Полный текст (10 657 стр.). Показаны 10627–10666 · переход к 10632.
стр. 10627
ثُمَّ أُتِيَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبِ فِيهِ تَوْرٌ ¬ (١) مِنْ ذَهَبٍ مَحْشُوًّا ¬ (٢) إِيمَانًا وَحِكْمَةً، فَحَشَا بهِ صَدْرَهُ وَلَغَادِيدَهُ ¬ (٣) - يَعْنِي عُرُوقَ حَلْقِهِ -، ثُمَّ أَطْبَقَه، ثُمَّ عَرَجَ ¬ (٤) بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَضَرَبَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِهَا، فَنَادَاهُ أَهْلُ السَّمَاءِ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: جِبْرئيلُ. قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مَعِي مُحَمَّدٌ. قَالَ: وَقَدْ بُعِثَ؟ ¬ (٥)، قَالَ: نَعَمْ. قَالُوا: فَمَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلًا.
"فَحَشَا بِهِ صَدْرَهُ وَلَغَادِيدَهُ" كذا في هـ، وفي س، حـ، ذ: "فَحُشِيَ بِهِ صَدْرُهُ وَلَغَادِيدُهُ". "قَال: وَقَدْ بُعِثَ" في نـ: "قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ".
===
¬(١) بفتح الفوقانية وبالواو والراء: إناء يشرب فيه، "ك" (٢٥/ ٢٠٥).
ليس في رواية أبي ذر (التي برقم: ٣٤٩) ذكر تور.
¬ (٢) قوله: (محشوًّا) قال العيني (١٦/ ٥٩٥): "محشوًّا" حال من "التور" الموصوف بقوله: "من ذهب". وأما "إيمانًا" فمفعول قوله: "محشوًّا" لأن اسم المفعول يعمل عمل فعله، و"حكمة" عطف عليه. ويحتمل أن يكون أحد الإنائين - أعني: الطست والتور - فيه ماء زمزم، والآخر المحشو بالإيمان، وأن يكون التور ظرف الماء وغيره، والطست لما يصب فيه عند الغسل صيانة له عن التبدد في الأرض، والمراد أن الطست كان فيه شيء يحصل به كمال الإيمان، فالمراد سببهما مجازًا، "قس" (١٥/ ٥٦٤).
¬ (٣) بغين معجمة ودالين، جمع لغدود أو لغديد: اللحمات التي بين الحنك وصفحة العنق، قاله الجوهري، وقد فسرها في الحديث بقوله: "يعني … " إلخ، كذا في "ع" (٢٥/ ٦٩٦ - ٦٩٧).
¬ (٤) قوله: (ثم عرج … ) إلخ، إن كانت القصة متعددة فلا إشكال، وإن كانت متحدة ففي هذا السياق حذف تقديره: ثم أركبه البراق إلى بيت المقدس ثم أتى بالمعراج، "ف" (١٣/ ٤٨١).
¬ (٥) استفهام بتقدير الأداة.
стр. 10628
يَسْتَبشِرُ بِهِ أَهْلُ السَّمَاءِ ¬ (١)، لَا يَعْلَمُ أَهْلُ السَّمَاءِ بمَا يُرِيدُ اللَّهُ بِهِ فِي الأَرْضِ حَتَّى يُعْلِمَهُمْ ¬ (٢)، فَوَجَدَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا آدَمَ فَقَالَ لَهُ جِبرئيلُ: هَذَا أَبُوكَ فَسَلِّمْ عَليْهِ. فَسَلَّمَ عَليْهِ وَرَدَّ عَليْهِ آدَمُ وَقَالَ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا بِابْنِي، فَنِعْمَ الابْنُ أَنْتَ. فَإِذَا هُوَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا بنَهَرَيْنِ يَطَّرِدَانِ ¬ (٣) فَقَالَ: "مَا هَذَانِ النَّهَرَانِ يَا جِبْرئيلُ؟ " قَالَ: هَذَا النِّيَلُ ¬ (٤) وَالْفُرَاتُ ¬ (٥) عُنْصُرُهُمَا ¬ (٦) ¬ (٧). ثُمَّ مَضى بِهِ فِي السَّمَاءِ فَإِذَا هُوَ بِنَهَرٍ آخَرَ عَليْهِ قَصْرٌ
"يَسْتَبْشِرُ" كذا في صـ، وفي نـ: "فَيَسْتَبشِرُ"." أَهْلُ السَّمَاءِ" في صـ: "أَهْلُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا". "بِمَا يُرِيدُ" في صـ، هـ، ذ: "مَا يُرِيدُ". "هَذَا أَبُوكَ" في ص: "هَذَا أَبُوكَ آدَمُ". "بِابْنِي" في نـ: "يَا بُنَي". "فَنِعْمَ" في نـ: "نِعْمَ".
===
¬(١) كانهم أعلموا أنه سيعرج فكانوا مترقبين لذلك، "ف" (١٣/ ٤٨٢).
¬ (٢) على لسان من شاء كجبريل، "ف" (١٣/ ٤٨٢).
¬ (٣) بتشديد الطاء المهملة، "قس" (١٥/ ٥٦٤)، أي: يجريان، "ك" (٢٥/ ٢٠٥).
¬ (٤) نهر مصر، "ك" (٢٥/ ٢٠٢)، "ع" (١٦/ ٦٩٧).
¬ (٥) نهر عليه ريف العراق، "ك" (٢٥/ ٢٠٥).
¬ (٦) مرفوع بالبدلية، "ك" (٢٥/ ٢٠٥)، [بضم العين وفتح الصاد: الأصل، وقد تضم الضاد، "النهاية" (ص: ٦٤٥)].
¬ (٧) بضم العين والصاد المهملتين بينهما نون ساكنة هو الأصل، "ك" (٢٥/ ٢٠٥). ظاهر هذا يخالف حديث مالك بن صعصعة؛ فإن فيه بعد ذكر سدرة المنتهى: "فإذا في أصلها أربعة أنهار"، ويجمع بأن أصل نبعهما من تحت سدرة المنتهى ومقرهما في السماء الدنيا ومنها ينزلان إلى الأرض، "ف" (١٣/ ٤٨٢).
стр. 10629
مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ، فَضَرَبَ يَدَهُ ¬ (١) فَإِذَا هُوَ ¬ (٢) مِسْكٌ أَذفرُ ¬ (٣) فَقَالَ: "مَا هَذَا يَا جِبْرئيلُ؟ " قَالَ: هُوَ هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي ¬ (٤) قَدْ خَبَأَ لَكَ رَبُّكَ. ثُمَّ عَرَجَ بِه إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَتْ لَهُ الأُولَى: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرئيلُ. قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّد ﷺ . قَالَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالُوا: مَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلًا. ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، وَقَالُوا لَهُ مِثْلَ مَا قَالَتِ الأُولَى وَالثَّانِيَة، ثمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى الرَّابِعَةِ
"فَضَرَبَ يَدَهُ" في صـ: "فَضَرَبَ بِيَدِه". "أَذفرُ" ثبت في صـ، ذ. "فَقَالَ: مَا هَذَا؟ " في نـ: "قَالَ: مَا هَذَا؟ ". "هُوَ هَذَا الْكَوْثَرُ" في نـ: "هَذَا هُوَ الْكَوْثَرُ". "قَدْ خَبَأَ لَكَ" في هـ، ذ: "حباك" - بفتح الحاء المهملة والموحدة وبعد الألف كاف، "قس" (١٥/ ٥٦٤)، أي: أعطاك -. "ثُمَّ عَرَجَ بِهِ" كذا في ص، ذ، وفي نـ: "ثُمَّ عَرَجَ". "وَمَنْ مَعَكَ" في نـ: "وَمَنْ مَعَه". "قَالَ: وَقَدْ بُعِثَ" في نـ: "قَالُوا: وَقَدْ بُعِثَ" مصحح عليه. "إِلَى الرَّابِعَةِ" في نـ: "إِلَى السماءِ الرَّابِعَةِ".
===
¬(١) أي: في النهر، "ف" (١٣/ ٤٨٢).
¬ (٢) أي: طينه، "ف" (١٣/ ٤٨٢).
¬ (٣) بالمعجمة وبالفاء والراء، هو مسك جيد إلى الغاية شديد ذكاء الريح، "ك" (٢٥/ ٢٠٥)،"ع" (١٦/ ٦٩٧).
¬ (٤) قوله: (هو هذا الكوثر الذي … ) إلخ، هذا مما يستشكل من رواية شريك؛ فإن الكوثر في الجنة، والجنة في [السماء] السابعة، ويحتمل أن يكون حذف تقديره: "ثم مضى به في السماء [الدنيا] إلى السماء السابعة فإذا هو بنهر"، "قس" (١٥/ ٥٦٤)،، كذا الجواب في "ف" (١٣/ ٤٨٢)، لكن قال العيني (١٦/ ٦٩٧): وفيه تأمل.
стр. 10630
فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابعَةِ فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، كُلُّ سَمَاءٍ فِيهَا أَنْبِيَاءُ قَدْ سَمَّاهُمْ فَأَوْعَيتُ ¬ (١) مِنْهُمْ: إِدْرِيسُ فِي الثَّانِيَةِ، وَهَارُونُ فِي الرَّابِعَةِ، وَآخَرُ فِي الْخَامِسَةِ لَمْ أَحْفَظِ اسْمَه، وَإِبْرَاهِيمُ فِي السَّادِسَةِ، وَمُوسَى فِي السَّابِعَةِ ¬ (٢)
"إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ" في نـ: "إِلَى الْخَامِسَةِ". "إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ" لفظ "السَّمَاءِ" ثبت في ذ. "قَدْ سَمَّاهُمْ، فَأَوْعَيْتُ مِنْهُمْ" في ص سـ، حـ، ذ: "قَدْ سَمَّاهُمْ، مِنْهُمْ"، وفي هـ، ذ: "فَوَعَيْتُ" بدل "فَأَوْعَيْتُ".
===
¬(١) بفتح الهمزة والعين، "قس" (١٥/ ٥٦٥)، كذا روي، فإن صح يراد: أدخلته في وعاء قلبي. ولو روي "وعيت " بمعنى حفظت وفهمت لكان أظهر، "مجمع" (٥/ ٩٢). لكن في "القاموس" (ص: ١٢٣٢): وعاه يعيه: حفظه وجمعه كأوعاه فيهما.
¬ (٢) قوله: (في السابعة) المشهور في الروايات أن الذي في السابعة هو إبراهيم، وأكد ذلك في حديث مالك بن صعصعة بأنه كان مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، فمع التعدد لا إشكال، ومع الاتحاد فقد جمع بأن موسى كان في حالة العروج في السادسة، وإبراهيم في السابعة؛ على ظاهر حديث مالك بن صعصعة، وعند الهبوط كان موسى في السابعة؛ لأنه لم يذكر في القصة أن إبراهيم كلمه في شيء مما يتعلق بما فرض [الله] على أمته من الصلاة كما كلمه موسى، والسماء السابعة هي أول شيء انتهى إليه حالة الهبوط، فناسب أن يكون موسى بها، لأنه هو الذي خاطبه في ذلك كما ثبت في جميع الروايات، ويحتمل أن يكون لقي موسى في السادسة فأصعد معه إلى السابعة تفضيلًا له على غيره من أجل كلام الله تعالى، "ف" (١٣/ ٤٨٢).
стр. 10631
بِتَفْضِيلِ كَلَامِ اللَّهِ ¬ (١)، فَقَالَ مُوسَى: رَبِّ لَمْ أَظُنَّ ¬ (٢) أَنْ يُرْفَعَ عَلَيَّ أَحَدٌ. ثُمَّ عَلَا بهِ فَوْقَ ذَلِكَ بِمَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّه، حَتَّى جَاءَ سدْرَةَ الْمُنْتَهَى ¬ (٣) ¬ (٤)
"بِتَفْضِيلِ كَلَامِ اللَّهِ" كذا في هـ، ذ، وفي سـ، حـ، ذ: "بِتَفْضِيلِ كَلَامِه للَّهِ". "أَنْ يُرْفعَ عَلَيَّ أَحَدٌ" في س، حـ، ذ: "أَنْ تَرْفَعَ عَلَيَّ أَحَدًا".
