← Акыда

Акыда · id 9080

الهدية الهادية إلى الطائفة التجانية

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (137 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المسألة السادسة عشرة روى صاحب الرماح عن شيخه التجاني أنه قال للنبي ﷺ حين أعطاه الطريقة وأمره أن يلقنها الناس ما نصه: أنه ما تنزل إلى إفادة الخلق بعد ما خبره ﷺ بذلك إلا بعد قوله للنبي ﷺ ، إن كنت بابا لنجاة كل عاص مسرف على نفسه تعلق بي فنعم وإلا فأي فضل لي، فقال ﷺ أنت باب لنجاة كل عاص تعلق بك وحينئذ طابت نفسه لذلك. قال محمد تقي الدين: في هذا الكلام أمور تدل على بطلانه. أولهما: أن الله جعل لكل عاص مسرف على نفسه بابا ليس عليه بواب ولا حرس ولا يتوقف على أحد من البشر وهو باب التوبة؛ وفي الحديث الصحيح أنه مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها؛ وفي ذلك يقول الله سبحانه في سورة الزمر؛ آيات: (٥٣، ٥٤ ٥٥) : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) ﴾ ففي هذه الآيات إرشاد من الله تعالى لجميع العصاة المسرفين على ما يجب عليهم أن يفعلوه لتغفر ذنوبهم. فأول ذلك: أن يتوبوا إلى الله تعالى توبة نصوحا بشروطها وقد تقدم ذلك. ثانيها: أن ينيبوا إلى الله تعالى ويسلموا له أنفسهم ويعملوا بطاعته ويتبعوا رضوانه وإلا جاءهم العذاب ولم يجدوا من ينصرهم أو يدفعه عنهم. ثالثها: أن يتبعوا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ وإلا جاءهم العذاب بغتة وهم لا يشعرون؛ ولا يصح لهم الإتباع إلا بترك البدع؛ والطرائق كلها؛ ومنها الطريقة التجانية من أقبح البدع؛ وادعاء أن بعض البشر باب لنجاة كل عاص مسرف على نفسه بدعة وتكذيب للقرآن؛ والنبي ﷺ وهو أفضل خلق الله ليس بابا لنجاة كل عاص مسرف على نفسه إلا إذا وحد الله تعالى واتبع الرسول. وبيان ذلك أن أبا طالب عم النبي ﷺ كان يحب النبي ﷺ حبا عظيما أكثر من محبته لأولاده؛ وقاسى الشدائد في الدفاع عنه؛ وكان النبي ﷺ حريصا على نجاته؛ ولكنه لما أبى أن يقول ((لا إله إلا الله)) لم يستطيع النبي صلى الله عبيه وسلم أن ينجيه من عذاب الله وقد أخبر أنه يكون في ضحضاح

стр. 72

من النار يصل إلى كعبيه يغلي منه دماغه؛ وفي صحيح البخاري قصة وفاة أبى طالب على الكفر واستغفار النبي ﷺ له إلى نهاه الله عن ذلك بقوله في سورة التوبة آية (١١٣) : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) ﴾ ولما مات أبو طالب على الكفر حزن عليه النبي ﷺ حزنا شديدا فأنزل الله تعالى عليه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) ﴾ وقد تقدم الكلام في ذلك. الأمر الثاني: أن الله تعالى قد أكمل الدين وبلغه رسوله البلاغ المبين ولم يبق شيء منه خافيا ولا مكتوما، فكيف يقول له النبي ﷺ أرشد الناس، وقد قال الله ذلك في كتابه؛ وقاله ولغيره رسول الله ﷺ في حديثه. فمن ذلك قوله تعالى في سورة يوسف في آخرها: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨) ﴾ وقال النبي ﷺ في خطبته في حجة الوداع: (ليبلغ الشاهد الغائب) وقد فعلوا ما أُمروا به فلم تبق حاجة إلى أمر جديد لأنه يكون من تحصيل الحاصل وهو محال. الأمر الثالث: كيف يتصور أن يأمر النبي ﷺ مسلما صادقا في إسلامه محبا للرسول ﷺ معظما له بأمر فيقول له أنا لا أفعل هذا الأمر إلا بشرط. هذا لو كان ذلك الشرط صحيحا؛ فكيف وهو شرط باطل يهدم قواعد الدين. وفي ذلك من سوء الأدب ما ينزه عنه أقل المؤمنين إيمانا؛ فكيف بسيد الأولياء على زعمكم. الأمر الرابع: أن النجاة التي اشترطها الشيخ التجاني بزعمهم على النبي ﷺ هي بيد الله وحده وليست في يد النبي ﷺ حتى يهبها للتجاني أو يمنعه منها؛ وقد تبين بطلان هذه الحكاية من أساسها والحمد لله رب العالمين. المسالة السابعة عشرة زعم صاحب الرماح؛ أن النبي ﷺ تفضل على شيخه التجاني بدائرة الإحاطة؛ التي هي خاصة بالنبي ﷺ وبمقامه، ومن بحرها تفضل عليه مولانا رسول الله ﷺ بالكنز المطلسم الذي هو خاص به ﷺ وبمقامه. ومن بحرها تفضل عليه مولانا رسول الله ﷺ بالخريدة

стр. 73

الفريدة؛ التي هي خاصة به ﷺ ؛ ومن بحرها تفضل عليه مولانا رسول الله ﷺ بإطلاقه رضي الله تعالى عنه في إعطاء جميع أوراده من الإسم الأعظم الكبير وما دونه لمن شاء؛ ومنعها ممن شاء؛ ومضى إلى أن قال: (إنه لما كان دائرة الإحاطة الذي هو الساري في جميع أسماء الله تعالى الظاهرة والباطنة والاسم الذي لا يُلقَّنه إلا القطب وهو الكنز المطلسم الذي ما أُنزل في القرآن ولا في جميع الكتب الإلهية مثله) انتهى بلفظه صفحة ٣٣. أقول تقدم أن النبي ﷺ لا يعطي ولا يمنع؛ وإنما هو مبلِّغ عن الله تعالى؛ وقد بلغ أمته البلاغ المبين وما ترك شيئا يقربهم من الله تعالى إلا بينه لهم قبل وفاته؛ ولا ترك شيئا يبعدهم عن الله إلا حذرهم منه؛ وهذه الأسماء المذكورة هنا ليس لها مسميات؛ وإنما اخترعت وذكرت تهويلا على الجاهلي؛ وإرهابا لهم وتخديرا لأعصابهم ليزدادوا خضوعا وطاعة ويعبدوا شيخهم بغاية الإخلاص فهي كالغول والعنقاء؛ وأسماء الله تعالى توقيفية؛ ولا يجوز أن يسمى الله إلا بما سمى به نفسه أو سماه به رسوله ﷺ ؛ ومن سمى الله باسم لم يرو ويصح عن النبي ﷺ فهو من الذين يلحدون في أسماء الله سيجزون ما كانوا يعملون؛ وقد اطلعت على كلمتين خنفشاريتين في كتاب مخطوط للشيخ المختار الكنتي؛ زعم أنها اسم الله الأعظم ثم بعد ذلك أعطاني الشيخ أحمد سكيرج هاتين الكلمتين وأخبرني أنهما اسم الله الأعظم؛ فعلمت أن تلك الكلمتين تدوران عند جميع أصحاب الطرائق؛ ويتشددون في إعطائهما ويهولون أمرهما حتى أنني حين خرجت من الطريقة التجانية زعم بعض التجانيين أن الشيخ سكيرج حين أعطاني الإسم الأعظم اشترط علي ألا أذكره في كل يوم إلا مرات معدودة فلم أف له بشرطه وذكرته أكثر مما حدد لي فسلبت. إلى هذا الحد بلغ بهم الجهل؛ وقد صدقوا؛ فإني سلبت الشرك والبدعة والضلالة؛ ورزقت التوحيد واتباع السنة والعلم المستند إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ؛ ولا يجوز إطلاق ذلك الإسم على الله تعالى؛ ومن أطلقه عليه فهو ضال ملحد في أسماء الله تعالى؛ فإن قلت أيها القارئ ما معنى قولك خنفشاريتين؟ فالجواب: أن جماعة من الأدباء زارهم رجل كذاب محتال إلا أنه كان فصيح اللسان؛ وادعى لهم أنه من أهل العلم فما سألوه عن مسألة إلا أفاض في جوابها ارتجالا بما حير ألبابهم. فقال أحدهم: تعالوا نمتحنه لنعلم صدقه من كذبه؛ وكانوا ستة؛ فقالوا: ليكتب كل واحد منا حرفا ثم نجمعها فتصير كلمة ونسأله عن معناها. فكتب كل واحد منهم حرفا ثم جمعوا الأحرف فتألفت منها كلمة هي (خنفشار) فقالوا أيها الأديب هل تعرف الخنفشار؟ فقال نعم هو نبات يطول إلى مقدار ذراع وله أوراق

стр. 74

مستديرة؛ وفيه لبن وهو صالح يوضع في اللبن الحليب فيحسن طعمه؛ وتطيب رائحته قال الشاعر: لقد حلت محبتكم بقلبي كما نفع الحليب الخنفشار وله خواص طبية ونقل عن الأطباء اليونانيين منافع كثيرة لهذا النبات؛ ثم قال: وقال رسول الله ﷺ ، فوضع أحدهم يده على فمه؛ وقال أيها الرجل حسبك بهتانا؛ كذبت على علماء اللغة وعلى الشعراء وعلى الأطباء والآن تريد أن تكذب على النبي ﷺ ؛ فصاروا يسمون كل كلمة مهملة؛ مثلوا لذلك؛ بديز؛ مقلوب زيد؛ وهذه الألفاظ التي ذكرها صاحب الرماح ليست مهملة ولكنها وضعت لمعان غير المعاني التي يريد أن يحملها إياها صاحب الرماح؛ أما ما يزعمون أنه الإسم الأعظم فهو كاخنفشار تماما؛ وكيف يمكن أن يتفضل النبي ﷺ على الشيخ التجاني بما هو خاص به؛ فحينئذ لا يكون خاصا به؛ فإن خصائصه ﵊ لا يجوز أن تكون لغيره أبدا لأن الله خصه بها؛ ولو أعطاها غيره لزالت الخصوصية ولكن هؤلاء القوم يزعمون أن علومهم خارجة عن دائرة العقل؛ فمن شاء أن يعرف كلامهم فليترك عقله؛ ومن أراد أن يصدقهم فلينبذ كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فنعوذ بالله من الخذلان. كلام شيخ الإسلام إمام المحققين أحمد بن تيمية في القطب والغوث قال ﵀ في كتابه: (رسالة زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور) ما نصه: يقال ثلاثة أشياء ما لها من أصل باب النصيرية ومنتظر الرافضة وغوث الجهال فإن النصيرية تدعي في الباب الذي لهم أنه الذي يقيم العالم فذاك شخصه موجود ولكن دعوى النصيرية فيه باطلة وأما محمد بن الحسن المنتظر والغوث المقيم بمكة ونحو هذا فإنه باطل ليس له وجود وكذلك ما يزعمه بعضهم من أن القطب الغوث الجامع يمد أولياء الله ويعرفهم كلهم ونحو هذا فهذا باطل فأبو بكر وعمر ﵄ لم يكونا يعرفان جميع أولياء الله ولا يمدانهم فكيف بهؤلاء الضالين المغترين الكذابين ورسول الله ﵌ سيد ولد آدم إنما عرف الذين لم يكن رآهم من أمته بسيماء الوضوء وهو الغرة والتحجيل ومن هؤلاء من أولياء الله من لا يحصيه إلا الله وأنبياء الله الذين هو إمامهم وخطيبهم لم يكن يعرف أكثرهم بل قال الله تعالى: ﴿x كصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَâ'ur قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ وموسى لم يكن يعرف الخضر والخضر لم يكن يعرف موسى بل لما سلم عليه موسى

стр. 75

قال له الخضر وأنى بأرضك السلام فقال له أنا موسى قال موسى بني إسرائيل قال نعم وقد كان بلغه اسمه وخبره ولم يكن يعرف عينه ومن قال إنه نقيب الأولياء أو أنه يعلمهم كلهم فقد قال الباطل. والصواب الذي عليه المحققون أنه ميت وأنه لم يدرك الإسلام ولو كان موجودا في زمن النبي ﵌ لوجب عليه أن يؤمن به ويجاهد معه كما أوجب الله ذلك عليه وعلى غيره ولكان يكون في مكة والمدينة ولكان يكون حضوره مع الصحابة للجهاد معهم وإعانتهم على الدين أولى به من حضوره عند قوم كفار ليرقع لهم سفينتهم ولم يكن مختفيا عن خير أمة أخرجت للناس وهو قد كان بين المشركين ولم يحتجب عنهم ثم ليس للمسلمين به وأمثاله حاجة لا في دينهم ولا في دنياهم فإن دينهم أخذوه عن الرسول النبي الأمي ﵌ الذي علمهم الكتاب والحكمة وقال لهم نبيهم: (لو كان موسى حيا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم) ، وعيسى بن مريم ﵇ إذا نزل من السماء إنما يحكم فيهم بكتاب ربهم وسنة نبيهم فأي حاجة لهم مع هذا إلى الخضر وغيره والنبي ﵌ قد أخبرهم بنزول عيسى من السماء وحضوره مع المسلمين، وقال: (كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها) ، فإذا كان النبيان الكريمان اللذان هما مع إبراهيم وموسى ونوح أفضل الرسل ومحمد ﵌ سيد ولد آدم ولم يحتجبوا عن هذه الأمة لا عوامهم ولا خواصهم فكيف يحتجب عنهم من ليس مثلهم وإذا كان الخضر حيا دائما فكيف لم يذكر النبي ﵌ ذلك قط ولا أخبر به أمته ولا خلفاءه الراشدين (١) . وقول القائل إنه نقيب الأولياء فيقال له من ولاه النقابة وأفضل الأولياء أصحاب محمد ﵌ وليس فيهم الخضر وعامة ما يحكى في هذا الباب من الحكايات بعضها كذب وبعضها مبني على ظن رجل مثل شخص رأى رجلا ظن أنه الخضر وقال إنه الخضر كما أن الرافضة ترى شخصا تظن أنه الإمام المنتظر المعصوم أو تدعي ذلك وروي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: وقد ذكر له الخضر من أحالك على غائب فما أنصفك وما ألقى هذا على ألسنة الناس إلا الشيطان انتهى المراد منه. قال محمد تقي الدين الهلالي: قول الإمام احمد من أحالك على غائب فما أنصفك لما ذكر له وجود الخضر في زمانه؛ ومعناه من أخبرك بوجود شخص لا تراه ولا تسمعه ولا تدركه بشيء من الحواس ولا جاء خبر عن الله ورسوله بوجوده كالملائكة والجن؛ فقد كلفك مالا تطيق

