← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9066

النكت في القرآن الكريم

أبو الحسن المجاشعي

Полный текст (489 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ـ[النكت في القرآن الكريم (في معاني القرآن الكريم وإعرابه) ]ـ المؤلف: علي بن فَضَّال بن علي بن غالب المُجَاشِعِي القيرواني، أبو الحسن (المتوفى: ٤٧٩هـ) دراسة وتحقيق: د. عبد الله عبد القادر الطويل دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فاتحة الكتاب مدنية، والبقرة مدنية، وآل عمران مدنية، والنِّسَاءَ مدنية، والمائدة مدنية، والأنعام مكية نزلت جُملةً ما خلا ثلاث آيات، فإنها نزلت بالمدينة، وهي قوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ) [١٥١] إلى تمام الثلاث. والأعراف مكية، والأنفال مدنية، وهي أول ما أنزل. وبراءة مدنية، وهي آخر ما أنزل بالمدنية. قال أبن عباس: قلت لعثمان: ما حملكم على أن قرنتم بين الأنفال وبراءة، والأنفال من المثاني، وبراءة من المئين، فلم تكتبوا بينهما سطر (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فقال عثمان: إن السورة والقصة والآية كُنَّ إذا نزلْن على النبي صلى الله [عليه] وسلم قال لبعض من يكتب الوحي: ضعوها إلى موضع كذا، أو إلى جنب كذا، وإن براءة نزلت والنبي ﷺ لم يتقدم فيها إلينا بشيءٍ، وقصتها تُشبهُ قصة الأنفال، فخفنا أن تكون منها وخفنا أن لا تكون منها، فمن ثم قرنا بينهما.

стр. 3

ولم نكتب سطر (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) . يونس مكية، هود مكية، ويوسف مكية، والرعد مكية، وإبراهيم مكية ما خلا آيتين منها، فإنهما نزلتا بالمدينة في قتلى بدر من المشركين، وهما: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا) [٢٨] إلى تمام الآيتين، الحجر مكية، والنحل مكية، ما خلا ثلاث آيات من آخرها، فإنها نزلت بين مكة والمدينة في منصرف رسول الله ﷺ وقد قتل حمزة ﵁، ومثل المشركون به، قال النبي ﷺ لئِنْ أظفرنا الله بهم لنُمثلنَّ بهم مُثلاً لم تمثل بأحدٍ من العرب. فأنزل الله تعالي بين مكة والمدينة: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) [١٢٦] إلى آخر السورة، وما نزل بين مكة والمدينة فهو مدني، وسورة بني إسرائيل مكية، والكهف مكية، ومريم مكية، وطه مكية، والأنبياء مكية، والحج مكية، ما خلا ثلاث آيات منها، فأنها نزلت بالمدينة في ستة نفرٍ: ثلاثة منهم مؤمنون وثلاثة

стр. 4

كافرون فأما المؤمنون: فعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وحمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب ﵁ وأما الكافرون فعتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد ين عتبة. فأنزل الله بالمدينة: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) [الحج: ١٩] إلى تمام الثلاث آيات. سورة المؤمنين مكية، والنور مدنية، والفرقان مكية، والشعراء مكية ما خلا خمس آيات من آخرها، فإنها نزلت بالمدينة، وهي قوله : (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) [٢٢٤ - ٢٢٧] يعني حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة. هؤلاء شعراء رسول الله ﷺ , إلى آخر السورة، والنمل مكية، والقصص مكية، والعنكبوت مكية، والروم مكية، ولقمان مكية ما خلا ثلاث آيات منها،

стр. 5

فإنها نزلت بالمدينة، وذلك أنه لما قدم رسول الله ﷺ المدينة أتته أخبار اليهود، فقالوا: يا محمد بلغنا أنك تقول: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء: ٨٥] أفعنيتنا أم عنيت قومك؟ فقال ﷺ : عنيت الجميع، فقالوا: يا محمد أما تعلم أن الله جل وعز أنزل التوراة على موسى بن عمران ﵇ والتوراة فيها أنباء كل شيء، وخلفها موسى فينا ومعنا؟ ، قال النبي صلي الله عليه [وسلم] لليهود التوراة وما فيها من الأنباء قليل في علم الله فأنزل الله تعالى في المدينة: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ) [لقمان: ٢٧] إلى تمام الآيات الثلاث. وآلم السجدة مكية، ما خلا ثلاث آيات منها، فإنها نزلت بالمدينة في علي بن أبي طالب ﵁ والوليد بن عقبة بن أبي معيط، وذلك أنه شجر بينهما كلام، قال الوليد لعلي بن أبي طالب ﵁: أنا أدرب منك لساناً، وأحد سناناً، وأرد للكتيبة، فقال له علي ﵁ اسكت، فإنك فاسق: فأنزل الله تعالى بالمدينة: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ) [١٨] إلى تمام الآيات. الأحزاب مدنية، سبأ مكية، فاطر مكية، يس مكية، والصافات مكية، ص مكية، والزمر مكية، ما خلا ثلاث آيات منها، فإنها نزلت بالمدينة في وحشي قاتل حمزة ﵁ وذلك أنه أسلم ودخل المدينة، فكان يثقل على رسول الله ﷺ النظر إليه فتوهم أن الله لم يقبل إسلامه، فأنزل الله بالمدينة: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) [٥٣]

стр. 6

إلي تمام الثلاث آيات، والحواميم السبع كلهن مكيات، وسورة محمد ﷺ مدنية، وسورة الفتح مدنية، والحجرات مدنية، وق مكية، والذاريات مكية، والطور مكية، والنجم مكية، والقمر مكية، والرحمن مكية، والواقعة مكية، وسورة الحديد مدنية، وسورة المجادلة مدنية، وسورة الحشر مدنية، وسورة الممتحنة مدنية، وسورة الصف مدنية، والجمعة مدنية، والمنافقون مدنية، والتغابن مكية، ما خلا ثلاث آيات من آخرها، فإنها نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، وذلك أنه شكا إلى رسول الله ﷺ جفاء أهله وولده به، فأنزل الله بالمدنية: (يَا أَيُّهَا

стр. 7

الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) [التغابن: ١٤] إلى آخر السورة. الطلاق مدنية، التحريم مدنية، الملك مكية، والقلم مكية، والحاقة مكية، وسأل سائل مكية، نوح مكية، سورة الجن مكية، المزمل مكية ما خلا آيتين منها، فإنهما نزلتا بالمدينة: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ) [٢٠] إلى تمام الآيتين. ثم الفرقان بعد ذلك كله مكي إلى أن يبلغ: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) [القدر: ١] فإنها مدنية، لم يكن مدنية، إذا زلزلت مكية، والعاديات مكية، القارعة مكية، والتكاثر مكية، والعصر مكية، الهمزة مكية، الفيل مكية،

стр. 8

لإيلاف قريش مكية، وقبل هما سورة واحدة، أرأيت مكية، والكوثر مكية، الكافرون مكية، النصر مكية، تبت يدا أبي لهب مكية، الإخلاص مكية، الفلق مدنية، الناس مدنية. (ومن سورة الفاتحة) البسملة: روى السُّدي عن أبي مالك عن ابن عباس في قوله : (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ

