Полный текст (633 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
في قوله تعالى " وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ " وقوله تعالى " وله عذاب مهينٌ " بخلاف ذلك.
٦ - قوله تعالى: (فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفاهُنَّ المَوْتُ. .) أي مَلَك الموتِ، إذ المتوفّي هو الموتُ، ولا يصحّ به المعنى بغير إضمار، إذ يصير المعنى حتى يميتهن الموتُ.
٧ - قوله تعالى: (إِنمَا التّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ. .) أي إنما قبولُها عليه لا وجوبُها، إذْ وجوبُها إنما هو على العبد، وتوبةُ الله رجوعُه على العبد بالمغفرة والرحمة.
فإِن قلتَ: لم قيَّد " بجهالةٍ " مع أن من عمل سوءً بغير جهالة، ثم تاب قُبلت توبتُه؟
قلتُ: المرادُ " بالجَهَالةِ " الجَهَالَةُ بقدر قُبح المعصية، وسوء عاقبتها، لا بكونها " معصية " و " ذَمًا "!!
وكلُّ عاصٍ جاهلٌ بذلك حال معصيته، لأنه حمال
стр. 107
المعصية مسلوبٌ كمالَ العلم به، بسبب غلبة الهوى.
٨ - قوله تعالى: (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ. .) .
ليس المراد بـ " القريبِ " مقابلةُ البعيد، إذْ حكمهما هنا واحدٌ. بل المرادُ من قوله " مِنْ قَرِيبٍ " منْ قبل معاينةِ سبب الموت، بقرينة قوله تعالى " حتَّى إذَا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ إني تُبْتُ الآن ".
٩ - قوله تعالى: (وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً. .) .
إن قلتَ: حرمةُ الأخذ ثابتة، وإِن لم يكن قد آتاها المسمَّى، بل كان في ذمَّته أو في يده؟
قلتُ: المرادُ بالِإيتاء: الالتزامُ والضَّمانُ، كما في قوله تعالى " إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالمَعْرُوفِ " أي التزمتم وضمنتم.
١٥ - قوله تعالى: (أتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً) .
стр. 108
إن قلتَ: كيف قال ذلكَ مع أن " البُهتانَ " الكذبُ مكابرةً، وأخذُ مهرِ المرأةِ قهراً ظلمٌ لا بُهتان؟
قلتُ: المراد بالبهتان هنا الظلم تجوُّزاً، كما قال به ابن عباس وغيرُه.
وقيلَ: المرادُ أنه يرمى امرأته بِتهمةٍ، ليتوصل إلى أخذ المهر.
١١ - قوله تعالى: (وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَاقَدْسَلَفَ. .) .
إن قلتَ: المستثنَى منه مستقبلٌ، والمستثنى ماضٍ، فكيف صحَّ استثناؤه من المستقبل؟
قلتُ: " إِلّاَ " بمعنى " بعد " أو " لكنْ " كما قيل في قوله تعالى " لا يَذوقُونَ فيهَا المَوْتَ إِلاَّ المَوْتةَ الأولى " والاستثناءُ هنا كهوَ في قوله:
وَلَاعَيْب فيهِمْ غَيرَ أنَّ سيوفَهُمْ
بِهنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِبِ
والمعنى: إنْ أمكن كونُ فُلولِ السيوفِ من الكتائب
стр. 109
عيباً، فهو عيبٌ فيهم، فهو من باب التعليق بالمستحيل.
١٢ - قوله تعالى: (إِنَّهُ كانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاءَ سَبِيلاً) .
إن قلتَ: كيف جاء بلفظ الماضي، مع أن نكاحَ منكوحةِ الأب، فاحشةٌ في الحال والاستقبال؟
قلتُ: " كَانَ " تُستعمل تارةً للماضي المنقطع نحو: كان زيدٌ غنيّاً. وتارةً للماضي المتَّصل بالحال نحو " وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ". . " وَكَانَ اللَّهُ بِكُلّ شَيءٍ عليماً " ومنه " إنه كان فاحشةً ".
١٣ - قوله تعالى: (وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ. .) ذكرُ " في حُجُورِكُمْ " جَرَى على الغالبِ، فلا مفهوم له، إذِ الربيبةُ الَّتي ليست في " الحَجْرِ " حرامٌ أيضاً، بقرينة تركِه في تركه: " فإِنْ لم تكونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عليكم ".
١٤ - قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ. .) .
стр. 110
إن قلتَ: ما فائدةُ ذلك مع أنه مفهوم من قوله
" وأحِلَّ لكُمْ ما وَرَاءَ ذلكُمْ " ومن مفهوم قوله " منْ نِسَائِكُمُ اللَّاتي دخلتُمْ بِهِنَّ ".
قلتُ: فائدتُه رفعُ توهُّمِ أنَ " قيْدَ الدخولِ " خرج مَخْرج الغالب، كما قيل: في حجوركم.
١٥ - قوله تعالى: (أنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ. .) .
اقتصر عليه هنا، لأنه في " الحرائر " المسلمات،
وهنَّ إلى الخيانةِ أبعدُ من بقيةِ النساء.
وزادَ بعدُ في قوله " مُحْصَناتٍ غيرَ مُسَافِحاتٍ ولا مُتخِذاتِ أخْدَانٍ " لأنه في " الِإماء " وهنَّ إلى الخيانة أقربُ من حرائر المسلمات.
وزاد أيضاً في المائدة في قوله " محصنينَ غيرَ مُسَافحينَ " قولَه " ولا متَّخِذي أخدَانٍ " لأنه في " الكتابياتِ " الحرائر، وهنَّ إلى الخيانة أقرب من الحرائر المسلمات.
стр. 111
١٦ - قوله تعالى: (فَانْكِحُوهُنَّ بإِذْنِ أهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. .) أي الِإماء، ففي " آتُوهُنَّ " حذفُ مُضَافٍ، أي وآتوا مواليهنَّ أجورهنَّ، لأن مهورهنَّ إنما تُعطى لمواليهنَّ لا لهنَّ.