===
¬(١) أي: بسبب أن له فضل كلام الله إياه، "ك" (٢٥/ ٢٠٦)، ومنه تؤخذ المطابقة،" (١٦/ ٦٩٥).
¬ (٢) قوله: (لم أظن … ) إلخ، قال ابن بطال (١٠/ ٥١٥): فهم موسى من اختصاصه بكلام الله تعالى له في الدنيا دون غيره من البشر لقوله تعالى: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ أن المراد بالناس هاهنا البشر كلهم وأنه استحق بذلك أن لا يرفع أحد عليه، فلما فضل الله محمدًا عليه - عليهما الصلاة والسلام - بما أعطاه من المقام المحمود وغيره ارتفع على موسى وغيره بذلك، "ف" (١٣/ ٤٨٣).
¬ (٣) قوله: (ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى) كذا وقع في رواية شريك، وهو مما خالف فيه غيره؛ فإن الجمهور على أن سدرة المنتهى في السابعة، وعند بعضهم في السادسة، وقد قدمت وجه الجمع بينهما عند شرحه، ولعل في السياق تقديمًا وتأخيرًا، وكان ذكر سدرة المنتهى قبل: "ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله"، "ف" (١٣/ ٤٨٣).
¬ (٤) أي: منتهى علم الملائكة، أو صعودهم أوامر الله وأعمال العباد ونحوه.
стр. 10632
وَدَنَا الْجَبَّارُ ¬ (١)
===
¬(١) قوله: (ودنا الجبار رب العزة فتدلى) قيل: مجاز عن قربه المعنوي وظهور عظيم منزلته عند الله تعالى. "فَتَدَلَّى" أي: طلب زيادة القرب. و"قَابَ قَوْسَينِ" هو منه ﷺ عبارة عن لطف المحل واتضاح المعرفة، ومن الله إجابته ورفع درجته إليه، والقاب: ما بين مقبض القوس والسية - بكسر المهملة وخفة التحتانية - وهي ما عطف من طرفيها، ولكل قوس قابان فقيل: أصله قابي قوس.
قال الخطابي ["الأعلام" (٤/ ٢٣٥٢)]: ليس في هذا الكتاب حديث أبشع مذاقًا منه، لقوله: "دَنَا فَتَدَلَّى"؛ فإن الدنو يوجب تحديد المسافة، والتدلي يوجب التشبيه والتمثيل بالمخلوق الذي تعلق من فوق إلى أسفل، ولقوله: "وهو مكانه" لكن إذا اعتبر الناظر لا يشكل عليه؛ فإنه إن كان في الرؤيا فبعضها مثلٌ ضرب ليتأول على الوجه الذي يجب أن يصرف إليه معنى التعبير في مثله. ثم إن القصة إنما هي حكاية يحكيها أنس بعبارته من تلقاء نفسه لم يعزها إلى النبي ﷺ ، ثم إن شريكًا كثير التفرد بمناكير لا يتابعه عليها سائر الرواة، ثم أنهم أولوا التدلي فقيل: تدلى جبريل بعد الارتفاع حتى رآه النبي ﷺ متدليًا كما رآه مرتفعًا، وقيل: تدلى محمد ﷺ ساجدًا لربه شكرًا على كرامته، ولم يثبت في شيء صريحًا أن التدلي مضاف إلى الله تعالى، ثم أوّلوا مكانه بمكان النبي ﷺ ، "ك" (٢٥/ ٢٠٧)، أي: في مقامه الأول الذي قام فيه قبل هبوطه، كذا في "ف" (١٣/ ٤٨٤).
قال الحافظ ابن حجر (١٣/ ٤٨٣ - ٤٨٦): جزم الخطابي بأنه كان في المنام متعقب بما تقدم تقريره قبل وما نفاه من أن أنسًا لم يسند هذه القصة إلى النبي ﷺ لا تأثير له، فأدنى أمره فيها أن تكون مرسل صحابي فإما أن يكون تلقاها عن النبي ﷺ أو عن صحابي تلقاها عنه، ومثل ما اشتملت عليه
стр. 10633
رَبُّ الْعِزَّةِ، فَتَدَلَّى ¬ (١) حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى
===
لا يقال بالرأي، فيكون لها حكم الرفع، ولو كان لما ذكره تأثير لم يحمل حديث [أحد] روى مثل ذلك على الرفع أصلًا، وهو خلاف عمل المحدثين قاطبة، فالتعليل بذلك مردود. وأما ما جزم به من مخالفة السلف والخلف لرواية شريك عن أنس في التدلي كما أشار إليه الكرماني أيضًا - بقوله: لم يثبت في شيء صريحًا - ففيه نظر، فقد نقل القرطبي عن ابن عباس أنه قال: "دنا الله" قال: والمعنى: دنا أمره وحكمه. وقد أخرج الأموي في مغازيه ومن طريقه البيهقي عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] قال: دنا منه ربّه. وهذا سند حسن وهو شاهد قوي لرواية شريك، ومجموع ما خالفت رواية شريك غيره من المشهورين عشرة أشياء بل تزيد على ذلك، الأول: أمكنة الأنبياء في السماوات، الثاني: كون المعراج قبل البعثة، الثالث: كونه منامًا، الرابع: مخالفته في محل سدرة المنتهى، والخامس: مخالفته في أن عنصر النيل والفرات في السماء الدنيا، السادس: شق الصدر عند الإسراء وقد وافقته رواية غيره كما بيّن، السابع: ذكر نهر الكوثر في السماء الدنيا، الثامن: نسبة الدنو والتدلي إلى الله ، التاسع: تصريحه بأن امتناعه ﷺ من الرجوع إلى سؤال ربه التخفيف كان عند الخامسة، العاشر: قوله: "فعلا به إلى الجبار فقال: وهو مكانه". الحادي عشر: رجوعه بعد الخمس، الثاني عشر: زيادة ذكر التور في الطست، انتهى ملخصًا. وقد بين جواب كل ما أمكن جوابه أو تسليمه من الشارحين. ومرَّ الحديث (برقم: ٣٤٩) في أول "كتاب الصلاة" (وبرقم: ٣٣٤٢) من "كتاب بدء الخلق" (وبرقم: ٣٥٧٠).
¬ (١) أصل التدلي: النزول إلى الشيء حتى يقرب منه، "ف" (١٣/ ٤٨٤).
стр. 10634
فَأَوْحَى اللَّهُ إليه فِيمَا يُوحِي اللَّهُ خَمْسِينَ صَلَاةً عَلَى أُمَّتِكَ، كُلَّ يَوْمِ وَلَيْلَةٍ. ثُمَّ هَبَطَ حَتَّى بَلَغَ مُوسَى فَاحْتَبَسَهُ مُوسَى فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَاذَا عَهِدَ إِلَيْكَ رَبُّكَ؟ ¬ (١) قَالَ: "عَهدَ إِلَيَّ خَمْسينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْم وَلَيْلَةٍ". قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ وَعنْهُمْ. فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جِبْرئيلَ كَأَنَّهُ يَسْتَشِيرُهُ فِي ذَلِكَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ جِبْرئيلُ أَنْ نَعَمْ إِنْ شِئْتَ. فَعَلَا بِهِ إِلَى الْجَبَّارِ، فَقَالَ - وَهُوَ مَكَانَهُ ¬ (٢) -: "يَا رَبِّ خَفِّفْ عَنَّا، فَإِنَّ أُمَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ هَذَا". فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُوسَى فَاحْتَبَسَه، فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهُ مُوسَى إِلَى رَبِّهِ حَتَّى صَارَتْ إِلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ، ثُمَّ احْتَبَسَهُ مُوسَى عِنْدَ الْخَمْس فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ وَاللَّهِ لَقَدْ رَاوَدْتُ ¬ (٣) بَنِي إِسْرَائِيلَ قَوْمِي عَلَى أَدْنَى مِنْ هَذَا ¬ (٤) فَضَعُفُوا وَتَرَكُوه،
"فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ فِيمَا يُوحِي اللَّهُ خَمْسِينَ" كذا في قتـ، هـ، ذ، وفي نـ: "فَأَوْحَى اللَّهُ فِيمَا يُوحِي اللَّهُ إِلَيْهِ - في نـ: "يُوحَى إِلَيْهِ - خَمْسٍ"، وفي نـ: "فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ فِيمَا أُوْحِيَ خَمْسِينَ". "أَنْ نَعَمْ" كذا في هـ، وفي سـ، حـ، ذ: "أَيْ نَعَمْ". "مِنْ هَذَا" في هـ، ذ: "مِنْ هَذِهِ".
===
¬(١) أي: أمرك، أو أوصى لك، "ك (٢٥/ ٢٠٧).
¬ (٢) الضمير للنبي ﷺ أي: إنما هو في مقام الأول الذي قام فيه قبل هبوطه، كذا في "ف" (١٣/ ٤٨٤).
¬ (٣) من المراودة، وهي المراجعة، "ع" (١٦/ ٦٩٨). أي: طلبت وأردت، "ك (٢٥/ ٢٠٧). من الرود من راد يرود إذا طلب المرعى وهو الرائد، ثم اشتهر فيما يريد الرجال من النساء، واستعمل في كل مطلوب، "ف" (٢٥/ ٤٨٦).
¬ (٤) أي: الخمس، "ف" (٢٥/ ٤٩٦).
стр. 10635
فَأُمَّتُكَ أَضْعَفُ ¬ (١) أَجْسَادًا ¬ (٢) وَقُلُوبًا وَأَبْدَانًا ¬ (٣) وَأَبْصَارًا وَأَسْمَاعًا، فَارْجِعْ
فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ. كُلَّ ذَلِكَ ¬ (٤) يَلْتَفِتُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جِبْرئيلَ لِيُشِيرَ
عَلَيهِ وَلَا يَكْرَهُ ذَلِكَ جِبْرئيل، فَرَفَعَهُ ¬ (٥) عِنْدَ الْخَامِسَةِ ¬ (٦) ¬ (٧) فَقَالَ: "يَا رَبِّ إِنَّ أُمَّتِي ضُعَفَاءُ أَجْسَادُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ وَأَسْمَاعُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ
"فَأُمَّتُكَ" في هـ: "وَأُمَّتُكَ". "يَلْتَفِتُ" في صـ، س، حـ، هـ، ذ: "يَتَلَفَّتُ". "فَرَفَعَهُ" في س: "يَرْفَعُهُ". "وَأَسْمَاعُهُمْ" زاد في صـ، هـ، ذ: "وَأَبْصَارَهُم".
===
¬(١) أي: من بني إسرائيل، "ف" (٢٥/ ٤٨٦).
¬ (٢) الجسد: جميع الشخص، "ف" (٢٥/ ٤٨٦).
¬ (٣) البدن من الجسد ما سوى الرأس والأطراف، وقيل: البدن أعالي الجسد دون أسافله، "ف" (١٣/ ٤٨٦).
¬ (٤) أي: في كل، "قس" (١٥/ ٥٦٦).
¬ (٥) في رواية المستملي: "يرفعه"، والأول أولى، "ف" (١٣/ ٤٨٦).
¬ (٦) أي: المرة الخامسة، "ع" (١٦/ ٦٩٨).
