Полный текст (3 492 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
وأجيب بأنه محمول على الغالب , ولا يرد على ذلك ما رواه أبو داود وغيره عن عائشة قالت (ما رأيت رسول الله ﷺ صائماً العشر قط) لاحتمال أن يكون ذلك لكونه كان يترك العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يفرض على أمته , كما رواه الصحيحان من حديث عائشة أيضاً] فتح الباري ٢/ ٥٩٣ .......
وقال الشوكاني: [وأما ما أخرجه مسلم عن عائشة أنها قالت ما رأيت رسول الله ﷺ صائماً في العشر قط) وفي رواية (لم يصم العشر قط) فقال العلماء المراد أنه لم يصمها لعارض مرض أو سفر أو غيرهما أو أن عدم رؤيتها له صائماً لا يستلزم العدم على أنه قد ثبت من قوله ما يدل على مشروعية صومها كما في حديث الباب فلا يقدح في ذلك عدم الفعل] نيل الأوطار ٤/ ٣٢٤.
وقال الشوكاني أيضاً: [وقد أخرج مسلم عن عائشة أنها قالت ما رأيت رسول الله ﷺ صائماً في العشر قط) وفي رواية (لم يصم قط) وعدم رؤيتها وعلمها لا يستلزم العدم] الدراري المضية ١/ ٢٣٠.
وبهذا يظهر لنا أنه لا تعارض بين النصوص التي حثت على صوم هذه الأيام وبين حديث عائشة ﵂ أنه ﷺ لم يُرَ صائماً فيها.
وخلاصة الأمر أنه يسن صوم الأيام التسعة الأوائل من ذي الحجة وخاصة صوم يوم عرفة لغير الحاج وأما صوم يوم العيد فيحرم وينبغي على المسلم أن يكثر من الأعمال الصالحة في هذه الأيام المفضلة شرعاً .......
стр. 1822
الأضحية والعقيقة
стр. 1823
لا تفوت الأضحية بسبب فرض نظام حظر التجول
طوال أيام العيد الأربعة
يقول السائل: إنه يعمل في جمعية خيرية وهذه الجمعية الخيرية تتولى ذبح الأضاحي التي يتبرع بها المحسنون وفي هذا العام فرض نظام حظر التجول على منطقتهم حتى خرجت أيام التشريق ولديهم أكثر من مئتي أضحية لم تذبح ولم يتمكنوا من ذبحها لصعوبة الظروف والأحوال فهل يجوز لهم ذبحها بعد انتهاء أيام التشريق؟
الجواب: آخر وقت ذبح الأضحية هو غروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق أي أن وقت الذبح هو يوم العيد وثلاثة أيام بعده وهذا هو الراجح من أقوال أهل العلم ونقل هذا القول عن عمر بن عبد العزيز وسليمان بن موسى الأسدي فقيه أهل الشام وبه قال عطاء والحسن والأوزاعي ومكحول واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والشوكاني وهو قول الشافعية.
ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن جبير بن مطعم ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال:
(كل فجاج مكة منحر، وكل أيام التشريق ذبح) رواه أحمد وابن حبان وصححه ورواه البيهقي والطبراني في الكبير والبزار والدراقطني وغيرهم. وقال الهيثمي: [رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير
стр. 1824
إلا أنه قال: (وكل فجاج مكة منحر) ورجاله موثقون] مجمع الزوائد٣/ ٢٥١.
وقال الحافظ ابن حجر: [أخرجه أحمد لكن في سنده انقطاع، ووصله الدارقطني ورجاله ثقات] فتح الباري ١٢/ ١٠٣ وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع ٢/ ٨٣٤
واحتجوا بأن هذا القول قد نقل عن علي وابن عباس وعطاء وعمر بن عبد العزيز، فقد روى البيهقي بإسناده عن ابن عباس قال: الأضحى ثلاثة أيام بعد يوم النحر.
وروى أيضاً عن الحسن وعطاء قالا: يُضَحَّى إلى آخر أيام التشريق.
وروى أيضاً عن عمر بن عبد العزيز قال: الأضحى يوم النحر وثلاثة أيام بعده) سنن البيهقي ٩/ ٢٩٦ - ٢٩٧. هذا هو القول الراجح في المسألة في الظروف والأحوال العادية .......
وأما في الظروف والأحوال الاستثنائية كما ذكر في السؤال من فرض نظام حظر التجول وما قد يترتب على الخروج من البيوت خلال فرض نظام حظر التجول من مخاطر شديدة على الناس فإنه يجوز ذبح الأضاحي بعد انتهاء آخر وقت الذبح ومن المعلوم عند العلماء أن الضرورات تبيح المحظورات وفي الحالة المسؤول عنها فقد تتعرض حياة الناس للخطر فيباح لهم الذبح خارج الوقت. وكذلك فإن الله لا يكلف الناس إلا بما يطيقون. قال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) سورة البقرة الآية ٢٨٦. وقال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَاءَاتَاهَا) سورة الطلاق الآية ٧. ويقول تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) سورة التغابن الآية ١٦.
وغير ذلك من النصوص الشرعية التي تدل على أن التكليف يكون بقدر الوسع وكذلك فإن الحنفية والمالكية يرون أنه إذا فات الإنسان وقت الأضحية ولم يضح فإنها تقضى قال الكاساني: [ومنها أنها تقضى إذا فاتت عن وقتها والكلام فيه في موضعين: أحدهما: في بيان أنها مضمونة بالقضاء في الجملة. والثاني: في بيان ما تقضى به. أما الأول: فلأن وجوبها في الوقت إما لحق العبودية أو لحق شكر النعمة أو لتكفير الخطايا لأن
стр. 1825
العبادات والقربات إنما تجب لهذه المعاني وهذا لا يوجب الاختصاص بوقت دون وقت فكان الأصل فيها أن تكون واجبة في جميع الأوقات وعلى الدوام بالقدر الممكن إلا أن الأداء في السنة مرة واحدة في وقت مخصوص أقيم مقام الأداء في جميع السنة تيسيراً على العباد فضلاً من الله ورحمة كما أقيم صوم شهر في السنة مقام جميع السنة وأقيم خمس صلوات في يوم وليلة مقام الصلاة آناء الليل وأطراف النهار فإذا لم يؤد في الوقت بقي الوجوب في غيره لقيام المعنى الذي له وجبت في الوقت] بدائع الصنائع ٤/ ٢٠٢ .......
ولكن الحنفية يرون أن قضاء الأضحية يكون بالتصدق بعين الشاة حية أو بقيمة الشاة انظر المصدر السابق ٤/ ٢٠٢.
ويرى الحنابلة أن الأضحية المعينة وكذا المنذورة تذبح إن فات وقت الذبح.
قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [إذا فات وقت الذبح ذبح الواجب قضاءً وصنع به ما يصنع بالمذبوح في وقته] المغني ٩/ ٤٥٤. وقال مستدلاً لذلك: [ولنا أن الذبح أحد مقصودي الأضحية فلا يسقط بفوات وقته كتفرقة اللحم وذلك أنه لو ذبحها في الأيام ثم خرجت قبل تفريقها فرقها بعد ذلك] المغني ٩/ ٤٥٤.
وينبغي أن يعلم أن من أهل العلم من قال إن وقت ذبح الأضحية يستمر حتى نهاية شهر ذي الحجة وهذا قول أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار من التابعين وبه قال ابن حزم الظاهري. المحلى ٦/ ٣٩ - ٤١.
واحتجوا بما رواه البيهقي بإسناده عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار أنه بلغهما أن رسول الله ﷺ قال: (الضحايا إلى آخر الشهر لمن أراد أن يستأني ذلك). قال ابن حزم: [وهذا من أحسن المراسيل وأصحها] المحلى ٦/ ٤٣. وفي رواية أبي حامد أن نبي الله ﷺ قال: (الضحايا إلى هلال المحرم لمن أراد أن يستأني ذلك) رواه أبو داود في المراسيل.
стр. 1826
وما رواه البيهقي بإسناده عن يحيى بن سعيد قال: [سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف يقول: إنْ كان المسلمون ليشتري أحدهم الأضحية فيسمنها فيذبحها بعد الأضحى آخر ذي الحجة].
ثم قال البيهقي: [حديث أبي سلمة وسليمان مرسل، وحديث أبي أمامة حكاية عمن لم يسم] سنن البيهقي ٩/ ٢٩٧ - ٢٩٨ ......
وقال الحافظ ابن حجر عند ذكر رواية يحيى بن سعيد قال: [سمعت أبا أمامة بن سهل. قال كنا نسمن الأضحية بالمدينة وكان المسلمون يسمنون]. قال الحافظ ابن حجر: [وصله أبو نعيم في المستخرج من طريق أحمد بن حنبل عن عباد بن العوام أخبرني يحيى بن سعيد وهو الأنصاري ولفظه: (كان المسلمون يشتري أحدهم الأضحية فيسمنها ويذبحها في آخر ذي الحجة) قال أحمد هذا الحديث عجيب] فتح الباري ١٢/ ١٠٥.
قال ابن حزم: [الأضحية فعل خير وقربة إلى الله تعالى، وفعل الخير حسن في كل وقت، قال الله تعالى: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ) فلم يخص تعالى وقتاً من وقت، ولا رسوله ﵊؛ فلا يجوز تخصيص وقت بغير نص فالتقريب إلى الله تعالى بالتضحية حسن ما لم يمنع منه نص أو إجماع، ولا نص في ذلك ولا إجماع إلى آخر ذي الحجة] المحلى ٦/ ٤٢.