فإِن أعطي لهنَّ بإذن مواليهنَّ فلا حذف.
١٧ - قوله تعالى: (فَإِذَا أحْصِنَّ. .) أي تزوجن.
فإِن قلتَ: الِإحصانُ ليس قيداً، في وجوب تنصيف الحدِّ على الأمَةِ إذا زنت، بل هو عليها أحْصِنَتْ أوْ لا؟
قلتُ: ذكرُ الِإحصانِ خرج مَخْرج جواب سؤالٍ، فلا مفهوم له، إذِ الصحابة عرفوا مقدار حدِّ الأمة التي لم تتزوج، دون مقداره من التي تزوجت، فسألوا عنه فنزلت الآية.
١٨ - قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. .) اللامُ في " ليبيِّن " بمعنى " أن " كما في قوله تعالى " وأمرنا لنُسْلِم لربّ العالمين "
стр. 112
وقوله: " وأُمِرْتُ لَأعْدِلَ بَينَكُمْ " وقولِه: " يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ " وقد قال في محلٍّ آخر " يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ ".
١٩ - قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً. .) أي أموال تجارة. خصَّ التِّجارة بالذِّكر عن غيرها كالهِبةِ، والصَّدقةِ، والوصيَّة، لأنَّ غالب التصرف في الأموال بها، ولأن أسباب الرزق متعلقة بها غالباً.
٢٠ - قوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كفَرُوا وَعَصُوا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الَأرْضَ. .) أي بأن يكونوا تراباً مثلها لعظم هوله، كما قال في الآية الأخرى " وَيَقُولُ الكافِرُ يا ليتني كنتُ تراباً ".
٢١ - قوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكمْ وَأيْدِيكُمْ. .) الآية.
زاد في المائدة عليه " منه "، لأنَّ المذكور ثَمَّ جميعُ واجباتِ الوضوء والتيمُّم، فحسُنَ البيانُ والزِّيادةُ،
стр. 113
بخلاف ما هنا فحسُنَ التَّركُ.
٢٢ - قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوْتُوا الكِتَابَ. .) الآية.
قال ذلك هنا، وقال في غيره " يا أهل الكتابِ " لموافقة التعبير هنا قبله وبعده " بالَّذينَ أُوْتُوا ".
ولأنه تعالى استخفَّ بهم هنا قبلُ، وختم بعد بالطمس وغيره، بخلاف ذلك في غير هذا الموضع.
٢٣ - قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ. .) أي من العَالِمِ المتعمِّد.
٢٤ - قوله تعالى: (وَمَنْ يُشْرِكْ باللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً) .
ختم الآية مرَّة بقوله: " فقدِ افْتَرَى إثْماً عَظِيماً ".
ومرَّة بقوله: " فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالَاَ بعيداً ".
ولا تكرارَ فيه وإِن اشتركا في الضلال، لأن الأول نزل في اليهود، والثاني في كفارٍ لا كتاب لهم، وخصَّ ما نزل في " اليهود " بالافتراء، لأنهم حرَّفوا وكتموا ما في
стр. 114
كتابهم وذلك افتراء، بخلافه في الكفار الذين لا كتاب لهم.
٢٥ - قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ. .) الآية.
إن قلتَ: كيف ذمَّهم على ذلك، بما قاله ونهى عنه بقوله: " فَلَا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ " مع قول النبي ﷺ : " واللَّهِ إنّي لأمينٌ في السماء، أمينٌ في الأرض " وقول يوسف ﵇: " قالَ اجْعَلْني عَلى خَزَائِنِ الأرْضِ إِنِّي حفِيظٌ عَليمٌ "؟
قلتُ: إنما قال النبىُّ ما قاله حين قال المنافقون " اعْدِلْ في القسمة " تكذيباً لهم، حيثُ وصفوه بخلافِ ما كان عليه من العدل والأمانة. وإِنما قال " يوسف " ما قاله، ليتوصَّل إلى ما هو وظيفةُ الأنبياء، وهو إقامةُ العدل، وبسطُ الحقِّ.
ولأنه عَلِمَ أنه لا أحد في زمنه أقوم منه بذلك العمل، فكان متعَيّناً عليه.
стр. 115
٢٦ - قوله تعالى: (كلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا. .) أي بأن تُعاد إلى حالها الأول غيرَ منضجة أي متحرِّقة، فالمرادُ تُبدَّل الصفة لا الذَّاتُ، كما في قوله تعالى: " يومَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غيرَ الأرْضِ
والسمواتُ ".
٢٧ - قوله تعالى: (وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً) .
هو عبارةٌ عن المستلذِّ المستطيب كقوله تعالى " ولهمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرةً وعشيّاً " جرياً على المتعارف بين الناس، وإِلَّا فلا شمس في الجنة طالعة ولا غاربة،
كما أنه لا بكرة فيها ولا عشيّة.
٢٨ - قوله تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ. .) الآية.
إن قلتَ: هذا مدحٌ لمن يطيعُ اللَّهَ والرسول، وعادةُ العرب في صفات المدح، الترقِّي من الأدنى إلى الأعلى، وهذا عكسُه؟
стр. 116
قلتُ: ليس هو من ذاك الباب، بل المقصودُ منه الإِخبارُ إجمالَاَ عن كون المطيعين للَّهِ ولرسوله، يكونون يوم القيامة مع الأشراف، وقد تمَّ الكلامُ عنه قوله " أنعمَ اللَّهُ عليهمْ " ثم فصَّلهم بذكر الأشرف فالأشرف بقوله " من النبيِّين " إلى آخره جرياً على العادة في تعديد الأشراف. ومثلُه " أطيعوا الله وأطيعوا الرسولَ وأولي الأمر منكم " وكذلك " شهد اللَّهُ أنه لا إِله إلّا هو والملائكةُ وأولو العلم ".
