنَا مُقْتَرِنٌ عَنْ النَّاسِخِ فَإِنَّهُ إذَا تَرَاخَى دَلِيلُ التَّخْصِيصِ يَكُونُ نَسْخًا لَا تَخْصِيصًا وَسَتَقِفُ عَلَى حَقِيقَةِ الْكُلِّ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ التَّخْصِيصُ يَجُوزُ فِي جَمْعِ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ أَمْرًا كَانَ أَوْ نَهْيًا أَوْ خَبَرًا وَذَهَبَ شُذُوذٌ لَا يُؤْبَهُ بِهِمْ إلَى امْتِنَاعِهِ فِي الْخَبَرِ كَامْتِنَاعِ النَّسْخِ فِيهِ وَلِأَنَّهُ يُوهِمُ الْكَذِبَ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَمَّا احْتَمَلَ فِي نَفْسِهِ التَّخْصِيصَ كَانَ قِيَامُ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ رَافِعًا لِلْوَهْمِ وَالتَّخْصِيصُ لَيْسَ مِنْ النَّسْخِ فِي شَيْءٍ كَيْفَ وَقَدْ وَقَعَ التَّخْصِيصُ فِي الْخَبَرِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا وَقَعَ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤٢] ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] وَقَدْ أَتَتْ تِلْكَ الرِّيحُ عَلَى الْجِبَالِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ تَجْعَلْهُمَا كَالرَّمِيمِ وَتِلْكَ الْمَرْأَةُ لَمْ تُؤْتَ كُلَّ الْأَشْيَاءِ وَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ اخْتَلَفُوا فِي الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ فِي فَصْلَيْنِ. أَحَدُهُمَا أَنَّ الْعَامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ هَلْ يَبْقَى عَامًّا فِي الْبَاقِي بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ أَمْ يَصِيرُ مَجَازًا وَالثَّانِي أَنَّهُ هَلْ يَبْقَى حُجَّةً بَعْدَ التَّخْصِيصِ أَمْ لَا أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ قِيلَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ فِي الْعَامِّ الِاسْتِيعَابُ أَمْ نَفْسُ الِاجْتِمَاعِ فَمَنْ شَرَطَ فِيهِ الِاجْتِمَاعَ دُونَ الِاسْتِغْرَاقِ قَالَ إنَّهُ يَبْقَى حَقِيقَةً فِي الْعُمُومِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ التَّخْصِيصُ إلَى مَا دُونَ الثَّلَاثَةِ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ مَجَازًا وَمَنْ قَالَ شَرْطُهُ الِاسْتِيعَابُ قَالَ يَصِيرُ مَجَازًا بَعْدَ التَّخْصِيصِ وَإِنْ خُصَّ مِنْهُ فَرْدٌ وَاحِدٌ لِأَنَّ الْكُلَّ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ جُزْئِهِ فَلَا يَبْقَى عَامًّا ضَرُورَةً فَعَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَهُ مَجَازًا لَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِعُمُومِهِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَامًّا وَقِيلَ بَلْ هِيَ مَسْأَلَةٌ مُبْتَدَأَةٌ سَوَاءٌ كَانَ شَرْطًا لِعُمُومِ الِاجْتِمَاعِ أَوْ الِاسْتِيعَابِ لِأَنَّ عَامَّةَ شَارِطِي الِاسْتِيعَابِ جَعَلُوهُ حَقِيقَةً فِي الْبَاقِي بَعْدَ التَّخْصِيصِ وَذَهَبَ بَعْضُ مَنْ شَرَطَ الِاسْتِيعَابَ إلَى اجْتِمَاعِ جِهَةِ الْحَقِيقَةِ وَجِهَةِ الْمَجَازِ فِيهِ فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ تَنَاوَلَ بَقِيَّةَ الْمُسَمَّيَاتِ كَمَا تَنَاوَلَ قَبْلَ التَّخْصِيصِ كَانَ حَقِيقَةً فِيهَا وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ اخْتَصَّ بِهَا وَقَصَرَ عَمَّا عَدَاهَا كَانَ مَجَازًا وَفِي أَقْوَالِ هَذَا الْفَصْلِ كَثْرَةٌ تَعْرِفُ شَرْحَهَا وَبَيَانَ وُجُوهِهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ أَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي وَهُوَ الَّذِي عُقِدَ الْبَابُ لِبَيَانِهِ فَنَقُولُ اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي كَوْنِ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ مِنْهُ حُجَّةً فَذَهَبَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ وَعِيسَى بْنُ أَبَانَ فِي رِوَايَةٍ وَأَبُو ثَوْرٍ مِنْ مُتَكَلِّمِي أَهْلِ الْحَدِيثِ وَغَيْرُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا يَبْقَى حُجَّةً بَعْدَ التَّخْصِيصِ بَلْ يَجِبُ التَّوَقُّفُ فِيهِ إلَى الْبَيَانِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَخْصُوصُ مَعْلُومًا كَمَا يُقَالُ اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ وَلَا تَقْتُلُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ، أَوْ مَجْهُولًا كَمَا لَوْ قِيلَ اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ وَلَا تَقْتُلُوا بَعْضَهُمْ إلَّا أَنَّهُ يَجِبُ بِهِ أَخُصُّ الْخُصُوصِ إذَا كَانَ مَعْلُومًا وَقَالَ عَامَّتُهُمْ إنْ كَانَ الْمَخْصُوصُ مَجْهُولًا يَسْقُطُ حُكْمُ الْعُمُومِ حَتَّى لَا يَبْقَى حُجَّةً فِيمَا بَقِيَ وَيُتَوَقَّفُ فِيهِ إلَى الْبَيَانِ وَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا بَقِيَ الْعَامُّ فِيمَا وَرَاءَهُ عَلَى مَا كَانَ ثُمَّ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ إنَّ مُوجِبَهُ قَطْعِيٌّ قَبْلَ التَّخْصِيصِ يَبْقَى عِنْدَهُ قَطْعِيًّا حَتَّى لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِالْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ إنَّ مُوجِبَهُ ظَنِّيٌّ يَبْقَى عِنْدَهُ ظَنِّيًّا. وَحَاصِلُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ تَخْصِيصَ الْمَعْلُومِ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْعَامِّ أَصْلًا وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ الْمَخْصُوصَ إنْ كَانَ مَعْلُومًا يَبْقَى الْعَامُّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ فِيمَا وَرَاءَهُ عَلَى مَا كَانَ وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا يَسْقُطُ دَلِيلُ الْخُصُوصِ وَيَبْقَى الْعَامُّ مُوجَبًا حُكْمَهُ فِي

стр. 307

بِعَامَّةِ الْعُمُومَاتِ لِمَا دَخَلَهَا مِنْ الْخُصُوصِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي لَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِآيَةِ السَّرِقَةِ وَآيَةِ الْبَيْعِ لِأَنَّ مَا دُونَ ثَمَنِ الْمِجَنِّ خُصَّ مِنْ آيَةِ السَّرِقَةِ وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَخُصَّ الرِّبَا مِنْ قَوْلِهِ ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَكَذَلِكَ نُصُوصُ الْحُدُودِ لِأَنَّ مَوَاضِعَ الشُّبْهَةِ مِنْهَا مَخْصُوصَةٌ وَفِيهَا ضَرْبُ جَهَالَةٍ وَاخْتِلَافُ وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّ الْعَامَّ يَبْقَى حُجَّةً بَعْدَ الْخُصُوصِ مَعْلُومًا كَانَ الْمَخْصُوصُ أَوْ مَجْهُولًا إلَّا أَنَّ فِيهِ ضَرْبَ شُبْهَةٍ وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْعُمُومِ قَبْلَ الْخُصُوصِ، وَدَلَالَةُ صِحَّةِ هَذَا الْمَذْهَبِ إجْمَاعُ السَّلَفِ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِالْعُمُومِ وَدَلَالَةُ أَنَّ فِي ذَلِكَ شُبْهَةَ إجْمَاعِهِمْ عَلَى جَوَازِ التَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ وَالْآحَادِ ــ [كشف الأسرار] الْكُلِّ كَمَا كَانَ قَبْلَ لُحُوقِ دَلِيلِ الْخُصُوصِ بِهِ وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ مَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْمُعِينِ فِي طَرِيقَتِهِ وَفِيهِ أَقْوَالٌ أُخَرُ صَفَحْنَا عَنْ ذِكْرِهَا كَمَا أَعْرَضَ الْمُصَنِّفُ عَنْهَا قَوْلُهُ (بِعَامَّةِ الْعُمُومَاتِ) أَيْ بِأَكْثَرِهَا (مَا دُونَ ثَمَنِ الْمِجَنِّ خُصَّ مِنْ الْآيَةِ) وَذَلِكَ مَجْهُولٌ وَلِهَذَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ فَقِيلَ رُبْعُ دِينَارٍ وَقِيلَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَقِيلَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَخَصَّ الرَّبَّا وَهُوَ مَجْهُولٌ لِأَنَّهُ مُجْمَلٌ وَبَعْدَمَا الْتَحَقَ خَبَرُ الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ بَيَانًا بِهِ لَمْ تَزُلْ الْجَهَالَةُ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِهِ أَنَّ الرِّبَا يَجْرِي فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ مُقْتَصِرٌ عَلَيْهَا وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ ﵃ خَرَجَ النَّبِيُّ ﵇ مِنْ الدُّنْيَا وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَبْوَابَ الرِّبَا وَإِذَا بَقِيَتْ الْجَهَالَةُ لَا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ عِنْدَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَآيَةِ السَّرِقَةِ وَالْبَيْعِ نُصُوصُ الْحُدُودِ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا (لِأَنَّ مَوَاضِعَ الشُّبْهَةِ مِنْهَا مَخْصُوصَةٌ) بِقَوْلِهِ ﵇ «ادْرَءُوا الْحُدُودَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» وَقَدْ تَلَقَّتْهُ الْعُلَمَاءُ بِالْقَبُولِ فَيَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ. (وَفِيهِ) أَيْ فِيمَا خُصَّ وَهُوَ مَوَاضِعُ الشُّبْهَةِ (ضَرْبُ جَهَالَةٍ) أَيْ لَا يُعْرَفُ أَيَّةُ شُبْهَةٍ تُعْتَبَرُ وَلِهَذَا اخْتَلَفُوا فِيهَا وَلَوْ كَانَ مَعْلُومًا ظَاهِرًا لَمَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِكُلِّ عَامٍّ سَوَاءٌ خُصَّ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ لَمْ يَخُصَّ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الشَّيْخُ لِظُهُورِهِ. قَوْلُهُ (وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا إلَى آخِرِهِ) وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ اسْتَدَلَّ عَلَى فَسَادِ الْبَيْعِ بِالشَّرْطِ «بِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ» وَهَذَا عَامٌّ دَخَلَهُ خُصُوصٌ فَإِنَّ شَرْطَ الْخِيَارِ قَدْ خُصَّ مِنْهُ وَاحْتَجَّ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ بِالْجَوَارِ بِقَوْلِهِ ﵇ «الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ» وَهَذَا عَامٌّ قَدْ دَخَلَهُ خُصُوصٌ فَإِنَّ الْجَارَ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرِيكِ لَا يَكُونُ أَحَقَّ بِصَقَبِهِ وَاسْتَدَلَّ مُحَمَّدٌ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الْعَقَارِ قَبْلَ الْقَبْضِ «بِنَهْيِهِ ﵇ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ» وَقَدْ خُصَّ مِنْهُ بَيْعُ الْمَهْرِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَيْعُ الْمِيرَاثِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَيْعُ بَدَلِ الصُّلْحِ وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ خَصَّ هَذَا الْعَامَّ بِالْقِيَاسِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ حُجَّةٌ لِلْعَمَلِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا قَطْعًا لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَكُونُ مُوجِبًا قَطْعًا فَكَيْفَ يَصْلُحُ مُعَارِضًا لِمَا يَكُونُ مُوجِبًا قَطْعًا كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَمَا ذَكَرَ يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى الْمَذْهَبِ فِي الْمَخْصُوصِ الْمَعْلُومِ لَا فِي الْمَجْهُولِ، إذْ لَيْسَ فِيمَا ذُكِرَ مَخْصُوصٌ مَجْهُولٌ إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ الْإِمَامَ أَبَا زَيْدٍ ذَكَرَ فِي التَّقْوِيمِ وَاَلَّذِي ثَبَتَ عِنْدِي مِنْ مَذْهَبِ السَّلَفِ أَنَّهُ يَبْقَى عَلَى عُمُومِهِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ فِي الْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا وَلَكِنْ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْعِلْمِ قَطْعًا فَرُوِيَ الْمَذْهَبُ فِي الْفَصْلَيْنِ فَيَثْبُتُ الْمَذْهَبُ بِهِ. قَوْلُهُ (إجْمَاعُ السَّلَفِ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِالْعُمُومِ) أَيْ بِالْعَامِّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ فَإِنَّ فَاطِمَةَ احْتَجَّتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵄ فِي مِيرَاثِهَا مِنْ أَبِيهَا بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] الْآيَةَ مَعَ أَنَّ الْكَافِرَ وَالْقَاتِلَ وَغَيْرَهُمَا خُصُّوا مِنْهُ وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ احْتِجَاجَهَا بِهِ مَعَ ظُهُورِهِ وَشُهْرَتِهِ بَلْ عَدَلَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فِي حِرْمَانِهَا إلَى الِاحْتِجَاجِ بِقَوْلِهِ ﵇ «نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ» وَعَلِيٌّ ﵁ احْتَجَّ عَلَى جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] فَقَالَ أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ مَعَ كَوْنِ

