← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9086

فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن

زكريا الأنصاري

Полный текст (633 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

جَاءَكَ مِنَ العِلمِ. .) . إن قلتَ: ما الحكمة في ذكر " الَّذي " هنا، وذكرِ " ما " في قوله بعدُ: " مِنْ بعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ " وفي الرعد " بعدما جاءك من العلم "؟ قلتُ: المرادُ بالعلم في الآية الأولى " العلمُ الكاملُ " وهو العلمُ باللهِ وصفاتِه، وبأَنَّ الهدى هدى الله، فكان الأنسب ذكرُ " الذي " لكونه في التعريف أبلغُ من " ما ". والمراد بالعلم في الثانية والثالثة " العلمُ بنوعٍ " وهو في الثانية العلمُ بأن قِبلةَ الله هي الكعبةُ، وفي الثانية الحكم العربي، فكان الأنسب ذكرُ " ما ". ولقلةِ النوعِ في الثانية، بالنسبة إِليه في الثالثة، زيد قبلَ " ما " في الثانية " مِنْ " الدالةِ على التَّبعيض. ٥٠ - قوله تعالى: (يا بني إِسرائيل اذكروا نعمتي. . . إِلى: شيئاً) . تكرَّر مع نظيرهِ قبلُ،

стр. 37

مبالغةً في النُّصْح. ٥١ - قوله تعالى: (أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِين وَالْعَاكِفِينَ. .) قاله هنا بلفظ " والعَاكِفينَ " وفي الحج بلفظ " والقَائِمينَ " والمرادُ منها المقيمون، وغايَرَ بينهما لفظاً، جرياً على عادة العرب من تفنُّنهم في الكلام. ٥٢ - قوله تعالى: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمناً. .) . فإِن قلتَ: لم نكَّر البلد هنا وعرَّفه في إِبراهيم؟ قلتُ: لأن الدعوة هنا، كانت قبل جعل المكان بلداً دائم الأمنِ في الأول، وبلداً آمناً في الثاني. ٥٣ - قوله تعالى: (وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولَاَ مِنْهُمْ) .

стр. 38

ذكره هنا وفي " الجمعة " بترك الأنفس إيجازاً، وذكرها في " آل عمران " في قوله: (إِذْ بَعَثَ فيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهمْ) لأن الله تعالى منَّ على المؤمنين فيها، فجعله من أنفسهم ليكون موجب الجنة أظهر. ونظيرُه (لقدْ جَاءكمْ رَسولٌ منْ أَنْفُسِكُمْ) لمَّا وصفه بقوله (عرْيزٌ عليهِ ما عَنِتّمْ) الآية. جعله من أنفسهم، ليكون موجب الِإجابة والِإيمان به أظهر. ٥٤ - قوله تعالى: (فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) . إِن قلتَ: إِنَّ الموت ليس في قدرة الِإنسان حتَّى يُنهى عنه؟ قلتُ: النهيُ في الحقيقة، إِنما هوعن عدم إسلامهم حال موتهم، كقولك: لا تُصلِّ إِلَّا وأنتَ خاشعٌ، إِذِ النهيُ فيه إِنما هو عن ترك الخشوع حال صلاته، لا عن الصلاة. والنكتةُ في التعبير بذلك، إظهار أن موتهم لا على الِإسلام، موتٌ لا خير فيه، وأن الصلاة التي لا خشوع فيها كـ " لا صلاة "! ٥٥ - قوله تعالى: (قُولُوا آمَنَّا باللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِليْنا. .) .

стр. 39

إِن قلتَ: لمَ قال هنا " قُولُوا " و " إِلَيْنَا " وفي آل عمران " قُلْ " و " عَلَيْنَا "؟ قلتُ: لأن " إِلى " للانتهاء، وهو لا يختصُّ بجهة، والكتبُ منتهيةٌ إِلى المؤمنين بعد نزولها على الأنبياء، والخطابُ هنا للمؤمنين لقوله: (قولُوا آمَنَّا بالله) و " على " للاستعلاء وهو مختص بالأنبياء، وأفضلهم نبيُّنا وهو المخاطب ثَمَّ بقوله (قُلْ آمنا بالله) فكان الأنسب هنا وثَمَّ ما ذُكر. وكُرِّر " ومَا أنزلَ " لاختلاف المنزَّل إلينا، والمنزَّل على إبراهيم وما عُطف عليه. ٥٦ - قوله تعالى: (وَمَا أوْتِيَ النَّبِيُّونَ. .) . ذكْرُ " مَا أوْليَ " هنا، وحذفُه في " آل عمران " اختصارٌ، كما هو الأنسب بالآخر. أو لأن الخطاب هنا عامٌّ، وثَمَّ خاصٌّ كما مرَّ فكان الأنسب ذكره في الأول،

стр. 40

وحذفُه في الثاني. فإِن قلتَ: لم قال هنا " وَمَا أوْتِيَ موسَى "، ولم يقل " وَمَا أُنْزِلَ إِلى موسى " كما قال قبل " وَمَا أً نْزِل إِلَى إِبْرَاهِيمَ "؟ قلتُ: للاحتراز عن كثرة التكرار. فإِن قلتَ: لمَ كرَّر " وَمَا أُوْتِيَ " هنا، وحذفه في آل عمران؟. قلتُ: إِنَّما حذفه ثَمَّ للاغتناء عنه بقوله قبله " لَمَا آتَيتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وحكْمَةٍ ". ٥٧ - قوله تعالى: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ. .) . فإِن قلتَ: إِن أُريد بـ " ما آمنتُمْ بِهِ " اللَّهُ تعالى، فاللَّهُ لا مِثْل له، أو دين الِإسلام فكذلك؟ قلتُ: القصدُ بالآية إنما هو التعجيزُ كما في قوله تعالى (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مثلِهِ) أو كلمة " مثْلِ " زائدة للتوكيد كما في قوله " جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بمثْلِها " أو الباء زائدة كما في قوله " وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ " و " مَا " مصدريَّةٌ والمعنى بمثل إيمان منَ آمنتم به وهو اللَّهُ، أو دينُ الِإسلام.

