ـ[فتاوى يسألونك]ـ
المؤلف: الأستاذ الدكتور حسام الدين بن موسى عفانة
الطبعة: الأولى
عدد الأجزاء: ١٤
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الطبعة الثانية
الحمد لله حمداً مباركاً فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونصلي ونسلم على رسوله المصطفى خير البشر وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.
أما بعد ...
فهذه الطبعة الثانية من الجزء الأول من كتابي (يسألونك) الذي لقي قبولاً واستحساناً من الإخوة القراء والحمد لله رب العالمين وقد نفذت طبعته الأولى وألحّ عليّ كثير من طلبة العلم لإعادة طبعه فعزمت على ذلك فقمت بمراجعة الكتاب وتصحيح ما وقع فيه من أخطاء مطبعية ووضعت عناوين للمسائل التي اشتمل عليها وزدت بعض المسائل توضيحاً وخرجت بعض الأحاديث التي لم تكن مخرجة في الطبعة الأولى، وأرجو أن تكون هذه الطبعة أجود من سابقتها مضموناً وشكلاً.
وأسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يتقبل عملي هذا وأن يجعله خالصاً لوجهه
الكريم وأن يجعله في ميزان حسناتي يوم يقوم الناس لرب العالمين.
стр. 3
وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
كتبه د. حسام الدين موسى عفانة
أبوديس - القدس
صباح يوم السبت الثاني عشر من ذي الحجة ١٤١٧هـ
وفق التاسع عشر من نيسان ١٩٩٧م
стр. 4
تقديم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أحمعين
وبعد:
فإن أشرف العلوم على الإطلاق علم توحيد الله ومعرفته، وأنفع العلوم علم الأحكام المتعلقة بأفعال العباد وما من سبيل إلى أخذ هذين النورين، وتلقي هذين العلمين العظيمين إلا من النبي المعصوم الذي قامت الأدلةالقاطعة على عصمته، وصرحت الآيات القرآنية بوجوب طاعته ومتابعته، فهو الصادق المصدوق، الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
ثم إننا مأمورون بالأمتثال إلى أوامر الله ورسوله واجتناب ما نهى عنه والتزام هدي المصطفى ﷺ وهدي الخلفاء الراشدين المهديين، والخير كل الخير في الإتباع والشر كل الشر في الإحداث والإبتداع.
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا).
فالرد عند التنازع إلى الله تعالى بالرجوع إلى كتابه المبين، والإحتكام إليه والرضى بما فيه وعدم التقديم بين يديه.
والرد إلى رسول الله ﷺ ، بطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه، وزجر، وأن لا نتلقى شيئاً من المأمورات والمنهيات إلا من مشكاته، ولا نسلك إلا طريقه، ونرضى بما شرعه حتى لا نجد في أنفسنا حرجاً مما قضاه، وتنتخلق بأخلاقه.
стр. 5
وأولو الأمر، إنما هم العلماء، ورثة الأنبياء، فهم في المكانة الرفيعة، والمنزلة السامية، ويقيمون الحجة، ويبلغون عن الله ورسوله.
ومرتبة التبليغ والفتيا، لا تصلح إلا لمن اتصف بالعلم والصدق، فيكون عالماً بما بلغ صادقاً فيه. وهؤلاء العلماء العاملون هم الذين أمرنا الله بسؤالهم عما أبهم وأشكل في قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ). ومعلوم أن أمر الإفتاء عظيم خطير، تكفل الله تعالى به، وأسنده إليه فقال في كتابه: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ) سورة النساء آية ١٧٦. وقال تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ) سورة النساء آية ١٢٧.
ثم تولى رسوله ﷺ الإجابة عما يورده الصحابة من أسئلة، فيعطي الإحابة الشافية الكاملة. مبلغاً عن ربه: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ) سورة البقرة آية٢٢٠.
وحمل الصحابة رضوان الله عليهم لواء الفتوى بعد الرسول ﷺ وهم من هم منزلة من الرسول ﷺ ومكانة، رباهم على عينه " هم ألين الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، وأحسنها بياناً، وأصدقها إيماناً، وأعمها نصيحة، وأقربها إلى الله وسيلة ".
هم أهل العلم الذين نص عليهم بقوله تعالى: (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ). قال مجاهد: [هم أصحاب محمد ﷺ ].
ومن الصحابة من أكثر من الفتوى ومنهم من أقل منها، ورحم الله مسروقاً إذ يقول: [جالست أصحاب محمد ﷺ فكانوا كالإخاذ يعني كالغدير، الإخاذة تروي الراكب، والإخاذة تروي الراكبين والإخاذة تروي العشرة، والإخاذة لو نزل بها أهل الأرض لأصدرتهم].
стр. 6
غير أن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، كانوا مثالاً للورع في إصدار الفتوى، فكان الواحد منهم يود لو أن أخاه كفاه الإجابة عن السؤال في دين الله، هذا ابن أبي ليلى يقول:
[أدركت عشرين ومائة من الأنصار أصحاب رسول الله ﷺ ما منهم من رجل يسأل عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه].
وذكر ابن وهب عن محمد بن سليمان المرادي عن أبي إسحاق قال: [كنت أرى الرجل في ذلك الزمان، وإنه ليدخل يسأل عن الشيء، فيدفعه الناس من مجلس إلى مجلس حتى يدفع إلى مجلس سعيد بن المسيب كراهية للفتيا].
وكان السلف الصالح رضوان الله عليهم يكرهون الجرأة على الفتوى والتسرع فيها.
قال سحنون: [أجسر الناس على الفتوى أقلهم علماً].
ويقول ابن القيم: [الجرأة على الفتيا تكون من قلة العلم ومن غزارته وسعته، فإذا قل علمه أفتى عن كل ما يسؤل عنه بغير علم، وإذا اتسع علمه اتسعت فتياه].
إن التسرع في الفتيا خطأ وخطر يفضي إلى عدم إصابة الحق والجرأة على الله تعالى والوقوع فيما نهى عنه يقول تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)، ومن أفتى بغير علم فعمل بفتواه عامل كان إثم العامل على من أفتاه، فليتق الله المتسرعون في الفتيا.
ولا بد للمتصدر للإفتاء من أن يمتلك أدواته، من فهم لمعاني النصوص وعللها الصحيحة التي ناط الشارع بها الأحكام.
كما لا بد من التضلع في معرفة الأحاديث ومدى ثبوتها، وتتبع طرقها وأقوال العلماء فيها ولا بد من البحث والتنقير عن الأدلة الشرعية حتى ينشرح الصدر للعمل بالدليل الذي يحصل عليه، ومثل ذلك الأمر صعب وليس بالهين.
стр. 7
إننا لا نزال نرى في الإمة الإسلامية خيراً ظاهراً، من حرص كثير من الناس على السؤال عن أمور دينهم ابتغاء تصحيح العقيدة والتصور والسلوك والمنهاج.
وكثيراً ما يواجه الدعاة والعلماء أسئلة الجمهور الكريم في مختلف مناحي الحياة، فيتصدر أخوة لنا الإفتاء في الدين فجزاهم الله عنا خير الجزاء.
ويَردُ على الأخ الدكتور حسام الدين عفانه سيل لا ينقطع من رسائل الأهل والأحبة، إلى زاوية "يسألونك " في "جريدة القدس " الغراء فيقوم مشكوراً بإفتائهم والإجابة على تساؤلاتهم، وقد نظرت في هذه الفتاوى فألفيتها هامة نافعة، سلك فيها الأخ الفاضل مسلك التثبت والتحري والأناة والإستدلال بالأدلة الشرعية المعتمدة، بل يؤصل فتواه باعتماد المصادر الأصلية في فقه المذاهب الإسلامية المتعددة معتمداً الراجح منها بالدليل مع عناية بتخريج الأحاديث وتمييز الصحيح من السقيم، ولا يختصر في الإفتاء فيقتصر على موطن السؤال فحسب، بل يجيب بأكثر مما يُسأل عنه وهذا من محاسن الفتوى وهو اتباع لهدي المصطفى ﷺ حين سئل عن ماء البحر أطاهر هو؟ فأجاب قائلاً: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) صححه الترمذي وغيره وتلقته الأمة بالقبول، أسأل الله أن ينفعنا بهذه الفتاوى وأن يثيب الدكتور حسام الدين عفانه عنا وعن الإسلام خيراً.