стр. 9

الرَّحِيمِ) الباء: بهاءُ الله، السين: سناءُ الله، والميمُ: مُلك الله: والله: الذي يأله إليه خلقهُ، والرَّحمن: قال المترحم على خلقه: الرحيم بعباده فيما ابتدأهم به من كرامته. ويروى عنه أيضاً، أنه قال: الرحمن الرحيم اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الأخر، وقيل: في الجمع بينهما أن الرحمن أشد مبالغة، والرحيم أخص منه. فالرحمن لجميع الخلق، والرحيم للمؤمنين خاصة، قال محمد بن يزيد: هو تفضل بعد تفضل، وإنعام بعد إنعام، ووعد لا يخيب آمله. وأصل الرحمة رقة في القلب، والله تعالى لا يوصف بذلك، إلا أن معنى الرقة يؤول إلى الرضا؛ لأن من رحمته فقد رضيت عنه. وإذا احتملت الكلمة معنيين: أحدهما يجوز عن الله، والآخر لا يجوز عليه، عدل إلى ما يجوز عليه. ومثل ذلك همزة الاستفهام تأتي في غالب الأمر على جهل من المستفهم، فإذا جاءت من الله كانت تقريراً وتوبيخاً: نحو: (أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) [يونس: ٥٩] ، قال مقاتل بن سليمان في الاستفتاح: من حساب الجمل سبعمائة وسبع وثمانون سنة من مدة هذه الأمة. قال الخليل: (بسم الله) افتتاح إيمان ويمن، وحمد عاقبة، ورحمة وبركة وثناء وتقرب إلى الله ، ورغبة فيما عنده، واستعانة ومحبة له، علم الله نبينا محمد ﷺ -

стр. 10

فقال: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) [العلق: ١] ، وقال: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) [الحاقة: ٥٢] وقال نوح ﵇: (بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) [هود: ٤١] ليجعلها سنة لأمته في افتتاح الذبائح والطعام والشراب والكلام، وأن يذكرونه عند كل حركة وسكون، وإذا قاله العبد يسر الله تعالى ما بين يديه من السماء إلى الأرض وثبته وحرسه من وسواس الشيطان، واعتراض المعترضين وفساد المفسدين وكيد الحاسدين، وهي تحية من الله خص بها نبيه، وجعله باللسان العربي ما لم يكن لسائر الأمم، إلا ما كان من سليمان، فلما وردت على العرب اضطروا إلى قبولها وتدوينها والإقرار بفضلها ولفظوا بها عند وجوب الشكر وطلب الصبر. قال غير الخليل: هو أدب من آداب الدين، ومدح لله تعالى وتعظيم وشعار للمسلمين، وتبرك للمستأنف، وإقرار بالعبودية، واعتراف بالنعمة، واستعانة بالله وعبادة له، مع ما فيه من حسن العبارة، ووضوح الدلالة، والإفصاح والبيان لما يستحقه الله من الأوصاف. وفيه من البلاغة والاختصار، في موضعه بالحذف على شرائطه. إذ موضوع هذه الكلمة على كثرة التكرير، وطول الترديد، وفيه الاستغناء بالحال الدالة على العبارة عن ذكر أبداً، لأن الحال بمنزلة الناطقة بذلك، وفيه من البلاغة تقديم الوصف بالرحمن تشبيهاً بالأسماء الأعلام. مسألة: ومما يسأل عنه من الإعراب أن يقال: ما موضع الباء من (بسم الله) ؟ والجواب: أن العلماء اختلفوا في ذلك، فذهب عامة البصريين إلى أن موضع الباء رفع على تقدير مبتدأ محذوف تمثيله: ابتدائي بسم الله، فالباء على هذه متعلقة بالخبر المحذوف الذي قامت مقامه تقديره: ابتدائي كائن أو ثابت أو ما أشبه ذلك بسم الله، ثم حذفت هذا الخبر، وكان فيه ضمير فأفضى إلى موضع الباء، وهذا بمنزلة قولك: زيد في

стр. 11

الدار، ولا يجوز أن يتعلق الباء بابتدائي المضمر؛ لأنه مصدر، وإذا تعلقت به صار من صلته، وبقي المبتدأ بلا خبر. وذهب عامة الكوفيين وبعض البصريين إلى أن موضع الباء نصب على إضمار فعل، واختلفوا في تقديره، فذهب الجمهور منهم إلى أنه يضمر فعلاً يشبه الفعل الذي يريد أن يأخذ فيه، كأنه إذا أراد الكتابة أضمر: أكتب، وإذا أراد القراءة أضمر: أقرأ، وإذا أراد الأكل والشرب أضمن: آكل وأشرب. ومما يسأل عنه أن يقال: لم جرت الباء؟ والجواب: أنها لا معنى لها إلا في أسماء، فعملت الإعراب الذي لا يكون إلا في الأسماء وهو الجر. ويقال: لم حركت وأصلها السكون؟ والجواب: أن يقال: حركت للابتداء بها؛ لأنه لا يصح أن يبتدأ بساكن؛ لأن اللسان يجفو عنه. ويقال: فلم اختير لها الكسر؟ والجواب: أن أبا عمر الجرمي قال: كسرت تشبيهاً بعملها، وذلك أن عملها الجر وعلامة الجر الكسرة، فأعترض عليه بعد موته بأن قيل: الكاف تجر، وهي مع ذلك مفتوحة، فأنفك أصحابه من هذا الاعتراض بأن قالوا: أرادوا أن يفرقوا بين ما يجر ولا يكون إلا حرفاً نحو الباء واللام، وبين ما يجر، وقد يكون اسماً نحو الكاف: وأما أبو علي فحكى عنه الربعي أنهم لو فتحوا أو ضموا الكاف لكان جائراً؛ لأن الغرض

стр. 12

التوصل إلى الابتداء، فبأي حركة توصل إليه جاز، وبعض العرب يفتح هذه الباء وهي لغة ضعيفة. مسألة: ومما يسأل عنه أن يقال: ما وزن (اسم) وما اشتقاقه؟ والجواب: أنه قد أختلف فيه، فذهب البصريون إلى أنه من (السَُمُو) ، لأنه سما من مسماه، فبينه وأوضح معناه. وذهب الكوفيون إلى أنه من (السَّمَةِ) ، لأن صاحبه يُعرفُ به. وقول البصريين أقوى في التصريف، وقول الكوفيين أقوى في المعنى. فمما يدل على صحة قول البصريين قولهم في التصغير: (سُمَيُّ) ، وفي الجمع: (أَسْمَاءُ) وجمع الجمع: (أَسَامٍ) ، ولو كان على ما ذهب إليه الكوفيون، لقيل في تصغيره: (وسِيمُ) ، وفي جمعه: (أَوسُمُ) وفي امتناع العرب من ذلك دلالة على فساد ما ذهبوا إليه. وأيضاً فإنا لم نر ما حذفت فاؤه دخلت فيه همزة الوصل، وإنما تدخل فيه تاء التأنيث، نحو: عدة وزنة. وقد قيل: هو مقلوب جعلت الفاء مكان اللام، كأن الأصل: (وسم) ثم أخرت الواو وأعلت، كما قالوا: (طاد) ، والأصل: (واطد) قال القطامي: مَا اعتاد حُبُّ سُلَيمَى حينَ مُعتَادِ وَلا تَقَضَّى بَواقِي دَينِهَا الطَّادِي فوزنه على هذا (عالف) . وكذا قيل في (حادي عشر) : أنه مقلوب من واحد، ووزن اسم (إعل) أو (افع) والأصل: (سُمو، أو سمو) بإسكان الميم فأعل على غير قياس، وكان