стр. 41

٥٨ - قوله تعالى: (تِلْكَ أمَّة قَدْ خَلَتْ. .) ذكَرها مع أَنَّ مضمونَها معلومٌ لِكل مميِّز، للتنبيه على عِظَم العصيان واجتنابه، كما أنَّ قوله " لكُمْ دينكُم وليَ دين " ذُكر مع أنه معلومٌ، للتنبيه على أن الكفر ممَّا يعود بسوء العاقبة عليهم، وكرَّرها مبالغة في النصح، أو لأن " الأمَّة " في الأولى للأنبياء، وفي الثانية لأسلاف اليهود والنصارى. أو لأن الخطاب في الأولى لهم، وفي الثانية لنا تحذيراً عن الِإقتداء بهم. ٥٩ - قوله تعالى: (ومَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَّتي كنْتَ عَلَيْهَا. .) إِن قلتَ: كيف قال " إِلّاَ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبعُ الرَّسُولَ " وهو لم يزل عالماً بذلك؟ قلتُ: هذا ونحوُه باعتبار التعلُّقِ، والمعنى: ليتعلَّق علْمُنا به موجوداً، أو المعنى: ليعلمَ رسولنا والمؤمنون، لأنهم أخصَّاؤه. أو لتميّز الثابت عن المتزلزل، كقوله " لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِن الطَّيِّبِ ". ٦٠ - قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ. .) .

стр. 42

" كان " للماضي وهو هنا للحال، وتأتي في القرآن لخمسة معان: أ - للحال ومنه " إِنَّ الصَّلاةَ كانتْ عَلَى المؤمنينَ كِتَاباً مَوْفوتاً " و " كان الله بما يعملون بصيراً ". ب - وللماضي المنقطع ومنه " وكان في المدينةِ تِسْعةُ رَهْطٍ " وهو الأصل في معانيها. ب - وللاستقبال ومنه " وَيَخَافُونَ يوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً ". د - وللدوام ومنه " وكانَ اللَّه عَلِيماً حَكِيماً ". هـ - وبمعنى صار ومنه " وَكان مِنَ الكَافِرين ". ٦١ - قوله تعالى: (فَلَنوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا. .) . فإِن قلتَ: هذا يقتضي عدم رضا النبي ﷺ بالتوجه إلى بيت المقدس، مع أن التوجه إليه كان بأمر الله؟ قلتُ: المراد بالرضا هنا رضا المحبة بالطبع، لا رضا التسليم والانقياد لأمر الله.

стр. 43

٦٢ - قوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَام. .) كُرِّر ثلاث مرَّات، لأن الأول في المَسجد الحرام، والثاني خارجه، والثالث خارج البلد، وعليها يُنزَّل قوله قبل كلٍّ منها " ومنْ حيثُ خرجت ". ٦٣ - قوله تعالى: (وَمَا أَنْتَ بِتَابع قِبْلَتَهُمْ. .) أي اليهود والنصارى، ولكلٍّ منهما قبلة، لكنْ لمَّا كانت القبلتان باطلتيْن، كانتا في حكم البطلان واحدةً، فلهذا قال " قبلتَهم ". ٦٤ - قوله تعالى: (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) قال في الأنعام مثله " فَلَا تَكُونَنَّ منَ المُمترينَ " وفي آل عمران " فلا تكنْ من الْممترينَ " بغير نون التوكيد. لأنَّ ما في " آل عمران " جاء على الأصل، ولم يكن فيها ما اقتضى إدخال نون التوكيد. بخلاف ما هنا، فإِنَّ قبله التوكيد بأَنَّ في قوله " أَنَّه الحقُّ من ربهم ".

стр. 44

٦٥ - قوله تعالى: (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَليْكُمْ حُجَّةٌ إِلّاَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ. .) . إن قلتَ: كيف يكون للظالمين من اليهود حجَّةٌ على المؤمنين؟ قلتُ: حجَّتُهم قولُهم: ما تحوَّل محمدٌ عن الكعبة، إِلَّا أنه بدا له الرجوع إِلى قبلةِ آبائه، ويوشك أن يرجع إِلى دينهم.!! وهذا باطلٌ، وإِنما سُمِّي حجَّةً كقوله " حجَّتُهم داحضةٌ " لشبهه لها صورةً، فالمعنى إلا أن يقولوا ظلماَ وباطلًا، كقولك لرجلٍ: ما لكَ عندي حقٌ إِلاَّ أن تظلم أي إلا أن تقول الباطل. ٦٦ - قوله تعالى: (وَلأًتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ. .) عطفٌ على قوله " لِئَلاَّ يكون للنَّاس عليكم حُجَةٌ ".