¬ (٧) قوله: (عند الخامسة) هذا التنصيص على الخامسة على أنها الأخيرة يخالف رواية ثابت عن أنس أنه وضع عنه في كل مرة خمسًا وأن المراجعة كانت تسمع مرات، وقد تقدم بيان الحكمة في ذلك ورجوع النبي ﷺ بعد تقرير الخمس لطلب التخفيف مما وقع من تفردات شريك في هذه القصة، والمحفوظ ما تقدم أنه ﷺ قال لموسى في الأخيرة: "استحييت من ربي"، وهاهنا صرح بأنه راجع في الأخيرة: "وأن الجبار سبحانه قال له: يا محمد قال: لبيك وسعديك، قال: إنه لا يبدل القول لديّ" وقد أنكر ذلك الداودي فيما نقله ابن التين فقال: الرجوع الأخير ليس بثابت، والذي في الروايات أنه قال: "استحييت من ربي، فنودي: أمضيت فريضتي وخففت عن
стр. 10636
فَخَفِّفْ عَنَّا". فَقَالَ الْجَبَّارُ: يَا مُحَمَّدُ. قَالَ: "لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ". قَالَ: إِنَّهُ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ ¬ (١)، كَمَا فَرَضْتُ عَلَيْكَ ¬ (٢) فِي أُمِّ الْكِتَابِ ¬ (٣)، فَكُلُّ حَسَنَةٍ ¬ (٤) بِعَشْر أَمْثَالِهَا، فَهِيَ خَمْسُونَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ، وَهِيَ خَمْسٌ عَلَيْكَ ¬ (٥). فَرَجَعَ ¬ (٦) إِلَى مُوسَى فَقَالَ: كَيْفَ فَعَلْتَ؟ فَقَالَ: "خَفَّفَ عَنَّا أَعْطَانَا بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا". قَالَ مُوسَى: قَدْ ¬ (٧) وَاللَّهِ رَاوَدْتُ ¬ (٨)
"فَرَضْتُ" في ذ: "فَرَضْتُه". "فَهِيَ خَمْسُونَ" في نـ: "وَهِيَ خَمْسُونَ". "قَالَ مُوسَى" في نـ: "فَقَالَ مُوسَى".
===
عبادي" قال الداودي: وقع في هذه الرواية أن موسى قال له: "ارجع إلى ربك " بعد أن قال: "لا يبدل القول لديّ" ولا يثبت، لتواطؤ الروايات على خلافه، وما كان موسى ليأمره بالرجوع بعد أن يقول الله تعالى له ذلك، انتهى. وأغفل الكرماني رواية ثابت فقال: إذا خفف في كل مرة عشرًا كانت الأخيرة سادسة فيمكن أن يقال: ليس فيه حصر لجواز أن يخفف بمرة واحدة خمس عشرة أو أقل أو أكثر، "ف" (١٣/ ٤٨٦).
¬ (١) تمسك به من أنكر النسخ، ورد بأن النسخ بيان انتهاء الحكم فلا يلزم منه تبديل القول، "ف" (١٣/ ٤٨٦).
¬ (٢) تأكيد لجملة: "لا يبدل … " إلخ، أي: هي كما فرضت.
¬ (٣) وهو اللوح المحفوظ، "قس" (١٥/ ٥٦٦).
¬ (٤) بيان وتفسير لما قبله.
¬ (٥) أي: وعلى أمتك، "قس" (١٥/ ٥٦٦).
¬ (٦) ﷺ ، "قس" (١٥/ ٥٦٦).
¬ (٧) داخل على راودت والقسم مقحم بينهما للتأكيد، "ك" (٢٥/ ٢٠٨).
¬ (٨) جواب لقسم محذوف أي: والله لقد راودت، "ك" (٢٥/ ٢٠٨).
стр. 10637
بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ فَتَرَكُوه، ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ أَيْضًا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا مُوسَى، قَدْ وَاللَّهِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي مِمَّا أَخْتَلِفُ إِلَيْهِ ¬ (١) ". قَالَ: فَاهْبِطْ بِاسْمِ اللَّهِ ¬ (٢). فَاسْتَيقَظَ ¬ (٣)
"ارْجِعْ" في نـ: "فَارْجِعْ". "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ" في نـ: "فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ". "أَخْتَلِفُ" كذا في سـ، حـ، ذ، وفي ذ: "اخْتَلَفْتُ". "فَاسْتَيْقَظَ" في نـ: "وَاسْتَيْقَظَ".
===
¬(١) بلفظ المضارع وفي بعضها بلفظ الماضي أي: ترددت وذهبت ورجعت، "ك" (٢٥/ ٢٠٨).
¬ (٢) قوله: (فاهبط باسم الله) ظاهر السياق أن موسى هو الذي قال له ذلك؛ لأنه ذكره عقيب قوله ﷺ : "يا موسى قد والله استحييت … " إلخ.
وليس كذلك بل الذي قال له جبرئيل ﵊، وبذلك جزم الداودي، "ف" (١٣/ ٤٨٦ - ٤٨٧)،"ع" (١٦/ ٦٩٨).
¬ (٣) قوله: (فاستيقظ) وفي بعضها بالمتكلم، ففيه التفات، "ك" (٢٥/ ٢٠٨)، أي: استيقظ رسول الله ﷺ والحال أنه في المسجد الحرام، "ع" (١٦/ ٦٩٨). قال القرطبي ["المفهم" (١/ ٣٨٥)]: يحتمل أن يكون استيقاظًا من نومة نامها بعد الإسراء؛ لأن إسراءه لم يكن طول ليلته وإنما كان في بعضها، ويحتمل أن يكون المعنى: أفقت مما كنت فيه مما خامر باطنه من مشاهدة الملأ الأعلى لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨]، فلم يرجع إلى حال بشريته إلا وهو بالمسجد الحرام، وأما قوله في أوله: "بينا أنا نائم" فمراده في أول القصة، وذلك أنه كان قد ابتدأ نومه فأتاه الملك فأيقظه. وفي قوله في الرواية الأخرى: "بينا أنا بين النائم واليقظان" إشارة إلى أنه لم يكن استحكم في نومه، انتهى. وهذا كله ينبني على توحد القصة، وإلا فمتى حملت
стр. 10638
وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. [راجع: ٣٥٧٠].
٣٨ - بَابُ كَلَامِ الرَّبِّ مَعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ
٧٥١٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قال: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ¬ (١) قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ. فَيَقُولُونَ: لَبَّيكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيرُ فِي
"الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ" في نـ: "مَسْجِدِ الْحَرَامِ" - بغير ألف ولام في الأول، "قس" (١٥/ ٥٦٦) -. "حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ" في نـ: "حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ".
===
على التعدد بأن كان المعراج مرة في المنام وأخرى في اليقظة فلا يحتاج لذلك.
تنبيه: قيل: اختص موسى ﵇ بهذا دون غيره ممن لقيه النبي ﷺ ليلة الإسراء من الأنبياء؛ لأنه أول من يلقاه عند الهبوط؛ ولأن أمته أكثر من أمة غيره؛ ولأن كتابه أكبر الكتب المنزلة قبل القرآن تشريعًا وأحكامًا؛ أو لأن أمة موسى كانوا كلفوا من الصلوات ما ثقل عليهم فخاف موسى على أمة محمد ﷺ مثل ذلك، وإليه الإشارة بقوله: "فإني بلوت بني إسرائيل"، قاله القرطبي ["المفهم" (١/ ٣٩٢)]. وأما قول من قال: إنه أول من لاقاه بعد الهبوط فليس بصحيح؛ لأن حديث مالك بن صعصعة أقوى من هذا. وفيه أنه لقيه في الصعود في السادسة، انتهى. وإذا جمعنا بينهما بأنه لقيه في الصعود في السادسة وصعد موسى إلى السابعة فلقيه فيها بعد الهبوط ارتفع الإشكال وبطل الرد المذكور، والله أعلم، "ف" (١٣/ ٤٨٧).
¬ (١) عبد الله، "ع" (١٦/ ٦٩٩).
стр. 10639
يَدَيْكَ ¬ (١). فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ، وَقَدْ أَعْطَيتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ. فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطِيكُمْ ¬ (٢) أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ ¬ (٣)، فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا" ¬ (٤) ¬ (٥). [راجع: ٦٥٤٩].
===
¬(١) قيل: الشر أيضًا في يديه؛ لأنه لا مؤثر إلا الله، وأجيب بأنه خصصه رعاية للأدب والكل بالنسبة إليه تعالى خيرًا "ع" (١٦/ ٦٩٩).
¬ (٢) قوله: (ألا أعطيكم) قيل: ظاهر الحديث أن الرضا أفضل من اللقاء، وهو مشكل! وأجيب: بأنه ليس في الخبر أن الرضا أفضل من كل شيء، وإنما فيه أن الرضا أفضل من العطاء، وعلى تقدير التسليم فاللقاء مستلزم للرضا، فهو من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم، كذا نقل الكرماني (٢٥/ ٢٠٩)، ويحتمل أن يقال: المراد حصول أنواع الرضوان ومن جملتها اللقاء فلا إشكال، "ف" (١٣/ ٤٨٨).
¬ (٣) مرَّ الحديث (برقم: ٦٥٤٩).
¬ (٤) قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة ["بهجة النفوس" (٤/ ٢٨٩)]: الحكمة في ذكر دوام رضاه بعد الاستقرار أنه لو أخبر به قبل الاستقرار لكان خبرًا من باب علم اليقين، فأخبر به بعد الاستقرار ليكون من باب عين اليقين، "ف" (١٣/ ٤٨٨).
¬ (٥) قوله: (فلا أسخط بعده أبدًا) قال ابن بطال (١٠/ ٥١٦): استشكل بعضهم هذا لأنه يوهم أن له أن يسخط على أهل الجنة وهو خلاف ظواهر القرآن، كقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [البينة: ٨]، ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، وأجاب بأن إخراج العباد من العدم إلى الوجود من تفضله وإحسانه، وكذلك تنجيز ما وعدهم به من الجنة والنعيم من تفضله وإحسانه، وأما دوام ذلك فزيادة من فضله على المجازاة، فتفضل عليهم بالدوام فارتفع الإشكال جملة، انتهى ملخصًا، "ف" (١٣/ ٤٨٨).
стр. 10640
٧٥١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ¬ (١) قالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ ¬ (٢) قالَ: حَدَّثَنَا هِلَالٌ ¬ (٣)، عَنْ عَطَاءِ بْن يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ وَعِنْدَهُ ¬ (٤) رَجُلٌ ¬ (٥) مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ: "أَنَّ ¬ (٦) رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأذَنَ ¬ (٧) رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ، فَقَالَ له: أَوَلَسْتَ ¬ (٨) فِيمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ. فَأَسْرَعَ ¬ (٩) وَبَذَرَ، فَتَبَادَرَ الطَّرْفَ ¬ (١٠) نَبَاتُهُ ¬ (١١)
"أَنَّ النَّبِيَّ" في ذ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ". "اسْتَأْذَنَ" في حـ، ذ: "يَسْتَأْذِنُ". "فَقَالَ له" كذا في هـ، ولغيره: "فَقَالَ". "وَلَكِنِّي" في سـ، حـ، ذ: "وَلَكِنْ". "فتَبَادَرَ" في هـ، ذ: "فَبَادَرَ"، في نـ: "فَيُبَادِرُ".
===
¬(١) بكسر السين المهملة وتخفيف النون الأولى، "ع" (١٦/ ٧٠٠).
¬ (٢) مصغرًا، ابن سليمان،"ع" (١٦/ ٧٠٠).
¬ (٣) ابن علي،"ع" (١٦/ ٧٠٠).
¬ (٤) والواو للحال، "ع" (١٦/ ٧٠٠).
¬ (٥) لم يسم، "قس" (١٥/ ٥٦٩).
¬ (٦) هو مفعول "يحدث"، "ع" (١٦/ ٧٠٠).
¬ (٧) بصيغة الماضي، "قس" (١٥/ ٥٦٩).
¬ (٨) الهمزة للاستفهام والواو للعطف، أي: أوما رضيت بما أنت فيه من النعم؟،"ع" (١٦/ ٧٠٠)، "ك" (٢٥/ ٢١٠).