стр. 308

وَذَلِكَ دُونَ خَبَرِ الْوَاحِدِ حَتَّى صَحَّتْ مُعَارَضَتُهُ بِالْقِيَاسِ، أَمَّا الْكَرْخِيُّ فَقَدْ احْتَجَّ بِأَنَّ ذَلِكَ الْخُصُوصَ إذَا كَانَ مَجْهُولًا أَوْجَبَ جَهَالَةً فِي الْبَاقِي لِأَنَّ الْخُصُوصَ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ لِأَنَّهُ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْجُمْلَةِ كَالِاسْتِثْنَاءِ وَإِذَا كَانَ مَعْلُومًا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُولًا وَهُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّ دَلِيلَ الْخُصُوصِ نَصٌّ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ فَصَلُحَ تَعْلِيلُهُ وَلَا يُدْرَى أَيُّ الْقَدْرِ مِنْ الْبَاقِي صَارَ مُسْتَثْنًى فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ جَهَالَةِ الْمَخْصُوصِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ دَلِيلَ الْخُصُوصِ إذَا كَانَ مَجْهُولًا فَعَلَى مَا قُلْنَا وَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا بَقِيَ الْعَامُّ مُوجِبًا فِي الْبَاقِي لِأَنَّ دَلِيلَ الْخُصُوصِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى مَا قُلْنَا فَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْبَاقِي لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيلَ فَكَذَلِكَ هَذَا ــ [كشف الأسرار] الْأَخَوَاتِ وَالْبَنَاتِ مَخْصُوصَةً مِنْهُ وَكَانَ ذَلِكَ مَشْهُورًا فِيمَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ نَكِيرٌ. وَكَذَا الِاحْتِجَاجُ بِالْعُمُومَاتِ الْمَخْصُوصُ مِنْهَا مَشْهُورٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ بِحَيْثُ يُعَدُّ إنْكَارُهُ مِنْ الْمُكَابَرَةِ فَكَانَ إجْمَاعًا قَوْلُهُ (وَذَلِكَ دُونَ خَبَرِ الْوَاحِدِ) أَيْ الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ مِنْهُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ دُونَ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الدَّرَجَةِ لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا لِخَبَرِ الْوَاحِدِ عِنْدَنَا حَتَّى رَجَّحْنَا خَبَرَ الْقَهْقَهَةِ عَلَى الْقِيَاسِ وَرَجَّحْنَا خَبَرَ الْأَكْلِ نَاسِيًا فِي الصَّوْمِ عَلَى الْقِيَاسِ وَرَجَّحَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ خَبَرَ النَّبِيذِ عَلَى الْقِيَاسِ ثُمَّ إنَّهُ يَصْلُحُ مُعَارِضًا لِلْعَامِّ الْمَخْصُوصِ مِنْهُ حَتَّى صَحَّ تَخْصِيصُهُ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ وَالتَّخْصِيصِ بِهِ إنَّمَا يَكُونُ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ مِنْ حَيْثُ الصِّيغَةُ كَمَا سَتَعْرِفُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ حَتَّى صَحَّتْ مُعَارَضَتُهُ بِالْقِيَاسِ فَكَانَ هَذَا الْعَامُّ دُونَ خَبَرِ الْوَاحِدِ ضَرُورَةً. قَوْلُهُ (أَمَّا الْكَرْخِيُّ) احْتَجَّ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ بِأَنَّ الْمَخْصُوصَ إذَا كَانَ مَجْهُولًا أَوْجَبَ تَخْصِيصُهُ جَهَالَةً فِي الْبَاقِي لِأَنَّ أَيَّ فَرْدٍ عُيِّنَ مِنْ الْبَاقِي لِإِثْبَاتِ مُوجِبِ الْكَلَامِ فِيهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَخْصُوصُ مِنْهُ وَهَذَا لِأَنَّ دَلِيلَ الْخُصُوصِ بِمَنْزِلَةِ دَلِيلِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْحُكْمِ وَإِنْ فَارَقَهُ فِي الصِّيغَةِ لِأَنَّهُ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْجُمْلَةِ كَالِاسْتِثْنَاءِ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَلِهَذَا عَدَّ عَامَّةُ الْأُصُولِيِّينَ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ بَابِ التَّخْصِيصِ وَلِهَذَا لَا يَكُونُ دَلِيلُ الْخُصُوصِ إلَّا مُقَارِنًا كَالِاسْتِثْنَاءِ حَتَّى لَوْ كَانَ طَارِيًا يَكُونُ دَلِيلَ النَّسْخِ لَا دَلِيلَ الْخُصُوصِ وَإِذَا صَارَ كَالِاسْتِثْنَاءِ أَوْجَبَ جَهَالَتُهُ جَهَالَةَ الْبَاقِي كَاسْتِثْنَاءِ الْمَجْهُولِ بِأَنَّهُ يُوجِبُ جَهَالَةً فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بِالْإِجْمَاعِ حَتَّى لَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا شَيْئًا يُتَوَقَّفُ فِيهِ إلَى الْبَيَانِ. وَإِذَا صَارَ مَجْهُولًا لَمْ يَصْلُحْ حُجَّةً بِنَفْسِهِ كَالْمُجْمَلِ بَلْ يَجِبُ التَّوَقُّفُ فِيهِ إلَى تَبَيُّنِ الْمُرَادِ وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَخْصُوصُ مَعْلُومًا فَكَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُولًا لِاسْتِقْلَالِهِ وَإِفَادَتِهِ بِنَفْسِهِ إذْ هُوَ لَا يَفْتَقِرُ فِي إفَادَتِهِ إلَى صَدْرِ الْكَلَامِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النُّصُوصِ التَّعْلِيلُ وَالدَّلَائِلُ الَّتِي يُوجِبُ كَوْنُهَا مَعْلُولَةً لَا تَفْصِلُ بَيْنَ نَصٍّ وَنَصٍّ وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّعْلِيلِ لَا يُدْرَى أَيُّ قَدْرٍ مِنْ الْبَاقِي يَصِيرُ مَخْصُوصًا وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ مُسْتَثْنًى فَيُوجِبُ جَهَالَةَ الْبَاقِي أَيْضًا، وَصَارَ كَمَا لَوْ خُصِّصَ مِنْهُ بَعْضٌ مَعْلُومٌ وَبَعْضٌ آخَرُ مَجْهُولٌ بِخِلَافِ اسْتِثْنَاءِ الْمَعْلُومِ لِأَنَّ دَلِيلَ الِاسْتِثْنَاءِ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيلَ لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِهِ بِنَفْسِهِ فَلَا يُوجِبُ اسْتِثْنَاءُ الْمَعْلُومِ جَهَالَةَ الْبَاقِي فَيَبْقَى عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ قَطْعًا كَمَا لَوْ رَفَعَ مِنْ عَشَرَةٍ خَمْسَةً يَبْقَى الْبَاقِي خَمْسَةً قَطْعًا وَلِأَنَّ الْعَامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ يَصِيرُ مَجَازًا وَجِهَاتُ الْمَجَازِ مُتَعَدِّدَةٌ لِأَنَّهُ اشْتَمَلَ عَلَى جُمُوعٍ كَثِيرٍ، وَيَمْتَنِعُ الْحَمْلُ عَلَى الْكُلِّ لِمَا فِيهِ مِنْ تَكَثُّرِ جِهَاتِ التَّجَوُّزِ وَلَيْسَ حَمْلُهُ عَلَى إحْدَاهَا أَوْلَى مِنْ الْحَمْلِ عَلَى غَيْرِهَا لِعَدَمِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهَا فَكَانَ مُجْمَلًا فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ فِيهِ أَيْضًا قَوْلُهُ. (وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي) احْتَجَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا بَيْنَ تَخْصِيصِ الْمَعْلُومِ وَالْمَجْهُولِ بِأَنَّ تَخْصِيصَ الْمَعْلُومِ بِدَلِيلٍ مُسْتَقِلٍّ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ لِأَنَّهُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا بَعْدَهُ وَأَنَّ الْقَدْرَ الْمَخْصُوصَ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَهُ كَالِاسْتِثْنَاءِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْمَجْهُولِ يُوجِبُ التَّوَقُّفَ إلَى الْبَيَانِ فَكَذَا تَخْصِيصُهُ أَمَّا اسْتِثْنَاءُ الْمَعْلُومِ فَلَا يُوجِبُ خَلَلًا فِي الْبَاقِي بِوَجْهٍ فَكَذَلِكَ تَخْصِيصُهُ لَا يُوجِبُ خَلَلًا فِيهِ فَيَبْقَى عَلَى مَا كَانَ قَبْلَهُ قَطْعِيًّا عِنْدَ بَعْضِهِمْ

стр. 309

وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ دَلِيلَ الْخُصُوصِ لَمَّا كَانَ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ حَتَّى لَوْ تَرَاخَى كَانَ نَاسِخًا سَقَطَ بِنَفْسِهِ إذَا كَانَ مَجْهُولًا لِأَنَّ الْمَجْهُولَ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ لِأَنَّهُ وَصْفٌ قَائِمٌ بِالْأَوَّلِ فَأَوْجَبَ جَهَالَةً فِيهِ وَهَذَا قَائِمٌ بِنَفْسِهِ مُعَارِضٌ لِلْأَوَّلِ وَدَلِيلُ مَا قُلْنَا أَنَّ دَلِيلَ الْخُصُوصِ يُشْبِهُ الِاسْتِثْنَاءَ بِحُكْمِهِ لِمَا قُلْنَا إنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْجُمْلَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا مُقَارِنًا، وَيُشْبِهُ النَّاسِخَ بِصِيغَتِهِ لِأَنَّهُ نَصٌّ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ فَلَمْ يَجُزْ إلْحَاقُهُ بِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ بَلْ وَجَبَ اعْتِبَارُهُ فِي كُلِّ بَابٍ بِنَظِيرِهِ. ــ [كشف الأسرار] وَظَنِّيًّا عِنْدَ آخَرِينَ قَالُوا وَلَا مَعْنَى لِمَا قَالَ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ إنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِلتَّعْلِيلِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ لَمْ يَحْتَمِلْ التَّعْلِيلَ فَإِنَّ الْمُسْتَثْنَى مَعْدُومٌ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُرَادًا بِالْكَلَامِ أَصْلًا وَالْعَدَمُ لَا يُعَلَّلُ وَلَا لِمَا ادَّعَوْا أَنَّهُ يَصِيرُ مَجَازًا لِأَنَّ الْمَجَازَ مَا يَكُونُ مَعْدُولًا عَنْ مَوْضُوعِهِ وَهَذِهِ الصِّيغَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ لِأَنَّهَا تَتَنَاوَلُ الْبَاقِيَ بَعْدَ التَّخْصِيصِ كَمَا تَتَنَاوَلُهُ قَبْلَهُ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ يَصِيرُ مَجَازًا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَصِيرُ مُجْمَلًا لِأَنَّهُ ظَهَرَ بِالدَّلِيلِ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ مَا وَرَاءَ الْمَخْصُوصِ كُلِّهِ لَا بَعْضِهِ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ احْتِجَاجِ الصَّحَابَةِ بِالْعُمُومَاتِ الْمُخَصِّصَةِ فِيمَا وَرَاءَ صُورَةِ التَّخْصِيصِ فَيُوجِبُ الْحُكْمَ فِيمَا بَقِيَ عَلَى سَبِيلِ الْعُمُومِ. وَقَوْلُهُمْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ بَعْضُ مَا وَرَاءَ الْمَخْصُوصِ قُلْنَا هَذَا الِاحْتِمَالُ لَا يَسْتَنِدُ إلَى دَلِيلٍ فَلَا يُعْتَبَرُ كَاحْتِمَالِ الْمَجَازِ فِي الْخَاصِّ. قَوْلُهُ (وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْآخَرِ) احْتَجَّ الْفَرِيقُ الثَّالِثُ بِأَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يَكُونُ إلَّا بِدَلِيلٍ مُسْتَقِلٍّ مُتَّصِلٍ يَتَنَاوَلُ بَعْضَ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْعَامُّ عَلَى خِلَافِ مُوجِبِهِ بِحَيْثُ لَوْ تَأَخَّرَ كَانَ نَاسِخًا فَإِذَا كَانَ مُقَارِنًا كَانَ بَيَانًا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِهِ صِيغَةُ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ إذَا كَانَ مَجْهُولًا لِأَنَّ الْمَجْهُولَ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا فَلَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا لِلدَّلِيلِ كَمَا فِي النَّسْخِ فَإِنَّهُ لَوْ طَرَأَ الْمُجْمَلُ عَلَى ظَاهِرٍ نَاسِخًا لَمْ يَثْبُتْ بِهِ النَّسْخُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْمُرَادُ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْعَامَّ مُوجِبُ الْحُكْمِ فِيمَا تَنَاوَلَهُ قَطْعًا بِمَنْزِلَةِ الْخَاصِّ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ، فَإِذَا لَمْ تَسْتَقِمْ الْمُعَارَضَةُ لِكَوْنِ الْمُعَارِضِ مَجْهُولًا سَقَطَ دَلِيلُ الْخُصُوصِ وَبَقِيَ حُكْمُ الْعَامِّ عَلَى مَا كَانَ فِي جَمِيعِ مَا تَنَاوَلَهُ. وَهَذَا بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ فَإِنَّهُ دَاخِلٌ عَلَى صِيغَةِ الْكَلَامِ وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ وَصْفٍ قَائِمٍ بِالْأَوَّلِ لِعَدَمِ انْفِصَالِهِ عَنْهُ وَعَدَمِ اسْتِقْلَالِهِ بِنَفْسِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ بِدُونِ أَصْلِ الْكَلَامِ فَإِنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ إلَّا زَيْدًا لَا يُفِيدُ شَيْئًا فَإِذَا كَانَ دَاخِلًا عَلَى صِيغَةِ الْكَلَامِ وَاعْتُبِرَ الِاسْتِثْنَاءُ مَعَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ كَلَامًا وَاحِدًا أَوْجَبَ الْجَهَالَةُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ جَهَالَةً فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَيَصِيرُ الْأَصْلُ مَجْهُولًا مُجْمَلًا فَلَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ قَبْلَ الْبَيَانِ قَوْلُهُ (وَدَلِيلُ مَا قُلْنَا) أَيْ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْقُولُ بَعْدَمَا ذَكَرْنَا مِنْ إجْمَاعِ السَّلَفِ لِأَنَّ دَلِيلَ الْخُصُوصِ يُشْبِهُ الِاسْتِثْنَاءَ بِحُكْمِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ إثْبَاتُ الْحُكْمِ فِيمَا وَرَاءَ الْمَخْصُوصِ لَا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ رَفْعَ الْحُكْمِ عَنْ الْمَخْصُوصِ بَعْدَ أَنْ كَانَ ثَابِتًا ثُمَّ اسْتَوْضَحَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا مُقَارِنًا) يَعْنِي شَرَطَ فِيهِ الْمُقَارَنَةَ حَتَّى لَوْ كَانَ طَارِئًا يُجْعَلُ نَسْخًا لَا خُصُوصًا وَلَيْسَ اشْتِرَاطُ الْمُقَارَنَةِ إلَّا لِتَحَقُّقِ شَبَهِهِ بِالِاسْتِثْنَاءِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ بَيَانٌ مُغَيِّرٌ وَيُشْبِهُ النَّاسِخَ بِصِيغَتِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ كَلَامٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ مُفِيدٌ لِلْحُكْمِ وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ صِيغَةَ الْعَامِّ وَحُكْمُ النَّاسِخِ أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ فِي الْأَوَّلِ إذَا كَانَ مَا تَنَاوَلَهُ مَجْهُولًا بَلْ يَمْتَنِعُ الْعَمَلُ بِهِ وَلَوْ كَانَ مَعْلُومًا يُعْمَلُ بِهِ، وَحُكْمُ الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَجْهُولًا لَا يُوجِبُ جَهَالَةَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَإِذَا كَانَ مَعْلُومًا يَبْقَى الْبَاقِي عَلَى مَا كَانَ قَطْعًا (فَلَمْ يَجُزْ إلْحَاقُهُ) أَيْ إلْحَاقُ دَلِيلِ الْخُصُوصِ (بِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ) أَيْ بِالِاسْتِثْنَاءِ عَيْنًا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ مَعْنَى النَّسْخِ فِيهِ وَلَا بِالنَّاسِخِ عَيْنًا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ فِيهِ لِأَنَّ فِي الْإِلْحَاقِ بِأَحَدِهِمَا عَيْنًا إبْطَالَ الشَّبَهِ الْآخَرِ. (بَلْ وَجَبَ اعْتِبَارُهُ) أَيْ اعْتِبَارُ دَلِيلِ الْخُصُوصِ (فِي كُلِّ بَابٍ) أَيْ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْ الْمَخْصُوصِ الْمَعْلُومِ وَالْمَجْهُولِ (بِنَظِيرِهِ) فِي ذَلِكَ الْبَابِ وَهُوَ النَّاسِخُ وَالِاسْتِثْنَاءُ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيمَا تَرَدَّدَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وَأَخَذَ حَظًّا مُعْتَبَرًا مِنْ