د. موسى البسيط
عميد كلية الدعوة والعلوم الإسلامية / أم الفحم
стр. 8
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الطبعة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد ان محمداً عبده ورسوله.
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).
(يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا).
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
فقد أشار عليّ الأخ الفاضل الأستاذ إبراهيم خليل عفانه بكتابة زاوية أسبوعية في جريدة القدس الغراء للإجابة على أسئلة القراء الدينية فكانت زاوية يسألونك في عدد كل يوم جمعة ولقد لقيت هذه
стр. 9
الزاوية ترحيباً وإقبالاً من القراء المهتمين فتوالت الرسائل والمكالمات الهاتفية التي تحمل كثيراً من الأسئلة بالإضافة إلى الأسئلة التي كانت توجه إليّ مباشرة.
وقد حرصت على أن تكون الإجابات واضحة جلية وبلغة سهلة وميسرة ومستندة إلى الأدلة الشرعية الصحيحة.
وبعد مرور عامين على زاوية يسألونك عزمت على جمع حلقاتها لتصدر في كتاب ولتعم الفائدة فقمت بترتيبها وتنسيقها حسب الموضوعات. وهذا هو الجزء الأول منها.
وأسأل الله العظيم أن يتقبل هذا العمل ويجعله خالصاً لوجهه الكريم وأن يتجاوز عما فيها من الخطأ والتقصير، ولا أظن أن عملي هذا خالٍ من النقص والعيوب فإن ذلك من شأن البشر.
وأخيراً أقول ما قاله القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني ﵀: [إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتاباً في يومه إلا قال في غده: لو غير هذا لكان أحسن ولو زيد كذا لكان يستحسن ولو قدم هذا لكان أفضل ولو ترك هذا لكان أجمل وهذا من أعظم العبر وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر].
وصلى الله وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
كتبه: الدكتور حسام الدين موسى عفانه.
أبوديس / القدس
صباح يوم الخميس الخامس عشر من صفر الخير ١٤١٦ /هـ
وفق الثالث من تموز / ١٩٩٥م.
стр. 10
الصلاة
стр. 11
المال الحرام والصلاة
يقول السائل: هل من شروط صحة الصلاة أن تكون ملابس المصلي من كسب مشروع، وهل تصح صلاة من يلبس خاتماً أو ساعةً من مال حرام؟
وهل تصح الصلاة وفي جيب المصلي أموال اكتسبها من حرام؟
الجواب: إن الصلاة صحيحة إن شاء الله في الحالات الثلاث الواردة في السؤال وهو مذهب جمهور أهل العلم.
وهذا المصلي آثم لأنه اكتسب المال بطريق محرم وعليه أن يتوب إلى الله ويرجع إلى طريق الحق والصواب وأن يعيد الحقوق إلى أصحابها؟
وعلى هذا المصلي أن يتذكر قول الله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ).
فالصلاة ليست مجرد حركات رياضية يقوم بها الإنسان بل يجب أن تترك الصلاة آثاراً إيجابية في سلوك المصلي ومنهجه في الحياة.
فإذا كان يصلي ويكسب ماله من طريق حرام ويرتكب المحرمات فإن صلاته لن تنفعه يوم القيامة وإن أداها في الدنيا وينطبق عليه ما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال
стр. 12
رسول الله ﷺ : المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاته وصيامه وزكاته وقد شتم هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يعطي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه فطرح في النار) رواه مسلم.
فلا بد للصلاة أن تكون عاملاً رادعاً عن ارتكاب المحرمات.
المسح على الجوربين
يقول السائل: نرى بعض الناس عندما يتوضؤون يمسحون على جواربهم بدل غسل أرجلهم فهل يجوز ذلك وهل المسح خاص بأيام الشتاء؟
الجواب: إن المسح على الجوربين رخصة قال بها أكثر العلماء وقد ورد في ذلك ثلاثة أحاديث:
الأول: عن ثوبان قال: بعث رسول الله ﷺ سرية فأصابهم البرد فلما قدموا على النبي ﷺ شكوا إليه ما أصابهم من البرد فأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين. رواه أبو داوود وأحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وقال العلامة أحمد محمد شاكر إنه حديث متصل صحيح الإسناد. والتساخين كل ما يسخن به القدم من خف أو جورب ونحوهما.
الثاني: عن المغيرة بن شعبة (أن رسول الله توضأ ومسح على الجوربين والنعلين) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
الثالث: عن أبي موسى الأشعري: (أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين) رواه بن ماجة.
وقد ثبت المسح على الجوربين عن جماعة من الصحابة ﵃ قال ابن المنذر: [يروى المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب النبي ﷺ ، علي وعمار وأبي مسعود الأنصاري وأنس وابن عمر والبراء
стр. 13
وبلال وعبد الله بن أبي أوفى وسهل بن سعد وزاد أبو داود عدداً آخر من الصحابة ثبت عنهم المسح وهم: أبو أمامة وعمرو بن حريث وعمر وابن عباس فهؤلاء ثلاثة عشر صحابياً ثبت عنهم المسح فهذا يدل على أنهم نقلوه عن النبي ﷺ ، لأن مثل هذا الأمر لا يدرك بالعقل.
والمسح على الجوربين رخصة عامة وليست خاصة بفصل الشتاء كما يظن بعض الناس بل يجوز المسح عليهما صيفاً وشتاءً وسفراً وحضراً.
ولكن للمسح مدة محدودة بيوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر وينبغي أن يعلم أنه يشترط لجواز المسح على الجوربين لبسهما على طهارة وتبدأ مدة المسح بعد الحدث فمثلا لو توضأ شخص لصلاة الفجر ولبس جوربيه ثم انتقض وضوءه وعند صلاة الظهر توضأ ومسح عليهما فمن هذا الوقت تبدأ مدة المسح فإن كان مقيما فيجوز له أن يمسح إلى ظهر اليوم التالي وإن كان مسافراً فيمسح إلى ظهر اليوم الثالث.
وهذا هو أصح القولين في المسألة وإذا مضت مدة المسح ولم يحدث المتوضئ فوضوءه صحيح إلى أن يحدث لأن إنتهاء مدة المسح ليس من نواقض الوضوء على الصحيح من أقوال أهل العلم.
الصلاة بالأحذية
يقول السائل: هل تصح الصلاة بالأحذية؟
الجواب: نعم تصح الصلاة والمصلي ينتعل حذاءه ولا بأس بذلك فقد ورد في الحديث الشريف عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ : (أنه صلى فخلع نعليه فخلع الناس نعالهم فلما انصرف قال لهم لم خلعتم؟ قالوا رأيناك خلعت فخلعنا فقال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثا فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه ولينظر فيهما فإن رأى خبثا فليمسحه بالأرض ثم ليصل فيهما) رواه أحمد وأبو داود والبيهقي والحاكم وغيرهم وهو
стр. 14
حديث صحيح صححه الحاكم ووافقه الذهبي وكذلك قال النووي إسناده صحيح، وصححه الألباني.
فهذا الحديث يدل على صحة الصلاة بالنعلين ولا يعني هذا أن ندخل المساجد المفروشة بالسجاد والموكيت بأحذيتنا فإن هذا مناف للذوق السليم، ولكن إن صلينا في الساحات أو في أفنية المساجد نصلي بأحذيتنا ولا شيء في ذلك ولا نبغي لأحد أن ينكر على من يصلي بحذائه لأن هذا الأمر ثابت بالسنة النبوية المطهرة.
السترة بين يدي المصلي
يقول السائل: ماحكم السترة بين يدي المصلي وإذا لم يصل لسترة فإلى أي مدى يجوز المرور بين يديه؟
الجواب: من السنة الثابتة عن النبي ﷺ أن يصلي المصلي إلى سترة بين يديه فالسترة سنة مؤكدة عن الرسول ﷺ بل إن بعض الفقهاء يرون وجوبها.
والمراد بالسترة: أن يضع المصلي بين يديه شيئا أو يصلي إلى شيء كالعمود أو الكرسي أو الشجرة أو نحو ذلك.