стр. 13

الواجب أن لا يعل، لأن الواو والياء إذا سكن ما قبلهما صحتا، نحو: (صنو، وقنو، ونحي، وظبي) وما أشبة ذلك. وقيل: وزنه: (فعل) بضم الفاء، وقيل: (فعل) بكسرها، لقولهم: (سم، وسم) ولم يسمع (سم) بفتح السين. أنشد أبو زيد: بسم الذي في كل سورة سمة قد أخذت على طريق تعلمه يروى بضم السين وكسرها، ثم حذفت الواو على غير قياس، وكان يجب أن تقلب ألفاً كما فعل في نحو: (ربا، وعصا، وعرا) ، وما أشبه ذلك، لأن الواو والياء إذا تحركتا وأنفتح ما قبلهما قلبتا ألفا على كل حال، إلا أنهم أرادوا أن يفرقوا بين المتثبت وغير المتثبت فالمتثبت، نحو: أخ وأب، لأنك إذا ذكرت كل واحد منهما دل على نفسه وعلى معنى آخر. ألا ترى أنك إذا ذكرت أباً دلك على أب، وإذا أخاً دلك على أخ أو أخت. إلا أن هذا المحذوف أتى على ضربين: أحدها: لم يقع فيه عوض من المحذوف، نحو: أب وأخ. والثاني: عوض فيه من المحذوف همزة، نحو: اسم وابن، وهذه الأسماء التي دخلتها همزة الوصل مضارعة للفعل؛ لأنها مفتقرة إلى غيرها، فصارت: بمنزلة الفعل المفتقر إلى فاعله، وأصل هذه الهمزة أن يكون في الأفعال فلما ضارعت هذه الأسماء الأفعال أسكنوا أوائلها، وأدخلوا فيها همزات الوصل. وفي (اسم) خمس لغات. يقال: (اسم) بكسر الهمزة، و (اسم) بضمها في الابتداء و (سم) و (سم) و (سمى) بمنزلة هدى. هذه اللغة حكاها ابن الأعرابي. فأما ما أنشد أبو زيد من قول الشاعر.

стр. 14

لأحسنها وجهاً وأكرمها أباً وأسمحها نفساً وأعلنها سما فيجوز أن يكون (فعلاُ) مثل (هدى) ، وتكون الألف منقلبة عن لام الفعل، ويجوز أن تكون الألف ألف النصب التي تدخل في نحو قولك: رأيت زيداُ. وهذا الاحتمال على مذهب من ضم السين. فأما من كسرها، فالألف ألف النصب على كل حال. مسألة: ومما يسأل عنه أن يقال: مم أشتق قوله (الله) وما أصله؟ والجواب: أن فيه خلافاً. ذهب بعضهم إلى أنه من (الولهان) ، قيل: لأن القلوب تله إلى معرفته. وقيل: اشتقاقه من (أله، يأله) إذا تحير، كأن العقول تتحير فيه عند الفكرة فيه. قال الشاعر، وهو زهير: وبيداء قفر تأله العين وسطها مخفقة غبراء صرماء سملق وقال الفراء: هو من (لاه، يليه، ليها) إذا أستتر، كأنه قد أستتر عن خلقه. ويروي عن علي بن لأبي طالب ﵁ أنه قال: معناه المستور عن درك الأبصار، محتجب عن الأوهام والخطرات. وأنشدوا في ذلك: تاه العباد ولاه الله في حجب فالله محتجب سبحانه الله

стр. 15

وذهب الخليل وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن: إلى أنه اسم علم غير مشتق من شيء. والذي يذهب إليه المحققون: أنه من التأله، وهو: التعبد والتنسك، قال رؤبة: لله در الغانيات المده سبحن واسترجعن من تألهي أي: من تعبدي وتنسكي حكى أبو زيد: تأله الرجل يتأله: وهذا يحتمل عندنا أن يكون أشتق من اسم الله ، على حد قولك: استحجر الطين، واستنوق الجمل، فيكون المعنى أنه يفعل الأفعال المقربة إلى الله تعالى التي يستحق بها الثواب، ويحتمل أن يكون الاسم مشتقاً من هذا الفعل، نحو: تعبد، وتسمى الشمس: الإهة والإلاهه، روي لنا ذلك من قطرب، وأنشد. تروحنا من اللعباء قصراً وأعجلنا الالهه أن تغيبا

стр. 16

كأنهم سموها إلاهة على نحو تعظيمهم لها، وعبادتهم إياها، ولذلك نهاهم الله عن ذلك، وأمرهم بالتوجه في العبادة إليه دون خلقه، فقال الله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) [فصلت: ٣٧] ، ويدل على هذا ما حكاه أحمد بن يحيي: أنهم يسمونها (إلهة) غير مصروفة. فدل ذلك على أن هذا الاسم منقول إذا كان مخصوصاً، وأكثر الأسماء المختصة الأعلام منقول، نحو: زيد وعمرو. وقرأ ابن عباس: (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ) [الأعراف: ١٢٧] أي: وعبادتك، وكان يقول: كان فرعون يُعبَدُ ولا يَعْبُدُ، وأما قراءة الجماعة: (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ) ، فهو جمع إله، كإزار وآزرة، وإناء وآنية. والمعنى على هذا: أنه كان لفرعون أصنام يعبدها شيعته وأتباعه، فلما دعاهم موسى ﵇ إلى التوحيد حضوا فرعون عليه وعلى قومه، وأغروه بهم. ويقوي هذه القراءة، قوله تعالى: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ) [الأعراف: ١٣٨] . وأما الأصل في قولنا: (الله) فقد اختلف قول سيبويه في ذلك؛ فقال مرة: الأصل: (إله) ، ففاء الكلمة على هذا همزة، وعينها لام، والألف ألف فعال زائدة واللام هاء. وقال مرة: الأصل (لاه) ، فوزنه على هذا (فعل) ، ولكل من هذين القولين وجه. وإذا قدرته على الوجه الأول فالأصل (إله) ، ثم حذفت الهمزة حذفاً لا على طريق التخفيف القياسي في قولك: الخب وضوء في ضوء، فإن قال قائل: فلم قدرتموه هذا التقدير، وهلا حملتموه على التخفيف القياسي إذا كان تقدير ذلك سائغاُ غير ممتنع،

стр. 17

والحمل على القياس أولى من الحمل على الحذف الذي ليس بقياس؟ قيل له: إن ذلك لا يخلو من أن يكون على الحذف الذي ذكرناه وهو مذهب سبيويه، أو على الحذف القياسي وهو مذهب الفراء، وذلك أن الهمزة...... (ومن سورة البقرة) فصل: (إذا) في الكلام على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون ظرفاً زمانياً، وفيها معنى الشرط، ولا يعمل فيها إلا جوابها، نحو ما في هذه الآية من قوله تعالى: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا) [البقرة: ١٤] فالعامل في إذا (قَالُوا) ، لأنه الجواب، ولا يجوز أن يعمل فيها (لَقُوا) ، لأنها في التقدير مضافة إلى (لَقُوا) ولا يعمل المضاف إليه في المضاف. وكذا: (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) [البقرة: ١٤] . والثاني: أن يكون ظرفاً مكانياً، نحو قولك: خرجت فإذا الناس وقوف. ويجوز أن تنصب وقوفاً على الحال، لأن (إذا) ظرف مكان، وظرف المكان يكون إخباراً عن الجثث. وهذه المسألة التي وقع الخلاف فيها بين سيبويه والكسائي لما اجتمعا عند يحيي ابن خالد بن برمك.