¬ (٩) فيه حذف تقديره: فاذن له، فزرع فأسرع، "ف" (١٣/ ٤٨٨).
¬ (١٠) بالنصب،"ع" (١٦/ ٧٠٠).
¬ (١١) بالرفع فاعل "تبادر"، يعني: نبت قبل طرفة عين، "ك" (٢٥/ ٢١٠)،"ع" (١٦/ ٧٠٠).
стр. 10641
وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ وَتَكْوِيرُهُ ¬ (١) أَمْثَالَ الْجِبَالِ، فَيَقُولُ اللَّهُ: دُونَكَ ¬ (٢) يَا ابْنَ آدَمَ فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ ¬ (٣) شَيْءٌ". فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا تَجِدُ هَذَا إِلَّا قُرَشِيًّا ¬ (٤) أَوْ أَنْصَارِيًّا فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ، فَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ ¬ (٥). فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . [راجع: ٢٣٤٨].
٣٩ - بَابُ ذِكْرِ اللَّهِ بِالأَمْرِ وَذِكْرِ الْعِبَادِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالرِّسَالَةِ وَالإِبْلَاغِ ¬ (٦)
"لَا يُشْبِعُكَ" في سـ، حـ، ذ: "لَا يَسَعُكَ".
===
¬(١) التكوير الزيادة والإدارة، أي: جمعه كما في البيدر، "ع" (١٦/ ٧٠٠).
¬ (٢) أي: خذه، "ع" (١٦/ ٧٠٠).
¬ (٣) قوله: (لا يشبعك) كذا للأكثر بالمعجمة والموحدة من الشبع. وللمستملي: "لا يسعك" بالمهملة بغير موحدة من الوسع، واستشكل قوله: "لا يشبعك شيء" بقوله تعالى في صفة الجنة: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨]؟ وأجيب: بأن نفي الشبع لا يوجب الجوع، لأن بينهما واسطة وهي الكفاية، وأكل أهل الجنة للتنعم والاستلذاذ لا عن الجوع، واختلف في الشبع فيها، والصواب: أن لا شبع فيها؛ إذ لو كان لمنع دوام الأكل المستلذ، "ف" (١٣/ ٤٨٨).
¬ (٤) قوله: (قرشيًا) قال الدوادي: قوله: "قرشيًا" وهم؛ لأنه لم يكن لأكثرهم زرع. قلت: وتعليله يرد على نفيه المطلق، فإذا ثبت أن لبعضهم زرعًا صدق قوله أن الزارع المذكور منهم، "ف" (١٣/ ٤٨٨).
¬ (٥) مرَّ الحديث (برقم: ٢٣٤٨).
¬ (٦) أي: ذكر الله عباده بأن يأمرهم بالطاعات، وذكر العباد له بأن يدعوه ويتضرعوا إليه ويبلغوا رسالته إلى الخلائق، يعني المراد بذكرهم
стр. 10642
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي ¬ (١) أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ ¬ (٢) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ ¬ (٣) عَلَيْكُمْ مَقَامِي ¬ (٤) وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧١]
"اذْكُرُونِي" في نـ: " ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ ".
===
الكمال لأنفسهم والتكميل لغيرهم، وقال بعضهم: الباء في لفظ الأمر بمعنى مع. والمقصود من هذا الباب كون الله تعالى ذاكرًا أو مذكورًا بمعنى الأمر والدعاء، "ك" (٢٥/ ٢١١).
¬ (١) قوله: (لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي … ﴾ إلخ، قال ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ إذا ذكر العبد ربه وهو على طاعته ذكره برحمته، وإذا ذكره وهو على معصيته ذكره بلعنته، قال: ومعنى قوله: ﴿اذْكُرُونِي … ﴾ إلخ، اذكروني بالطاعة أذكركم بالمعونة. وعن سعيد بن جبير: اذكروني بالطاعة أذكركم بالمغفرة. وذكر الثعلبي في تفسير هذه الآية نحو الأربعين عبارة أكثرها عن أهل الزهد، "ف" (١٣/ ٤٨٩).
¬ (٢) قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ … ﴾ إلخ) قال ابن بطال (١٠/ ٥١٩): أشار إلى أن الله تعالى ذكر نوحًا بما بلغ به من أمره وذكر بآيات ربه، وكذلك فرض على كل نبي تبليغ كتابه وشريعته. وقال الكرماني (٢٥/ ٢١١): المقصود من ذكر هذه الآية أن النبي ﷺ مذكور بأنه أمر بالتلاوة على الأمة والتبليغ إليهم أن نوحًا كان يذكرهم بآيات الله وأحكامه، "ف" (١٣/ ٤٨٩).
¬ (٣) أي: عظم، "ع" (١٦/ ٧٠١).
¬ (٤) أي: مكثي بين أظهركم، "ع" (١٦/ ٧٠١).
стр. 10643
﴿غُمَّةً﴾ ¬ (١) ¬ (٢): غَمٌّ وَضِيقٌ. قَال مُجَاهِدٌ: ﴿اقْضُوا إِلَيَّ﴾: مَا فِي أَنْفُسِكُمْ، يُقَال: افْرُقْ: اقْضِ، وَقَال مُجَاهِدٌ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦]: إنْسَانٌ ¬ (٣) يَأْتِيهِ ¬ (٤) فَيَسْتَمِعُ مَا يَقُولُ وَمَا أُنْزِلَ عَليْهِ، فَهُوَ آمِنٌ حَتَّى يَأتِيَه فَيَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ، وَحَتَّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ حَيْثُ
"غَمّ" في نـ: "هَمٌّ". "وَمَا أُنْزِلَ" في ذ: "وَمَا يُنزَّلُ". "حَتَّى يَأتِيَه" كذا في هـ، ذ، وفي هـ: "حِينَ يَأْيته".
===
¬(١) هو تفسير قوله تعالى حكاية عن نوح: ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ [يونس: ٧١]، "ف" (١٣/ ٤٨٩).
¬ (٢) قوله: ﴿غُمَّةً … ﴾ إلخ)، أي: ما في بقية الآية وهي قوله تعالى: ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ ففسر الغمة بالهم والضيق. وفسر مجاهد: ﴿اقْضُوا﴾ باعملوا أي: ما في أنفسكم من إهلاكي ونحوه من سائر الشرور. وقال: معنى الآية: فافرق: فاقض، يعني: أظهر الأمر وأفصله وميزه بحيث لا تبقى غمة أي: لا تبقى شبهة وسترة وكتمان، ثم اقض بالقتل ظاهرًا مكشوفًا ولا تمهلوني بعد ذلك، وفي بعضها يقال: افرق فاقض فلا يكون مسندًا إلى مجاهد، "ك" (٢٥/ ٢١١).
¬ (٣) أي: مشرك، "ك" (٢٥/ ٢١١).
¬ (٤) قوله: (إنسان يأتيه … ) إلخ، تفسير مجاهد. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [أصله: وإن استجارك أحد، فحذف استجارك لدلالة استجارك الظاهر عليه]. قوله: "إنسان" أي: مشرك يعني: إن أراد مشرك سماع كلام الله تعالى فاعرض عليه القرآن وبلغه إليه وأمنه عند السماع، فإن أسلم فذاك، وإلا فرده إلى مأمنه من حيث أتاك، "ع" (١٦/ ٧٠٢). قال ابن بطال (١٠/ ٥١٩): ذكر هذه الآية من أجل أمر الله تعالى نبيه بإجارة الذي يسمع الذكر حتى يسمعه، فإن أمن فذاك وإلا فيبلغ مأمنه حتى يقضي الله فيه ما شاء، "ف" (١٣/ ٤٩٠)، "ع" (١٦/ ٧٠٢).
стр. 10644
جَاءَ ¬ (١). ﴿النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ ¬ (٢) ¬ (٣): الْقُرْآن، ﴿صَوَابًا﴾ حَقًّا فِي الدُّنْيَا وَعَمِلَ بِهِ.
٤٠ - بَابُ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا ¬ (٤)﴾ [البقرة: ٢٢]
"وَعَمِلَ بِهِ" في صـ: "وَعَمَلًا بِهِ"، [وفي نـ: "وَعَمَلٌ بِهِ].
===
¬(١) تفسير للمأمن، "ك" (٢٥/ ٢١١).
¬ (٢) قال ابن بطال (١٠/ ٥٢٠): سمي نبأ لأنه ينبأ به، وقال الراغب: ﴿النَّبَإِ﴾: الخبر ذو الفائدة الجليلة يحصل به علم أو ظن غالب، وحق الخبر الذي يسمى نبأ أن يتعرى عن الكذب، كذا في "ف" (١٣/ ٤٩٠).
¬ (٣) قوله: (النبأ العظيم) أي: ما قال تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيم﴾ [النبأ: ٣٨] أي: القرآن، أي: فاجب عن سؤالهم وبلغ القرآن إليهم، وقال تعالى: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨] أي: قال: "حقًا في الدنيا وعمل به"؛ فإنه يؤذن له في القيامة بالتكلم. فإن قلت: ما وجه ذكره ها هنا؟ قلت: عادة البخاري أنه إذا ذكر آية مناسبة للمقصود ذكر معها بعض ما يتعلق بتلك السورة التي فيها تلك الآية مما يثبت عنده من تفسير ونحوه على سبيل التبعية، "ك" (٢٥/ ٢١٢). والذي يظهر في مناسبتها أن تفسير قوله: " ﴿صَوَابًا﴾ بقول الحق والعمل به في الدنيا يشمل ذكر الله تعالى باللسان والقلب مجتمعين ومنفردين، فناسب قوله ذكر العباد بالدعاء والتضرع.
تنبيه: لم يذكر في هذا الباب حديثًا مرفوعًا، ولعله بيض له فأدمجه النساخ كغيره، "ف" (١٣/ ٤٩٠).
¬ (٤) قوله ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ الند بكسر النون وتشديد الدال يقال له: النديد أيضًا، وهو نظير الشيء الذي يعارضه في أموره، وقيل: ند الشيء من يشاركه في جوهره، هو ضرب من المثل، لكن المثل يقال في أي مشاركة كانت، فكل ند مثل من غير عكس.
قال ابن بطال (١٠/ ٥٢١): غرض البخاري في هذا الباب إثبات نسبة
стр. 10645
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الأفعال كلها لله تعالى سواء كانت من المخلوقين خيرًا أو شرًا فهي لله خلق وللعباد كسب، ولا ينسب شيء من الخلق لغير الله تعالى فيكون شريكًا وندًّا ومساويًا له في نسبة الفعل إليه، وقد نبه الله تعالى عباده على ذلك بالآيات المذكورة وغيرها المصرحة بنفي الأنداد والالهة المدعوة معه، فتضمنت الرد على من يزعم أنه يخلق أفعاله، ومنها ما يحذر به المؤمنين أو أثنى عليهم، ومنها ما وبخ به الكافرين. وحديث الباب ظاهر في ذلك.
وقال الكرماني (٢٥/ ٢١٢): الترجمة مشعرة بأن المقصود إثبات نفي الشريك عن الله، فكان المناسب ذكره في أوائل "كتاب التوحيد"، لكن ليس المقصود هاهنا ذلك بل المراد بيان كون أفعال العباد بخلق الله تعالى؛ إذ لو كانت أفعالهم بخلقهم لكانوا أندادًا لله وشركاء له، ولهذا عطف "ما ذكر في خلق … " إلخ، عليه، وتضمن الرد على الجهمية في قولهم: لا قدرة للعبد أصلًا، وعلى المعتزلة حيث قالوا: لا دخل لقدرة الله تعالى فيها. والمذهب الحق أن لا جبر ولا قدر ولكن أمر بين أمرين! فإن قيل: لا يخلو أن يكون فعل العبد بقدرة منه أو لا؛ إذ لا واسطة بين النفي والإثبات، فعلى الأول يثبت القدر الذي تدعيه المعتزلة، وعلى الثاني يثبت الجبر الذي هو قول الجهمية؟ فالجواب أن يقال: بل للعبد قدرة يفرق بها بين النازل من المنارة والساقط منها، ولكن لا تأثير لها بل فعله ذلك واقع بقدرة الله تعالى، فتأثير قدرته في بعد تأثير قدرة العبد، وهذا هو المسمّى بالكسب، وحاصل ما تعرف به قدرة العبد أنها صفة يترتب عليها الفعل والترك عادة، وتقع على وفق الإرادة.