٢٩ - قوله تعالى: (إِنَّ كيْدَ الشَّيْطَانِ كانَ ضَعِيفاً) .
إن قلتَ: كيف وصف فيه كيد الشيطان بالضعف،
وفي قوله " إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ " وصف كيد النِّساءِ بالعِظَم، مع أن كيد الشيطان أعظم؟
قلتُ: المرادُ أن كيد الشيطان ضعيفٌ بالنسبة إلى نصرةِ الله أولياءَه، وكيدُ النساءِ عظيم بالنسبة إلى الرجال.
стр. 117
ْ٣٠ - قوله تعالى: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ. .) الآية. جُمعِ بينه وبين قوله تعالى " قُلْ كُلٌّ من عندِ اللَّهِ " الواقع ردّاَ لقول المشركين " وإِن تصبهم حسنةٌ يقولوا هذه من عند الله. . " الآية.
بأن قوله تعالى " قُلْ كُلٌّ من عند الله " أي إيجاداً.
وقوله " ومَا أصابَكَ مِنْ سَيِّئَةً فمنْ نفسِكَ " أي كسباً. كما في قوله تعالى " وما أصابكم من مصيبةٍ فبما كسبتْ أيديكم ". وبأن قوله " ما أصابك من حسنةٍ فمن الله " الآية حكايةُ قول المشركين (١) ، والتقدير: فما لهؤلاءِ القومِ لا يكادونَ يفقهونَ حديثاً فيقولون: ما أصابك؟ الآية.
٣١ - قوله تعالى: (وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاَ كَثِيراً) . يدلُّ بمفهومه على أن في
стр. 118
قوله تعالى: القرآن اختلافاً قليلًا، وإِلَّا لما كان للتقييد بوصف الكثرة فائدة، مع أنه لا اختلاف فيه أصلاً، إذ المرادُ بالاختلاف فيه: التناقض في معانيه، والتبايُن في نظمه.
وأُجيبَ بأن التقييد بالكثرة، للمبالغة في إثبات الملازمة، أي لو كان من عند غير الله، لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً، فضلاً عن القليل، لكنَّه من عند الله، فليس فيه اختلافٌ كثيرٌ ولا قليل.
٣٢- قوله تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً) .
إن قلتَ: كيف استثنى القليلَ، بتقدير انتفاء الفضل والرحمة، مع أنه لولاهما لاتَّبع الكلُّ الشيطان؟
قلتُ: الاستثناءُ راجعٌ إلى " أذاعوا به " أوِ إلى " لَعَلمَهُ الَّذِينَ يَسْتنبِطُونَهُ مِنهمْ " أو إلى " لاتبعتمُ الشَّيْطانَ " لكن بتقييد الفضل والرحمة بإِرسال الرسول، أي لاتبعتم الشيطانَ في الكفر والضلال، إِلّاَ قليلًا منكم كانوا يهتدون بعقولهم، إلى معرفة الله وتوحيده، " قِسِّ بن ساعدة " و " ورقة بن نوفل " قبل البعثة، والخطابُ في الآية للمؤمنين.
стр. 119
٣٣ - قوله تعالى: (كلَّمَا رُدُّوا إِلَى الفِتْنَةِ) أي دُعوا إليها (أرْكِسُوا فيها)
أي عادوا إليها، وقُلِبوا فيها أقبح قلب.
٣٤ - قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلّاَ خَطَأً. .) الآية.
فإِن قلتَ: " إلَّا " هنا في قوله " إِلَّا خطأً " ما معناها؟
قلتُ: " إِلَّا " بمعنى " ولا " كما في قوله تعالى " إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ. إِلَّا مَنْ ظَلَم " وقوله " لِئَلَّا يكونَ للنَّاسِ عليكُمْ حُجَّةٌ إِلّاَ الّذِينَ ظَلَمُوا منهُمْ ".
٣٥ - قوله تعالى: (وفَضَّلَ اللَّهُ المُجَاهِدِينَ بِأمْوَالِهِمْ وَأنْفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ دَرَجَةً. .) الآية.
إن قلتَ: كيف قال هنا " درجة " وقال في التي بعدها " درجاتٍ "؟
стр. 120
قلتُ: المرادُ بالأول تفضيلُهم على القاعدين بعذر، لأن لهم أجراً لكونهم من الغزاة بالهمَّة والقصد، ولهذا قال " وكُلَّاَ وَعَدَ اللَّهُ الحُسْنَى " أي الجنَّة.
والمرادُ بالثاني تفضيلُهم على القاعدين بلا عذر، لأنهم مقصِّرون ومسيئون، فكان فضلُ الغزاة عليهم درجات، لانتفاء الفضل لهم.
٣٦ - قوله تعالى: (قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كنَّا مُسْتَضْععَفِينَ فِي الأرْضَ. .) الآية.
إن قلتَ: هذا الجواب ليس مطابقاً للسؤال، بل المطابقُ له: كنَّا في كذا، أولم نكنْ في شيء؟
قلتُ: المرادُ بالسؤال توبيخُهم بأنهم لم يكونوا على الدِّين، حيثُ قدروا على الهجرة ولم يُهاجروا، فصار قول الملائكة " فيمَ كنتم " مجازاً عن قولهم: لمَ تركتُم الهجرة؟ فقالوا اعتذاراً عمَّا وُبِّخوا به " كُنَّا مستضعفين في الأرض ".
٣٧ - قوله تعالى: (فَقَدْ وَقَعَ أجْرُهُ عَلَى اللَّهِ. .) الآية. أي ثبتَ وتحقَق، أو وجب بوعد الله
стр. 121
بقوله " إِنَّا لا نُضيعُ أجْر مَنْ أحسن عملَاَ ".