стр. 18

حدثنا أبو الحسن الحوفي بمصر عن أبي يكر بن الأذفوي عن أبي جعفر أحمد بن محمد النحاس عن علي بن سليمان، ثنا أحمد بن يحيي ومحمد بن يزيد، قالا: لما ورد سيبوبه بغداد شق أمره على الكسائي فأتى جعفر بن يحيي والفضل بن يحيي، فقال: أنا وليكما وصاحبكما وهذا الرجل قد قدم ليذهب بمحلي، فقالا له: فاحتل لنفسك فإنا سنجمع بينكما، فجمعا بينهما عند أبيهما، وحضر سيبويه وحده، وحضر الكسائي ومعه الفراء وعلي الأحمر وغيرهما من أصحابه، فسألوه: كيف تقول أظن العقرب أشد لسعة من الزنبور، أو فإذا هو إياها؟ قال: أقول فإذا فإذا هو هي. فأقبل عليه الجميع، فقالوا: أخطأت ولحنت، فقال يحيى: هذا موضع مشكل، أنتما إماما مصريكما، فمن يحكم بينكما؟ فقال الكسائي وأصحابه: الأعراب الذين على الباب، فأدخل أبو الجراح ومن وجد معه ممن كان الكسائي وأصحابه يحملون عنهم، فقالوا: نقول: (فإذا هو إياها) وانصرف المجلس على أن سيبويه قد أخطأ، وحكموا عليه بذلك، فأعطاه البرامكة وأخذوا له من الرشيد، وبعثوا به إلى بلده، فما لبث بعد هذا إلا يسيراً حتى مات. ويقال إنه مات كمداً.

стр. 19

قال علي بن سليمان: وأصحاب سيبويه إلى هذه الغاية لا اختلاف بينهم يقولون: إن الجواب على ما قال سيبوبه: فإذا هو هي: وهذا موضع الرفع، وهو كما قال علي بن سليمان، وذلك أن النصب إنما يكون هو الحال، نحو قولك: خرجت فإذا الناس وقوفاً، وجاز النصب ها هنا، لأن (وقوفاً) نكرة، والحال لا تكون إلا نكرة، فإذا أضمرت بطل أمر الحال، لأن المضمر معرفة، والمعرفة لا تكون حالاً فوجب العدول عن النصب إلى الرفع نحو ما أفتى به سيبويه من أنه يقول: فإذا هو هي، كما تقول: فإذا الناس وقوف. والوجه الثالث: أن يكون جواباً للشرط، نحو قوله تعالى: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ) [الروم: ٣٦] . و (نَحْنُ) مبتدأ، و (مُسْتَهْزءُونَ) الخبر، وموضع الجملة نصب لـ (قَالُوا) ، كما تقول: قلت حقاُ أو باطلاً، و (نَحُنُ) مبنية لمشابهتها الحروف، وفي بنائها على الضمة، أوجه: أحدها: أنها من ضمائر الرفع، والضمة علامة الرفع. والثاني: أنها ضمير الجمع، والضمة بعض الواو، والواو تكون علامة للجمع، نحو: قاموا ويقومون. وقال الكسائي: الأصل (نحن) بضم الحاء، فنقلت الضمة إلى النون. وهذا القول ليس عليه دلالة تعضده. وقال الفراء. بنيت (نحن) على الضم، لأنها تقع على الاثنين والجماعة فقووها بالضمة لدلالتها على معنيين، و (يَعْمَهُونَ) [البقرة: ١٥] في موضع نصب على الحال والعامل فيه (يَمُدُّهُمْ) [البقرة: ١٥] . * * * قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] ، والمثل والمثل والمثيل بمعنى واحد، كما يقال: شبه وشبه وشبيه،

стр. 20

والاستيقاد استفعال من الوقود، والوقود بالضم مصدر وقدت النار وقوداً، والوقود بالفتح الحطب، والنار معروفة، وألفها منقلبة عن واو، وأصل منافع النار خمسة: الاستضاءة بها، والإنضاج والاصطلاء والتحليل والزجر. والإضاءة: أصله الوضوح. يقال: ضاءت النار، وأضاءت لغتان، ويقال: جلسوا حوله وحوليه تثنية حول، وحواليه: تثنية حوال وأحواله، وهو جمع. قال امرؤ القيس: ألست ترى السمار والناس أحوالي والذهاب بالشيء كالمرور به، والظلمة معروفة ونقيضها الضياء. والمعنى في الآية أن مثل المنافقين مثل قوم كانوا في ظلمة فأوقدوا ناراً، فلما أضاءت النار ما حولها أطفأها الله وتركهم في ظلمات لا يبصرون، فالظلمة الأولى التي كانوا فيها الكفر، واستيقادهم النار قولهم: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ، فلما أضاءت لهم ما حولهم واهتدوا، خلو إلى شياطينهم، فنافقوا وقالوا إنما نحن مستهزؤون، فسلبهم الله نور الإيمان وتركهم في ظلمات الكفر لا يبصرون. ثم ضرب لهم مثلاً آخر شبيهاُ بهذا، فقال: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ) [البقرة: ١٩] ، والصيب: المطر، والظلمة: ظلمة الليل، وظلمة السحاب، والرعد دليل على شدة ظلمة الصيب وهوله. أراد: أو مثل قوم في ظلمات ليل ومطر، فضرب الظلمات لكفرهم مثلاً، والبرق لتوحيدهم مثلاً. (أَوْ) ها هنا الإباحة، أي: إن شبهتهم بالمثل الأول كنت مصيباً، وإن شبهتهم بالمثلين فكذلك أيضاً.

