القاعدة التاسعة والخمسون: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾
ما أعظمَ هذه القاعدةَ، وما أحكم هذا الأصلَ العظيمَ الذي نص الله نصاً صريحاً على عموم ذلك، وعدم تقيد هذا الهدى بحالة من الأحوال فكل حالة هي أقوم، في العقائد والأخلاق والأعمال والسياسات الكبار والصغار والصناعات والأعمال الدينية والدنيوية فإن القرآن يهدي إليها ويرشد إليها، ويأمر بها ويحث عليها.
معنى ﴿أَقْوَمُ﴾ ، أيْ أكرم وأنفس وأصلح وأكمل استقامة، وأعظم قياماً وصلاحاً للأمور.
فأما العقائد فإن عقائد القرآن هي العقائد النافعة التي فيها لصلاح القلوب وحياتها وكمالها، فإنها تملأ القلوب عزة وكرامة بشعورها بالتجرد من الذل لمخلوق مثلها، وشرفها بتخصصها لمحبة الله تعظيماً له وتألهاً وتعبداً وإنابة، وهذا المعنى هو الذي أوجد الله الخلق لأجله.
وأما أخلاقه التي يدعو إليها فإنه يدعو إلى التحلي بكل خلق جميل، من الصبر والحلم والعفو والأدب وحسن الخلق وجميع مكارم الأخلاق، ويحث عليها بكل طريق ويرشد إليها بكل وسيلة. وأما الأعمال الدينية التي يهدي إليها: فهي أحسن الأعمال التي قيها القيام بحقوق الله وحقوق العباد على أكمل الحالات وأجلها وأسهلها وأوصلها إلى المقاصد.
وأما السياسات الدينية والدنيوية: فهو يرشد إلى سلوك الطرق النافعة في تحصيل المقاصد والمصالح الكلية، وفي دفع المفاسد، ويأمر بالتشاور على ما لم تتضح مصلحته والعمل بما تقتضيه المصلحة في كل وقت بما يناسب ذلك الوقت
стр. 142
والحال. حتى في سياسة الوالد مع أولاده وزوجه وأهله وخادمه وأصحابه ومعامليه، فلا يمكن أنه وجد أو يوجد حالة يتفق العقلاء أنها أقوم وأصلح من غيرها، إلا القرآن يرشد إليها نصاً وظاهراً، أو دخولاً تحت قاعدة من قواعده الكلية.
وتفصيل هذا الأصل لا يمكن استيفاؤه في هذه القواعد الإجمالية، فكل التفاصيل الواردة في الكتاب والسنة، وما تقتضيه المصالح تفصيلاً لهذا الأصل المحيط.
وبهذا وغيره تبين لك أنه لا يمكن أن يرد علم صحيح أو معنى نافع أو طريق صلاح ينافي القرآن. والله ولي الإحسان.
стр. 143
القاعدة الستون: أنواع التعليم القصصي في القرآن
من قواعد التعليم التي أرشد الله إليها في كتابه، أن القصص المبسوطة يجملها في كلمات يسيرة ثم يبسطها، وأن الأمور المهمة ينتقل في تقريرها نفياً وإثباتاً من درجة إلى أعلى أو أنزل منها.
وهذه قاعدة نافعة، فإن هذا الأسلوب العجيب يصير له موقع كبير، وتتقرر فيه المطالب المهمة، وذلك أن القصة إذا أجملت بكلام يكون لها كالأصل والقاعدة، ثم يقع التفصيل لذلك الإجمال، يحصل به الإيضاح والبيان التام الكامل الذي يقع ما يقاربه لو فصلت القصة الطويلة من دون تقدم صورة إجمالية لها، فإن الصورة تشوق إلى التفصيل.
وقد ورد هذا في القرآن في مَواضع:
منها: في قصة يوسف ﵊: في قوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ ،
[يوسف: ٣] ، ثم أخذ في تفصيلها: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ ، [يوسف: ٧] ، ثم ساق القصة بتمامها.
وكذلك قصة أهل الكهف: قال في تصويرها الإجمالي: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً ﴿٩﴾ إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً ﴿١٠﴾ فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ﴿١١﴾ ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً﴾ [الكهف: ٩-١٢] ، فهذه الكلمات القليلة قد حوت مقصودها وزبدتها، ثم بسطها بقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقّ﴾ ، [الكهف: ١٣] ، الآيات إلى آخر القصة. وكذلك قصة موسى: قال: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ، ﴿القصص: ٣] ، إلى قوله: ﴿يَحْذَرُونَ﴾ ، [القصص: ٦] ، ث
стр. 144
م أتى بعد ذلك بالتفصيل.