стр. 45

٦٧ - قوله تعالى: (وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ) . إن قلتَ: ما فائدةُ ذكرِ الثاني مع أن الأول يقتضيه؟ قلتُ: لا نسلِّم أنه يقتضيه، لأن المراد بالكفر ستر النِّعمة، والشّكرُ لا يقتضي عدمَه. ٦٨ - قوله تعالى: (إلّاَ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا. .) تُرِك " مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ " هنا، وذكره في " آل عمران " لأنه لو ذكره هنا مع قوله قبله " من بعدما بينَّاه للنَّاس " للتبس أو لتكرَّر. ٦٩ - قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين) . إن قلتَ: كيف قال: " والنَّاسِ أجمعين " وأهل دين من مات كافراً لا يلعنونه؟ قلتُ: المرادُ بالناس المؤمنون، أو هم وغيرهم. وأهل دينه يلعنونه في الآخرة، قال تعالى (ثمَّ يومَ القيامةِ يكفُرُ بعضُكُم ببعضِ ويلعنُ بعضُكم بعضاً. .) وقال (كُلَّما دخلتْ أمةٌ لَعَنَت أختَها) .

стр. 46

٧٠ - قوله تعالى: (وَإلهكُمْ إلهٌ وَاحِدٌ..) إن قلتَ: ما فائدة ذكرِ " إلهٌ " مع أن " واحدٌ " يُغني عنه؟ قلتُ: فائدتُه التصريحُ بالِإلهية المقصودة، وإن تضمَّنه قوله " واحدٌ " كما تضمَّن انفراده بالقدم، وبصفات ذاته، وبعدم التركيب. ٧١ - قوله تعالى: (إنَّ في خَلْقِ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ. .) خصَّهما بالذّكر لأنهما أعظم المخلوقات، وجمع السَّماءَ دون الأرض، للانتفاع بجميع آحادها، باعتبار ما فيها من نور كواكبها وغيره، بخلاف الأرض إنما يُنتفع بواحدةٍ من آحادها وهي ما نشاهدها منها. ٧٢ - قوله تعالى: (بَلْ نَتَّبعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا. .) عبَّر هنا بـ " ما ألفينا " وفي " المائدة " وفي " لقمان " بـ " مَا وَجَدْنا " لأن " ألفى " يتعدَّى إِلى مفعولين دائماً، و " وَجَدَ " يتعدَّى إليهما تارة، وإِلى واحدٍ أخرى، كقولك: وجدتُ الضالَّةَ فهو مشترك،

стр. 47

وألفى خاصّ، فكان الموضع الأول أنسب به. ٧٣ - قوله تعالى: (أَوَلَوْ كلمانَ أَبَاؤُهمْ لاَ يَعْقِلُونَ شيئاً وَلَايَهْتَدُونَ) . إن قلتَ: لم قال هنا " لا يعقلونَ " وفي المائدة " لا يعلمون "؟ قلتُ: لأن العلم أبلغ درجةً من العقل، بدليل وصف الله به دون العقل، ودعواهم ثَمَّ أبلغ من ههناِ، لقولهم ثَمَّ " حسبُنا ما وجدنا عليه آباءنا " وههنا " بل نتَبع ما ألفينا عليه آباءنا " فكان الأنسبُ نفيَ كلٍّ بما يناسبه. ٧٤ - قوله تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ. .) ظاهرُه تشبيهُ الكفًار بالراعي وليس مراداً. فإن قلتَ: فما وجهُه؟ قلتُ: فيه إضمارٌ تقديره: ومثَل واعظِ الذين كفروا كمثلَ الراعي.

стр. 48

أو للأنعام: أو ومثَلُ الذينَ كفروا كمثل بهائم الراعي. أو ومثَلُ الذين كفروا في دعائهم الأصنامَ كمثل الراعي. ٧٥ - قوله تعالى: (وَمَا أُهِلَّ بِهِ لَغَيْرِ اللَّهِ. .) قَدَّم " بِهِ " هنا وأخَّره في المائدة، والأنعام، والنحل. لأن الباء للتعدية، كالهمزة والتشديد، فهي كالجزء من الفعل، فكان الموضع الأول أولى بها وبدخولها. وأخَّر في بقية المواضع، نظراً للمقصود فيها من ذكر المستنكر، وهو الذبح لغير الله، والحصر بـ " إنَّما " في المحرَّمات هنا متروكُ الظاهر، لما زاد في المائدة من " المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السَّبُع ". ٧٦ - قوله تعالى: (فَلاَ إثْمَ عَلَيْهِ. .) ذكره هنا، وتركه في المواضع الثلاثة المذكورة آنفاً اقتصاراً، كما هو الأنسب بالآخر. ٧٧ - قوله تعالى: (إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) قاله هنا، وقال في الأنعام " فإن ربَّك غفورٌ رحيمٌ " لأن لفظ الربِّ تكرَّر ثَمَّ مراتٍ، مع ذكر ما يحتاج إلى التربية، من الثمار، والحبوب، والحيوان، " من " الضأن والمعز والِإبل والبقر " في قوله " وَهُوَ الذِي أَنْشَأَ

стр. 49

جنَّاتٍ " الخ فكان ذكرُ الربِّ ثَمَّ أنسب. ٧٨ - قوله تعالى: (وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيامَةِ. .) . إن قلتَ: كيف نفى عنهم الكلام هنا وأثبته لهم في قوله " فوربك لنسألهم "؟ قلتُ: النفيُّ هنا الكلام بلطفٍ وإكرام، والمثبت ثَمَّ سؤال توبيخ وإهانة، أو في القيامة مواقفٌ، ففي موقفٍ لا يكلمهم، وفي موقفٍ يكلمهم. ومن ذلك آيةُ النفي المذكورة، مع قوله تعالى " ويوم نحشرهم جميعاً ثمَّ نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ". ٧٩ - قوله تعالى: (إنْ نَرَكَ خَيْراً الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ والأقْرَبينَ. .) فيه عطفُ الخاصّ على العام، ونسخِ ما كانوا يفعلونه من الوصيّة للأبعد دون الأقرب، طلباَ للفخر والشَّرف. ٨٠ - قوله تعالى: (إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)

