Полный текст (489 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الحاقة: ١٧]
الإرجاء: الجوانب، واحدها (رجا) ، وهو يكتب بالألف؛ لأن تثنيته بالواو، قال الشاعر:
فلا يرمي بي الرجوان إني أقل القوم من يغني مكاني
والملك: واحد ويراد به الجماعة؛ لأنه جنس، ولا يجوز أن يكون واحداً بعينه؛ لأنه لا يصح أن يكون ملك واحد على أرجائها، أي: جوانبها في وقت واحد، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ١-٢] ، أي: إن الناس؛ لأنه قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: ٣] ، ولا يستثنى من الواحد، ومثله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] أي: المفسدين من المصلحين، وكذا قول العرب:
أهلك الناس الدينار والدرهم، أي: الدنانير والدراهم.
* * *
قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤١-٤٢] .
قول الشاعر: ما ألفه بوزن، وجعله مقفى، وله معنى. وقول الكاهن: السجع، وهو كلام متكلف يضم على معنى يشاكله.
ومما يسأل عنه: لم منع الرسول ﵇ من الشعر؟
وعن هذا جوابان:
أحدهما: أن الغالب من حال الشعراء أنه يبعث على الشهوة، ويدعو إلى الهوى، والرسول ﵇ إنما يأتي بالحكم التي يدعو إليها العقل للحاجة إلى العمل عليها، والاهتداء بها. والثاني: أن في منعه من قول الشعر دلالة على أن القرآن ليس من صفة الكلام المعتاد بين الناس، وأنه ليس بشعر؛ لأن الذي يتحدى به غير شعر، ولو كان شعراً لنسب إلى من تحدى به وأنه من قوله.
стр. 422
ويسأل عن نصب قوله: ﴿قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ و ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢] .
وفيه وجهان:
أحدهما: أن يكون نعتاً لمصدر محذوف، أي: إيماناً قليلاً ما تؤمنون، وإدراكاً قليلاً تذكرون.
والثاني: أن يكون نعتاً لظرف محذوف، أي: وقتاً قليلاً تؤمنون ووقتاً قليلاً تذكرون، و ﴿مَا﴾ على هذا التقدير صلة. وإن شئت جعلت ﴿مَا﴾ مصدرية، فيكون التقدير: قليلاً إيمانكم وقليلاً أذكاركم، وتكون في موضع رفع بـ: ﴿قَلِيلًا﴾ .
﴿ومن سورة المعارج﴾
* * *
قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [المعارج: ١-٢] .
قال مجاهد: هذا السائل هو الذي قال: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] ، وهو النضر بن الحارث، وقال الحسن: سأل المشركون فقالوا: لمن هذا العذاب الذي تذكر يا محمد؟ فجاء جوابهم بأنه ﴿لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ ، وقيل: (اللام) في قوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ بمعنى (على) أي: واقع على الكافرين، وقال الفراء: هي بمعنى (الباء) أي: بالكافرين واقع، وهو قول الضحاك.
وقرأ نافع وابن عامر "سال سائل" بغير همز في ﴿سَأَلَ﴾ وهمز الباقون.
فمن همز جاز في (الباء) على قوله وجهان:
стр. 423
أحدهما: أن تكون بمعنى (عن) وعلى هذا تأويل قول الحسن؛ لأنهم سألوا عن العذاب: لمن هو.
والقول الثاني: أن (الباء) على بابها للتعدي، والتقدير: سأل سائل بإنزال عذاب واقع، وهذا على تأويل قول مجاهد أنه يعني به النضر بن الحارث.
ومن ترك الهمز جاز في قراءته ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه خفف الهمزة استثقالاً لها.
والثاني: أنها لغة، حكى سيبويه: سلت أسال على وزن: خفت أخاف، قال حسان:
سالت هذيل رسول الله فاحشة ضلت هذيل بما سالت ولم تصب
والثالث: أنه من (السيل) يقال: سال يسيل سيلاً، والتقدير: سال سيل سائل بعذاب واقع، و (الباء) على هذا القول للتعدي وفي القولين الأولين يجوز أن تكون للتعدية على قول مجاهد، وبمعنى (عن) على قول الحسن.
* * *
قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج: ١٥-١٦] .
لظى: اسم من أسماء جهنم، والنزع: الاقتلاع، وقيل: ﴿نَزَّاعَةً﴾ للتكثير، والشوى هاهنا جلدة الرأس، والشوى في غير هذا الموضع: الأطراف، كاليدين والرجلين، والشوى أيضاً: كل ما يعدو المقتل، يقال: رماه فأشواه.
ويسأل عن الرفع في قوله: ﴿لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً﴾ ، ما موضعها من الإعراب؟
والجواب: أن فيها ثلاثة أوجه:
стр. 424
أحدها: أنها مبتدأة، و ﴿نَزَّاعَةً﴾ خبره، والجملة خبر (إن) و (الهاء) ضمير القصة، وهو الذي يسميه الكوفيون (المجهول) ويسمونه أيضاً (عماداً) .
والثاني: أن تكون ﴿لَظَى﴾ خبر (إن) و ﴿نَزَّاعَةً﴾ خبر ثان، كما تقول هذا حلو حامض.
والثالث: أن تكون بدلاً من (الهاء) على شريطة التفسير، كأنه قال: إن لظى نزاعة للشوى.
ويجوز أن تجعل ﴿نَزَّاعَةً﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: هي نزاعة.
وقد قرأ بعضهم ﴿نَزَّاعَةً﴾ بالنصب، والنصب على الحال، وتكون لظى في معنى: متلظية، فتعمل في الحال، وهي قراءة بعيدة.
* * *
قوله تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ [المعارج: ٣٦-٣٧] .
المهطع: المسرع، هذا قول أبي عبيدة، وقال الحسن: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ : مطلعين، وقال عبد الرحمن بن زيد: لا يطرفون أي: شاخصين.
وواحد (العزين) عزة، والعزة: الجماعة، ومعنى ﴿عِزِينَ﴾ جماعات في تفرقة.
والختلف في المحذوف من (عزة) :
стр. 425
فقيل فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه (واو) والأصل: عزوة؛ لأنه من: عزوته، أي: نسبته، والعزة منتسبة إلى غيرها من الجماعات.
والثاني: أن المحذوف (ياء) وهي من: عزيت؛ لأنه يقال: عزوت وعزيت بمعنى واحد.
والثالث: أن المحذوف (هاء) والأصل: عزهة، وهو من: العزهاة، وهو المنقبض عن النساء المجتمع عن اللهو معهن، قال الأحوص:
إذا كنت عرهاة عن اللهو والصبا فكن حجراً من يابس الصخر جلمدا
وهذا الجمع في الأسماء المحذوفة عوض من الحرف المحذوف، ومن هذا الباب: ثبون وعضون وسنون كل هذا محذوف اللام، وهذا الجمع له عوض من المحذوف.
﴿ومن سورة نوح ﵇﴾
* * *
قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٤] .
يسأل عن ﴿مِنْ﴾ هاهنا؟
وفيها وجهان:
أحدهما: أنها بمعنى (عن) أي: يصفح لكم عن ذنوبكم.
والثاني: أن المعنى: يغفر لكم ذنوبكم السالفة، وهي بعض الذنوب التي يصار إليهم، فلما كانت ذنوبهم التي يستأنفونها لا يجوز الوعد بغفرانها على الإطلاق؛ إذ يجري ذلك مجرى الإباحة لها، فقيدت بهذا التقييد.
стр. 426
وقد قيل: إن المعنى: يغفر لكم من ذنوبكم بحسب ما يكون من الإقلاع عنها، فهذا على احتمال بعض إن لم يقلعوا عن بعض.
وأجاز الأخفش أن تزاد ﴿مِنْ﴾ في الواجب، فالتقدير على هذا: يغفر لكم ذنوبكم.