وقال في قصة آدم: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ ، [طه: ١١٥] ، ثم أتى بعد ذلك بالقصة. وأما التنقل في التقرير الأشياء من أمر إلى ما هو أولى منه، فكثير.
منه: قوله تعالى في الإنكار على من جعل مع الله إلهاً آخر، وإبطال زعمه الكاذب الذي هو أساس الوثنية: أن هؤلاء الأولياء والآلهةأبناء الله؛ لأنهم النور الذي انبثق منه تجسدوا بشراً ثم عادوا إلى النورانية، فيقول: ﴿مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ﴾ ، [الكهف: ٥] ، فأبان أن قولهم هذا بلا علم ومن المعلوم: أنه كل قول بلا علم من الطرق الباطلة. ثم صرح بقبحه قولُه: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ ، [الكهف: ٥] ، ثم ذكر له مرتبة من البطلان أسفل: ﴿إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً﴾ ، [الكهف: ٥] ، وقال في حق المنكرين للعبث: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ ، [النمل: ٦٦] ، أيْ علمهم فيها علم ضعيف سافل إلى أحط الدركات، لا يعتمد عليه إلا سفيه ثم انتقل إلى ما هو ابلغ منه، فقال: ﴿بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ﴾ ، [النمل: ٦٦] ، والعمى آخر مراتب الحيرة والضلال.
وقال عن نوح في تقرير رسالته وإبطال قول من كذبه، وزعم أنه في ضلال مبين: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ ، [الأعراف: ٦١] ، ثم لما نفى الضلالة من كل وجه أثبت الهدى الكامل له، فقال: ﴿لَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ﴾ ، [الأعراف: ٦١] ، ثم انتقل إلى ما هو أعلى منه، وأن مادة هذا الهدى الذي جئت به من الوحي الذي هو أصل الهدى ومنبعه، فقال: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ، [الأعراف: ٦١] ، وكذلك هود ﵊،
стр. 145
وقال في تقرير رسالة أفضل الرسل وخاتمهم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ﴿١﴾ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ ، [النجم: ١-٢] ، فنفى عنه ما ينافي الهدى من كل وجه ثم قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ، [النجم: ٤] ، الآيات.
وهو في القرآن كثير جداً، كانتقاله من ذكر هبة الولد لزكريا على كبره وعقم زوجته، إلى ذكر مريم وعيسى، وكذلك أمر بالتوجيه إلى الكعبة بعد أن قرر في الآيات السابقة حرمتها وعظمتها، وهذا في القرآن كثير.
стр. 146
القاعدة الحادية والستون: معرفة الأوقات وضبطها حث الله عليه، حيث يترتب عليه حكم عام أو حكم خاص
وذلك أن الله رتب كثيرأ من الأحكام العامة والخاصة على مُدد وأزمنة تتوقف الأحكام عملاً وتنفيذاً على ضبط تلك المدة وإحصائها وتحديدها.
قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ ، [البقرة: ١٨٩] ،.
فقوله: ﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ ، يدخل فيه مواقيت الصلوات والصيام والزكاة والعقود وغيرها، وخص بالذكر الحج لكثرة مل يترتب عليه من الأوقات العامة والخاصة. وكذلك مواقيت للعدد والديون والإجارات وغيرها، قال تعالى لما ذكر العدة: ﴿وَأَحْصُوا العِدَّةَ﴾ ، [الطلاق: ١] ، وقوله في الصيام: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ، [البقرة: ١٨٤] ، وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ ، [البقرة: ٢٢٦] ، ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً﴾ ،
[النساء: ١٠٣] ، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً﴾ ، [الكهف: ١٢] ،. وذلك لمعرفة كمال قدرة الله في إفاقتهم، فلو استمروا على نومهم لم يحصل الاطلاع على شيء من ذلك من قصتهم، فمتى ترتب على ضبط الحساب وإحصاء المدة، مصلحة في الدين والدنيا، كان مما حث وأرشد إليه القرآن.
ويقارب هذا المعنى: قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ ،
[البقرة: ٢٥٩] ، الآية، وقوله: ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [الإسراء: ١٢] ، ونحوها من الآيات.
