← Фатава

Фатава · id 9087

فتاوى يسألونك

حسام الدين عفانة

Полный текст (3 492 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

الشيخ الألباني: صحيح كما في السلسلة الصحيحة ١٩٦٩ وصحيح سنن الترمذي ٣/ ٢٣٦. وعن أبي إدريس الخولاني قال: [لما عزل عمر بن الخطاب عمير بن سعد عن حمص ولَّى معاوية فقال الناس: عزل عميراً وولى معاوية!؟ فقال عمير: لا تذكروا معاوية إلا بخير فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: اللهم اهد به] رواه الترمذي وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/ ٢٣٦. وروى الإمام البخاري بسنده عن ابن أبي مليكة قال: [أوتر معاوية بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس فأتى ابن عباس فقال: دعه فإنه قد صحب رسول الله ﷺ . وروى البخاري أيضاً بسنده: قيل لابن عباس هل لك في أمير المؤمنين معاوية فإنه ما أوتر إلا بواحدة؟ قال: إنه فقيه] صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ١٣١ ....... قال الحافظ ابن حجر: [وقوله دعه: أي اترك القول فيه والإنكار عليه فإنه قد صحب أي فلم يفعل شيئاً إلا بمستند وفي قوله في الرواية الأخرى أصاب إنه فقيه ما يؤيد ذلك] فتح الباري٧/ ١٣٢. وقال الإمام الذهبي في حق معاوية: [حسبك بمن يُؤمِّره عمر ثم عثمان على إقليم وهو ثقة فيضبطه ويقوم به أتم قيام ويرضي الناس بسخائه وحلمه وإن كان بعضهم تألم مرة منه وكذلك فليكن الملك وإن كان غيره من أصحاب رسول الله ﷺ خيراً منه بكثير وأفضل وأصلح فهذا الرجل ساد وساس العالم بكمال عقله وفرط حلمه وسعة نفسه وقوة دهائه ورأيه وله هنات وأمور والله الموعد] سير أعلام النبلاء ٣/ ١٣٢ - ١٣٣. وقال الذهبي أيضاً: [ومعاوية من خيار الملوك الذين غلب عدلهم على ظلمهم وما هو ببريء من الهنات والله يعفو عنه] سير أعلام النبلاء ٣/ ١٥٩. وينبغي أن يعلم أن معاوية ﵁ هو أحد كتبة الوحي الذين استكتبهم رسول الله ﷺ لكتابة القرآن الكريم. انظر الإصابة ٦/ ١١٣، معاوية بن أبي سفيان لمحمود شاكر ص ٨٨] يسألونك ٧/ ٣٣٩ - ٣٤٠.

стр. 1927

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ومعاوية قد استكتبه رسول الله ﷺ وقال: (اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب)] الفتاوى الكبرى ٤/ ٢٥٩ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ولهذا كانوا - أي الرافضة - أبهت الناس وأشدهم فرية مثل ما يذكرون عن معاوية. فإن معاوية ثبت بالتواتر أنه أمَّره النبي ﷺ كما أمَّره غيره وجاهد معه وكان أميناً عنده يكتب له الوحي وما اتهمه النبي ﷺ في كتابة الوحي وولاه عمر بن الخطاب الذي كان من أخبر الناس بالرجال وقد ضرب الله الحق على لسانه وقلبه ولم يتهمه في ولايته] مجموع الفتاوى ٤/ ٤٧٢ ....... وقد قامت الأدلة على تحريم سب الصحابة ﵃ فقد ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (لا تسبوا أحداً من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أُحدٍ ذهباً ما أدرك مدَّ أحدهم ولا نصيفه) رواه البخاري ومسلم. وقال الإمام النووي: [واعلم أن سب الصحابة ﵃ حرام من فواحش المحرمات سواء من لابس الفتن منهم وغيره لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون.] ثم نقل عن القاضي عياض قوله: [وسب أحدهم - أي الصحابة - من المعاصي الكبائر] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/ ٧٢ - ٧٣. وقال الإمام الآجري: [ومن سبهم فقد سب رسول الله ﷺ ومن سب رسول الله ﷺ استحق اللعنة من الله ومن الملائكة ومن الناس أجمعين]. وقال الإمام الآجري أيضاً: [لقد خاب وخسر من سب أصحاب رسول الله ﷺ لأنه خالف الله ورسوله ولحقته اللعنة من الله ومن رسوله ومن الملائكة ومن جميع المؤمنين ولا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً لا فريضة ولا تطوعاً وهو ذليل في الدنيا وضيع القدر كثر الله بهم القبور وأخلى منهم الدور] من سب الصحابة ومعاوية فأمه هاوية ص١٥. وقال الإمام أحمد: [إذا رأيت رجلاً يذكر أحداً من الصحابة بسوء فاتهمه على الإسلام] البداية والنهاية ٨/ ١٤٢.