* * *
قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]
قال ابن عباس ومجاهد والضحاك المعنى: مالكم لا ترجون لله عظمة، وقيل معنى ترجون: تخافون، قال أبو ذؤيب:
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها وخالفها في بيت نوب عوامل
أي: لم يخف، والنوب: النحل.
و (اللام) على هذا متعلقة بما دل عليه الكلام، والتقدير: مالكم لا ترجون عظمة الله.
* * *
قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ [نوح: ٢٢] .
الكبار والكبار والكبير بمعنى واحد، إلا أن بينها تفاوتاً في المبالغة، فالكبار أشدها مبالغة، والكبار دون ذلك، ويروى أن أعرابيا سمع النبي ﷺ يقرأ ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ فقال: ما أفصح ربك يا محمد، وهذا من جفاء الأعراب؛ لأن الله تعالى لا يوصف بالفصاحة.
﴿ومن سورة الجن﴾
* * *
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ [الجن: ٣] .
الجد هاهنا: العظمة؛ لانقطاع كل عظمة عنها، لعلوها عليها، ومن هذا قيل لأب الأب (جد) لانقطاعه، لعلو أبوته، وكل من فوقه لهذا الولد (أجداد) .
стр. 427
والجد: الحظ، لانقطاعه بعلة شأنه، والجد: ضرب من السير لانقطاعه عما هو دونه، وأصل الجد: القطع، والجد: ضد الهزل - بالكسر -؛ لانقطاعه عن السخف، وكذا الجد: الانكماش في الشيء لانقطاعه عن التواني، والجد - بالضم - البئر القديمة، لانقطاعه من يعرف حالها في وقت حفرها، والجد: ساحل البحر، ومنه (جدة) سمي بذلك؛ لانه آخر الأخر ومنقطعها، قال الحسن ومجاهد وقتادة ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ جلاله وعظمته، وروي عن الحسن: غنى ربنا.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ﴾ و ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾ و ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ و ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ بالفتح في الأحرف الأربعة، وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم كذلك، إلا قوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ فإنها قرأ بكسر الهمزة، وقرأ الباقون ذلك كله بالفتح إلا ما جاء بعد قول أو فاء جزاء.
فمن فتح حمل على قوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ﴾ ، ومن كسر ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ ، فزعم الفراء: أن حبان حدثه عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: أوحي إلى النبي ﷺ بعد اقتصاص أمر الجن وأن المساجد لله، قال: وكان عاصم يكسر ما كان من قوله الجن، ويفتح ما كان من الوحي؛ لأن ما بعد القول لا يكون إلا مكسوراً.
* * *
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٨-١٩] .
قال الفراء والزجاج: المساجد: مواضع السجود من الإنسان: الجبهة واليدان والركبتان والرجلان، وقال الحسن: هي المساجد المعروفة، والمعنى فلا تدع مع الله أحداً كما تدعو النصارى في بيعها، والمشركون في بيت أصنامها، وكان يقول: من السنة أن تقول إذا دخلت المسجد: (لا إله إلا الله لا أدعو مع الله أحداً) .
стр. 428
وقوله: ﴿لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ يراد به: النبي ﷺ كان إذا قال: (لا إله إلا الله) كادوا يكونون عليه جماعة متكافئة بعضهم فوق بعض ليزيلوه بذلك عن دعوته بإخلاص الإلهية.
وقال ابن عباس: كاد الجن يركبونه حرصاً على سماع القرآن فيه، وهو قول الضحاك، ويروى عن الحسن وقتادة أنهما قالا: تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه، فيأبي الله إلا أن يظهر على ما ناوأه، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [الصف: ٨] .
﴿ومن سورة المزمل﴾
* * *
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١-٣] .
المزمل: المتلفف في ثيابه، وكان النبي ﷺ إذا أنزل عليه الوحي أخذته شدة وكرب، فيقول: زملوني زملوني، وكذلك ﴿الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] ؛ لأنه كان يقول مرة: دثروني دثروني.
قال الفراء: ﴿الْمُزَّمِّلُ﴾ : الذي تزمل في ثيابه وتهيأ للصلاة في هذا الموضع، وهو النبي ﷺ وأصل المزمل: المتزمل، فأبدلت من التاء زاياً وأسكنت وأدغمت في التي بعدها، وقيل: المزمل، ويقال الرجل في ثيابه أي: تلفف، قال امرؤ القيس:
كأن أبانا في أفانين ودقه كبير أناسٍ في بجاد مزمل
ويسأل عن نصب قوله: ﴿نِصْفَهُ﴾ ؟
والجاب: أنه بدل من الليل، وهو بدل بعض من كل، كأنه في التقدير: قم نصف الليل إلا قليلاً، وهو بمنزلة قولك: قطعت اللص يده، وأكلت الرغيف ثلثيه.
стр. 429
قوله تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] .
قوله: ﴿وَالْمُكَذِّبِينَ﴾ مفعول معه، أي: مع المكذبين، كما تقول: تركته والأسد، أي: مع الأسد، والمعنى: أرضى بعتاب المكذبين، أي: لست تحتاج إلى أكثر من ذلك، كما تقول: دعني وإياه فإنه يكفيك ما ينزل به مني، وهو تهديد.
* * *
قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ [المزمل: ٢٠] .
﴿أَنْ﴾ هاهنا مخففة من المثقلة، و (الهاء) مضمرة معها، والتقدير: أنه سيكون منكم مرضى، و ﴿مَرْضَى﴾ اسم ﴿يَكُونُ﴾ و ﴿مِنْكُمْ﴾ الخبر، والجملة خبر ﴿أَنْ﴾ ، ولا يلي الفعل (أن) المخففة إلا مع العوض، والعوض نحو: السين هاهنا، ونحو ﴿لاَ﴾ من قوله: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ [طه: ٨٩] .
* * *
قوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: ٢٠] .
﴿هُوَ﴾ : فصل، وهو الذي يسميه الكوفيون عماداً ونصب ﴿خَيْرًا﴾ ؛ لأنه مفعول ثان لـ ﴿تَجِدُوهُ﴾ ، والفصل يدخل بين كل معرفتين لا يستغني أحدهما عن الآخر، أو بين معرفة ونكرة تقارب المعرفة، نحو قولك: زيد هو خير منك، وكان عمرو هو أفضل من بكرٍ، والمواضع التي يدخل فيها الفصل أربعة:
يدخل بين المبتدأ والخبر، وبين اسم كان وخبرها، وبين اسم (إن) وخبرها، وبين مفعولي الظن.
﴿ومن سورة المدثر﴾
* * *
قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] .
стр. 430
قال ابن سيرين وعبد الرحمن بن زيد: اغسلها بالماء، وقيل: لا تلبسها على معصية، وقيل: قصرها ولا تطلها، فإن ذلك يكون سبباً لطهارتها، وقيل: ﴿ثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ، أي: لا تغدر فتدنس ثيابك، فإن الغادر دنس الثياب، وقيل: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ يقول وعملك فأصلح، وهذه الأقوال الثلاثة عن الفراء، وقيل: المعنى: قلبك فطهر، وكنى بالثياب عن القلب واستشهدوا بقول امرئ القيس:
وإن تك قد ساءتك مني خليقة فسلي ثيابي من ثيابك تنسل
أي: قلبي من قلبك.
* * *
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] .
قال الفراء: المعنى: لا تعط في الدنيا شيئاً ليصب أكثر منه.
ورفع ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ ؛ لأنه في موضع الحال، والمعنى: لا تمنن مستكثراً.
وقرأ عبد الله بن مسعود: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ ، فهذا شاهد على الرفع؛ لأن (أن) إذاحذفت رفع الفعل، ومنه قول طرفة:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغي وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
* * *
قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ١٦-٢٠] .
﴿كَلَّا﴾ زجر وردع، والمعنى: ليرتدع ولينزجر عن هذا، كما أن (صه) بمعنى: اسكت، و (مه) بمعنى: أكفف، وكأنه قيل: لينزجر فإن الأمر ليس على ما توهم.