стр. 147
القاعدة الثانية والستون: الصبر أكبر عون على جميع الأمور، والإحاطة بالشيء علما وخبرا هو الذي يعين على الصبر
وهذه القاعدة عظيمة النفع قد دل القرآن عليها صريحا وظاهرا في أماكن كثيرة:
قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ ، [البقرة: ٤٥] ، أيْ: استعينوا على جميع المطالب، وفي جميع شئونكم بالصبر، فبالصبر يسهل على العبد القيام بالطاعات، وأداء حقوق الله وحقوق عباده، وبالصبر يسهل عليه ترك ماتهواه نفسه من المحرمات، فينهاها عن هواها حذر شقاها، وطلباً لرضى مولاها، وبالصبر تخف عليه الكريهات.
ولكن لهذا الصبر وسيلته وآلته التي ينبني عليها، ولا يتم وجوده إلا بها: وهي معرفة الشيء المصبور عليه، ومعرفة ما فيه من الفضائل وما يترتب عليه من الثمرات.
فمتى عرف العبد ما في الطاعات من زيادة الإيمان، وصلاح القلوب واستكمال الفضائل، وما تثمره من الخيرات والكرامات، وما في المحرمات من الضرر والرذائل وما توجبه من العقوبات المتنوعة، وعلم ما في أقدار الله من البركة وما لمن قام بوظيفته فيها من الأجور. إذا عرف ذلك هان عليه الصبر على جميع الشدائد.
وبهذا فضل العلم، وأنه أصل الفضائل كلها ولهذا يذكر الله تعالى كثيراً في كتابه أن المنحرفين في الأبواب الثلاثة ما انحرفوا إلا لقصور علمهم، وعدم إحاطتهم التامة بها.
وقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾ ، [فاطر: ٢٨] ،
стр. 148
وقال: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ ، [النساء: ١٧] ، ليس معناه: أنهم لا يعترفون أنها ذنوب وسوء، وإنما قصر عملهم وخبرتهم، بما توجبه الذنوب من العقوبات وأنواع المضرّات وزوال المانع.
وقال تعالى مبينا أنه متقرر أن الذي لا يعرف ما يحتوي عليه الشيء يتعذر عليه الصبر، فقال عن الخضر لما قال له موسى وطلب منه أن يتعين ليتعلم مما علمه الله قال: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ﴿٦٦﴾ قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴿٦٧﴾ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ ، [الكهف: ٦٦-٦٨] ، فعدم إحاطته به خبرا يمتنع معه الصبر، ولو تجلد ما تجلد فلابد أن يُعال صبره.
وقال تعالى مبيناً عظمة القرآن وما هو عليه من الجلالة والصدق الكامل: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ ، [يونس: ٣٩] ، فبين أن الأعداء المكذبين إنما كان تكذيبهم به لعدم إحاطتهم بما هو عليه، وأنهم لو أدركوه وأحاطوا به كما هو عليه، لألجأهم إلى التصديق والإذعان، فهم وإن كانت الحجة قد قامت عليهم ولكنهم لم يفقهوه الفقه الذي يطابق معناه، ولم يعرفوه حق معرفته، فقال في المعاندين الذين بان لهم علمه وخبروا صدقه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ ، [النمل: ١٤] ، وقال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ، [الأنعام: ٣٣] ، والمقصود أن الله تعالى أرشد العباد إلى الاستعانة على كل أمورهم بملازمة الصبر، وأرشدهم إلى تحصيل الصبر بالنظر إلى الأمور، ومعرفة حقائقها وفضائلها ورذائلها. والله أعلم.
стр. 149
القاعدة الثالثة والستون: العبرة بصدق الإيمان وصلاح الأعمال
يرشد القرآن إلى أن العبرة بحسن حال الإنسان وإيمانه الصحيح وعمله الصالح، وأن الاستدلال على ذلك بالدعاوى المجردة أوبإعطاء الله للعبد من الدنيا بالرياسات والأمور الدنيوية والتقاليد الموروثة: كل ذلك من طرق المنحرفين، والقرآن يكاد أن يكون أكثره تفصيلاً لهذا الأصل وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾ ، [سبأ: ٣٧] ، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ ﴿٨٩﴾ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨-٨٩] ،. وقد أكثر الله هذا المعنى في عدة مواضع. وأما حكاية المعنى الآخر عن المنحرفين فقال عن اليهود والنصارى:
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ، [البقرة: ١١١] ، ثم ذكر البرهان الذي من أقامه وأتى به فهو المستحق للجنة فقال:
﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ، [البقرة: ١١٢] ، وقال: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ ، [النساء: من الآية١٢٣] ، ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً﴾ [مريم: ٧٣] ،
﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ، [الزخرف: ٣١] ، ونحوها من الآيات التي يستدل بها الكفار على حسن حالهم، بتفوقهم في الأمور الدنيوية، والرياسات ويذمون المؤمنين مستدلين بنقصهم في هذه الأمور الدنيوية الزائفة، وهذا من أكبر مواضع الفتن؛ فإن الرياسات والأمور الدنيوية مشتركة بين الخليقة: بَرِّها وفاجرها.