ومن الأحاديث الواردة في السترة عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تصل إلا إلى سترة ولا تدع أحداً يمر بين يديك) رواه مسلم.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها ولايدع أحداً يمر بينه وبينها) رواه أبو داود وابن ماجة وابن حبان وهو حديث حسن.
وعن سهل ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها ولا يقطع الشيطان عليه صلاته) رواه أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم وهو حديث صحيح.
стр. 15
وإن صلى المصلي إلى سترة فلا يجوز لأحدٍ أن يمر بينه وبين السترة ويجوز للمصلي أن يدفع المار دون السترة وقد جعل العلماء مقدار دنو المصلي من السترة ثلاثة أذرع فإذا كانت المسافة أكثر من ذلك فيجوز المرور بين يدي المصلي ولا إثم في ذلك.
وإذا لم يصل المصلي إلى سترة فيجوز المرور بين يديه بعد ثلاثة أذرع على قول أكثر أهل العلم.
وينبغي أن يعلم أن المرور بين يدي المصلي إثم عظيم، فقد ورد في الحديث قول الرسول ﷺ : (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه)، وقال أبو النضر - أحد رواة الحديث -: [لا أدري أقال أربعين يوماً أو شهراً أو سنة]. رواه البخاري ومسلم.
والسترة تلزم من يصلي منفرداً وكذلك الإمام وأما من يصلي مأموماً فسترة الإمام سترة له.
الخشوع في الصلاة
يقول السائل: ما حكم الخشوع في الصلاة وما الأمور التي تعين عليه؟
الجواب: الخشوع في الصلاة مطلوب وقد أثنى الله على المؤمنين الخاشعين، يقول الله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ). والخشوع: هيئة في النفس يظهر منها في الجوارح سكون وتواضع كما قال الإمام القرطبي.
وقال قتادة: الخشوع في القلب وهو الخوف وغض البصر في الصلاة وقد وردت نصوص كثيرة في الخشوع منها:
قوله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ).
стр. 16
وقوله تعالى: (قُلْءَامِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا).
ومنها حديث عقبة بن عامر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين يقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة) رواه مسلم.
وورد في حديث عمر بن عبسة أن الرسول ﷺ قال في حديث: ( ... من قام فصلى فحمد الله وأثنى عليه ومجده بالذي هو له أهل وفرغ قلبه لله إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه) رواه مسلم.
وعن عثمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من مسلم يحضر صلاة مكتوبة فيحسن وضوئها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة وذلك الدهر كله) رواه مسلم.
وحكم الخشوع: سنة من سنن الصلاة عند جمهور أهل العلم وقد صححوا صلاة من يفكر بأمر دنيوي إذا كان ضابطاً لأفعال الصلاة، ولا بد من مراعاة الأمور التالية حتى يخشع المصلي في صلاته:
١. أن يستحضر أنه واقف بين يدي الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
٢. أن يحصر فكره في الصلاة ويبعد أي تفكير آخر.
٣. أن يخشع بجوارحه فلا يتحرك ما استطاع إلى ذلك سبيلاً فلا يعبث بشيءٍ من جسده ولا بشيءٍ آخر كملابسه.
٤. أن يتدبر القراءة فبذلك يكمل مقصود الخشوع.
وينبغي أن يعلم أن كثرة الحركة بالصلاة تتنافى مع الخشوع لأن الخشوع كما ذكرت محله القلب ويظهر أثره على الجوارح وقد جعل بعض العلماء الحركة في الصلاة على خمس أقسام:
١. الحركة الواجبة وهي التي تتوقف عليها صحة الصلاة كمن كان يصلي لغير القبلة فنبهه آخر إلى أن القبلة عن يمينه أو يساره مثلاً فيجب عليه أن ينحرف لأنه إن بقي على حاله فصلاته باطلة.
стр. 17
٢. حركة مستحبة وهي التي يتوقف عليها فعل مستحب مثل أن يتقدم المصلي إلى صف أمامه صار فيه فراغ فتحرك ليتم الصف فهذه الحركة مستحبة لأن فيها وصلاً للصف.
٣. حركة مكروهة: وهي الحركة اليسيرة بدون حاجة لأنها عبث منافٍ للخشوع كمن ينظر إلى ساعته أثناء الصلاة.
٤. حركة محرمة: وهي الحركة الكثيرة المتوالية لغير ضرورة كما يحصل من بعض المصلين من كثرة الحركة في الصلاة في إصلاح ملابسهم أو العبث بأجسادهم ونحو ذلك.
ومثل هذه الحركات تكون مبطلة للصلاة ولا شك أن كثرة الحركة في الصلاة تدل على عدم الخشوع وتنقص من الأجر فقد ورد في الحديث أنه ﵊ قال: (منكم من يصلي الصلاة كاملة ومنكم من يصلي النصف والثلث والربع والخمس حتى بلغ العشر) رواه النسائي بإسناد صحيح كما قال الإمام النووي.
٥. حركة مباحة: وهي الحركة اليسيرة للحاجة كالمرأة التي تصلي وابنها يبكي فيجوز لها حمله أثناء الصلاة وقد ثبت: (أن النبي ﷺ حمل أمامة بنت زينب في الصلاة) رواه البخاري ومسلم.
وكما قلت على المسلم أن يستحضر وهو في الصلاة أنه بين يدي ملك الملوك فإن هذا يدفعه إلى الخشوع والسكون وعدم الحركة وما أجمل ما قال الشاعر:
ألا في الصلاة الخير والفضل أجمع ... لأن بها الآراب لله تخضع
وأول فرض من شريعة ديننا ... وآخر ما يبقى إذا الدين يرفع
فمن قام للتكبير لاقته رحمة ... وكان كعبد باب مولاه يقرع
وصار لرب العرش حين صلاته ... نجيا فيا طوباه لو كان يخشع
والآراب: هي الأعضاء.
стр. 18
وقد كان الرسول ﷺ أخشع الناس في صلاته حتى أنه كان يبكي في صلاته كما في الحديث عن مطرف عن أبيه قال: (أتيت الرسول ﷺ وهو يصلي ولجوفه أزير كأزير المرجل، يعني يبكي) رواه النسائي وأبو داود بإسنادٍ صحيح.
وقد ورد عن الصحابة والتابعين والصالحين أمور عجيبة في الخشوع في الصلاة منها أن عبد الله بن الزبير ﵄ كان إذا قام في الصلاة كأنه عود من الخشوع وكان يسجد فتنزل العصافير على ظهره لا تحسبه إلاجذع حائط.
وكان مسلم بن يسار لا يلتفت في صلاته ولقد انهدمت ناحية من المسجد ففزع الناس لهدتها وإنه لفي المسجد يصلي فما التفت.
كان علي بن الحسن ﵄ إذا توضأ اصفر لونه فقيل له: [ما هذا الذي اعتادك عند الوضوء؟ فقال: أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم ... ].
قضاء الصلاة
يقول السائل: كنت تاركاً للصلاة عدة سنوات ثم تبت ورجعت إلى الصلاة فماذا أصنع في صلوات تلك السنين هل أقضيها أم لا؟
الجواب: الحمد الله الذي هداك إلى طريق الحق والصواب وأخرجك من الظلمات إلى النور، وسأبين حكم تارك الصلاة أولاً ثم أجيب على السؤال، فأقول: إن الصلاة عمود الدين وهي ركن من أركان الإسلام ولا خلاف بين علماء المسلمين في كفر تارك الصلاة جحوداً وإنكاراً لها. وأما تارك الصلاة كسلاً وتهاوناً فقد اختلف الفقهاء في حكمه: فيرى الإمام أحمد في أصح الروايات عنه أن تاركها كسلاً وتهاوناً كافر خارج
من ملة الإسلام ينبغي قتله إن لم يتب ويرجع إلى الإسلام
стр. 19
واحتج الإمام أحمد ومن تبعه على ذلك بأدلة كثيرة منها:
١. قوله سبحانه تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ). ففي هذه الآية إشارة إلى أن الكفار هم الذين لا يصلون.
٢. وقال : (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ).
٣. قوله : (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا).
٤. وقول النبي ﷺ : (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) رواه مسلم.
٥. وقوله ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) رواه أصحاب السنن الربعة وأحمد وهو حديث صحيح.