٣٨ - قوله تعالى: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الَأرْضِ مُرَاغَماً)
أي متحولًا يتحوَّلُ إليه، من " الرَّغام " وهو التُّراب، وسُمّيت المهاجَرةُ مراغمةً، لأن من يُهاجر يُراغم قومه، لما يجد في ذلك البلد من النّعمةِ والخير، ما يكون سبباً لرغم أنف أعدائه، الذين كانوا معه في بلده الأصليّ، فإِنه إذا استقام حالُه في البلد الأجنبيّ، ووصل خبرُه إلى أهل بلده، خجلوا من سوء معاملتهم له، ورغِمَتْ أنوفُهم بذلك.
٣٩ - قوله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الَأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفتِنَكُمُ الَّذِينَ كفَرُوا. .) الآية.
تقييدُ القصرِ بالخوف جرى على الغالب، فلا مفهوم له، إذْ للمسافر القصرُ في الأمن أيضاً.
٤٠ - قوله تعالى: (وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ. .) الآية.
стр. 122
إن قلتَ: رجاءُ الفريقين مشتركٌ، إذِ الكفَّارُ يرجون الثواب في قتالهم المؤمنين، لاعتقادهم أنه قُرْبةٌ للَّهِ، كالمؤمنين في قتالهم الكفَّارَ؟
قلتُ: ممنوعٌ إذِ المرادُ بالكفَّار عبدةُ الأوثانِ، ونحوهم ممن لا يعتقد الجزاء، فاعتقادُهم فاسدٌ لبنائه على فاسد، فرجاؤهم وهميٌّ فهو كالمعدوم.
٤١ - قوله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوْءً أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ. .) الآية المرادُ بعمل السُّوءِ ما دونَ الشِّركِ، وبظلم النَّفسِ الشِّرْكُ. أو بعمل السُّوءِ الذَّنبُ المتعدِّي ضررُه إلى الغير، وبظلم النفسِ الذنبُ القاصرُ عليه.
٤٢ - قوله تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أنْ يُضلُّوكَ. .) الآية.
إن قلتَ: ظاهرهُ نفيُ وقوع الهَمِّ منهم بإِضلاله، والمنقولُ خلافُه؟
قلتُ: المرادُ بالهَمِّ المؤثِّرُ أي لَهمَّتْ هَمّاً يُؤثّر عندك. والمرادُ بالِإضلالِ الِإضلالُ عن الشريعة أي لهمَّتْ أن يضلوك عن دينك وشريعتك، وكلٌّ من هذين
стр. 123
الهمَّيْن لم يقع.
٤٣ - قوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى. .) قاله هنا بالِإظهار " يُشَاقِقْ " كنظيره في الأنفال، وقاله في الحشر بالِإدغام، لأن " أل " في اللَّهِ لازمة، بخلافها في الرسول، ولأن حركة الحرف الثاني في ذلك وإِن كانت لالتقاء الساكنَيْنِ كاللازمة لمجاورتها اللازم، فلزم الِإدغامُ في " الحشر " دون غيرها، وإِنما أظهر في الأنفال مع وجود لفظ " اللَّهِ " لانضمام الرسول إليه في العطف، لأن التقدير فيه أن الحرف الثاني اتَّصَل بالمتعاطفيْن جميعاً، إذِ الواوُ تُصيِّرهما في حكم شيءٍ واحد.
٤٤ - قوله تعالى: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءً يُجْزَ بِهِ. .) الآية. أي إن ماتَ مصرّاً عليه، فإِنْ تاب منه لم يُجْزَ به.
٤٥ - قوله تعالى: (يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كَونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ. .) الآية، أخَّر " للَّهِ "
стр. 124
بالقِسْطِ هنا، اهتماماً بطلب القِسْطِ أي العدل، وَعَكَسَ في المائدة، لأن " للَّهِ " فيها متعلِّقٌ بقوَّامين، لكون الآية ثَمَّ في الوُلاةِ بدليل قوله " ولا يجرمنكم شنئان قوم على أَلاَّ تعدِلوا " أي كونوا أيها الولاةُ قوَّامين في أحكامكمَ للَّهِ لا للنفع.
٤٦ - قوله تعالى: (يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمنوا آمِنُوا باللَّهِ وَرَسُولِهِ. .) الآية، أي داوموا على الِإيمانِ، إذْ لو حُمِل على ظاهرِه، لكان تحصيلاً للحاصل.
٤٧ - قوله تعالى: (فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ. .) الآية. سَمَّى ظفرَ المسلمين فتحاً، وظَفَر الكافرين نصيباً بعده، تعظيماً لشأن المسلمين، وتحقيراً لحظِّ الكافرينَ، لتضمُّنِ الأول نصرةَ دينِ اللَّه، وإِعلاء كلمته، ولهذا أضاف الفتحَ إليه تعالى، وحظُّ الكافرين في ظفرهم دنيويٌّ.
٤٨ - قوله تعالى: (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً) كرَّره لتكرار الكفر منهم، فإِنهم كفروا
стр. 125
بموسى وعيسى وبمحمد ﷺ .
٤٩ - قوله تعالى: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ. .) الآية.
إن قلتَ: اليهودُ الداخلون تحت أهل الكتاب، كانوا كافرين بعيسى، فكيف أقرُّوا بأنه رسولُ الله؟!
قلتُ: قالوه استهزاءً كما قال فرعون " إِنَّ رسولكُمُ الَّذِي أُرْسِل إِليكم لَمَجْنُونٌ ".
٥٥ - قوله تعالى: (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ. .) الآية وصفُهم بالشكِّ لا يُنافي بعده وصفهم بالظنِّ، لأنَّ المراد بالشكِّ هنا " شكُّ الظنِّ " واستثناءُ الظنِّ من العلم في الآية منقطعٌ، فـ " إِلّاَ " فيها بمعنى " لكِنْ " كما في قوله تعالى " لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً. إِلَّا قِيلًا سَلاَماً سَلاَماً " ونحوِهِ.