стр. 150
القاعدة الرابعة والستون: الأمور العارضة التي لا قرار لها بسبب المزعجات أو الشبهات قد تَردُ على الحق وعلى الأمور اليقينية ولكن سرعان ما تضمحل وتزول
وهذه قاعدة شريفة جليلة قد وردت في عدة مواضع من القرآن، فمن لم يحكمها حصل له من الغلط في فهم بعض الآيات ما يوجب الخروج عن ظاهر النص، ومن عرف حكمة تعالى الله في ورودها على الحق الصريح: لأسباب مزعجة تدفعها أو لشبهة قوية تحدثها ثم بعد هذا إذا رجع إلى اليقين والحق الصريح، وتقابل الحق والباطل، ووقعت الخصومة بينهما، فغلب الحقُ الباطل، ودمغه فزهق الباطل وثبت الحقُ، حصلت العاقبة الحسنة، وزيادة الإيمان واليقين، فكان في ذلك التقدير حكمٌ بالغة، وأيادٍ سابغة.
ولنمثل لهذا بأمثلة:
فمنها: أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أكمل الخلق إيماناً ويقيناً، وتصديقاً بوعد الله ووعيده، وهذا أمر يجب على الأمم أن يعتقدوا في الرسل، من أنهم قد بلغوا الذروة فيه، وأنهم معصومون من ضده، ولكن ذكر الله في بعض الآيات أنه قد يعرض لهم بعض الأمور المزعجة ـ المنافية حساً لما علم يقينا ـ ما يوجب لهؤلاء الكمل أن يستبطئوا معه النصر، ويقولون: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ ، [البقرة: من الآية٢١٤] ، وقد يخطر في هذه الحالة على القلوب شيء من عوارض اليأس بحسب قوة الواردات وتأثيرها في القلوب، ثم في أسرع وقت تنجلي هذه الحال وتنفرج الأزمة ويأتي النصر من قريب ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ ، [البقرة: ٢١٤] ، فعندئذ يصير لنصر الله وصدق موعوده من الوقع والبشارة والآثار العجيبة أمر كبير، لا يحصل بدون هذه الحالة، ولهذا قال: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ
стр. 151
الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: من الآية١١٠] ، فلهذا الوارد الذي لا قرار له، وعندما حقت الحقائق اضمحل وتلاشى، لا ينكر ويطلب للآيات تأويلات مخالفة لظاهرها.
ومن هذا الباب بل من صريحه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ (١) [الحج: من الآية٥٢] ، أيْ يلقي من الشبه ما يعارض اليقين.
ثم ذكر الحكم المترتبة على الإلقاء ولكن نهاية الأمر وعاقبته أن الله يبطل ما يلقي الشيطان، ويحكم الله آياته، والله عليم حكيم، فقد أخبر الله بوقوع هذا الأمر لجميع الرسل والأنبياء، لهذه الحكم التي ذكرها، فمن أنكر وقوع ذلك بناء على أن الرسل لا ريب ولا شك أنهم معصومون، وظن أن هذا ينافي العصمة، فقد غلط أكبر غلط، ولو فهم أن الأمور العارضة لا تؤثر في الأمور الثابتة لم يقل إلا قولاً يخالف فيه الواقع ويخالف بعض الآيات ويطلب التأويلات المستبعدات.
ومن هذا ـ على أحد قولي المفسرين ـ قوله تعالى عن يونس: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ ،
[الأنبياء: ٨٧] ، وأنه ظنٌ عرضَ في الحال ثم زال، نظير الوساوس العارضة في أصل الإيمان التي يكرهها العبد حين ترد على قلبه، ولكن إيمانه ويقينه يزيلها ويذهبها ولهذا قال ﷺ عندما شكى إليه أصحابه هذه الحال التي أقلقتهم، مبشراً لهم: (الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة) (٢) ، وأخبرهم أن هذا صريح الإيمان.