٦. وما جاء في الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵁ أن النبي ﷺ ذكر الصلاة يوماً فقال: (من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم يكن له برهاناً ولا نوراً ولا نجاةً وكان يوم القيامة مع قارون وهامان وفرعون وأبي بن خلف)، رواه بن حبان بسند صحيح رواه أحمد ورجال أحمد ثقات كما قال الهيثمي.
وذهب جمهور الفقهاء إلى عدم كفر تارك الصلاة تهاوناً بل هو فاسق يقتل حداً عند الإمامين مالك والشافعي.
وأما الحنفية فقالوا إنه يحبس ويضرب ضرباً شديداً حتى يصلي ويتوب أو يبقى مسجوناً حتى يموت واحتجوا بأدلة كثيرة منها:
١. قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ).
٢. قول الرسول ﷺ : (لا يحل دم امرء مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة) متفق عليه.
٣. عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله
стр. 20
ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان العمل) متفق عليه.
٤. عن أن أنس أيضاً أن النبي ﷺ قال ومعاذ رديفه على الرحل: (يا معاذ قال: لبيك يارسول الله وسعديك ثلاثاً فقال ﷺ : ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا حرمه على النار) متفق عليه.
٥. عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصة من قلبه) رواه البخاري.
٦. وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (خمس صلوات إفترضهن الله على عباده فمن جاء بهن وقد أكملهن ولم ينتقصهن استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن جاء بهن قد انتقصهن استخفافاً بحقهن لم يكن له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء رحمه) رواه أحمد وابن حبان وهو حديث صحيح. وغير ذلك من الأدلة.
وعلى كل حال فلا يخفى على المسلم إذا امعن النظر أن تارك الصلاة على خطر عظيم بين الكفر والفسق والعياذ بالله.
نعود الآن إلى أصل السؤال حول قضاء الصلاة لمن تركها تهاوناً وتكاسلاً، إن من يرى أن تارك الصلاة تهاوناً كافر لا يطالبه بقضاء ما فاته من الصلوات إذا رجع وتاب لأنه رجع إلى الإسلام من جديد، وهذا قول الحنابلة.
وأما جمهور الفقهاء: فيرون أن عليه قضاء ما فاته من الصلوات مع كونه آثماً ومذنباً ذنباً عظيماً لتركه لها وتأخيرها عن وقتها فيقضي ما فاته منها حسب ما يتيسر له فلا يشترط الترتيب فيها لأن في ذلك نوعاً من الحرج فيقضي حتى يغلب على ظنه أنه قد قضى ما عليه من الفوائت.
ولا بد من تذكير السائل هنا بأن التوبة الصادقة لا بد لها من شروط ثلاثة:
أولها: الإقلاع عن المعصية فلا توبة مع مباشرة الذنب واستمرار الوقوع في المعصية.
стр. 21
ثانيها: الندم على ما مضى وفات فمن لم يندم على ما صدر عنه من المعاصي والآثام فلا توبة له لأن عدم ندمه يدل على رضاه بما كان منه وإصراره عليه.
ثالثها: أن يعزم على عدم العودة إلى المعصية مستقبلاً وهذا العزم ينبغي أن يكون مؤكداً قوياً وعلى التائب أن يكثر من فعل الخيرات ليكسب الحسنات (فإن الحسنات يذهبن السيئات).
حديث مكذوب في تارك الصلاة
يقول السائل: يتداول كثير من الناس حديثاً طويلاً في عقوبة تارك الصلاة وقد طبع هذا الحديث وعلق في المساجد وغيرها فهل ثبت هذا الحديث عن الرسول ﷺ وهذا نص الحديث: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : (من تهاون في الصلاة عاقبه الله بخمسة عشرة عقوبة منها ستة في الدنيا وثلاثة عند الموت وثلاثة في القبر وثلاثة عند خروجه من القبر. أما الستة التي تصيبه في الدنيا:
١. ينزع الله البركة من عمره.
٢. يمسح الله سيما الصالحين من وجهه.
٣. كل عمل يعمله لا يؤجره الله عليه.
٤. لا يرفع له دعاء في السماء.
٥. ليس له حظ في دعاء الصالحين.
٦. تخرج روحه بغير إيمان.
أما الثلاثة التي تصيبه عند الموت فهي:
١. أنه يموت ذليلاً.
٢. أنه يموت جائعاً.
стр. 22
٣. أنه يموت عطشاً ولو سقي ماء الدنيا ما روي من عطشه.
وأما الثلاثة التي تصيبيه في قبره فهي:
١. يضيق الله عليه القبر حتى تختلف ضلوعه.
٢. يوقد الله عليه في قبره ناراً ويتقلب على الجمر ليلاً ونهاراً.
٣. يسلط الله عليه في قبره ثعباناً يسمى الشجاع الأقرع يضربه على ترك صلاة الصبح من الصبح إلى الظهر وعلى تضييع صلاة الظهر من الظهر إلى العصر وهكذا كلما ضربه يغوص في الأرض سبعين ذراعاَ.
وأما الثلاثة التي تصيبه يوم القيامة فهي:
١. يسلط الله عليه من يسحبه إلى نار جهنم على جمر على وجهه.
٢. ينظر الله تعالى إليه بعين الغضب وقت الحساب فيقع لحم وجهه.
٣. يحاسبه الله حساباً شديداً ويأمر الله به إلى النار وبئس القرار.
الجواب: إن هذا الحديث مكذوب على الرسول ﷺ وهذا ظاهر من ركاكة ألفاظه وضعف سياقه وقد نص أهل الحديث على أنه مفترى على النبي ﷺ وقد كذب هذا الحديث وركبه أحد الكذابين على رسول الله ﷺ ويدعى محمد بن علي بن عباس البغدادي العطار.
قال الإمام الذهبي في ميزان الاعتدال: [محمد بن علي بن عباس العطار ركب على أبي بكر بن زياد النيسابوري حديثا باطلاً في تارك الصلاة] ميزان الاعتدال ٣/ ٦٥٣.
ونقل الحافظ ابن حجر كلام الإمام الذهبي وقال الحافظ: [زعم المذكور أن ابن زياد أخذه عن الربيع عن الشافعي عن مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة وقال الحافظ بن حجر: وهو ظاهر البطلان من أحاديث الطرقية]. لسان الميزان ٥/ ٣٣٤.
стр. 23
ذكر الإمام بن عراق الحديث من ضمن الأحاديث المكذوبة على الرسول ﷺ ونقل كلام الإمامين الذهبي وابن حجر ووافقهما على ذلك. تنزيه الشريعة ٢/ ١١٤.
وبهذا يظهر أن الحديث مكذوب وباطل ولا يجوز نشره على الناس ولا تعليقه في المساجد، لأن ذلك من الكذب على الرسول ﷺ . وينبغي على من يرغب في نشر كتيبات أو نشرات تتضمن أحاديث نبوية أن يعرضها على أهل العلم والاختصاص للنظر فيها وتمحيصها قبل نشرها حتى لا يدخل في دائرة الكذب على النبي ﷺ لأن الكذب عليه ﷺ من الكبائر وقد ثبت في الحديث الصحيح قوله: (من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار).
وإن في الأحاديث الثابتة عن الرسول ﷺ ما يغني عن أمثال هذه الأخبار المكذوبة.
السهو في الصلاة
يقول السائل: إذا نسي أو سها في صلاته عن عدد الركعات التي صلاها فماذا يصنع؟
الجواب: إذا شك المصلي في صلاته فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً؟ أو نحو ذلك، فعليه أن يطرح الشك وليبن على اليقين. فمثلاً إذا كان في صلاة العشاء وشك في عدد الركعات التي صلاها أثلاثاً هي أم أربعاً فليطرح الشك وهو الأربع وليبن على الثلاث المتيقن منها أي أنه يعتبر نفسه قد صلى ثلاثاً ويكمل صلاته ويسجد سجدتي السهو قبل السلام. ويدل على ذلك حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثة أم أربعة فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته وإن كان صلى إتماماً لأربع كانت ترغيماً للشيطان) رواه مسلم.
стр. 24
قضاء صلاة الفجر بعد طلوع الشمس
يقول السائل: إن صلاة الصبح تفوته كثيراً فلا يصليها في وقتها وإنما يقضيها بعد طلوع الشمس فما قولكم في ذلك؟
الجواب: إن أداء الصلاة في وقتها فرض ولا بد من المحافظة على أداء الصلوات الخمس في أوقاتها.