стр. 76

وظلمك حين أراد منك أن تصدقه فيما ادعاه بلا دليل؛ وقد أحسن الإمام أحمد في إنكاره وجود الخضر في زمانه وقد بين شيخ الإسلام عدم وجوده بالأدلة القاطعة وكذلك يقال في القطب وما ادعاه التجانيون لشيخهم من كونه سيد الأولياء وخاتمهم وممدهم؛ وأن قدميه على رقابهم كل ذلك باطل وتضليل فقد تهدم كل ما بنوه من الأباطيل بحكم الله ورسوله ﷺ ثم بحكم شيخهم عليهم: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١) ﴾ (١) فصل في تخريج الأحاديث التي وردت في هذا الفصل وبيان حالها. أولها حديث (أول ما خلق الله نوري؛ وفي رواية أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر) تقدم أنه موضوع؛ لا يحل أن ينسبه أحد للنبي ﷺ إلا مقرونا ببيان وضعه ثانيها: حديث (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) قال الحافظ ابن حجر في: (تسديد القوس في تخريج مسند الفردوس) هذا حديث مشهور على الألسنة وهو من كلام إبراهيم بن عبلة؛ فقال العجلوني في كشف الخفاء؛ قال العراقي في تخريج الإحياء رواه البيهقي بسند ضعيف عن جابر؛ ورواه الخطيب في تاريخه بلفظ: قدم النبي ﷺ من غزاة فقال ﵊ (قدمتم خير مقدم وقدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر؛ قالوا وما الجهاد الأكبر قال مجاهدة العبد هواه) والمشهور على الألسنة رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر؛ دون بقيه وفيه اختصار. الجزء الأول ٤٢٤ من كشف الخفاء. ثالثها: حديث (لولاك ما خلقت الأفلاك) وأليه أشار البوصيري بقوله: وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من لولاه لم تخرج الدنيا من العدم قال الصنعاني موضوع. انتهى من كشف الخفاء (٢) . رابعها: (خير هذه الأمة أولها وأخرها) (٣) قال السيوطي أنه ضعيف أخرجه

стр. 77

أبو نعيم في الحلية عن عروة بن الزبير مرسلا. اهـ الفيض ج ٣ ص ٤٩٣. عود إلى حديث (أول ما خلق الله نوري) قال محمد تقي الدين بطلان هذا الحديث يظهر بأدنى تأمل فقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ وتكرر مثل هذا في القرآن في مواضع لا تحصى إلا بتعب؛ فالنبي ﷺ بشر من بني آدم؛ وآدم من تراب لا من نور فما هو هذا النور الذي ينسبونه إلى النبي ﷺ ؛ أهو روحه الشريفة أم جسمه؛ أم شيء آخر فالجسم كما تقدم من تراب؛ والروح جسم لطيف لا يعلم حقيقته إلا الله وقد جاء في كتاب الله تعالى تسمية النبي ﷺ سراجا منيرا؛ وقال الله تعالى في سورة المائدة آية ١٥: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦) ﴾ قال بعض المفسرين إن المذكور في أول الآية هو الرسول ﷺ ؛ وقال بعضهم هو القرآن؛ عطف الكتاب عطف تفسير كقول الشاعر: ألا حبذا هند وأرض بها هند وهند أتى من دونها النأي والبعد وتسمية النبي ﷺ سراجا منيرا ونورا لا تقتضي أن يكون خارجا عن النوع البشري مخلوقا من النور لأن ذلك خلاف الواقع؛ وخلاف نص القرآن؛ إنما سماه الله سراجا منيرا؛ تشبيها لما أتاه من العلم والهدى بالنور؛ وتشبيها لظلمات الكفر والجهل بالظلمة الحسية فكما أن السراج يبين للناس الطريق المستقيم الذي يسلكونه آمنين مستبصرين لا يخافون ويوصلهم إلى غايتهم المرغوبة فكذلك الرسول ﷺ بتعليمه وإرشاده وتزكيته لمن اتبعه شُبِّه بالسراج وبالنور الذي يحفظ متبعه من مهاوي الهلاك ولا معنى للنور إلا هذا. الفصل الثاني: في فضل المتعلقين بالشيخ أحمد التجاني اعلم أن التجانيين رووا عن شيخهم فضائل تحصل للمتعلقين به مصادمة للكتاب والسنة وإجماع الأمة وزعموا أن الشيخ التجاني كتب تلك الفضائل بيده وسلمها إلى النبي ﷺ وطلب منه أن يقرأها ويضمنها له فقرأها وضمنها له وقع ذلك يقظة لا مناما انظر صفحة ٤٤ من الجزء الثاني من الرماح. وهذه الفضائل زعموا أن الله يعطيهم إياها بسبب تعلقهم بشيخهم وسأسرد هنا هذه الفضائل وعددها ٣٩؛ أربع عشرة فضيلة تحصل لكل من اعتقد فيه الخير ولم يعترض على طريقه وكان محبا له ولأصحابه ولكل

стр. 78

من أطعمه أو سقاه أو قضى له حاجة إذا استمر على محبته حتى الموت وإن لم يأخذ ورده ولم يصر من أصحاب طريقته وسائر الفضائل وهي خمس وعشرون خاصة بمن أخذ الطريقة والتزم شروطها. الفضيلة الأولى: أن النبي ﷺ ضمن له أن يموتوا على الإيمان والإسلام. الفضيلة الثانية: أن يخفف الله عنهم سكرات الموت. الفصيلة الثالثة: لا يرون في قبورهم إلا ما يسرهم. الرابعة: أن يؤمنهم الله تعالى من جميع أنواع عذابه وتخويفه وجميع الشرور من الموت إلى المستقر في الجنة. الخامسة: أن يغفر الله لهم جميع ذنوبهم ما تقدم منها وما تأخر. السادسة: أن يؤدي الله تعالى عنهم جميع تبعاتهم ومظالمهم من خزائن فضله لا من حسناتهم. السابعة: ألا يحاسبهم الله تعالى ولا يناقشهم ولا يسألهم عن القليل والكثير يوم القيامة. الثامنة: أن يظلهم الله تعالى في ظل عرشه يوم القيامة. التاسعة: أن يجيزهم الله تعالى على الصراط أسرع من طرفة عين على كواهل الملائكة. العاشرة: أن يسقيهم الله تعالى من حوضه ﷺ يوم القيامة. الحادية عشرة: أن يدخلهم الله تعالى إلى الجنة بلا حساب ولا عقاب في أول الزمرة الأولى الثانية عشرة: أن يجعلهم الله تعالى مستقرين في الجنة في عليين من جنة الفردوس وجنة عدن. الثالثة عشرة: أن النبي ﷺ يحب من كان محبا له. الرابعة عشر ة: أن محبه لا يموت حتى يكون وليا قال أي (أحمد التجاني) أخبرني سيد الوجود ﷺ أن كل من أحبني فهو حبيب للنبي ﷺ ولا يموت حتى يكون وليا قطعا؛ وقال لي سيد الوجود ﷺ أنت من الآمنين ومن أحبك من الآمني؛ أنت حبيبي ومن أحبك حبيبي؛ وكل من أخذ وردك

стр. 79

فهو محرر من النار؛ وقال ابشروا إن كل من كان في محبتنا إلى أن مات عليها يبعث من الآمنين على أي حالة كان ما لم يلبس حلة الأمان من مكر الله وقال: وأما من كان محبا ولم يأخذ الورد فلا يخرج من الدنيا حتى يكون من الأولياء؛ فلنجعل هذا أخر القسم الأول ونشرع فيما أختص به أهل طريقته المتمسكون بأذكاره فنقول: الخامسة عشرة: أن أبوي آخذ ورده وأزواجه وذريته يدخلون الجنة بغير حساب ولا عقاب مع أن أحدا منهم لم يكن له تعلق به بوجه من وجوه التعلقات وإنما نالوا الفضل العظيم والخير الجسيم بسبب هذا الآخذ المتمسك بأذكاره اللهج بها قال ومن أخذ عني الورد المعلوم الذي هو لازم الطريقة أو عمن أذنته يدخل الجنة ووالداه وأزواجه وذريته المنفصلة عنه لا الحفدة بلا حساب ولا عقاب بشرط أن لا يصدر منهم سب ولا بغض ولا عداوة؛ وبدوام المحبة للشيخ بلا انقطاع إلى الممات وكذا مداومة الورد إلى الممات؛ ثم قلت لرسول الله ﷺ : هذا الفضل هل هو خاص بمن أخذ عني الذكر مشافهة أو لكل من أخذه ولو بواسطة فقال لي كل من أذنته له وأعطى لغيره فكأنما أخذ عنك مشافهة وأنا ضامن لهم؛ وهذا الفضل شامل لمن تلا الورد سواء رآني أو لم يرني وقال من أخذ وردنا يبعث من الآمنين ويدخل الجنة بلا حساب هو ووالداه وأزواجه وذريته المنفصلة عنه لا الحفدة بشرط الاعتقاد وعدم نكس المحبة. السادسة عشرة: أنهم تلاميذ النبي ﷺ . السابعة عشرة: أن النبي ﷺ سماهم أصحابا له ﷺ وقال لي سيد الوجود ﷺ : فقراؤك فقرائي وتلاميذك تلاميذي وأصحابك أصحابي وكل آخذ وردك فهو محرر من النار؛ قال صاحب الرماح قلت ولهذا صار أهل طريقته صحابيين بهذا المعنى حتى قال ﷺ في حقهم مثل ما قال في الصحابة رضوان الله عليهم لا تؤذوني في أصحابي. الثامنة عشرة: أن كل ما يؤذيهم فإنه يؤذي النبي ﷺ وذلك أن محاورة وقعت ببين رجلين من أصحابه فأمر أن يُصلحوا بينهما فوراً ثم أخبر أنه وقع لي الأمر بالصُّلح بينهما من النبي ﷺ وأخبره ﵊ بأنه يؤذيه ﷺ ما يؤذي أصحابه. التاسعة عشرة: أن الإمام المهدي المنتظر أخ لهم في الطريقة؛ قال صاحب الرماح أخبرني محمد الغالي أن واحدا من أصحاب الشيخ قال لآخر بحضرة الشيخ أن الإمام المهدي

стр. 80

يذبحنا إذا ظهر فقال له الشيخ لا يذبحكم لأنه أخ لكم في الطريقة وإنما يذبح علماء السوء وقال إذا جاء المنتظر يطلب من أصحابنا الفاتحة اهـ. قال محمد تقي الدين: مقتضى قولهم واعتقادهم أن علماء السوء هم علماء الكتاب والسنة الذين يردون ضلالهم وباطلهم بحجج الوحي وهذا قلب للحقائق فنعوذ بالله من الخذلان اهـ. الموفية عشرين: أن أهل طريقته كلهم أعلى مرتبة من أكابر الأقطاب؛ وقال لا مطمع لأحد من الأولياء في مراتب أصحابنا حتى الأقطاب الأكابر؛ ما عدا أصحاب رسول الله ﷺ . الحادية والعشرون: لا تستحق الذكر؛ وكذلك ما بعدها إلى الخامسة والعشرون بدخول الغاية. السادسة والعشرون: أن الله تعالى يعطيهم من عمل كل عامل تقبل الله تعالى عمله منه أكثر من مائة ألف ضعف مما يعطي صاحب ذلك العمل؛ قال كل من عمل عملا صالحا من أعمال البر وتقبل منه يعطينا الله تعالى ولأصحابنا على ذلك العمل أكثر من مائة ألف ضعف مما يعطي صاحب ذلك العمل سواء قل ذلك أو كثر مفروضا كان أو غير مفروض ونحن رقود ولله الحمد اهـ. ثم ذكر صاحب الرماح آيات كثيرة تدل على سعة فضل الله ولكن ذلك لا يجديه فتيلا لأن فضل الله لا يجوز أن يثبت إلا من طريق الوحي من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ ومن زعم أنه يتلقى الأخبار بالثواب أو العقاب من غير الكتاب والسنة فخبره باطل مردود عليه لا يساوي فتيلا بإجماع أئمة المسلمين ولا يقبل مثل هذا إلا الباطنية الذين يزعمون أنهم يتلقون الوحي من غير الرسول ﷺ وهم كفار بإجماع المسلمين قال الله تعالى في سورة الزخرف آية ٤٥: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ فلا سبيل إلى معرفة ثواب أو عقاب إلا من القرآن وكلام المعصوم فالاستدلال بتلك الآيات مغالطة مخادعة وتضليل لا يروج مثله إلا في سوق الجاهلين ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣) ﴾ . السابعة والعشرون: أنهم لا يحضرون أهوال الموقف؛ ولا يرون صواعقه وزلازله