стр. 1928

وقال الإمام أحمد أيضاً: [ومن السنة ذكر محاسن أصحاب رسول الله ﷺ كلهم أجمعين والكف عن الذي شجر بينهم فمن سب أصحاب رسول الله ﷺ أو واحداً فهو مبتدع رافضي حبهم سنة والدعاء لهم قربة والاقتداء بهم وسيلة والأخذ بآرائهم فضيلة] السنة للإمام أحمد. وقال الإمام البربهاوي: [إذا رأيت الرجل يطعن على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه صاحب قول سوء وهوى] شرح السنة ص١٢٣ ...... وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فيمن يلعن معاوية فماذا يجب عليه؟ فأجاب: الحمد لله من لعن أحداً من أصحاب النبي ﷺ معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ونحوهما من هو أفضل من هؤلاء كأبي موسى الأشعري وأبي هريرة ونحوهما أو من هو أفضل من هؤلاء كطلحة والزبير وعثمان وعلي بن أبي طالب أو أبي بكر الصديق وعمر أو عائشة أم المؤمنين غير هؤلاء من أصحاب النبي ﷺ فإنه مستحق للعقوبة البليغة باتفاق أئمة الدين وتنازع العلماء هل يعاقب بالقتل أو ما دون القتل كما قد بسطنا ذلك في غير هذا الموضع وقد ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أُحدٍ ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه) واللعنة أعظم من السب وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لعن المؤمن كقتله) فقد جعل النبي ﷺ لعن المؤمن كقتله وأصحاب رسول الله ﷺ خيار المؤمنين كما ثبت عنه أنه قال (خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) وكل من رأى رسول الله ﷺ مؤمناً به فله من الصحبة بقدر ذلك. الخ] الفتاوى الكبرى ٤/ ٢٥٥ - ٢٥٦. وسئل الإمام أحمد بن حنبل ﵀ أيما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: لغبار لحق بأنف جواد معاوية بين يدي رسول الله خيرٌ من عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه وأماتنا على محبته. شذرات الذهب ١/ ٦٥.

стр. 1929

قال الإمام الذهبي في ترجمة معاوية ﵁[فنحمد الله على العافية الذي أوجدنا في زمان قد انمحص فيه الحق واتضح من الطرفين وعرفنا مآخذ كل واحد من الطائفتين وتبصرنا فعذرنا واستغفرنا وأحببنا باقتصاد وترحمنا على البغاة بتأويل سائغ في الجملة أو بخطأ إن شاء الله مغفور وقلنا كما علمنا الله (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَءَامَنُوا) وترضينا أيضا عمن اعتزل الفريقين كسعد بن أبي وقاص وابن عمر ومحمد بن مسلمة وسعيد بن زيد وخلق وتبرأنا من الخوارج المارقين الذين حاربوا علياً وكفروا الفريقين] سير أعلام النبلاء ٣/ ١٢٨. وخلاصة الأمر أن معاوية ﵁ صحابي جليل يجب تقديره واحترامه والترضي عنه ويحرم سبه وشتمه ولعنه وينبغي أن يعلم أن من سب الصحابة ومعاوية فأمه هاوية ....... دفاع عن صحيحي البخاري ومسلم يقول السائل: ما قولكم فيمن يزعم أن كون الحديث في الصحيحين لا يكفي للحكم بصحته؟ الجواب: كثرت السهام التي توجه للإسلام وللقضايا المسلَّمة عند جماهير علماء الأمة في هذا الزمان وهذه الهجمات ليست جديدة ولا يستبعد أن تكون هنالك أيدٍ خفيةً تحرك مثل هذه الدعوات المغرضة لتشكيك المسلمين عامة وطلبة العلم الشرعي خاصة في قضايا صارت من القطعيات في دين الإسلام كقول بعض من ينسب للعلم الشرعي إن السنة ليست مصدراً للتشريع ويجب الاكتفاء بما في القرآن الكريم، وكقول بعضهم إنه لا يوجد حديث واحد قاله النبي ﷺ بلفظه بل كل ما ورد إنما هو بالمعنى، وكقول بعضهم إن أصول الفقه بدعة وإنه لا قياس في الشرع ونحو ذلك من الترهات والخزعبلات. وقد تصدى العلماء للرد على هذه القضايا وأمثالها