стр. 50

إن قلتَ: لم خصَّ السِّميع بالذّكر هنا، والغفران فيما بعده؟ قلتُ: لقوله هنا، " بعد ما سمعه " وثَمَّ " فلا إثم عليه ". ٨١ - قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كمَا كتِبَ عَلَى الذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. .) التشبيهُ في أصلِ الصَّوم لا في كيفيَّته، إذِ الإِفطارُ منه كان مباحاً من الغروب إلى وقت النَّوم فقط، ثم نُسخ بقوله تعالى " وكلوا واشربُوا حتَّى يتبيَّن لكُم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسْودِ من الفجر " الآية. ٨٢ - قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أوْ عَلَى سَفَرٍ. .) قيَّد بـ " منكم " هنا، وفي قوله " فمنْ كانَ منكُم مَرِيضاً أوْ بِهِ أذَىً منْ رأْسِهِ " وتركه في قوله " ومن كان مريضاً أو على سفر " اكتفاءً بقوله قبله " فمنْ شهدَ منكُم الشَّهرَ فَلْيَصُمْهُ ". فإن قلتَ: ما فائدة ذكرِ إعادة المريض والمسافر بعد؟ قلتُ: رفعُ توهُّمِ نسخ التخيير بين الصوم والفدية بعموم

стр. 51

قوله " فمن شهدَ منكم الشَّهْرَ فلْيَصُمْهُ ". أو أن آيتها الأولى نزلت في تخييرهما بين الصوم والفدية، والثانية في تخييرهما بين الصوم والِإفطار والقضاء. ٨٣ - قوله تعالى: (مِنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ. .) صفة لهدىً وبيِّنات قبله، ومتعلِّقٌ بمحذوفٍ أي كونُ القرآن هدىً وبيِّناتٌ، من جملة هدى اللَّه وبيّناته، لكنْ عبَّر عن البيِّنات بالفرقان، لأن فيه زيادة معنى لازم للبيِّنات، وهو كونُه يفرق بين الحق والباطل، ولأن في لفظ الفرقان تواخي الفواصل. ٨٤ - قوله تعالى: (أجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ. .) إن قلتَ: نجدُ كثيراً من الدَّاعين لا يُستجاب لهم؟ قلتُ: إنما لم يستجبْ لهم لانتفاء شرط الِإجابة، إذْ شرطُها طاعةُ الله، وأكلُ الحلالِ، وحضور القلبِ. أو لأنَّ الدَّاعي قد يعتقد مصلحته في إجابة دعوته،

стр. 52

واللَّهُ يعلم أن المصلحة فىِ تأخيرها. أويعطيه بدلها فقد روى الحاكم خبر " ما من مسلمٍ يدعو اللَّهَ تعالى بدعوةٍ، إلّا آتاه الله إيَّاها، أو صرف عنه من السُّوء مثلها، أو ادَّخر له من الأجر مثلها، ما لم يدعُ بإثم ". ٨٥ - قوله تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَما. .) . إنْ قلتَ: لِمَ قال هنا " فَلا تَقْربُوهَا " وقال في التي بعدها " فلا تعتدوها "؟. قلتُ: لأن الحدَّ هنا نهيٌ وهو قوله " ولا تُبَاشِروهنَّ " وما كان من الحدود نهياً، نُهيَ فيه عن المقاربة. والحدُّ فيما بعدُ أمرٌ، وهو بيان عدد الطلاق بقوله " الطَّلاقُ مرَّتَانِ " الآية، وما كان أمراً نُهيَ عنه عن الاعتداء وهو مجاوزة الحدِّ. ٨٦ - قوله تعالى: (يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالحَجِّ. .) .

стр. 53

كلُّ ما جاء من السؤال في القرآن، أجيب عنه بـ " قُلْ " بلا فاءٍ، إلَّا في قوله في " طه " (ويسألونك عن الجبال فقل. .) الآية، فبالفاء، لأن الجواب في الجميع، كان بعد وقوع السؤال. وفي " طه " قبله إذْ تقديره: إن سئلتَ عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً (١) . ٨٧ - قوله تعالى: (وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ. .) . تُرك " كلًّه " هنا، وذكره في الأنفال، لأن القتال هنا معِ أهل ملَّةٍ فقط، وثَمَّ مع جميع الكفار، فناسب ذكرُه ثمَ. ٨٨ - قوله تعالى: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ. .) إن قلتَ: ما فائدة ذكره بعد الثلاثة والسبعة، وذكر " كاملة " بعد قوله (تلكَ عَشَرَةٌ) ؟ قلتُ: فائدةُ الأول دفعُ تصحيف سبعةٍ

стр. 54

بـ " تسعة "، وتأكيدُ العلم بالعدد تفصيلًا وإجمالًا. وفائدة الثاني التأكيد كما في " حولينِ كاملين ". أو معناه كاملة في الثواب مع كونها متفرقة. أو واقعة بدلًا عن الهَدْيِ. ٨٩ - قوله تعالى: (فَإِذَا أفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كمَا هَدَاكُمْ. .) . إن قلتَ: ما فائدةُ تكرار الذكر؟ قلتُ: فائدته التنبيه على إرادة الذِّكرِ، وزيادة فائدةٍ أخرى في الثاني وهي " كما هداكم " بمعنى اذكروه بتوحيده كما ذكركم بهدايته. أو الِإشارة بالأول إلى الذكر باللفظ، وبالثاني إلى الذكر بالقلب. ٩٠ - قوله تعالى: (ثُمَّ أفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ. .) . إن قلتَ: كيف عطف الِإفاضة، مع أنها الِإفاضة من عرفات؟ قلتُ: ثُمَّ للترتيب الِإخبار لا الزماني.