стр. 81

بل يكونون مع الآمنين عند باب الجنة حتى يدخلون -كذا - مع المصطفى ﷺ في الزمرة الأولى مع أصحابه ويكون مستقرهم في جواره ﷺ في أعلى عليين مجاورين أصحابه ﷺ . الثامنة والعشرون: أن أكثرهم يحصل له في كل يوم فضل زيارته ﷺ في روضته الشريفة وزيارة جميع أولياء الله تعالى الصالحين من أول الوجود إلى وقته؛ قال أعطاني رسول الله ﷺ صلاة تسمى بجوهرة الكمال من ذكرها اثنتي عشرة مرة وقال هذه هدية مني إليك يا رسول الله فكأنما زاره في روضته الشريفة وكأنما زار أولياء الله تعالى والصالحين من أول الوجود إلى وقته. التاسعة والعشرون: أن النبي ﷺ والخلفاء الأربعة يحضرون مع أهل هذه الطريقة كل يوم ذكرهم المسمى بالوظيفة حين يقرؤون جوهرة الكمال وكل من قرأها منهم سبع مرات فأكثر يكون النبي ﷺ والخلفاء الأربعة معه ما دام يذكرها. الموفية ثلاثين: أن لهم علامة يتميزون بها عن غيرهم ويعرف بها أنهم تلاميذ رسول الله ﷺ وفقراؤه وهي أن كل واحد منهم مكتوب بين عينيه محمد رسول الله ﷺ وعلى قلبه مما يلي ظهره محمد بن عبد الله وعلى رأسه تاج من نور مكتوب فيه الطريقة التجانية منشأها الحقيقة المحمدية. الحادية والثلاثون: أن لهم من الله تعالى لطفا خاصا بهم أخبرني محمد الغالي أن النبي قال للشيخ من نظر إلى وجهك غفر الله تعالى له؛ وأن الشيخ قال لأهل هذه الطريقة من الله تعالى لطفا خاصا بهم بعد لطفه العام لهم ولغيرهم ولذلك قال إن صاحبي لا تأكله النار ولو قتل سبعين روحا إذا تاب بعدها. الثانية والثلاثون: أن كل من لم يحترمهم وكان يؤذيهم طرده الله عن قربه وسلبه ما منحه؛ وذلك أن رسول الله ﷺ ؛ يغار لآهل هذه الطريقة غيرة خاصة كما كان ﷺ يغار لأصحابه لأن أهلها فقراؤه وتلاميذه كما أن الصحابة رضوان الله عليهم كذلك؛ ولذا قال رسول الله ﷺ له إذا مر أصحابك بأصحابي فليزوروهم فقط وأما غيرهم من الأولياء فلا؛ وذلك كله لشدة اعتنائه بأهلها لأجل حبيبه وولده الذي قال له أنت ولدي حقا، وقال ﷺ لبعض أصحابه يعني (التجاني) أنت ابن الحبيب ودخلت في طريقة الحبيب؛ وقال صلى عليه وسلم لمن

стр. 82

أرسله إلى الشيخ يقظة لا مناما قل لحبيبي التجاني ولشدة محبته ﷺ فيه أخبره أن كل من أحبه لا يموت حتى يكون وليا وضمن ﷺ له أن كل من سبه ودوام على ذلك لا يموت إلا كافرا؛ وهذه المحبة منه لشيخنا هي التي سرت منه ﷺ لأهل طريقته حتى قال ﷺ قل لأصحابك لا يؤذوني بإذاية بعضهم بعضا. قال الشيخ التجاني: إن لنا مرتبة عند الله تناهت إلى حد يحرم ذكره ليست هي ما أفشيته لكم؛ ولو صرحت بها لأجمع أهل الحق والعرفان على كفري فضلا عمن عداهم وليست هي التي ذكرت لكم بل هي من ورائها؛ ومن خاصية تلك المرتبة أن من لم يتحفظ على تغيير قلبي بعدم حفظ حرمة أصحابنا طرده الله تعالى عن قربه وسلبه ما منحه. قال محمد تقي الدين: لم يستوفي صاحب الرماح الفضائل التي وعد بذكرها بل اقتصر على ذكر ثلاث وثلاثين وفي ما ذكره من الطوام والضلالات ما لا يُبقي شكا في أن هذه الطريقة على الحال الراهنة يستحيل أن تجتمع في قلب شخص واحد مع ما جاء به رسول الله ﷺ من الدين الحنيف المبني على الكتاب والسنة وإجماع الأمة؛ وسنعقب عليها بالنقد والنقض حتى يتضح بطلانها وتنجلي ظلمتها؛ بحول الله وقوته وحسن توفيقه. اعلم أيها القاري الموفق لمعرفة الحق واتباعه مع من كان وحيث كان؛ أن ما ذكره صاحب الرماح من الفضائل بزعمه له ولإخوانه في الطريقة ولشيخهم بزعمهم مردود من وجوه بعضها إجمالي وبعضها تفصيلي؛ ولنبدأ بالإجمالي فنقول: كل ما نسبوه إلى النبي ﷺ من الأخبار هو من شر أقسام الموضوع المفترى وقد خاب من افترى؛ فإن الأمة بعلمائها وأئمتها من أبي بكر الصديق ﵁ إلى أن تقوم الساعة، أجمعت على أنه لا طريق لتلقي خبر من الأخبار عن النبي ﷺ إلا بالسماع والمشاهدة في حياته الدنيوية؛ أو بواسطة الثقاة الأثبات بالسند المتصل وما ذكروه من الأخبار ليس له أصلا سند وما زعموه من السماع كذب بإجماع الأئمة؛ ومن خرق إجماعهم ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم؛ وكان مشاقا للرسول ﷺ ومتبعا غير سبيل المؤمنين ومن ذلك أن تلك الأخبار مناقضة لكتاب الله وللأخبار

стр. 83

الصحيحة المروية بأسانيد معلومة التواتر؛ أو الصحة العالية وإذا قرأت ما تقدم من الرد تبين لك من خلاله فساد تلك الأخبار وبطلانها واضمحلالها. أما الرد التفصيلي: فسأذكر ما تمس الحاجة إليه ولا أتعرض لما هو واضح البطلان؛ أو تقدم رد مثله؛ وكل ما ذكره واضح البطلان بالنسبة إلى الخاصة؛ أما العامة فيحتاجون إلى زيادة بيان؛ وينحصر ذلك في أمور: الأول: قوله في الفضيلة الأولى أن النبي ﷺ ضمن له أن يموتوا على الإيمان والإسلام: فيه جهل بالإيمان لأن من مات على الإيمان فلا حاجة إلى ذكر الإسلام بعد الإيمان لأن الإيمان الصحيح يتضمنه ولم يضمن النبي ﷺ الموت على الإيمان لأحد. إلا من أخبر النبي ﷺ أنه من أهل الجنة يلزم أن يموت على الإيمان؛ وفي حديث ابن عباس عند مسلم حين قال عكاشة بن محصن للنبي ﷺ ادع الله أن يجعلني منهم - أي من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب - فقال له أنت منهم قام رجل من أصحابه ﵊ فقال مثلما قال عكاشة فقال النبي ﷺ سبقك بها عكاشة ولم يتجرأ أحد بعده أن يسأل النبي ﷺ ؛ لأنه أخبر بصفتهم وهي أنهم لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون. فأنت ترى أن النبي ﷺ علق دخول الجنة بلا حساب ولا عذاب على أعمال من وفق لها حصل له ذلك. فالتجانيون بزعمهم أفضل من أصحاب رسول الله ﷺ بل المحبون للتجاني المسلمون بما جاء به حسب زعم التجانيين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب ولو فعلوا من الذنوب ما فعلوا ولم يشترط عليهم إلا أن يداوموا على محبته الشيخ التجاني وتعظيمه؛ وهذا مضاد لما جاء به رسول الله ﷺ . الأمر الثاني: نقل صاحب الرماح في الفضيلة الثانية عن شيخه أنه قال: إن اتباعه يخفف الله عنهم سكرات الموت؛ ونقل عنه في الفضيلة الثالثة والثلاثين أنهم لا يذوقون حرارة الموت وهي المعبَّر عنها بسكرات الموت؛ وهذا من أعظم الجهالات فإن النبي ﷺ وهو أفضل خلق الله ذاق سكرات الموت؛ أخرج البخاري عن عائشة ﵂ قالت مات النبي ﷺ بين حاقنتي وذاقنتي فلا أكره شدة الموت لأحد أبدا بعد النبي ﷺ ؛ وأخرج عنها أيضا أنها كانت تقول أن من نعم الله عليَّ أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته دخل علي عبد الرحمن وبيده السواك فقلت أخذه

стр. 84

لك فأشار برأسه أن نعم فتناوله فاشتد عليه وقلت ألينه لك فأشار برأسه أن نعم فلينته فأمره وبين يديه ركوة أو علبة بشك عمر فيها ماء فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول (لا إله إلا الله إن للموت لسكرات) ثم نصب يده فجعل يقول في الرفيق الأعلى حتى قبض ومالت يده. قال الحافظ في الفتح بعد ذكر الحديث: وعند أحمد والترمذي وغيرهما من طريق القاسم عن عائشة قالت: رأيته وعنده قدح فيه ماء وهو يموت فيُدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول: (اللهم أعني على سكرات الموت) وفي رواية شقيق عن مسروق عن عائشة قالت: ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على النبي ﷺ اهـ. فتبين مما ذكراه أن الفضيلة الثانية والثالثة والثلاثين جهل بالفضيلة وجهل بما فطر الله عليه عباده وكذب عليه لآن سيد خلق الله لم يحصل له ذلك بل حصل له ضده فالخير والفضل في ما حصل له ﵊. الأمر الثالث: في الفضيلة الثالثة؛ وهي أن التجانيين لا يرون في قبورهم إلا ما يسرهم وهو رجم بالغيب وتقوُّل على الله إذ لا سبيل لمعرفة ذلك إلا بطريق النبي ﷺ ؛ ولن يجدوا إلى إثبات ذلك عنه ﵊ سبيلا حتى يلج الجمل في سم الخياط. ومثل ذلك يقال في الرابعة؛ فهو تأمين ممن لا يملك لنفسه أمنا ولا خوفا فكيف يملك لغيره الأمر الرابع: في الفضيلة الحادية عشرة؛ وهي زعمهم أن الله يدخلهم الجنة بلا حسب ولا عقاب في أول الزمرة الأول؛ هذا تكذيب لنصوص الكتاب والسنة وتخصيص عمومها والتخصيص نسخ لبعض الأفراد التي يشملها الحكم؛ وقد أجمع علماء الأصول أنه لا ُيخصَّص الكتاب والسنة إلا بالكتاب والسنة لأنه استثناء فلا يجوز أن يكون إلا لمن له الأمر والنهي؛ وهذا ينسحب على جميع الفضائل التي ادعاها التجانيون لأنفسهم وتقولوا بها على الله ورسوله وعلى شيخهم الذي أساءوا إليه كل الإساءة بنسبة هذه الأقوال الخارجة عن العقل والنقل المكذِّبة لكتاب الله وسنة رسوله الصحيحة المتواترة بنسبة ذلك إلى هذا الشيخ.

стр. 85

وقال البخاري في كتاب التفسير من صحيحه؛ باب وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك؛ ألن جناحك؛ وروى بسنده إلى بن عباس لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) ﴾ صعد النبي ﷺ الصفا وجعل ينادي يا بني فهر يا بني عدي؛ لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو فجاء أبو لهب وقريش؛ فقال أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقيَّ قالوا نعم؛ ما جربنا عليك إلا صدقا قال إني نذير لكم بين عذب شديد؛ قال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) ﴾ وروى بسنده إلى أبي هريرة قال قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) ﴾ قال يا معشر قريش أو كلمة مثلها؛ اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا؛ يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا؛ يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا؛ ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا؛ ويا فاطمة بنت محمد ساليتي من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا. قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير سورة الشعراء ما نصه؛ يقول تعالى آمرا بعبادته وحده لا شريك له ومخبرا أن من أشرك به عذبه؛ ثم قال تعالى آمرا لرسوله ﷺ أن ينذر عشيرته الأقربين الأدنين إليه وإنه لا يخلِّص أحدا منهم إلا إيمانه بربه وأمره أن يلين جانبه لمن اتبعه من عباد الله المؤمنين؛ ومن عصاه من خلق الله كائنا من كان فليتبرأ منه؛ ولهذا قال: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) ﴾ وهذه النذارة الخاصة لا تنافي العامة بل هي فرض من أجزائها ومضى إلى أن قال: وقد وردت أحاديث كثيرة في نزول هذه الآية الكريمة ثم ذكر الحديث السابق من رواية الإمام أحمد ثم قال الحديث الثان؛ قال الإمام أحمد بسنده إلى عائشة قالت لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) ﴾ قام رسول الله ﷺ فقال: (يا فاطمة بنت محمد يا صفية بنت عبد المطلب؛ يا بني عبد المطلب لا أملك لكم من الله شيئا سلوني من مالي ما شئتم) انفرد بإخراجه مسلم؛ ثم ذكر حديث أبي هريرة المتقدم ومن خرجه إلى أن قال أخرجاه في الصحيحين وهو الحديث الثالث فيما ذكر ابن كثير؛ ثم ذكر هذا الحديث نفسه بروايات مختلفة في الأسانيد والألفاظ متفقة في المعنى من حديث بن عمرو وعلي بن أبي طالب اهـ. قال محمد تقي الدين: تعالوا نتأمل هذه الآية وما جاء في تفسيرها من امتثال النبي