стр. 431
والعنيد والمعاند سواء، وهو الذاهب عن الشيء على طريق العداوة له، والإرهاق: الإعجاب بالعنف، والصعود: العقبة الصعبة المرتقى، وهو الكؤود أيضاً، والتفكير: من الفكرة، وهو تطلب الرأي والتقدير والتخمين. وهذه الآية نزلت في (الوليد بن المغيرة) .
حدثني أبي عن عمه قال: حدثنا القاضي منذر بن سعيد قال: حدثنا أبو النجم عصام ابن منصور قال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن عبد الرحيم البرقي قال: حدثنا أبو محمد عبد الملك ابن هشام قال: حدثنا زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاث المطلبي قال: اجتمع نفر من قريش إلى الوليد بن المغيرة، وكان ذا سن فيهم، وكان أيام الموسم، فقال لهم:
يا معشر قريس أنه قد حضر هذا الموسم وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فاجمعوا فيه رأياً واحداً ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً، ويرد قولكم بعضه بعضاً، قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس أقم لنا رأياً نقول به، قال: بل أنتم فقولوا أسمع، قالوا: نقول (كاهن) ، قال: لا والله ما هو بكاهن، قد رأينا الكهان، فما هو بزمزمة الكاهن ولا مسجعه، قالوا: فنقول: (أنه مجنون) ، قال: لا والله ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته، قالوا: فنقول (شاعر) ، قال: لا والله ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله، رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر، قالوا: فنقول (ساحر) ، قال: ما هو بساحر، قد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثه ولا عقده، قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة وإن أصله لعذق وإن فرعه لجناة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول منه أن تقولوا: ساحر جاء بقولٍ هو سحر يفرق بين المرء وابنه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا بذلك، فجعلوا يجلسون بسبيل الناس حين قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا ذكروا له أمره، فأنزل الله في الوليد فيما كان منه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ
стр. 432
شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ١١-١٩] ، إلى آخر هذه القصة.
قال الفراء: قال الكلبي: يعني بالماء الممدود: العروض والذهب، قال: وحدثني قيس عن إبراهيم بن المهاج عن مجاهد قال: ألف دينار، وكان له عشرة من البنين لا يغيبون عن عينه في تجارة ولا عمل.
وقوله: ﴿قُتِلَ﴾ أي: لعن.
* * *
قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣٥-٣٦] .
اختلف في ﴿نَذِيرًا﴾ :
فقيل: هو مصدر بمعنى: الإنذار، وقيل: هو اسم فاعل بمعنى: منذر.
ويسأل عن نصبه؟
وفيه ستة أقوال:
أحدها: أنها حال من ﴿لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ ؛ لأنها معرفة، وهو قول الفراء، قال: والنذير: جهنم، قال وتقديره تقدير إنذار.
والثاني: أنه بدل من (الهاء) في قوله: ﴿إِنَّهَا﴾ .
والثالث: أنه نصب بإضمار (أعني) ، كأنه قال: أعني نذيراً للبشر.
стр. 433
والرابع: أنه على تقدير: جعلها نذيراً للبشر.
والخامس: أنه مصدر، أي: إنذاراً للبشر؛ لأنه لما قال: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ دل على أنه أنذرهم بها إنذاراً.
والسادس: أنه حال من المضمر في ﴿قُمْ﴾ [المدثر: ٢] في أول السورة، كأنه قال: يا أيها المدثر قم نذيراً للبشر، فأنذر، ونذير على هذا الوجه بمعنى المنذر، وهو قول الكسائي.
﴿ومن سورة القيامة﴾
* * *
قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ١-٢] .
يسأل عن دخول ﴿لَا﴾ هاهنا؟ وفيها ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنها صلة، نحو قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩] ، والمعنى: ليعلم.
والثاني: أنها بمعنى (ألا) التي يستفتح بها الكلام، كأنه قال: ألا أقسم بيوم القيامة، ثم أخبر أنه لا يقسم بالنفس اللوامة.
والثالث: أنه جواب لما تكرر في القرآن من إنكارهم البعث؛ لأن القرآن كله كالسورة الواحدة، وهو قول الفراء، واختيار أبي علي.
وقرأ قنبل: "لأقسم" بجعلها جواب القسم، قالوا: وحذف النون؛ لأنه أراد الحال، ولولا ذلك لقال: (لأقسمن) ، والنون لا تدخل في فعل الحال، وأكثر ما يستعمل اللام في
стр. 434
القسم ومعها النون، إلا أن بعضهم أجاز حذفها كما حذفت (اللام) وتركت النون، قال الشاعر:
وثتيل مرة أثارن فإنه فرغ وإن أخاكم لم يثأر
يريد: لا ثارن، فحذف اللام.
والقول على قوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١] كالقول على ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ .
* * *
قوله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٤] .
يسأل عن نصب ﴿قَادِرِينَ﴾ ؟
والجواب: أنه نصب على الحال، والعامل فيه أحد شيئين:
إما نجمعها قادرين، وإما على تقدير: بلى نقدر قادرين، إلا أنه لم يظهر (نقدر) استغناءً عنه بـ: ﴿قَادِرِينَ﴾ ، وهو كقولك: قاعداً وقد سار الركب، أي: تقعد وقد ساروا.
* * *
قوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤] .
يسأل عن (الهاء) في ﴿بَصِيرَةٌ﴾ ؟
وفيها ثلاثة أجوبة:
أحدها: أن المعنى: بل الإنسان على نفسه عين بصيرة.
والثاني: أن المعنى: بل الإنسان على نفسه حجة بصيرة، أي: بينة.
والثالث: أنها للمبالغة، كما نقول: رجل علامة ونسابة.
стр. 435
وقال الرماني: التقدير: بل الإنسان على نفسه من نفسه بصيرة جوارحه شاهدة عليه يوم القيامة.
* * *
قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣] .
الناضرة: الناعمة الحسنة البهجة، وهو قول الحسن، وقال مجاهد: مسرورة.
و ﴿نَاظِرَةٌ﴾ : مبصرة، ودخل ﴿إِلَى﴾ يدل على أن ﴿نَاظِرَةٌ﴾ بمعنى: مبصرة؛ لأنه لا يقال: نظرت إليه، بمعنى: انتظرته، وأما من زعم أن المعنى: ثواب ربها منتظرة، فليس بشيء؛ لأن الله تعالى أخبر أنهم في النعيم والنضرة بقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ ، ولا يقال لمن كان في النعيم: هو منتظر للثواب؛ لأن النعيم هو الثواب.
وقد حمل قوماً تعصبهم أن زعموا أن ﴿إِلَى﴾ واحد (الآلاء) ، وليست بحرف، وكأن التقدير: نعمة ربها ناظرة؛ لأن الآلاء: النعم، وهذا لا يجوز لما قدمنا ذكره من أنه من كان في النعيم فلا يقال: هو منتظر النعم.
وقد تناصرت الأخبار بأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، وهي مشهورة في أيدي الناس، مع دلالة قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] ؛ لأنه لو كان غيرهم محجوباً لما كان في ذلك طرداً لهم ولا تعنيفاً؛ لأن المساواة قد وقعت فإذا كان أعداء الله محجوبين عنه، فأولياؤه غير محجوبين.
* * *
قوله تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] .
﴿السَّاقُ﴾ : الشدة، يقال، قامت الحرب على ساقها، أي: على شدة، وأصله: أن الإنسان إذا عانى أمراً شديداً كشف عن ساقه، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] ، عن شدة، قال الراجز:
стр. 436
قد كشفت عن ساق فشدوا
والمعنى: والتفت شدة آخر الدنيا بشدة أول يوم الآخرة، وقيل: المعنى: اشتد الأمر عند نزع النفس حتى يتقلب ساق على ساق، ويلتف بها عند تلك الحال.
* * *
قوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾ [القيامة: ٣١-٣٣]
﴿لَا﴾ بمعنى (لم) ، أي: لم يصدق ولم يصل، ولا يجوز أن تدخل (لا) على الفعل الماضي إلا على معنى التكرير؛ لئلا يشبه الدعاء.