وغرضه هاهنا الرد على من لم يفرق بين التلاوة والمتلو ولذلك أتبع هذا الباب بالتراجم المتعلقة بذلك مثل باب: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] وباب: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ﴾ [تبارك: ١٣]. واشتد إنكار الإمام أحمد ومن تبعه على من قال: لفظي بالقرآن مخلوق.
стр. 10646
وَقَوْلِهِ: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت: ٩]، وَقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]، ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ ¬ (١) عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦]: وَقَالَ عِكْرِمَةُ ¬ (٢): ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ¬ (٣)﴾ [يوسف: ١٠٦] قال ¬ (٤): يَسْأَلُهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ وَمَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ؟ فَيَقُولُونَ اللَّهُ. فَذَلِكَ إِيمَانُهُمْ، وَهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ ¬ (٥)،
"﴿إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾، زاد في نـ: " ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ " [العنكبونـ: ٦١]، وفي ذ: "قال: لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ". "يَسْأَلُهُمْ" في صغـ: "تَسْأَلُهُمْ". "فَيَقُولُونَ" كذا في صـ، ذ، ولغيرهما: "لَيَقُولُنَّ".
===
والذي يتحصل من كلام المحققين منهم أنهم أرادوا حسم المادة صونًا للقرآن أن يوصف بكونه مخلوقًا، فإذا حقق الأمر عليهم لم يفصح أحد منهم بأن حركة لسانه إذا قرأ قديمة. وقال البيهقي: [أما] ما نقل عن أحمد بن حنبل أنه سوى بينهما فإنما أراد حسم المادة لئلا يتذرع أحد إلى القول بخلق القرآن، وظن بعضهم أن البخاري خالف أحمد، وليس كذلك، بل من تدبر كلامه لم يجد خلافًا معنويًا، كذا في "فتح الباري" (١٣/ ٤٩١ - ٤٩٢).
¬ (١) أي: ليبطلن.
¬ (٢) أي: في تفسير: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ … ﴾ إلخ.
¬ (٣) فإن قلت: الإيمان والكفر يعني الشرك، كيف يجتمعان؟ قلت: الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به لا يجتمع به إلا الإيمان بالله فيجتمع بأنواع من الكفر، "ك" (٢٥/ ٢١٢).
¬ (٤) تفسير.
¬ (٥) أراد به تفسير: ﴿وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾.
стр. 10647
وَمَا ذُكِرَ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَاكْتسَابِهِمْ ¬ (١) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ¬ (٢) فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ ¬ (٣) إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: ٨]: بِالرِّسَالَةِ وَالْعَذَابِ، ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ ¬ (٤)﴾ [الأحزاب: ٨]: الْمُبَلِّغِينَ ¬ (٥) الْمُؤَدِّينَ مِنَ الرُّسُلِ ¬ (٦)، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾
"أَفْعَالِ الْعِبَادِ" في هـ، ذ: "أَعَمَالِ الْعِبَادِ". "وَاكْتسَابِهِمْ" في نـ: "وَأَكْسَابِهِمْ". " ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ " في ذ: " ﴿نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ ". " ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ﴾ " زاد في نـ: " ﴿عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ ". " ﴿لَحَافِظُونَ﴾ " كذا في قتـ، ذ، وفي ذ: "حَافِظُونَ".
===
¬(١) قوله: (وما ذكر في خلق أفعال العباد واكتسابهم) عطف على قول الله مضافًا إليه الباب، والخلق دله والكسب للعباد، "ك" (٢٥/ ٢١٢)، واحتج أعلى ذلك، بقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ "؛ لأن لفظة: "كل" إذا أضيفت إلى نكرة تقتضي عموم الأفراد"ع" (١٦/ ٧٠٣).
¬ (٢) والكسب شيء، فيكون مخلوق لله تعالى، "ف" (١٣/ ٤٩٥).
¬ (٣) قوله: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ قال الكرماني (٢٥/ ٢١٣): ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ بالنون، ونصب الملائكة، هو استشهاد لكون نزول الملائكة بخلق الله تعالى، وبالتاء المفتوحة وبالرفع: فهو لكون نزولهم بكسبهم، "ع" (١٦/ ٧٠٣ - ٧٠٤).
¬ (٤) هو لبيان الكسب؛ حيث أسند الصدق إليهم والميثاق ونحوه، "ك" (٢٥/ ٢١٣).
¬ (٥) تفسير للصادقين.
¬ (٦) التفسير بهم بقرينة السابق عليه وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧)﴾ [الأحزاب: ٧] "ك" (٢٥/ ٢١٣).
стр. 10648
[الحجر: ٩] عِنْدَنَا، ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ ¬ (١)﴾ [الزمر: ٣٣]: بالْقُرْآن، ﴿وَصَدَّقَ بِهِ ¬ (٢)﴾: الْمُؤْمِنُ ¬ (٣)، يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتَنِي عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ.
٧٥٢٠ - حَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ¬ (٤)، عَنْ مَنْصُورٍ ¬ (٥)، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ¬ (٦)، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبيلَ ¬ (٧)، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ¬ (٨) قَالَ: سأَلْتُ النَّبِيُّ ﷺ : أيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ ¬ (٩) نِدًّا وَهُوَ
"بالْقُرْآن" في نـ: "الْقُرْآن". "لِلَّهِ" في حـ، ذ: "له".
===
¬(١) قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾: بالقرآن، ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾: المؤمن، يقول يوم القيامة: هذا الذي أعطتيني عملت بما فيه) وصله الطبري من طريق منصور بن المعتمر عن مجاهد قال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ هم أهل القرآن يجيئون به يوم القيامة يقولون: هذا الذي أعطيتمونا عملنا بما فيه. [انظر "عمدة القاري" (١٦/ ٧٠٤)].
¬ (٢) هو أيضا للكسب؛ إذ أضيف التصديق إلى المؤمن لا سيما أضاف العمل أيضًا إلى نفسه حيث قال: عملت، "ك" (٢٥/ ٢١٣).
¬ (٣) تفسير.
¬ (٤) ابن عبد الحميد، "ع" (١٦/ ٧٠٤).
¬ (٥) ابن المعتمر، "ع" (١٦/ ٧٠٤).
¬ (٦) شقيق بن سلمة، "ع" (١٦/ ٧٠٤).
¬ (٧) بضم المعجمة وفتح الراء وإسكان المهملة وكسر الموحدة وبالتحتانية منصرفًا، ومنهم من يمنع الصرف، "ك" (٢٥/ ٢١٤).
¬ (٨) ابن مسعود.
¬ (٩) المراد هنا: الإشارة إلى أن من زعم أنه يخلق فعل نفسه يكون كمن جعل لله ندًّا، "ك"، [انظر "الفتح" (١٣/ ٤٩٥)].
стр. 10649
خَلَقَكَ". قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ. قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ ¬ (١) أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ" ¬ (٢). قُلْتُ: ثُمَّ أَيّ؟ قَالَ: "ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ ¬ (٣) جَارِكَ". [راجع: ٤٤٧٧].
٤١ - بَابُ قَوْلِه: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ ¬ (٤) أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٢]
"تَخَافُ" في نـ: "مَخَافَةَ". ﴿وَلَا أَبْصَارُكُمْ … ﴾ " إلخ، في نـ بدله: "الآية".
===
¬(١) قوله: (تخاف أن يطعم) فإن قلت: هو بدون مخافة الطعم أيضًا؟ قلت: مفهومه لا اعتبار له؛ إذ شرط اعتباره أن لا يكون خارجًا مخرج الأغلب ولا بيانًا للواقع نحو: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾، ثم لا شك أنه إذا انضم إليه قلة الوثوق بأن الله هو الرزاق كان أعظم، وكذا الزنا بزوجة الجار فإنه زنا وإبطال لما أوصى الله به من حفظ حقوق الجيران، "ك" (٢٥/ ٢١٤).
¬ (٢) مرَّ الحديث (برقم: ٦٨١١).
¬ (٣) بفتح المهملة: الزوجة، "ك" (٢٥/ ٢١٤).
¬ (٤) قوله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ … ﴾ إلخ)، قال صاحب "التوضيح": غرض البخاري في الباب إثبات السمع لله تعالى، كأنه لما ثبت كونه عالِمًا وجب كونه عالمًا لما يعلم؛ خلافًا لمن أنكر صفات الله تعالى من المعتزلة وقال: معنى وصفه بأنه سامع للمسموعات يعني وصفه بأنه عالم بالمعلومات، "ع" (١٦/ ٧٠٥).
قال الحافظ ابن حجر: والذي أقول: إن غرضه في هذا الباب إثبات ما ذهب إليه أن الله يتكلم متى شاء، وهذا الحديث من أمثلة إنزال الآية بعد الآية على السبب الذي يقع في الأرض، وهذا ينفصل عنه من ذهب إلى أن
стр. 10650
٧٥٢١ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ¬ (١) قالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ¬ (٢) قالَ: حَدَّثَنَا جَرِيْرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ ¬ (٣)، عَنْ مُجَاهِدٍ ¬ (٤)، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ ¬ (٥)، عَنْ عَبدِ اللَّهِ ¬ (٦) قَالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ ¬ (٧) ثَقَفِيَّانِ ¬ (٨) وَقُرَشِيٌّ، أَوْ قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ، كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونُهُمْ ¬ (٩) قَلِيل فِقْهُ قُلُوبُهِمْ. فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتُرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ وَقَالَ الآخَرُ:
"حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قالَ: حَدَّثَنَا جَريْرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ" في نـ: "حَدَّثَنَا سُفْيَان، حَدَّثَنَا مَنْصُورٍ". "كَثِيرٌ" في نـ: "كَثِيرَةٌ". "شَحْمُ" في صـ: "شُحُومُ". "قَلِيلٌ" في نـ: "قَلِيلَةٌ".
===
الكلام صفة قائمة بذاته وأن الإنزال بحسب الوقائع من اللوح المحفوظ أو من السماء الدنيا كما ورد في حديث ابن عباس رفعه: "نزل القرآن دفعة واحدة إلى السماء الدنيا فوضع في بيت العزة ثم أنزل إلى الأرض نجومًا"، رواه أحمد في "مسنده"، "ف" (١٣/ ٤٩٦).
¬ (١) عبد الله بن الزبير، "ع" (١٦/ ٧٠٥).
¬ (٢) ابن عيينة، "ع" (١٦/ ٧٠٥).
¬ (٣) ابن المعتمر، "ع" (١٦/ ٧٠٥).
¬ (٤) ابن جبر - بفتح الجيم - المفسر المكي، "ع" (١٦/ ٧٠٥).
¬ (٥) بفتح الميمين: عبد الله بن سخبرة الأزدي، "ع" (١٦/ ٧٠٥).
¬ (٦) ابن مسعود، "ع" (١٦/ ٧٠٥).
¬ (٧) أي: الكعبة شرفها الله تعالى، إذ هو المتبادر إلى الذهن، ويحتمل الجنس، "ك" (٢٥/ ٢١٤).
¬ (٨) بالمثلثة والكاف المفتوحتين وبالفاء، "ك" (٢٥/ ٢١٤).
¬ (٩) قوله: (كثيرة شحم بطونهم) إشارة إلى وصفهم. وقوله: "بطونهم" مبتدأ، و"كثيرة شحم" خبره، والكثيرة مضافة إلى الشحم، هذا إذا كان بطونهم مرفوعًا، وإذا كان مجرورًا بالإضافة يكون الشحم الذي هو مضاف
стр. 10651
يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا ¬ (١) وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَينَا. وَقَالَ الآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا فَإنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَينَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ﴾ الآيَةَ [فصلت: ٢٢]. [راجع: ٤٨١٦].