стр. 55

أو المراد بالإِفاضة الثانية، الِإفاضة من مزدلفة إلى مِنَى، لا من عرفات. ٩١ - قوله تعالى: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ. .) . إن قلتَ: ما فائدة قوله فيها " وَمَنْ تَأَخَّر فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ " مع أنه معلوم بالأوْلى ممَّا قبله؟ قلتُ: فائدتُه رفعُ ما كان عليه الجاهلية من أن بعضهم قائل بإثم المتعجل، وبعضهم بإثم المتأخر. أو المعنى: لا إثم على المتأخر في ترك الأخذ بالرخصة، مع أن الله يُحبُّ أن تؤتى رُخَصُه كما يحبُّ أن تُؤْتى عزائمُه. فإن قلتَ: التعجيلُ في اليوم الثاني، لا فيه وفي اليوم الأول، فكيف قال " في يومين "؟ قلتُ: المعنى في مجموع اليومين الصادق بأحدهما وهو الثاني، كما في قوله تعالى " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " وهما لا يخرجان إلا من الملح لا من العذب.

стр. 56

٩٢ - قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الذِين خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ) . قال ذلك هنا، وقال في آل عمران " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمَّا يعلمِ اللَّهُ الذين جاهدوا منكم " الآية. وفي التوبة " أم حسبتم أن تُتركوا ولمَّا يعلمِ اللَّهُ الذين جاهدوا منكم " الآية. غاير بما ذُكر في الثالثة، لأن الخطاب في الأولى للنبي والمؤمنين، وفي الثانية للمجاهدين، وفي الثالثة للمؤمنين. ٣@ - قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ. .) . إن قلتَ: كيف طابق الجوابُ السؤال، لأنهم سألوا عن المُنْفَق، فأجيبوا ببيان المَصْرف؟ قلتُ: بل طابقه بقوله " مِنْ خيْرٍ " وزاد عليه بيان المصرف بما بعده، فالجوابُ أعمُّ، ونظيره قوله ﷺ وقد سئِل عن الوضوء بماء البحر: " هو الطهُور ماؤُه، الحِلُّ ميتته ".

стр. 57

٩٤ - قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. .) . ذكر " في الدنيا والآخرة " هنا، وتركه في آخر السورة، وفي الأنعام اختصاراً، للعلم به ممَّا هنا. ٩٥ - قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ. .) . بفتح التَّاء هنا، وبضمها في قوله " ولا تُنْكحوا المشركينَ ". لأن الأول من " نَكَحَ " وهو يتعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ، والثاني من " أنْكَحَ " وهو يتعدَّى إلى اثنين، الأول في الآية " المشركين "، والثاني محذوفٌ وهو " المؤمنات ". ٩٦ - قوله تعالى: (وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا. .) . هو هنا بالتخفيف، من " أَمْسَك " وفي الممتحنة بالتخفيف والتشديد، لمناسبة تخفيف لما هنا ما قبله من

стр. 58

قوله " فإِمْسَاكٌ بمعْروفٍ " وقوله " فأمسكوهنَّ ". ومناسبة تخفيف وتشديد ما هناك ما قبله من قوله " لم يخرجوكم " وقولِه " أَنْ تَبَرُّوهُمْ " وخُفَف في الطلاق قولُه " فأمسكوهنَّ بمعروف " لمناسبة تخفيفه ما قبله من قوله " لا تُخرجوهنَّ من بيوتهنَّ ". ٩٧ - قوله تعالى: (وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) . فإن قلتَ: عزمُهم الطَّلاق ممَّا يُعلم لا ممَّا يُسمع، فكيف قال " إن الله سميع "؟ قلتُ: العازم على الشيء يُحدِّث به نفسه، وحديث النَّفس ممَّا يسمعه الله ووسوسة الشيطان، مع أن الغالب في عزم الطلاق المقاولة مع الزوجة. ٩٨ - قوله تعالى: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ. .) . أفعل ههنا بمعنى فاعل. ٩٩ - قوله تعالى: (ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ. .) .

стр. 59

قال " ذَلِكَ " هنا، وقال في الطلاق " ذَلِكُمْ يُوعَظُ به من كان يؤمن " لما كانت كاف " ذلكَ " لمجرد الخطاب، لا محل لها من الِإعراب، جاز الاقتصار على الواحدكما هنا، وكما في قوله تعالى " ثم عفونا عنكم من بعد ذلك " وجاز الجمع نظراً للمخاطبين كما في الطلاق. فإن قلتَ: لمَ ذكر " منكم " هنا، وترك ثَم؟ قلتُ: لترك ذكر المخاطبين هنا في قوله ذلك، واكتفى بذكرهم ثَمَّ فيه. ١٠٠ - قوله تعالى: (فَلَا جُنَاحَ عَليْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أنْفُسِهِنَّ بِالمَعْرُوفِ. .) . قال في هذه الآية " بالمعروف " وقال في الآية الأخرى " من معروفٍ " لأن التقدير في هذه: فيما فعلن في أنفسهن بأمر الله المعروف من الشرع. وفي تلك: فيما فعلن فى أنفسهن من فعلٍ من أفعالهنَّ معروف جوازه شرعاً. ١٠١ - قوله تعالى: (فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ

стр. 60

أَحْيَاهُمْ. .) . إن قلتَ: هذا يقتضي موتَهُم مرتيْن، وهو منافٍ للمعروف أن موت الخلق مرةٌ واحدة؟ قلتُ: لا منافاة إذِ الموتُ هنا عقوبة مع بقاء الأجل، كما في قوله تعالى في قصة موسى " ثُمَّ بعثناكُمْ منْ بعدِ موتِكمْ ". وثَمَّ موتٌ بانتهاء الأجل، ولأنَّ الموت هنا خاصٌّ بقومِ، وثَمَّ عامٌ في الخلق كلِّهم، فيكون ما هنا مستثنى إظهارَاً للمعجزة. ١٠٢ - قوله تعالى: (وَلَكِنَّ أكثرَ النَّاس لا يَشْكُرُونَ) . إنما ذكر لفظ الناس هنا وفي " يوسف " و" المؤمن " وتركه في " يونس " و " النَّمل ".