стр. 86

صلى الله عليه وسلم لأمر ربه نجد فيها أن الله أمر رسوله ﷺ أن يخص بالإنذار بعد التعميم أقرب الناس إليه؛ فاطمة وصفية والعباس وبني هاشم؛ ومن بعهدهم الأقرب فالأقرب فماذا فهم النبي صبى الله عليه وسلم من أمر الله له فهم أن الله أمره بعد الإنذار العام لجميع الناس أن يخص أقرب الناس إليه بإنذار خاص؛ ولماذا أمره بذلك؟ أمره بذلك لئلا يتَّكِل الأقربون على قرابتهم من رسول الله ﷺ فيقصروا في العمل أو يرتكبوا المحذور اعتمادا على تلك القرابة فاخبرهم الصادق المصدوق تبليغا لأمر ربه أنه لا يملك لهم من الله شيئا وأن قرابتهم منه لا تنقذهم من النار؛ وإنما ينقدهم إيمانهم وعملهم الصالح فهب أن النبي ﷺ يحب التجاني أشد المحبة ويعترف أنه من ذريته فإنه لا يبلغ جزء من ألفَ ألف مما بلغه أولئك من القرب والمحبة؛ ولم يضمن لأحد منهم دخول الجنة بلا حساب ولا عذاب. ولا سكت عن هذا الأمر حتى يدخل في الحسبان أو تمتد المطامع إليه؛ بل أمره الله بالتصريح بنفيه فنفاه على رؤوس الأشهاد؛ فكيف يجيء التجانيون في آخر الأزمنة وشرها وأرذلها فيحاولون إثبات ما نفاه النبي ﷺ لمن لا يساوي فتيلا ولا نقيرا من فضل الله أولئك الأقارب الأكرمين؛ فأي عاقل يصدق قولهم ولو لم يكن مسلما؛ فكيف بمن آمن بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر إنكم لتقولون قولا عظيما؛ تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا؛ فأوبوا إلى رشدكم وتوبوا إلى ربكم من هذه المقالة الفظيعة؛ والحكاية الشنيعة؛ وبرئوا الشيخ التجاني منها؛ ولا تلوثوا سمعته؛ فإن أبيتم فقد تبرأ منكم كما تقدم منقولا من الإفادة الأحمدية فإنما بغيكم على أنفسكم ووبال كذبكم لا يعود إلا عليكم والهدى بيد الله. وقد أشار الحافظ ﵀ على ما تضمنه آية الشعراء من أن من عصى هذا الإنذار فقد تبرأ منه النبي ﷺ امتثالا لأمر ربه سواء أكان من الأقارب أم الأباعد؛ فإن عصوك فقل إني برء مما تعملون؛ فإن لم يتب التجانيون من هذا البهتان يكونون داخلين دخولا أوليا فيمن تبرأ منهم النبي ﷺ وحسبهم ذلك خزيا ومقتا عند الله وعند المؤمنين؛ وبهذا تتهدم جميع القصور التي بناها التجانيون على الرمال بل على شفا جرف هار ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١) وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (٨٢) ؛ وقد بدا لي أن أثبت هنا قصيدة تائية قلتها بعد توبتي من الطريقة التجانية يفرح بإنشادها الموفق المهتدي ويغص بها المخذول المعتدي وهذا نصها:

стр. 87

خليلي عوجا بي على كل ندوة ... بها قول الرسل يروي بقوة ولا تقربا مجلس الرأي إنه ... ضلال يحيط التابعيه بهوة على مجمع فيه كتاب الهنا ... يفسر تفسيرا بعلم وحكمة لدى ثلة قد نور الله قلبهم ... وخصهم بالهدى أفضل نعمة فصانوا كتاب الله ﷻ ... عن اللغو والتحريف اسوأ بدعة وردوا افتراء الخلف من ضل سعيهم ... وقد فرقوا من شؤمهم خير شرعة وأصلوهم حرب الفرنج بهمة ... كسيف صقيل في مضاء ولمعة إليهم أجوب البَر والبحر آويا ... لا نظر من فازا بنور ونظرة وأقبس من أنوارهم علم سنة ... وذلك قصدي في اغترابي وهجرتي وأبعد عن أهل البدائع والخنا ... وأدرك روحا من عناء وغربتي وليس مرادي غربة البعد والنوى ... ولكنها في الدين أعظم كربة ولما أبان الله لي نور دينه ... وأنقذني من طرق أصحاب خرقة أولئك قوم بدلوا الدين بالردى ... وقد مرقوا من هدية شر مرقة وأبغضني الأقوام حين نبذتهم ... وملت إلى قفو الكتاب وسنة وقد قلبوا ظهر المجن وخشنت ... صدورهم لي واستعدوا لمحنتي وقد زعموا هجري وشتمي قربة ... وكل جليس لي سيرى بسرعة وقد جزموا أني أموت على الردى ... وأخلد في النيران من أجل رجعتي

стр. 88

أماني حمق تضحك الثاكل التي ... بواحدها سارت ركاب المنية نبذتهم نبذ النوى وتركتهم ... وهاجرت كي أحظى بسؤلي ومنيتي ومالي ولي رفيق مصاحب ... ولا ناصر ألا إله البرية عليه اعتمادي لا على أحد سوا ... هـ فهو قدير أن يجود ببغيتي وما أطلب المال الذي هو زائل ... سوى بلغة لا بد منها لخلتي سفرت إلى مصر لأخبر خبرها ... وانظر هل فيها شفاء لغلتي ومن قبل قد أخبرت أن في ربوعها ... رجال لنصر الدين أصحاب شدة وصلت فلم ألق سوى أهل بدعة ... وشرك وإلحاد وشك وردة سمعت بها الإلحاد يدرس جهرة ... بجامعة للشر مع كل فتنة رأيت بها الأوثان تعبد جهرة ... قبورا عظاما ناخرات أجنت ويدعون دون الله من لا يجيبهم ... وهم عن دعاء القوم في عظم غفلة لها جعلوا قسما بمال والدة ... فلا عاش من قد ظنهم أهل ملة حثالة مستضعفين رأيتهم ... تسومهم الأعداء سوء الأذية وهم صبر مستمسكون بدينهم ... ويدعون ما اسطاعوا لبيضا نقية وما صدهم إيذاؤهم عن جهادهم ... لأنهم أهل النفوس الأبية أقمت بها عاما إلى الله داعيا ... فأرشد رب الناس قوما بدعوتي يعدون بالآلاف في الريمون كلـ ... ـهم أهل إخلاص وأهل فتوة

стр. 89

ومن بعد ذا سافرت للحج راجيا ... قبولا من الله الكريم لحجتي فأتممته والحمد لله سائلا ... من الله يهديني سواء المحجة وكنا سمعنا أن بالهند فرقة ... على السنة الغرا بصدق وحجة فقلت عسى منشودتي عندهم ترى ... وهزتني الأشواق أية هزة بلغت فألفيت المخبر صادقا ... وشاهدت سنات تجلت بعزة قد اخترت دهلي للإقامة إنها ... بلاد علوم الدين فيها تسنت وقد شفيت نفسي وزال سقامها ... غداة رأت عيني مساجد سنة فلا تسمعن فيها سوى قال ربنا ... وقال رسول الله خير البرية لقد مثلوا خير القرون لناظر ... بقول وفعل واجتهاد ونية إمامهم خير الأئمة كلهم ... عليه من الرحمن أزكى تحية الأمر الخامس في الفضيلة الرابعة عشر؛ وهي زعمهم أن محب الشيخ لا يموت حتى يكون وليا تقدم أن الولي بالمعنى الذي يقصونه لا وجود له في دين الإسلام لأن المؤمنين كلهم أولياء الله؛ والكافرون كلهم أعداء الله؛ فقد اتعبوا أنفسهم في غير طائل؛ وبقية الكلام في الرابعة عشر تقدم إبطاله إلا قولهم إن آخذ الورد التجاني يحبه النبي ﷺ محبة خاصة فيقال لهم كذبتم على النبي إذ ليس لكم دليل على هذا بإجماع المسلمين؛ ثم كيف يعرف النبي ﷺ كل من أخذ الورد هل هو بكل شيء عليم؟!! لا يعلم الغيب إلا الله فإن زعمتم أنه يعلم الغيب فقد كفرتم ورددتم القرآن والسنة الصحيحة. أخرج البخاري في كتاب التفسير من صحيحه بسنده عن ابن عمر رضي الله عليه أن رسول الله ﷺ قال: (مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله لا يعلم ما في غد إلا الله ولا يعلم ما تفيض الأرحام إلا الله ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله ولا تدري نفس بأي أرض تموت ولا يعلم الساعة إلا الله) . وهذا الحديث يفسر قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ وتقدم الاحتجاج على ذلك بقوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ ونصوص الكتاب والسنة في هذا المعنى كثيرة؛

стр. 90

وقال القسطلاني قال الزجاجي من زعم أن أحدا غير الله يعلم شيئا من هذه الخمسة فقد كفر بالقرآن العظيم؛ وأما الوِرد أيُّ وِرد كان فهو بدعة؛ وقد قال النبي ﷺ (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) فأخذ الورد في النار لنص الحديث؛ فكيف يكون محررا من النار سبحانك هذا بهتان عظيم. وكل ما رتبوه على أخذ الورد من دخول آخذه الجنة بلا حساب ولا عقاب ودخول ذريته وأزواجه وغير ذلك ينطبق حديث كل بدعة ضلالة وبذلك ينهار بنيانهم؛ والحمد لله رب العالمين. ويقال زيادة على ذلك من أخذ الأوراد المشروعة عن النبي ﷺ لم يضمن له دخول الجنة بلا حساب ولا عقاب فكيف بوالديه وأزواجه وأولاده بل لا يجوز لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يشهد على أحد بأنه من أهل الجنة إلا إذا شهد له المعصوم ﷺ . أخرج أحمد والبخاري عن أم العلاء وكانت بايعت رسول الله ﷺ قالت طار لهم في السكنى حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين عثمان بن مضعون ﵁ فاشتكى عثمان عندنا فمرضناه حتى إذا توفي أدرجناه في أثوابه فدخل علينا رسول الله ﷺ فقلت رحمة الله عليك يا أبا السائب شهادتي عليك لقد أكرمك الله وقال رسول الله صلى عليه وسلم: (وما يدريك أن الله تعالى أكرمه) فقالت لا أدري بأبي أنت وأمي وقال رسول الله ﷺ : (أما هو فقد جاءه اليقين من ربه وإني لأرجو له الخير والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي) قالت والله لا أزكي أحدا بعده أبدا؛ وأحزنني ذلك فنمت فرأيت لعثمان ﵁ عينا تجري فجئت إلى رسول الله ﷺ وأخبرته بذلك فقال رسول الله صلى اله عليه وسلم (ذاك عمله) . قال بن كثير انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم وفي لفظ له: (ما أدري ورسول الله ما يفعل به) وهذا أشبه أن يكون هو المحفوظ بدليل قولها فأحزنني ذلك وفي هذا وأمثاله دلالة على أنه لا يقطع لمعين بالجنة إلا الذي نص الشارع على تعيينهم كالعشرة وابن سلام والعميصاء وبلال وسُراقة وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر والقراء السبعين الذين قتلوا ببئر معونة وزيد بن حارثة وجعفر وابن رواحة وأمثالهم. الأمر السادس: في السادسة عشرة وما بعدها زعموا أن النبي ﷺ قال لشيخهم تلاميذك تلاميذي وفقراؤك فقرائي وأصحابك أصحابي وأنا مربيهم وبنى على ذلك صاحب الرماح قوله أن جميع التجانيين صحابة. قال محمد تقي الدين: وهذا هوس عظيم لأن التلميذ هو الذي يتلقى العلم من

стр. 91

شيخه وكيف يكون كل تجاني من أواخر القرن الثاني عشر إلى آخر الدهر تلميذ للنبي ﷺ ولم ير أحد منهم النبي ﷺ ولا سمع منه حرفا واحدا؛ ولا رأى النبي ﷺ أحدا منهم؛ وهل هذا إلا مثل من يقول إن جميع بني آدم تلاميذ النبي ﷺ أو غيره من الأنبياء بل تلاميذ آدم وهذا كذب بحت يُستحيى من قوله لو كانوا يعقلون؛ وأما قولهم: أن النبي ﷺ قال أن التجانيين كلهم فقراؤه؛ فهو كلام من يهرف بما لا يعرف فإنه لا يجوز أن يكون أحد فقيرا إلا لله تعالى ولا يستثنى من ذلك أحد قال الله تعالى في سورة فاطر: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) ﴾ وأعجب من ذلك أن يكون التجانيون كلهم من الصحابة وبين أوائلهم وبين النبي ﷺ زهاء ألفٍ ومائتي سنة (١٢٠٠) فما أشبه هذا الكلام بالهذيان؛ والصحابي هو من رأى النبي ﷺ مسلما ومات على ذلك؛ وأما قولهم: إن من آذى أحدا من التجانيين فقد آذى النبي ﷺ ؛ فهو فرية بلا مرية وتقول على رسول الله ﷺ بلا علم؛ وقولهم أن النبي ﷺ قال أنا مربيهم فكيف يربيهم والتربية الصوفية باطلة وبدعة وأما التربية المحمدية وهي تعليم العلم فإنها مستحيلة كما تقدم فإن أرادوا بالتربية توجيه قلوبهم إلى الله تعالى والتصرف فيها بالهداية فهو شرك بالله إذ لا يقدر على ذلك إلا الله كما تقدم؛ ولكن القوم تعودوا أن يتكلموا بكلام لا معنى له يضلون به جهلة الناس وعوامهم؛ ويهولون عليهم به ليستعبدوهم ويستتبعوهم. الأمر السابع: في الثامنة عشرة؛ قال تخاصم اثنان من التجانيين على عهد الشيخ التجاني فظهر النبي ﷺ من أجل ذلك للشيخ التجاني وأمره أن يصلح بينهما؛ وقال له ما يؤذي أصحابه يؤذيه ﵊. أقول: قال الله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨) ﴾ والوعيد الذي في هذه الآية ينطبق على التجانيين لأنهم آذوا الله ورسوله بالكذب عليه وعلى رسوله ﷺ وبالابتداع في الدين والإتيان بشرع لم يأذن به الله؛ وآذوا جميع المؤمنين بل جعلوهم من أهل النار وأنهم يموتون كفارا إذا لم يؤمنوا بباطلهم وتمسكوا بكتاب الله وسنة رسوله وإجماع السلف فإن لم يتوبوا من ذلك كما تبت أنا وكما تاب شيخنا محمد بن