والأصل في (تمطى) : تمطط، أي: تمدد: ومنه: مططت في الكتابة، فأبدلوا من إحدى الطائين (تاء) كراهية التضعيف، كما قال الراجز.
تقضي البازي إذا البازى كسر
يريد: تقضض، ثم أبدلت (الياء) من (تمطى) ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
﴿ومن سورة الإنسان﴾
* * *
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] .
الإنسان هاهنا: آدم ﵇ قال الفراء: كان شيئاً ولم يكن مذكوراً، وذلك من حين خلقه الله من طين إلى أن نفخ فيه الروح.
و ﴿هَلْ﴾ بمعنى (قد) ، هذا المشهور عن العلماء، وقال ابن الرماني: قد قيل إن معناها: أأتى على الإنسان، والأغلب عليها الاستفهام والأصل فيها (قد) .
стр. 437
قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] .
يسأل عن نصب قوله: ﴿عَيْنًا﴾ وفيه أجوبة:
أحدها: أنه منصوب على البدل من ﴿كَافُورًا﴾ [الإنسان: ٥] .
والثاني: أنه على تقدير: ويشربون عيناً.
والثالث: أنه على الحال من ﴿مِزَاجُهَا﴾ [الإنسان: ٥] ، وهو قول الفراء، وقيل: يمزج بالكافور ويختم بالمسك، قال الفراء: إن شئت نصبتها على القطع من قولك: ﴿مِزَاجُهَا﴾ [الإنسان: ٥] من (الهاء) في المزاج.
والرابع: أن المعنى: يعطون عينا.
ومعنى ﴿بِهَا﴾ كمعنى (فيها) ، وقيل: المعنى (منها) .
* * *
قوله تعالى: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان: ١٤]
يسأل عن نصب ﴿وَدَانِيَةً﴾ ؟ وفيها ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنها معطوفة على ﴿جَنَّةً﴾ [الإنسان: ١٢] ، والمعنى: وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً، ودانية عليهم، أي: وجنة دانية ثم حذف الموصوف.
والثاني: أنها معطوفة على ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ [الإنسان: ١٣] ، فهو حال على هذا القول.
والثالث: أنه نصب على المدح، كقولك: عند فلان جارية جميلة وشابة بعد طرية.
стр. 438
وأجاز الرماني أن يكون معطوفاً على موضع ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا﴾ [الإنسان: ١٣] .
* * *
قوله تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ﴾ [الإنسان: ١٥-١٦]
الأكواب: جمع كوب، والكوب: إبريق له عروة واحدة، قيل: هو من فضة إلا أنه صفاء القوارير لا يمنع الرؤية.
واختلف القراء في قوله: ﴿قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ﴾ ، نونهما جميعاً أهل المدينة، ونون أبو عمرو الأول، والباقون قرأوا بلا تنوين، وهو الأصل؛ لأنه لا ينصرف، فأما من نون فقد عللت قراءته بأشياء: منها: أنه وقع في المصحف بألف فتوهم أنها ألف التنوين فنون.
ومنها: أنها لغة لبعض العرب، ذكر الكسائي أنه سمع من العرب من يصرف جميع مالا ينصرف إلا (أفضل منك) .
ومنها: أن هذا الجمع إنما امتنع من الصرف؛ لأنه لا نظير له في الآحاد، وأنه غاية الجموع، وأنه لا يجمع، ثم إن العرب قد تجمعه، حكى الأخفش: هن مواليات فلان، جمع موالي، وموالي جمع مولاة، وفي الحديث: (أنتن صواحبات يوسف) ، جمع صواحب، وصواحب جمع صاحبة، وقال الفرزدق:
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم خضع الرقاب نواكسي الأبصار
يريد: نواكسين، وهو جمع نواكس، ونواكس جمع ناكس، فلما جمع هذا الجمع أشبه الواحد، فنون كما ينون الواحد.
стр. 439
والقول على قوله: ﴿سَلَاسِلَ﴾ [الإنسان: ٤] كالقول على قوله: ﴿قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ﴾ [الإنسان: ١٥-١٦] .
ومن نون الأول ولم ينون الثاني فلأن الأول رأس آية، والفواصل تشبه بالقوافي فتنون، ولم ينون الثاني؛ لأنه ليس برأس آية، وقد قال الزجاج: إن من نونهما جميعاً أتبع الثاني الأول، لأنه نون الأول؛ لأنه فاصلة ونون الثاني اتباعاً له كما قالوا: (جحر ضب خرب) ، فجر (خرباً) لمجاورته (ضباً) وهو نعت لجحر.
* * *
قوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ٢١] .
السندس: الديباج الرقيق الفاخر الحسن، والإستبرق: الديباج الغليظ وهو معرب.
وقرأ ابن محيصن بترك الصرف، وقرأ نافع وحمزة وعاصم في رواية أبان والمفضل "عاليهم" بتسكين (الياء) ، ونصب الباقون.
وقرأ نافع وحفص عن عاصم ﴿خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ بالرفع، وقرأ حمزة والكسائي بالجر، وقرأ ابن كثير وعاصم من رواية أبي بكر بجر "خضر" ورفع "إستبرق"، وقرأ أبو عمرو وابن عامر برفع "خضر" وجر "إستبرق".
فمن أسكن (الياء) جعل ﴿عَالِيَهُمْ﴾ مبتدأ و ﴿ثِيَابُ﴾ الخبر.
ومن نصب جعله ظرفاً، كقولك: فوقهم، وهو قول الفراء، وأنكره الزجاج، وقال: هو نصب على الحال من المضمر في ﴿عَالِيَهُمْ﴾ ، ويجوز أن يكون من المضمر في رأيتهم، وإنما أنكره الزجاج؛ لأنه ليس باسم مكان، كخارج الدار وداخلها، وهو مذهب سيبويه.
стр. 440
ومن رفع ﴿خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ ردهما على ﴿ثِيَابُ﴾ ، فـ ﴿خُضْرٌ﴾ وصف، و ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ عطف.
ومن كسرهما ردهما على ﴿سُنْدُسٍ﴾ .
ومن جر ﴿خُضْرٌ﴾ ورفع ﴿خُضْرٌ﴾ رد ﴿خُضْرٌ﴾ إلى ﴿سُنْدُسٍ﴾ و ﴿إِسْتَبْرَقٌ﴾ إلى ﴿ثِيَابُ﴾ .
ومن رفع ﴿خُضْرٌ﴾ وجر ﴿إِسْتَبْرَقٌ﴾ رد ﴿خُضْرٌ﴾ إلى ﴿ثِيَابُ﴾ و ﴿إِسْتَبْرَقٌ﴾ إلى ﴿سُنْدُسٍ﴾ . وهذه القراءة أجود القراءات.
* * *
قوله تعالى: ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١]
نصب ﴿الظَّالِمِينَ﴾ بقع مضمر تقديره: ويعذب الظالمين أعد لهم، ولا يجوز نصبه بإضمار ﴿أَعَدَّ﴾ لأنه لا يتعدى إلا بحرف جر، إلا على قراءة ان مسعود؛ لأنه قرأ ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ﴾ وأجاز الفراء الرفع في ﴿وَالظَّالِمِينَ﴾ وجعله مثل قوله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] ، والوجه: النصب بإضمار فعل؛ لأن في صد الكلام فعلاً، وهو قوله: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الإنسان: ٣١] ، فأضمر فيه فعلاً ليعتدل الكلام بعطف فعل على فعل، كما قال:
أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك رأس البعير إن نفرا
والذئب أخشاه إن مررت به وحدي وأخشى الرياح والمطرا.
﴿ومن سورة المرسلات﴾
* * *
قوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١] .
стр. 441
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وقتادة وأبو صالح: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ : الرياح، وروي عن ابن مسعود وأبي صالح أيضاً أنها الملائكة، وقيل: ﴿عُرْفًا﴾ أي: بالمعروف، فعلى هذا يكون مفعولاً له، وقيل: ﴿عُرْفًا﴾ أي: متتابعين، ومن قولهم: جاؤوا إليه عرفاً واحداً، فعلى هذا يكون نصباً على الحال.