стр. 310

فَقُلْنَا إذَا كَانَ دَلِيلُ الْخُصُوصِ مَجْهُولًا أَوْجَبَ جَهَالَةً فِي الْأَوَّلِ بِحُكْمِهِ إذَا اُعْتُبِرَ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَسَقَطَ فِي نَفْسِهِ بِصِيغَتِهِ إذَا اُعْتُبِرَ بِالنَّاسِخِ وَحُكْمُهُ قَائِمٌ بِصِيغَتِهِ فَصَارَ الدَّلِيلُ مُشْتَبِهًا فَلَمْ نُبْطِلْهُ بِالشَّكِّ ــ [كشف الأسرار] كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِهِمَا كَالْفَمِ لَمَّا أَخَذَ حَظًّا مِنْ الظَّاهِرِ وَحَظًّا مِنْ الْبَاطِنِ اُعْتُبِرَ بِهِمَا فِي مَسْأَلَةِ الْقَيْءِ عَلَى مَا عُرِفَ وَكَصَدَقَةِ الْفِطْرِ لَمَّا كَانَتْ مُشْتَمِلَةً عَلَى مَعْنَى الْقُرْبَةِ وَالْمُؤْنَةِ اُعْتُبِرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَمْ يُكْتَفَ بِأَحَدِهِمَا، وَكَذَا الْكَفَّارَةُ فَكَذَلِكَ هَهُنَا يُعْتَبَرُ دَلِيلُ الْخُصُوصِ فِي الْمَخْصُوصِ الْمَعْلُومِ بِالِاسْتِثْنَاءِ الْمَعْلُومِ وَالنَّاسِخِ وَالْمَعْلُومِ وَفِي الْمَخْصُوصِ الْمَجْهُولِ بِالِاسْتِثْنَاءِ الْمَجْهُولِ وَالنَّاسِخِ الْمَجْهُولِ فَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَجَبَ اعْتِبَارُهُ فِي كُلِّ بَابٍ بِنَظِيرِهِ وَلَوْ قَالَ بِنَظِيرَيْهِ أَوْ قَالَ فَيُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بَابٍ بِهِمَا لَكَانَ أَحْسَنَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي بِنَظِيرِهِ رَاجِعًا إلَى كُلِّ بَابٍ أَيْ وَجَبَ اعْتِبَارُ دَلِيلِ الْخُصُوصِ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْ الْمُشَابَهَةِ بِنَظِيرِ ذَلِكَ النَّوْعِ فَيُعْتَبَرُ فِي شَبَهِ الِاسْتِثْنَاءِ بِحَقِيقَةِ الِاسْتِثْنَاءِ مَعْلُومًا كَانَ أَوْ مَجْهُولًا وَيُعْتَبَرُ فِي شَبَهِ النَّاسِخِ بِحَقِيقَةِ النَّاسِخِ مَعْلُومًا كَانَ أَوْ مَجْهُولًا وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ بِنَظِيرَيْهِ لَا يَصِحُّ. [كَانَ دَلِيلُ الْخُصُوصِ مَجْهُولًا] قَوْلُهُ (فَقُلْنَا إذَا كَانَ) هَذَا شُرُوعٌ مِنْ الشَّيْخِ فِي بَيَانِ اعْتِبَارِهِ بِالشَّبَهَيْنِ فِي كُلِّ بَابٍ فَقَالَ إذَا كَانَ دَلِيلُ الْخُصُوصِ مَجْهُولًا أَيْ مُتَنَاوِلًا لِمَجْهُولٍ عِنْدَ السَّامِعِ أَوْجَبَ جَهَالَةً فِي الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمَخْصُوصُ مِنْهُ (بِحُكْمِهِ) أَيْ بِالنَّظَرِ إلَى حُكْمِهِ وَهُوَ بَيَانُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ هَذَا الْمَجْهُولُ تَحْتَ الْعَامِّ (إذَا اُعْتُبِرَ بِالِاسْتِثْنَاءِ) أَيْ رُدَّ إلَيْهِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُسْتَثْنَى إذَا كَانَ مَجْهُولًا أَوْجَبَ جَهَالَةَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ (وَسَقَطَ) أَيْ هَذَا الدَّلِيلُ فِي نَفْسِهِ (بِصِيغَتِهِ) أَيْ بِاعْتِبَارِ صِيغَتِهِ إذَا اُعْتُبِرَ بِالنَّاسِخِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ النَّاسِخَ إذَا كَانَ مَجْهُولًا أَيْ مُتَنَاوِلًا لِمَجْهُولٍ لَا يُعَارِضُ الْأَوَّلَ بَلْ يَسْقُطُ بِنَفْسِهِ (وَحُكْمُهُ) أَيْ حُكْمُ دَلِيلِ الْخُصُوصِ وَهُوَ بَيَانُ أَنَّ الْمَخْصُوصَ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْجُمْلَةِ (قَائِمٌ) أَيْ ثَابِتٌ بِصِيغَتِهِ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ فَإِنَّ حُكْمَهُ لَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ بِنَفْسِهِ وَإِذَا كَانَ حُكْمُهُ قَائِمًا بِصِيغَتِهِ لَا تَتَعَدَّى جَهَالَتُهُ إلَى الْأَوَّلِ لِانْفِصَالِهِ عَنْهُ فَبَقِيَ الْأَوَّلُ عَلَى مَا كَانَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ وَإِذَا كَانَ حُكْمُهُ قَائِمًا بِصِيغَتِهِ وَصِيغَتُهُ سَقَطَتْ بِاعْتِبَارِ شَبَهِهَا بِالنَّسْخِ فَيَسْقُطُ شَبَهُ الِاسْتِثْنَاءِ أَيْضًا لِأَنَّ ذَلِكَ الشَّبَهَ بِاعْتِبَارِ الْحُكْمِ وَالْحُكْمُ قَائِمٌ بِالصِّيغَةِ فَيَسْقُطُ الْكُلُّ بِسُقُوطِ الصِّيغَةِ فَيَبْقَى الْعَامُّ عَلَى مَا كَانَ فَكَأَنَّهُ رَجَّحَ جِهَةَ سُقُوطِ دَلِيلِ الْخُصُوصِ عَلَى جِهَةِ ثُبُوتِهِ فِي تَأْثِيرِهِ فِي الْعَامِّ (فَصَارَ الدَّلِيلُ) أَيْ الْعَامُّ (مُشْتَبِهًا) لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الْبَقَاءِ وَالزَّوَالِ فَشِبْهُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي دَلِيلِ الْخُصُوصِ أَوْجَبَ زَوَالَهُ وَشِبْهُ النَّسْخِ فِيهِ أَوْجَبَ بَقَاءَهُ عَلَى مَا كَانَ (فَلَمْ نُبْطِلْهُ) أَيْ الْعَامَّ (بِالشَّكِّ) لِأَنَّ مَا كَانَ ثَابِتًا بِيَقِينٍ لَا يُزَالُ بِالشَّكِّ وَلَكِنْ تَمَكَّنَتْ فِيهِ شُبْهَةُ جَهَالَةٍ فَأَوْرَثَتْ زَوَالَ الْيَقِينِ فَيُوجَبُ الْعَمَلَ دُونَ الْعِلْمِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ الدَّلِيلِ دَلِيلَ الْخُصُوصِ وَيَكُونُ الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ فِي فَلَمْ يُبْطِلْهُ عَائِدًا إلَيْهِ أَيْضًا أَيْ فَصَارَ دَلِيلُ الْخُصُوصِ مُشْتَبِهًا فِي نَفْسِهِ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الثُّبُوتِ وَعَدَمِهِ فَلَا يُبْطِلُهُ بِالشَّكِّ وَإِذَا لَمْ نُبْطِلْ دَلِيلَ الْخُصُوصِ بِالشَّكِّ لَا يَبْطُلُ الْعَامُّ بِالشَّكِّ أَيْضًا لِأَنَّ بُطْلَانَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى ثُبُوتِ دَلِيلِ الْخُصُوصِ وَبَقَاءَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ ثُبُوتِهِ وَفِيهِمَا تَرَدُّدٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ دَلِيلَ الْخُصُوصِ وَأَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عَائِدًا إلَى الْعَامِّ أَيْ فَصَارَ دَلِيلُ الْخُصُوصِ مُشْتَبِهًا لِمَا ذَكَرْنَا فَلَا يَبْطُلُ الْعَامُّ بِالشَّكِّ بِمِثْلِ هَذَا الدَّلِيلِ الْمُتَرَدِّدِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْوَجْهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّا لَا نُبْطِلُ وَاحِدًا مِنْهُمَا بِالشَّكِّ فَلَا يَسْقُطُ دَلِيلُ الْخُصُوصِ لِكَوْنِهِ مَجْهُولًا بِالشَّكِّ وَلَا تَخْرُجُ صِيغَةُ الْعَامِّ مِنْ أَنْ تَكُونَ حُجَّةً بِالشَّكِّ أَيْضًا كَالْمَفْقُودِ لَا يُورَثُ عَنْهُ بِالشَّكِّ وَلَا يَرِثُ