стр. 92

العربي العلوي وكما تاب الشيخ الصالح الورع الزاهد محمد أبو طالب الإدريسي الحسنى رحمة الله عليه وتاب كثير من العلماء لا يمكن حصرهم ويطول تعدادهم فإنهم موعودون بما في هذه الآية والتي بعدها، من اللعن والعذاب المهين؛ ومتصفون باحتمال البهتان والإثم المبين. فدع عنك نهبا صيح في حجراته ... وهات حديثا ما حديث الرواحل الأمر الثامن: في التاسعة عشرة؛ وهي زعمهم أن الأمام محمد بن عبد الله المهدي المنتظر كما جاء في الأخبار ح يكون تجانيا؛ بهتان عظيم لا يوافقهم عليه أحد؛ لا من الأولين ولا من الآخرين؛ وما لهم عليه دليل إلا الرجم بالغيب وبطلانه واضح؛ لأن هذا الإمام يكون خليفة رسول الله ﷺ فيحكم بالكتاب والسنة وحاشاه أن يركب البدعة وطريقتهم مبتدعة ظلمات بعضها فوق بعض لا يرتضيها أحد متمسك بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ؛ وإن كان قليل العلم بعيدا من مرتبة الإمام فكيف بإمام المسلمين؛ الذي شهد له النبي ﷺ بالإمامة الكاملة وإقامة العدل والإحسان والقضاء على الضلالة والعدوان. بالملح يصلح ما فسد ... كيف إذا الملح فسد فدعوا بالله عليكم هاته الترهات فإنها لا تجلب عليكم إلا المقت من الله والسخط والاحتقار من الناس وكونوا أذنابا في الحق فهو خير لكم من أن تكونوا رؤوسا في الباطل؛ ولعمري لقد نصحت ولكن كم نصيح مشبه بظنين؛ وقد صدق ذلك التجاني الذي قال عن المهدي سيذبحهم فما أعقله لأن المهدي لا بد أن يقطع دابر المبتدعين كلهم من التجانيين وغيرهم ولا يترك ولا يوالي إلا المتبعين لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وهم: أهل الحديث عصابة الحق فازوا بدعوة سيد الخلق فوجوههم عز منضرة لألاؤها كتألق البرق يا ليتني معهم فيدركني ما أدركوه بها من السبق ــ أهل الحديث هم أهل النبي وإن لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا الأمر التاسع: في السادسة والعشرين؛ وهي من أعظم الطوام وهي زعمهم أن كل من عمل عملا وتقبل منه ذلك العمل يعطي الله سبحانه كل تجتني مائة ألف ضعف من

стр. 93

الثواب على ذلك العمل وهو راقد في فراشه. تعلقوا بأماني وما علموا ... أن المنى رأس أموال المفاليس ــ لا تغتر بالأماني واكتسب عملا ... إن الأماني والأحلام تضليل هذه الدعوى من أعرق الدعوى في البطلان وبطلانها كالشمس في رابعة النهار لا يختلف فيها اثنان ولا ينتطح فيها عنزان؛ وقد أتعب صاحب الرماح نفسه فنقل عن شيخ الإسلام أحمد ابن تيميّة ﵀؛ وجوها كثيرة في حصول الثواب للإنسان من غير عمله يريد أن يموه بذلك ليثبت مثل هذه الدعوى؛ فيقال له: لقد أبعدت النجعة ونفخت في غير ضرم؛ واستسمنت ذا ورم (١) فإننا: لا ننكر انتفاع الإنسان بعمل غيره إذا أخبر به الصادق المصدوق وقد أجمع المسلمون على أن الدعاء والصدقة ينفعان الميت وليسا عمله أما ما ادعيتم في هذه الطامة التي هي من بنات غيركم فليس لكم عليه دليل لأن أمر الثواب من أمور الغيب لا يُعلم إلا من طريق الوحي ولا يثبت بوحي الشياطين البتة؛ والشيخ التجاني الذي كذبتم عليه لا ينزل عليه الوحي لأن الوحي انقطع بوفاة نبينا محمد ﷺ فوجب على كل مسلم أن يقتنع بما جاءنا به ففيه الغنية والكفاية فقد دليتم أنفسكم بالغرور ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النور (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) ﴾ فالبصير هو المتبع للوحي والأعمى هو الذي يطلب الشراب من السراب؛ والنور في الوحي والظلمات في المبتدعات المخترعات والظل الظليل في الاكتفاء بهدى الرسول الجليل والحرور في الابتداع والخروج عن سواء السبيل والأحياء هم المتبعون لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ والأموات هم المغترون بآرائهم وآراء شيوخهم.

стр. 94

تنبيه السابعة والعشرون تقدم الجواب عن أمثالها؛ والثامنة والعشرون كذلك؛ أما قولهم فيما يسمى بجوهرة الكمال فسيأتي الكلام عليها في فضل الأذكار والأوراد إن شاء الله. الأمر العاشر: في الموفية ثلاثين؛ زعم صاحب الرماح وأهل طريقته أن لهم علامة يتميزون بها. وهي أنهم مكتوب بين عيني كل واحد منهم محمد ﷺ وعلى قلبه مما يلي ظهره محمد بن عبد الله وعلى رأسه تاج من نور مكتوب فيه: الطريقة التجانية منشأها الحقيقة المحمدية. قال محمد تقي الدين: أناشدكم الله الذي خلق السماوات والأرض والذي جعل الإنسان ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد أيكم قرأ هذه الكتابات؟ ألا تخافون الله لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وفقد خاب من افترى. إن هذا الخبر لا يمكن أن يصدقه مسلم إلا إذا جاء من طريق الرسول ﷺ ؛ فإن الله يطلعه على ما شاء من غيبه كما جاء في الحديث الصحيح: أن الدجال مكتوب على جنبيه (كافر) لقد أطلقتم العنان لخيالكم فتوبوا إلى بارئكم ولا تقفوا ما ليس لكم به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولائكم تكونون عنه مسؤولين يوم تكونون بين يدي الله واقفين وكيف ترغبون عما جاء به رسول الله ﷺ إلى تصديق هذه الأباطيل التي لا تقوم على أساس. وإنما هي من الخرص والإفك المبين. الأمر الحادي عشر: في الحادية والثلاثين؛ زعموا أن لله لطفا خاصا بالتجانيين غير اللطف العام لجميع المسلمين ويقال في هذا مثل ما قيل في ما تقدم؛ وزعم صاحب الرماح أن محمد الغالي أخبره أن الشيخ التجاني قال صاحبي لا تمسه النار ولو قتل سبعين روحا إذا تاب بعد ذلك مفهومه إن لم يتب تمسه النار؛ وهذا يهدم كل ما تقدم من أن آخذ ورده فهو محرر من النار وأنه من الآمنين وأن الله يغفر له ما تقدم من ذنوبه وينجيه من جميع عذابه وتخويفه وأن الله يؤذي عنه جميع تبعاته من فضله

стр. 95

لا من حسناته وأنه لا يرى أهوال الموقف وأنه يدخل الجنة في أو ل الزمرة الأولى هو ووالداه وأولاده وأزواجه وهذه معضلة يجب على التجانيين أن يحلُّوها ولن يستطيعوا إلى حلها سبيلا فقد أُخذوا بإقرارهم هكذا يقال أولا ويقال ثانيا: إن كان القتل الذريع تتوقف مغفرته على التوبة فما لكم فيه من فضل؛ فإنَّ كل قاتل باب التوبة أمامه مفتوح ويجب مع ذلكم أن تؤمنوا بقوله تعالى في سورة النساء آية ٩٢: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣) ﴾ وحسب عقيدتكم أن هذا العموم مخصوص لا بالتوبة وحدها بل يكون القاتل تجانيا؛ وهكذا يقال في كل ما ادعيتم لأنفسكم من الفضائل؛ واسمعوا ما يقوله المفسرون في هذه الآية إن كنتم بها مؤمنين قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيرها؛ وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله حيث يقول سبحانه في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إلى أنْ قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ في أواخره سورة الأنعام؛ والآيات والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جدا؛ فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (أول ما يقضي بين الناس يوم القيامة في الدماء) وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو داود عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يزال المؤمن معتقا صالحا ما لم يصب دما حراما فإن أصاب دما حراما بلح) أي وقع في الهلاك؛ وفي حديث آخر (لو اجتمع أهل السماوات والأرض على قتل رجل مسلم لأكبَّهم الله في النار) وفي الحديث الآخر (من أعان على قتل المسلم بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله) . قال محمد تقي الدين: وكل تجاني يَكتب ذلك الخبر أو يصدقه أو يقتني كتابا هو مدرج فيه مع تصديقه يلحقه هذا الوعيد لأنه يعين على قتل المسلمين بكلمات كثيرة شطر واحدة منها يجعله يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله؛ فهذه الكتابة حق أخبر بها الصادق المصدوق ﷺ ؛ أما الكتابة التي زعموها فهي مكذوبة. ثم قال ابن كثير: وقد كان ابن عباس يرى أنه لا توبة لقاتل المؤمن عمدا؛ وقال البخاري بسنده إلى ابن جبير قال اختلف أهل الكوفة فرحلت إلى ابن عباس؛ فسألته عنها فقال نزلت هذه الآية ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ وهي آخر ما نزل

стр. 96

وما نسخها شيء؛ ورواه مسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ قال ما نسخها شيء وقال الإمام أحمد بسنده عن ابن عباس أن رجلا أتى إليه فقال أرأيت رجلا قتل رجلا عمدا فقال جزاؤه جهنم خالدا فيها الآية لقد نزلت من آخر ما نزل ما نسخها شيء حتى قُبض رسول لله صلى لله عليه وسلم وما نزل وحي بعد رسول الله؛ قال أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى قال وأنى له بالتوبة وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: تكلته أمه رجل قتل رجلا متعمدا يجئ يوم القيامة آخذ قاتله بيمينه أو بيساره أو أخذا رأسه بيمينه أو بشماله تخشب أوداجه دما من قبل العرش يقول يا رب سل عبدك فيم قتلني؟ وممن ذهب إلى أنه لا توبة له من السلف زيد بن ثابت وأبو هريرة وعبد الله بن عمر وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعبيد بن عمير والحسن وقتادة والضحاك بن مزاجم وروى أحمد والنسائي بسنديهما إلى معاوية يقول سمعت النبي ﷺ يقول: (كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل أن يموت كافرا أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا) والذي عليه جمهور سلف الأمة أن القاتل له توبة فيما بينه وبين الله إن تاب وأناب اهـ. قال محمد تقي الدين: وما ادعاه التجانيون من أن الواحد منهم لا تمسه النار ولو قتل سبعين نفسا إن تاب لا خصوصية لهم في ذلك وادعاؤهم لا يساوي فتيلا وقد أساؤوا فيها كل الإساءة في ذلك القول الأثيم الذي فيه تحريض على قتل المسلمين وتهوين لأمر القتل وذلك خلاف ما جاء عن الله ورسوله ولم يسبقهم إلى ذلك سابق ولا لحقهم في ذلك لاحق وليس لهم أن يحتجوا بحديث الذي قتل مائة نفس لأن ذلك جاء تائبا فأفتاه المفتي الأول الذي أتم به المائة بأنة لا توبة له وقد اخطأ في ذلك؛ أما التجانيون فلم يجئهم أحد يريد التوبة بل أخذوا يحرضون الناس على القتل ابتداء فافهم الفرق. الأمر الثاني عشر في الثالثة والعشرين: زعم صاحب الرماح أن النبي ﷺ قال للشيخ التجاني إذا مر أصحابك بأصحابي فليزوروهم فقط وأما غيرهم من الأولياء فلا. قال محمد تقي الدين الهلالي: هذا الكلام ركيك لا يصدر عن عالم يعرف ما يقول فكيف يصدر عن أحد الأئمة فضلا عن الصحابة فضلا عن النبي ﷺ ؛ ثم هو على ظاهره مستحيل؛ إذ لا يمكن أن يمر أحدُ التجانيين بأحد من أصحاب النبي ﷺ البتة؛ لأن التجانيين لم يوجدوا إلا في أواخر القرن الثاني عشر