٥١ - قوله تعالى: (لَكِنِ اللَّهُ يَشهَد بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ. .) الآية.
стр. 126
إن قلتَ: كيف قال " أنزلَه بعلمِهِ " ولم يقل: بقدرته، أو بعلمه وقدرته، مع أنه تعالى لا يُنزل إلَّا عن علمٍ وقُدرة؟!
قلتُ: معناه أنزله مُلتبساً بعلمه، أي عالماً به، أو وفيه علمُه أي معلومُه.
٥٢ - قوله تعالى: (إِنَّمَا المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكلِمَتُهُ. .) الآية.
فإِن قلتَ: كلامُه تعالى صفة قديمةٌ قائمةٌ بذاته، وعيسى مخلوقٌ وحادث، فكيف صحَّ إطلاقُ الكلمة عليه؟!
قلتُ: معناه أن وجوده كان بكلمة الله تعالى، وهو قوله " كُنْ " من غير واسطةِ أبِ، بخلاف غيره من البشر سوى آدم، وإِنما خصَّ ذلكَ بعيسى لأنه جيء به للرد على من افترى عليه وعلى أمه مريم.
" انتهت سورة النساء "
стр. 127
سُورة المَائِدَة
١ - قوله تعالى: (وَمَا أكَلَ السَّبُعُ إِلّاَ مَا ذَكيْتُمْ. .) الآية.
أي وما أكل منه السَّبُع وهو الباقي، إذْ ما أكله السَّبُع عُدِم وتعذَّر أكله، فلا يَحْسُنُ تحريمُه.
٢ - قوله تعالى: (فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ. .) الآية.
حذفت الياء فيه، وفي قوله تعالى " واخشَوْنِ ولا تَشْتَروا بآياتي ثَمَناً قَليلاً " لفظاً وخطّاً.
أما لفظاً ففي هذه لالتقاء الساكنيْنِ، وفي تلك فَتبَعاً لهذه.
وأما خطّاً فتبعاً لحذفها لفظاً، وأثْبِتتْ فيما عدا ذلك عملاً بالأصل.
стр. 128
٣ - قوله تعالى: (وَرَضِيتُ لَكُمُ الِإسْلَامَ ديناً. .) الآية
جملةٌ مستأنفةٌ، لا معطوفةٌ على أكملتُ في قوله " اليومَ أكملتُ لكم دينكم " وإلَّا كان مفهومُ ذلك، أنه لم يرضَ لهم الِإسلام ديناً، قبل ذلك اليوم، وليس كذلك.
٤ - قوله تعالى: (وَمَا عَلَّمْتُمْ مَنَ الجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ. .) الآية.
إن قلتَ: ما فائدة ذكره بعد قوله " وما علمتم من الجوارحِ " والمكلِّب هو معلم الكلاب للصيد وفيه تكرارٌ؟
قلتُ: قد فُسِّر " المكلِّب " بأنه المُغْري للجارح فلا تكرار، وفي الآية إضمارٌ بقرينة قوله " فكلوا مما ذكر اسمُ الله عليه " أي ومَصِيدُ ما علَّمْتم من الجوارح، وإلّا فالجوارح لا تحلُّ وإن كانت معلَّمة.
٥ - قوله تعالى: (وَمَنْ يَكْفُر بِالِإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ. .) الآية.
стр. 129
قياسُ قولِهِ " وَمَنْ يُؤْمنْ باللَّهِ " أن يُقالَ: وَمَنْ يكفرْ باللَّهِ، فالمرادُ بالكفر هنا الارتداد، والباءُ بمعنى " عَنْ " كما في قوله " سأل سائلٌ بعذابٍ واقع " أي ومن ارتدَّ عن الِإيمان.
وقيلَ: المرادُ بالِإيمان المؤمَنُ به، تسميةً للمفعول بالمصدر، كما في قوله تعالى " أُحِلَّ لكم صيدُ البحر " أي مصيدُه.
٦ - قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) .
ثمِ قال تعالى " واتقوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خبيرٌ بما تعملون ".
غايَر بينهما لأنَّ الأول وقع في النية، المأخوذة من آية التيمُّم والوضوء، والنيَّةُ محلُّها ذات الصُّدور، والثاني في العمل.
٧ - قوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةْ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) .
стр. 130
رفع أجر هنا ونصبَه في الفتح في قوله (وعدَ اللَّهُ الذينَ آمنوا وعملُوا الصَّالحاتِ منهمْ مغفرةً وأجراً عظيماً) موافقة للفواصل.
ومفعولُ " وَعَدَ " هنا محذوفٌ تقديره خيراً.
فإن قلتَ: كيف قال: وعملوا الصَّالحاتِ ولم يقل: وعملوا السِّيئات، معَ أن المغفرة إنما هي لفاعلِ السِّيئات؟!
قلتُ: كلُّ أحدٍ ممَّن ليس بمعصوم، لا يخلو عن سيّئة وإن كان ممن يعمل الصالحات، فالمعنى أنَّ من آمن وعمل حَسناتٍ غُفرتْ له سيئاتُه كما قال تعالى: " إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ".
٨ - قوله تعالى: (فَمَنْ كفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) .
فإن قلتَ: كيف قال ذلكَ، مع أنَّ من كفر قبل ذلِكَ كذلك؟
قلتُ: نعمْ لكنَّ الكفر بعدما ذُكِرَ من النِّعَمِ أقبحُ ممَّا قبله.
стр. 131
٩ - قوله تعالى: (يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ. .) الآية.
وقال بعده (يُحرِّفون الكَلِمَ مِنْ بعدِ مواضعِهِ) لأن الأول في أوائل اليهود، والثاني فيمن كانوا في زمن النبي ﷺ أي حرَّفوها بعد أن وضعها الله مواضعها، وعرفوها وعملوا بها زماناً.