стр. 21

فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: كيف شبه المنافقين وهم جماعة بالذي استوقد ناراً وهو واحد؟ وفي هذا ثلاثة أجوبة: أحدها: أن يكون (الذي) في معنى الجميع كما قال تعالى: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [الزمر: ٣٣] وكما قال الشاعر: وإن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد والثاني: أن تجعل النون محذوفة من الذي، والأصل عنده (الذين) كما حذفها الأخطل في التثنية وذلك قوله: أبني كليب إن عمى اللذا قتلا الملوك وفككا الأغلالا ومنهم من أنكر ذلك في الآية وحمله على أن (الذي) اسم مبهم كـ (من) يصلح أن يقع للجميع ويصلح أن يقع للواحد كما قال: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ) [الأنعام: ٢٥] وقال في موضع آخر: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ) [يونس: ٤٢] فأخرج الأول على اللفظ، والثاني على المعنى وهذا وجه حسن، وقد ذكر أن (الذي) يأتي في معنى (الذين) الأخفش وغيره، فهذان وجهان: الأول منهما على حذف النون، والثاني على أنه اسم مبهم يقع للواحد والجمع. والثالث: أن يكون الكلام على حذف كأنه قال: مثلهم كمثل أتباع الذي أستوقد ناراً ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه قال الجعدي: فكيف تواصل من أصبحت خلالته كأبي مرحب

стр. 22

يريد: كخلالة أبي مرحب. فصل: قوله: (مَثَلُهُمْ) مبتدأ، و (كَمَثَلِ الَّذِي) الخبر، والكاف زائدة، والتقدير: مثلهم مثل الذي أستوقد ناراً، ومثل زيادة الكاف هاهنا قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى: ١١] والمعنى ليس مثله شيء، ولا يجوز أن تكون الكاف غير زائدة، لأنه يصير شركاً، وذلك أنك كنت تثبت لله مثلاً، ثم تنفي الشبه عن ذلك المثل، ويصير التقدير: ليس مثل مثله شيء، وهذا كما تراه، فأما قول محمد بن جرير أن (مثلاً) بمعنى: ذات الشيء، كأنه قال: ليس كهو شيء، فبيس بشيء، لأنه يرجع إلى ما منعنا منه أولاً من إثبات المثل، ومثل زيادة الكاف ما أنشده سيبويه لخطام المجاشعي: وصاليات ككما يؤثفين وهذا قبيح لإدخال الكاف على الكاف، والآية إنما فيها إدخال الكاف على مثل، وهذا حسن، وقد أدخلوا (مثلاً) على الكاف، وقال الراجز: فأصبحوا مثل كعصف مأكول و (اسْتَوْقَدَ نَارًا) وما أتصل به من صلة (الذي) ، والعائد على (الذي) المضمر الذي في: (اسْتَوْقَدَ) . وتقريبه على المبتدئ، أن يقال له: كأنك قلت: الذي أستوقد هو ناراً. و (لما) في الكلام على ثلاثة أوجه. أحدها: أن تدل على وقوع الشيء لوقوع غيره، وهذه محتاجة إلى جواب نحو قولك: لما قام زيد قمت معه، والتي في الآية من هذا الباب، فإن قيل: فأين الجواب؟ قيل: محذوف تقديره: فلما أضاءت ما حوله طفئت، ومثله قوله تعالى: (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ)

стр. 23

لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا) [الصافات: ١٠٣ - ١٠٥] قال: فاز أو ظفر، والعرب تحذف للإيجاز قال أبو ذؤيب: عصاني إليها القلب إني لأمره مطيع فما أدري أرشد طلابها يريد: أرشد أم غي، ثم حذف. والوجه الثاني: أن تكون بمعنى (إلا) حكى سيبويه. نشدتك الله لما فعلت، أي: إلا فعلت وعليه تأولوا قوله تعالى: (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ) في قراءة من شدد الميم. والثالث: أن تكون جازمة نحو قوله تعالى: (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ) [آل عمران: ١٤٢] ، وهي (لم) زيدت عليها (ما) وهي جواب من قال: قد فعل، فتقول أنت: لما يفعل، فإن قال: فعل، قلت: لم يفعل. و (ما) في موضع نصب، لأنها مفعول (أَضَاءَتْ) ، و (ذَهَبَ) فعل ماض مستأنف، والياء من (بِنُورِهِمْ) يتعلق بذهب، وأما (في) فتعلق بـ: (تَرَكَهُمْ) ، وقوله: (لَا يُبْصِرُونَ) في موضع نصب على الحال والعامل فيه (تَرَكَهُمْ) أي: تركهم غير مبصرون. * * * قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) [البقرة: ٢٦] . الاستحياء: من الحياء ونقيضه القحة، وفي الحديث: (من كلام النبوة: إذا لم تستح فاصنع ما شئت) قال المازني: الناس يغلطون في هذا، يظنونه أمراً بالقحة، وليس كذلك وإنما معناه: إذا فعلت فعلاً لا يستحيا من مثله فاصنع منه ما شئت.

стр. 24

قال الخليل: الضرب يقع على جميع الأعمال إلا قليلاً، تقول: ضرب في التجارة، وضرب في الأرض، وضرب في سبيل الله، وضرب بيده إلى كذا، وضرب فلان على يد فلان إذا أفسد عليه أمراً أخذ فيه وأراده. وضرب الأمثال إنما هو جعلها لتسير في البلاد، يقال: ضربت القول مثلاً، وأرسلته مثلاً وما أشبه ذلك. والبعوض: القرقس، وهو هذا الذي يسميه العامة (البق) واحدة بعوضة، قال العجاج. وصرت عبداً للبعوض أخصفا وفوق: ظرف: وهو نقيض تحت. فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً) [البقرة: ٢٦] أنه جواب ما إذا؟ الجواب للعلماء فيه قولان: أحدهما: ما ذكر عن ابن عباس وابن مسعود ﵄ أن الله تعالى لما ضرب المثلين قيل هذه للمنافقين يعني قوله: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) [البقرة: ١٧] ، وقوله: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ) [البقرة: ١٩] قال المنافقون: الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال. فأنزل الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) [البقرة: ٢٦] إلى قوله (أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [البقرة: ٢٧] ، والمعنى على هذا: أن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً بالصغير والكبير إذا كان في ضربه بالصغير من الحكمة ما في ضربه بالكبير. ويروى عن الربيع بن أنس أن

стр. 25

البعوضة تحيا ما جاعت فإذا شبعت وسمنت ماتت، فكذلك القوم الذين ضرب الله لهم هذا المثل في القرآن إذا امتلأوا من الدنيا أخذهم الله عند ذلك ثم تلا: (حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) [الأنعام: ٤٤] والقول الثاني: يروى عن الحسن وقتادة وغيرهما من أهل العلم أنه لما ضرب الله المثل بالذباب والعنكبوت تكلم قوم من المشركين في ذلك وعابوا ذكره، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وذهب بعض أهل العلم إلى أن الاختيار التأويل الأول من قبل أنه متصل بذكر المثلين اللذين ضربهما الله للمنافقين في سورة البقرة، فكان لذلك أولى من أن يكون جواباً لما ذكر في سورة غيرها، إذ كان ذكر الذباب في سورة الحج وذكر العنكبوت في سورة العنكبوت، والأظهر في هذا أن يكون جواباً لما قيل في الذباب والعنكبوت لما فيهما من الاحتقار والضالة، فأخبر الله تعالى أنه لا عيب في ذلك. فصل: للعرب في يستحي لغتان: منهم من يقول: (يستحي) بياء واحدة، وبذلك قرأ ابن كثير في رواية شبل، ومنهم من يقول: (يستحي) بياءين، وبه قرأ الباقون، فوجه هذه القراءة: أنه الأصل. وجه القراءة الأخرى: أنه حذف استثقالاً لاجتماع الياءين، كما قالوا: لم أك، ولم أدر وما أشبه ذلك، والاختيار في القراءة إثبات الياءين، لأنه إذا اعتل لام