стр. 61

لأنَّ ما في الثلاثة الأولى، لم يتقدمه كثرة تكرر لفظ " الناس "، فناسب الإِظهار، وما في " يونس " تقدَّمه ذلك فناسب الإِضمار، لئلا تزيد كثرة التكرار، وما في " النمل " تقدَّمه إضمار الموحَى إليه ومخاطبته فناسب الِإضمار، وبعضهم أجاب بما فيه نظرٌ فتركتُه. ١٠٣ - قوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ. .) . كرَّره بقوله " وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ ما اقتَتلُوا " تأكيداً، وتكذيباً لمن زعم أنَّ ذلك لم يكن بمشيئة الله. ١٠٤ - قوله تعالى: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ. .) . أي بغير إذن الله لقوله تعالى " منْ ذَا الَّذي يشفعُ عنده إلَّا بإذنهِ "؟ وقوله " ولا تنفعُ الشَّفَاعةُ عندهُ إلّاَ لمنْ أَذِنَ لهُ ". أو لا شفاعة من الأصنام والكواكب التي يعتقدها الكفار. ١٠٥ - قوله تعالى: (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)

стр. 62

حصر الظلم في الكافرين، لأن ظلمهم أشدُّ، فهو حصر إضافيٌّ كما في قوله تعالى " إنَّما يخشَى اللَّهَ من عبادِهِ العلماءُ ". ١٥٦ - قوله تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ. .) . عبَّر فيها بالمضارع لا بالماضي مع أن الِإخراج قد وُجد. . لمناسبة التعبير به قبله في قوله " فمنْ يكفُرْ بالطَّاغُوتِ وُيؤْمِنْ باللَّهِ " ولأنَّ المضارع يدلُّ على الاستمرار، فيدلُّ هنا على استمرار ما ضمنه الِإخراج من الله تعالى، في الزمن المستقبل في حقِّ من ذُكر. فإن قلتَ: كيف يَخرجُ الكفَّارُ من النور، مع أنهم لم يكونوا في نورٍ؟ قلتُ: لمقابلة ما ذُكر قبله في المؤمنين، ولأن الكفار هنا هم " اليهود " وقد كانوا مؤمنين بمحمد ﷺ لما يجدونه من نعته في كتبهم، فلما بُعث كفروا به. ١٠٧ - قوله تعالى: (قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ. .) ؟

стр. 63

أي بقدرتي على الِإحياء، قال له ذلك مع علمه بإيمانه بذلك، ليجيب بما أجاب به، فيعلم السامعون غرضه من طلبه لإحياء الموتى. ١٠٨ - قوله تعالى: (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي. .) . قاله مع أنَّ قلبَه مطمئنٌّ بقدرة الله تعالى على الإِحياء، ليطمئنَّ قلبُه بعلم ذلك عياناً كما اطمأنَّ به برهاناً. أو ليطمئنَّ بأنه اتخذه خليلاً، أو بأنه مستجاب الدعوة. ١٠٩ - قوله تعالى: (قَالَ فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ. .) . خصَّ الطير بالذِّكر من سائر الحيوان، لزيادته عليه بطيرانه قيل: وكانت الأربعة: ديكاً، وطاووساً، ونسْراً، وغُراباً.

стр. 64

وفائدةُ التقييد بالأربعة في الطيرِ، وفي الأجبلِ بعده، الجمعُ بين الطبائع الأربع، في الطير بين مهاب الرياح من الجهات الأربع في الأجبل. ١١٠ - قوله تعالى: (ثُمََ لا يتْبِعونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلاَ أَذَىً. .) . إن قلتَ: كيف مدح المنفقين بترك المنِّ، وقد وصف نفسه بالمنِّ، كما في قوله تعالى " لقد منَ اللَّهُ على المؤمنين "؟ قلتُ: المنُّ يقال للِإعطاء، وللاعتداد بالنعمة واستعظامها. والمراد في الآية المعنى الثاني. فإن قلتَ: من المعنى الثاني " بلِ اللَّهُ يَمنُّ عليكمْ أنْ هَدَاكم للِإيمان ". قلتُ: ذلك اعتدادُ نعمةِ الِإيمان، فلا يكون قبيحاً، بخلاف نعمة المال. على أنه يجوز أن يكون من صفات الله تعالى، ما هو مدحٌ في حقّه، ذمٌّ في حقِّ العبد، كالجبار، والمتكبّر، والمنتقمَ.

стр. 65

١١١ - قوله تعالى: (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّة مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ. .) . فإن قلتَ: لمَ خصَّ النَّخيل والأعناب بالذِّكر، مع قوله بعد " له فيها منْ كلِّ الثَّمرات "؟ ْ قلتُ: لأنَّ النخيل والأعناب أكرم الشجر، وأكثرها منافع. ١١٢ - قوله تعالى: (وَيُكفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سيِّئَاتِكُمْ. .) . ذكر " مِنْ " هنا خاصة، موافقةً لما بعدها في ثلاث آيات، ولأن الصَّدقات لا تكفِّر جميع السيِّئات. ١١٢ - قوله تعالى: (لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا. .) . فإن قلتَ: هذا يُفهم أنهم كانوا يسألون برفق، مع أنه قال: " يحسَبُهمُ الجَاهِلُ أغنياءَ من التَّعفُّفِ "؟ قلتُ: المرادُ نفيُ المقيّد والقيد جميعاً كما في قوله تعالى " لا ذَلُولٌ تُثيرُ الأرضَ " وقوله " اللَّهُ الذِي رَفَعَ السَّمواتِ بغيرِ عَمَدٍ ترونها ". ١١٤ - قوله تعالى: (الَّذِينَ يَأكلُونَ الرِّبَا. .) .