ويشبه هذا: العوارض التي تعرض في إرادات الإيمان لقوة وارد من شهوة أو غضب، وأن المؤمن الكامل الإيمان قد يقع في قلبه همٌّ وإرادة، لفعل بعض المعاصي التي تنافي الواجب ثم يأتي برهان الإيمان، وقوة ما مع العبد من الإنابة التامة، فيدفع هذا العارض.
стр. 152
ومن هذا: قوله تعالى عن يوسف ﵊: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ ، [يوسف: ٢٤] ، وهو أنه لما رجع إلى ما معه من الإيمان ومراقبة الله وخوفه وخشيته ورجائه، دفع عنه هذا الهم وموجبه واضمحل، وصارت إرادته التامة فيما يرضي ربه. ولهذا فاز بمرتبة الصديقية؛ لقوة إخلاصه ويقظة إيمانه بآيات ربه، وانتصر بعد المعالجة الشديدة من النسوة التي لا يصبر عليها إلا سادات الخلق حتى دعا ربه أن يبعده عن مواطن الفتن، فقال: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ ، [يوسف: ٣٣] ، وكان كل من يتشبه به ويقف أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله (رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله) (١) .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ ،
[الأعراف: ٢٠١] ، يشمل الطائف الذي يعرض في أصل الإيمان أو الذي يعرض في إرادته، فإذا مسهم تذكروا ما يدعو إلى الإيمان وواجباته، من آيات الله وسننه وحكمته وأحكامه فأبصروا، فاندفعت الشبهات والشهوات فرجع الشيطان خاسئاً وهو حسير.
ولعل من هذا: قول لوط ﵊: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] ، وقول النبي ﷺ : (رحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد) (٢) يعني: وهو الله القوي العزيز، لكن غلب على لوط ﵇ في تلك الحالة الحرجة وملاحظة الأسباب العادية، فقال ما قال، مع علمه التام بقوة ذي العظمة والجلال.
стр. 153
القاعدة الخامسة والستون: قد أرشد القرآن إلى المنع من الأمر المباح إذا كان يفضي إلى ترك الواجب، أو فعل محرم
وهذه القاعدة وردت في القرآن في مواضع متعددة، وهي من قاعدة: الوسائل لها أحكام المقاصد (١) .
فمنها: قوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ،
[الأنعام: ١٠٨] ،. وقوله: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ ، [النور: ٣١] ،.
وقوله: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ ، [الأحزاب: ٣٢] ،.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ ، [الجمعة: ٩] ،.
فالأمور المباحة هي بحسب ما يتوسل بها إليه، فإن توسل بها إلى فعل واجب أو مسنون كانت مأموراً بها.
وإن توسل بها إلى فعل محرم أو ترك واجب، كانت محرمة منهياً عنها وإنما الأعمال بالنيات الابتدائية والغائية، والله الموفق.
стр. 154
القاعدة السادسة والستون: من قواعد القرآن أنه يستدل بالأقوال والأفعال على ما صدرت عنه من الأخلاق والصفات
وهذه قاعدة جليلة فإن أكثر الناس يُقْصر نطره على نفس اللفظ الدال على ذلك القول أو الفعل من دون أن يفكر في أصله وقاعدته التي أوجبت حضور ذلك الفعل والقول، والفطن اللبيب ينظر إلى الأمرين ويعرف أن هذا لازم لهذا، أو هذا ملزم لهذا. وقد تقدم ما يقارب هذا المعنى الجليل، ولكن لشدة الحاجة إليه أوردناه على أسلوب آخر، فمن ذلك أن قوله عن عباد الرحمن أنهم: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان: ٦٣] ، ذلك صادرعن وقارهم وسكينتهم وخشوعهم وعن حملهم الواسع وخلقهم الكامل وتنزيههم لأنفسهم عن مقابلة الجاهلين، ومثل قوله: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ١٧] ، يدل على ذلك حسن إدارة المُلْك وكمال السياسة وحسن النظام.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] ، يدل على حسن الخلق ونزاهة النفس عن الخلاق الرذيلة وعلى سعة عقولهم وقوة حملهم واحتمالهم ومثل الأخبار عن أهل الجاهلية في تقتيل أولادهم خشية الفقر أو من
стр. 155
الإملاق يدل على شدة هلعهم وسوء ظنونهم بربهم وعدم ثقتهم بكفايته، وكذلك قوله عن أعداء رسول الله: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص: ٥٧] ، يدل على ظنونهم بالله وأن الله لا ينصر دينه ولا يتم كلمته، وأمثلة هذا الأصل واضحة لكل صاحب فكرة حسنة.