* * *
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١] .
قال مجاهد: أقتت بالاجتماع لوقتها يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقيل: أقتت: أجلت لوقت ثوابها، وقيل: أقتت: جعل لها وقت يفصل فيها القضاء بين الأمة.
وقرأ أبو عمرو ﴿وُقِّتَتْ﴾ بالواو، وهو الأصل؛ لأنه من الوقت، وقرأ الباقون ﴿أُقِّتَتْ﴾ بإبدال الهمزة من الواو، وهو مطرد في كلام العرب، نحو: جوه وأجوه، ووعد وأعد وأدور وأدر، وما أشبه ذلك.
* * *
قوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]
يسأل عن هذا فيقال: قد قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ [النحل: ١١١] ، وقال هاهنا ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ؟
الجواب: أن ابن عباس قال: هذه مواقف يؤذن لهم مرة في الكلام ومرة لا يؤذن لهم في الكلام، وقال الزجاج: أي لا ينطقون بحجة وهذا كقول القائل يتكلم بغير حجة هذا ليس بكلام.
﴿ومن سورة يسألون﴾
* * *
قوله تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا
أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ [النبأ: ٢١-٢٤] .
стр. 442
المرصاد: المرقب، وهو مفعال من الرصد، والأحقاب: جمع حقب وهو ثمانون سنة، والبرد: النو، والعرب تقول: منع البرد البرد، أي: منع البرد النوم، وقال الشاعر:
بردت مراشفها على فصدني عنها وعن قبلاتها البرد
ومما يسأل عنه أن يقال: قد ذكر الله تعالى أنهم خالدون فيها أبداً، وقد حدد خلودهم هاهنا بقوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ ؟
وللعلماء في هذا عشرة أقوال:
أحدها: أن المعنى: أحقاباً لا انقطاع لها، كلما مضى حقب جاء بعده حقب، والحقب ثمانون سنة من سني الآخرة، وهذا قول قتادة.
والقول الثاني للربيع، وهو أنه قال: هذه أحقاب لا يعلم عددها إلا الله تعالى.
والثالث للحسين: وهو أنها أحقاب ليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن قد ذكروا أن الحقب الواحد سبعون ألف سنة، كل يوم من تلك السنين ألف سنة لقوله تعالى: ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] .
والرابع للمبرد قال المعنى: أنهم لايثون فيها أحقاباً، هذه صفتها.
والخامس: لخالد بن معدان، قال: يعني له: أهل التوحيد.
والسادس لمقاتل، قال: هي منسوخة بقوله: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ: ٣٠] ، وفيه نظر؛ لأنه خبر، والنسخ لا يكون في الخبر.
стр. 443
والسابع عن ابن مسعود، وهو أنه قال: ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد.
والثامن: يروى عن أبي هريرة قال: ليلتين على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد، وقرأ: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ إلى قوله: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٦-١٠٧] .
والتاسع عن الحسن، قال: لو لبثوا في النار كعدد رمل عالج لكان لهم يوم يستريحون فيه، وهذا قول ثان له.
والعاشر: أن قوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ يعود إلى ذكر الأرض، كأنه لما قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ [النبأ: ٦] . قال: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ ، ولا يمتنع مثل هذا وإن تقدم في صدر الآية ذكر الطاغين، وجاء بعد ذلك: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا﴾ ؛ لأن العرب تفعل مثل ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ [الفتح: ٩] ، والتسبيح لله تعالى، والتعزيز والتوقير للنبي ﷺ ، ويروى أن ابن كيسان أو غيره من العلماء سئل عن قوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ فلم يجاوب إلا بعد عشرين سنة، فقال في الجواب: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ فإذا انقضت هذه الأحقاب التي عذبوا فيها بمنع البرد والشراب بدلوا بأحقاب أخر فيها صنوف من العذاب، وهي أحقاب بعد أحقاب لا انقضاء لها، وهذا أحسن ما قيل فيه.
﴿ومن سورة النازعات﴾
* * *
قوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [النازعات: ١٦] .
قرأ الحسن (طوى) بكسر الطاء، وقال: طوى بالبركة والتقديس مرتين، قال طرفة:
أعاذل إن اللوم في غير كهنه على طوى من غيك المتردد.
أي: لومك مكرر، قال الفراء: ﴿طُوًى﴾ واد بين المدينة ومصر، ومن أجرى
стр. 444
(طوى) قال هو موضع يسمى (مذكر) ، ومن لم يجره جعله معدولاً عن جهته، كما تقول: عمر وزفر، قال: ولم نجد اسماً من الواو والياء عدل عن وجهته غير (طوى) ، فالإجراء فيه أحب إليَّ؛ إذ لم أجد له في المعدول نظيراً.
وقيل: لم ينصرف ﴿طُوًى﴾ لأنه معرفة، وهو اسم للبقعة، فاجتمع فيه التعريف والتأنيث.
* * *
قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ [النازعات: ٢٥] .
قال ابن عباس ومجاهد والشعبي ﴿الْأُولَى﴾ قوله: ﴿عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٢٤] ، وقال الحسن وقتادة: عذاب الدنيا وعذاب الآخره، وقال مجاهد: أول عمله وآخره.
* * *
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٧-٤١] .
قال البصريون: المعنى: فهي المأوى له، فحذف العائد؛ لأن المعنى مفهوم، ومثله قوله تعالى: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ [ص: ٥٠] ، أي: الأبواب منها.
وقال الكوفيون: الألف واللام عقيب الإضافة، والمعنى: فهي ماواه، ومثله: زيد أما المال فكثير، وأما الخلق فحسن، تقديره عند البصريين: أما الماعل عنده وأما الخلق منه، وتقديره عند الكوفيين أما ماله وأما خلقه.
﴿ومن سورة عبس﴾
* * *
قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١-٢] .
стр. 445
هذه الآية وما بعدها نزلت في عبد الله ابن أم مكتوم، وهو قول ابن عباس وقتادة والضحاك، وابن زيد وابن إسحاق، قال إبن إسحاق: كان النبي ﷺ قد وقف مع الوليد ابن المغيرة يكلمه وقد طمع في إسلامه، فمر به عبد الله بن أم مكتوم فوقف يسألأه عن شيء، أو قال: يستقريه القرآن، فشق ذلك على رسول الله ﷺ حتى أضجره؛ لأنه يشغله عما كان فيه من أمر الوليد، وما طمع فيه من إسلامه، فلما أكثر عليه انصرف عنه عابساً وتركه فعاتبه الله تعالى على ذلك.
وموضع ﴿أَنْ﴾ نصب على أنه مفعول له، أي: أن جاءه الأعمى، لأن جاءه، وزعم الكوفيين أنها بمعنى (إذ) ، وليس بشيء.
* * *
قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس: ٢٤-٢٥] .
قرأ حمزة والكسائي وعاصم ﴿أَنَّا﴾ بفتح الهمزة وقرأ الباقون بالكسرة، والكسر على الاستئناف، والفتح على البدل من ﴿طَعَامِهِ﴾ ، فموضعها على هذا جر، كأنه قال: فلينظر الإنسان إلى أنَّا صببنا الماء، وهذا بدل الاشتمال، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو أنَّا صببنا الماء.
﴿ومن سورة كورت﴾
قزله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [التكوير: ١-٢] .
ارتفعت ﴿الشَّمْسُ﴾ بفعل مضمر تقديره: إذا كورت الشمس كورت، ولا يجوز إظهاره؛ لأن ما بعده يفسره، وإنما احتيج إلى إضمار فعل؛ لأن ﴿إِذَا﴾ فيها معنى الشرط،
стр. 446
والشرط بالفعل أولى، وقال ألأخفش والكوفيون: هو مبتدأ، و ﴿كُوِّرَتْ﴾ الخبر، وجواب ﴿إِذَا﴾ ﴿عَلِمَتْ﴾ [التكوير: ١٤] ، وهو الناصب لـ ﴿إِذَا﴾ .