стр. 66

خصَّ الأكل بالذِّكر مع أنَّ غيره كاللّبس، والادّخار، والهبة كذلك، لأنه أكثرُ وأهمُّ انتفاعاً بالمال، إذْ لا بدَّ منه. أو أُريد بالأكل الانتفاعُ، كما يُقال: فلانٌ أكل ماله، إذا انتفع به في الأكل وغيره. ١١٥ - قوله تعالى: (ذَلِكَ بَأنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا. .) . فإن قلتَ: كيف قالوا ذلكَ، مع أن مقصودهم تشبيه الربا بالبيع المتَّفق على حِلِّه؟ قلتُ: جاء ذلكَ على طريق المبالغة، لأنه أبلغُ من اعتقادهم أن الربا حلالٌ كالبيع، كالتشبيه في قولهم: القمرُ وجهُ زيدٍ، والبحرُ ككفَه، إذا أرادوا المبالغة. أو أنَّ مقصودهم أنَّ البيع والربا يتماثلان من جميع

стр. 67

الوجوه، فساغ قياسُ البيع على الربا كعكسه. ١١٦ - قوله تعالى: (وَمَنْ عَادَ فَأوْلَئِكَ أصْحَابِ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) . إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن مرتكب الكبيرة كاَكل الربا لا يُخلَّد في النَار؟ قلتُ: الخلودُ يُقال لطول البقاء، وإن لم يكن بصيغة التأبيد، كما يُقال: خلد الأميرُ فلاناً في الحبس إذا أطال حبسه. أو المراد بقوله " وَمَنْ عَادَ " العائد إلى استحلال أكل الربا، وهو بذلك كافر، والكافرُ مخلد في النَّار على التأبيد. ١١٧ - قوله تعالى: (وَأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كنْتُمْ تَعْلَمُونَ) . " خيرٌ لكم " أي من إنظار المعسر. فإن قلتَ: إنظارُ المعسِر واجبٌ، والتصدُّق عليه تطوُّعٌ، فكيف يكون خيراً من الواجب؟ قلتُ: التَّطوعُ المحصِّل للواجب، لِمَا اشتمل عليه من الزيادةِ كما هنا أفضلُ من الواجب، كما أن الزُّهد في

стр. 68

الحرام واجب، وفي الحلال تطوُّعٌ، والزهد في الحلال أفضل. ١١٨ - قوله تعالى: (ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَاكسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) . قال فيه وفي الجاثية بـ " مَا كَسَبَتْ " وقال في آخر النحلِ (وتُوَفَّىِ كلُّ نَفْسِ مَا عَمِلَتْ) وفي آخر الزمر (وَوُفيَت كُلّ نفسٍ مَا عَمَلَتْ) . . موافقةً لما قبْل كلً منها، أو بعده، أو قبْله وبعده. إذْ ما هنا قبْله " أَنْفِقُوا من طَيِّباتِ ما كسبتُمْ " وبعده " لهَا مَاكَسَبَتْ وعليْها ما اكْتَسَبَتْ ". وقبله في آخر النَّحل " من عمل صالحاً. . . ولنجزينَّهم أجرَهُمْ بأحسنِ ما كانوا يَعْملونَ ". وبعده " ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ للذينَ عَمِلُوا السُّوءَ ". وقبل ما في الجاثية " ولا يُغْني عنهم ما كسَبُوا شيئاً ".

стр. 69

وبعد ما في الزمر " فنعمَ أجرُ العاملينَ ". ١١٩ - قوله تعالى: (يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ. .) . فإن قلتَ: ما فائدة قوله " بدينٍ " مع أنه معلوم من " تَدَاينتُمْ "؟ قلتُ: فائدتُه الاحتراز عن " الدَّيْن " بمعنى المجازاة، يقال: داينتُ فلاناً بالمودَّة، أي جازيتُه بها، وهو بهذا المعنى لا كتابة فيه ولا إشهاد. وقيل: فائدتُه رجوع الضمير إليه في قوله " فاكتبوه " إذْ لو لم يذكره لقال: فاكتبوا الدَّيْنَ، والأولُ أحسنُ نظماً. ١٢٠ - قوله تعالى: (أنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُما الأخْرَى. .) . قُرىء " تَذْكُرَ " بالتخفيف والتشديد. فإن قلتَ: كيف جعل " أنْ تَضِلَّ " علةً لاستشهاد المرأتين بدل رجل، مع أن علَّته إنما هو التذكير. قلتُ: بل علَّته " أن تَضِلَّ " لأن الضلال من إحداهما يكثر وقوعُه فصلح أن يكون علَّة لاستشهادهما،