يقول الله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ). ويقول ﷺ وقد سئل عن أفضل الأعمال قال: (الصلاة على وقتها) رواه البخاري ومسلم.
وكثير من المصلين يعانون من هذه المشكلة وهي تفويت صلاة الفجر عن وقتها وخاصة في أيام الصيف وأعتقد أن السبب في ذلك في هذه المسألة هو السهر الكثير الذي يترتب عليه ضياع صلاة الفجر، والسهر إذا كان فيما حرم الله فهو حرام كالذين يسهرون إلى ساعة متأخرة في متابعة المسلسلات والتمثيليات والأفلام الساقطة أو في الألعاب المحرمة شرعاً فإن سهرهم هذا يؤدي إلى فوات صلاة الفجر وما أدى إلى الحرام فهو حرام. وعلى الذين يسهرون في الأمور النافعة والمفيدة كطالب العلم الذي يقضي وقته في المذاكرة، على هؤلاء أن يتخذوا الأسباب التي تعينهم على الإستيقاظ وقت الصلاة كأن يتخذوا ساعة منبهة أو يطلبوا من شخص ما أن يوقظهم وقت الصلاة ونحو ذلك فإذا أخذوا بالأسباب ومع ذلك فاتتهم الصلاة فلا إثم عليهم إن شاء الله لقول النبي ﷺ : (ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة) رواه النسائي والترمذي وصححه.
نسيان فريضة
يقول السائل: إذا نسي الإنسان أداء فريضة من الفروض. - أي الصلاة - وتذكر بعد يومين فما هو العمل؟
стр. 25
الجواب: إن الأصل في المسلم أن يحافظ على أداء الصلوات في أوقاتها لأن الشارع الحكيم قد حدد أوقاتاً معلومة للصلوات ينبغي التقيد بها فقال تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا).
وقد أثنى الله على المؤمنين الصادقين الذين يحافظون على صلواتهم بأدائها كما أوجبها الشارع مستكملة الأركان والشروط بقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) إلى أن قال: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) وهذا الكلام الذي ذكرته يكون في حال التذكر واليقظة أما إذا نام الإنسان أو نسي وفاتته صلاة أو صلوات فلا إثم عليه في ذلك. يقول ﷺ : (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه الحاكم والدارقطني وغيرهما وهو حديث صحيح.
وعن أبي قتادة قال: ذكروا للنبي ﷺ نومهم عن الصلاة فقال: (إنه ليس في النوم تفريط وإنما التفريط في اليقظة) رواه النسائي والترمذي وابو داود وصححه الترمذي وقال الحافظ ابن حجر إسناده على شرط مسلم.
ويجب على من نسي صلاة أو نام عنها أن يبادر إلى قضائها لأن من شغلت ذمته بفريضة لا تبرأ إلا بتفريغها لقول الرسول ﷺ : (فدين الله أحق أن يقضى) رواه البخاري.
فعلى هذا السائل أن يبادر إلى قضاء الفريضة التي فاتته حال تذكره لها ويدل على ذلك قول الرسول ﷺ : (إذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها) وهو حديث صحيح وجزء من حديث أبي قتادة السابق.
وقوله ﷺ : (من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك) رواه البخاري ومسلم.
وقوله ﷺ : (إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله يقول: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)) رواه مسلم.
стр. 26
مسابقة الإمام في الصلاة
يقول السائل: إن إمام المسجد الذي يصلي فيه ذو حركة بطيئة في الصلاة فمثلاً إذا كبر للركوع فإن المأمومين يسبقون الإمام في ركوعه وفي سجوده وهكذا فما حكم صلاتهم؟
الجواب: لا يجوز للمأمومين مسابقة إمامهم في الصلاة وعليهم أن يأتوا بأفعالهم وأقوالهم في الصلاة بعد إتيان الإمام بها ويدل على ذلك أحاديث كثيرة منها:
عن أنس بن مالك ﵁ قال: (صلى بنا النبي ﷺ ذات يوم فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه فقال: أيها الناس إني أمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالإنصراف) رواه مسلم.
ومنها قوله ﵊: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا ... ) رواه البخاري ومسلم.
ونلاحظ أن الرسول ﷺ جعل أقوال المأمومين وأفعالهم مترتبة على أقوال وأفعال الإمام.
ومنها عن البراء بن عازب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قال: (سمع الله لمن حمده) لم يحن أحد منا ظهره حتى يقع النبي ﷺ ثم نقع سجوداً بعده. رواه البخاري.
ولهذه الأحاديث وغيرها قرر أهل العلم حرمة مسابقة المأمومين للإمام، إذا تعمدوا ذلك.
إذا اتضح هذا فنقول للسائل إن عليك ألا تسابق إمامك مع علمك ببطء حركته في الركوع والسجود وغيرهما، وعليك أن تقتدي به في أفعاله وأقواله بعد وقوعها منه، وإذا حصل منك مسابقة له خطأً أو جهلاً فعليك الإنتظار حتى يدرك الإمام في الفعل الذي سبقته فيه، وصلاتك صحيحة إن شاء الله.
стр. 27
وعلى هذا الإمام ألا يوقع المصلين في الحرام لأن مسابقة المأمومين لإمامهم محرمة وعليه أن يكبر خلال تأديته للركن وليس قبل الشروع فيه حتى يجنب المصلين الخطأ.
الجمع بين الصلوات للمطر
يقول السائل: هل يجوز الجمع بين الصلوات بسبب المطر؟ وما هي الصلوات التي يجمع بينها؟ وهل يجوز الجمع لمن كان بيته قرب المسجد؟ وهل يجوز الجمع لمن يصلي في البيت؟
الجواب: إن الجمع بين الصلاتين رخصة لدفع الحرج ورفع المشقة عن الناس ومن الأسباب التي يجوز الجمع بسببها بين الصلاتين المطر وهذا مذهب أكثر العلماء وعند الحنفية لا يجوز الجمع بين الصلاتين مطلقاً إلا في الحج فقط.
وقد أجاز جمهور العلماء الجمع بين المغرب والعشاء بسبب المطر جمع تقديم أي تقدم صلاة العشاء فتصلى بعد المغرب مباشرة.
وأما الجمع بين الظهر والعصر بسبب المطر فلا يجوز على مذهب جمهور العلماء، وأجازه الشافعية في أحد القولين عندهم وأرى أن قولهم مرجوح ومذهب الجمهور أقوى دليلاً وأهدى سبيلاً فلا أرى جواز الجمع بين الظهر والعصر بسبب المطر لأن الدليل ورد فقط في المغرب والعشاء دون الظهر والعصر وهو ما رواه الأثرم: أن أبا سلمة بن عبد الرحمن قال: [إن من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء] والظاهر أن قوله من السنة أي سنة الرسول ﷺ . ومما يدل على ذلك ما رواه البيهقي أن عمر بن عبد العزيز كان يجمع بين المغرب والعشاء بسبب المطر. سنن البيهقي ٣/ ١٦٨ - ١٦٩.
والمطر الذي يجوز الجمع بسببه، هو المطر الذي يبل الثياب ويتقيه
стр. 28
عامة الناس وينبغي أن يكون المطر موجوداً عند الجمع وأما ما يفعله بعض الناس من الجمع مع عدم وجود المطر وانقطاعه قبل ساعات من الجمع فهذا لا يجوز ولا ينبغي التساهل في هذا الأمر لأن الجمع رخصة لها سبب وهو المطر فإذا وجد المطر يجوز الجمع وإلا فلا.
ولا يجوز الجمع إلا لمن يصلي مع الجماعة في المسجد ولو كان بيته قريباً من المسجد فيجوز له الجمع. وأما من يصلي في بيته فلا يجوز له الجمع بسبب المطر لأن الجمع يجوز للمشقة التي تلحق بالمصلين مع الجماعة وهذا المعنى مفقود فيمن يصلي في البيت.