* * *
قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤] .
قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ﴿بِضَنِينٍ﴾ بالظاء، وقرأ الباقون بالضاد، وكذلك هو في المصحف. فمن قرأ بالظاء فمعناه: متهم، ومن قرأ بالضاد معناه: بخيل، والقراءة بالضاد أجود، لا يقال: اتهمته على كذا، وإنما يقال اتهمته بكذا، ومجاز القراءة بالظاء أنه وضع ﴿عَلَى﴾ موضع الباء.
* * *
قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٦-٢٧] .
قال الفراء: العرب تقول: إلى أين تذهب، وأين تذهب، ويقولون: ذهبت الشام، وخرجت الشام، وذهب السوق، وانطلقت السوق، سمعناه في هذه الثلاثة الأحرف (خرجت وذهبت وانطلقت) ، وقال الكسائي: سمعت العرب تقول: (انطلق بنا الغور) بالنصب، وأنشد الفراء:
تصيح بنا حنيفة إذ رأتنا وأي الأرض تذهب للصياح
يريد: إلى أي الأرض. ولم يحك سيبويه من هذا إلا: ذهبت الشام، وعلى هذا جاء قوله: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ ، معناه: فإلى أين تذهبون، وقيل المعنى: فأين تذهبون عن الحق الذي قد ظهر أمره إلا إلى الضلال.
﴿ومن سورة انفطرت﴾
* * *
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار: ١٧-١٨] .
стр. 447
قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ﴾ بالرفع جعلاه بدلاى من قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ ، كأنه في التقدير: وما أدراك ما يوم لا تملك.
وقرأ الباقون بالنصب على البدل من قوله: ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الانفطار: ١٥] ، وهذا قول البصريين، وقال الكوفيون: هو في موضع رفع، إلا أنه مبني؛ لأنه مضاف إلى الفعل، والبصريون يقولون: إذا أضيف إلى فعل معرب لم يبن. وإنما إذا أضيف إلى فعل مبني كالماضي.
﴿ومن سورة المطففين﴾
قوله تعالى ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ١-٣] .
التطفيف: التنقيص، ويروى عن ابن مسعود أنه قال: الصلاو مكيال، فمن وفى وفي له، ومن طفف فقد سمعتم ما قال الله تعالى في المطففين.
والرفع في المصدر الذي ليس له فعل الوجه، نحو قوله: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ، فإن كان له فعل كان الوجه النصب، نحو: حمداً وشكراً، فلذلك أجمع القراء على الرفع والنصب جائز.
قال الفراء: نزلت هذه السورة أول ما قدم النبي ﷺ المدينة، وكان أهلها إذا تبايعوا كيلاً أو وزناً استوفوا وأفرطوا، وإذا باعوا نقصوا، فنزلت ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] ، فآمنوا فهم أوفى الناس كيلاً إلى يومهم هذا.
стр. 448
وقوله: ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ أي: من الناس، ﴿عَلَى﴾ بمعنى (من) .
وقوله: ﴿كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ أي: كالوا لهم ووزنوا لهم، فـ ﴿هُمْ﴾ في موضع نصب، ويجوز أن يكون ﴿هُمْ﴾ في موضع رفع على التوكيد للضمير، والوجه الأول أولى؛ لأنها في المصحف بغير ألف، ولو كانت توكيداً لثبتت الألف التي هي للفصل.
* * *
قوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطففين: ١٣] .
نزلت في النضر بن الحارث؛ لأنه كان يقول: هذه أساطير الأولين فيما يسمع من القرآن.
واختلف في واحد ﴿أَسَاطِيرُ﴾ :
فقيل: واحدها (أسطورة) ، وقيل: (إسطارة) ، وقيل: هو جمع (أسطار) ، و (أسطار) جمع سطر، كفرخ وأفراخ، وقيل: هو جمع (أسطر) إلا أن كسرته أشبعت فنشأت عنها ياء.
* * *
قوله تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٧-٢٨] .
قيل: ﴿تَسْنِيمٍ﴾ عين ماء تجري من علو الجنة، ويقال: تسنمتهم العين، إذا أجريت عليهم من فوق.
ويسأل عن نصب ﴿عَيْنًا﴾ ؟
وفيه أوجه:
أحدها: أن (تَسْنِيماً) معرفة فـ ﴿عَيْنًا﴾ قطه منها، أي حال.
стр. 449
والثاني: أن يكون ﴿تَسْنِيمٍ﴾ مصدراً، يجرى مجرى قوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] ، فيكون مفعولاً به.
والثالث: أنه على المدح، أي: أعني عيناً.
والرابع: أن المعنى: يسقون عيناً.
وأجاز الفراء: أن يكون على تقدير: سنم عيناً، أي: رفع عيناً، وهذا أيضاً يكون على الحال فهذه خمسة أوجه.
﴿ومن سورة انشقت﴾
* * *
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦]
الكدح: السعي، يقال: كدح في أمره يكدح كدحاً.
ويسأل عن (الهاء) في قوله: ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ ؟
وفيها جوابان:
أحدهما: أن المعنى: فملاقي ربك.
والثاني: أن المعنى: فملاقي كدحك، أي: عملك وسعيك.
* * *
قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٠]
قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: ﴿لَتَرْكَبَنَّ﴾ بفتح (الباء) على معنى: لتركبن يا محمد، وقرأ الباقون: ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ بالضم، على تقدير: تركبن إيها الناس، والأصل: لتركبون، فدخلت النون للتوكيد، فسقطت نون الإعراب؛ لأنهما لا يجتمعان، فصار: لتركبون، فالتقى ساكنان (الواو) و (أول المشدد) فحذفت (الواو) لالتقاء الساكنين، وتركت الضمة.
стр. 450
وقيل في قوله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ أقوال:
أحدها: أن المعنى: لتركبن منزلة عن منزلة، طبقاً عن طبق، وذلك أن من كان على صلاح دعاه إلى صلاح قومه، ومن كان على فساد جعاه إلى فساد قومه، إن كل شيء يصير إلى شكله. والثاني: أن المعنى: جزاء عن عمل.
والثالث: لتركبن حالاً عن حال من إحياء وإماتة.
قال الفراء: وقد فسر: لتصيرن الأمور حالاً بعد حال، لشدة هول يوم القيامة، قال: العرب تقول (وقع في بنات طبق) ، وإذا وقع في أمر شديد.
و ﴿عَنْ﴾ بمعنى (بعد) ، كما قال: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] ، أي: بعد قليل، قال الشاعر:
قربا مربط النعامة مني لقحت حرب وائل عن حيال
أي: بعد حيال.
﴿ومن سورة البروج﴾
* * *
قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ [البروج: ١-٤] .
البروج: المنازل العالية، واحدها: برج، وهي هاهنا منازل الشمس والقمر الثمانية والعشرين، تقطع الشمس كل برج منها في شهر، ويقطعه القمر في يومين وثلث، فيكون مسيرة فيها ثمانية وعشرين يوماً، ويستسر ليلة أو ليلتين.
стр. 451
وقال الفراء: هي النجوم المعروفة، وقيل: هي قصور في السماء.
واليوم الموعود: يوم القيامة، وخو يوم الجزاء وفصل القضاء، وقد روي في خبر موفوع، وهو قول الحسن أيضاً وقتادة وعبد الرحمن بن زيد.
والشاهد: النبي ﷺ ، والمشهود: يوم القيامة، وهو قول الحسن بن علي ﵄، وتلا: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] ، ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] ، وهو قول ابن عباس وسعيد بن المسيب، وروي عن ابن عباس أيضاً: أن الشاهد هو الله تعالى والمشهود يوم القيامة، وجاء في خبر مرفوع: أن الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، وهو قول قتادة، وقيل: الشاهد يوم النحر، والمشهود يوم عرفة، وهو قول إبراهيم.