стр. 97

وأصحاب النبي ﷺ توفي آخرهم قبل ذلك بأكثر من ألف سنة؛ فإن قيل المراد أنهم يمرون بقبورهم فلا حاجة إليه؛ لأن النبي ﷺ قال: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزروها) رواه مسلم من حديث بريدة بن الحصيب السلمي وهذا أمر استحباب لجميع المسلمين فلا حاجة إلى تكراره إلا إذا أرادوا أن يرتبوا عليه ما زعموه من نهي النبي ﷺ عن زيارة قبور المؤمنين إلا أصحابه ﵊ وحينئذ يقعون في هوة لا خلاص لهم منها فإنهم ينسخون الحديث المتقدم الذي هو عام لجميع المسلمين أن يزوروا قبور جميع المسلمين عموما وقد نشأ عن هذا تشريع جديد يخص التجانيين وهو تحريم زيارة قبور الصالحين وسائر المسلمين ما عدا أصحاب رسول الله ﷺ ؛ وهذا حكم خارج عنة الشريعة الإسلامية شريعة التجانيين لأنفسهم فكذبوا على رسول الله ﷺ وخرقوا إجماع المسلمين فنعوذ بالله من الجهل والخذلان: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١) ﴾ . وليكن هذا آخر هذا الفصل والله يهدينا صراطه المستقيم. الفصل الثالث: في فضل الأذكار والأوراد التجانية اعلم حفظني الله وإياك من أمراض البدع الفتاكة وشرور المحدثات المضلة وحبب إلينا التمسك بالسنة الغراء والعض بالنواجذ عليها في السراء والضراء؛ أن للتجانيين أذكار وأورادا زعموا أن شيخهم أخذها عن النبي ﷺ يقظة لا مناما؛ وهو الذي أخبره بفضائلها وقد تقدم أن الشيخ التجاني أمر بعرض كل ما ينسب إليه أو يروى عنه على كتاب الله وسنة رسوله فما وفقهما فهو عنه وإن لم يقله وما خالفها فهو بريء منه وإن قاله وهذا فيصل التفرقة بين الحق والباطل والحالي والعاطل وهو سيف مسلول على رقاب المبتدعين وبراءة وتنزيه للشيخ التجاني من أقوال المتقولين؛ فأقول وبالله التوفيق وهو الهادي بمنه على أقوم طريق. قال مؤلف جوهر المعاني في (الجزء الأول صفحة ٩٢) بعدما ذكر ما تقدم منقولا من كتاب الرماح أن كل من أحسن إلى الشيخ التجاني بمثقال ذرة أو أخذ طريقته يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب وأن النبي ﷺ ضمن للشيخ التجاني ذلك ضمانا لا يخلف حتى يكون الشيخ التجاني وأهل محبته في أعلى عليين في جوار النبي ﷺ . قال ما نصه اعلم أني بعدما كتبت هذا من سماعه وإملائه علينا رضي الله

стр. 98

عنه من حفظه ولفظه اطلعت على ما رسمه بخطه ونصه وأسأل من فضل سيدنا رسول الله ﷺ أن يضمن لي دخول الجنة بلا حساب ولا عذاب في أول الزمرة الأولى أنا وكل أب وأم ولدوني من أبوي إلى أول أب لي في الإسلام من جهة أبي ومن جهة أمي وجميع آبائي وأمهاتي من أبوي إلى الجد الحادي عشر والجدة الحادية عشرة من جهة أبي ومن جهة أمي من كل ما تناسل منهم من وقتهم إلى أن يموت سيدنا عيسى بن مريم ﵇ من جميع الذكور والإناث والصغار والكبار؛ وكل من أحسن إلي بإحسان حسي أو معنوي من مثقال ذرة فأكثر؛ وكل من نفعني بنفع حسي أو معنوي من مثقال ذرة فاكثر؛ من خروجي من بطن أمي إلى موتي وكل من له علي مشيخة في علم أو قرآن أو ذكر أو سر من كل من لم يعاديني من جميع هؤلاء وأما من عاداني أو أبغضني فلا وكل من أحبني ولم يعاديني؛ وكل من والاني واتخذني شيخا؛ أو أخذ عني ذكرا وكل من زارني وكل من خدمني وقضى لي حاجة أو دعا لي؛ كل هؤلاء من خروجي من بطن أمي إلى موتي وآبائهم وأمهاتهم وأولادهم وبناتهم وأزواجهم وأولاد أزواجهم وكل من أرضعني وأولادهم وبناتهم ووالديهم ووالدي أزواجهم يضمن لي سيد الوجود رسول الله ﷺ ولجميع هؤلاء أن نموت أنا وكل حي منهم على الإيمان والإسلام وأن يؤمننا الله وجميعهم من جميع عذابه وعقابه وتهويله وتخويفه ورعبه وجميع الشرور من الموت إلى المستقر في الجنة؛ وأن تُغفر لي ولجميعهم جميع الذنوب ما تقدم منها وما تأخر؛ وأن تُؤدي عني وعنهم جميع تبعاتهم وتبعاتي وجميع مظالمنا ومظالمهم من خزائن فضل الله لا من حسناتنا وأن يؤمننا الله من جميع محاسبته ومناقشته وسؤاله عن القليل والكثير يوم القيامة؛ وأن يظلني وجميعهم في ظل عرشه يوم القيامة وأن يجيزني ربي وكل واحد من المذكورين على الصراط أسرع من طرفة عين على كواهل الملائكة؛ وأن يسقيني الله وجميعهم من حوض سيدنا محمد ﷺ يوم القيامة؛ وأن يدخلني ربي وجميعهم في جنته بلا حساب ولا عقاب في أول الزمرة؛ وأن يجعلني ربي وجميعهم مستقرين في الجنة في عليين من جنة الفردوس ومن جنة عدن؛ أسأل سيدنا رسول الله ﷺ بالله أن يضمن لي ولجميع الذين ذكرتهم في هذا الكتاب جميع ما طلبته من الله لي ولهم بكماله كله ضمانا يوصلني وجميع الذين ذكرتهم في هذا الكتاب إلى كل ما طلبته من الله لي ولهم؛ فأجاب ﷺ بقوله الشريف كل ما في هذا الكتاب ضمانة لا تتخلف عنك وعنكم أبدا إلى أن تكون أنت وجميع من ذكرت في جواري في أعلى عليين؛ وضمنت لك جميع ما طلبته منا ضمانة لا يخلف الوعد فيها والسلام. قال ﵁ كل هذا وقع يقظة لا مناما وأنتم وجميع الأحباب لا تحتاجون

стр. 99

إلى رؤيتي وإنما من لم يكن حبيبي ولا أكلت طعامه وأما هؤلاء فقد ضمنهم لي بلا شرط رؤية مع زيادة أنهم في أعلى عليين اهـ. قال محمد تقي الدين: المراد بالأحباب هنا كل من أخذ الورد وصار من أهل الطريقة التجانية؛ سواء رأى التجاني أم لم يراه؛ وأما الذي يحتاج إلى رؤيته من لم يكن تجانيا ولا أكل طعامه ولا أحسن إليه بمثقال ذرة فأكثر. والتجانيون يطلقون على كل واحد منهم حبيب الشيخ؛ وأنشد محمد النظيفي المراكشي من نظمه: نحن ضيوف الله لا نخاف ... ولا نضام بل ولا نخاف نحن ضيوف المصطفى العدنان ... نحن ضيوف أحمد التجاني يعني بذلك جميع التجانيين. وأكثر ما ذكر تقدم الرد عنه؛ وبقي ضمان النبي ﷺ لأقارب الشيخ التجاني من جهة أبيه وأمه من الجد الحادي عشر والجدة الحادية عشرة إلى موت عيسى بن مريم ﵉ فينبغي أن نذكر ما يبطل ذلك ويقضي عليه قضاء تاما ويغسل من درنه قلب كل مسلم أراد الله به خيراً وسبقت له السعادة؛ أما من كُتب عليه الشقاء فلا ينفعه ما نذكره من آيات الكتاب العزيز والسنة الصحيحة وما يذَّكر إلا أولوا الألباب. أخرج ومسلم في صحيحه عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلا قال يا رسول الله أين أبي؟ قال: (في النار) قال فلما قفى الرجل دعاه فقال: (إن أبي وأباك في النار) . وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية. عن الإمام أحمد بسنده إلى سليمان بن بريدة عن أبيه قال كنا مع النبي ﷺ ونحن في سفر فنزل بنا ونحن قريب من ألف راكب فصلى ركعتين ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان فقام إليه عمر بن الخطاب وفداه بالأب والأم وقال يا رسول الله مالك؟ قال (إني استأذنت ربي في الاستغفار لأمي فلم يأذن لي فدمعت عيناي رحمة لها من النار) ورواه ابن جبير من طريق علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة

стр. 100

عن أبيه أن النبي ﷺ لما قدم مكة أتى على قبر فجلس عليه فجعل يخاطب ثم قام مستعبرا فقلنا يا رسول الله إنا رأينا ما صنعت قال: (إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي) فما رئي باك أكثر من يومئذ. وقد تقدم حديث وفاة أبي طالب وحرص النبي صلى اله عليه وسلم على نجاته فسبق القلم ومات أبو طالب كافرا، وحزن النبي ﷺ عليه إذ مات كافرا فأنزل الله تعالى عليه ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية؛ وتقدم أيضا إنذار النبي ﷺ لعشيرته الأقربين بأمر الله تعالى، وقوله لفاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت وأنقدي نفسك من النار لا أغني عنك من الله شيئا، فيا لله العجب يعجز النبي ﷺ أن يدخل والديه وعمه الجنة ويقول لابنته ما سمعتم ثم يضمن الجنة لكل جد للتجاني من الجد الحادي عشر والجدة الحادية عشرة من الأب والأم إلى موت عيسى بن مريم سبحانك هذا بهتان عظيم. ولا شك أنهم كذبوا على الشيخ التجاني وكذبوا على رسول الله ﷺ بدليل ما تقدم من الإفادة الأحمدية ولا يروج مثل هذا البهتان ألا على أجهل الجاهلين بدين الإسلام. فصل في صلاة الفاتح لما أُغلق قال مؤلف جواهر المعاني علي حرازم في الجزء الأول (٩٤) وأما فضل صلاة الفاتح لما أُغلق الخ فقد سمعت شيخنا يقول كنت مشتغلا بذكر صلاة الفاتح لما أُغلق حين رجعت من الحج إلى تلمسان لما رأيت من فضلها وهو أن المرة الواحدة بستمائة ألف صلاة كما هو في وردة الجيوب وقد ذكر صاحب الوردة أن سيدي محمد البكري الصديقي نزيل مصر وكان قطبا، قال إن من ذكرها ولم يدخل فليقبض صاحبها عند الله، وبقيت أذكرها إلى أن رحلت من تلمسان إلى بني سمغون فلما رأيت الصلاة التي فيها المرة الواحدة بسبعين ألف ختمة من دلائل الخيرات تركت الفاتح لما أُغلق واشتغلت بها وهي (اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آله صلاة تعدل جميع صلوات أهل محبتك وسلم على سيدنا محمد وعلى آله سلاما يعدل سلامهم) لما رأيت فيها من كثرة الفضل ثم أمرني بالرجوع صلى الله عليم وسلم إلى صلاة الفاتح لما أُغلق فلما أمرني بالرجوع إليها سألته ﷺ عن فضلها فأخبرني أولا بأن المرة الواحدة منها تعدل من القرآن ست مرات ثم أخبرني ثانيا أن المرة الواحدة تعدل من كل تسبيح وقع في الكون ومن كل ذكر ومن كل دعاء كبير أو صغير ومن القرآن ستة آلاف مرة لأنه من

стр. 101

الذكر اهـ. قال محمد تقي الدين قال الله تعالى في سورة الزمر: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) ﴾ وقال تعالى في هذه السورة نفسها: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ قال ابن كثير واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم هو القرآن و؛ وقال في فضائل القرآن قال ﷺ : (إن فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه) رواه البزار من حديث أبي سعيد الخدري. قال محمد تقي الدين: لما كان القرآن صفة من صفات الله كان أفضل من كلام المخلوقين كلهم لأن الكلام المخلوق لا يساوي كلام الله الذي هو غير مخلوق. وقد ذكر أئمة الحديث في فضائل القرآن شيئا كثيرا وعقدوا لذلك كتبا في مؤلفاتهم وهي مشهورة معروفة عند الخاص والعام، وأجمع المسلمون من أهل السنة ومن أهل البدعة على أن كلام الله تعالى أفضل من كلام الأنبياء فكيف بغيرهم حتى القائلون بخلق القرآن في هذا فمن جعل كلام الناس كصلاة الفاتح مثل كلام الله تعالى فقد ضل ضلالا بعيدا وخرق إجماع المسلمين واتبع غير سبيلهم فكيف بمن يجعل صلاة الفاتح أفضل من القرآن بستة آلاف مرة فيا عجبا ممن يؤمن بالله واليوم الآخر كيف يؤمن بهذه العقيد الفاسدة؟ وعلى هذا فالنبي ﷺ الذي كان يقرأه ويدارسه مع جبريل فاته التجانيون في الأجر والثواب وسبقوه بأضعاف مضاعفة تفوق الحصر وجميع أصحابه ﷺ الذي كانوا يعتقدون أن القرآن أفضل الأذكار كما أخبرهم ربهم سبحانه وأخبرهم نبيهم ﷺ ضاعت أعمارهم بالنسبة إلى أقل التجانيين ذكرا فإن كل تجاني يذكر صلاة الفاتح إذا اقتصر على ما يجب عليه منها كل يوم مائة وخمسين مرة فعلى قولهم يكون له أجر من قرأ القرآن تسع مائة ألف مرة (٩٠٠٠٠٠) ولا يستطيع أحد أن يختم القرآن بقراءة صحيحة مقبولة إلا في ثلاثة أيام وأي ضلال يساوي ضلال من يثبت لنفسه من الأجر والثواب أكثر من جميع الأنبياء والمرسلين وجميع عباد الله الصالحين فيا هادي الطريقة ضللت وأضللت. قال محمد تقي الدين وصلاة الفاتح كما أشار إليها صاحب الجواهر أول من تكلم بها محمد البكري الصديقي وحكى التجانيون عنه أن زعم أنه نزلت عليه من السماء في ورقة مكتوبة بقلم القدرة قالوا فهي من كلام الله تعالى وليست من تأليف مخلوق وعلى زعمهم هذا لا بأس بتفضيلها عن القرآن إلا أنه يلزمهم أن صلاة الفاتح التي نزلت على