стр. 156
القاعدة السابعة والستون: يرشد القرآن إلى الرجوع إلى الأمر المعلوم المحقق، للخروج من الشبهات والتوهمات
وهذه القاعدة جليلة يعبر عنها: بأن الموهوم لا يدفع المعلوم، وأن المجهول لا يعارض المحقق. ونحوها من العبارات.
وقد نبه الله عليها في مواضع كثيرة:
منها: لما أخبر عن الراسخين في العلم، وأن طريقتهم في المتشبهات: أنهم يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ، [آل عمران: ٧] ، فالأمور المحكمة المعلومة، يتعين أن يرد إليها كل أمر مشتبه مظنون. وقال تعالى في زجر المؤمنين عن مجاراة الشائعات التي يقولها أهل السوء في إخوانهم المؤمنين:
﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ ، [النور: ١٢] ، فأمرهم بالرجوع إلى ما عُلم من إيمان المؤمنين الذي يدفع السيئات، وأن يعتبروا هذا الأصل المعلوم، ولا يعتبروا كلام الخبيثين بما يناقضه، ويقدح فيه.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً﴾ ، [الأحزاب: ٦٩] ، فوجاهته عند الله تدفع عنه وتبرئه من كل عيب ونقص قاله من آذاه لأنه لا يكون وجيها عند ربه حتى يسلم من جميع المنقصات ويتحلى بجميع الكمالات اللائقة بأمثاله من أولي العزم. فيحذر الله هذه الأمة أن يسلكوا مسلك من آذى موسى مع وجاهته، فيؤذوا أعظم الرسل جاهاً عند الله، وأرفعهم مقاماً ودرجة، وأرأفهم بالمؤمنين وأكثرهم إحساناً إلى الخلق.
وقال تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ ، [يونس: ٣٢] ،
﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقّ﴾ ، [سبأ: من الآية٦] ،.
стр. 157
القاعدة الثامنة والستون: ذكر الأوصاف المتقابلات يغنى عن التصريح بالمفاضلة إذا كان الفرق معلوماً
وهذه القاعدة في القرآن كثير يذكرها في المقامات المهمة كالمقابلة بين الإيمان والكفر والتوحيد والشرك، وبين إلهية الحق وإلهية من سواه، ويذكر تباين الأوصاف التي يعرف العقلاء بالبداهة التفاوت بينها ويدع التصريح بالمفاضلة للعقلاء، قال تعالى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] ، ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٥٩﴾ ، أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [النمل: ٥٩-٦٠] ، والآيات التي بعدها: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾ [الزمر: ٢٩] ، ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾ [هود: ٢٤] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠] ، ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] ، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] ، وقال قبلها: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] ، فهذا الموضع ترك القسم الآخر كما ترك التصريح بالمفاضلة، لعلمه من المقام، فقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ﴾ ، إلخ يعنى كمن ليس كذلك، والآيات في هذا المعنى كثيرة، وهو من بلاغة القرآن وأسلوبه العجيب،
стр. 158
كقوله: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢] ، ولما ذكر أوصاف الرسول الداعي وما يدعو إليه وأعظم الناس معارضة له قال: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾
[سبأ: ٢٤] ، ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ﴿٥﴾ ، بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: ٥-٦] ،
﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] ، ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] ، وذلك أنه إذا ميزت الأشياء تمييزاً تاماً عرفت مراتبها في الخير والشر والكمال والنقص صار التصريح بعد ذلك أفضل لا معنى له، والله أعلم.
стр. 159
القاعدة التاسعة والستون: من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه
وهذه القاعدة وردت في القرآن في مواضع كثيرة.
فمنها: ما ذكره الله عن المهاجرين الأولين الذين هجروا أوطانهم وأموالهم وأحبابهم لله،
فعوضهم الله الرزق الواسع في الدنيا، والعز والتمكين.
وإبراهيم ﷺ لما اعتزل قومه وأباه، وما يدعون من دون الله، وهب له إسحاق ويعقوب والذرية الصالحين.
ويوسف ﵇ لما ملك نفسه من الوقوع مع امرأة العزيز، مع ما كانت تمنيه به من الحظوة وقوة النفوذ في قصر العزيز ورياسته وصبر على السجن وأحبه وطلبه ليبعده عن دائرة الفساد والفتنة عوضه الله أن مكن له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء، ويستمتع بما شاء مما أحل الله له من الأموال والنساء والسلطان.