ولكن هذا القول ضعيف وما احتجوا به عليه لا يصلح دليلاً قال الشيخ الألباني عن حديث: [(الضحايا إلى هلال محرم لمن أراد أن يستأني ذلك) ضعيف أخرجه البيهقي وكذا أبو داود في المراسيل من طريقين عن أبان بن يزيد: ثنا يحيى بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم: حدثني أبو سلمة وسليمان بن يسار أنه بلغهما: أن رسول الله ﷺ قال: فذكره. قلت - الألباني -: وهذا إسناد ضعيف لإرساله ورجاله ثقات] السلسلة الضعيفة ٩/ ١٠٦. وضعفه الألباني أيضاً في ضعيف الجامع الصغير ص٥٢٦ .......
وقال الشيخ أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم أبادي معلقاً على رواية الدارقطني بسنده عن أبي سلمة وسليمان بن يسار أنه بلغهما أن
стр. 1827
رسول الله ﷺ قال: (الضحايا إلى آخر الشهر لمن أراد أن يستأني ذلك) قال أبو الطيب: [قوله: أنه بلغهما. وأخرجه أبو داود في مراسيله (الضحايا إلى هلال المحرم لمن أراد أن يستأني ذلك) ذكره الشعراني في البدر المنير وقال الحافظ جمال الدين المزي في الأطراف حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار أنه بلغهما أن رسول الله ﷺ قال: ......
(الأضاحي إلى هلال المحرم إذا أراد أن يستأني ذلك أخرجه أبو داود في المراسيل عن موسى بن إسماعيل عن أبان عن يحيى عن محمد بن إبراهيم عن سليمان بن يسار مولى ميمونة وأبي سلمة بن عبد الرحمن انتهى. وقال الحافظ في فتح الباري: أخرج أبو نعيم في المستخرج من طريق أحمد بن حنبل عن عباد بن العوام أخبرني يحيى بن سعيد وهو الأنصاري سمعت أبا أمامة بن سهل قال: كان المسلمون يشتري أحدهم الأضحية فيسمنها ويذبحها في آخر ذي الحجة قال أحمد: هذا الحديث عجيب انتهى. قال الحافظ: وهو قول عمر بن عبد العزيز وأبي سلمة وسليمان بن يسار وغيرهم وقال به ابن حزم متمسكاً بعدم ورود نص بالتقييد وأخرج ما رواه ابن أبي شيبة من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار قالا: عن النبي ﷺ مثله قال: أي ابن حزم وهذا سند صحيح إليهما لكنه مرسل انتهى. وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره: وقيل إن وقت الذبح يمتد إلى آخر ذي الحجة وبه قال إبراهيم النخعي وأبو سلمة بن عبد الرحمن وهو قول غريب انتهى. قلت: رواية سليمان بن يسار مرسلة لا يحتج بها. وكذا أثر أسعد أبي أمامة بن سهل لا تقوم به الحجة لأنه ليس من قبيل المرفوع بل ولا الموقوف لأن أبا أمامة بن سهل بن حنيف ولد قبل وفاة النبي ﷺ لعامين فليس مراسيله كمراسيل الصحابة] التعليق المغني على الدارقطني ٤/ ٢٧٥ - ٢٥٨.
إذا تقرر هذا فلا يصح الاعتماد على هذا الحديث ولا على ما قاله أبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار ولا على ما قاله ابن حزم.
وخلاصة الأمر أنه لا يجوز ذبح الأضاحي بعد فوات وقتها الشرعي إلا للضرورة الملحة كما في حالة فرض نظام حظر التجول طوال أيام العيد
стр. 1828
الأربعة، فيجوز ذبح الأضاحي وإن خرج وقت الذبح، ولكن يجب المسارعة في ذلك بمجرد زوال العذر .......
حكم الاستدانة ليعق عن المولود
يقول السائل: إنه رزق ببنت ولا يملك ثمن العقيقة فهل يستدين ليعق عن بنته؟
الجواب: العقيقة من السنن الثابتة عن النبي- ﷺ فقد ثبت في الحديث عن سلمان بن عامر الضبي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دماً وأميطوا عنه الأذى) رواه البخاري.
وعن سَمُرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويحلق ويسمَّى) رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حسن صحيح.
وعن ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ عقّ عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً) رواه أبو داود وقال النووي: إسناده صحيح. المجموع ٨/ ٤٢٨ وغير ذلك من الأحاديث.
ولا شك أن إحياء السنن النبوية أمر مطلوب شرعاً من المسلم فينبغي المحافظة على هذه السنة في حق كل من كان مستطيعاً لها، فالأفضل لمن أراد العقيقة أن يكون مستطيعاً فإذا كانت الواجبات الشرعية كالحج قد اشترط فيها الاستطاعة فمن باب أولى السنن.
وقال بعض أهل العلم إن العقيقة مشروعة في حق الفقير الذي لا يملك ثمنها، بل إن الإمام أحمد يرى أنه يستحب للمسلم إن كان معسراً أن يستقرض ويشتري عقيقة ويذبحها إحياءً للسنة، وقد ورد عن الإمام أحمد وقد سئل عن العقيقة إن استقرض، قال الإمام أحمد: [رجوت أن يخلف الله عليه، أحيا سنة]. وسأله ابنه صالح: [الرجل يولد له وليس عنده
стр. 1829
ما يعق أحب إليك أن يستقرض ويعق عنه أم يؤخر ذاك حتى يوسر؟ قال: أشد ما سمعنا في العقيقة حديث الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ : (كل غلام مرتهن بعقيقته) وإني لأرجو إن استقرض أن يعجل الله الخلف لأنه أحيا سنة من سنن رسول الله ﷺ واتبع ما جاء عنه. تحفة المودود ص ٥٠ - ٥١ .......
وعقَّب ابن المنذر على كلام الإمام أحمد بقوله: [صدق أحمد إحياء السنن واتباعها أفضل وقد ورد فيها من الأخبار التي رويناها ما لم يرد في غيرها ولأنها ذبيحة أمر النبي ﷺ بها فكانت أولى كالوليمة والأضحية] المغني ٩/ ٤٦٠
وقال ابن القيم معقباً على كلام الإمام أحمد ما نصه: [وهذا لأنه سنة ونسيكة مشروعة بسبب تجدد نعمة الله على الوالدين وفيها سر بديع موروث عن فداء إسماعيل بالكبش الذي ذبح عنه وفداه الله به فصار سنة في أولاده بعده أن يفدي أحدهم عند ولادته كما كان ذكر اسم الله عليه عند وضعه في الرحم حرزاً له من ضرر الشيطان ... ] تحفة المودود ص٥١
وينبغي أن يعلم أن كثيراً من الناس ينفقون نفقات باهظة عند الولادة في شراء الملابس والحلويات وغيرها ويقيمون حفلات عيد الميلاد المحرمة شرعاً ويبخلون عن العقيقة فلا يعقون عن أولادهم.
وخلاصة الأمر أن من لم يملك ثمن العقيقة فلا يلزمه أن يستدين ليعق، ولكن إن استدان وعق فله الأجر والثواب ودَينهُ مقضيٌ بإذنه تعالى لأنه أحيا سنة نبوية .......
стр. 1830
المعاملات
стр. 1831
المزارعة والإجارة ليستا من طرق تملك الأرض
يقول السائل: ما قولكم فيما انتشر بين الناس أن من تكون عنده أرض لغيره يزرعها لفترة طويلة كعشرين سنة مثلاً ثم يريد صاحب الأرض استرجاعها وإلغاء عقد المزارعة فيطالب المزارع بتملك جزء من الأرض بحجة أنه كان يعتني بالأرض ويزرعها ويرفض إعادة الأرض لصاحبها إلا باقتطاع جزء منها فما حكم الشرع في ذلك؟
الجواب: إن طرق تملك الأرض في الشريعة الإسلامية لا تخرج عن خمسة وهي:
أولاً: تملك بالبيع والشراء كأن يشتري شخص قطعة أرض فيصبح مالكاً لها حر التصرف فيها بعد إتمام عقد البيع.
ثانياً: تملك بالهبة: كأن يهب شخص آخر قطعة أرض فيملكها الثاني مجاناً فيصبح حر التصرف فيها.
ثالثاً: تملك بإحياء الأرض الموات وهي الأرض التي لا حق فيها لأحد ولا ملك وسأفصل ما يتعلق بإحياء الموات فيما بعد.
رابعاً: التملك بالإقطاع وهو أن يقطع إمام المسلمين بعض الرعية أرضاً مواتاً لإحيائها وإعمارها فيصير مالكاً لها
стр. 1832
خامساً: التملك بالميراث كأن يرث شخص أرضاً عن أبيه فيصير مالكاً لها.
هذه هي طرق تملك الأرض عند العلماء وأما المزارعة فليست طريقاً لتملك الأرض لأن المزارعة في حقيقتها إنما هي فرع من الإجارة والإجارة تعني تملك المنفعة ولا تعني تملك العين المؤجرة فمهما طالت مدة الإجارة تبقى العين المؤجرة ملكاً لصاحبها فلو أن شخصاً سكن في بيت بالإجارة لمدة خمسين عاماً فيبقى البيت لصاحبه ولا يصير ملكاً للمستأجر أبداً. فالمزارعة وهي عقد على الزرع ببعض الخارج من الأرض فلو اتفق مزارع مع صاحب أرض على أن يزرع أرضه مقابل ثلث المحصول واتفقا على أن مدة العقد عشرين سنة فلا يعني هذا العقد أن المزارع يملك شيئاً من الأرض مهما طالت مدة المزارعة.
ولعل بعض الناس يظن أنه يتملك الأرض بعد طول المدة لأنه أحياها ولعلهم يحتجون بقول النبي ﷺ : (من أحيا أرضاً ميتة فهي له) رواه الترمذي وقال حسن صحيح وصححه الألباني في إرواء الغليل ٦/ ٤.
وهذا الفهم خاطئ تماماً لأن المقصود بإحياء الأرض الموات هي الأرض التي لا مالك لها ولم يتعلق بها أي حق لمسلم أو غير مسلم.
فقد روى البخاري في صحيحه بسنده أن النبي ﷺ قال: (من أعمر أرضاً ليست لأحد فهو أحق بها)، والشاهد في الحديث قوله ﷺ (ليست لأحد).