والأخدود: شق في الأرض، قال ذو الرمة:
من العراقية اللاتي أحيل لها بين الفلاة وبين النخل أخدود
يصف جدولاً
ويسأل عن معنى ﴿ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ ، فيقال: لم خصت بذات الوقود، وكل نار لها وقود؟
وعن هذا جوابان:
стр. 452
أحدهما: أنه قد تكون ناراً ليست ذات وقود كنار الحجر، ونار الليل، فقيدت هاهنا للفرق.
والثاني: أنه معرف، فصار مخصوصاً كأنه وقود بعينه.
واختلف في ﴿أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ : فقيل: هم قوم مؤمنون أحرقهم قوم من المجوس، وهذا مروي عن بن أبي طالب ﵁.
وقيل: كانوا من بني إسرائيل، وهو قول الضحاك.
وقيل: ﴿قُتِلَ﴾ بمعنى: لعن، أي: لعنوا يتحريفهم في الدنيا. وقيل: لإن الكفار الذين كانوا قعوداً على النار، خرج إليهم منها إنسانا فأحرقهم عن آخرهم.
وقيل: كانوا نصارى من أهل نجران، حدثني أبي عن عمه عن منذر بن سعيد عن أبي النجم عصام بن منصور عن أبي بكر أحمد بن عبد الله البرقي، قال: حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام، قال: حدثنا زياد بن عبد الله قال: حدثنا محمد بن إسحاق قال: كان أ÷ل نجران جاهلية يعبدون نخلة، فوقع إليهم رجل من أهل ملة عيسى يقال له (فيميمون) ، وكان أهل نجران يبعثون أولادهم إلى ساحر هنالك يتعلمون منه، فأنفذ رجل يقال له (الثامر) ابناً له يسمى (عبد الله) ليتعلم السحر، وكان (فيميمون) على طريقه، فعدل إليه (عبد الله) وأعجبه ما رأي منه، فاتبعه على دينه، وسأله أن يعلمه اسم الله الأعظم، وكان (فيميمون) إذا أتى بعليل دعل له بذلك الاسم فيشفى، فقال لعبد الله: يا ابن أخي إنك لن تقدر أن تحمله وأخشى ضعفك عنه، فلما رأى (عبد الله) أن صاحبه قد ضن عليه بالاسم، عمد إلى قداح فجمعها، فلم يدع اسما الله تعالى إلا كتبه في قدح منها ثم أوقد ناراً وأقبل يقذف فيها قدحاً قدحاً حتى إذا مر بالاسم الأعظم قذفه فيها، فوثب القدح حتى خرج منها لم يضره شيئاً، فأخذه ثم أتى صاحبه فأخبره فقال له: ما هو؟ فقال: كذا وكذا، قال: وكيف علمت؟ فأجبره بما صنع، فقال: يا ابن أخي قد أصبته، فأمسك على نفسك،
стр. 453
وما أظنك أن تفعل، فجعل (عبد الله) إذا دخل نجران لا يلقى أحداً به ضر إلا قال له: أتوحد الله، وتدخل في ديني، وأدعو لك أن تعافي من هذا البلاء؟
فيقول له: نعم، فيوجد ويسلم، ويدعو له، فيشفى، حتى لم يبق بنجران أحد به ضر إلا أتاه فاتبعه على أمره، ودعا له، فعوفي.
ورفع شأنه إلى ملك نجران، ودعاه، وقال له: أفسدت على أهل قريتي، وخالفت ديني ودين آبائي، لأمثلن بك. فقال له: إنك لا تقدر على ذلك، فجعل الملك يرسل به إلى الجبل الطويل فيطرح على رأسه فيقع إلى الأرض ليس به بأس، ويبعث به إلى مياه بنجران كالبحور لا يقع فيها شيء إلا هلك، فيلقى فيها فيخرج ليس به بأس، فلما غلبه، قال له (عبد الله) : إنك لا تقدر علي حتى توحد الله وتؤمن بما آمنت به، فإنك إن فعلت سلطت علي فقتلتني، قال: فوحد الله ذلك الملك وشهد شهادة عبد الله ثم ضربه بعصا في يده فشجه شجة غير كبيرة فقتله، وهلك الملك مكانه، واستجمع أهل نجران على دين (عبد الله) ، وكان على ما جاء به عيسى من الإنجيل وحكمه، ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحداث من بعد.
قال: ثم إن ذا نواس الحميري سار إليهم بحنوده فدعاهم إلى اليهودية، وكان قد تهود اتباعاً لجده (تبع الأوسط) الذي يقال له: (أسعرتبان) فامتنعوا، فخيرهم بين ذلك وبين القتل، فاختاروا القتل، فخذ لهم أخدوداً، وأوقد فيه ناراً، وألقاهم فيها، فيقال إن آخر من ألقي منهم امرأة معها طفل، فتوقفت، فقال لها ابنها - وهو أحد من تكلم في المهد - يا أم إنما هي ساعة ثم الجنة، فألقت بنفسها، وأفلت منهم رجل يقال له (دوس ذو ثعبان) على فرس له، فسلك الرمل، فأعجزهم، فمضى على وجهه ذلك حتى أتى قيصر صاحب الروم، فاستنصره، فقال له: بعدت بلادك عنا، ولكني سأمتب لك إلى ملك الحبشة، فإنه على هذا الدين، وهو أقرب إلى بلادك، فكتب له، فبعث معه النجاشي - ملك الحبشة - سبعين ألفاً من الحبشة، وأمر عليهم رجلاً منهم يقال له (أرباط) وهو كان سبب دخول الحبشة اليمن. قال ابن إسحاق، ويقال: كان فيمن قبل (ذو نواس) (عبد الله بن التامر) ، قال وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه حدث: أن رجلاً من أهل نجران حفر خربة له في زمان عمر ﵁، فوجد (عبد الله بن التامر) تحتها دفن فيها قاعداً
стр. 454
واضعاً يده على ضربه في رأسه ممسكاً عليها بيده، فإذا أخرت يده عنها تتعب دماً وإذا أرسلت يده ردها عليها، فامسك دمها، في يده خاتم فيه مكتوب (ربي الله) فكتب إلى عمر ﵁ في ذلك، فكتب: أن أقروه على حاله، وردوا عليه الدفن الذي كان، ففعلوا.
والوقود: بالفتح: الحطب، وبالضم: المصدر.
قال الفراء: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ جواب القسم، كما كان جواب: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١] ، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩] .
و ﴿النَّارِ﴾ جر على البدل من الأخدود، قال بعض الكوفيين: الألف واللام تعاقب الإضافة والمعنى: قتل أصحاب الأخدود ناره، وهو على تقدير مذهب البصريين: النار منه، وقال أبو عبيده: النار جر على الجوار، كما قالوا: جحر ضب خرب.
* * *
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٤-١٥] .
قرأ حمزة والكسائي ﴿الْمَجِيدِ﴾ جراً، ورفع الباقون.
فمن جر فعلى النعت للعرش، وأضاف المجد إلى العرش؛ لأنه يدل على مجد صاحبه.
ومن رفع جعله مردوداً إلى قوله: ﴿ذُو﴾ .
قوله تعالى: هل ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ [البروج: ١٧-١٨] .
قيل المعنى: قد أتاك حديثهم، والمعنى: تذكر حديثهم تذكر معتبر، فإنك تنتفع به، وهذا من الإيجاز الحسن، والتفخيم الذي لا يقوم مقامه التصريح لما يذهب الوهم في أمرهم كل مذهب.
стр. 455
و ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ بدل من الجنود في موضع جر، أجاز بعضهم: أن يكون في موضع نصب بإضمار فعل، كأنه قال: أعني فرعون وثمود.
* * *
قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١-٢٢] .
قرأ نافع ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ بالرفع، رده على ﴿قُرْآنٌ﴾ ، وجر الباقون، وردوه على اللوح.
و ﴿لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ : أم الكتاب عن مجاهد، وقيل معناه: أنه حفظه الله بما ضمنه.
﴿ومن سورة الطارق﴾
* * *
قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ١-٤] .