стр. 102

البكري وهي أربع وعشرون كلمة أفضل من القرآن الذي أنزل على سيد المرسلين محمد ﷺ وهو زهاء مائة ألف كلمة (١٠٠٠٠٠) وهل ينزل وحي بعد خاتم النبيين لم يقل بهذا إلا المتنبئون الزنادقة المحتالون وكيف يقول الله تعالى اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما اغلق والخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق والهادي إلى صراطك المستقيم وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم لأن الله هو السيد ومحمد عبده ورسوله وهو أفضل عباد الله وفي كمال عبوديته لله تمكن سيادته وفضله على سائر الخلق فلا يليق بذي الجلال والإكرام أن يخاطب نفسه ويقول اللهم صل على سيدنا محمد فإن قالوا إن الله أنشأ هذه الصلاة لعباده لا لنفسه فلا يلزم ما ألزمتمونا به قلنا لو كان الأمر كذلك لقال الله تعالى فيما أوحينا به إلى البكري أو كتبه له بقلم القدرة، يا أيها البكري قل لعبادي يقولوا: اللهم صل على محمد الخ. كما قال تعلى لخاتم النبيين ﷺ في سورة الإسراء: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ على أني أيها القراء الأعزاء أثبت لكم بالبرهان القاطع أن هذه الصلاة ليست من كلام الله تعالى ولا كتبها قلم القدرة ولا من كلام البكري بل قيلت قبله بنحو ألف سنة (١٠٠٠) ففي كتاب الشفا للقاضي عياض رواية بسند منقطع إلى بن أبي طالب، أنه قال كان يصلي النبي ﷺ بقوله: اللهم داحي المدحوات وبارئ المسموكات وجبار القلوب على فطرتها، شقيها وسعيدها اجعل شرائف صلواتك ونوامي بركاتك ورأفة تحننك على محمد عبدك ورسولك الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق والمعلن الحق بالحق الخ. ولما كان سند هذه الصلاة منقطعا لم تصح نسبتها إلى علي ومن الأدلة على بطلانها بطلان نسبتها إليه أنه لم يكن ليعدل عن الصلاة الإبراهيمية التي علَّمها رسول الله ﷺ أصحابه بعد ما سألوه قائلين، أن الله أمرنا أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك فقال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم الخ. وأجمع أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون والأئمة المجتهدون ومن تبعهم بإحسان على تفصيل هذه الصلاة والإتيان بها في الصلوات المفروضة والنوافل وغيرها وإذا ثبت أن كلام الله تعالى أفضل من كلام الخلق كلهم فكلام سيد الخلق سيد الكلام، ومن سوء الفهم وسوء التقدير أن يبحث الإنسان عن صلاة تعدل هذه الصلاة فكيف بصلاة تكون أفضل منها وهي من لفظ من أُوتي جوامع الكَلِم واختُصِر له الكلام اختصارا وهو أفصح خلق الله، فأهم صلاة الفاتح مأخوذة من كتاب الشفا الذي ألفه

стр. 103

القاضي عياض وهو من علماء القرن الخامس الهجري، وقد روى هذه الصلاة عمن قبله فلا بد أن تكون من كلام التابعين أو من دونهم بقليل، فاثنتا عشرة كلمة وهي اللهم ﷺ على محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ناصر الحق بإبدال ناصر مكان المعلن وأما الهادي إلى صراطك المستقيم فهو من القرآن قال تعالى في سورة الشورى يخاطب رسوله ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهذه أربع كلمات تضاف إلى اثنتي عشرة فيصير المجموع ست عشرة كلمة، ومعنى (صل) موجود في الصلاة التي رواها عياض فيصير المجموع سبع عشرة كلمة فلا يبقى إلا ثماني كلمات وهي سيدنا وعلى آله بل على آله مأخوذة من الصلوات العامة فلا يبقى إلا سيدنا وحق قدره ومقداره العظيم وهي خمس كلمات أما لفظ سيدنا فغير مشروع في الصلاة على النبي ﷺ لأن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار أهل القرون المفضلة لم يستعملوا لفظ سيدنا في صلاتهم على النبي ﷺ وهي زائدة على ما علَّم رسول الله ﷺ أمته ولن يأتي آخر هذه الأمة بمثل ما كان عند سلفها فكيف بأفضل منه؟ وعلى ذلك لا يبقى إلا أربع كلمات وهي حق، قدره، ومقداره، العظيم، وبذلك تهدم كل ما بناه التجانيون من القصور الخالية. أما زعمهم أن ذلك الفضل الذي ادعوه لصلاة الفاتح خاص بمن أخذها بالإذن من الشيخ التجاني مباشرة أو بوسائط فهو أعجب وأغرب، وليس في الشريعة الإسلامية، لأن الذكر والدعاء إما أن يكونا مشروعين بمعنى أن النبي ﷺ جاء بهما وهما من دينه الذي بعثه الله به فلا يحتاجون إلى إذن، لأن الإذن قد حصل من الله تعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) ﴾ الأحزاب ٤١-٤٢، وقال تعالى في سورة الأعراف آية ٥٥: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) ﴾ وهذا إذن عام لكل مؤمن من الله بلغه رسوله ﷺ البلاغ المبين، لجميع المؤمنين، وقال تعالى في سورة الأحزاب آية ٥٦: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦) ﴾ فكل من ذكر الله تعالى بذكر مشروع أو دعاه بدعاء مشروع أو صلى على النبي ﷺ وتقبل الله منه ذلك أثابه عليه ولا يشترط أن يأخذه من شيخ، بل أخذه من الشيخ مبطل لثوابه لأنه بدعة والعبادات إذا قارنتها البدعة ليس لها ثواب، بل يكون أهلها متعرضين لعذاب الله، لأن البدعة شر من المعاصي كما حققه الإمام أبو إسحاق الشاطبي في الاعتصام، وقد أكمل الله دينه وبلغه أفضل الخلق فكل من نصب نفسه لإعطاء الأوراد والأذكار فقد ابتدع في دين الله وعرض نفسه لعذاب الله، وكذلك من أخذ عنه تلك الأوراد

стр. 104

قال تعالى في سورة المائدة آية ٣: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ فالأوراد والأذكار إن كان النبي ﷺ قد جاء بها فما شأن هذا الطُّفيلي الذي نصب نفسه واسطة بين الحق والخلق، وأراد أن يجود بمال غيره الذي لا يملك منه شيئا فهو محتال كذاب يريد أن يستعبد الجاهلين وينهب أموالهم ويفسد عقولهم ويضلهم عن صراط الله المستقيم الذي ترك رسول الله ﷺ أمته عليه قال الله تعالى في سورة الأنعام آية ١٥٣: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) ﴾ روى الإمام أحمد بسنده إلى عبد الله بن مسعود قال: خط رسول الله ﷺ خطا بيده ثم قال، هذا سبيل الله مستقيما، وخط عن يمينه وشماله ثم قال، هذه سُبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: ﴿وَأَنْ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وذكر الحافظ ابن كثير في تفسيره أن هذا الحديث رواه النسائي وابن حبان والحاكم وقال على شرط الشيخين. وقد توفي رسول الله ﷺ بعد أن اكمل الله الدين وترك أمته على أحسن ما يريده لها ولم تكن هناك أوراد، ولا شيوخ طرق، ولا زويا، ولا تكايا فيجب على كل مسلم أن يكون على ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ولا يزيد على ذلك شيئا، لأن الزيادة في الكامل نقص وعيب، وبدعة ضلالة وبذلك يتبين لك بطلان ما جاء في فضل صلاة الفاتح مع اشتراط الإذن فيها كما يدعي التجانيون وقد تبين الصبح لذي عينين: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ . وهاهنا عبارة نسوقها، ليتعجب القراء منها ويحمدوا الله على العافية، وهي قول صاحب الجواهر في الصفحة ٩٦ من الجزء الأول في سياق فضل صلاة الفاتح، إنها لم تكن من تأليف البكري ولكنه توجه إلى الله مدة طويلة أن يمنحه صلاة على النبي ﷺ فيها ثواب جميع الصلوات وسر جميع الصلوات وطال طلبه مدة ثم أجاب الله دعوته فأتاه الملَك بهده الصلاة مكتوبة في صحيفة من النور ثم قال الشيخ فلما تأملت هذه الصلاة وجدتها لا تزنها عبادة جميع الجن والإنس والملائكة قال الشيخ وقد أخبرني ﷺ عن ثواب الإسم الأعظم فقلت: إنها أكثر منه فقال ﷺ بل هو أعظم منها ولا تقوم له عبادة. وفي هذا الكلام دليل على أن هذا البكري الذي زعموا أنه توجه إلى الله تعالى وابتهل إليه مدة طويلة ليمنحه صلاة فيها ثواب جميع الصلوات وسر جميع الصلوات

стр. 105

كان أجهل من حمار أهله إن صح عنه هذا الخبر، لأن الله تعالى قد أعطى جميع المسلمين صلاة هي من أفضل الصلوات ولا تعدلها صلاة أصلا، إلا إذا كان هناك من يزعم أن محمد ﷺ الذي علمنا إياها يوجد من يعدله أو يكون أفضل منه وهذا كفر. فالذي أمرنا بالصلاة هو الله سبحان وتعالى ولو سكت أصحاب رسول الله ﷺ ولم يسألوه عن صفة أداء هذا الواجب لكان لكل مصل أن يصوغ صلاة وحينئذ لا يجوز لأحد أن يدَّعي أن صلاته التي صاغها أفضل من صلاة غيره أو أكثر ثوابا، لأن ذلك لا يُعلم إلا من جهة النبي ﷺ ، ولكن يمكن أن يقال إن عبارة هذه الصلاة أبلغ من عبارة صلاة أخرى ولكن ذلك لا يقتضي زيادة ثواب أو فضل. أما وقد سأل الصحابة الكرام رسول الله ﷺ بقولهم كيف نصلي عليك؟ وعلمهم كيف يصلون عليه فالصلاة التي علمهم هي أفضل الصلوات كما أنه ﵊ أفضل المعلمين هذا لو كانوا يعقلون، ولكنهم يخبطون خبط عشواء في ليلة ظلماء، الحمد الله الذي عافانا مما أصيبوا به ونسأله أن يفك أسرهم من هذه القيود والأغلال كما فك أسرنا ويردهم إلى توحيد الله واتباع النبي الكريم وترك التقول عليه. قال محمد تقي الدين وقد أطال صاحب الجواهر وما أطاب فيما زعم أن شيخه حدَّثه به من فضل صلاة الفاتح لما أُغلق، فمن شاءه فلينظره. فضل جوهرة الكمال قال صاحب الرماح صفحة ٨٩ وأما فضل جوهرة الكمال فقد قال الشيخ أن رسول الله ﷺ ذكر لها خواص منها أن المرة الواحدة، تعدل تسبيح العالم ثلاث مرات ومنها أن من قرأها سبعاً فأكثر يحضره رسول الله ﷺ والخلفاء الأربعة ما دام يذكرها، ومنها أن من لازمها كل يوم أزيد من سبع مرات يحبه النبي ﷺ محبة خاصة ولا يموت حتى يكون من الأولياء، وقال الشيخ من داوم عليها سبعا عند النوم على طهارة كاملة وفراش طاهر يرى النبي ﷺ ، وقال الشيخ التجاني: أعطاني رسول الله ﷺ صلاة تسمى جوهرة الكمال من ذكرها اثنتي عشرة مرة وقال هذه هدية مني إليك يا رسول

стр. 106

الله فكأنما زاره في قبره يعني في روضته الشريفة وكأنما زار أولياء الله والصالحين من أول الوجود إلى وقته ذلك اهـ. ونص جوهرة الكمال كما في الرماح (ص٢٢٤ ج١) اللهم وسلم على عين الرحمة الربانية والياقوتة المتحققة الحائطة بمركز الفهوم والمعاني ونور الأكوان المتكونة الآدمي صاحب الحق الرباني البرق الأسطع بمزون الأرباح المالئة لكل متعرض من البحور والأواني ونورك اللامع الذي ملأت به كونك الحائط بأمكنة المكاني اللهم صل وسلم على عين الحق التي تتجلى منها عروش الحقائق عين المعارف الأقوم صراطك التام الأسقم صل وسلم على طلعة الحق بالحق الكنز العظم إفاضتك منك إليك إحاطة النور المطلسم صلى الله عليه وعلى آله صلاة تعرفنا بها إياه. اعلم أيها القاري الذي حفظه الله من ظلمات البدع والشرك وأنار بصيرته بنور التوحيد والاتباع، أن هذه الصلاة التي زعم التجانيون أن شيخهم أخذها عن النبي ﷺ وذكروا لها ما تقدم من الفضل يستحيل أن تكون من كلام العرب الفصحاء وهي بعيدة منه بعد السماء من الأرض، وكل من يعرف كلام العرب معرفة حقيقية لا يكاد يصدق أن ذلك الكلام الركيك يقوله أحد من العرب وفيها كلمتان إحداهما سب لا يجوز أن يُطلق على النبي ﷺ ولا يتناسب مع ما قبله وهي كلمة (الأسقم) فإن الصراط لا يوصف بالسقم إذ لا يقال صراط مريض وهذا الصراط أمرض من ذلك وإنما يقال صراط مستقيم أو قويم وهذا الصراط أقوم من ذلك. وقد رد العلماء على التجانيين وعابوا عليهم هذه الكلمة القبيحة فقال الشيخ الكمليلي الشنقيطي في أرجوزته التي انتقد بها الطريقة التجانية: ولم يجز إطلاق لفظ موهم ... نقصا على النبي مثل الأسقم كذا مطلسم وما يدريكا ... لعله كفر عنى الشريكا ولم يتفطن أولئك العلماء إلى سبب هذا الخطأ ولو تفطنوا له لانحل الإشكال بلا كلفة فسببه أن مؤلف هذه الصلاة مغربي وأهل المغرب في لغتهم العامية يقولون (سر مسقم) يريدون امش مستقيما ويقولون كذلك (سر أسقم) بعضهم ينطق بها قافا وبعضهم ينطق بها كافا، ولما كان منشئ هذه الصلاة غير عالم بالعربية وقد ذكر الأقوم من قبل في قوله عين المعارف الأقوم وقال بعدها صراطك التام، أراد أن يصف الصراط بالاستقامة مع المحافظة على السجع لمقابلة الأقوم واستثقل أن يكرر الأقوم عبر بالأسقم