стр. 26

الفعل فلا ينبغي أن يعل العين لئلا يجتمع في الكلمة اعتلالان، لأن ذلك إخلال، ولأن أكثر القراء عليها، ولأنها لغة أهل الحجاز، والأخرى لغة بني تميم، وقال أبو النجم. أليس يستحي من الفرار وقال رؤية في الياء الواحدة: لا أستحي الفراء أن أميسا وفي (ما) ثلاثة أوجه: أحدها أن تكون صلة، كأنه قال: إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً بعوضة. والثاني: أن تكون نكرة مفسرة بالبعوضة كما تكون نكرة موصوفة في قولك: مررت بما معجب لك، أي: بشيء معجب لك. والثالث: أن تكون نكرة، وتكون (بَعُوضَةً) بدلاً منها. فأما (بَعُوضَةً) ففي نصبها ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون مفعولاً ثانياً ليضرب. والثاني: أن تكون معربة بتعريب (ما) كما قال حسان: فكفى بنا فضلاً على من غيرنا حب النبي محمد إيانا وحقيقة البدل. والثالث: يحكى عن الكوفيين زعموا أن النصب على إسقاط حرف الخفض، كأنه

стр. 27

قيل: ما بين بعوضة فما فوقها، وحكوا أن العرب تقول: (مطرنا ما زبالة فالثعلبية) ، (وله عشرون ما ناقة فجملاً) وأنكر المبرد هذين الوجهين. وأجود هذه الأوجه: الوجه الأول، وذلك أن (يضرب) لما صارت لضرب الأمثال صارت في معنى (جعل) ، فجاز أن تتعدى إلى مفعولين، وإذا كانت كذلك من جملة ما يدخل على المبتدأ والخبر، هذا أقيس ما يحمل عليه، وإنما اخترته لأنني وجدت في الكتاب العزيز ما يدل عليه، وذلك بأنني وجدت فيه قوله تعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ) [يونس: ٢٤] ، فمثل الحياة الدنيا: مبتدأ، وكماء: الخبر، كما تقول: إنما زيد كعمرو، ووجدت فيه (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ) [الكهف: ٤٥] فأنت ترى كيف دخلت (اضْرِبْ) على المبتدأ والخبر فصار هذا بمنزلة قولك: ظننت زيداً كعمرو. ويجوز الرفع في (بَعُوضَةً) من وجهين. أحدهما: أن تكون خبراً لمبتدأ محذوف يكون في صلة (ما) على أن تكون (ما) بمنزلة (الذي) ، فيكون التقدير: إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما هو بعوضة، أي: الذي هو بعوضة. والوجه الثاني: أن يكون على إضمار مبتدأ، لا يكون في صلة (ما) ولا تكون (ما) بمعنى (الذي) كأنه قال: إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما، قيل: ما هو؟ قيل: بعوضة، أي: هو بعوضة، كما تقول: مررت برجل زيد. وقد قيل: أن (ما) هاهنا يجوز أن تكون كافة للفعل، فيستأنف الكلام بعدها، وهو على معنى المفعول، قال الشاعر.

стр. 28

أعلاقة أم الوليد بعدما أفنان رأسك كالثغام المخلس واختلف في معنى (فوق) هاهنا فقيل: فما فوقها في الكبر، وقيل: فما فوقها في الصغر، وروي عن قتادة وابن جريح أن البعوضة أضعف خلق - يعني من الحيوان - ولذلك اختار بعض أهل العلم (فَمَا فَوْقَهَا) فما هو أكبر منها، واختار قوم فما فوقها في الصغر، لأن الغرض المطلوب هاهنا الصغر. * * * قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [البقرة: ٢٩] . أصل الخلق: التقدير. والأرض في الكلام على ثلاثة أوجه. الأرض المعروفة، والأرض قوائم الدابة، ومنه قول الشاعر. وأحمر كالديباج أما سماؤه فزيا وأما الأرض فمحول والأرض الرعدة، وفي كلام ابن عباس: أزلزلت الأرض أم بي أرض؟ وأصل الجمع: الضم ونقيضه الفرق. والسماء: كل ما علاك فأظلك، وهي في الكلام على خمسة أوجه.

стр. 29

السماء التي تظل الأرض، السماء السقف، والسماء السحاب، سمى بذلك لعلوه، والسماء المطر، لأنه نزل من السماء، والسماء المرعي، لأنه بالمطر يكون، قال الشاعر. إذا سقط السماء بأرض قوم وهبناه وإن كانوا غضابا والسبع: عدد المؤنث، والسبعة عدد المذكر، والسبع مشتق من ذلك، لأنه مضاعف القوى، كأنه قد ضوعف سبع مرات، ومن شأن العرب أن تبالغ بالسبعة والسبعين من العدد، نحو قوله تعالى (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً) [التوبة: ٨٠] ، والسبعة: تصرف في حلائل الأمور: فالأيام سبعة والسموات والأرض سبع وأعلام النجوم سبعة: زحل والمشترى وعطارد والمريخ والزهرة والشمس والقمر، والبحار سبعة، وأبواب جهنم سبعة في أشباه لذلك. ولفظه (كل) تستعمل للعموم مرة نحو قوله تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) [الرحمن: ٢٦] وقد يكون غير عموم نحو: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ) [الأحقاف: ٢٥] و (شيء) عبارة عن كل موجود، هذا مذهب الجماعة، وذهب قوم إلى أنه يقع على الموجود والمعدوم. والعليم: في معنى العالم، قال سيبويه: إذا أرادوا المبالغة عدلوا إلى (فعيل) نحو: عليم ورحيم. وجاء في التفسير عن ابن عباس أن معنى استوى إلى السماء صعد أمره، وقيل معناه: تحول فعله، كما تقول: كان الأمير يدبر أمر أهل الشام ثم أستوى إلى أهل الحجاز، أي: تحول فعله وتدبيره.

стр. 30

وروي عن الربيع بن أنس: أن استوى بمعنى ارتفع على جهة علو ملك وسلطان، لا علو انتقال وزوال، وفي هذا بعد؛ لأن الله تعالى لم يزل عالياً على كل شيء بمعنى الاقتدار عليه، وأكثر أهل العلم على أن المعنى عمد وقصد. فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: لم جاء: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ) على لفظ الجمع؟ وفي هذا جوابان: أحدهما: أن معنى السماء معنى الجمع وإن كان مخرجها مخرج الواحد؛ لأنها على طريقة الجنس كما يقال: أهلك الناس الدينار والدرهم. والجواب الثاني: أن السماء جمع، واحدها (سماوة) و (سماءة) وذكر قطرب ما لفظه لفظ الواحد ومعناه معنى الجمع فقال منه: (وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ) [التحريم: ٤] وقوله: (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي) [الشعراء: ٧٧] وقوله: (إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الشعراء: ١٦] ، قال الشاعر: ألا إن جيراني العشية رائح دعتهم دواع من هوى ومنادح وإذا كانت سماء جمع سماوة، وسماءة كانت بمزلة حمام وحمامة دجاج ودجاجة. فصل: ومما يسأل عنه: كيف اتصل قوله تعالى: (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) بقوله: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ) ؟