стр. 311

وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْمَخْصُوصُ مَعْلُومًا لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا وَعَلَى احْتِمَالِ التَّعْلِيلِ يَصِيرُ مَخْصُوصًا مِنْ الْجُمْلَةِ كَأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ لَا عَلَى سَبِيلِ الْمُعَارَضَةِ لِلنَّصِّ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ فَيَصِيرُ قَدْرُ مَا تَنَاوَلَهُ النَّصُّ مَجْهُولًا هَذَا عَلَى اعْتِبَارِ صِيغَةِ النَّصِّ وَعَلَى اعْتِبَارِ حُكْمِهِ لَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ لِأَنَّهُ شَبِيهٌ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَهُوَ عَدَمٌ وَالْعَدَمُ لَا يُعَلَّلُ فَدَخَلَتْ الشُّبْهَةُ أَيْضًا وَقَدْ عُرِفَ مُوجِبًا فَلَا يَبْطُلُ بِالِاحْتِمَالِ وَهَذَا بِخِلَافِ النَّاسِخِ إذَا وَرَدَ فِي بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ النَّصُّ مَعْلُومًا فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيمَا بَقِيَ لَا يَتَغَيَّرُ لِاحْتِمَالِ التَّعْلِيلِ لِأَنَّ النَّاسِخَ إنَّمَا يَعْمَلُ عَلَى طَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ لَا عَلَى تَبَيُّنِ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الصِّيغَةِ فَيَصِيرُ الْعِلَّةُ مُعَارِضَةً لِلنَّصِّ، ــ [كشف الأسرار] أَيْضًا بِالشَّكِّ. قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْمَخْصُوصُ مَعْلُومًا) أَيْ وَكَمَا اعْتَبَرَ جِهَةَ الِاسْتِثْنَاءِ وَجِهَةَ النَّسْخِ فِي الْمَخْصُوصِ الْمَجْهُولِ يُعْتَبَرُ كِلَاهُمَا أَيْضًا فِي الْمَخْصُوصِ الْمَعْلُومِ أَوْ مَعْنَاهُ وَكَمَا صَارَ الْعَامُّ مُشْتَبِهًا فِي الْمَخْصُوصِ الْمَجْهُولِ فَكَذَلِكَ يَصِيرُ مُشْتَبِهًا فِي الْمَخْصُوصِ الْمَعْلُومِ أَيْضًا فَلَا نُبْطِلُهُ بِالشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ. وَسِيَاقُ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ (لِأَنَّهُ) أَيْ لِأَنَّ دَلِيلَ الْخُصُوصِ (يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا) وَهُوَ الظَّاهِرُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي النُّصُوصِ التَّعْلِيلُ وَهَذَا نَصٌّ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ مُنْفَصِلٌ عَنْ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ قَابِلًا لِلتَّعْلِيلِ (وَعَلَى احْتِمَالِ التَّعْلِيلِ يَصِيرُ مَخْصُوصًا) أَيْ يَصِيرُ مَا تَنَاوَلَتْهُ الْعِلَّةُ الَّتِي تَضَمَّنَهَا دَلِيلُ الْخُصُوصِ مَخْصُوصًا مِنْ الْجُمْلَةِ الَّتِي دَخَلَتْ تَحْتَ الْعَامِّ وَذَلِكَ مَجْهُولٌ فَأَوْجَبَ جَهَالَةَ الْبَاقِي قَوْلُهُ (كَأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ لَا عَلَى سَبِيلِ الْمُعَارَضَةِ) جَوَابُ سُؤَالٍ يَرِدُ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ الْقِيَاسُ لَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا لِلنَّصِّ وَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ بِهِ التَّخْصِيصُ ابْتِدَاءً وَكَذَا لَا يَجُوزُ تَعْلِيلُ النَّاسِخِ أَيْضًا إذْ فِيهِ مُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ النَّصَّ فَكَيْفَ جَازَ اعْتِبَارُ احْتِمَالِ التَّعْلِيلِ هَهُنَا فِي مُقَابَلَةِ الْعَامِّ وَفِيهِ مُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ النَّصَّ فَقَالَ إنَّمَا اُعْتُبِرَ التَّعْلِيلُ هَهُنَا لِأَنَّ الْقِيَاسَ إنَّمَا يُثْبِتُ الْحُكْمَ فِي غَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ عَلَى وَفْقِ مَا أَثْبَتَهُ الْأَصْلُ الَّذِي يُسْتَنْبَطُ مِنْهُ ثُمَّ النَّصُّ وَهُوَ دَلِيلُ الْخُصُوصِ هَهُنَا عَمَلُهُ عَلَى وَجْهِ الْبَيَانِ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ عَلَى وَجْهِ الْمُعَارَضَةِ فَكَذَلِكَ يَكُونُ عَمَلُ الْقِيَاسِ الْمُسْتَنْبَطِ مِنْهُ فَأَمَّا النَّاسِخُ فَإِنَّمَا يَعْمَلُ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ لَا عَلَى وَجْهِ الْبَيَانِ فَلَوْ جَازَ تَعْلِيلُهُ يَلْزَمُ مِنْهُ مُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ النَّصَّ وَهُوَ فَاسِدٌ وَكَذَا التَّخْصِيصُ ابْتِدَاءً بِالْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْأَصْلَ الَّذِي اسْتَنَدَ إلَيْهِ الْقِيَاسُ لَا يَصْلُحُ مُبَيِّنًا لِهَذَا الْعَامِّ لِعَدَمِ تَنَاوُلِهِ شَيْئًا مِنْ أَفْرَادِهِ فَكَذَا الْقِيَاسُ الْمُسْتَخْرَجُ مِنْهُ لَا يَصْلُحُ مُبَيِّنًا وَإِذَا لَمْ يَصْلُحْ مُبَيِّنًا كَانَ مُعَارِضًا لَهُ لَا مَحَالَةَ وَهُوَ لَا يَصْلُحُ لِمُعَارَضَةِ النَّصِّ قَوْلُهُ (فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ) أَيْ بِهَذَا الِاحْتِمَالِ أَوْ بِالتَّعْلِيلِ لِخُلُوِّهِ عَنْ مُعَارَضَةِ النَّصِّ. (فَيَصِيرُ قَدْرَ مَا تَنَاوَلَهُ النَّصُّ) أَيْ الْعَامُّ مَجْهُولًا أَوْ يَصِيرُ قَدْرَ مَا تَنَاوَلَهُ النَّصُّ الْمُخَصِّصُ مَجْهُولًا لِجَهَالَةِ مَا دَخَلَ تَحْتَ عِلَّتِهِ وَيَلْزَمُ مِنْهُ جَهَالَةُ الْعَامِّ أَيْضًا كَمَا إذَا كَانَ الْمَخْصُوصُ مَجْهُولًا (هَذَا عَلَى اعْتِبَارِ صِيغَةِ النَّصِّ) أَيْ احْتِمَالِ التَّعْلِيلِ وَلُزُومِ الْجَهَالَةِ بِاعْتِبَارِ صِيغَةِ دَلِيلِ الْخُصُوصِ الَّتِي بِهَا يَتَحَقَّقُ شِبْهُ النَّسْخِ (فَأَمَّا عَلَى اعْتِبَارِ حُكْمِهِ) أَيْ بِالنَّظَرِ إلَى الْحُكْمِ فَلَا يُعْتَبَرُ احْتِمَالُ التَّعْلِيلِ لِأَنَّ دَلِيلَ الْخُصُوصِ شَبِيهٌ بِالِاسْتِثْنَاءِ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ وَالِاسْتِثْنَاءُ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيلَ لِأَنَّهُ عَدَمٌ إذْ بِالِاسْتِثْنَاءِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْكَلَامِ وَأَنَّ التَّكَلُّمَ حَصَلَ بِمَا وَرَاءَهُ لَا أَنَّهُ دَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَالْعَدَمُ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيلَ عَلَى مَا عُرِفَ (فَدَخَلَتْ الشُّبْهَةُ) أَيْ فِي الْعَامِّ بِاعْتِبَارِ الْمَخْصُوصِ الْمَعْلُومِ كَمَا دَخَلَتْ بِاعْتِبَارِ الْمَخْصُوصِ الْمَجْهُولِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ أَيْضًا لِأَنَّ بِاعْتِبَارِ صِيغَةِ دَلِيلِ الْخُصُوصِ وَاحْتِمَالِ التَّعْلِيلِ فِيهِ يَخْرُجُ الْعَامُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً وَبِاعْتِبَارِ حُكْمِهِ يَبْقَى مُوجِبًا لِلْحُكْمِ قَطْعًا عَلَى عَكْسِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْمَخْصُوصِ الْمَجْهُولِ وَقَدْ عَرَفْت مُوجِبًا فَلَا يَبْطُلُ بِالِاحْتِمَالِ وَالشَّكِّ وَلَكِنْ تَمَكَّنَتْ فِيهِ شُبْهَةٌ فَأَوْجَبَ الْعَمَلَ دُونَ الْعِلْمِ قَوْلُهُ (وَهَذَا) أَيْ الْمُخَصِّصُ الْمَعْلُومُ (بِخِلَافِ النَّاسِخِ إذَا وَرَدَ مَعْلُومًا) أَيْ مُتَنَاوِلًا لِمَعْلُومٍ (فِي بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ النَّصُّ) أَيْ الْعَامُّ فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْعَامِّ بَعْدَ وُرُودِ نَاسِخٍ مَعْلُومٍ فِي الْبَعْضِ لَا يَتَغَيَّرُ

стр. 312

وَأَمَّا هَهُنَا فَإِنَّ التَّعَلُّلَ يَقَعُ عَلَى مَا وُضِعَ لَهُ دَلِيلُ الْخُصُوصِ وَهُوَ أَنْ لَا يَدْخُلَ تَحْتَ الْجُمْلَةِ فَلَا يَصِيرُ مُعَارِضًا لِلنَّصِّ فَإِذَا ثَبَتَ الِاحْتِمَالُ فَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ الدَّلَالَةِ بِالشَّكِّ صَارَ الدَّلِيلُ مَشْكُوكًا بِأَصْلِهِ فَأَشْبَهَ دَلِيلَ الْقِيَاسِ فَاسْتَقَامَ أَنْ يُعَارِضَهُ الْقِيَاسُ بِخِلَافِ مَا ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِأَنَّهُ يَقِينٌ بِأَصْلِهِ فَلَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُعَارِضَهُ الْقِيَاسُ. ــ [كشف الأسرار] بِسَبَبِ احْتِمَالِ التَّعْلِيلِ كَمَا يَتَغَيَّرُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ بِسَبَبِ هَذَا الِاحْتِمَالِ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيلَ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ فَكَانَ قَوْلُهُ لِاحْتِمَالِ التَّعْلِيلِ دَاخِلًا تَحْتَ النَّفْيِ. وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ احْتِمَالَ التَّعْلِيلِ ثَابِتٌ وَلَكِنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي التَّغْيِيرِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْكَلَامِ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ احْتِمَالَ التَّعْلِيلِ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ لِيَتَغَيَّرَ كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَلَا تَرَى الضَّبَّ بِهَا يَنْجَحِرُ أَيْ لَيْسَ فِي تِلْكَ الْمَفَازَةِ ضَبٌّ لِيَنْجَحِرَ لَا أَنَّ الضَّبَّ مَوْجُودٌ وَلَكِنَّهُ لَا يَنْجَحِرُ وَبِمَا ذَكَرْنَا خَرَجَ الْجَوَابُ عَمَّا يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُعَلَّلَ دَلِيلُ الْخُصُوصِ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ النَّاسِخَ أَوْ الِاسْتِثْنَاءَ وَكِلَاهُمَا لَا يُعَلَّلُ لِأَنَّ النَّاسِخَ إنَّمَا لَا يُعَلَّلُ احْتِرَازًا عَنْ مُعَارَضَةِ الْقِيَاسِ النَّصَّ وَرُفِعَ مَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ بِالْقِيَاسِ وَقَدْ عُدِمَ ذَلِكَ فِي دَلِيلِ الْخُصُوصِ وَالِاسْتِثْنَاءِ إنَّمَا لَا يُعَلَّلُ لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِهِ وَكَوْنِهِ عَدَمًا وَقَدْ تَحَقَّقَ الِاسْتِقْلَالُ فِي دَلِيلِ الْخُصُوصِ فَيَثْبُتُ التَّعْلِيلُ فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ دَلِيلَ الْخُصُوصِ يُشَابِهُ النَّاسِخَ فِي اسْتِقْلَالِ الصِّيغَةِ وَلَا يُشَابِهُهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُعَارِضٌ وَيُشَابِهُ الِاسْتِثْنَاءَ فِي كَوْنِهِ مُبَيِّنًا وَلَا يُشَابِهُهُ فِي عَدَمِ الِاسْتِقْلَالِ وَعَدَمِ التَّعْلِيلِ فِيهِمَا بِاعْتِبَارِ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ اللَّذَيْنِ يُفَارِقُهُمَا دَلِيلُ الْخُصُوصِ فِيهِمَا فَيُقْبَلُ التَّعْلِيلُ إلَّا أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ عَدَمًا يُشَابِهُ الِاسْتِثْنَاءَ أَيْضًا وَذَلِكَ مَانِعٌ مِنْ التَّعْلِيلِ لَكِنَّ كَوْنَهُ مُسْتَبِدًّا يُوجِبُهُ فَيَثْبُتُ الِاحْتِمَالُ وَذَلِكَ كَافٍ كَمَا حَقَّقْنَاهُ وَبَيَّنَ الشَّيْخُ ﵀ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ الْكَلَامَ فِي الْمَخْصُوصِ الْمَجْهُولِ عَلَى مَا بُيِّنَ هَهُنَا وَبَيَّنَ فِي الْمَخْصُوصِ الْمَعْلُومِ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ فَقَالَ أَمَّا إذَا كَانَ دَلِيلُ الْخُصُوصِ مَعْلُومًا فَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُولًا لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النُّصُوصِ التَّعْلِيلُ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ خِلَافُهُ إلَّا أَنَّ النَّصَّ يُعَلَّلُ لِتَعَدِّيَةِ حُكْمِهِ وَأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ يُشَابِهُ الِاسْتِثْنَاءَ وَالِاسْتِثْنَاءُ لِلْمَنْعِ فَكَانَ عَدَمًا وَالْعَدَمُ لَا يُعَلَّلُ فَثَبَتَ احْتِمَالُ الْعِلَّةِ، وَتَعَدَّى حُكْمُهُ وَهُوَ مَنْعُ الدُّخُولِ تَحْتَ الْعَامِّ بِإِرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ إلَى مَا بَقِيَ فَصَارَ فِي الْحَاصِلِ أَنَّهُ يُثْبِتُ احْتِمَالَ إرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ التَّخْصِيصَ وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ كَمَا اعْتَبَرَ الشَّافِعِيُّ ﵀ الْإِرَادَةَ فِي الْعَامِّ قَبْلَ التَّخْصِيصِ. إلَّا أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الْإِرَادَةَ تَثْبُتُ بِعِلَّةِ النَّصِّ وَالنَّصُّ ظَاهِرٌ وَالْعِلَّةُ الَّتِي هِيَ وَصْفُهُ كَانَتْ ظَاهِرَةً أَيْضًا فَتَثْبُتُ الْإِرَادَةُ الْبَاطِنَةُ أَيْضًا فِي الْخُصُوصِ عَلَى سَبِيلِ الْجَهَالَةِ بِدَلِيلٍ ظَاهِرٍ فَيُعْتَبَرُ بِخِلَافِ الِابْتِدَاءِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ لِيَسْتَنِدَ إلَيْهِ فَكَانَ اعْتِبَارُهُ اعْتِبَارَ مَا فِي الْبَاطِنِ وَذَلِكَ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ فَيُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ فَلَا يُعْتَبَرُ أَيْضًا أَصْلًا وَإِذَا ثَبَتَ احْتِمَالُ الْإِرَادَةِ أَوْجَبَ شُبْهَةً فَسَقَطَ الْعِلْمُ دُونَ الْعَمَلِ إلَّا أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ كَانَ فَوْقَ هَذَا الْعَامِّ لِأَنَّ الْخَبَرَ ثَابِتٌ بِأَصْلِهِ وَإِنَّمَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي طَرِيقِهِ وَالشُّبْهَةُ فِي الطَّرِيقِ لَا يَبْطُلُ أَصْلُهُ وَهَهُنَا أَعْنِي فِي الْعَامِّ إذَا خُصَّ مِنْهُ شَيْءٌ وَقَعَتْ الشُّبْهَةُ فِي أَصْلِهِ أَنَّهُ لَمْ يُتَنَاوَلْ فَصَارَ نَظِيرُ الْقِيَاسِ فَإِنَّ الْقِيَاسَ فِي أَصْلِهِ شُبْهَةً مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ مُوجِبًا وَهَذَا لِأَنَّ النَّصَّ الْخَاصَّ لَمَّا كَانَ مَعْلُولًا يَثْبُتُ احْتِمَالُ التَّعَدِّي إلَى مَا بَقِيَ فَصَارَ مَخْصُوصًا أَيْضًا فَلَا يَبْقَى الْعَامُّ عَامًا، وَالِاحْتِمَالُ لَا يُسْقِطُ الْعَمَلَ بِالْأَوَّلِ وَلَكِنْ يُزِيلُ الْيَقِينَ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي حَدِّ التَّعَارُضِ فَبَقِيَ الْعَامُّ عَلَى عُمُومِهِ كَمَا كَانَ لِعَدَمِ ظُهُورِ الدَّلِيلِ وَمَا كَانَ طَرِيقُ بَقَائِهِ عَدَمَ الدَّلِيلِ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا بِيَقِينٍ، وَلِهَذَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعَامِّ بِالْقِيَاسِ وَلَمْ يَجُزْ تَرْكُ خَبَرِ الْوَاحِدِ بِهِ. بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ حُكْمٌ بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا عَمَلُهُ فِي مَنْعِ التَّكَلُّمِ بِقَدْرِ الْمُسْتَثْنَى فَكَانَ