صلاة العشاء خلف الإمام في التراويح
يقول السائل: عدة أشخاص فاتتهم صلاة العشاء مع الجماعة ودخلوا المسجد فوجدوا الإمام في التراويح فماذا يصنعون؟ هل يصلون العشاء جماعة لوحدهم؟ أم ماذا يفعلون؟
الجواب: إن الذين تفوتهم صلاة العشاء مع الجماعة ويدركون الإمام في صلاة التراويح فأرى لهم أن يدخلوا مع الإمام بنية صلاة العشاء فيصلون خلف الإمام فإن سلم الإمام قاموا وأتموا صلاة العشاء وأرى أنه لا ينبغي لهم إقامة صلاة جماعة أخرى في المسجد لما في ذلك من تعدد للجماعات ولما فيه من التشويش على الجماعة الأولى الذين يصلون مع الإمام الراتب.
ولما ثبت في الحديث عن جابر: (أن معاذاً كان يصلي مع النبي ﷺ العشاء ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة) رواه البخاي ومسلم.
وجاء في رواية: (هي له تطوع ولهم مكتوبة العشاء) رواها الشافعي والدارقطني. وصححها الحافظ ابن حجر في فتح الباري.
стр. 29
فهذا الحديث يدل على جواز اقتداء من يصلي فريضة بمن يصلي نافلة فيصح لهم أن يصلوا فريضة العشاء خلف الإمام الذي يصلي نافلة التراويح وهذا القول هو أرجح قولي العلماء في المسألة وهو قول الشافعية والخنابلة.
صلاة المسافر ومدة القصر
يقول السائل: ما حكم قصر الصلاة في حق المسافر وما هي المدة التي يقصر فيها وهل يجوز له أن يجمع بين الصلاتين؟
الجواب: إن الإسلام دين يسر وسهولة ومن مقاصد الشرع الحنيف دفع الحرج ورفع المشقة عن المكلفين ولا شك أن السفر فيه نوع من الحرج والمشقة فشرع الإسلام قصر الصلاة والجمع بين الصلاتين وتوضيح ذلك فيما يلي:
أولاً: حكم القصر في السفر: القصر مشروع شرعه الله في كتابه الكريم وعلى لسان رسوله ﷺ يقول الله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) ويلاحظ في الآية الكريمة أن القصر علق على الخوف من فتنة الذين كفروا ولكن هذا التعليق جاء لبيان الواقع حيث إن أغلب أسفار النبي ﷺ في ذلك الوقت كان فيها خوف فيجوز القصر أيضاً حالة الأمن. ويدل على ذلك حديث علي بن أمية قال: [قلت لعمر بن الخطاب: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) فقد أمن الناس قال عمر: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: (صدقة تصدق بها الله عليكم فاقبلوا صدقته)] رواه مسلم وأصحاب السنن.
وقد وردت أحاديث نبوية كثيرة تدل على جواز القصر للمسافر منها حديث ابن عمر ﵁ قال: (صحبت النبي ﷺ فكان لا يزيد في
стр. 30
السفر على ركعتين وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك) رواه البخاري ومسلم.
والقصر رخصة أو سنة عند أكثر العلماء فيجوز للمسافر أن يقصر ويجوز له أن يتم والقصر أفضل إقتداءً بالرسول ﷺ الذي يقول: (إن الله يحب أن تؤتى رخصة كما يكره ان تؤتى معصيته) رواه أحمد وابن حبان وابن خزيمة وصححاه.
ثانياً: مسافة القصر تقدر قي وقتنا الحاضر بحوالي تسعة وثمانين كيلو متراً ويجوز للمسافر القصر إذا قطع تلك المسافة بغض النظر عن وسيلة السفر سواء سافر بالطائرة أو بالسيارة أو بالباخرة.
ثالثاً: مدة القصر، يجوز للمسافر أن يقصر الصلاة ما لم ينو الإقامة في بلد مدة محدودة على خلاف بين فقهاء المذاهب الأربعة في تحديدها:
فقال الحنفية: يجوز للمسافر أن يستمر في قصر الصلاة ما لم ينو الإقامة في بلد خمسة عشر يوماً فإذا نوى الإقامة خمسة عشر يوماً فأكثر فيجب عليه الإتمام.
وعند الشافعية والمالكية والحنابلة: إذا نوى المسافر الإقامة أربعة أيام فأكثر يلزمه الإتمام على خلاف بينهم في احتساب يوم الدخول ويوم الخروج.
وذهب بعض العلماء من أهل الحديث وبعض المعاصرين إلى أن المسافر يجوز له القصر وإن امتدت مدة إقامته في بلد ما إلى سنين ما لم ينو اتخاذ ذلك البلد وطناً، فأجازوا مثلاً لطالب العلم أن يقصر ما دام في البلد الذي يدرس فيه وهو ينوي الرجوع إلى بلده الأصلي. ولكني لا أميل لهذا الرأي وينبغي التقيد في هذه المسألة بقول جمهور العلماء القائلين بتحديد مدة القصر.
رابعاً: الجمع بين الصلاتين للمسافر:
يجوز للمسافر أن يجمع بين الظهر والعصر تقديماً وتأخيراً وكذلك
стр. 31
المغرب والعشاء تقديماً وتأخيراً وقد ثبت ذلك عن الرسول ﷺ بأحاديث منها:
حديث معاذ: (أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصليها جميعاً وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم سار وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب) رواه أحمد وأبو داود والترمذي. فيجوز للمسافر أن يقدم العصر إلى أول وقت الظهر فيصليهما جمعاً وقصراً أي ركعتين للظهر وركعتين للعصر وهذا جمع التقديم ويجوز ان يؤخر الظهر إلى وقت العصر فيصليهما كذلك وهو جمع التاخير وكذلك الحال في المغرب والعشاء.
خامساً: لا بد أن يعلم أن المسافر لا يصير مسافراً بمجرد نية السفر وإنما يصير مسافراً إذا شرع في السفر فعلاً. وبناء على ذلك لا يجوز للمسافر أن يتلبس بأحكام المسافر حتى يبدأ السفر فعلاً فإذا خرج المسافر من حدود بلده الذي يقيم فيه يجوز له أن يقصر ويجمع ويجوز له أن يفطر في رمضان فمثلاً إذا كان الشخص مقيماً في القدس ونوى السفر إلى عكا فلا يقصر ولا يجمع ولا يفطر إلا إذا غادر مدينة القدس ويدل على ذلك حديث أنس قال: (صليت مع رسول الله ﷺ الظهر بالمدينة أربعاً وصليت معه العصر بذي الحليفة ركعتين) رواه البخاري ومسلم.
وذو الحليفة هو المكان المعروف الآن بآبار علي وهو على مشارف المدينة المنورة.
وكثير من الناس يقعون في هذا الخطأ فإذا نوى أحدهم السفر فإنه يصلي الظهر والعصر جميعاً ثم يخرج إلى سفره وهذا غير جائز لأنه لم يشرع في سفره بعد.
стр. 32
لا تصلى الضحى جماعة دائماً
يقول السائل: اعتدنا أن نصلي صلاة الضحى جماعة فما حكم ذلك؟
الجواب: إن صلاة النافلة أو التطوع تنقسم إلى قسمين من حيث صلاتها جماعة:
القسم الأول: ما تشرع فيه صلاة الجماعة كصلاة التراويح وصلاة الكسوف وصلاة العيدين عند من يرى أنها سنة وصلاة الإستسقاء فهذه صلوات الأصل فيها أن تصلى جماعة لأنها ثبتت كذلك عن رسول الله ﷺ .
القسم الثاني: ما لا تسن له الجماعة الراتبة وذلك كالسنن والرواتب وهي سنة الفجر وسنة الظهر القبلية والبعدية وسنة المغرب وسنة العشاء، وكذلك سنة الضحى وتحية المسجد وقيام الليل. فهذه الصلوات كان النبي ﷺ لا يصليها في جماعة راتبة وإنما المشروع أن تصلى فرادى ولكن إن فعلت هذه الصلوات جماعة أحياناً وبشرط أن لا يتخذ ذلك عادة يجوز إن شاء الله ولا بأس به.
وأما إذا اتخذ ذلك عادة وصار لهذه الصلوات جماعة راتبة فهذه بدعة مكروهة مخالفة لهدي المصطفى ﷺ ومما يدل على جواز فعلها جماعةً أحياناً لا دائماً ما ورد عن الرسول ﷺ أنه صلى بعض هذه الصلوات جماعةً أحياناً فمثلاً كان من عادة رسول الله ﷺ أن يصلي قيام الليل منفرداً وهذا في أغلب أحواله ﵊ ولكن ثبت أنه ﷺ صلى قيام الليل جماعة في بعض الحالات منها:
ما ورد في حديث ابن عباس قال: (صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فقمت عن يساره فأخذ رسول الله ﷺ برأسي من ورائي فجعلني عن يمينه) رواه البخاري.