وأهل الكهف لما اعتزلوا قومهم وما يعبدون من دون الله، نشر لهم من رحمته وهيأ لهم أسباب المرافق والراحة وجعلهم سبباً لهداية الضالين.
ومريم ابنة عمران لما أحصنت فرجها أكرمها الله ونفخ فيه من روحه وجعلها وابنها آية للعالمين. وسليمان ﵇ لما ألهته الخيل عن ذكر ربه فأتلفها، عوضه الله الريح تجري بأمره، والشياطين كل بناء وغواص.
ومن ترك ما تهواه نفسه من الشهوات لله تعالى عوضه الله من محبته وعبادته والإنابة إليه ما يفوق لذات الدنيا كلها.
стр. 160
القاعدة السبعون: القرآن كفيل بمقاومة جميع المفسدين ولا يعصم من جميع الشرور إلا التمسكُ بأصوله وفروعه وتنفيذ شرائعه وأحكامه
قد تقدم من الأدلة على هذا الأصل الكبير في دعوة القرآن إلى الإصلاح والصلاح، وفي طريقته في محاجة أهل الباطل، وفي سياسته الداخلية والخارجية ما يدل على هذا الأصل.
ويعرف الخلق أن العصمة من الشرور كلها لا طريق لها إلا التمسك بهذا القرآن وأصوله وعقائده وأخلاقه وآدابه وشرائعه.
ولكن نزيد هنا بعض التفصيلات، فنقول: أهل الشر والفساد نوعان؛
أحدهما المبطلون في عقائدهم وأديانهم ومذاهبهم الذين يدعون إليها، ففي القرآن من الاحتجاج على هؤلاء وإقامة الحجج والبراهين على فساد قولهم شيء كثير، لا يأتي مبطل يقول إلا وفي القرآن بيانه بالحق الواضح والبرهان الجلي، ففيه الرد على جميع المبطلين من الدهريين والماديين والمشركين والمتمسكين بالأديان المبدلة والمنسوخة من اليهود والنصارى والأميين
﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ ، [الفرقان: ٣٣] ، يذكر الله حجج هؤلاء ويرفضها ويبدي من الأساليب المتنوعة في إفسادها ما هو معروف، وتفصيل هذا بالجملة لا يحتمله هذا الموضع.
النوع الثاني: من المقومين للأديان والدنيا والسياسات والحقوق الشيوعيون الذين انتشر شرهم وتفاقم أمرهم وسرت دعايتهم في طبقات
стр. 161
الخلق سريان النار في العشب الهشيم ولم يكن عند الأكثرين ما يرد صولتهم ويقمع شرهم، وإنما عندهم من الأصول والعقائد والأخلاق والسياسات ما يمكن امثال هؤلاء الذين هم فساد العباد والبلاد، ولكن ـ ولله الحمد ـ القرآن العظيم والدين القويم قد تكفل بمقاومة هؤلاء كما تكفل بمقاومة غيرهم وفيه من الأصول والأخلاق والآداب الراقية ما يردهم على أعقابهم منهزمين. فما فيه من العدل ووجوب الحقوق العادلة بين طبقات الناس بحسب أحوالهم وما فيه من إيجاب الزكاة والإلزام بها، ودفع حاجات الفقراء والمساكين ووجوب القيام بالمصالح الكلية والجزئية ووجوب الملاك والحقوق، كل هذا أعظم صدق وأحسن حكم للوقاية من شرور هؤلاء المفسدين، وكذلك ما حَضَّ عليه القرآن من لزوم الآداب العالية والأخلاق السامية والأخوة الدينية والرابطة الإسلامية يمنع من تغلل شرورهم التي طريقها الأقوم تحليل الأخلاق وانحلال الآداب وتحلل الروابط النافعة والثورة العامة على الرأسماليين الذين يجمعون ويمنعون، فهؤلاء وإن أبدوا من القوة المادية والتسلط على العباد بالقهر والاستعباد والطمع والجشع فإنهم لا ثبوت لهم على مقاومة هذا التيار المزعج المخرب المدمر ما مر عليه، فما معهم من سلاح يقاوم سلاحهم، ولا قوة تجابه قوتهم، لكونهم لم يتمسكوا بالقرآن الذي فيه العصمة والقوة المعنوية والصلاح والإصلاح والعدل ودفع الظلم والآداب والأخلاق العالية التي لا تزعزعها عواصف الخراب، بل تقذف بالحق على الباطل فتدمغه فإذا هو زاهق، فإذا جاء هؤلاء المفسدون بالتعطيل المحصن والإنكار والصرف أبدى القرآن من الحجج والبراهين
стр. 162
على وجود الله وصدقه وصدق من جاء به ما تصدع له الجبال وتخضع له فحول الرجال، وإذا تسرب هؤلاء الأشرار لتوسط الأخلاق الرذيلة وانحلال الآداب الجميلة ووجدوا مسلكاً في هذا