١٠ - قوله تعالى: (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ. .) الآية.
إن قلتَ: لمَ قال ذلك ولم يقل: ومن النَّصَارى.
قلتُ: إنما قاله توبيخاً لهم، لأنهم كانوا كاذبين في دعواهم أنهم نصارى، ادِّعاءً منهم لنصرة اللَّهِ بعدما اختلفوا " نسطورية " و " يعقوبيّة " و " ملكانيَّة " أنصار الشياطين.
١١ - قوله تعالى: (يَا أهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لكُمْ كثِيراً ممَّا كنْتُمْ تُخْفونَ مِنَ الكِتَابِ وَيَعْفُو
стр. 132
عَنْ كثِيرٍ. .) الآية.
إن قلتَ: لمَ عَفَا، أي تَرَك كثيراً ممَّا أخفَوْه من كتابهم، مع أنه مأمورٌ ببيانه؟
قلتُ: إنما لم يبيِّنْه لأنه لم يُؤمر ببيانه، أولأن المأمور ببيانه ما يكون فيه إظهارُ حكمٍ شرعيّ، كصفته، وبعثته، والبشارة به، وآية الرجم، دون ما لم يكن فيه ذلك ممَّا فيه افتضاحُهم، وهتكُ أستارهم فيعفو عنه.
١٢ - قوله تعالى: (قَدْ جَاءَكُمِْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانهُ) .
إن قلتَ: كيف قال ذلكَ، مع أن العبد ما لم يهده الله لا يتَّبع رضوانه فيلزم الدَّورُ؟
قلتُ: فيه إِضْمارٌ تقديرُه: يهدي به اللَّهُ منْ علِم أنه
يريد أن يتَّبع رضوانه، كما قال: " والَّذينَ جاهَدُوا فينَا لَنَهْدِينَّهمْ سُبُلَنَا)
أي والّذين أرادوا سبيل المجاهدة لنهدينهم سبيل مجاهدتنا.
١٣ - قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّموَاتِ وَالَأرْض
стр. 133
وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ المَصِيرُ) .
فإن قلتَ: لمَ كرَّرها وختم الأولى بقوله (واللَّه على كلِّ شيءٍ قديرٌ) والثانية بقوله (وإليهِ المَصِيرُ) ؟
قلتُ: لأنَّ الأولى نزلت في النَّصارى، حين قالوا " إن اللَّهَ هو المسيحُ ابنُ مريم " فردَّ الله عليهم بقوله " وللَّهِ مُلْكُ السَّمواتِ والأرضِ " تنبيهاً على أنه مالكٌ لعيسى وغيره، وأنه قادرٌ على إهلاكه وإهلاك غيره. والثانيةُ: في اليهود والنَّصارى، حين قالوا " نحنُ أبناءُ اللَّهِ وأحبَّاؤُه " فردَّ الله تعالى بقوله " وللَّهِ مُلْكُ السَّمواتِ والأرضِ " تنبيهاً على أن الجميع مملوكون له ومصيرهم إليه، يُعذِّب من يشاء ويغفر لمن يشاء، ولو كان " عيسى " ابنه لم يملكه ولم يعذبه، إذِ الأب لا يملك ابنه ولا يعذّبه.
١٤ - قوله تعالى: (وَقَالَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أبْنَاءُ اللَّهِ وَأحِبَّاؤُهُ. .) الآية.
стр. 134
فإن قلتَ: كيف أخبر الله عنهم أنَّهم قالوا: نحنُ أبناءُ اللَّهِ، مع أنه لم يُعرفْ أنَّهم قالوه؟!
قلتُ: المرادُ بـ " أبناءُ اللَّهِ " خاصَّتُه كما يُقال: أبناءُ الدنيا، وأبناءُ الآخرة.
وقيل: فيه إضمارٌ تقديره: نحنُ أبناءُ أنبياءِ اللَّهِ.
١٥ - قوله تعالى: (قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ. .) الآية.
إن قلتَ: كيف يصحُّ الاحتجاج عليهم به، مع أنهم ينكرون تعذيبَهم بذنوبهم، مدَّعين أن ما يُذنبون بالنَّهار يُغفرُ بالليل وبالعكس؟
قلتُ: هم مقرُّون بأنهم يُعذَّبون أربعين يوماً، مدة عبادتهم العجل في غيبة " موسى " ﵊ لميقات ربه كما قال تعالى " وَقَالُوا لَنْ تمسَّنَا النَّارُ إِلّاَ أَيَّاما معدودة ".
١٦ - قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ. .) .
стр. 135
قال ذلك هنا، وقال في إبراهيم " وإذْ قَالَ موسَى لقَوْمِهِ اذكُرُوا " لموافقة ما قبله وما بعده من النِّداء، أو لأن التصريح باسم المخاطب مع حرف الخطاب يدلُّ على تعظيم المخاطَبِ به، وقد ذُكِرَ هنا نِعَمٌ جِسامٌ، وهو قوله " جَعَلَ فيكمْ أَنْبياءَ " فناسب ذكر " يا قومِ " بخلاف ذلك في إبراهيم.
١٧ - قوله تعالى: (فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِكُّمْ غَالِبُونَ) .
هو من مقول الداخلين.
فإن قلتَ: من أين عَلِما أنَّهم غالبون حتَّى قالا ذلك؟!
قلتُ: من جهةِ وُثوقِهم بإخبار موسى ﵇ بقوله " ادخلُوا الأرْضَ المقدَّسَةَ التي كَتَبَ اللَّهُ لكُمْ ". وقيل: عَلِمَا ذلكَ بغلبة الظنِّ، وما عهداه من صُنْعِ الله تعالى بموسى ﵇ من قهر أعدائِهِ.