стр. 313

وَنَظِيرُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنْ الْفُرُوعِ أَنَّ الْبَيْعَ إذَا أُضِيفَ إلَى حُرٍّ وَعَبْدٍ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ وَإِلَى حَيٍّ وَمَيِّتٍ وَخَمْرٍ وَخَلٍّ ــ [كشف الأسرار] عَدَمًا وَالْعَدَمُ لَا يُعَلَّلُ فَإِذَا لَمْ يُعَلَّلْ اُقْتُصِرَ عَلَى قَدْرِهِ وَقَدْرُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ فَيَبْقَى مَا وَرَاءَهُ مَعْلُومًا بِلَا شُبْهَةٍ وَبِخِلَافِ النَّاسِخِ لِأَنَّ الْحُكْمَ تَقَرَّرَ بِالنَّصِّ الْأَوَّلِ فَإِذَا جَاءَ النَّاسِخُ كَانَ إنْهَاءً لِذَلِكَ الْحُكْمِ فَإِذَا وَرَدَ النَّاسِخُ خَاصًّا فَبِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُولًا لَمْ يَجُزْ تَغْيِيرُ ذَلِكَ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالنَّصِّ لِأَنَّهُ يُصَيِّرُ الْعِلَّةَ مُعَارِضَةً لِمَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَحُكْمُ الْعِلَّةِ لَا يُعَارِضُ حُكْمَ النَّصِّ بِخِلَافِ دَلِيلِ التَّخْصِيصِ فَإِنَّهُ لَا يَعْمَلُ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَارَضَةِ حُكْمًا بَلْ تَبَيَّنَ لَنَا أَنَّ الْقَدْرَ الْمَخْصُوصَ لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فَقُلْنَا النَّصُّ إذَا عَمِلَ عَمَلَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ تَبَيَّنَ لَنَا أَنَّ قَدْرَ مَا يَتَعَدَّى إلَيْهِ الْعِلَّةُ لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا تَحْتَ النَّصِّ لَا أَنَّهُ يَعْمَلُ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَارَضَةِ. قَوْلُهُ (وَنَظِيرُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ) أَيْ نَظِيرُ الِاسْتِثْنَاءِ الْمَحْضِ وَالنَّسْخِ الْمَحْضِ وَمَا أَخَذَ حَظًّا مِنْهُمَا وَهُوَ دَلِيلُ الْخُصُوصِ مِنْ الْمَسَائِلِ أَمَّا نَظِيرُ الِاسْتِثْنَاءِ فَمَا إذَا جَمَعَ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ أَوْ بَيْنَ حَيٍّ وَمَيِّتٍ أَوْ بَيْنَ مَيْتَةٍ وَذَكِيَّةٍ أَوْ بَيْنَ خَمْرٍ وَخَلٍّ وَبَاعَهُمَا بِثَمَنٍ وَاحِدٍ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ أَصْلًا لِأَنَّ أَحَدَهُمَا وَهُوَ الْحُرُّ أَوْ الْمَيِّتُ أَوْ الْمَيْتَةُ أَوْ الْخَمْرُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْعَقْدِ لِأَنَّ دُخُولَ الشَّيْءِ فِي الْعَقْدِ بِصِفَةِ الْمَالِيَّةِ وَالتَّقَوُّمِ وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَلَوْ جَازَ الْعَقْدُ فِي الْعَبْدِ أَوْ الْحَيِّ أَوْ الذَّكِيَّةِ أَوْ الْخَلِّ إنَّمَا يَجُوزُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ بِأَنْ قَسَمَ الثَّمَنَ عَلَى قِيمَتِهِ وَقِيمَةِ الْآخَرِ أَنْ لَوْ كَانَ مَالًا مُتَقَوِّمًا وَالْبَيْعُ بِالْحِصَّةِ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً لِمَعْنَى الْجَهَالَةِ كَمَا لَوْ قَالَ بِعْت مِنْك هَذَا الْعَبْدَ بِمَا يَخُصُّهُ مِنْ الْأَلْفِ إذَا قُسِّمَ عَلَى قِيمَتِهِ وَقِيمَةِ هَذَا الْعَبْدِ الْآخَرِ أَوْ قَالَ بِعْت مِنْك هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ إلَّا هَذَا بِحِصَّتِهِ مِنْ الْأَلْفِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْجَهَالَةِ كَذَا هُنَا. وَهَذَا إذَا لَمْ يُفَصِّلْ الثَّمَنَ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ فَإِنْ فَصَّلَهُ بِأَنْ قَالَ بِعْتُهُمَا بِأَلْفٍ كُلُّ وَاحِدٍ بِخَمْسِمِائَةٍ فَكَذَا الْجَوَابُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَعِنْدَهُمَا الْعَقْدُ جَائِزٌ فِي الْعَبْدِ وَالذَّكِيَّةِ وَالْخَلِّ بِمَا سُمِّيَ بِمُقَابَلَتِهِ لِأَنَّ الْفَسَادَ يَقْتَصِرُ عَلَى مَا وُجِدَ فِيهِ الْعِلَّةُ الْمُفْسِدَةُ وَعِنْدَ تَسْمِيَةِ الثَّمَنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُدِمَتْ الْعِلَّةُ الْمُفْسِدَةُ فِي مَا هُوَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ مِنْهُمَا لِأَنَّ أَحَدَهُمَا مُنْفَصِلٌ عَنْ الْآخَرِ فِي الْبَيْعِ ابْتِدَاءً وَبَقَاءً فَوُجُودُ الْمُفْسِدِ فِي أَحَدِهِمَا لَا يُؤَثِّرُ فِي الْعَقْدِ عَلَى الْآخَرِ لِأَنَّ تَأْثِيرَهُ فِي الْعَقْدِ عَلَى الْآخَرِ إمَّا بِاعْتِبَارِ التَّبَعِيَّةِ وَأَحَدُهُمَا لَيْسَ بِتَبَعٍ لِلْآخَرِ أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمَا كَشَيْءٍ وَاحِدٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَصِلٌ عَنْ الْآخَرِ فِي الْعَقْدِ أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَوْ كَانَا عَبْدَيْنِ وَهَلَكَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ بَقِيَ الْعَقْدُ فِي الْآخَرِ، وَإِنَّمَا يُجْعَلُ قَبُولُ الْعَقْدِ فِي أَحَدِهِمَا شَرْطًا لِقَبُولِ الْعَقْدِ فِي الْآخَرِ إذَا صَحَّ الْإِيجَابُ فِيهِمَا لِئَلَّا يَكُونَ الْمُشْتَرِي مُلْحِقًا الضَّرَرَ بِالْبَائِعِ فِي قَبُولِ الْعَقْدِ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ وَذَلِكَ يَنْعَدِمُ إذَا لَمْ يَصِحَّ الْإِيجَابُ فِي أَحَدِهِمَا وَصَارَ هَذَا كَمَا إذَا اشْتَرَى عَبْدًا أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ مُدَبَّرًا فَالْعَقْدُ يَفْسُدُ فِي الْمُدَبَّرِ وَيَبْقَى صَحِيحًا فِي الْعَبْدِ كَذَا هَذَا وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ لَمَّا جُمِعَ بَيْنَهُمَا فِي الْإِيجَابِ فَقَدْ شَرَطَ فِي قَبُولِ الْعَقْدِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبُولُ الْعَقْدِ فِي الْآخَرِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُشْتَرِي لَا يَمْلِكُ قَبُولَ الْعَقْدِ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ وَاشْتِرَاطُ قَبُولِ الْعَقْدِ فِي الْحُرِّ فِي بَيْعِ الْعَبْدِ شَرْطٌ فَاسِدٌ وَالْبَيْعُ يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَقَوْلُهُمَا أَنَّ هَذَا عِنْدَ صِحَّةِ الْإِيجَابِ قُلْنَا عِنْدَ صِحَّةِ الْإِيجَابِ فِيهِمَا يَكُونُ هَذَا شَرْطًا صَحِيحًا وَنَحْنُ إنَّمَا نَدَّعِي الشَّرْطَ الْفَاسِدَ وَذَلِكَ عِنْدَ فَسَادِ الْإِيجَابِ لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ بِاعْتِبَارِ جَمْعِ الْبَائِعِ بَيْنَهُمَا فِي كَلَامِهِ لَا بِاعْتِبَارِ وُجُودِ الْمَحَلِّيَّةِ فِيهِمَا.

стр. 314

فَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْعَقْدِ فَبَقِيَ الْآخَرُ وَحْدَهُ ابْتِدَاءً بِحِصَّتِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ بِعْت مِنْك هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ إلَّا هَذَا بِحِصَّتِهِ مِنْ الْأَلْفِ فَصَارَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ نَظِيرَ الِاسْتِثْنَاءِ، ــ [كشف الأسرار] وَقَوْلُهُ (فَهُوَ بَاطِلٌ) يُوهِمُ أَنَّ الْعَقْدَ لَا يَنْعَقِدُ فِي الْقِنِّ أَصْلًا حَتَّى لَا يَثْبُتَ الْمِلْكُ فِيهِ بِالْقَبْضِ كَمَا فِي الْحُرِّ وَالْمَذْكُورُ فِي الْأَسْرَارِ وَمَبْسُوطِ الْإِمَامِ السَّرَخْسِيِّ وَمَبْسُوطِ الْإِمَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ يَنْعَقِدُ فَاسِدًا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْعِوَضَيْنِ مَالٌ إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا مَجْهُولٌ وَالْجَهَالَةُ تُوجِبُ الْفَسَادَ دُونَ الْبُطْلَانِ فَكَانَ الْمُرَادُ مِنْ الْبَاطِلِ الْفَاسِدِ قَوْلُهُ (فَصَارَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ) أَيْ الْمَسَائِلُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا نَظِيرَ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْحُرَّ وَالْمَيِّتَ وَالْمَيِّتَةَ وَالْخَمْرَ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْعَقْدِ أَصْلًا وَإِنَّ الْعَقْدَ وَرَدَ عَلَى الْعَبْدِ وَالذَّكِيَّةِ وَالْخَلِّ ابْتِدَاءً بِالْحِصَّةِ كَمَا أَنَّ الْمُسْتَثْنَى لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَإِنَّ الْكَلَامَ صَارَ تَكَلُّمًا بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا وَأَمَّا نَظِيرُ النَّسْخِ فَهُوَ مَا إذَا بَاعَ عَبْدَيْنِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ التَّسْلِيمِ أَوْ اسْتَحَقَّ أَوْ وَجَدَ أَحَدُهُمَا مُدَبَّرًا أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ بَاعَ جَارِيَتَيْنِ فَوُجِدَتْ إحْدَاهُمَا أُمَّ وَلَدٍ صَحَّ الْبَيْعُ فِي الْبَاقِي سَوَاءٌ سَمَّى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَمَنًا أَوْ لَمْ يُسَمِّ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ ﵀ فِيمَا إذَا وَجَدَ مُكَاتَبًا أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ قَالَ لِأَنَّ الْإِيجَابَ فِيهِمْ فَاسِدٌ لِمَا ثَبَتَ لَهُمْ مِنْ حَقِّ الْعِتْقِ وَقَدْ جُعِلَ ذَلِكَ شَرْطًا لِقَبُولِ الْعَقْدِ فِي الْقِنِّ مِنْهُمَا فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ كُلُّهُ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْحُرِّ. وَجْهُ قَوْلِنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَخَلَ فِي الْعَقْدِ لِأَنَّ دُخُولَ الْآدَمِيِّ فِي الْعَقْدِ بِاعْتِبَارِ الرِّقِّ وَالتَّقَوُّمِ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِيهِمَا ثُمَّ اسْتَحَقَّ أَحَدُهُمَا نَفْسَهُ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اسْتَحَقَّهُ غَيْرُهُ بِأَنْ بَاعَ عَبْدَيْنِ فَاسْتَحَقَّ أَحَدُهُمَا وَهُنَاكَ الْبَيْعُ جَائِزٌ فِي الْآخَرِ سَوَاءٌ سَمَّى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَمَنًا أَوْ لَمْ يُسَمِّ يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْبَيْعَ فِي الْمُدَبَّرِ لَيْسَ بِفَاسِدٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ بِدَلِيلِ جَوَازِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ مِنْ نَفْسِهِ وَبِدَلِيلِ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا قَضَى بِجَوَازِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ وَكَذَا الْمُكَاتَبُ فَإِنَّ بَيْعَهُ مِنْ نَفْسِهِ جَائِزٌ وَلَوْ بَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ بِرِضَاهُ جَازَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَكَذَا بَيْعُ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ نَفْسِهَا جَائِزٌ وَلَوْ قَضَى الْقَاضِي بِجَوَازِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ نَفَذَ قَضَاؤُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمَحَلَّ قَابِلٌ لِلْبَيْعِ حَتَّى نَفَذَ قَضَاءُ الْقَاضِي فِيهِ وَقَضَاءُ الْقَاضِي فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ لَا يَنْفُذُ عَرَفْنَا أَنَّهُمْ دَخَلُوا فِي الْعَقْدِ ثُمَّ خَرَجُوا بَعْدَ تَنَاوُلِ الْإِيجَابِ إيَّاهُمْ ضَرُورَةَ عَدَمِ الْحُكْمِ وَهُوَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي صِيَانَةً لِحَقِّ الْعِتْقِ عَلَيْهِمْ فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ النَّسْخِ لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا بَعْدَ الدُّخُولِ وَبَقِيَ الْعَقْدُ صَحِيحًا فِي الْآخَرِ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ بِأَمْرٍ عَارِضٍ إذْ الثَّمَنُ كُلُّهُ كَانَ مَعْلُومًا وَقْتَ الْبَيْعِ وَجَهَالَةُ الثَّمَنِ بِأَمْرٍ عَارِضٍ لَا يُوجِبُ الْفَسَادَ كَمَا إذَا هَلَكَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ يُبْطِلُ الْبَيْعَ فِي الْهَالِكِ وَيَبْقَى فِي الْحَيِّ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ كَذَا هَهُنَا. (فَإِنْ قِيلَ) مَا الْفَائِدَةُ فِي دُخُولِهِمْ ثُمَّ خُرُوجِهِمْ (قُلْنَا) الْفَائِدَةُ تَصْحِيحُ كَلَامِ الْعَاقِلِ مَعَ رِعَايَةِ حَقِّهِمْ وَانْعِقَادِ الْعَقْدِ فِي حَقِّ الْآخَرِ قَوْلُهُ (وَنَظِيرُ دَلِيلِ الْخُصُوصِ مَسْأَلَةُ خِيَارِ الشَّرْطِ) إضَافَةُ الْخِيَارِ إلَى الشَّرْطِ إضَافَةُ الشَّيْءِ إلَى سَبَبِهِ كَزَكَاةِ الْمَالِ وَحَجِّ الْبَيْتِ أَيْ الْخِيَارِ الَّذِي يَثْبُتُ بِسَبَبِ الشَّرْطِ وَيُقَالُ شَرْطُ الْخِيَارِ أَيْضًا وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى مُسَبِّبِهِ كَمَالِ الزَّكَاةِ وَوَقْتِ الصَّلَاةِ أَيْ الشَّرْطِ الَّذِي يُوجِبُ الْخِيَارَ وَيُثْبِتُهُ وَاعْلَمْ أَنَّ شَرْطَ الْخِيَارِ يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ وَلَا يَمْنَعُ السَّبَبَ عَنْ الِانْعِقَادِ بِخِلَافِ سَائِرِ الشُّرُوطِ فَإِنَّهَا تَمْنَعُ السَّبَبَ وَالْحُكْمَ جَمِيعًا عَلَى مَا يُعْرَفُ مِنْ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ إنَّهُ يُشْبِهُ دَلِيلَ الْخُصُوصِ لِاجْتِمَاعِ شَبَهِ الِاسْتِثْنَاءِ وَشَبَهِ النَّسْخِ فِيهِ