стр. 107

ظنا منه أنهما في المعنى سواء كما يفهمه عامة المغاربة، وقد علمت من مصاحبتي للشيخ أحمد سكيرج وهو من كبار المقدمين في الطريقة التجانية وكنت في ذلك الوقت تجانيا لا يخفى علي سرا، أن هذه الصلاة وجدت لأول أمرها عند شخص يسمى محمد بن العربي التازي ويسميه التجانيون الواسطة المعظم لأنه بزعمهم كان واسطة بين النبي صلى الله عيه وسلم وبين الشيخ أحمد التجاني يحمل الرسائل من الشيخ إلى النبي ومن النبي إلى الشيخ وفي ذلك الوقت وقت الوساطة لم يكن النبي ﷺ يظهر للشيخ التجاني وإنما كان يظهر لمحمد بن العربي وزعموا أن النبي ﷺ قال للواسطة محمد بن العربي لولا محبتك لحبيبي التجاني ما رأيتني وكان الواسطة يُخبر الشيخ التجاني بأنه إذا جاء الوقت الموعود يظهر النبي ﷺ له بلا واسطة يُحدِّثه ويُكلِّمه وسنذكر شيئا من الرسائل التي أملاها النبي ﷺ على محمد بن العربي وأمره بكتابتها ليحملها إلى الشيخ التجاني ويقرأها عليه وحينئذ لا يبقى عندك شك بجهل هذا الرجل بالعربية وأنه السبب في ركاكة هذه الصلاة التي هي من إنشائه، وقد تكلف أحمد أمين مؤلف كتاب الوسيط في تراجم أدباء شنقيط، فألف جزءا في دعوى صحة بناء أفعل التقضيل من المستقيم على أسقم بإثبات السين الزائدة وحذف عين الكلمة وهي الواو، وركِب في ذلك الصعب والذلول ونقل عن علماء اللغة نقولا ظن أنها تؤيد ادعاءه وأخبرني الشيخ محمد بن أمين الحسني الشنقيطي أن صاحب الوسيط في آخر عمره تاب إلى الله من الطريقة التجانية وصار يخجل عندما يذكر له أحد أنه كان تجانيا وألف ذلك الجزء في الدفاع عن الأسقم، وهذا يزيدك أيضا أن الكلمة عامية مغربية وأنت إذا نظرت في كلمات هذه الصلاة من أولها إلى آخرها وجدتها في غاية البُعد عن الكلام الفصيح ولم تستبعد صدور الأسقم والمطلسم من مؤلفها وإذا ظهر السبب بطل العجب، وكل ما ذكروا في فضلها فهو كذب على الله ورسوله وحسب ما تقدم كذب على الشيخ التجاني أيضا، وما معنى قولهم لا يموت حتى يكون من الأولياء؟ فهل هو من أعداء الله الآن؟ وإذا داوم عليها يصير من أولياء الله وقد تقدم أن كل من لم يكن ولي الله وبلغته الدعوة فهو عدو الله، ومجيء النبي ﷺ والخلفاء الأربعة وجلوسهم أمام قارئها كذب نشأ عن بلادة، فإنْ كان مقصودهم بالأجساد فلا يرتاب أحد في أنه بهتان، ولا يصدقه عاقل، لأن الجسد لابد أن يرى بالعين ويلمس باليد، وأن كان مقصودهم أن أرواحهم تجيء فهو من بنات غيرهم لأنه لا دليل عليه وكيف تترك أرواحهم الطاهرة جنة الفردوس وتخرج منها ثم تجيء لتجلس أمام قوم جاهلين يشركون بالله ويستمدون من غيره ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) ﴾ . فسبحان الله كيف تمسخ عقول البشر، حتى تصل إلى هذه الدركة التي يتنزه عنها البقر، ومن يضل الله فما له من سبيل.

стр. 108

قال صاحب الرماح: ولا تُقرأ جوهرة الكمال إلا بالطهارة المائية من الحدث والخبث وطهارة الثوب والمكان، قال محمد تقي الدين: ومعنى ذلك أن من كان فرضه التيمم لا يجوز له أن ينطق بجوهرة الكمال وإن كان يجوز له أن يقرأ القرآن كله وأن يُصل الصلوات الخمس فهذا تشريع جديد واستدراك على الله ورسوله فإن شريعة الله تجعل الطهارة الترابية كالمائية، فقد قال النبي ﷺ : (الصعيد وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنيين فإن وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته) رواه البزَّار من حديث أبي هريرة وصححه القطان وأقره الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام، ومفهومه أن من لم يكتفي بالصعيد في عبادته لله تعالى ولم يعتبره وضوء فليس بمسلم، فقد أراد هؤلاء أن يرفعوا قدر الصلاة ليرفعوا بذلك قدرهم بجهلهم فأخرجوا أنفسهم من الشريعة الإسلامية ثم من الإسلام نفسه. ولما كانت جوهرة الكمال جزءا من الوظيفة المفروضة على كل تجاني، وكانت لا تقرأ إلا بالطهارة المائية لا الترابية وجب على من عجز عن استعمال الماء أولم يجد ماء أن يقرأ بدلها عشرين مرة من صلاة الفاتح، وفي ذلك تناقض لا يخفى وبيانه أن صلاة الفاتح هي أفصح لفظا وأحسن معنى من جوهرة الكمال لأنها من كلام المتقدمين كما سلف، وقد زعموا أنها أفضل من القرآن ومن جميع الأذكار بأضعاف مضاعفة فما بالها تُقرأ بالطهارة الترابية وجوهرة الكمال التي هي دونها في الفضل بمراحل لا ُتقرأ إلا بالطهارة المائية، وَيقرأ التجاني عوضا عن جوهرة الكمال اثنتي عشرة مرة، عشرين مرة من صلاة الفاتح، فأنت ترى أن المرة الواحدة من قراءة جوهرة الكمال، تعدل أكثر من مرة ونصف من الفاتح وذلك من نسبة عشرين إلى اثنتي عشر ة، فإن كنت أيها القارئ تجانبا فبادر بالخروج من الطريقة واغسل يديك منها بالزلال العذب من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وإن كنت معافا منها فاحمد الله على العافية وانبذ الطرق كلها واستقم على الطريقة المحمدية التي قال الله تعالى فيها في سورة الجن: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) ﴾ . قال مؤلف هذا الكتاب محمد تقي الدين: وللتجانيين أذكار خاصة بالخاصة منهم غير لازمة لعامتهم، أذكر شيئا منها، الصلاة الغيبية في الحقيقة الأحمدية، (اللهم صل وسلم على عين ذاتك العلية بأنواع كمالاتك البهية في حضرة ذاتك الأبدية على عبدك القائم بك منك إليك بأتم الصلوات الزكية المصلي في محراب الهوية التالي السبع المثاني إلى آخره.

стр. 109

ومن هذه الألفاظ تعلم أن التجانيين من المعتقدين وحدة الوجود وبيان ذلك أن الوجود عندهم واحد، فالرب هو العبد والعبد هو الرب كما تقدم عن ابن عربي الحاتمي فإذا اعْتَبَرْتَ الصور والأشكال كالشمس والقمر والكواكب والإنسان وأنواع الحيوان والنبات والبُحور تسمِّي ذلك خلقا وإذا اعتبرت الهيولا وهي المادة التي منها أنشأت تلك الصور وإليها تعود بعد فنائها لتنشأ منها صور أخرى فتلك الهيولا عندهم هي الله، ومثََّل لِذلك ابن عربي بالخشب فهو مادة واحدة فإذا صَنَعتَ منه أشياء كسرير وخزانة وكرسي لم تخرج تلك الأشياء عن كونها خشبا بعد الصَّنْعَة وحُدوث الأشكال والصور صارت لها أسماء أخرى ولو لم يكن في الطريقة التجانية إلا هذا الاعتقاد لكان كافياً في ضلال أهلها. كنت في القاهرة والإسكندرية ولم أظهر خروجي من الطريقة التجانية في سنة ١٣٤١هـ وكان الشيخ محمد الدادسي الأزهري يكرمني لاعتقاده أني تجاني، فكان يغسل رأسي مرة فقال هنيئا لكم معشر أهل البيت، وكان قد سألني عن نسبي، فأخبرته أن نسبنا ينتهي إلى الحسين بن علي، فقلت له: ولم هذه التهنئة قال لأنكم تدخلون الجنة قطعا، وقد حرم الله على النار أن تمس أجساد أهل البيت، فقلت له: وما الدليل على ذلك؟ فقال قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) ﴾ فقلت: وهل هذا يدل على أن أهل البيت لا تمسهم النار، قال نعم بذلك فسرها الشيخ الأكبر ابن العربي الحاتمي، فقلت له أن تفسيره غير صحيح لأنه يجعل أهل البيت خارجين عن الوعيد الوارد في كتاب الله وحديث رسول الله ﷺ فقال لي وسيدنا أحمد التجاني يوافقه على ذلك التفسير، فقلت له: فقلت وهل هو معصوم من الخطأ فتلوَّن وجهه وسكت، وأمسك عن غسل رأسي قبل أن يُتِمَّه، واعتبرني من ذلك الحين غير تجاني. ومن الأحاديث التي يزعم التجانيون أن شيخهم نسبها إلى النبي ﷺ أن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار، وهذا الحديث باطل لما تقدم، لحديث الصحيحين الذي قال فيه ﷺ : (يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت وأنقذي نفسك من النار لا أُغني عنك من الله شيئا) وقال مثل ذلك في عمته صفية وعمه العباس، والأسانيد التي روى بها الحديث المتقدم الذكر واهية من رواية الروافض، وقد ضعفها الأئمة، ولو لم يضعفوها لما كان في استطاعتها أن تُعارض نصوص القرآن المفسرة بما في الصحيين وسيأتي تخريجه في نهاية الفصل إن شاء الله.

стр. 110

قراءة فاتحة الكتاب بنية الإسم الأعظم قال في الرماح (ج ٢ ص٩٠) : قال في جواهر المعاني سألته يعني التجاني عمن احتلم في السفر ولم يقدر على الاغتسال بوجه من الوجوه، هل يذكر جمع ما عنده من الأوراد فأجاب: أنه يتيمم ويذكر جميع أذكاره كالسيفي وغيره إلا فاتحة الكتاب بنية الإسم فلا يقرأها ولو طال الحال إلى الأبد إلا بالطهارة مائية كاملة. قال محمد تقي الدين: يا أيها المحدِّثون ويا أيها الأصوليون ويا أيها الفقهاء انظروا واعجبوا هل سمعتم في الشريعة الإسلامية مثل هذا فاتحة الكتاب إذا نوى بقراءتها الإسم الأعظم لا يجوز له أن يقرأها إلا بطهارة مائية، وإذا قرأها دون أن ينوي الاسم الأعظم جازت قراءتها بطهارة ترابية، وقد تقدم الدليل على أن لا فرق بين الطهارة المائية والطهارة الترابية لمن كان فرضه التيمم، والدليل هو الكتاب والسنة والإجماع. وليس اللوم على من اخترع هذه الأكاذيب على الله ورسوله ودينه، ولكن اللوم على شرار الدواب الصم البكم العمي الذين تجوز عليهم هذه الترهات، فنحمدك اللهم على العافية. ثم قال التجاني وسألت رسول الله ﷺ هل أذكر الإسم الأعظم بالتيمم للمرض إذا أصابني ولم أقدر على الوضوء، قال لا إلا أن تذكر بالقلب دون اللسان. اهـ الخاتمة نسأل الله حسنها في مسائل متفرقة اعلم أيها القارئ الذي أنجاه الله من الوقوع في حبائل الطرق، وأنت أيها القارئ المسكين الأسير العاني المكبول بكبل الطريقة إذا وفقك الله لقراءة هذا الكتاب أنَّنِي وجدت في جوهر المعاني وغيره من كتب الطريقة ضلالات وموبقات كثيرة جدا يضيق الوقت عن وضعها في الميزان، فأردت أن أختار منها نبذة أرجو أن تكون كافية بتحذير الناس من الطريقة إن كانوا سالمين من الدخول فيها ولإنقاذ من أراد الله به خيرا ممن ابتلوا بها، وسأقتصر في هذه الخاتمة على جواهر المعاني الذي زعموا أن النبي ﷺ قال هو كتابي وأنا ألفته للأحباب يعني التجانيين، فأقول وبالله التوفيق وهو الهادي بمنه إلى أقوم طريق. المسألة الأولى ما يسمى بقطب الأقطاب والغوث الجامع:
следующие страницы →