وقد ذكر العلماء شروطاً لصحة إحياء الأرض الموات منها أن لا تكون الأرض ملكاً لأحد مسلم أو ذمي وهذا الشرط باتفاق أهل العلم ومنهم من شرط أن يكون الإحياء بإذن الإمام ومنهم من شرط أن تكون الأرض خارج البلد. انظر تفصيل هذه الشروط في ملكية الأرض ص١١٨ فما بعدها .......
وبهذا يظهر لنا أن إحياء الأرض الموات لا يكون في الأراضي المملوكة للناس وإن ترك أصحابها استغلالها ويجب تحذير من يستولون
стр. 1833
على أراضي الناس الآخرين بغير حق وأن هذا من الظلم. وقد حرم الله الظلم قال الله تعالى: (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ) سورة غافر الآية ١٨ وقال تعالى: (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ) سورة الحج الآية ٧١.
وجاء في الحديث القدسي فيما يرويه النبي ﷺ عن رب العزة والجلال: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا) رواه مسلم.
وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم) رواه مسلم.
وجاء في خطبة الوداع قول النبي ﷺ : (ألا إن الله حرم عليكم دمائكم وأموالكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) رواه البخاري.
وحذر النبي ﷺ أشد التحذير من غصب الأراضي وأخذها من أصحابها بغير حق فقد جاء في الحديث عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين) متفق عليه
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من أخذ من الأرض شبراً بغير حقه طوقه من سبع أرضين) رواه أحمد بإسنادين أحدهما صحيح، ورواه مسلم إلا أنه قال:
(لا يأخذ أحد شبراً من الأرض بغير حقه إلا طوقه الله إلى سبع أرضين يوم القيامة) قوله: (طوقه من سبع أرضين) قيل: أراد طوق التكليف لا طوق التقليد وهو أن يطوق حملها يوم القيامة وقيل: إنه أراد أنه يخسف به الأرض فتصير البقعة المغصوبة في عنقه كالطوق .......
جاء في الحديث عن سالم عن أبيه قال: قال النبي ﷺ : (من أخذ من الأرض شبراً بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين) رواه البخاري.
وعن يعلى بن مرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (أيما
стр. 1834
رجل ظلم شبراً من الأرض كلفه الله أن يحفره حتى يبلغ به سبع أرضين ثم يطوقه يوم القيامة حتى يقضى بين الناس) رواه أحمد والطبراني وابن حبان وفي رواية لأحمد والطبراني عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من أخذ أرضاً بغير حقها كلف أن يحمل ترابها إلى المحشر). وقال الألباني: صحيح.
وعن أبي مالك الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أعظم الغلول عند الله ذراع من الأرض تجدون الرجلين جارين في الأرض أو في الدار فيقتطع أحدهما من حظ صاحبه ذراعاً إذا اقتطعه طوقه من سبع أرضين) رواه أحمد بإسناد حسن والطبراني في الكبير. وقال الألباني: حسن صحيح.
وعن وائل بن حجر ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ : (من غصب أرضاً ظلماً لقي الله وهو عليه غضبان) رواه الطبراني من رواية يحيى بن عبد الحميد الحماني. وقال الألباني: صحيح. انظر صحيح الترغيب والترهيب ٢/ ٣٧٩ - ٣٨١.
وخلاصة الأمر أنه يحرم على المسلم أن يأخذ أي جزء من أرض غيره بحجة أنه استأجرها سنوات طويلة لأن المزارعة والإجارة ليستا من طرق تملك الأرض وإنما هما ملك للمنفعة لا ملك للعين.
وإن غصب الأرض ظلم عظيم وجريمة كبيرة عقابها في الآخرة شديد والعياذ بالله .......
دفع الأجرة حسب السنة الهجرية
يقول السائل: استأجر رجل شقة سكنية واتفق مع مالكها على الأجرة السنوية ولكن صاحب العمارة يطالب بأن تدفع الأجرة حسب السنة الهجرية وليس حسب السنة الميلادية مع العلم أنه لم يتم ذكر السنة الهجرية عند العقد؟
الجواب: يجب أن يعلم أن التاريخ الهجري هو سمة من سمات
стр. 1835
الأمة الإسلامية لا يجوز الاستغناء عنه ولا استبداله بالتاريخ الميلادي بشكل تام.
ومن المعلوم أن عمر بن الخطاب ﵁ هو الذي سنَّ فكرة التأريخ من أول محرم، [قال ابن الأثير: والصحيح المشهور أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر بوضع التأريخ والسبب في ذلك: أن أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر أنه يأتينا منك كتب ليس لها تأريخ. فجمع عمر الناس للمشورة فقال بعضهم: أرخ بمبعث النبي ﷺ وقال بعضهم: بمهاجرة رسول الله ﷺ ، فقال عمر: بل نؤرخ بمهاجرة رسول الله ﷺ فإن مهاجرته فرق بين الحق والباطل، قال الشعبي: وقال محمد بن سيرين: قام رجل إلى عمر، فقال: أرخوا، فقال عمر: ما أرخوا؟ فقال: شيء تفعله الأعاجم في شهر كذا من سنة كذا، فقال عمر حسن فأرخوا فاتفقوا على الهجرة ثم قالوا: من أي الشهور؟ فقالوا: من رمضان، ثم قالوا: فالمحرم هو منصرف الناس من حجهم وهو شهر حرام فأجمعوا عليه] التشبه المنهي عنه ص ٥٤٣ - ٥٤٤.
إن علماء الأمة قد كرهوا استعمال التقويم الميلادي لما له من ارتباط ديني عند النصارى وهو ميلاد عيسى ﵇ ولا يجوز التشبه بهم في أمر دينهم، فالأصل عند المسلمين هو استعمال التقويم الهجري حيث إن هذا التقويم مرتبط بعبادات المسلمين كصوم رمضان والحج والزكاة وغير ذلك .......
قال القرطبي: تعليقاً على قوله تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ) سورة التوبة الآية ٣٦. قال: [هذه الآية تدل على أن الواجب تعليق الأحكام في العبادات وغيرها إنما يكون بالشهور والسنين التي تعرفها العرب دون الشهور التي تعتبرها العجم والروم والقبط وإن لم تزد على اثني عشر شهراً لأنها مختلفة الأعداد منها ما يزيد على ثلاثين ومنها ما ينقص وشهور العرب لا تزيد على ثلاثين وإن كان منها ما ينقص] تفسير القرطبي ٨/ ١٣٣.
стр. 1836
والأصل أن نستعمل التقويم الهجري ولا بأس باستعمال التقويم الميلادي إلى جانبه. ولكن ومع الأسف الشديد تخلى المسلمون بشكل عام عن التقويم الهجري واستعملوا التقويم الميلادي وصار التقويم الميلادي هو المعتمد في كل شؤون الناس تقريباً وفي مختلف شؤون الحياة ومن ضمن ذلك عقود الاستئجار وصار هذا عرفاً عاماً عند الناس فإذا استأجر شخص بيتاً لمدة سنة واحدة على أن يدفع الأجرة في آخرها. فالمعروف عند الناس أنها سنة ميلادية ويجب دفع الأجرة في ٣١ كانون الثاني.
واستعمال التقويم الميلادي بهذه الطريقة واستبعاد التقويم الهجري لا شك أنه أمر محزن وهو من مظاهر ضعف المسلمين وهوانهم والمشتكى إلى الله.
ومع ذلك فإن عرف الناس باستعمال التقويم الميلادي في معاملاتهم معتبر شرعاً ويجب الالتزام به ما دام لم ينص على غيره والعرف والعادة يجب الالتزام بهما شرعاً عند عدم مخالفة نص شرعي أو شرط لأحد المتعاقدين وقد وضع الفقهاء عدة قواعد فقهية مبنية على اعتبار العرف والعادة منها قاعدة (العادة محكمة) أي أن للعادة في نظر الشارع حاكمية تخضع لها أحكام التصرفات فتثبت تلك الأحكام على وفق ما تقضي به العادة أو العرف إذا لم يكن هناك نص شرعي مخالف لتلك العادة. انظر المدخل الفقهي فقرة ٦٠٤ .......
ومنها قاعدة (استعمال الناس حجة يجب العمل بها). ومنها قاعدة (المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً) ومعنى ذلك إن ما تعارف الناس عليه في معاملاتهم فهو قائم مقام الشرط وإن لم يذكر صراحة في العقد.
وبناء على ما تقدم فلا يجوز شرعاً لصاحب العمارة أن يطالب المستأجر بدفع أجرة الشقة حسب التقويم الهجري لأن العرف العام جار باستعمال التقويم الميلادي وعرف الناس معتبر. قال العلامة ابن عابدين الحنفي في منظومته:
والعرف له اعتبار .. فلذا الحكم عليه قد يدار
стр. 1837
انظر نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف في الجزء الثاني من رسائل العلامة ابن عابدين ص١١٢.
ولا يقبل تفسير مالك العمارة للسنة بأنها هجرية مع أن العرف العام يقرر أنها السنة الميلادية فلو فرضنا أن شخصاً أجّر بيتاً لآخر بمائة دينار في الشهر وكانا يسكنان في الضفة الغربية ولم يذكرا أن المقصود بالدينار هو الدينار الأردني فقال صاحب البيت أريد مائة دينار كويتي فنقول له مطالبتك باطلة لأن الدينار في بلادنا إذا أطلق ينصرف إلى الدينار الأردني فقط ولا ينصرف إلى غيره إلا بالنص عليه.
ونقل ابن عابدين عن ابن نجيم قوله: [أما العادة إنما تعتبر إذا اطردت أو غلبت ولذا قالوا في البيع لو باع بدراهم أو دنانير في بلد اختلف فيها النقود مع الاختلاف في المالية والرواج انصرف إلى الأغلب قال في الهداية لأنه هو المتعارف فينصرف المطلق إليه] رسالة رسم المفتي ص٤٤ ضمن الجزء الأول من مجموعة رسائل ابن عابدين.