стр. 31

والجواب: أنه يتصل كما يتصل تفصيل الجملة بعضه ببعض؛ لأنه لما وصف نفسه تعالى بما يدل به على القدرة والاستيلاء وصل ذلك بوصفه بالعلم؛ إذ بهما يصح الفعل على جهة الإحكام والاتقان. ووجه آخر: وهو أنه دل على أنه عالم بجميع ما فعله وبما يؤول إليه حاله. فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: هل يوجب (ثُمَّ) في قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ) أن يكون خلق السماء بعد الأرض؟ قيل: لا يوجب من قبل أن قوله: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) إنما يدل على أنه جعلها سبعا بعد ما خلق الأرض، وقد كانت السماء مخلوقة كما قال أهل التفسير أنها كانت قبل دخانا، وقال الأخفش: هو كما تقول للصانع: اعمل هذا الثوب، وإنما معك غزل، وقد اعترض قوم من الجهال في هذا فقالوا: إذا كان قوله: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [فصلت: ٩] (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ) [فصلت: ١٠] إلى قوله: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ) [فصلت: ١١] إلى قوله: (طَائِعِينَ) [فصلت: ١١] موافقا لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ) [البقرة: ٢٩] في أنه يوجب أن خلق السماء بعد الأرض، ثم قال في موضع آخر: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا) [النازعات: ٢٧] ثم قال:، فأوجب هذا أن يكون خلق الأرض بعد السماء، فظنوا لجهلهم أن هذا متناقض، وهذا معناه بين؛ لأنه قال: دحاها أي بسطها، ولم يقل خلقها، وكانت قبل دحوها ربوة مجتمعة، ثم بسطها وأرساها بالجبال وأنبت فيها النبات، وأما علام يدل عليه قول ابن عباس ومجاهد في (بَعْدِ ذَلِكَ) فإنها تكون بمعنى (مع) . كأنه قال، والأرض مع ذلك دحاها.

стр. 32

قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) [البقرة: ٣٠] القول: موضوع في كلام العرب للحكاية، نحو قولك: قال زيد كذا وكذا، وقلت: خرج عمرو وما أشبه ذلك. والرب: السيد، يقال رب الدار ورب الفرس، ولا يقال الرب بالألف واللم إلا الله تعالى، وأصله من ربيته إذا قمت بأمره، ومنه قيل للعالم رباني؛ لأنه يقوم بأمر الأمة. والملائكة: جمع ملك: واختلف في اشتقاقه: فذهب الجمهور من العلماء إلى أنه من الألوكة وهي الرسالة، قال صاحب المعنى: الألوك الرسالة، وهي المالكة على (مفعلة) والمالكة على (مفعلةٌ) : قال غيره: إنما سميت الرسالة ألوكا: لأنها تولك في الفم، مشتقاً من قول العرب: الفرس يالك اللجام، أي: يمضغ الحديدة، قال عدي بن زيد: ئأبلغا النعمان عني مالكا أنه قد طال حبسي وانتظار ويروى مالكا. قال لبيد: وغلام أرسلته أمه بألوك فبذلنا ماسأل وقال عبد بني الحسحاس: ألكني إليها عمرك الله يا فتى بأية ما جاءت إلينا تهاديا وقال الهذلي:

стр. 33

ألكني إليها وخير الرسو ل أعلمهم بنواحي الخبر فالملائكة على هذا (معافلةٌ) ؛ لأنه مقلوب جمع ملاك في معنى مألك، قال الشاعر: فلست لانسي ولكن لملاك تنزل من جو السماء يصوب ووزن ملاك (معفلٌ) محول من مألك على وزن (مفعلٍ) ، فمن العرب من يستعمله مهموزاً والجمهور منهم على إلقاء حركة الهمزة على اللام وحذفها، فيقال ملكٌ، وبهذه اللغة جاء القرآن. وقال أبو عبيدة: أصله من لاك إذا أرسل، فملاك على هذا القول (مفعلٌ) ، ملائكة (مفاعلةٌ) ، ولا قلب في الكلام، و (الميم) في هذين الوجهين زائدة، وذهب ابن كيسان إلى أنه من الملك وأن وزن ملاك (فعالٌ) مثل: شمال، وملائكة (فعائلةٌ) ، فـ (الميم) على هذا القول أصلية، والهمزة زائدة. والجعل في الكلام على أربعة أوجه. أحدها: أن يكون بمعنى الخلق، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وجعل الظلمت.....﴾ [الأنعام: ١] . والثاني: أن يكون بمعنى التسمية نحو قوله تعالى: ﴿وجعلوا لله......﴾ [إبراهيم: ٣٠] أي سموا له. والثالث: أن يكون بمعنى عملت، نحو قولك: جعلت المتاع بعضه فوق بعضٍ. والرابع: أن يكون بمعنى طفق، نحو قولك: جعل يقوا كذا وكذا. والخليفة: الإمام، والخليفة من استخلف في أمر، وجمعه (خلائفُ) فأما الخلفاء فجمع (خليفٍ) ، مثل: كريم وكرماء. والإفساد: ضد الإصلاح.

стр. 34

وأصل السفك: صب الدم/ كذا قال صاحب العين، وقد يقال: سفك الكلام أي: نثره، ورجل سفاك الدماء سفالك الكلام، قال الشاعر. إذا ذكرت يوماً من الدهر على فرع ساقٍ أذرت الدمع سافكا واختلف في وزن (دمٍ) ؛ فقال بعضهم: دميٌ على وزن (فعل) واحتج بقول الشاعر. فلو أنا على حجرٍ ذبحنا جرى الدميان بالخبر اليقين وقيل: وزنه (فعلٌ) ، والأصل (دميٌ) وإنما الشاعر لما رد الياء في التثنية؛ لقلة الاسم حركةُ؛ يعلم أنه كان متحركاً قبل ذلك، ويقا للقطعة من الدم (دمةٌ) ، ذكره صاحب العين. والتسبيح: التنزية لله تعالى، يقال: سبح يسبح تسبيحاً. والسبوح: المستحق للتنزية والتعظيم. والقدوس: المستحق للتطهير، والتقديس: التطهير، وقد حكى سيبويه أن منهم من يقول: سبوح قدوس بالفتح، والضم أكثر في الكلام، والفتح أقيس؛ لأنه ليس في الكلام (فعولٌ) إلا سبوحاً وقدوسا (وذروحا) لواحد الذرايح، يقال ذرحرح حكاه سيبويه. و (سُبحان) اسم للمصدر، ومعناه التنزيه، قال الأعشى.

стр. 35

أقول لما جاءني فجره سبحان من علقمة الفاجر قال أبو العباس: أي براءة منه، قال وهو معرفة علم خاص لا ينصرف للتعريف والزيادة، وقد اضطر الشاعر فنونه، قال أمية. سبحانه ثم سبحانا يعود له وقبلنا سبح الجودي والجمد فصل: ومما يسأل عنه أن يقال ما (إذا) ؟ والجواب: أنها ظرف يدل على الزمان الماضي، فإن قيل: ما العامل فيها؟ قيل: فعل مضمر تقديره: أذكر إذ قال ربك للملائكة، فأما قول أبي عبيدة. إنها زائدة واحتجاجه على ذلك بقول الأسود بن يعفر: فإذا وذلك لا مهاة لذكره والدهر يعقب صالحاً بفساد فغلط من قبل أن معنى الأصل منه مفهوم، فلا يحكم بالزيادة وعنها مندوحة، وتأويل وإذا وذلك: فإذا ما نحن فيه وذلك افكأنه قال: فإذا هذا وذلك، فأشار إلى الحاضر والغائب. ولا يجب أن يقدم على القول بالزيادة في القرآن ما وجد عنها مندوحة.