٤٢ - بَابُ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ¬ (٢)﴾ [الرحمن: ٢٩] وَ ﴿مَا يَأْتِيهِمْ ¬ (٣) مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]
"إِنْ أَخْفَيْنَا" في نـ: "إذا خَافَتْنَا". "إِذَا أَخْفَيْنَا" في نـ: "إِذَا خَافَتْنَا".
===
مرفوعًا بالابتداء، وكثيرة مقدمًا خبره، واكتسب الشحم التأنيث من المضاف إليه إن كانت الكثيرة غير مضافة، وكذلك الكلام "في قليلة فقه قلوبهم" - قال في "المصابيح": هذا غلط لأن المسألة مشروطة بصلاحية المضاف للاستغناء عنه مثل: قطعت بعض أصابعه فلا يجوز غلام هند ذهبت، كذا في "قس" (١٥/ ٥٧٦)، وأنث بتأويل شحم بشحوم، "ف" (١٣/ ٤٩٦) -.
قوله: "أترون" بالضم أي: أتظنون. ووجه الملازمة فيما قال إن كان يسمع هو أن نسبة جميع المسموعات إلى الله تعالى على السواء. فإن قلت: الذي أصاب في قياسه كيف وصف بقلة الفقه؟ قلت: لأنه لم يعتقد حقيقة ما قال ولم يقطع به، بل شك بقوله: "إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا" كذا في "ع" (١٦/ ٧٠٥ - ٧٠٦).
¬ (١) مرَّ الحديث (برقم: ٤٨١٦، ٤٨١٧).
¬ (٢) أي: يعز ويذل ويحيي ويميت ويخفض ويرفع ويغفر ذنبًا ويكشف كربًا ويجيب داعيًا "ع" (١٦/ ٧٠٦).
¬ (٣) قوله: (وما يأتيهم … ) إلخ، قال ابن بطال (١٠/ ٥٢٥): غرض البخاري الفرق بين وصف كلام الله تعالى بأنه مخلوق وبين وصفه بأنه محدث، فأحال وصفه بالخلق وأجاز وصفه بالحدث اعتمادًا على الآية،
стр. 10652
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا قول بعض المعتزلة وأهل الظاهر، وهو خطأ؛ لأن الذكر الموصوف في الآية بالأحداث ليس هو نفس كلامه تعالى؛ لقيام الدليل على أن محدثًا منشأ ومخترعًا ومخلوقًا ألفاظ مترادفة على معنى واحد، فإذا لم يجز وصف كلامه القائم بذاته تعالى بأنه مخلوق لم يجز وصفه بأنه محدث. وإذا كان كذلك فالذكر الموصوف في الآية بأنه محدث هو الرسول؛ لأنه تعالى قد سماه في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا﴾ [الطلاق: ١٠ - ١١]، فيكون المعنى: ما يأتيهم من رسول محدث. ويحتمل أن يكون المراد بالذكر هاهنا وعظ الرسول إياهم وتحذيره من المعاصي فسماه ذكرًا وأضافه إليه؛ إذ هو فاعله ومُقدر رسوله على اكتسابه. وقال بعضهم في هذه الآية: أن مرجع الأحداث إلى الإتيان لا إلى الذكر القديم؛ لأن نزول القرآن على رسول الله ﷺ كان شيئًا بعد شيء، فكان نزوله يحدث حينًا بعد حين كما أن العالم يعلم ما لا يعلمه الجاهل، فإذا علمه الجاهل حدث عنده العلم ولم يكن إحداثه عند التعلم إحداث عين المعلم. قلت: والاحتمال الأخير أقرب إلى مراد البخاري لما قدمت قبلُ أن مبنى هذه التراجم عنده على إثبات أن أفعال العباد مخلوقة، ومراده هاهنا الحدث بالنسبة للإنزال، وبذلك جزم ابن المنير ومن تبعه.
وقال الكرماني (٢٥/ ٢١٥): صفات الله سلبية ووجودية وإضافية، فا لأولى: هي التنزيهات، والثانية: هي القديمة، والثالثة: الخلق والرزق، وهي حادثة ولا يلزم من حدوثها تغير في ذات الله تعالى ولا في صفاته الوجودية، كما أن تعلق العلم وتعلق القدرة بالمعلومات والمقدورات حادث، وكذا جميع الصفات الفعلية، فإذا تقرر ذلك فالإنزال حادث والمنزل قديم وتعلق القدرة حادث ونفس القدرة قديمة، فالمذكور - وهو القرآن - قديم والذكر حادث. وأما ما نقله ابن بطال عن المهلب ففيه نظر؛ لأن البخاري
стр. 10653
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
لا يقصد ذلك ولا يرضى بما نسب إليه، إذ لا فرق بين مخلوق وحادث لا عقلًا [ولا نقلًا] ولا عرفًا.
وقال ابن المنير: قيل: ويحتمل أن يكون مراده حمل لفظ محدث على الحديث، فمعنى ذكر محدث أي: متحدث به. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق هشام: أن رجلًا من الجهمية احتج لزعمه أن القرآن مخلوق بهذه الآية، قال له هشام: محدث إلينا يحدث إلى العباد؟ قال: إنما المراد أنه محدث إلى النبي ﷺ ، وأما الله سبحانه فلم يزل عالِمًا. قال ابن التين: احتج من قال بخلق القرآن بهذه الآية، قالوا: والمحدث هو المخلوق؟! والجواب: أن لفظ الذكر في القرآن يتصرف على وجوه: الذكر بمعنى العلم، ومنه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣]، والذكر بمعنى العظة، ومنه: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١]، والذكر بمعنى الصلاة، ومنه: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. والذكر بمعنى الشرف، ومنه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]، ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، قال: فإذا كان الذكر يتصرف إلى هذه الأوجه وهي كلها محدثة كان حمله على إحداها أولى؛ ولأنه لم يقل: "مَا يَأْتِيهِم مِن ذِكْرٍ مِن ربِّهِم إلا كان محدثًا"، ونحن لا ننكر أن يكون من الذكر ما هو محدث كما قلنا. وقيل: محدث عندهم و"من" زائدة للتأكيد.
قال أبو عبيد - يعني القاسم بن سلام -: احتج هؤلاء الجهمية بآيات، وليس فيما احتجوا به أشد البأس من ثلاث آيات: قوله: " ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرً﴾ [الفرقان: ٢]، و ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ و ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]، قالوا: إن قلتم: إن القرآن لا شيء كفرتم، وإن قلتم: إن المسيح كلمة الله فقد أقررتم أنه خلق، وإن قلتم: ليس بمحدث رددتم القرآن! قال أبو عبيد: أما قوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فقد قال في آية أخرى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ
стр. 10654
وَقَوْلِ اللَّهِ: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ ¬ (١) بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١].
وَأَنَّ حَدَثَهُ ¬ (٢) لَا يُشْبهُ حَدَثَ الْمَخْلُوقِينَ، لِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى].
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَن النَّبِيِّ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ ¬ (٣) مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاء، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ: أنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ".
٧٥٢٢ - حَدَّثَنَا عَلِي بْنُ عَبدِ اللَّهِ ¬ (٤) قالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ ¬ (٥) قالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ¬ (٦)، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
"مِنْ أَمْرِهِ" في ذ: "عَنْ أَمْرِهِ". "مَا يَشَاءُ" في ذ: "مَا شَاء".
===
فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، فاخبر أن خلقه بقوله، وأول خلقه هو من [أول] الشيء الذي قال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وقد أخبر أنه خلقه بقوله فدل على أن كلامه قبل خلقه. وأما المسيح فالمراد أن الله خلقه بكلمته لا أنه هو الكلمة، بقوله: ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم﴾ ولم يقل: ألقاه، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] وأما الآية الثالثة فإنما حدث القرآن عند النبي ﷺ وأصحابه لما علمه ما لم يعلم، كذا في "فتح الباري" (١٣/ ٤٩٧ - ٤٩٨).
¬ (١) المعنى يحدث عندهم ما لم يكونوا يعلمونه، "ف" (١٣/ ٤٩٧).
¬ (٢) أي: إحداثه،"ك" (٢٥/ ٢١٥).
¬ (٣) أراد بإيراد هذا التعليق هاهنا جواز الإطلاق على الله بأنه محدث - بكسر الدال -؛ لقوله ﵊: "إن الله يحدث من أمره ما يشاء"، ولكن إحداثه لا يشبه إحداث المخلوقين"ع" (١٦/ ٧٠٧).
¬ (٤) المديني"ع" (١٦/ ٧٥٧).
¬ (٥) المصري، "ك" (٢٥/ ٢١٦).
¬ (٦) السختياني، "ع" (١٦/ ٧٠٧).
стр. 10655
كَيفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ كُتُبِهِمْ وَعِنْدَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ أَقْرَبُ الْكُتُبِ ¬ (١) عَهْدًا بِاللَّهِ ¬ (٢)، تَقْرَءُونَهُ مَحْضًا ¬ (٣) لَمْ يُشَبْ. [راجع: ٢٦٨٥، تحفة:٦٠٠٩].
٧٥٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ¬ (٤) قالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ ¬ (٥)، عَنِ الزُّهْرِيِّ ¬ (٦)، أَخْبَرَنِي عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ¬ (٧): أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ كَيفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَاب عَنْ شَيْءٍ وَكِتَابُكُمُ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّكُمْ أَحْدَثُ الأَخْبَارِ ¬ (٨) بِاللَّهِ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ،
"أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ" في نـ: "قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ"، وفي نـ: "عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ".
===
¬(١) فيه المطابقة، "ع" (١٦/ ٧٠٧).
¬ (٢) قد جرى البخاري على عادته في الإشارة إلى اللفظ الذي يريده وإيراده لفظًا آخر غيره، فإنه أورد أثر ابن عباس بلفظ "أقرب"، وهو عنده في الموضع الآخر بلفظ "أحدث"، وهو أليق بمراده، "ف" (١٣/ ٤٩٠).
¬ (٣) أي: خالصًا، "مجمع" (٤/ ٥٦٢)، أي: لم يخلط بالغيب كما خلط اليهود حيث حرفوا التوراة، "ك (٢٥/ ٢١٦).
¬ (٤) الحكم بن نافع، "ع" (١٦/ ٧٠٨).
¬ (٥) ابن أبي حمزة، "ع" (١٦/ ٧٠٨).
¬ (٦) محمد بن مسلم، "ع" (١٦/ ٧٠٨).
¬ (٧) ابن عتبة بن مسعود"ع" (١٦/ ٧٠٨).
¬ (٨) أي: لفظًا؛ إذ القديم هو المعنى القائم به تعالى، أو نزولًا، أو إخبارًا من الله تعالى، "ك (٢٥/ ٢١٦)، "ع" (١٦/ ٧٠٨).
стр. 10656
وَقَدْ حَدَّثَكُمُ اللَّهُ ¬ (١) أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ بَدَّلُوا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ وَغَيَّرُوا فَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ الْكُتُبَ، قَالُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَروا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، أَوَلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ ¬ (٢) مِنَ الْعِلْمِ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ؟! وَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا رَجُلًا مِنْهُمْ يَسْأَلُكُمْ ¬ (٣) عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيكُمْ. [راجع: ٢٦٨٥].
٤٣ - بَابُ ¬ (٤) قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ ¬ (٥) لِسَانَكَ ¬ (٦)﴾
"فَكَتَبوا" في نـ: "وَكَتَبُوا". "الْكُتُبَ" ثبت في ذ." ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾ " كذا في هـ، وفي نـ: "لِيَشْتَرُوا بِذلك". "وَلَا وَاللَّهِ" في نـ: "فَلَا وَاللَّهِ". "أُنْزِلَ عَليْكُمْ" في سـ: "أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ".