١٨ - قوله تعالى: (قَالَ فَإِنَّهَا مُحرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ. .) .
стр. 136
إن قلتَ: هذا يُنافي قوله قبْلُ " ادخلُوا الأرضَ المقدَّسةَ التي كَتَبَ اللَّهُ لكمْ "؟
قلتُ: لا منافاةَ لأنَّ المعنى: كتبَها لكم بشرط أن تُجاهدوا أهلها، فلمَّا أبَوْا حُرِّمتْ عليهم.
أو كلٌّ منهما " عَامٌّ " أُريد بهِ " خاصٌّ " فالكتابة للبعض، وهم المطيعون، والتحريمُ على البعضِ، وهم العاصون.
١٩ - قوله تعالى: (واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ إِذْ قَرَّبَا قُرْ بَاناً. .) الآية.
هو للجنس، والمرادُ إذْ قربا قربانينِ.
٢٠ - قوله تعالى: (قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ) .
إن قلتَ: كيف يصحُّ جواباً لقوله " لأقْتُلنَّكَ "؟
قلتُ: لمَّا كان الحسدُ لأخيه على تقبُّل قربانه، هو الحاملُ له على توعُّده بالقتل، قال: إنما أتيتَ من قبَل نفْسِك، لانسلاخها من لباس التَّقوى، فلم يُتقبَّلْ قُربانُك.
стр. 137
٢١ - قوله تعالى: (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُؤَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ. .) الآية.
أي بإثم قتلي، وإثمكَ الذي ارتكبتَه من قِبَلي، وهو توعُّدك بقتلي.
فإن قلتَ: كيف قال " هابيلُ " لقابيلَ ذلكَ، مع أنَّ إرادةَ الشخصِ السُّوءَ، والوقوعَ في المعصية لغيره حرام؟!
قلتُ: في ذلك إضمارُ " لا " تقديره: إني لا أريد أن تبوء بإِثمي، كما في قوله تعالى " تَاللَّهِ تَفْتَأ تَذْكُرُ يوسفَ " أي لا تفتأ، أو إضمارُ مضاف تقديره: إني أريد انتفاء أن تبوء كما في قوله تعالى: " وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ " أي حبَّه.
٢٢ - قوله تعالى: (فَأصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ)
إن قلتَ: هذا يقتضي أن " قابيل " كان تائباً، والنَّدمُ توبةٌ لخبرِ " النَّدَمُ تَوْبَةٌ " فلا يستحقُّ النَّارَ؟!
قلتُ: لم يكن ندمُه على قتلِ أخيهِ، بل على حمْلهِ
стр. 138
على عنُقهِ، أو على عدم اهتدائه للدَّفن الذي تَعلَّمه من الغراب، أو على فقدِهِ أخاه، أو على قتلِ أخيه، لكنَّ مجرَّد النَّدمِ ليس بتوبةٍ، إذِ التوبةُ إنَّما تتحقق بالإِقلاع، وعزم ألَّا يعود، وتدارك ما يمكن تداركه.
٢٣ - قوله تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. .) الآية.
إن قلتَ: كيف يكون قتلُ الواحدِ كقتل الكُلِّ، مع أن الجناية إذا تعدَّدت كانت أقبح؟!
قلتُ: تشبيهُ أحد الشيئين بالآخر، لا يقتضي تساويهما من كلّ وجه، ولأن المقصود من ذلك المبالغةُ، في تعظيم أمر القتلِ العمدِ العدوانِ.
أو لأن المعنى: من قَتَل نفساً بغير حقٍّ، كان جميع النَّاس خصومَه في الآخرة مطلقاً، وفي الدُّنيا إن لم يكن له وليٌ.
стр. 139
أو المعنى: من قَتَل نبيّاً، أو إماماً عادلًا، كان كمن
قتل الناس جميعاً، من حيث إبطال المنفعة عن الكلّ.
٢٤ - قوله تعالى: (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الِإنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ. .) الآية.
إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن الإِنجيل منسوخٌ بالقرآن؟!
قلت: معناه " وليحكمْ أهل الِإنجيل بما أنزل اللَّهً فيه بما لم يُنسخ بالقرآن ".
أو المعنى: لمَّا أنزلنا الِإنجيل قلنا: (وليحكمْ أهل الِإنجيل بما أنزل اللَّهُ فيه) .
٢٥ -قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أنْزَلَ اللَّهُ فَأوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرونَ) .
كرَّره ثلاث مراتٍ، وختم الأولى بقوله " الكَافِرونَ " والثانية بقوله " الظَّالمونَ " والثالثة بقوله " الفَاسِقونَ "!!
стр. 140
قيل: لأنَّ الأولى في حُكَّام المسلمين، والثانية في حُكَام اليهود، والثالثة في حُكّام النَّصارى.
وقيلَ: كلُّها بمعنى واحد وهو " الكفرُ " عبَّر عنه بألفاظٍ مختلفة، لزيادة الفائدة، واجتناب التَّكرار. وقيل: " ومن لم يحكم بما أنزل اللَّهُ " إنكاراً له فهو
كافرٌ، ومن لم يحكم بالحقِّ، مع اعتقاده للحقِّ، وحَكَم بضدِّه فهو ظالمٌ، ومن لم يحكم بالحقِّ جهلاً وحكم بضدِّه فهو فاسقٌ.
وقيل: ومن لم يحكم بما أنزلَ اللَّهُ فهو كافرٌ بنعمة الله، ظالمٌ في حكمه، فاسقٌ في فعله.
٢٦ - قوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْض ذُنوبِهِمْ. .) الآية.
قلت: أراد به عقوبتهم في الدُّنيا، على تولّيهم عن الِإيمان، بالسَّبْيِ، والجزية وغيرهما، وهذه العقوبة
стр. 141
منقطعة، بخلاف عقوبة الآخرة، فإنها على جميع الذنوب، من تولِّيهم عن الإِيمانِ، وعن جميع فروعهِ، ودائمةٌ لا تنقطع.