стр. 36

فإن قيل: فما الذي يدل على العامل في (إذا) اذكر، وأنه محذوف؟ والجواب: أن فيه قولين: أحدهما: أن الأية التي قبلها تذكر بالنعمة والعبرة في قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . [البقرة: ٢٨] فكأنّه قيل اذكر النعمة في ذلك، واذكر إذ قال ربك للملائكة. والقول الثاني: أنه لما جرى خلق السموات والأرض، دل على ابتداء الخلق كأنَّه قال: وابتداءُ خلقكم إذ قال ربك للملائكة. وعلى الأول جمهور العلماء، والعرب تحذف إذا كان فيما بقى دليل على ما ألقي، قال النمر بن تولب: فإن المنية من يخشها فسوف تصادفه أينما يريد: أينما كان وأينما ذهب. فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: ما المراد بالخليفة؟ وفي هذا جوابان: أحدهما: أن المراد به آدم وذريته: جعلوا خلائف من الجن الذين كانوا يسكنزن الأرض. والقول الثاني: أن المراد بالخليفة أمم يخلف بعضهم بعضاً، كلما هلكت أمة خلفتها أخرى.

стр. 37

ويروى عن ابن عباس وابن مسعود ﵄ أن آدم ﵇، يكون خليفة لله تعالي؛ يحكم بالحق في أرضه، إلا أن الله تعالى أعلم الملائكة أن يكون من ذريته من يسفك الدماء ويفسد الأرض. ويسأل عن الألف من قوله: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] ؟ وقد اختلف فيها؛ فقال أبو عبيدة والزجاج: هي ألف إيجاب كما قال جرير: ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح هذا إيجاب وليس بلستفهام، وهذا القول غير مرضي، وإنما غلط من قال هذا من قبل أن الله تعالى قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] فلا يجوز أن يشكوا فيما أخبرهم الله تعالى فيستفهموا منه، فلهذا منعوا أن يكون استفهاماً. وليس يوجب الاستفهام الشك في أنه سيجعل، وإنكا يوجب الشك في أن حالهم يكون مع الجعل، وترك الجعل في الاستقامة والصلاح سواء. وأصل الألف للاستفهام، قال علي بن عيسى قال بعض أهل العلم: هو استفهام، كأنهم قالوا أتجعل فيها من يفسد. وهذا حالنا في التسبيح والتقديس، أم الأمر بخلاف ذلك، فجاء الجواب على طريق التعريض من غير تصريحٍ في قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] ، قال: وهذا الاختيار؛ لأن أصل الألف للاستفهام، فلا يعدل بها عنه إلا أن لا يصح التأويل عليه. سمعت أبا محمد مكي بن أبي طالب - بعض شيوخنا - يقول: الاستفهام فيه معنى الإنكار، ولا يجب أن تحمل الألف عليه، وكان

стр. 38

يسميها ألف التعجب؛ كأن الملائكة تعجبت من ذلك. وأمَّا أنا فأرى أنها ألف استرشاد، كأن الملائكة استرشدتِ الله وسألته: ما وجه المصلحة في ذلك؟. فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: من أين علمت الملائكة أنهم يفسدون في الأرض؟ ففي هذا جوابان: أحدهما: أن الله تعالى أعلمهم أنه يكون من ذرية هذا الخليفة من يفسد في الأرض ويسفك الماء، فاقتضى ذلك أن سألوا هذا السؤال، وهذا معنى قول ابن عباس وابن مسعود ﵄. والجواب الثاني: أن الجن كانوا في الأرض، فكفروا وأفسدوا وسفكوا الدماء فلما أخبرهم الله تعالى أنه جاعل في الأرض خليفة، أحبوا أن يعلموا هل سبيله في ذلك سبيل من كان فيها من الجن. وإلى القول الأول يذهب أهل النظر، فإن قيل: فليس في القرآن إخبار بذلك قيل: هو محذوف، اكتفى منه بدلالة الكلام؛ إذ كانت الملائكة لا تعلم الغيب. وقيل في قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] أنه ناب عن الجواب الذي هو (نعم) . وقيل معناه: إني أعلم من المصلحة والتدبير مالا تعلمون. وقيل معناه: إني أعلم مالا تعلمون من أن ذلك الخليفة يكون من ذريته أهل طاعةٍ وولايةٍ، وفيهم الأنبياء. وقيل: إني أعلم مالا تعلمون من إضمار إبليس المعصية وانطوائه عليها.

стр. 39

فصل: قد تقدم أن موضع (إذ) نصب على إضمار فعل و (الواو) عاطفة جملة ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] جملة في موضع نصب بـ: ﴿قَالَ﴾ ، قوله: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] إلي قوله: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ في موضع نصب بـ: ﴿قَالُواْ﴾ ، و (الواو) في قوله: ﴿وَنَحْنُ﴾ واو الحال، وتسمى: واو القطع وواو الاستئناف وواو الابتداء وواو (إذ) كذا كان يمثلها سيبويه، ومثلها الواو في قوله تعالى: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] أي إذ طائفة. كذا هاهنا؛ إذ نحن نسبح، والعامل في الحال هاهنا ﴿أَتَجْعَلُ﴾ كأنَّه قال: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء وهذه حالنا من التسبيح. و (الباء) من ﴿بِحَمْدِكَ﴾ يتعلق بـ: ﴿نُسَبِّحُ﴾ ، و (اللام) من ﴿لَكَ﴾ يتعلق بـ: ﴿نُقَدِّسُ﴾ ، قوله ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ في موضع نصب بـ: ﴿قَالَ﴾ الذي قبله. و (إن) تكسر في أربعة مواضع: بعد القول نحو ما في الآية، وبعد القسم وبعض العرب يفتحها بعد القسم والكسر أكثر، وفي الابتداء، وإذا كان في خبرها اللام. * * * قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] . أصل السجود: الخضوع، يقال سجد وأسجد إذا ذل وخضع قال الأعشى:

стр. 40

من يلق هوذَةَ يَسجُد غير مُتَّئبٍ إذا تعصَّبَ فوق التاجِ أوْ وَضَعَا وقال آخر: فكلتاهما خرت واسجد رأسها كما سجدت نصرانة لم تحنف ويقال في الجمع (سجد) ، قال الشاعر: بجمع تضل البلق في حجراته ترى الأكم فيها سجَّداً للحوافرِ أي مذللة، ويقال نساءٌ سجد، إذا كن فاترات الأعين، قال: والهوى إلى حور المدامع سجد. والإسجاد: الاطراق وإدامة النظر في فتور وسكونٍ، قال الشاعر: أغرك مني أن ذلك عندنا وإسجاد عينيك الصيودين رابح و (آدم) : أفعل من الأدمة وهي السمرة، وقيل: أخذ من أدمة الأرض. ومعنى أبى وامتنع واحد، والاستكبار والتكبر والتعظم والتجبر واحد، ونقيضه التواضع. فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: أكان إبليس من الملائكة حتى استُثنى منهم أم لا؟
следующие страницы →