===
¬(١) حيث قال ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ … ﴾ الآية [البقرة: ٧٩]، "ك" (٢٥/ ٢١٦) "ع" (١٦/ ٧٠٨).
¬ (٢) إسناد المجيء إلى العلم مجاز كإسناد النهي إليه، "ك" (٢٥/ ٢١٦)،"ع" (١٦/ ٧٠٨).
¬ (٣) مع أن كتابهم محرف فلم تسألون أنتم عنهم؟ "ك" (٢٥/ ٢١٦)، "ع" (١٦/ ٧٠٨).
¬ (٤) المقصود من الباب: بيان كيفية تلقي النبي ﷺ كلام [الله تعالى] من جبرئيل ﵇، "ك" (٢٥/ ٢١٧).
¬ (٥) أي: بالقرآن،"ع" (١٦/ ٧٠٨).
¬ (٦) قوله: (قول الله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ … ) إلخ، قال ابن بطال (١٠/ ٥٢٦): غرضه في هذا الباب أن تحريك اللسان والشفتين بقراءة القرآن عمل يؤجر عليه. وقوله: " ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ " فيه إضافة الفعل إلى الله تعالى والفاعل له من يأمره بفعله، فإن القارئ لكلامه تعالى على النبي ﷺ هو جبرئيل، ففيه بيان لكل ما أشكل من كل فعل ينسب إلى الله تعالى مما لا يليق به فعله من المجيء والنزول ونحو ذلك، انتهى.
стр. 10657
وَفِعْلِ النَّبِيِّ ¬ (١) ﷺ حيثُ يُنْزَلُ عَليْهِ الْوَحْيُ.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "قَالَ اللَّهُ: أَنَا مَعَ عَبدِي مَا ذَكَرَنِي ¬ (٢) وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ".
٧٥٢٤ - حَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ¬ (٣)، عَنْ مُوسَى بْنِ
"حَيْثُ يُنْزَلُ" في ذ: "حِينَ يُنْزَلُ". "مَا ذَكَرَنِي " كذا في هـ، ذ، وفي ذ: "حَيثُمَا ذكَرَنِي"، وفي هـ، حـ، ذ: "إِذَا مَا ذَكَرَنِي"، وفي نـ: "مَا إذا ذَكَرَنِي"، وفي هـ أيضًا: "إذا ذَكَرَنِي". " حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ" في ذ: "قال: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ".
===
والذي يظهر لي أن مراد البخاري بهذين الحديثين - الموصول والمعلق - الرد على من زعم أن قراءة القارئ قديمة، فأبان أن حركة لسان القارئ بالقرآن من فعل القارئ بخلاف المقروء فإنه كلام الله القديم كما أن حركة لسان ذاكر الله حادثة من فعله، والمذكور وهو الله قديم. وإلى ذلك أشار بالتراجم التي بعد هذا، "ف" (١٣/ ٥٠٠).
¬ (١) قد بينه في حديث الباب بأنه كان يعالج شدة من أجل تحفظه، فلما نزلت صار يستمع فإذا ذهب الملك قرأه كما سمعه، "ف" (١٣/ ٥٠٠).
¬ (٢) قوله: (أنا مع عبدي ما ذكرني) قال ابن بطال (١٠/ ٥٢٧): معنى الحديث أنا مع عبدي زمان ذكره لي، أي: أنا معه بالحفظ والكلاءة لا أنه معه بذاته حيث حل العبد، ومعنى قوله: "تحركت بي شفتاه " أي: تحركت باسمي لا أن شفتيه ولسانه تتحرك بذاته تعالى لاستحالة ذلك، انتهى ملخصًا.
وقال الكرماني (٢٥/ ٢١٧): المعية معية الرحمة، وأما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ فهي معية العلم، يعني: فهذه أخص من المعية التي في الآية، "ف" (١٣/ ٥٥٠).
¬ (٣) بفتح العين المهملة: الوضاح بن عبد الله اليشكري، "ع" (١٦/ ٧٠٩).
стр. 10658
أَبِي عَائِشَةَ ¬ (١)، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَالِجُ ¬ (٢) مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً ¬ (٣)، كَانَ يُحَرْكُ شفَتَيْهِ - فَقَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَا أحَرِّكُهُمَا لَكَ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُهُمَا. فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ¬ (٤) * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ¬ (٥)﴾، قَالَ: جَمْعُهُ لَكَ فِي صَدْرِكَ ثُمَّ تَقْرَؤُهُ. ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَه﴾، قَالَ: فَاسْتَمِع لَهُ وَأَنْصِتْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا أَنْ تَقْرَأَهُ. قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أتَاهُ جِبْرئيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرئيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا أَقْرَأَهُ. [راجع: ٥].
"كَانَ يُحَرِّكُ" في نـ: "وَكَانَ يُحَرِّكُ"، وفي نـ: "فَكَانَ يُحَرِّكُ". "أَنَا أُحَركُهُمَا" في نـ: "فَأَنَا أُحَركُهُمَا" في الموضعين. "كَمَا كَانَ" في نـ: "كَمَا رَأيْتُ". "كَمَا أَقْرَأَهُ" زاد في ذ: "جِبْرَئِيلُ.
===
¬(١) أبو بكر الهمداني، "ع" (١٦/ ٧٠٩).
¬ (٢) أي: يحاول ويزاول، "ك" (٢٥/ ٢١٧).
¬ (٣) كان ﷺ إذا نزل عليه القرآن يعجل به ليحفظه، فيحرك لسانه وشفتيه ويتوجه عليه وعلى ضبطه بمعالجة شديدة، فوعده الله تعالى بضمان حفظه وفهمه، "ك" (٢٥/ ٢١٧).
¬ (٤) أي: لتأخذه على عجلة مخافة أن ينفلت منك، "مجمع" (٣/ ٥٣٢)، هذا من أوضح الأدلة على أن القرآن يطلق ويراد به القراءة، فإن المراد بقوله: ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ في الآيتين القراءة لا نفس القرآن، "ف" (١٣/ ٥٠٠).
¬ (٥) مرَّ الحديث (برقم: ٥).
стр. 10659
٤٤ - بَابُ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ ¬ (١) أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٣ - ١٤]
===
¬(١) قوله: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ … ﴾ الآية)، قال ابن بطال (١٠/ ٥٢٨): مراده بهذا الباب إثبات العلم لله تعالى صفة ذاتية لاستواء علمه بالجهر من القول والسر، وقد بينه بقوله في آية أخرى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِه﴾ [الرعد: ١٠]، وأن اكتساب العبد من القول والفعل لله تعالى لقوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٣]، ثم قال عقيب ذلك: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤]، فدل على أنه عالم بما أسروه وما جهروا به وأق خالق لذلك فيهم. فإن قيل: قوله: ﴿مَنْ خَلَقَ﴾ راجع إلى القائلين؟ قيل له: إن هذا الكلام خرج مخرج التمدح منه بعلمه بما أسر العبد وجهر وأنه خلقه؛ فإنه جعل دليلًا على كونه عالمًا بقولهم، فتعين رجوع قوله: "خلق" إلى قولهم؛ ليتم تمدحه بالأمرين، وليكون أحدهما دليلًا على الآخر، ولم يفرق أحد بين القول والفعل. وقد دلت الآية على أن الأقوال خلق الله تعالى فوجب أن يكون الأفعال خلقًا له .
وقال ابن المنير: ظن الشارح أنه قصد بالترجمة إثبات العلم! وليس كما ظن، وإلا لتقاطعت المقاصد مما اشتملت عليه الترجمة؛ لأنه لا مناسبة بين العلم وبين حديث: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن"، وإنما قصد البخاري الإشارة إلى النكتة التي كانت سبب محنته بمسألة اللفظ، فأشار بالترجمة إلى أن تلاوة الخلق تتصف بالسر والجهر، ويستلزم أن تكون مخلوقة، وسياق الكلام يأبى ذلك، فقد قال البخاري في "كتاب خلق أفعال العباد" بعد أن ذكر أحاديث دالة على ذلك: فبين النبي ﷺ أن أصوات الخلق وقراءتهم ودراستهم وتعليمهم وألسنتهم مختلفة، بعضها أحسن وأزين وأحلى وأصوت وأرتل وألحن وأعلى وأخفض وأغض وأخشع وأجهر وأخفى وأقصر وأمد وألين من بعض، "ف" (١٣/ ٥٠١).
стр. 10660
﴿يَتَخَافَتُونَ ¬ (١)﴾ [القلم: ٢٣]: يَتَسَارُّوْنَ ¬ (٢)
٧٥٢٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ ¬ (٣)، عَنْ هُشَيْمٍ ¬ (٤) قالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ ¬ (٥)، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]، قَالَ: نَزَلَتْ وَرَسولُ اللَّهِ ﷺ مُخْتَفٍ ¬ (٦) بِمَكَّةَ، فَكَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ، فَإِذَا سَمِعَ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ أَيْ بِقِرَاءَتِكَ ¬ (٧)، فَيَسْمَعُ ¬ (٨) الْمُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا
"يَتَسَارُّونَ " في نـ: "يَتَشَاوَرُونَ". "حَدَّثَنَا عَمْرُو" في نـ: "حَدَّثَنِي عَمْرُو". "سَمِعَ " في ذ: "سَمِعَه".
===
¬(١) قال تعالى: ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ [القلم: ٢٣]، أي: فيما بينهم بكلام خفي، "ك" (٢٥/ ٢١٨).
¬ (٢) بتشديد الراء والسين المهملة، وفي بعضها بشين معجمة وزيادة واو بغير تثقيل أي: يتراجعون فيما بينهم سرًّا، "ف" (١٣/ ٥٠١).
¬ (٣) بضم الزاي وتخفيف الراء الأولى، ابن واقد الكلابي النيسابوري، "ع" (١٦/ ٧١٠).
¬ (٤) ابن بشير،"ع" (١٦/ ٧١٠).
¬ (٥) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، جعفر بن أبي وحشية، اسمه: إياس،"ع" (١٦/ ٧١٠).
¬ (٦) قيل: كان النبي ﷺ مختفيًا عن الكفار، فكيف يرفع الصوت، وهو ينافي الاختفاء!! وأجيب: بأنه لعله أراد الإتيان بما يشبه الجهر، أو ما كان له عند الصلاة ومناجاة الرب اختار لاستغراقه في ذلك.
¬ (٧) مرَّ الحديث (برقم: ٤٧٢٢).
¬ (٨) بالنصب والرفع، "ع" (١٦/ ٧١٠).
стр. 10661
الْقُرْآنَ، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عَنْ أَصْحَابِكَ فَلَا تُسْمِعُهُمْ، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ ¬ (١) سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠]. [راجع: ٤٧٢٢].
٧٥٢٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسمَاعِيلَ قالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ¬ (٢)، عَنْ هِشَامٍ ¬ (٣)، عَنْ أَبِيهِ ¬ (٤)، عَنْ عَائِشَةَ قَالَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ فِي الدُّعَاءِ ¬ (٥). [راجع: ٤٧٢٣، أخرجه: م ٤٤٧، تحفة: ١٦٨٠٦].
٧٥٢٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ¬ (٦) قال: أخْبَرَنَا أَبُو عَاصِم ¬ (٧)، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ¬ (٨) قال:
"أخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ " في نـ: "حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ". "أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ" في نـ: "قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ"، وفي نـ: "حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ"، وفي نـ: "عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ".
===
¬(١) أي: الجهر والمخافتة.
¬ (٢) حماد بن أسامة، "ع" (١٦/ ٧١٠).
¬ (٣) ابن عروة، "ع" (١٦/ ٧١٠).
¬ (٤) عروة بن الزبير، "ع" (١٦/ ٧١٠).