стр. 315

وَإِذَا بَاعَ عَبْدَيْنِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ التَّسْلِيمِ أَوْ اُسْتُحِقَّ أَوْ وُجِدَ مُدَبَّرًا أَوْ مُكَاتَبًا صَحَّ الْبَيْعُ فِي الْبَاقِي لِأَنَّ الْآخَرَ دَخَلَ فِي الْبَيْعِ، وَكَذَلِكَ الْمُدَبَّرُ وَالْمُكَاتَبُ يَدْخُلَانِ فِي الْبَيْعِ وَإِنَّمَا امْتَنَعَ الْحُكْمُ صِيَانَةً لِحَقِّهِمَا فَصَارَ الْآخَرُ بَاقِيًا فِي الْعَقْدِ بِحِصَّتِهِ فَصَارَ هَذَا مِنْ قِسْمِ دَلِيلِ النَّسْخِ، وَنَظِيرُ دَلِيلِ الْخُصُوصِ مَسْأَلَةُ خِيَارِ الشَّرْطِ قَالَ فِي الزِّيَادَاتِ فِي رَجُلٍ بَاعَ عَبْدَيْنِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فِي أَحَدِهِمَا إنَّ الْبَيْعَ لَا يَصِحُّ حَتَّى يُعَيِّنَ الَّذِي فِيهِ الْخِيَارُ وَيُسَمِّيَ ثَمَنَهُ ــ [كشف الأسرار] كَاجْتِمَاعِهِمَا فِي دَلِيلِ الْخُصُوصِ فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَمْنَعُ الْحُكْمَ عَنْ الثُّبُوتِ أَصْلًا كَانَ شَبِيهًا بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي الْحُكْمِ وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَمْنَعُ السَّبَبَ عَنْ الِانْعِقَادِ بَلْ يَرْفَعُهُ بَعْدَ الثُّبُوتِ بِالْفَسْخِ كَانَ نَظِيرًا لِلنَّاسِخِ فِي حَقِّ السَّبَبِ فَإِذَا اجْتَمَعَ فِيهِ الْجِهَتَانِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِمَا فِي الْمَسَائِلِ كَمَا وَجَبَ الْعَمَلُ بِشَبَهَيْ دَلِيلِ الْخُصُوصِ فِي الْعَامِّ. قَوْلُهُ (إذَا بَاعَ عَبْدَيْنِ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنْ لَا يُعَيَّنَ الَّذِي فِيهِ الْخِيَارُ وَلَا يُفَصِّلَ الثَّمَنَ بِأَنْ قَالَ بِعْت هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ بِأَلْفٍ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ فِي أَحَدِهِمَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَفِي هَذَا الْوَجْهِ يَفْسُدُ الْبَيْعُ إمَّا لِجَهَالَةِ الْمَبِيعِ لِأَنَّهُ إذَا شَرَطَ الْخِيَارَ فِي أَحَدِهِمَا بِغَيْرِ عَيْنِهِ لَزِمَ الْعَقْدُ فِي الْآخَرِ وَهُوَ مَجْهُولٌ وَالْمِلْكُ لَا يَثْبُتُ فِي الْمَجْهُولِ ابْتِدَاءً وَإِمَّا لِجَهَالَةِ الثَّمَنِ لِأَنَّ حُكْمَ الْعَقْدِ لَوْ ثَبَتَ فِي الَّذِي لَا خِيَارَ فِيهِ يَثْبُتُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ ابْتِدَاءً لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ وَهِيَ مَجْهُولَةٌ وَجَهَالَةُ الثَّمَنِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ وَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ بِأَلْفٍ إلَّا أَحَدَهُمَا بِمَا يَخُصُّهُ مِنْ الْأَلْفِ إذَا قُسِّمَ عَلَى قِيمَتِهِمَا وَذَلِكَ بَاطِلٌ كَذَا هَذَا. وَالثَّانِي أَنْ يُفَصِّلَ الثَّمَنَ وَلَا يُعَيَّنَ الَّذِي فِيهِ الْخِيَارُ بِأَنْ قَالَ بِعْتهمَا بِأَلْفٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِخَمْسِمِائَةٍ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ فِي أَحَدِهِمَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَهُوَ فَاسِدٌ أَيْضًا لِجَهَالَةِ الْمَبِيعِ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَلْزَمُ فِيمَا لَا خِيَارَ فِيهِ وَهُوَ مَجْهُولٌ لَا يُمْكِنُ إلْزَامُ الْبَيْعِ فِيهِ وَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ بِعْت هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ بِأَلْفٍ إلَّا أَحَدَهُمَا بِخَمْسِمِائَةٍ وَالثَّالِثُ أَنْ يُعَيِّنَ الَّذِي فِيهِ الْخِيَارُ وَلَا يُفَصِّلَ الثَّمَنَ بِأَنْ قَالَ بِعْتهمَا بِأَلْفٍ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ فِي هَذَا بِعْته ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَحُكْمُهُ الْفَسَادُ أَيْضًا لِجَهَالَةِ الثَّمَنِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ بِعْتهمَا بِأَلْفٍ إلَّا هَذَا بِمَا يَخُصُّهُ مِنْ الْأَلْفِ فَيَبْقَى ثَمَنُ الثَّانِي مَجْهُولًا كَذَا ذُكِرَ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ وَذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ ﵀ فِي هَذَا الْوَجْهِ أَنَّهُ يَصِحُّ الْعَقْدُ فِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ خِيَارٌ وَلَوْ فَسَخَ فِي أَحَدِهِمَا تَبْقَى فِي الْآخَرِ عَلَى الصِّحَّةِ لِأَنَّ الْعَقْدَ فِيهِمَا مُنْعَقِدٌ إذْ الْإِيجَابُ تَنَاوَلَهُمَا جَمِيعًا وَهُمَا مَحَلَّانِ لِلْبَيْعِ وَالتَّسْمِيَةُ صَحَّتْ جُمْلَةً إلَّا أَنَّ الْخِيَارَ عَارَضَ الْعَقْدَ فِي الْحُكْمِ فَمَنَعَ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي أَحَدِهِمَا فَعَمِلَ الْإِيجَابُ فِي الْآخَرِ وَوَجَبَتْ حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَنِ بَعْدَ أَنْ صَحَّتْ تَسْمِيَةُ جُمْلَةِ الثَّمَنِ فَكَانَتْ الْجَهَالَةُ عَارِضَةً فَلَا تَمْنَعُ الْجَوَازَ كَمَا فِي الْقِنِّ وَالْمُدَبَّرِ إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ الْإِمَامَ صَاحِبَ الْكِتَابِ أَجَابَ عَنْهُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ فَقَالَ الْبَيْعُ فَاسِدٌ فِي هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا لِأَنَّ الْخِيَارَ وَإِنْ دَخَلَ عَلَى الْحُكْمِ لَكِنَّ الْعَقْدَ إنَّمَا يَنْعَقِدُ لِحُكْمِهِ وَحُكْمُ الْعَقْدِ انْعَدَمَ فِي الَّذِي شُرِطَ فِيهِ الْخِيَارُ بِنَصٍّ قَائِمٍ وَهُوَ الْخِيَارُ وَذَلِكَ النَّصُّ قَائِمٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَأَوْجَبَ إعْدَامَ الْحُكْمِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَصَارَ الْإِيجَابُ قَاصِرًا عَنْهُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَا لِضَرُورَةٍ أَوْجَبَتْ ذَلِكَ فَجُعِلَ الْإِيجَابُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فِي حَقِّ الْحُكْمِ كَمَا فِي بَيْعِ الْحُرِّ جُعِلَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ لِعَدَمِ الْمَحَلِّيَّةِ فَيَبْقَى الْإِيجَابُ فِي حَقِّ الْآخَرِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ مَعَ الْقِنِّ لِأَنَّ الْإِيجَابَ تَنَاوَلَهُمَا وَإِنَّمَا امْتَنَعَ الْحُكْمُ ضَرُورَةَ صِيَانَةِ حَقِّهِ لَا بِنَصٍّ قَائِمٍ مَنَعَ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِيهِ. وَمَا ثَبَتَ ضَرُورَةً لَا يَظْهَرُ حُكْمُهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ فَبَقِيَ الْإِيجَابُ مُتَنَاوِلًا لَهُ فِيمَا وَرَاءَ هَذِهِ الضَّرُورَةِ وَذَكَرَ فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُدَبَّرِ وَالْقِنِّ وَبَيْنَ هَذَا الْفَصْلِ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ وَهِيَ أَنَّ الْمُدَبَّرَ دَاخِلٌ

стр. 316

فَأَمَّا إذَا أَجْمَلَ الثَّمَنَ وَلَمْ يُعَيِّنْ الَّذِي فِيهِ الْخِيَارُ أَوْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُعَيِّنْ الْآخَرَ لَمْ يَجْرِ الْبَيْعُ لِأَنَّ الْخِيَارَ لَا يَمْنَعُ الدُّخُولَ فِي الْإِيجَابِ وَيَمْنَعُ الدُّخُولَ فِي الْحُكْمِ فَصَارَ فِي السَّبَبِ نَظِيرُ دَلِيلِ النَّسْخِ وَفِي الْحُكْمِ نَظِيرُ الِاسْتِثْنَاءِ ــ [كشف الأسرار] فِي الْعَقْدِ وَالْحُكْمِ جَمِيعًا لِأَنَّهُ قَابِلٌ لَهُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي كَمَا ذَكَرْنَا وَلَكِنَّهُ يَخْرُجُ بَعْدَمَا دَخَلَ فَتَصِيرُ الْجَهَالَةُ حَادِثَةً فِي الزَّمَانِ الثَّانِي فَلَا تَمْنَعُ وَفِي مَسْأَلَتِنَا الْجَهَالَةُ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَثْبُتْ فِي الَّذِي فِيهِ الْخِيَارُ فَيَصِيرُ الثَّمَنُ مَجْهُولًا مِنْ الِابْتِدَاءِ فَيَمْنَعُ صِحَّةً وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَدْخُلَ فِي الْعَقْدِ أَصْلًا لِأَنَّ الشَّرْطَ يَمْنَعُ السَّبَبَ إلَّا أَنَّ الْقِيَاسَ تُرِكَ لِمَا عُرِفَ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَانِعَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مُقْتَرِنٌ بِالْعَقْدِ لَفْظًا وَمَعْنًى فَأَثَّرَ الْمُفْسِدُ، وَفِي بَيْعِ الْقِنِّ مَعَ الْمُدَبَّرِ الْمَانِعُ مُقْتَرِنٌ بِالْعَقْدِ مَعْنًى لَا لَفْظًا فَلَمْ يُؤَثِّرْ الْمُفْسِدُ وَإِلَى الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي بَيَّنَّاهَا أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ فَأَمَّا إذَا أَجْمَلَ الثَّمَنَ وَلَمْ يُعَيِّنْ الَّذِي فِيهِ الْخِيَارَ أَوْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا يَعْنِي الثَّمَنَ أَوْ الْمَبِيعَ وَلَمْ يُعَيِّنْ الْآخَرَ وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ أَنْ يُعَيِّنَ الَّذِي فِيهِ الْخِيَارُ وَيُفَصِّلَ الثَّمَنَ بِأَنْ قَالَ بِعْت مِنْك هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ كُلَّ وَاحِدٍ بِخَمْسِمِائَةٍ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي هَذَا بِعَيْنِهِ وَيَصِحُّ الْعَقْدُ فِي هَذَا الْوَجْهِ وَيَلْزَمُ فِي الَّذِي لَا خِيَارَ فِيهِ بِمَا سُمِّيَ مِنْ الثَّمَنِ لِزَوَالِ الْجَهَالَةِ بِالْكُلِّيَّةِ. ثُمَّ فِي الْفُصُولِ الثَّلَاثَةِ عَمِلْنَا بِشَبَهِ الِاسْتِثْنَاءِ فَلَمْ نُجَوِّزْ الْبَيْعَ عِنْدَ عَدَمِ التَّعْيِينِ وَإِعْلَامِ الْحِصَّةِ كَمَا ذَكَرْنَا وَفِي الْفَصْلِ الرَّابِعِ عَمِلْنَا بِشَبَهِ النَّاسِخِ فَجَوَّزْنَا الْبَيْعَ وَلَمْ نَجْعَلْ قَبُولَ الْعَقْدِ فِي الَّذِي جُعِلَ فِيهِ الْخِيَارُ شَرْطًا فَاسِدًا فِي الَّذِي لَزِمَ الْعَقْدُ فِيهِ كَمَا جَعَلْنَاهُ فِي بَيْعِ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ عِنْدَ تَفْصِيلِ الثَّمَنِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِأَنَّا إنَّمَا جَعَلْنَاهُ هُنَاكَ شَرْطًا فَاسِدًا لِأَنَّ الْحُرَّ وَمَا شَاكَلَهُ مِنْ الْمَيْتَةِ وَالْخَمْرِ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْعَقْدِ أَصْلًا لِعَدَمِ الْمَحَلِّيَّةِ فَلَمْ يَكُنْ اشْتِرَاطُ الْقَبُولِ فِيهِ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ لِأَنَّهُ اشْتِرَاطُ قَبُولِ غَيْرِ الْمَبِيعِ لِلِانْعِقَادِ فِي الْمَبِيعِ فَكَانَ شَرْطًا فَاسِدًا فَأَمَّا الَّذِي شُرِطَ فِيهِ الْخِيَارُ فَدَاخِلٌ تَحْتَ الْعَقْدِ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي السَّبَبِ فَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ الِانْعِقَادِ فِي حَقِّهِ فَكَانَ اشْتِرَاطُ الْقَبُولِ فِيهِ اشْتِرَاطُهُ فِي الْمَبِيعِ لَا فِي غَيْرِ الْمَبِيعِ فَكَانَ شَرْطًا صَحِيحًا لَا فَاسِدًا فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ (فَإِنْ قِيلَ) فَهَلَّا عَمِلْتُمْ بِالشَّبَهَيْنِ جَمِيعًا فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ كَمَا فَعَلْتُمْ فِي دَلِيلِ الْخُصُوصِ وَالْعَمَلِ بِشَبَهِ النَّاسِخِ يُوجِبُ جَوَازَ الْبَيْعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ فِيهِ الْخِيَارُ مَعْلُومًا وَالثَّمَنُ مُفَصَّلًا (قُلْنَا) لِأَنَّ الْعَمَلَ بِهِمَا لَا يُمْكِنُ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ بِخِلَافِ دَلِيلِ الْخُصُوصِ أَمَّا فِي الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فَلِأَنَّ الْعَمَلَ بِهِمَا يُؤَدِّي إلَى سُقُوطِ شَرْطِ الْخِيَارِ وَلُزُومِ الْعَقْدِ فِي الْعَبْدَيْنِ لِأَنَّ دَلِيلَ النَّسْخِ إذَا كَانَ مَجْهُولًا سَقَطَ بِنَفْسِهِ وَإِذَا سَقَطَ شَرْطُ الْخِيَارِ هَهُنَا لِكَوْنِهِ مَجْهُولًا لَزِمَ الْعَقْدُ فِي الْعَبْدَيْنِ كَمَا لَوْ لَمْ يُوجَدْ الْخِيَارُ أَصْلًا وَهَذَا خِلَافُ مَقْصُودِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَلَا يَجُوزُ وَلِأَنَّا لَوْ عَمِلْنَا بِهِمَا فَالْجَوَابُ لَا يَخْتَلِفُ أَيْضًا لِأَنَّ شَبَهَ الِاسْتِثْنَاءِ يُوجِبُ فَسَادَ الْعَقْدِ وَشَبَهَ النَّسْخِ يُوجِبُ انْعِقَادَهُ فِي الْعَبْدَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ مُنْعَقِدًا فَلَا يَنْعَقِدُ بِالشَّكِّ. وَكَذَا الْجَوَابُ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ أَيْضًا لِأَنَّ الْعَمَلَ بِشَبَهِ النَّسْخِ فِيهِ يُوجِبُ لُزُومَ الْعَقْدِ فِي الَّذِي لَا خِيَارَ فِيهِ وَكَوْنُ الْجَهَالَةِ فِي الثَّمَنِ طَارِئَةً غَيْرَ مَانِعَةٍ كَمَا اخْتَارَهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ ﵀ وَشَبَهُ الِاسْتِثْنَاءِ يُوجِبُ الْفَسَادَ فَلَا يَثْبُتُ الْجَوَازُ بِالشَّكِّ أَيْضًا وَأَمَّا الْوَجْهُ الرَّابِعُ فَشَبَهُ الِاسْتِثْنَاءِ يُوجِبُ الْجَوَازَ أَيْضًا لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مَعْلُومٌ كَمَا أَنَّ شَبَهَ النَّسْخِ يُوجِبُ ذَلِكَ فَكَانَ فِي الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ فِيهِ عَمَلٌ بِالشَّبَهَيْنِ أَيْضًا ثُمَّ حَاصِلُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّهُ شَبَّهَ أَوَّلًا خِيَارَ الشَّرْطِ