وعليه فلو نص صاحب العمارة المذكور على أن مدة الإجارة سنة هجرية فله ذلك وأما مع عدم النص على نوع السنة فإنها تنصرف إلى ما تعارف الناس عليه وهو السنة الميلادية .......
شركات التسويق الهرمي
يقول السائل: هنالك شركة على شبكة الإنترنت تسمى بزناس تقوم بتسويق برامج كمبيوتر للتعليم وتقدم مواقع وبريد إلكتروني على شبكة الإنترنت وغير ذلك. وتقوم الشركة بتسويق برامجها بشكل مباشر للزبائن وتعطي كل زبون الحق في تسويق برامجها إلى آخرين مقابل عمولات يحصل عليها الزبون عند اكتمال عدد محدد من الزبائن المشترين الذين يقنعهم بشراء منتجات الشركة كما أن الشركة تعطي نفس الحق للزبائن الجدد وهكذا.
стр. 1838
فما قولكم في هذه الطريقة مع العلم أن المسوق قد يحصل على مبالغ كبيرة شهرياً؟
الجواب: بعد الإطلاع على نظام عمل الشركة المذكورة والنظام الذي تتبعه في تسويقها لمنتجاتها وبعد الإطلاع على بعض الفتاوى التي نشرتها الشركة في موقعها على الإنترنت والتي تجيز معاملات الشركة. وبعد الإطلاع على آراء أخرى في الموضوع يظهر لي أن أسلوب تعامل الشركة غير شرعي لما يلي:
إن معاملة الشركة المذكورة تقوم على الغرر وهو ما كان مجهول العاقبة لا يدرى هل يحصل أم لا؟ وقد صح في الحديث عن أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر) رواه مسلم.
فمعاملة الشركة كأنها نوع من القمار حيث إن الزبون يدفع مبلغاً من المال وهنالك احتمال أن يربح أو لا يربح .......
يقول د. سامي السويلم: [إن الدخول في هذا البرنامج في حقيقته مقامرة: كل يقامر على أنه سيربح قبل توقف الهرم. ولو علم الشخص أنه سيكون من المستويات الدنيا حين يتوقف الهرم لم يكن ليقبل بالدخول في البرنامج ولا بربع الثمن المطلوب ولو علم أنه سيكون من المستويات العليا لرغب في الدخول ولو بأضعاف الثمن. وهذا حقيقة الغرر المحرم إذ يقبل الشخص بالدخول على أمل الإثراء حتى لو كان احتمال تحقق هذا الأمل ضعيفاً جداً من حيث الواقع. فالثراء هو الذي يغري المرء لكي يدفع ثمن الانضمام للبرنامج فهو يغره بالأحلام والأماني والوهم بينما حقيقة الأمر أن احتمال خسارته أضعاف احتمال كسبه. قد يقال بيعتان في بيعة: عن الثمن الذي يدفعه المشترك هو مقابل السلعة وليس مجرد الانضمام للبرنامج فهو ينتفع بشراء السلعة سواء استمر الهرم في النمو أم لا. وهذه هي الحجة التي تستند إليها الشركات التي تنفذ البرامج في إقناع الجمهور بأنها تختلف عن البرامج الممنوعة قانوناً. لكن الجميع يعلم أن الذي ينضم إلى هذا البرنامج لا يريد السلعة ذاتها بل يريد الانضمام للبرنامج الهرمي وهذا معنى
стр. 1839
قاعدة منع بيعتين في بيعة وأصل ذلك أن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة وحقيقة بيعتين في بيعة أنها محاولة للالتفاف على الأحكام الشرعية من خلال ضم عقد غير مقصود للطرفين أو لأحدهما من أجل تنفيذ العقد الآخر ولو استقل العقد الآخر لم يكن جائزاً. وفي برامج التسويق الهرمي فإن امتلاك السلعة غير مقصود للمشتري ولا مراد له بل مراده هو الانضمام للبرنامج على أمل الثراء السريع فالشراء مجرد ستار للانضمام للبرنامج بينما الانضمام للبرنامج مقابل ثمن من الغرر وأكل المال بالباطل] مقال منشور على شبكة الإنترنت .......
ويقول د. حامد العلي: [ثم بعد ذلك توالت علينا أسئلة كثيرة تسأل عن بزناس وهي شركة على شبكة الإنترنت تقوم بعمليات تجارية تبين لنا بعد ذلك أنها تدخل فيما يسمى برامج التسلسل الهرمي أو شبكات التسويق وبعد النظر في حقيقة ما تقوم به تبين لي أنها معاملات محرمة تشتمل على الغش والخداع والوهم وتتضمن مقامرة وغرراً وعليه فلا يجوز التعامل مع الشركة المذكورة وأرجو من كل من اغتر بإدراجهم فتواي أن يتنبه إلى أن الفتوى لا تنطبق على الشركة وإنما تدل على منطوقها المحدد بجواز المعاملة المحددة التي نصت عليها الفتوى فحسب وأما الشركة المذكورة فقد تبين لنا تحريم التعامل معها لأن معاملاتها الحقيقية أشد تعقيداً وأبعد مدى بكثير مما تظهره في سؤالها للعلماء. ونهيب بكل العلماء الذين استطاعت الشركة المذكورة أن تحصل على فتاواهم في إباحة تعاملاتها اعتماداً على إبراز سؤال لا يعبر عن حقيقتها أن ينبهوا إلى خطر ما تقوم به هذه الشركة ويحذروا من استغلال فتاواهم في إباحة تعاملاتها] فتوى منشورة على شبكة الإنترنت.
وأنصح من يريد الحصول على معلومات أكثر عن هذا الموضوع أن يقرأ الدراسة المفصلة التي أعدها د. سامي السويلم عضو الهيئة الشرعية لشركة الراجحي وهي منشورة على الإنترنت www.islamtoday.net
وخلاصة الأمر يبدو لي أنه لا يجوز التعامل مع شركة بزناس لأن فكرتها كثيرة الشبه بالقمار .......
стр. 1840
عقد المقاولة
стр. 1841
يقول السائل: إنه يعمل مقاولاً في مجال البناء والطرق وإنه يقوم أحياناً بإعطاء بعض الأعمال التي يحصل عليها لمقاول آخر فما حكم ذلك؟ وما الحكم فيما لم يتمكن من الوفاء بالمدة المتفق عليها في العقد بسبب فرض نظام حظر التجول مع العلم أنه قد اشترط عليه ذلك ويوجد في العقد شرط جزائي يطبق في حالة الإخلال؟
الجواب: عقد المقاولة من العقود المستحدثة ولم يعرفه الفقهاء المتقدمون وإنما تحدث عنه القانونيون والفقهاء المعاصرون. والمقاولة عبارة عن عقد يتعهد المقاول بمقتضاه أن يصنع شيئاً أو يؤدي عملاً لقاء أجر يتعهد به الطرف الآخر ويمكن تخريج عقد المقاولة على عقد الاستصناع المعروف في الفقه الإسلامي أو على عقد الإجارة وكل منهما عقد صحيح شرعاً وقد قامت الأدلة الشرعية على اعتبارهما. انظر الوسيط في شرح القانون المدني ٧/ ٥ .......
وينبغي أن يعلم أنه يجوز شرعاً استحداث عقود جديدة لم تكن معروفة عند الفقهاء المتقدمين إذا كانت ضمن القواعد العامة للفقه الإسلامي [وهذه المسألة تسمى بمدى الحرية التعاقدية في الفقه الإسلامي، وقد اختلف فيها الفقهاء، فذهب جمهور الفقهاء إلى أن الأصل في إنشاء العقود الإباحة وأن الناس أحرار في إنشاء عقود جديدة ما لم تكن مخالفة لنصوص الشرع الشريف. وقد دافع شيخ الإسلام ابن تيمية بشدة عن مذهب القائلين بالإباحة وقد استدل الجمهور بالكتاب والسنة والمعقول. أما
стр. 1842
الكتاب فقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) سورة المائدة الآية ١. وقوله تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) سورة الإسراء الآية ٣٤. وغير ذلك من الآيات الدالة على وجوب الوفاء بالعقود يقول ابن تيمية: [فقد أمر الله بالوفاء بالعقود وهذا عام. وكذلك أمر بالوفاء بعهد الله وبالعهد وقد دخل في ذلك ما عقده المرء على نفسه بدليل قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا) سورة الأحزاب الآية ١٥. فدل على أن عهد الله يدخل فيه ما عقده المرء على نفسه وإن لم يكن الله قد أمر بنفس ذلك المعهود عليه قبل العهد كالنذر والبيع. وقال سبحانه: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ) سورة النساء الآية ١. قال المفسرون (تساءلون به) تتعاهدون وتتعاقدون وذلك لأن كل واحد من المتعاقدين يطلب من الآخر ما أوجبه العقد من فعل أو ترك أو مال أو نفع أو نحو ذلك وجمع سبحانه في هذه الآية وسائر السورة أحكام الأسباب التي بين بني آدم المخلوقة كالرحم والمكسوبة كالعقود التي يدخل فيها الصهر.] مجموع الفتاوى ٢٩/ ١٣٨ - ١٣٩. وكذلك تدل مجموعة كبيرة من الأحاديث الشريفة على وجوب الوفاء بالعقود والوعود ......
والعهود وأن مخالفة الوعد من علامات النفاق إضافة إلى أحاديث خاصة في الموضوع منها قول النبي ﷺ : (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً أو أحل حراماً والمسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح ورواه البخاري تعليقاً بصيغة الجزم لكنه بدون الاستثناء ورواه كذلك الحاكم وأبو داود عن أبي هريرة بلفظ (المسلمون عند شروطهم) أي بدون الاستثناء.