الطارق: الآتي ليلا، وهو هاهنا النجم؛ لأنه يطرق ليلاً، قالت هند بنت عتبه: (نحن بنات طارق نمشي على النمارق) .
والثاقب: المنير المضيء، والعرب تقول: أثقب نارك، أي: أشعلها.
وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾ ، ما: استفهام، وهي في وضع رفع بالابتداء، و ﴿الطَّارِقُ﴾ ، خبره، والجمله في موضع نصب؛ لأنه مفعول ثان لـ ﴿أَدْرَاكَ﴾ .
وقيل: ﴿الطَّارِقُ﴾ هو الثاقب، وهو زحل، هكذا قال الفراء. .
وقوله: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ ، قرأ عاصم وحمزة وابن عامر ﴿لَمَّا﴾ بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف.
стр. 456
فمن شدد جعل ﴿لَمَّا﴾ بمعنى (إلا) حكى سيبويه: نشدتك الله لما فعلت، في معنى: إلا فعلت، و ﴿حَافِظٌ﴾ خبر ﴿إِنْ﴾ ، وقيل الأصل: (لمن ما) فأدغمت النون في الميم.
ومن خفف فـ (ما) بعده عنده صلة، و (اللام) جواب القسم، والمعنى: لعليها حافظ.
وقال بعضهم: (اللام) بمعنى (إلا) و (إن) بمعنى (ما) ، والمعنى: ما كل نفس إلا عليها حافظ.
وأنكر الكسائي تشديد الميم، وهو جائز عند البصريين.
* * *
قوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٦-٩] .
قال الفراء: دافق: بمعنى مدفوق، كما قال: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] ، قال الفراء: وأهل الحجاز لذلك أفعل من غيرهم، يعني: وضع الفاعل في معنى المفعول.
والترائب: موضع القلادة من المرأة، هذا قول ابن عباس، وكذلك هو في اللغة، واحدها (تريبة) قال الشاعر:
كالزعفران على ترائبها شرقاً به اللبات والصدر
стр. 457
وقد يقال في جمع تريبة: تريب، قال المثقب:
ومن ذهب يسن على تريب كلون العاج ليس به غضون
والمعنى: من بين صلب الرجل وترائب المرأة.
والابتلاء: الاختبار.
واختلف في معنى قوله: ﴿عَلَى رَجْعِهِ﴾ :
فقال الضحاك: على رجع الإنسان ماء، كما كان. وقال عكرمة ومجاهد: على رجع الماء في صلبه، أو في إحليله. وقال الحسن وقتادة: على رجع الإنسان بالإحياء بعد الموت.
ويسأل عن الناصب لقوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ ؟
وفيه اختلاف على قدر اختلاف العلماء في معنى (الرجع) :
فقال الزجاج: العامل فيه فعل مضمر يدل عليه ﴿عَلَى رَجْعِهِ﴾ ؛ تقديره: يرجعه يوم تبلى السرائر، ولا يجوز أن يعمل فيه ﴿عَلَى رَجْعِهِ﴾ ؛ لأنه مصدر ولا يجوز أن يفرق بينه وبين صلته.
وقيل: العامل فيه ﴿قَادِرٌ﴾ وهذا على مذهل من قال: إن معنى ﴿عَلَى رَجْعِهِ﴾ على بعثه وإحيائه بعد الموت، ويكون جواباً لقولهم: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٢] ، وما أشبه ذلك مما فيه إنكارهم للبعث، وقيل: وهو نصب على إضمار (أعني) .
стр. 458
﴿ومن سورة الأعلى﴾
* * *
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٤-٥] .
الغثاء: ما حمله السيل، وهو الهشيم اليابس.
والأحوى: الأسود، وفي تقدير ﴿أَحْوَى﴾ قولان:
أحدهما: أنه على التقديم والتأخير، والمعنى: فجعله أحوى غثاء، أي: أسود والعرب تكني عن الأخضر بالأسود والأدهم، قال الله تعالى في صفة الجنتين: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] ، أي: خضراوان من الري، و ﴿أَحْوَى﴾ على هذا حال من (الهاء) في ﴿جَعَلَهُ﴾ .
والثاني: أن يكون غير مقدم، ويكون التقدير: فجعله غثاء أسود، و ﴿أَحْوَى﴾ على هذا المذهب نعت لـ ﴿غُثَاءً﴾ .
* * *
قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦-٧] .
قال الحسن: المعنى: فلا تنس إلا ما شاء الله أن تنساه، برفع حكمه وتلاوته، وهو قول قتاده، وقيل: إلا ما شاء الله كالاستثناء في الإيمان وإن لم يقع مشيئة إلا النسيان منه، وقيل: إلا ما شاء الله نسيانه مما لا يكلفك بأدائه، وذلك أن التكليف مضمن بالذكر.
وقوله: ﴿فَلَا تَنْسَى﴾ خبر على تقدير: سنقرئك فبيس تنسى، وقيل: هو نهي، و ﴿تَنْسَى﴾ بمعنى تترك وتثبت فيه الأبف، وهو مجزوم. كما قال الشاعر:
стр. 459
إذا العجوز غضبت فطلق ولا ترضاها ولا تملق
وهذا من الضرورات لا يجب أن يحمل القرآن عليه. قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: ١٨-١٩] .
قال قتاجة: ما قصه الله تعالى في هذه السورة في الصحف الأولى، وقيل: من قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤] إلى آخر السورة في الصحف الأولى، وقيل: كتب الله تعالى كلها أنزلت في شهر رمضان، وأنزل القرآن لأربع عشرة ليلة منه, وقيل: القرآن في الصحف الأولى، والتقدير على هذه الوجوه: معاني القرآن أو معنى ما تقدن ذكره في الصحف الأولى.
وواحد الصحف: صحيفة، كما يقال: سفينة وسفن، وقد يقال: صحائف، كما يقال: سفائن.
﴿ومن سورة الغاشية﴾
* * *
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُ وعٍ﴾ [الغاشية: ١-٧] .
﴿هَلْ﴾ بمعنى (قد) ، و ﴿الْغَاشِيَةِ﴾ : القيامة؛ لأنها تغشى العباد، ومعنى ﴿خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ﴾ أي: في الدنيا، قيل: يعنى بذلك: الرهبان، وقال الحسن وقتادة: عاملة لم يعملها الله في الجنيا، فأعملها في النار.
والآنية: المنتهية في الحرارة، وهو قول ابن عباس وقتادة، وهو على وزن (فَاعلَة) من أنى يأني إذا انتهى، فأما على قوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ﴾ ، فهو (أًفْعلةٌ) جمع إناء، مثل
стр. 460
إزار وآزرة.
والضريع: الشبرق، وهو سم، عن ابن عباس، وقيل: ﴿مِنْ ضَرِيعٍ﴾ اي: يضرع آكله في الإعفاء عنه لصعوبته.
* * *
قوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ [الغاشية: ٢٢-٢٣] .
المسيطر: المتسلط على غيره بالقهر، وقال ابن عباس (بمسيطر) بجبار، وهو قول مجاهد أيضاً، وقال ابن زيد: بجبار بالإكراه على الإيمان، وهذا قبل فرض الجهاد.
وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ قال الفراء: يكون مستثنى من الكلام الذي كان التذكير يقع عليه، وإن لم يذكر، يريد أنه استثناء منقطع، وسيبويه يقدر الاستثناء بـ: (لكن) ، والفراء يقدره بـ: (سوى) ، و (لكن) فيه أظهر.
* * *
قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥-٢٦]
الإياب: الرجوع، يقال: آب يؤوب أوباً إذا رجع.
وقرأ بعضهم ﴿إِيَابَهُمْ﴾ بالتشديد، وأصله: إيوابهم، على (فيغال) فاجتمعت الواو والياء وسبقت الأولى منهما بالسكون، فقلبت الواو ياء وأغمت الياء فيها.
﴿ومن سورة الفجر﴾
* * *
قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ١-٥] .
следующие страницы →