الطريق يعينهم على تنفيذ باطلهم جاءهم هذا القرآن بالحث على الأخلاق العالية والأعمال الصالحة والأداب الجميلة التي لا تدع للشر على صاحبه سبيلاً، وإذا صالوا بالفقر والفقراء ووجوب المساواة واحتجوا على أرباب الأموال بالاحتكار والسيطرة واستعبادهم، للعباد واستبدادهم بالأملاك والأموال ولم يجد هؤلاء العظيم بعدله وقسطه وإيجاب الحقوق المتنوعة الدافعة للحاجات كلها بعد قيامها بالضرورات بصدهم ومقاومتهم وإبطال كل ما به يصولون ويجولون ثم إذا برز بصلاحه وإصلاحه العظيم ونظامه الحكيم وهديه القويم وحثه على سلوك الصراط المستقيم ونوره الساطع وحججه القواطع لم يبق في وجهه باطل إلا محقه ولا شر إلا سحقه ولا بقى من قصده الحق والصواب إلا اختاره، واعتنقه ولا تأمله صاحب عقل إلا صدع له، فهو الحصن الحصين من جميع الشرور، وهو القامع لكل من قاومه في كل الأمور.
стр. 163
القاعدة الواحدة السبعون: في اشتمال كثير من ألفاظ القرآن على جوامع المعاني
اعلم أن ما مضى من القواعد السابقة هي المقصود بوضع هذا الكتاب، وهو بيان الطرق والمسالك والأصول التي يرجع إليها كثير من الآيات، وأنها وإن تنوعت ألفاظها، واختلفت أساليبها وتفاصيلها، فإنها ترجع إلى أصل واحد، وقاعدة كلية.
وأما نفس ألفاظ القرآن الحكيم فإن كثيراً منها من الألفاظ الجوامع، وهي من أعظم الأدلة على أنها تنزيل من حكيم حميد وعلى صدق من أعطي جوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصاراً،.
ولنضرب لهذا أمثلة ونماذج فمنها:
قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ ، [فصلت: ٤٦] ، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ﴿يونس: ٢٦﴾ ، ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ ، [الرحمن: ٦٠] ، ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ ، [الواقعة: ١٠] ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ ، [النحل: ٩٠] ، الآية، ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ، [المائدة: ٢] ، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] ،
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ ، [الزلزلة: ٧] ، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٨] ،
﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ، [الحشر: ٧] ، ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ ، [الأحزاب: ٥٣] ، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ ، [الأحزاب: ٥٨] ، الآية، ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ، [لأنفال: ٦٠] ، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ، [البقرة: ٢٠١] .
فهذه الآيات الكريمات وما أشبهها كل كلمة منها قاعدة، وأصل كلي يحتوي على معان كثيرة.
وقد تقدم في أثناء القواعد منها شيء كثير، وهي متيسرة على حافظ القرآن، المعتني بمعرفة معانية ولله الحمد.
والحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات، وقد يسر الله تعالى علينا ما من بجمعه، فجاء ـ ولله الحمد ـ على اختصاره ووجازته ووضوحه كتابا يسر الناظرين ويعين على فهم كلام رب العالمين، ويبدي لأهل البصائر والعلم من المعاقل والمسالك والطرق والأصول النافعة ما لا يجده مجموعا في محل واحد، ومخبر الكتاب يغني عن وصفه.
وأسأله تعالى أن يجعله خالصا لوجه الكريم، مقربا لديه في جنات النعيم، وأن ينفع به مؤلفه وقارئه، والناظر فيه وجميع المسلمين، بمنه وكرمه وجوده وإحسانه وهو خير الراحمين، وصلى اله على محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال ذلك وكتبه جامعه العبد الفقير إلى الله في كل أحواله عبد الرحمن بن ناصر أبو عبد الله السعدي.
وقد تم ذلك في ﴿٦ شوال سنة ١٣٦٥ هـ﴾
والحمد لله رب العالمين.