وآثار الصحابة تشهد على ذلك بل يقول ابن تيمية: [إن الوفاء بها أي بالالتزامات التي التزم بها الإنسان من الواجبات التي اتفقت عليها الملل بل العقلاء جميعاً] مجموع الفتاوى ٢٩/ ٥١٦ والقواعد النورانية ص٥٣.
ثم إن أساس العقود هو التراضي وموجبها هو ما أوجبه العاقدان على أنفسهما] عقد الاستصناع د. علي القرة داغي مجلة مجمع الفقه الإسلامي ٧/ ٢/٣٥٠ - ٣٥٢.
стр. 1843
فعقد المقاولة من العقود المعتبرة شرعاً ويصح التعامل به إذا توفرت فيه شروط الانعقاد فلا بد من توافق الإيجاب والقبول ليتم التراضي بين صاحب العمل والمقاول على ماهية العمل الذي سيؤديه المقاول لصاحب العمل والأجر الذي يتقاضاه المقاول. ولا بد من بيان ذلك بياناً واضحاً قاطعاً للنزاع والخلاف. ومن المعروف أنه في المقاولات الكبيرة يكون هنالك ملحقات للعقد تتعلق بالمواصفات والشروط التي يجب أن يلتزم بها المقاول فهذه تكون تابعة للعقد. انظر الوسيط في شرح القانون المدني ٧/ ٣٦ - ٣٨ .......
إذا تقرر هذا فإنه يجوز للمقاول أن يتفق مع مقاول آخر على تنفيذ بعض الأعمال ضمن العقد الأساسي وهذا يسمى المقاولة من الباطن بشرط أن لا يكون هناك نص في العقد يمنع ذلك فإذا شرط صاحب العمل على المقاول أن ينفذ العمل بنفسه فلا يجوز للمقاول أن يتعاقد مع آخر لتنفيذ العمل كله أو بعضه وأما إذا لم يكن هذا الشرط موجوداً فحينئذ يجوز للمقاول أن يتعاقد مع آخر لتنفيذ العمل كله أو بعضه ويشترط أن يكون هنالك انفصال تام بين العقدين. فتاوى الاستصناع والمقاولات ص٦٥.
وأما بالنسبة للإخلال بالمدة المتفق عليها في عقد المقاولة فإن الأصل أن يلتزم المسلم بما قبله من شروط لما سبق في الحديث (المسلمون عند شروطهم) وفي الغالب يكون هنالك في عقود المقاولة شرط جزائي لضبط التزام المقاول بتسليم العمل في مدة معينة فإذا أخل المقاول بهذا الشرط فإنه يتحمل نتيجة ذلك.
هذا إذا كانت الظروف والأوضاع طبيعية وأما إذا وقع الخلل بسبب أمور خارجة عن إرادة المقاول كظروف فرض نظام حظر التجول مثلاً فأرى أن لا يطبق عليه الشرط الجزائي لأنه لم يقصر من تلقاء نفسه بل فرضت عليه ظروف قاهرة وخارجة عن إرادته ولا بد من التراحم بين المتعاقدين وأن تقدر تلك الظروف القاهرة بتقدير صحيح فالشرط الجزائي شرط صحيح معتبر شرعاً ما لم يكن هناك عذر في الإخلال بالالتزام الموجب له شرعاً
стр. 1844
ولا شك أن الظروف التي ذكرها السائل تعتبر عذراً شرعياً لإخلاله بالمدة المشروطة في العقد .......
وقد بحث مجمع الفقه الإسلامي عقد المقاولة في دورته الرابعة عشر وجاء في قراره ما يلي: [بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع عقد المقاولة والتعمير: حقيقته، وتكييفه وصوره وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله ومراعاة أدلة الشرع وقواعده ومقاصده ورعاية للمصالح العامة في العقود والتصرفات. ونظراً لأهمية عقد المقاولة ودوره الكبير في تنشيط الصناعة وفتح مجالات واسعة للتمويل والنهوض بالاقتصاد الإسلامي قرر ما يلي:
عقد المقاولة - عقد يتعهد أحد طرفيه بمقتضاه بأن يصنع شيئاً أو يؤدي عملاً مقابل بدل يتعهد به الطرف الآخر - وهو عقد جائز سواء قدم المقاول العمل والمادة وهو المسمى عند الفقهاء بالاستصناع أو قدم المقاول العمل وهو المسمى عند الفقهاء بالإجارة على العمل.
إذا قدم المقاول المادة والعمل فينطبق على العقد قرار المجمع رقم ٣٦٥/ ٧ بشأن موضوع الاستصناع.
إذا قدم المقاول العمل فقط فيجب أن يكون الأجر معلوماً.
يجوز الاتفاق على تحديد الثمن بالطرق الآتية:
أ. الاتفاق على ثمن بمبلغ إجمالي على أساس وثائق العطاءات والمخططات والمواصفات المحددة بدقة.
ب. الاتفاق على تحديد الثمن على أساس وحدة قياسية يحدد فيها ثمن الوحدة والكمية وطبقاً للرسومات والتصميمات المتفق عليها.
ج. الاتفاق على تحديد الثمن على أساس سعر التكلفة الحقيقية، ونسبة ربح مئوية، ويلزم في هذه الحالة أن يقدم المقاول بيانات وقوائم مالية دقيقة ومفصلة وبمواصفات محددة بالتكاليف يرفعها للجهة المحددة في العقد ويستحق حينئذ التكلفة بالإضافة للنسبة المتفق عليها.
стр. 1845
يجوز أن يتضمن عقد المقاولة شرطاً جزائياً، بمقتضى ما اتفق عليه العاقدان ما لم يكن هناك ظروف قاهرة. ويطبق في هذه الحالة قرار المجمع في الشرط الجزائي رقم ٣١٠٩/ ١٢ .......
يجوز في عقد المقاولة تأجيل الثمن كله أو تقسيطه إلى أقساط لآجال معلومة أو حسب مراحل إنجاز العمل المتفق عليها.
يجوز الاتفاق على التعديلات والإضافات.
إذا أجرى المقاول تعديلات أو إضافات بإذن رب العمل دون الاتفاق على أجرة فللمقاول عوض مثله.
إذا أجرى المقاول تعديلات أو إضافات دون اتفاق عليها فلا يستحق عوضاً زائداً على المسمى ولا يستحق عوضاً عن التعديلات أو الإضافات.
يضمن المقاول إذا تعدى أو فرَّط أو خالف شروط العقد كما يضمن العيوب والأخطاء التي يتسبب فيها. ولا يضمن ما كان بسبب من رب العمل أو بقوة قاهرة.
إذا شرط رب العمل على المقاول أن يقوم بالعمل بنفسه فلا يجوز له أن يتفق مع مقاول آخر من الباطن
إذا لم يشرط رب العمل على المقاول أن يقوم بالعمل بنفسه جاز به أن يتفق مع مقاول من الباطن ما لم يكن العمل بعينه مقصوداً أداؤه من المقاول نفسه لوصف مميز فيه مما يختلف باختلاف الأجراء.
المقاول مسئول عن عمل مقاوليه من الباطن، وتظل مسؤولية المقاول الأصلية تجاه رب العمل قائمة وفق العقد.
لا يقبل في عقد المقاولة اشتراط نفي الضمان عن المقاول.
يجوز اشتراط الضمان لفترة محددة.
стр. 1846
لا يقبل في عقد المقاولة اشتراط البراءة من العيوب طيلة فترة الضمان المنصوص عليها في العقد] قرارات مجمع الفقه الإسلامي في دورته الرابعة عشرة.
وخلاصة الأمر أن عقد المقاولة عقد معتبر شرعاً ويجوز للمقاول أن يتفق مع مقاول آخر من الباطن بموافقة صاحب العمل ويجب الالتزام بالشرط الجزائي ما لم تكن هناك ظروف قاهرة خارجة عن إرادة المقاول .......
انخفاض قيمة العملة وأثره على الرواتب المتأخرة
يقول السائل: إنه يعمل في إحدى المؤسسات وإن هذه المؤسسة قد تأخرت في دفع بعض رواتب موظفيها لعدة شهور وخلال هذه الفترة انخفضت قيمة العملة فهل يجوز للموظفين أن يطالبوا المؤسسة بتعويضهم عن انخفاض العملة؟
الجواب: إن الأصل المقرر في الفقه الإسلامي أن الديون تقضى بأمثالها ولا تقضى بقيمتها ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن ابن عمر ﵄ أنه قال:
(أتيت النبي ﷺ فقلت: إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير؟ فقال ﷺ : لا بأس أن تأخذ بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء) وفي رواية أخرى: (أبيع بالدنانير وآخذ مكانها الورق وأبيع بالورق وآخذ مكانها الدنانير) رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة والحاكم وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي (فابن عمر كان يبيع الإبل بالدنانير أو الدراهم وقد يقبض الثمن في الحال وقد يبيع بيعاً آجلاً وعند قبض الثمن ربما لا يجد مع المشتري بالدنانير إلا دراهم وقد يجد مع من اشترى بدراهم ليس معه إلا دنانير أفيأخذ قيمة الثمن يوم ثبوت الدين أم يوم الأداء؟ مثلاً إذا باع بمئة دينار وكان سعر الصرف:
стр. 1847
الدينار بعشرة دراهم أي أن له ما قيمته ألف درهم وتغير سعر الصرف فأصبح الدينار مثلاً بأحد عشر درهماً أفيأخذ الألف أم ألفاً ومئة؟ وإذا أصبح بتسعة دراهم فقط أفيأخذ تسعمئة درهم يمكن صرفها بمئة دينار يوم الأداء أم يأخذ ألف درهم قيمة مئة الدينار يوم البيع؟ بين الرسول ﷺ أن العبرة بسعر الصرف يوم الأداء وابن عمر الذي عرف الحكم من الرسول الكريم سأله بكر بن عبد الله المزني ومسروق العجلي عن كرَّيٍ لهما له عليهما دراهم وليس معهما إلا دنانير فقال ابن عمر: أعطوه بسعر السوق .......