стр. 317

فَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ إعْلَامِ الثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ لِجَوَازِ الْبَيْعِ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَإِذَا وُجِدَ التَّعْيِينُ وَإِعْلَامُ الْحِصَّةِ صَحَّ الْبَيْعُ وَلَمْ يُعْتَبَرْ الَّذِي شُرِطَ فِيهِ الْخِيَارُ شَرْطًا فَاسِدًا فِي الْآخَرِ بِخِلَافِ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَمَا شَاكَلَ ذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إنَّهُ يُعْتَبَرُ شَرْطًا فَاسِدًا فِي الْآخَرِ لَا مَحَالَةَ فَيَفْسُدُ بِهِ الْبَيْعُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ــ [كشف الأسرار] بِدَلِيلِ الْخُصُوصِ ثُمَّ ذَكَرَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِئْنَافِ مَسْأَلَةَ الزِّيَادَاتِ مَعَ أَوْجُهِهَا الْأَرْبَعَةِ تَوْضِيحًا ثُمَّ أَقَامَ الدَّلِيلَ عَلَى مَجْمُوعِ مَا ذَكَرَ فَبَيَّنَ وَجْهَ التَّشْبِيهِ بِذِكْرِ تَحَقُّقِ الشَّبَهَيْنِ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ ثُمَّ بَنَى الْأَوْجُهَ الْأَرْبَعَةَ عَلَى الشَّبَهَيْنِ فَقَوْلُهُ فَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ كَذَا بَيَانُ تَفَرُّعِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ عَلَى شَبَهِ الِاسْتِثْنَاءِ. وَقَوْلُهُ وَإِذَا وَجَدَ التَّعَيُّنَ فِي آخِرِ الْبَابِ بَيَانُ تَفَرُّعِ الْوَجْهِ الرَّابِعِ عَلَى شَبَهِ النَّسْخِ قَوْلُهُ (فَقِيلَ لَا بُدَّ) مِنْ كَذَا بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ تَقْدِيرُهُ لَا بُدَّ مِنْ إعْلَامِ الثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ لِلْجَوَازِ فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ إعْلَامُ الثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ أَوْ لَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَشْبَاهِ الِاسْتِثْنَاءِ عِنْدَ عَدَمِ الْإِعْلَامِ بِالِاتِّفَاقِ فَيَكُونُ إلْحَاقُ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدِ فِي عَدَمِ الْجَوَازِ فَيُنَاسِبُ الدَّلِيلُ الْمَدْلُولَ أَوْ تَقْدِيرُهُ فَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ الْإِعْلَامِ لِلْجَوَازِ كَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ لِجَوَازِ بَيْعِ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ عِنْدَهُمَا فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ الْإِعْلَامُ لَمْ يَثْبُتْ الْجَوَازُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 318

بَابُ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ) أَلْفَاظُ الْعُمُومِ قِسْمَانِ عَامٌّ بِصِيغَتِهِ وَمَعْنَاهُ وَعَامٌّ بِمَعْنَاهُ دُونَ صِيغَتِهِ أَمَّا الْعَامُّ بِصِيغَتِهِ وَمَعْنَاهُ فَهُوَ صِيغَةُ كُلِّ جَمْعٍ مِثْلُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ــ [كشف الأسرار] [بَابُ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ] [أَلْفَاظُ الْعُمُومِ قِسْمَانِ] [الْقَسْم الْأَوَّل عَامٌّ بِصِيغَتِهِ وَمَعْنَاهُ وَعَامٌّ بِمَعْنَاهُ دُونَ صِيغَتِهِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بَابُ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ قَدْ مَرَّ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَنَّ الْعَامَّ مَا يَنْتَظِمُ جَمْعًا مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ لَفْظًا أَوْ مَعْنًى وَلَمَّا كَانَ الِانْتِظَامُ بِطَرِيقَيْنِ كَانَتْ الْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَى الْعُمُومِ قِسْمَيْنِ ضَرُورَةً قِسْمٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ بِمَعْنَاهُ دُونَ صِيغَتِهِ وَقِسْمٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ بِصِيغَتِهِ وَمَعْنَاهُ، وَالْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ هَذَا اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِعَدَدٍ مَعْلُومٍ بَلْ يَتَنَاوَلُ الثَّلَاثَةَ فَصَاعِدًا وَلَهُ صِيغَةُ تَثْنِيَةٍ وَفَرْدٍ مِنْ لَفْظِهِ كَرِجَالٍ أَوْ مِنْ غَيْرِ لَفْظِهِ كَنِسَاءٍ، وَلِهَذَا جَمَعَهُمَا الشَّيْخُ فِي إيرَادِ النَّظَائِرِ. ثُمَّ الْجَمْعُ عَلَى قِسْمَيْنِ جَمْعُ قِلَّةٍ وَهُوَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْعَشَرَةِ فَمَا دُونَهَا إلَى الثَّلَاثَةِ وَأَمْثِلَتُهُ أَفْعَالٌ وَأَفْعُلٌ وَأَفْعِلَةٌ وَفِعْلَةٌ كَأَثْوَابٍ وَأَفْلُسٍ وَأَجْرِبَةٍ وَغِلْمَةٍ وَقِيلَ جَمْعُ السَّلَامَةِ بِالْوَاوِ وَالنُّونِ وَالْأَلِفِ وَالتَّاءِ لِلتَّقْلِيلِ أَيْضًا. وَقَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ هُوَ بَعِيدٌ لَا سِيَّمَا فِيمَا لَيْسَ فِيهِ جَمْعٌ مَبْنِيٌّ لِلتَّكْثِيرِ. وَجَمْعُ كَثْرَةٍ وَهُوَ مَا سِوَاهَا مِنْ الْجُمُوعِ. ثُمَّ عَامَّةُ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى أَنَّ جَمْعَ الْقِلَّةِ إذَا كَانَ مُنَكَّرًا لَيْسَ بِعَامٍّ لِكَوْنِهِ ظَاهِرًا فِي الْعَشَرَةِ فَمَا دُونَهَا وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي جَمْعِ الْكَثْرَةِ إذَا كَانَ مُنَكَّرًا فَكَأَنَّ الشَّيْخَ ﵀ بِقَوْلِهِ فَهُوَ صِيغَةُ كُلِّ جَمْعٍ رَدَّ قَوْلَ الْعَامَّةِ وَاخْتَارَ أَنَّ الْكُلَّ عَامٌّ سَوَاءٌ كَانَ جَمْعَ قِلَّةٍ أَوْ كَثْرَةٍ إلَّا أَنَّهُ إنْ ثَبَتَ فِي اللُّغَةِ جَمْعُ الْقِلَّةِ يَكُونُ الْعُمُومُ فِي مَوْضِعِهِ وَهُوَ الثَّلَاثَةُ فَصَاعِدًا إلَى الْعَشَرَةِ وَفِي غَيْرِهِ يَكُونُ الْعُمُومُ مِنْ الثَّلَاثَةِ إلَى أَنْ يَشْمَلَ الْكُلَّ إذْ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْعُمُومِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ الِاسْتِغْرَاقُ عَلَى مَا عُرِفَ. قَوْلُهُ (مِثْلُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) اللَّامُ فِي هَذِهِ النَّظَائِرِ لِتَحْسِينِ الْكَلَامِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي وَالْمُرَادُ مِنْهَا الْجُمُوعُ الْمُنَكَّرَةُ إلَّا الْمُعَرَّفَةُ بِاللَّامِ وَالْإِضَافَةِ فَإِنَّ