стр. 70

وبتقدير عدم صلوحه فالتعليل " بأنْ تَضِلَّ " في الحقيقة إنما هو للتذكير، ومن شأن العرب إذا كانت للعلَّة عِلَّة، قدَّموا ذكر علَّة العِلَّة، وجعلوا العِلَّة معطوفة عليها بالفاء، لتحصل الدلالتان معاً بعبارة واحدة، كقولك: أعددتُ الخشبة أن يميل الجدار، فأدعمتُه بها، فالِإدعامُ علَّةٌ في إعداد الخشبة، والميْلُ علَّةُ الِإدعام. ١٢١ - قوله تعالى: (وَإِنْ كنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجدُوا كاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَة. .) . فإن قلتَ: كيف شرط السفر في الارتهان مع أنه ليس بشرطٍ فيه؟ قلتُ: لم يذكره لتخصيص الحكم به، بل لكونه مظنة عوز الكاتب، والشاهد، الموثوق بهما. ١٢٢ - قوله تعالى: (وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ. .) . فإن قلتَ: ما فائدة ذكر القلب، مع أن الجملة موصوفة بالِإثم؟ قلتُ: لمَّا كان كتمانُ الشهادة هو إضمارُها في القلب، وإثمه مكتسباً بالقلب وبه، أسند الِإثم إليه، لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغُ، كما

стр. 71

يُقال: هذا ممَّا أبصرتْه عينايَ، وسمعتْه أذناي، وعلِمه قلبي. ١٢٣ - قوله تعالى: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بهِ اللَّهُ. .) . إن قلتَ: كيف قال في الإِخفاء " يُحاسبْكُمْ به اللهُ " مع أن حديث النفس لا إثم فيه، للحديث المشهور فيه، ولأنه لا يمكن الاحتراز منه؟ قلتُ: ذلك منسوخ بقوله " لا يُكلفُ اللَّهُ نَفْساً إلّاَ وُسْعَها ". أو المرادُ بالِإخفاء: العزمُ القاطعُ، والاعتقادُ الجازم. أو ذلك إخبارٌ بالمحاسبة لا بالمعاقبة، فهو تعالى يُخبر العبادَ بما أخفوا وأظهروا، ليعلموا إحاطة علمه، ثم يغفر أو يُعذِّب فضلاً وعدلًا. ١٢٤ - قوله تعالى: (فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ. .) . قدَّم المغفرة في هذه السورة وغيرها، إلا في " المائدة " فقدَّم العذاب، لأنها في المائدة نزلت في

стр. 72

حقِّ السارق والسارقة، وعذابُهما يقع في الدنيا فقدَّم العذاب، وفي غيرها قُدّمت المغفرة رحمةً منه للعباد، وترغيباً لهم إلى المسارعة إلى موجباتها. ١٢٥ - قوله تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ. .) . إن قلتَ: أيُّ فائدة في هذا الِإخبار مع أنَّ الأنبياء في أعلى درجات الِإيمان؟ قلتُ: فائدتُه أن يُبيِّن للمؤمنين زيادة شرف الِإيمان، حيث مدح به خوَّاصه ورسله، ونظيره في " الصَّافَّات " أنه ذكر في كل نبي " إِنَّهُ منْ عِبَادِنا المُؤْمنينَ ". ١٢٦ - قوله تعالى: (لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ. .) . فإن قلتَ: كيف قال ذلك مع أن " بَيْنَ " لا تُضافُ إلاَّ إلى اثنين فأكثر؟ قلتُ: " أحَدٌ " هنا بمعنى الجمع الذي هو " آحاد " كما فى قوله تعالى " فما منكُمْ منْ أحَدٍ عنهُ حَاجِزينَ "

стр. 73

فكأنه قال: لا نُفرِّق بين آحادٍ من رسله. ١٢٧ - قوله تعالى: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا ما اكتَسَبَتْ. .) . " لها ما كَسَبَتْ " أي في الخير " وعليها مَا اكتَسَبَتْ " أي في الشَّرِّ. فإن قلتَ: ما الدليلُ على أن الأول في الخير، والثاني في الشرِّ؟ قلتُ: " اللامُ " في الأول و " عَلَى " في الثاني، لأنهما يستعملان في ذلك عند تقارنهما كما في هذه الآية، وكما في قوله " من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها ". وقولهم: الدَّهرُ يومان: يومٌ لك، ويومٌ عليك. وقول الشاعر: على أنني راضٍ بأن أحملَ الهوى وأخفص منه لا عَليَّ ولا لِيَا

стр. 74

فإن قلتَ: لم خصَّ الكسب بالخير، والاكتساب بالشرّ؟ قلتُ: لأن الاكتساب فيه إعمال، والشرُّ تشتهيه النفس وتنجذب، فكانت أجد في تحصيله، بخلاف الخير، ولأن في ذلك إشارة إلى إكرامه تعالى وتفضّله على الخلق، حيث أثابهم على فعل الخير من غير جدٍّ واعتمال، ولم يؤاخذهم على فعل الشرِّ إلا بالجدِّ والاعتمال. " تَمَّتْ سُورَةُ البقرة "

стр. 75

سورة آل عمران ١ - قوله تعالى: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ. .) . إن قلتَ: كيف قال هنا " نَزَّل " ثم قال " وأَنْزَل " مرتين؟ قلتُ: للاحتراز عن كثرة التكرار. وخُصَّ المشدَّدُ بالأول لمناسبته " مصدِّقاً ". وقيل: لأن القرآن نزل منجَّماً، والتوراةَ والِإنجيل نزلا جملةً واحدة، فحيث عُبِّر فيه بـ " نَزَّل " أريد الأول، أو " أنزل " أريد الثاني. ورُدَّ الأولُ بقوِله " وقالَ الَّذِينَ كفَرُوا لَوْلَا نُزِّل عليهِ القُرآنُ جُمْلةً واحدةَ ". والثاني بقوله " وأنْزلَ الفُرقانَ " إن أُريد به القرآن. وبقوله " هو الذي أنزل عليك الكتاب ".
следующие страницы →