فهذا الحديث الشريف يعتبر أصلاً في أن الدين يؤدى بمثله لا بقيمته حيث يؤدي عن تعذر المثل بما يقوم مقامه وهو سعر الصرف يوم الأداء، يوم الأداء لا يوم ثبوت الدين] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد ٥ جزء ٣ ص١٧٢٧ - ١٧٢٨. وهذا مذهب أكثر الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، حيث إنهم يرون أن الدين إذا استقر في ذمة المشتري بمقدار محدد فالواجب هو تسديد ذلك المقدار بدون زيادة أو نقصان فالديون تقضى بأمثالها في حالة الرخص والغلاء ولا تقضى بقيمتها جاء في المدونة: [كل شيء أعطيته إلى أجل فرد إليك مثله وزيادة فهو ربا] المدونة ٤/ ٢٥.
وقال أبو إسحاق الشيرازي: [ويجب على المستقرض رد المثل فيما له مثل لأن مقتضى القرض رد المثل] المهذب مع المجموع ١٢/ ١٨٥.
وقال الكاساني: [ولو لم تكسد - النقود - ولكنها رخصت قيمتها أو غلت لا ينفسخ البيع بالإجماع وعلى المشتري أن ينقد مثلها عدداً ولا يلتفت إلى القيمة هاهنا] بدائع الصنائع ٥/ ٥٤٢.
وقال الشيخ ابن عابدين في رسالته عن النقود: [. لأن الإمام الإسبيجاني في شرح الطحاوي قال: وأجمعوا على أن الفلوس إذا لم تكسد ولكن غلت قيمتها أو رخصت فعليه مثل ما قبض من العدد] رسالة تنبيه الرقود على مسائل النقود ٢/ ٦٠ ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [لا يجب في الفرق إلا رد المثل بلا زيادة] مجموع الفتاوى ٢٩/ ٥٣٥.
стр. 1848
وقال العلامة الغزي: [أما إذا غلت قيمتها أو ازدادت، فالبيع على حاله، ولا يتخير المشتري، ويطالب بالنقد بذلك العيار الذي كان وقت البيع، كذا في فتح القدير. وفي البزازية معزياً إلى المنتقى: [غلت الفلوس أو رخصت فعند الإمام الأول والثاني أولاً ليس عليه غيرها) رسالة بذل المجهود في تحرير أسئلة تغير النقود ص ٨٣ - ٨٤ .......
ويضاف إلى ما سبق أن معظم فقهاء العصر يرون أن الديون تقضى بأمثالها ولا تقضى بقيمتها إلا إذا كان تغير قيمة العملة كبيراً كما ذكرت سابقاً ويرون أن قضاء الديون بقيمتها يعد من الربا المحرم شرعاً [إن الحكم على المدين المماطل بتعويض دائنه بفرق هبوط القوة الشرائية للنقد عقب مطله غير سائغ شرعاً إذ هو وقوع في حمى الربا المحرم تحت ستار تعويض الدائن عن انخفاض القوة الشرائية للنقود، بل إن الدائن ليحصل في كثير من الأحيان باسم ذلك التعويض على ما يزيد قدراً ويفوق جوراً الفوائد التأخيرية في البنوك الربوية] قضايا فقهية معاصرة في المال والاقتصاد ص٥٠٠.
وقد بحث مجمع الفقه الإسلامي هذه المسألة بحثاً مستفيضاً وتوصل العلماء المشاركون في المجمع إلى القرار التالي: [العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ما هي بالمثل وليس بالقيمة لأن الديون تقضى بأمثالها فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة أياً كان مصدرها بمستوى الأسعار] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد ٥ ج ٣/ ٢٢٦١
ومن المعلوم أيضاً أن المدين ليس له علاقة بانخفاض قيمة العملة حتى نقول بأن عليه أن يدفع الفرق فالمدين غير مسؤول عن ذلك حيث إن تغير قيمة العملة ينتج عن أمور كثيرة سياسية كانت أو اقتصادية أو غير ذلك فلا يصح أن نحمل أحد الطرفين مسؤولية ذلك الانخفاض لأن في تحميل المدين نتيجة الانخفاض رفع للظلم عن الدائن ووضعه على المدين وفي القواعد المقررة شرعاً أن الضرر لا يزال بمثله وكذلك فإن الظلم لا يزال بظلم. كما أن انخفاض قيمة العملة عندما يقع فإنه يصيب الأموال ولو كانت بأيدي أصحابها فمثلاً لو أن الموظف المذكور في السؤال قبض رواتبه
стр. 1849
من المؤسسة في أوقاتها وادخرها إلى الآن فإن انخفاض قيمة العملة سيؤثر عليها بلا شك فهذا الانخفاض ناتج عن أسباب خارجة عن إرادة الموظف والمؤسسة التي يعمل بها. انظر أحكام صرف النقود ص١٩١ - ١٩٢.
وخلاصة الأمر أنه لا يجوز للدائن المطالبة بفرق العملة من المدين نتيجة انخفاض قيمة العملة وخاصة أن هذا الانخفاض ليس كبيراً أي لا يتجاوز الثلث الذي اعتبره الفقهاء حداً فاصلاً بين القليل والكثير .......
أثر وفاة أحد الشركاء على الشركة
يقول السائل: إن والده قد توفي وكان شريكاً في شركة تجارية مع عدد من الأشخاص فما مصير مشاركته وهل يحل الورثة محله في الشركة المذكورة؟
الجواب: اتفق الفقهاء على أن موت أحد الشريكين أو الشركاء يعتبر من أسباب انتهاء الشركة فتبطل الشركة إذا مات أحد الشركاء فإذا لم يكن في الشركة سوى اثنان فمات أحدهما بطلت الشركة وأما إذا كانت الشركة بين أكثر من اثنين فتبطل الشركة في حق من مات وأما شركة الباقين على قيد الحياة فلا تبطل وقد نص الفقهاء على أن الشركة تبطل بموت أحد الشريكين قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:
[والشركة من العقود الجائزة تبطل بموت أحد الشريكين] المغني ٥/ ١٨.
وجاء في الهداية من كتب الحنفية: [وإذا مات أحد الشريكين بطلت الشركة] وقال الكمال بن الهمام شارحاً لكلام صاحب الهداية: [وإنما بطلت بالموت لأنها تتضمن الوكالة أي مشروط ابتداؤها وبقاؤها بها ضرورة فإنها لا يتحقق ابتداؤها إلا بولاية التصرف لكل منهما في مال الآخر ولا تبقى الولاية إلا ببقاء الوكالة] شرح فتح القدير ٥/ ٤١٢.
стр. 1850
وجاء في المادة رقم ١٣٥٢ من مجلة الأحكام العدلية ما نصه: [إذا توفي أحد الشريكين أو جن جنوناً مطبقاً تنفسخ الشركة أما في صورة كون الشركاء ثلاثة أو أكثر فيكون انفساخ الشركة في حق الميت أو المجنون فقط وتبقى الشركة في حق الآخرين] وقال شارح المجلة علي حيدر: [تنفسخ شركة العقد بثمانية أوجه: ......
أولاً: إذا توفي أحد الشريكين. ثانياً: إذا جن أحدهما جنوناً مطبقاً. ثالثاً: إذا حجر أحدهما. رابعاً: إذا فسخ أحد الشريكين الشركة. خامساً: إذا أنكر أحد الشريكين الشركة. سادساً: إذا هلك مجموع رأس مال الشركة. سابعاً: إذا تلف رأس مال أحدهما قبل الخلط وقبل الشراء. ثامناً: إذا كانت الشركة مؤقتة وانقضت مدتها لأنه يقتضي أن تتضمن الشركة الوكالة كما جاء في المادة (١٣٣٣) وكما أنه يشترط وجود الوكالة المذكورة ابتداءً يشترط وجودها بقاءً أيضاً وبما أنه بوفاة الشريك أو بجنونه جنوناً مطبقاً تبطل الوكالة فتنفسخ الشركة أيضاً. انظر المادتين (١٥٢٨ و١٥٣٠) وقد جاء في الطحطاوي (وإنما بطلت الشركة لبطلان الوكالة وإن كانت تابعة لها والمتبوع لا يبطل ببطلان التابع إلا أن الوكالة شرطها ولا يتحقق المشروط بدون شرط). والمقصود من الشركة هنا شركة العقد كما أشير إلى ذلك شرحاً أما شركة الملك فلا تنفسخ بوفاة أحد الشريكين بل تبقى شركة بين الشريك الحي وبين ورثة الشريك الميت. ولنوضح الآن هذه الأمور الثمانية: وفاة أحد الشريكين، إذا توفي أحد الشريكين تنفسخ الشركة ولو لم يعلم الشريك الآخر بوفاته لأنه عزل حكمي فلا يشترط فيه العلم] درر الحكام شرح مجلة الأحكام ٣/ ٣٦٧ - ٣٦٨ .......
وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية في بيان أسباب انتهاء الشركة: [موت أحدهما: لأن الموت مبطل للوكالة، والوكالة الضمنية جزء من ماهية الشركة لا تنفك عنها ابتداءً ولا بقاءً، ضرورة الحاجة إلى ثبوت واستمرار ولاية التصرف لكلا الشريكين عن الآخر، منذ قيام الشركة إلى انتهائها. إلا أن بطلان الشركة في الأموال بالموت، لا يتوقف على علم الشريك به؛ لأنه عزل حكمي غير مقصود لا يمكن تقديمه وتأخيره، إذ بمجرد الموت ينتقل
стр. 1851
شرعاً ملك مال الميت إلى ورثته، فلا يمكن إيقاف ما نفذه الشرع. وإنما تبطل الشركة بالموت بالنسبة للميت. فإذا لم يكن له سوى شريك واحد لم يبق شيء من الشركة بالضرورة، أما إذا كان له أكثر من شريك، فإن شركة الباقين على قيد الحياة باقية. ونص على هذا المبطل أيضاً الشافعية والحنابلة] الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٦/ ٨٨ - ٨٩. وكذلك فإن القانون المدني قرر انتهاء الشركة بموت أحد الشريكين كما في الوسيط في شرح القانون المدني ٥/ ٣٦١ .......