ومنها حديث عتبان بن مالك قال: (يا رسول الله إن السيول لتحول بيني وبين مسجد قومي فأحب أن تأتيني فتصلي في مكان من بيتي أتخذه مسجداً فقال: سنفعل. فلما دخل قال أين تريد؟ فأشرت له إلى ناحية من البيت فقام رسول الله ﷺ فصففنا خلفه فصلى بنا ركعتين) رواه البخاري ومسلم.
стр. 33
وبناء على ما تقدم لا أرى لكم المداومة على صلاة الضحى جماعة وإنما أرى أن تصلوها فرادى وإن صليتموها جماعة أحياناً فلا بأس في ذلك.
صلاة الوتر
يقول السائل: ما حكم صلاة الوتر؟ وهل صحيح ما يقال بأنها تصلى ركعة واحدة؟ وهل القنوت فيها واجب؟
الجواب: صلاة الوتر من السنن المؤكدة الثابتة عن الرسول ﷺ وقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة منها:
عن علي ﵁ قال: الوتر ليس بحتم كالصلاة المكتوبة ولكن سنة سنها رسول الله ﷺ قال: (إن الله وتر يحب الوتر فأوتروا يا أهل القرآن) رواه أبو داوود والترمذي وقال حديث حسن.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أوتروا قبل أن تصبحوا) رواه مسلم.
وتجوز صلاة الوتر بركعة واحدة وكذا بثلاثة أو خمس أو سبع أو تسع ركعات فقد جاء في الحديث عن ابن عمر قال: (قام رجل فقال يا رسول الله كيف صلاة الليل؟ فقال رسول الله ﷺ : صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة) رواه البخاري ومسلم.
وعن ابن عمر ﵁: (أنه كان يسلم بين الركعتين والركعة في الوتر حتى أنه كان يأمر ببعض حاجته) رواه البخاري.
وعن أم سلمة قالت: (كان رسول الله ﷺ يوتر بسبع وخمس لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام) رواه النسائي وابن ماجة وأحمد.
وإذا صلى المسلم الوتر ثلاث ركعات فيجوز فيها ثلاث هيئات كما يلي:
стр. 34
الأولى: أن يصلي ركعتين ثم يسلم وبعدها يأتي بالثالثة.
الثانية: أن يصلي ركعتين ثم يجلس بعد الثانية ثم يأتي بالثالثة كهيئة صلاة المغرب.
الثالثة: أن يصلي الركعات الثلاث متصلة ولا يجلس إلا بعد الثالثة وكل ذلك جائز إن شاء الله ووردت فيه الأحاديث.
أما القنوت في صلاة الوتر فهو سنة وليس بواجب فإذا تركه المصلي فلا شيء عليه والذي ورد عن الرسول ﷺ أنه كان أحياناً يقنت في الوتر وأحياناً أخرى لا يقنت. ويجوز القنوت قبل الركوع وبعده وهو الأفضل والأقوى.
وأفضل وقت لصلاة الوتر آخر الليل في حق من يغلب على ظنه الاستيقاظ في آخر الليل وإلا فليصلي الوتر بعد صلاة العشاء فقد ورد في الحديث عن جابر أن النبي ﷺ قال: (أيكم خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر ثم ليرقد ومن وثق بقيام الليل فليوتر آخره فإن قراءة آخر الليل محضورة وذلك أفضل) رواه مسلم.
ومن السنة في القراءة في الوتر إذا صلى ثلاثاً أن يقرأ في الركعة الأولى سورة الأعلى وفي الثانية سورة الكافرون وفي الثالثة سورة الإخلاص كما ورد في الحديث عن أبي بن كعب: (أن النبي ﷺ كان يقرأ في الوتر سبح اسم ربك الأعلى وفي الركعة الثانية بقل يا أيها الكافرون وفي الثالثة بقل هو الله أحد) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
ومن صلى صلاة الوتر أول الليل ثم رغب أن يصلي في آخر الليل يصلي ما يشاء ولا يعيد الوتر.
стр. 35
لا يوجد سنة قبلية لصلاة الجمعة
يقول السائل: إننا نشاهد أكثر المصلين يوم الجمعة وبعد الإنتهاء من الآذان يقومون فيصلون ركعتين يسمونها سنة الجمعة القبلية فهل ثبت ذلك عن الرسول ﷺ ؟
الجواب: إن قوام هذا الدين في أمرين:
١. ألا يعبد إلا الله.
٢. أن لا يعبد الله إلا بما شرع.
ولقد قرر علماء الإسلام أن الأصل في العبادات التوقيف عن رسول الله ﷺ فنحن في أمورنا مأمورون باتباعه والاقتداء به. قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) وقد بين لنا الرسول ﷺ كيفية الصلاة وعدد ركعاتها وأوقاتها وكل ما يتعلق بها وعلم الصحابة كيف يصلون وصلى أمامهم وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) رواه البخاري.
إني أقر جازماً أنه لم يثبت عن رسول الله ﷺ أنه سن لأمته ركعتين تسميان سنة الجمعة القبلية فلم يثبت ذلك عنه قولاً ولا فعلاً ولم يرد في سنة الجمعة القبلية حديث صحيح صريح وإنما وردت بعض الأحاديث التي لا يعول عليها ولا يحتج بها.
ولا بد من الرجوع إلى هدي المصطفى ﷺ في صلاة الجمعة وكيف كان يفعل حتى نرى هل سن لأمته سنة قبل الجمعة أم لا.
قال العلامة ابن القيم: [وكان إذا فرغ بلال من الآذان أخذ النبي ﷺ في الخطبة ولم يقم أحد يركع ركعتين ولم يكن الآذان إلا واحداً وهذا يدل على أن الجمعة كالعيد لا سنة لها وهذا أصح قولي العلماء وعليه تدل السنة، فإن النبي ﷺ كان يخرج من بيته فإذا رقى المنبر أخذ بلال في آذان الجمعة فإذا أكمله أخذ النبي ﷺ في الخطبة من غير فصل وهذا رأي عين فمتى كانوا يصلون السنة؟ ومن ظن أنهم كانوا إذا فرغ بلال رضي الله
стр. 36
عنه من الآذان قاموا كلهم فركعوا ركعتين فهو أجهل الناس بالسنة]. زاد المعاد في هدي خير العباد ١/ ٤٣١ - ٤٣٢.
ومن المعلوم كما أشار ابن القيم أن الآذان يوم الجمعة كان واحداً على عهد الرسول ﷺ وإنه كان عند جلوس النبي ﵊ على المنبر وكذلك الأمر في خلافة أبي بكر وعمر ﵄ فلما كان عثمان ﵁ زاد الآذان الثاني وعلى هذا يدل حديث السائب بن يزيد ﵁ قال: (كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ فلما كان عثمان ﵁ وكثر الناس زاد النداء الثاني على الزوراء) رواه البخاري.
فما دام أن الأذان كان واحداً وأن الأذان يكون عندما يجلس الإمام على المنبر ومن المتفق عليه عند العلماء أن الصلاة النافلة تنقطع بمجرد جلوس الإمام على المنبر إلا من كان في صلاة فيخففها أو من كان داخلاً إلى المسجد فيصلي ركعتين خفيفتين. فمتى كانوا يصلون السنة القبلية؟
قال الحافظ العراقي: [لم ينقل عن النبي ﷺ أنه كان يصلي قبل الجمعة لأنه كان يخرج إليها فيؤذن بين يديه ثم يخطب] نيل الأوطار ٣/ ٣٨٩. وقال الحافظ بن حجر: [وأما سنة الجمعة التي قبلها فلم يثبت فيها شيء] فتح الباري ٣/ ٦١.
وأما ما ورد في بعض الأحاديث من إشارة إلى سنة الجمعة القبلية فهي أحاديث باطلة أو ضعيفة لا تقوم بها الحجة فمنها ما جاء عن عائشة ﵁: (أنه ﵊ كان يصلي قبل الجمعة ركعتين في بيته) فهذا حديث باطل مكذوب.