¬ (٥) أشار بهذا إلى وجه آخر في سبب نزول هذه الآية، "ع" (١٦/ ٧١٠). وقال الكرماني (٢٥/ ٢١٩): يعني أن المراد بالصلاة هاهنا معناها اللغوي أي: الدعاء، لا معناها الشرعي أي: العبادة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم.
¬ (٦) قال الحاكم: هو ابن نصر، وقال الغساني: هو ابن منصور وهو أشبه، "ك (٢٥/ ٢١٩).
¬ (٧) الضحاك، "ع" (١٦/ ٧١١).
¬ (٨) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، "ع" (١٦/ ٧١١).
стр. 10662
أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ ¬ (١)، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ¬ (٢)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْسَ مِنَّا ¬ (٣) مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ". وَزَادَ غَيْرُهُ ¬ (٤): "يَجْهَرُ بِهِ" ¬ (٥). [تحفة: ١٥٢١١].
===
¬(١) محمد بن مسلم الزهري.
¬ (٢) ابن عبد الرحمن بن عوف، "ع" (١٦/ ٧١١).
¬ (٣) قوله: (ليس منا) الحديث أي: ليس من أهل سنتنا، وليس المراد من أهل ديننا، و"لم يتغن" أي: لم يجهر بقراءة القرآن وغيره هو صاحب لأبي هريرة، وقيل: أي: من لم يستغن به. قال شارح التراجم: فيه أن الجهر مطلوب، وأشار البخاري بالترجمة إلى أن تلاوة الناس يتصف بالجهر والإسرار، وذلك يدل على أنها مخلوقة لله تعالى، وكذا في ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ دليل على أن قولهم مخلوق، وكذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ أي: بقراءتك دل على أنها فعله، وكذلك "من لم يتغن" أضاف الفعل إليه، وكان محمد بن يحيى الذهلي أنكر على البخاري فيما قال: لفظي بالقرآن مخلوق حيث قال: من قال: إن القرآن مخلوق فقد كفر، ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق فقد ابتدع، وروي أن البخاري سئل عن ذلك فقال: أعمال العباد كلها مخلوقة، وكان لا يزيد على ذلك. أقول: الحق مع البخاري في أن القراءة حادثة؛ إذ القراءة غير المقروء والذكر غير المذكور والكتابة غير المكتوب. نعم، المقروء والمذكور والمكتوب قديم. ثم إن جمهور المتكلمين من أهل السُّنَّة على أن القديم هو المعنى القائم بذات الله، وأما اللفظ فحادث، "ك" (٢٥/ ٢١٩ - ٢٢٠).
¬ (٤) أي: في آخر الحديث، "ع" (١٦/ ٧١١)، أي: غير أبي هريرة، "قس" (١٥/ ٥٨٣).
¬ (٥) أي: بالقرآن، (١٦/ ٧١١).
стр. 10663
٤٥ - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ¬ (١) ﷺ : "رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آناءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَرَجُلٌ يَقُولُ: لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ هَذَا فَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ"
فَبَيَّنَ اللَّهُ ¬ (٢) أَنَّ قِيَامَهُ ¬ (٣) بِالْكِتَابِ هُوَ فِعْلُهُ ¬ (٤)، وَقَالَ:
"رَجُلٌ" في نـ: "وَرَجُلٌ". "وَالنَّهَار" كذا في هـ، وفي هـ، ذ: "وَآناءَ النَّهَارِ". "مِثْلَ مَا أوتِيَ" في نـ: "بِمِثْل مَا أُوتِيَ". "كَمَا يَفْعَلُ " في نـ: "كَمَا فَعَلَ". "فَبَيْنَ اللَّهُ أَنَّ قِيَامَهُ بِالْكِتَابِ" في هـ، ذ: "فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ قِرَاءته الْكِتَابَ".
===
¬(١) قوله: (قول النبي ﷺ ) فإن قلت: الترجمة مخرومة؛ إذ ذكر من صاحب القرآن حال المحسود فقط، ومن صاحب المال حال الحاسد فقط، وهو خرم غريب ملبس فما وجهه؟ قلت: هو مخروم لكن ليس غريبًا ولا متلبسًا؛ إذ المتروك هو نصف الحديث بالكلية حاسدًا ومحسودًا وهو حال ذي المال، والمذكور هو بيان صاحب القرآن حاسدًا ومحسودًا؛ إذ المراد من رجل ثانيًا هو الحاسد، ومن مثل ما أوتي هو القرآن لا المال. وغرضه من هذا الباب: أن قول العباد وفعلهم منسوبان إليهم، وهو كالتعميم بعد التخصيص بالنسبة إلى الباب المتقدم عليه، "ك! (٢٥/ ٢٢٠ - ٢٢١).
¬ (٢) ليس في كثير من النسخ إلا قوله: "فبين"، فقط بدون ذكر فاعله، ولذا قال الكرماني: أي: النبي ﷺ ،"ع" (١٦/ ٧١١).
¬ (٣) أي: قيام الرجل، "ك" (٢٥/ ٢٢٠).
¬ (٤) حيث أسند القيام إليه، "ك" (٢٥/ ٢٢٠).
стр. 10664
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ ¬ (١) خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ ¬ (٢) وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢]. وَقَالَ: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:٧٧].
٧٥٢٨ - حَدَّثَنَا قُتَيبَةُ قالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ¬ (٣)، عَنِ الأَعْمَشِ ¬ (٤)، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ¬ (٥)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَحَاسُدَ ¬ (٦) إِلا فِي اثْنَتَينِ ¬ (٧): رَجُلٌ ¬ (٨) آتاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ
===
¬(١) قوله: (ومن آياته (الآيتان، أما الآية الأولى: فالمراد منها اختلاف ألسنتكم؛ لأنها تشمل الكلام كله فتدخل القراءة، وأما الآية الثانية: فعموم فعل الخير، يتناول قراءة القرآن والذكر والدعاء وغير ذلك، فدل على أن القراءة فعل القارئ، "ف" (١٣/ ٥٠٢).
الظاهر أنه ذكر الآيتين لأجل أمرين، أحدهما: أن الخلق من الله في الأفعال والأقوال، إليه تشير الآية الأولى، والثاني: أن الكسب من العباد فيهما، وهما منسوبان إلى العباد باعتبار الكسب، خ".
¬ (٢) أي: لغاتكم؛ إذ لا اختلاف في العضو المخصوص بحيث يصير من الآيات، "ك (٢٥/ ٢٣٠).
¬ (٣) ابن عبد الحميد، "ع" (١٦/ ٧١٢).
¬ (٤) سليمان،"ع" (١٦/ ٧١٢).
¬ (٥) ذكوان الزيات، "ع" (١٦/ ٧١٢).
¬ (٦) قوله: (لا تحاسد) المراد الغبطة، أو معناه: لا حسد إلا فيهما، وما فيهما ليس بحسد فلا حسد، أو هو مخصوص من الحسد المنهي كإباحة نوع من الكذب، ورد بأنه يلزم منه إباحة تمني زوال نعمة مسلم قائم بحق النعم، أي: لا غبطة محمودة إلا في هاتين، "مجمع" (١/ ٤٩٥).
¬ (٧) بالتأنيث، "قس" (١٥/ ٥٨٥)، وفي بعضها: اثنين وهو ظاهر، "ك" (٢٥/ ٢٢٠).
¬ (٨) أي: خصلة رجل ليصح بيانًا لاثنتين "ع" (١٦/ ٧١٢).
стр. 10665
من آناءِ اللَّيلِ ¬ (١) وَآناءِ النَّهَارِ، فَهُوَ يَقُولُ ¬ (٢): لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ هَذَا، فَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ. وَرَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ فَيَقُولُ ¬ (٣): لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ هَذَا عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ مَا عَمِلَ".
[راجع: ٥٠٢٦، أخرجه: س في الكبرى ٥٨٤١، تحفة: ١٢٣٣٩].
٧٥٢٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبدِ اللَّهِ ¬ (٤) قالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ¬ (٥): قَالَ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ ¬ (٦)، عَنْ أَبِيهِ ¬ (٧)، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْن: رَجُلٌ ¬ (٨) آتاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ به آناءَ اللَّيْلِ وَآناءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آناءَ اللَّيْلِ وَآناءَ النَّهَارِ". قالَ ¬ (٩):
"من آنَاءِ اللَّيْل" كذا في قتـ، ذ، وفي نـ: "آناءَ اللَّيْلِ". "مَا عَمِلَ" في نـ: "مَا يَعْمَل". "قَالَ الزُّهْرِيُّ " في نـ: "قَالَ: حدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ". "يَقُومُ به" كذا في صـ، ذ، وفي نـ: "يَتْلُوهُ".
===
¬(١) أي: ساعات الليل، "ك" (٢٥/ ٢٢٠)، "ع" (١٦/ ٧١١).
¬ (٢) مرَّ الحديث (برقم: ٧٣، ٥٠٢٦).
¬ (٣) أي: الحاسد، "ع" (١٦/ ٧١٢).
¬ (٤) هو ابن المديني، "ع" (١٦/ ٧١٢).
¬ (٥) ابن عيينة، "ع" (١٦/ ٧١٢).
¬ (٦) ابن عبد الله.
¬ (٧) عبد الله بن عمر بن الخطاب، "ع" (١٦/ ٧١٢).
¬ (٨) أي: خصلة رجل، والمناسبة بين الخصلتين أنهما يزيدان بالاتفاق، "مجمع" (١/ ٤٩٥).
¬ (٩) أي: علي بن عبد الله.
стр. 10666
سَمِعْتُ ¬ (١) مِنْ سُفْيَانَ مِرَارًا، لَمْ أَسْمَعْهُ يَذْكُرُ الْخَبَرَ، وَهُوَ مِنْ صَحِيحِ حَدِيثِهِ. [راجع: ٥٠٢٥، أخرجه: م ٨١٥، ت ١٩٣٦، س في الكبرى ٨٠٨٢، ق ٤٢٠٩، تحفة: ٦٨١٥].
٤٦ - بَابُ قَوْلِ اللَّهِ ¬ (٢) ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ ¬ (٣) إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]
"سَمِعْتُ مِنْ سُفْيَانَ" كذا في قتـ، ذ، وفي نـ: "سَمِعْتُ سُفْيَانَ". "رِسالتَه" في نـ: "رِسالَاتِه".
===
¬(١) قوله: (قال سمعت … ) إلخ، أي: قال علي بن المديني: سمعت هذا الحديث من سفيان مرارًا ولم أسمعه يذكره بلفظ أخبرنا وحدثنا الزهري، بل قال بلفظ "قال"، ومع هذا هو من صحيح حديثه لا قدح فيه، قد علم من الطرق الأخر الصحيحات، "ك" (٢٥/ ٢٢١).
¬ (٢) لعل مناسبة هذا الباب بالكتاب بيان الجزء الأخير من الشهادتين اللتين هما ركنان للإيمان، كما أن فيما سبق من الأبواب بيان للإيمان باللّه وبصفاته مع ما فيه من الإرشاد إلى أن الإيمان بالنبي ﷺ ينبغي أن يكون بجميع ما جاء، كما أن النبي ﷺ مأمور بتبليغ جميع ما أنزل عليه ﵊ ومنه الإيمان بالكتاب أي: القرآن المجيد، "خ".
¬ (٣) قوله: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِل … ﴾ الآية)، ظاهره اتحاد الشرط والجزاء لأن معنى: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾: إن لم تبلغ، لكن المراد من الجزاء لازمه، فهو كحديث: "من كانت هجرته إلى دنيا يصيبهما فهجرته إلى هاجر إليه"، واختلف في المراد بهذا الأمر، فقيل: المراد بلغ كل ما أنزل، وهو على ما فهمت عائشة وغيرها. وقيل: المراد بلغه ظاهرًا ولا تخش من أحد فإن الله يعصمك، والثاني أخص من الأول، وعلى هذا لا يتحد الشرط والجزاء، لكن الأول قول الأكثر لظهور العموم في قوله: "ما أنزل" والأمر للوجوب