وينبغي أن يعلم أنه لا مانع شرعاً أو قانوناً من استمرار الشركة بعد وفاة أحد الشركاء ويحل الورثة محل الشريك الميت ويمكن أن ينص على ذلك في عقد الشركة ابتداءً بأنه إذا مات الشريك الفلاني حلَّ ورثته محله. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [فإن مات أحد الشريكين وله وارث رشيد فله أن يقيم على الشركة ويأذن له الشريك في التصرف. وله المطالبة بالقسمة فإن كان مولياً عليه قام وليه مقامه في ذلك إلا أنه لا يفعل إلا ما فيه المصلحة للمولي عليه فإن كان الميت قد وصَّى بمال الشركة أو ببعضه لمعين فالموصَى له كالوارث فيما ذكرنا. وإن وصَّى به لغير معين كالفقراء لم يجز للوصي الإذن في التصرف. لأنه قد وجب دفعه إليهم فيعزل نصيبهم ويفرقه بينهم وإن كان
стр. 1852
على الميت دين تعلق بتركته فليس للوارث إمضاء الشركة حتى يقضي دينه فإن قضاه من غير مال الشركة فله الإتمام وإن قضاه بطلت الشركة في قدر ما قضى] المغني ٥/ ١٩ .......
ويجوز استمرار الشركة بعد وفاة أحد الشركاء إما باستئناف عقد جديد ويعطى نصيب الشريك المتوفى إلى ورثته، وإما أن تستمر الشركة مع الورثة فإن كان الورثة راشدين تولوا ذلك بأنفسهم وإن كانوا قاصرين تولى ذلك الولي أو الوصي جاء في فتح العزيز ما نصه: [تنفسخ الشركة بموت أحد المتعاقدين وجنونه وإغمائه كالوكالة ثم في صورة الموت إن لم يكن على الميت دين ولا هناك وصية فللوارث الخيار بين القسمة وتقرير الشركة إن كان بالغاً رشيداً وإن كان مولياً عليه لصغر أو جنون فعلى وليه ما فيه الحظ والمصلحة من الأمرين وإنما يقرر الشركة بعقد مستأنف وإن كان على الوارث دين فليس للوارث تقرير الشركة إلا إذا قضي الدين في موضع آخر وإن كان هناك وصية نظر إن كانت الوصية لمعين فهو كأحد الورثة وإن كانت لغير معين كالفقراء لم يجز تقرير الشركة حتى تخرج الوصية] الشركات ١/ ٣٤٨ - ٣٤٩. وقال الدكتور صالح المرزوقي: [والشركة وإن كانت من العقود الجائزة إلا أنها أيضاً عقد مستمر فقد أجاز الفقهاء في حالة وفاة أحد الشركاء استمرارها بين الآخرين إذا كانوا اثنين فأكثر ويجوز استمرارها مع ورثة المتوفى إذا اتفقوا على ذلك ومثله المجنون والمحجور عليه فهي لا تنفسخ بالموت أو بالجنون أو غيرها إلا في حق كل واحد منهم فلا تنفسخ في حق الشركاء الآخرين ولكنها تبقى مستمرة بينهم وكما ذكرنا فإنه يمكن أيضاً استمرارها مع ورثة المتوفى ومع ولي المجنون ونحو ذلك جاء في مغني المحتاج: [ولو مات أحد الشريكين وله وارث غير رشيد ورأى الولي المصلحة في الشركة استدامها] على خلاف بين الفقهاء هل هي استمرار للعقد السابق وهو الراجح أو ابتداء عقد جديد] شركة المساهمة ص٣٣١. وهذا ما قرره القانون الوضعي أيضاً انظر الوسيط ٥/ ٣٦٤ - ٣٦٥.
وخلاصة الأمر أنه يجوز استمرار الورثة برضاهم أجمعين في الشركة التي كان والدهم شريكاً فيها .............
استخدام سيارة العمل في الأمور الخاصة
يقول السائل: إنه يعمل في إحدى المؤسسات العامة وإن المؤسسة قد جعلت تحت تصرفه سيارة ليستخدمها في العمل فما مدى حريته في استخدام سيارة المؤسسة؟
الجواب: إن من الموظفين العاملين في المؤسسات العامة كالوزارات والجامعات والشركات العامة يسيئون استخدام الأموال العامة وما هو في حكمها كالتلفونات والسيارات والمعدات والقرطاسية وغير ذلك.
وينبغي التوضيح أولاً أن أموال هذه الجهات وما في حكمها من
стр. 1853
أدوات مختلفة تعتبر من المال العام المملوك لعامة المسلمين في ذلك البلد والمال العام له حرمة في الشرع كالمال الخاص بل أشد لذا يحرم التساهل في استخدام المال العام وكأنه لا مالك له.
وقد دلت الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على حرمة الخوض في الأموال العامة، قال الله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) سورة البقرة ١٨٨، وقال أيضاً: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) سورة النساء الآية ٢٩.
وجاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع) رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية أخرى: (وإن هذا المال خضر حلو ونعم صاحب المسلم هو لمن أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل أو كما قال رسول الله ﷺ وإنه من يأخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع ويكون عليه شهيداً يوم القيامة) رواه مسلم .............
وعن خولة الأنصارية ﵂ قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: (إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة) رواه البخاري.
قال الحافظ ابن حجر: [قوله (يتخوضون في مال الله بغير حق) أي يتصرفون في مال المسلمين بالباطل] فتح الباري ٦/ ٢٦٣.
ومن العلماء من جعل المال العام كمال اليتيم بالنسبة للولي لا يتصرف فيه إلا بما يحقق مصلحة اليتيم ونقل مثل ذلك عن عمر ﵁ ومن القصص المشهورة عن عمر بن عبد العزيز أنه كان عنده مصباحان أحدهما للدولة يستعمله عند قضاء مصالحها والآخر مصباح شخصي له يشعله إذا انتهى من مصالح الدولة.
стр. 1854
إذا تقرر هذا فأعود إلى السؤال فأقول إن السيارة التي أعطتك إياها المؤسسة لتستخدمها في العمل يجب أن يكون استخدامها في نطاق العمل وما يخدمه وبالتالي لا يجوز استخدامها في الأمور الخاصة كالذهاب بها في الرحلات أو العمل عليها كسيارة أجرة ونحو ذلك فهذا كسب لا شك حرام.
ومثل ذلك استخدام تلفون المؤسسة فينبغي أن يكون في الأصل في شؤون العمل وأما استخدام التلفون في الأمور الشخصية كمن يتصل بمن يريد من أهله وأقاربه خارج البلاد مستعملاً تلفون المؤسسة فلا يجوز ذلك. وقد يغض النظر عن بعض الاتصالات الداخلية التي يجريها الموظف لبعض شؤونه الخاصة وكذا استخدام بعض الأدوات اليسيرة في شؤونه الخاصة مما تعارف الناس عليه كاستخدام ورقة أو تصويرها ونحو ذلك ومن المعروف أن العرف له اعتبار فلذا الحكم عليه قد يدار ولكن لا يجوز التوسع في هذا الباب لأن الأصل حرمة المال العام. وأظن أنه يوجد في بعض المؤسسات العامة أنظمة وتعليمات لتنظيم استخدام الأموال العامة وما في حكمها كالسيارات فإن وجدت مثل هذه الأنظمة والتعليمات فيجب الالتزام بها .......
وينبغي التذكير أن الموظف في الأصل هو بمثابة الأجير والأجير لا بد أن يكون أميناً ويدخل في الأمانة، الأمانة في حسن أداء العمل وتشمل أيضاً الأمانة في استخدام المال العام وتشمل الأمانة في استخدام أدوات العمل وغير ذلك. قال الله تعالى: (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ). سورة القصص الآية ٢٦.
ويقول تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) النساء الآية ٥٨. ويقول تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) سورة المؤمنون الآية ٨.
وعن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: (يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها) رواه مسلم.
стр. 1855
وخلاصة الأمر أن الأصل حرمة الأموال العامة وما في حكمها من الأدوات كالسيارات فلا يجوز استعمالها في الشؤون الشخصية إلا بالمقدار الذي يحقق مصلحة جهة العمل ......
أثر فرض نظام حظر التجول لفترات طويلة على عقود الإجارة
يقول السائل: من المعلوم أن كثيراً من المدن الفلسطينية تعاني من فرض نظام حظر التجول لفترات طويلة وقد امتدت في بعض المدن إلى شهور مما أدى إلى إغلاق المحلات التجارية خلال فترات حظر التجول، مما أوقع المستأجرين للمحلات التجارية في خسائر كبيرة نظراً لدفعهم أجرة هذه المحلات وهي مغلقة فهل حالة الإغلاق هذه تلحق بالجوائح التي ذكرت في السنة النبوية؟
الجواب: إن الظروف الطارئة التي حدثت في كثير من مدن الضفة الغربية والتي شملت فرض نظام منع التجول لفترات طويلة تشبه الجائحة التي تجتاح الثمار إلى حدٍ ما، والجائحة عند الفقهاء كل شيء لا يستطاع دفعه لو علم به كسماوي كالبرد والحر والجراد والمطر. ومثل هذه الآفة التي تهلك الثمار والأموال وتستأصلها وكل مصيبة عظيمة. انظر معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية ١/ ٥١٥.