٢٧ - قوله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْم يُوقِنُونَ) .
ًإن قلتَ: لم خصَّ " الموقنين " بالذّكر، مع أنَّ أحسنيَّةَ حكمِ اللَّهِ لا يختصُّ بهم؟
قلتُ: لأنهم أكثر انتفاعاً بذلك من غيرهم، كنظيره في قوله تعالى: " إنَّمَا أنتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا ".
٢٨ - قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ) .
إن قلتَ: هذا يقتضي أنَّ منْ وادَّ أهلَ الكتابِ يكونُ كافراً، وليس كذلك؟!
قلتُ: إنما قال ذلك مبالغةً في اجتناب المخالِفِ في الدِّينِ.
أو لأن الآية نزلتْ في " المنافقين " وهم كفَّارٌ، وقولُه تعالى " إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمينَ " أي ما داموا
стр. 142
على ظلمهمِ، والمعنى: لا يهدي من سبق في علمه أنه يموت ظالماَ.
٢٩ - قوله تعالى: (أذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين. .)
" على " بمعنى اللّاَم، أو ضَمَّنَ الذلَّةَ معنى
" العطف " فعدَّاها تعديته، كأنه قال: عاطفين على المؤمنين.
٣٠ - قوله تعالى: (وَمَنْ يَتوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغَالِبُونَ) المرادُ بالغلبة فيها، الغلبةُ بالحجَّة والبرهان، فإِنها مستمرَّةٌ أبداً، لا بالدَّوْلةِ والصَّوْلةِ، وإِلّاَ فقد غُلبَ حزبُ اللَّهِ غير مرَّة، حتَّى في زمن النبي ﷺ .
٣١ - قوله تعالى: (قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْد اللَّهِ. .) الآية.
إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن المثوبة مختصَّةٌ بالِإحسان؟
стр. 143
قلتُ: لا نُسلم اختصاصها بذلك لغةً، بل هي الجزاء مطلقاً، بدليل قوله تعالى " فأثابكم غمّاً بغمٍ " وقوله " هل ثُوِّبَ الكفَّارُ ما كانوا يفعلون "؟ أي هل جوزوا. غايته أن الثواب قد يكون خيراً، وقد يكون شرّاً، يُقصد به " التهكُّمُ والاستهزاءُ " كلفظ البشارة، لا اختصاص له لغةً بالخير، بل هو شاملٌ للشرِّ، قال تعالى " فبشرهم بعذاب أليم ".
٣٢ - قوله تعالى: (وَلَوْ أنَّهُمْ أقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالِإنْجِيلَ ومَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَيِّهِمْ) وقضيَّتُه أنَّ إقامةَ الكتاب، توجبُ سعة الرِّزق والرخاء.
فإِن قلتَ: ليس الأمر كذلك، لأنَّا نجد كثيراً من المؤمنين، ضيِّقي المعيشة في الدنيا؟
قلتُ: القضيَّةُ خاصةٌ بأهل الكتاب، لأنهم شكَوا ضيقَ الرزق، حتَّى قالوا " يدُ اللَّهِ مغلولةٌ " فأخبرهم الله أن ذلك التضييق عقوبة لهم، بعصيانهم وكفرهم، والله تعالىِ يجعل ضيق الرزق وسعته، نعمة في بعض عباده، ونقمةَ على الآخرين، فلا يلزم من توسيع الرزق الِإكرامُ، ولا من تضييقه الِإهانة.
стр. 144
٣٣ - قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَم تَفعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ) .
إن قلتَ: ما فائدته مع أنه معلومٌ أنه إذا لم يُبلِّغْ ما أُنزِل إِليه، لم يكن قد بلَّغ الرسالة؟
قلتُ: فائدته الحثُّ على تبليغ معايب اليهود، حتَّى لو فُرض كتمانُ حرفٍ واحد، كان في الِإثم ككتمان الجميع.
أو الأمر بتعجيل التبليغ، لأنه كان عازماً على تبليغ جميع ما أنزل إليه، إلَّا أنه أخَّر البعض خوفاً على نفسه، مع بقاء العزم ويؤيده قوله تعالى " واللَّهُ يَعْصِمُكَ منَ النَّاسِ " أي من القتل، لا من جميع أنواع الأذى، كشجِّ الوجه، وكسْرِ الرباعية.
أو لعلَّ الآية نزلت بعد أُحدٍ، لأن المائدة من أواخر ما نزل من القرآن!!
٣٤ - قوله تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ
стр. 145
المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَم. .) الآية.
كرر الآية، وختم هذه بقوله " إِنَّ اللَّهَ هو المسيحُ ابنُ مريمَ " والثانية بقوله (إن اللَّهَ ثالثُ ثلاثةٍ ".
لأن " اليعقوبيَّة " من النَّصارى، زعموا أنَ اللَّه تجلَّى في زمن على شخص " عيسى "، فظهرت منه المعجزاتُ، فصار إلهاً.
والملكانية منهم زعموا أن الله اسمٌ يجمع " أمًّا، وابناً، وروح القُدُس " فصار كل منهم إلهاً واحداً، أخذاً من قوله تعالى " أأنتَ قلتَ للنَّاسِ اتَّخذوني وأمِّيَ إلهين من دون الله " فكرَّر الآية لذلك، وأخبر تعالى عنهم أنهم كلَّهم كفَّارٌ.
٣٥ - قوله تعالى: (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أنْصَارٍ) . المرادُ بالظَّالمين هنا المشركون، بقرينةِ ما قبله، إِذِ الظَّالمون من المسلمين لهم ناصرٌ، وهو النبيُّ ﷺ لشفاعته لهم يوم القيامة.
следующие страницы →