ومنها حديث أبي هريرة أنه ﵊: (كان يصلي قبل الجمعة ركعتين وبعدها أربعاً) وهذا حديث ضعيف بهذا السياق ومنها أنه ﵊: (كان يصلي قبل الجمعة أربعاً وبعدها أربعاً) وهذا ضعيف جداً.
وهنالك أحاديث أخرى ضعيفة تكلم عليها الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٣/ ٧٣.
قال الشيخ ناصر الدين الألباني بعد أن ذكر بعض الأحاديث الواهية
стр. 37
في سنة الجمعة القبلية ما نصه: [ولهذا كان جماهير الأمة متفقين على أنه ليس قبل الجمعة سنة مؤقتة بوقت مقدرة بعدد لأن ذلك يثبت بقول النبي ﷺ ولم يسن في ذلك شيئاً لا بقوله ولا بفعله وهذا هو مذهب مالك والشافعي وأكثر الصحابة وهو مشهور في مذهب أحمد]. وقال الحافظ العراقي: [ولم أر للأئمة الثلاثة ندب سنة قبلها] الأجوبة النافعة ص ٣٠ - ٣٢.
وقال الحافظ المناوي في فيض القدير: [ولذلك لم يرد لهذه السنة المزعومة ذكر في كتاب " الأم " للإمام الشافعي ولا في " المسائل " للإمام أحمد ولا عند غيرهما من الأئمة المتقدمين].
وبعد هذه الجولة القصيرة يظهر لنا جلياً أنه لم يثبت عن رسول الله عليه وسلم سنة قبلية للجمعة وإنما الثابت عنه السنة بعد الجمعة فقط.
وينبغي ألا يعتز بكثرة الفاعلين لما يسمى بالسنة القبلية فإن هذه القضية من العبادات والأصل فيها كما ذكرت ما جاء عن الرسول ﷺ من دليل صحيح يحتج به وأما كثرة الفاعلين لها فلا دليل معهم فلا عبرة بفعلهم.
الدروس قبل صلاة الجمعة
يقول السائل: ما هو المشروع في حق المسلم الذي ينتظر صلاة الجمعة؟ وما الحكم في الدروس التي تعقد قبل صلاة الجمعة؟ وكذلك تلاوة القارئ للقرآن الكريم بواسطة مكبرات الصوت قبل صلاة الجمعة؟
الجواب: إن المشروع في حق المسلم قبل صلاة الجمعة أن ينشغل في الصلاة النافلة وفي قراءة القرآن الكريم وبالذات سورة الكهف وفي الأذكار وفي الصلاة على النبي ﷺ وقد ورد في ذلك عدد من الأحاديث عن الرسول ﷺ منها:
١. عن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا
стр. 38
يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر بما استطاع من طهر ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يروح إلى المسجد ولا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت للإمام إذا تكلم إلا غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة الأخرى) رواه البخاري.
٢. وعن أبي أيوب ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب إن كان عنده ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج وعليه السكينة حتى يأتي المسجد فيركع إن بدا له ولم يؤذ أحداً ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى) رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات كما قال الهيثمي.
٣. عن نافع: (أن ابن عمر ﵁ كان يغدو إلى المسجد يوم الجمعة فيصلي ركعات وقال: هكذا كان يفعل رسول الله) رواه أحمد وأبو داود وقال العراقي إسناده صحيح.
٤. عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ : (ذكر يوم الجمعة فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله تعالى إلا أعطاه إياه) رواه البخاري ومسلم.
٥. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال (من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين) رواه النسائي والبيهقي والحاكم وصححه الشيخ الألباني أيضاً.
٦. وعن أوس بن أوس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه الله خلق آدم ... فأكثروا عليّ من الصلاة فيه) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وصححه ابن خزيمة والحاكم وافقه الذهبي.
وأما الجواب عن الشق الثاني من السؤال حول الدروس والتلاوة قبل صلاة الجمعة وخاصة مع استعمال مكبرات الصوت فأرى أن تلك الدروس وتلك التلاوة مخالفة لسنة النبي ﷺ فقد تصل إلى درجة الحرام ولا تقل عن درجة المكروه لأن تلك الدروس وتلك التلاوة تشتمل على إيذاء المصلين والذاكرين والقارئين وهذه أمور منهي عنها ومحرمة شرعاً كما ثبت في
стр. 39
الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف عن الستر وقال: ألا إن كلكم مناجٍ ربه فلا يؤذي بعضكم بعضاً ولا يرفع بعضكم على بعض في قراءة أو قال في الصلاة) رواه أبو داود بإسناد صحيح كما قال الإمام النووي وصححه الشيخ الألباني.
وكذلك ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (إن المصلي مناجٍ ربه فلينظر بما يناجيه ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن) رواه مالك بسند صحيح قاله الشيخ الألباني وروي عن النبي ﷺ قال (يا علي لا تجهر بقراءتك ولا بدعائك حيث يصلي الناس فإن ذلك يفسد عليهم صلاتهم).
وكذلك فإن الدروس التي تعقد قبل صلاة الجمعة وتلاوة القرآن من قبل القارئ مخالفة لما كان عليه الأمر في عهد النبي ﷺ وعهد أصحابه ﵃ وقد ثبت عن الرسول ﷺ أنه نهى عن عقد حلقات الدروس قبل صلاة الجمعة فقد روى أبو داود بسنده: (أن الرسول ﵊ نهى عن البيع والشراء في المسجد وأن تنشد فيه ضالة وأن ينشد فيه شعر ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة) ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وهو حديث حسن كما قال الترمذي والألباني.
قال الإمام البغوي: [وفي الحديث كراهية التحلق والاجتماع يوم الجمعة قبل الصلاة لمذاكرة العلم بل يشتغل بالذكر والصلاة والإنصات للخطبة ثم لا بأس بالاجتماع والتحلق بعد الصلاة في المسجد وغيره] شرح السنة ٢/ ٣٧٤.
وبهذه المناسبة فإني أناشد أئمة المساجد والمسؤولين عن المساجد أن يوقفوا هذه الدروس والتلاوة قبل صلاة الجمعة وأن يمنعوا التشويش على عباد الله فهم في ذلك الوقت ما بين راكع وساجد وذاكر وقارئ ومتفكر وعليهم أن يسعوا إلى إحياء سنة المصطفى ﷺ كما وأن الموعظة الحاصلة بخطبتي الجمعة تغني عن الدروس ومن شاء أن يدرس فليكن ذلك بعد
صلاة الجمعة
стр. 40
يحرم ترك صلاة الجمعة بسبب العمل
يقول السائل: أعمل في أحد المصانع وتفوتني صلاة الجمعة غالباً لأن صاحب العمل يمنعني من ترك العمل يوم الجمعة فما الحكم في ذلك؟
الجواب: من المعلوم أن صلاة الجمعة فرض على كل مكلف بها لقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
وصلاة الجمعة هي فرض الوقت يوم الجمعة وليس صلاة الظهر كما يظن بعض الناس فصلاة الجمعة هي الأصل وصلاة الظهر بدل عنها. ولا يجوز للمسلم المكلف بصلاة الجمعة أن يتركها لغير عذر شرعي وقد حذر الرسول ﷺ من يترك الجمعة لغير عذر وأن تاركها يطبع الله على قلبه فيصير قلبه قلب منافق والعياذ بالله وقد ورد في ذلك أحاديث منها:
١. عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: (لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم) رواه مسلم.
٢. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لينتهين أقوام عن ودعهم - أي تركهم - الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين) رواه مسلم.
٣. وعن أبي الجعد الضمري أن النبي ﷺ قال: (من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه) رواه أصحاب السنن وغيرهم وهو حديث صحيح.
٤. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا هل عسى أحدكم أن يتخذ الصبة من الغنم على رأس ميل أو ميلين فيتعذر عليه الكلأ فيرتفع ثم تجيء الجمعة فلا يجيء ولا يشهدها وتجيء الجمعة فلا يشهدها فيطبع على قلبه) رواه ابن ماجة وابن خزيمة في صحيحه وهو حديث حسن كما قال الشيخ الألباني.