وألحق بعض أهل العلم بالآفة السماوية ما يطرأ من أمور غير سماوية كالحرب. انظر الشرح الكبير ٣/ ١٨٥، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٤/ ٤٢٦.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [فالجائحة هي الآفات السماوية التي لا يمكن معها تضمين أحد مثل الريح والبرد والحر والمطر والجليد والصاعقة ونحو ذلك. وإن أتلفها من الآدميين من لا يمكن ضمانه كالجيوش التي
стр. 1856
تنهبها واللصوص الذين يخربونها فخرَّجوا فيه وجهين: أحدهما ليست جائحة لأنها من فعل آدمي. والثاني: وهو قياس أصول المذهب أنها جائحة وهو مذهب مالك كما قلنا مثل ذلك في منافع الإجارة لأن المأخذ إنما هو إمكان الضمان ولهذا لو كان المتلف جيوش الكفار أو أهل الحرب كان ذلك كالآفة السماوية] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٣٠/ ٢٧٨. والجائحة لها أثر واضح في التخفيف عمن أصابته ويدل على ذلك عدة أحاديث وردت عن النبي ﷺ منها:
عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لو بعت من أخيك ثمراً فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟) رواه مسلم.
وعن أنس ﵁ (أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمرة حتى تزهي قالوا: وما تزهي؟ قال: تحمر فقال: إذا منع الله الثمرة فبم تستحل مال أخيك؟) رواه مسلم.
وعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ (أمر بوضع الجوائح) رواه مسلم ......
ويؤخذ من هذه الأحاديث أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح حتى لا يأكل المسلم مال أخيه بالباطل.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن تعطل منافع المأجور يعد سبباً لفسخ عقد الإجارة وللتخفيف من الأجرة حيث قال: [وتعطل المنفعة يكون بوجهين: أحدهما: تلف العين كموت العبد والدابة المستأجرة والثاني زوال نفعها بأن يحدث عليها ما يمنع نفعها كدار انهدمت وأرض للزرع غرقت أو انقطع ماؤها فهذه إذا لم يبق فيها نفع فهي كالتالفة سواء لا فرق بينهما عند أحد من العلماء].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً [وإن تعطل نفعها بعض المدة لزمه من الأجرة بقدر ما انتفع به كما قال الخرقي فإن جاء أمر غالب يحجر المستأجر عن منفعة ما وقع عليه العقد لزمه من الأجرة بمقدار مدة انتفاعه]
стр. 1857
مجموع الفتاوى ٣٠/ ٢٨٨ - ٢٩٠. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: [ولا خلاف بين الأمة أن تعطل المنفعة بأمر سماوي يوجب سقوط الأجرة أو نقصها أو الفسخ وإن لم يكن للمستأجر فيه صنع كموت الدابة وانهدام الدار وانقطاع ماء السماء فكذلك حدوث الغرق وغيره من الآفات المانعة من كمال الانتفاع بالزرع] المصدر السابق ٣٠/ ٢٩٣ - ٢٩٤.
وينبغي التنبيه لأمرين هامين في هذه المسألة: الأول: إن كثيراً من المستأجرين للمحلات التجارية وكذا لدور السكنى يظلمون المالكين حيث إن أجرة هذه المحلات لا تقابل المنافع التي يحصل عليها المستأجرون كما أن كثيراً من المستأجرين يتمسكون بما يقال إن المستأجر محمي بحكم القانون الوضعي فلا يستطيع المالك إنهاء عقد الإجارة كما أنه لا يستطيع المطالبة بزيادة الأجرة حيث إن كثيراً من المحلات التجارية وكذا دور السكنى مؤجر بثمن بخس إذا ما قيس بما عليه الأجرة في الوقت الحالي .......
الثاني: أرى أن مبدأ التراحم يكاد يكون مغيباً في تعامل المستأجرين والمالكين حتى إنه يمكن القول إن بعض حالات الاستئجار أشبه ما تكون بالغصب حيث إن المستأجر يدفع أجرة قليلة لا تكاد تذكر مع الأجرة الحقيقية وإذا طلب المالك إنهاء عقد الإجارة فأنى يستجاب له!! لهذا كله أرى أن يتحاكم المستأجرون والمالكون إلى شرع الله في كل قضاياهم - وليس في هذه المسألة خاصة - وأن يتقوا الله في أنفسهم وفي إخوانهم وأن يتراحموا فيما بينهم يقول الله تعالى: (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَءَامَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ) سورة البلد الآية ١٧، وورد في الحديث عن جرير بن عبد الله ﵁ عن النبي- ﷺ قال (من لا يرحم لا يرحم) رواه البخاري.
وجاء في رواية أخرى عن جرير بن عبد الله ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (لا يرحم الله من لا يرحم الناس) رواه البخاري أيضاً.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال قال رسول الله ﷺ (الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في
стр. 1858
السماء الرحم شُجْنَةٌ من الرحمن فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله) رواه أبو داود والترمذي وغيرهما وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. والشجنة أي قرابة مشتبكة كاشتباك العروق. النهاية في غريب الحديث ٢/ ٤٤٧.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال وهو على المنبر (ارحموا تُرحموا واغفروا يغفر الله لكم) رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد وهو حديث صحيح كما قال الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم ٤٨٢.
وغير ذلك من النصوص.
وخلاصة الأمر فإني أرى أن يتراحم المالكون والمستأجرون فيما بينهم فالراحمون يرحمهم الرحمن .......
التصرف في الوقف
تقول السائلة: إنها باعت قطعة أرض لها لشخص وجعلت نصف دونم منها وقفاً على مقبرة البلدة ولكن المشتري يحاول الآن استبدال القطعة الموقوفة بقطعة أرض يملكها في مكان آخر فما الحكم في ذلك؟
الجواب: من المعلوم أن الوقف من الأعمال المندوب إليها ومن الأعمال التي يستمر أجرها بعد وفاة الواقف لقول النبي ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علماً علَّمه ونشره وولداً صالحاً تركه ومصحفاً ورَّثه أو مسجداً بناه أو بيتاً لابن السبيل بناه أو نهراً أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقه بعد موته) رواه ابن ماجة وابن
стр. 1859
خزيمة وهو حديث حسن كما قال الألباني، صحيح سنن ابن ماجة ١/ ٤٦.
وثبت في الحديث عن ابن عمر ﵄ قال: أصاب عمر أرضاً بخيبر فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه فما تأمرني به؟ قال: (إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها) قال: فتصدق بها عمر أنه لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يورث ولا يوهب قال: فتصدق عمر في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقاً غير متمول فيه] رواه مسلم .......
إذا تقرر هذا فقد اتفق جمهور أهل العلم على أن الوقف إذا وقع صحيحاً فهو مزيل للملك أي أنه يكون لازماً، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [إن الوقف إذا صح زال به ملك الواقف عنه في الصحيح من المذهب وهو المشهور من مذهب الشافعي ومذهب أبي حنيفة]. واحتج ابن قدامة لهذا الرأي بقوله: [ولنا: أنه سبب يزيل التصرف في الرقبة والمنفعة فأزال الملك كالعتق ولأنه لو كان ملكه لرجعت إليه قيمته] المغني ٦/ ٤.
وذكر الشيخ مصطفى الزرقا أن الفقهاء قد [صرحوا بأنه يزول ملك الواقف عن الموقوف بمجرد الوقف كالإعتاق وأن الوقف تصرف ملزم للواقف لا يستطيع الرجوع عنه وليس لورثته إبطاله لأنه أصبح على حكم ملك الله تعالى مخصصاً لمصلحة الجهة الإسلامية الموقوف عليها. وقرر الفقهاء في مختلف المذاهب أن الموقوف لا يباع ولا يوهب ولا يورث بل يبقى محبوساً أصله عن كل تمليك وتملك وترصد منفعته العينية أو ريعه - بحسب كونه موقوفاً للانتفاع بعينه كالمساجد والمقابر أو للانتفاع بريعه وغلته كالدور والحوانيت والأراضي الزراعية - للجهة الموقوف عليها أبداً إحياءً لها] فتاوى الزرقا ص٤٥٤ - ٤٥٥.
وقال الشيخ محمد قدري باشا: [بمجرد انعقاد الوقف صحيحاً يزول ملك الواقف عن العين الموقوفة ويصير الوقف لازماً فلا يملك الواقف الرجوع فيه] قانون العدل والإنصاف ص٤.
стр. 1860
وقال الشيخ سيد سابق: [ومتى فعل الواقف ما يدل على الوقف أو نطق بالصيغة لزم الوقف بشرط أن يكون الواقف ممن يصح تصرفه بأن يكون كامل الأهلية من العقل والبلوغ والحرية والاختيار ولا يحتاج في انعقاده إلى قبول الموقوف عليه] فقه السنة ٣/ ٥٢٢.
إذا ثبت هذا فأعود إلى السؤال فأقول إن ما قام به الشخص المذكور هو عمل محرم شرعاً. وهو آثم لأنه يحاول أن يغير العين الموقوفة يقول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) سورة النساء الآية ٥٨ .......
وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم) رواه مسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) رواه مسلم.
وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (من ظلم قيد شبر من الأرض طُوِّقَهُ من سبع أرضين) متفق عليه. ويضاف إلى ما سبق إن هذا المشتري لا يملك تبديل قطعة الأرض الموقوفة بغيرها لأنه لا يملك هذا الحق لا هو ولا صاحبة الأرض التي أوقفتها فالوقف إذا وقع صحيحاً صار لازماً لا يجوز الرجوع فيه على الراجح من أقوال أهل العلم.
وخلاصة الأمر أنه يجب تنفيذ ما أوقفته هذه المرأة في عين قطعة الأرض لتكون مقبرة ويحرم على المشتري المذكور أن يستبدل الأرض لأنه لا يملك هذا الحق .......
حكم دهن ثمار التين بالزيت
يقول السائل: إن بعض المزارعين في بلدتهم يدهنون ثمار التين بالزيت حتى يسرع نضجها ويبيعونها في السوق مع العلم أن طعمها مختلف عن الثمار التي تنضج بشكل طبيعي فما حكم ذلك؟
следующие страницы →