стр. 319

أَمَّا صِيغَتُهُ فَمَوْضُوعَةٌ لِلْجَمْعِ وَأَمَّا مَعْنَاهُ فَكَذَلِكَ وَذَلِكَ شَامِلٌ لِكُلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ وَأَدْنَى الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ ذَكَرَ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ صَرِيحًا فِي كِتَابِ السِّيَرِ فِي الْأَنْفَالِ وَفِي غَيْرِهَا فَصَارَ هَذَا الِاسْمُ عَامًّا مُتَنَاوِلًا جَمِيعَ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ غَيْرَ أَنَّ الثَّلَاثَةَ أَقَلُّ مَا يَتَنَاوَلُهُ فَصَارَ أَوْلَى، وَلِهَذَا قُلْنَا فِي رَجُلٍ قَالَ إنْ اشْتَرَيْت عَبِيدًا فَهُوَ كَذَا وَإِنْ تَزَوَّجْت نِسَاءً أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا لِمَا قُلْنَا وَالْكَلِمَةُ عَامَّةٌ لِكُلِّ قِسْمٍ يَتَنَاوَلُهُ وَقَدْ يَصِيرُ هَذَا النَّوْعُ مَجَازًا عَنْ الْجِنْسِ إذَا دَخَلَهُ لَامُ الْمَعْرِفَةِ ــ [كشف الأسرار] الْكَلَامَ فِي الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ يَأْتِي بَعْدَهُ، وَلِهَذَا ذَكَرْت هَذِهِ النَّظَائِرَ فِي التَّقْوِيمِ وَالْمِيزَانِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ لِأَبِي الْيُسْرِ بِلَفْظِ التَّنْكِيرِ فَقُبِلَ كَقَوْلِنَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ وَمُسْلِمُونَ وَمُسْلِمَاتٌ. قَوْلُهُ (أَمَّا صِيغَتُهُ فَمَوْضُوعَةٌ لِلْجَمْعِ) أَيْ صِيغَةُ هَذَا الْعَامِّ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ فَمَوْضُوعَةٌ لِلْجَمْعِ؛ لِأَنَّ وَاضِعَ اللُّغَةِ وَمَا وَضَعَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ أَعْنِي أَلْفَاظَ الْجُمُوعِ إلَّا لِأَعْدَادٍ مُجْتَمِعَةٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ لِلْوَاحِدِ رَجُلٌ وَلِلِاثْنَيْنِ رَجُلَانِ وَلِلثَّلَاثَةِ وَالْأَلْفِ رِجَالٌ. وَأَمَّا مَعْنَاهُ فَلَا إشْكَالَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَعْدَادٍ مُجْتَمَعَةٍ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَهُوَ عَامٌّ بِمَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ شَامِلٌ لِكُلِّ مَا تَنَاوَلَهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ. قَوْلُهُ (وَذَلِكَ شَامِلٌ) أَيْ الْعَامُّ بِصِيغَتِهِ وَمَعْنَاهُ شَامِلٌ لِجَمِيعِ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إنْ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِ وَإِلَّا فَيَنْطَلِقُ عَلَى الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ هَذَا اللَّفْظُ عَلَيْهِ فَصَارَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ بَعْدَ انْتِفَاءِ الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِيَقِينٍ وَفِيمَا زَادَ عَلَيْهِ شَكٌّ وَاحْتِمَالٌ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْجَمْعَ الْمُنَكَّرَ عَامٌّ عِنْدَنَا أَيْ مُتَنَاوِلٌ لِلْكُلِّ عِنْدَ عَدَمِ الْمَانِعِ وَعِنْدَ وُجُودِهِ مَحْمُولٍ عَلَى أَخَصِّ الْخُصُوصِ وَعِنْدَ بَعْضِ مَنْ شَرَطَ الِاسْتِغْرَاقَ فِي الْعُمُومِ لَيْسَ بِعَامٍّ بَلْ يُحْمَلُ عَلَى أَخَصِّ الْخُصُوصِ وَإِنْ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِالْعُمُومِ؛ لِأَنَّ رِجَالًا فِي الْمَجْمُوعِ كَرَجُلٍ فِي الْوُحْدَانِ فَكَمَا أَنَّ رَجُلًا حَقِيقَةٌ فِي كُلِّ فَرْدٍ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ كَذَلِكَ رِجَالٌ حَقِيقَةٌ لِكُلِّ جَمْعٍ عَلَى الْبَدَلِ، وَلِهَذَا يَصِحُّ نَعْتُهُ بِأَيِّ عَدَدٍ شَاءَ فَيَكُونُ حَقِيقَةً فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْمَجْمُوعِ وَهُوَ مُطْلَقُ الْجَمْعِيَّةِ. وَلَنَا أَنَّ إطْلَاقَهُ يَصِحُّ عَلَى الْكُلِّ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَعَلَى مَا دُونَهُ أَيْضًا بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ وَالْحَمْلُ وَعَلَى مَا دُونَهُ إدْخَالٌ لَهُ فِي حَيِّزِ الْإِجْمَالِ إذْ لَيْسَ مِنْ أَقْسَامِ الْجُمُوعِ مَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ لِاسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِي مَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الثَّلَاثَةِ لِلتَّيَقُّنِ أَوْ عَلَى الْكُلِّ وَالْكَلِمَةُ مَوْضُوعَةٌ لِلشُّمُولِ وَالْعُمُومِ فَيَكُونُ حَمْلُهَا عَلَى الْكُلِّ أَقْرَبَ إلَى تَحْقِيقِ الْعُمُومِ وَأَعَمَّ فَائِدَةً فَكَانَ أَوْلَى. قَوْلُهُ (وَلِهَذَا قُلْنَا) أَيْ وَلِأَنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلَى الْأَقَلِّ وَهُوَ الثَّلَاثَةُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِالْكُلِّ قُلْنَا إذَا قَالَ إنْ اشْتَرَيْت عَبِيدًا فَكَذَا أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا لِمَا قُلْنَا. وَلَا يُقَالُ إنَّ قَوْلَهُ لِمَا قُلْنَا وَقَعَ مُكَرَّرًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ، وَلِهَذَا قُلْنَا تَعْلِيلٌ لِهَذَا الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ فَلَا يَصِحُّ تَعْلِيلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا فِي كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَثِيرٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ اهْتِمَامَهُمْ كَانَ فِي تَصْحِيحِ الْمَقَاصِدِ وَهِيَ الْمَعَانِي فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَعَمَّقُوا فِي الْأَلْفَاظِ. قَوْلُهُ (وَالْكَلِمَةُ) أَيْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَهِيَ صِيغَةُ الْجَمْعِ. عَامَّةٌ أَيْ شَامِلَةٌ لِكُلِّ قِسْمٍ مَنْ أَقْسَامِ الْجُمُوعِ الَّذِي يَتَنَاوَلُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ إيَّاهُ وَإِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا لِيُشِيرَ بِهِ إلَى أَنَّهُ كَمَا يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ وَالثَّلَاثَةَ يَتَنَاوَلُ مَا بَيْنَهُمَا أَيْضًا بِخِلَافِ اسْمِ الْجِنْسِ فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْأَعْلَى وَالْأَدْنَى وَلَا يَتَنَاوَلُ مَا بَيْنَهُمَا. وَالْفَرْقُ أَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْفَرْدِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ اسْمُ فَرْدٍ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْأَدْنَى وَالْأَعْلَى تَحْقِيقًا وَتَقْدِيرًا دُونَ مَا بَيْنَهُمَا وَهَذَا اللَّفْظُ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْأَعْلَى وَالْأَدْنَى وَفِيمَا بَيْنَهُمَا مِنْ أَقْسَامِ الْجُمُوعِ. قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ إذَا حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ نِسَاءً فَتَزَوَّجَ ثِنْتَيْنِ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ وَلَوْ تَزَوَّجَ ثَلَاثًا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ مُتَيَقَّنٌ فَيَنْصَرِفُ الْيَمِينُ إلَيْهِ وَلَوْ نَوَى أَكْثَرَ مِنْ الثَّلَاثِ صَحَّتْ نِيَّتُهُ حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَ ثَلَاثًا لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ يَتَنَاوَلُ مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ كَمَا يَتَنَاوَلُ الثَّلَاثَ إلَّا

стр. 320

لِأَنَّ لَامَ الْمَعْرِفَةِ لِلْعَهْدِ وَلَا عَهْدَ فِي أَقْسَامِ الْجُمُوعِ فَجُعِلَ لِلْجِنْسِ لِيَسْتَقِيمَ تَعْرِيفُهُ وَفِيهِ مَعْنَى الْجَمْعِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ كُلَّ جِنْسٍ يَتَضَمَّنُ الْجَمْعَ فَكَانَ فِيهِ عَمَلٌ بِالْوَصْفَيْنِ وَلَوْ عَمِلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ بَطَلَ حُكْمُ اللَّامِ أَصْلًا فَصَارَ الْجِنْسُ أَوْلَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] وَقَالَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ قَالَ إنْ تَزَوَّجْتُ النِّسَاءُ أَوْ أَشْتَرَيْتُ الْعَبِيدَ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ فَصَاعِدًا لِمَا قُلْنَا إنَّهُ صَارَ عِبَارَةً عَنْ الْجِنْسِ فَسَقَطَتْ حَقِيقَةُ الْجَمْعِ وَاسْمُ الْجِنْسِ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ عَلَى أَنَّهُ كُلُّ الْجِنْسِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْلَا غَيْرُهُ لَكَانَ كُلًّا فَإِنَّ آدَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه كَانَ كُلَّ الْجِنْسِ لِلرِّجَالِ وَحَوَّاءُ ﵂ وَحْدَهَا كَانَتْ كُلَّ الْجِنْسِ لِلنِّسَاءِ فَلَا يُسْقِطُ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ بِالْمُزَاحَمَةِ فَصَارَ الْوَاحِدُ لِلْجِنْسِ مِثْلُ الثَّلَاثَةِ لِلْجَمْعِ فَكَمَا كَانَ اسْمُ الْجَمْعِ وَاقِعًا عَلَى الثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا كَانَ اسْمُ الْجِنْسِ وَاقِعًا عَلَى الْوَاحِدِ فَصَاعِدًا وَكَانَ كَمَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ الْمَاءَ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ عَلَى احْتِمَالِ الْكُلِّ. وَأَمَّا الْعَامُّ بِمَعْنَاهُ دُونَ صِيغَتِهِ فَأَنْوَاعٌ ــ [كشف الأسرار] أَنَّ مُطْلَقَهُ كَانَ يَنْصَرِفُ إلَى ثَلَاثٍ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ فَإِذَا نَوَى الْأَكْثَرَ فَقَدْ نَوَى مُحْتَمَلُ كَلَامِهِ فَصَحَّتْ نِيَّتُهُ. (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ لَامَ الْمَعْرِفَةِ لِلْعَهْدِ) أَيْ لَامَ التَّعْرِيفِ لِلْمَعْهُودِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ رَأَيْت رَجُلًا ثُمَّ كَلَّمْت الرَّجُلَ أَيْ ذَلِكَ الرَّجُلَ بِعَيْنِهِ. وَلَا عَهْدَ أَيْ لَا مَعْهُودَ فِي أَقْسَامِ الْجُمُوعِ لِيُمْكِنَ تَعْرِيفُهُ بِاللَّامِ حَتَّى لَوْ كَانَ مَعْهُودًا يُمْكِنُ صَرْفُهُ إلَيْهِ يُصْرَفُ إلَيْهِ كَمَنْ قَالَ لِآخَرَ إنَّك تُرِيدُ أَنْ تَتَزَوَّجَ هَذِهِ النِّسْوَةَ الْأَرْبَعَ فَقَالَ وَاَللَّهِ لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ يَنْصَرِفُ كَلَامُهُ إلَيْهِنَّ خَاصَّةً كَذَا ذَكَرَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ. فَجَعَلَ أَيْ هَذَا الِاسْمَ لِلْجِنْسِ لِيُمْكِنَ تَعْرِيفُهُ بِاللَّامِ إذْ الْجِنْسُ مَعْهُودٌ فِي الذِّهْنِ. وَفِيهِ مَعْنَى الْجَمْعِ أَيْ فِي جَعْلِهِ الْجِنْسَ رِعَايَةَ مَعْنَى الْجَمْعِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ يَتَضَمَّنُ الْجَمْعَ إمَّا فِي الْخَارِجِ أَوْ فِي الْوَهْمِ إذَا هُوَ مِنْ الْكُلِّيَّاتِ وَالْكُلِّيُّ مَا لَا يَمْنَعُ مَفْهُومُهُ عَنْ الشَّرِكَةِ وَلِذَلِكَ جَعَلُوا الشَّمْسَ جِنْسًا وَالْقَمَرَ كَذَلِكَ وَجَمَعُوهُمَا عَلَى شُمُوسٍ وَأَقْمَارٍ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ فِي جَعْلِهِ جِنْسًا عَمَلٌ بِالْوَصْفَيْنِ أَيْ بِالْمَعْنَيَيْنِ وَهُمَا الْجَمْعِيَّةُ وَالتَّعْرِيفُ. وَلَوْ حُمِلَ هَذَا اللَّفْظُ عَلَى حَقِيقَةٍ بَعْدَ دُخُولِ اللَّامِ فِيهِ. لَبَطَلَ حُكْمُ اللَّامِ وَهُوَ التَّعْرِيفُ أَصْلًا أَيْ بِالْكُلِّيَّةِ لِمَا ذُكِرَ. فَصَارَ الْجِنْسُ أَيْ حَمْلُهُ عَلَى الْجِنْسِ وَجَعْلُهُ مَجَازًا فِيهِ أَوْلَى مِنْ إبْقَائِهِ عَلَى حَقِيقَتِهِ. إنَّ ذَلِكَ أَيْ قَوْلَهُ النِّسَاءُ وَالْعَبِيدُ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ فَصَاعِدًا حَتَّى إذَا اشْتَرَى عَبْدًا وَاحِدًا أَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَاحِدَةً حَنِثَ وَلَا يَتَوَقَّفُ الْحِنْثُ عَلَى شِرَاءِ ثَلَاثَةٍ مِنْ الْعَبِيدِ أَوْ تَزَوُّجِ ثَلَاثٍ مِنْ النِّسَاءِ كَمَا تَوَقَّفَ فِيمَا إذَا كَانَ مُنَكَّرًا. وَمَعْنَى قَوْلِهِ فَصَاعِدًا أَنَّهُ يَحْنَثُ بِشِرَاءِ عَبْدَيْنِ وَثَلَاثَةٍ وَأَرْبَعَةٍ وَأَلْفٍ أَيْضًا كَمَا يَحْنَثُ فِي الْمُنَكَّرِ بِشِرَاءِ أَرْبَعَةٍ وَخَمْسَةٍ وَعَشَرَةٍ وَأَلْفٍ أَيْضًا لَكِنَّهُ إذَا نَوَى شِرَاءَ عَبْدَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ حَتَّى لَا يَحْنَثَ بِمَا دُونَ ذَلِكَ لَا يَعْمَلُ نِيَّتُهُ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَإِنَّهُ يَصِحُّ فِيهَا نِيَّةُ مَا فَوْقَ الثَّلَاثَةِ كَمَا بَيَّنَّا. قَوْلُهُ (وَاسْمُ الْجِنْسِ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ) جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ لَمَّا صَارَ عِبَارَةً عَنْ الْجِنْسِ وَكَانَ اللَّامُ لِتَعْرِيفِهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْنَثَ بِالْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ وَلَا بِالْعَبْدِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِجِنْسَيْنِ تَامَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ التَّامَّ كُلُّ نِسَاءِ الْعَالَمِ وَكُلُّ عَبِيدٍ الدُّنْيَا. فَأَجَابَ وَقَالَ الْوَاحِدُ يَصْلُحُ جِنْسًا كَامِلًا كَالْكُلِّ؛ لِأَنَّ أَفْرَادَ الْجِنْسِ لَوْ عُدِمَتْ وَلَمْ تَبْقَ إلَّا هَذِهِ الْوَاحِدَةُ كَانَتْ كُلًّا وَكَانَ الِاسْمُ لَهَا حَقِيقَةً أَلَا تَرَى أَنَّ حَوَّاءَ كَانَتْ جِنْسًا كَامِلًا وَآدَمُ ﵇ كَانَ جِنْسًا كَامِلًا وَكَانَ اسْمُ الْإِنْسِ لَهُ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا لَمْ يَبْقَ الْكَمَالُ بِانْضِمَامِ أَمْثَالِهَا إلَيْهَا لَا لِنُقْصَانٍ فِي نَفْسِهَا فَثَبَتَ أَنَّ الْبَعْضَ مِنْ الْجِنْسِ صَالِحٌ فِي ذَاتِهِ لِهَذَا الِاسْمِ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا صَارَ بَعْضًا بِمُزَاحَمَةِ أَمْثَالِهِ لَا لِنُقْصَانٍ فِي نَفْسِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ سَاوَى الْبَعْضُ الْكُلَّ فِي الدُّخُولِ تَحْتَ الِاسْمِ فَيَتَأَدَّى بِهِ حُكْمُ الْكُلِّ إلَّا بِدَلِيلٍ يُرَجِّحُ حَقِيقَةَ الْكُلِّ عَلَى الْأَدْنَى كَذَلِكَ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ. قَوْلُهُ (فَصَارَ الْوَاحِدُ لِلْجِنْسِ مِثْلَ الثَّلَاثَةِ لِلْجَمْعِ) لِمَا ذَكَرَ مِنْ الدَّلِيلِ إلَّا أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا وَهُوَ أَنَّ اسْمَ الْجَمْعِ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى الثَّلَاثَةِ إذَا تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِالْكُلِّ وَعِنْدَ عَدَمِ التَّعَذُّرِ يَقَعُ عَلَى الْكُلِّ فَأَمَّا اسْمُ الْجِنْسِ فَيَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ الْعَمَلُ بِالْكُلِّ وَإِنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى الْكُلِّ بِدَلِيلٍ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ اسْمُ فَرْدٍ وَالْوَاحِدَ فَرْدٌ حَقِيقَةً وَحُكْمًا وَالْكُلُّ فَرْدٌ حُكْمًا فَكَانَ الْأَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ وَاسْمُ الْجَمْعِ مَوْضُوعٌ لِمَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ وَالْكُلُّ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَكْمَلُ مِنْ الثَّلَاثَةِ فَكَانَ أَوْلَى وَقَدْ بَيَّنَّا لَامَ التَّعْرِيفِ فِي بَابِ مُوجِبِ
следующие страницы →