стр. 1930

قديماً وحديثاً ولا يتسع المقام لكل ذلك فلعلي أذكر شيئاً يسيراً في إبطال الفرية المذكورة في السؤال فأقول: ...... اتفق علماء الأمة قديماً وحديثاً على أن صحيح الإمام البخاري وصحيح الإمام مسلم هما أصح كتابين بعد كتاب الله وأن الأحاديث المسندة المتصلة المذكورة فيهما أحاديث صحيحة ثابتة عن رسول الله ﷺ . قال الإمام النووي: [اتفق العلماء ﵏ على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم وتلقتهما الأمة بالقبول. وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة. وقد صح أن مسلماً كان ممن يستفيد من البخاري ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث] شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ٢٤. وقال الإمام النسائي: [ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب البخاري] المصدر السابق. وقال ابن الصلاح: [أول من صنف في الصحيح، البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل وتلاه أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري ومسلم مع أنه أخذ عن البخاري واستفاد منه فإنه يشارك البخاري في كثير من شيوخه وكتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز] هدي الساري ص١٢. وقال الذهبي: [وأما جامع البخاري الصحيح فأجل كتب الإسلام وأفضلها بعد كتاب الله تعالى] الحطة في ذكر الصحاح الستة ص٣١٢. وقال ولي الله الدهلوي: [أما الصحيحان فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيح بالقطع وأنهما متواتران إلى مصنفيهما وأن كل من يهون أمرهما فهو مبتدع متبع غير سبيل المؤمنين] حجة الله البالغة ١/ ٢٤٩ .......

стр. 1931

وقال العلامة أحمد محمد شاكر: [الحق الذي لا مرية فيه عند أهل العلم بالحديث من المحققين وممن اهتدى بهديهم وتبعهم على بصيرة من الأمر: أن أحاديث الصحيحين صحيحة كلها. ليس في واحد منها مطعن أو ضعف. وإنما انتقد الدارقطني وغيره من الحفاظ بعض الأحاديث. على معنى أن ما انتقدوه لم يبلغ في الصحة الدرجة العليا التي التزمها كل واحد منهما في كتابه. وأما صحة الحديث في نفسه فلم يخالف أحد فيها. فلا يهولنك إرجاف المرجفين. وزعم الزاعمين أن في الصحيحين أحاديث غير صحيحة وتتبع الأحاديث التي تكلموا فيها وانقدها على القواعد الدقيقة التي سار عليها أئمة أهل العلم واحكم عن بينة. والله الهادي إلى سواء السبيل] الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث ص٣٥. وقال محدث العصر الشيخ الألباني: [. كيف والصحيحان هما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى باتفاق علماء المسلمين من المحدثين وغيرهم فقد امتازا على غيرهما من كتب السنة بتفردهما بجمع أصح الأحاديث الصحيحة وطرح الأحاديث الضعيفة والمتون المنكرة على قواعد متينة وشروط دقيقة وقد وفقوا في ذلك توفيقاً بالغاً لم يوفق إليه من بعدهم ممن نحا نحوهم في جمع الصحيح كابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم حتى صار عرفاً عاماً أن الحديث إذا أخرجه الشيخان أو أحدهما فقد جاوز القنطرة ودخل في طريق الصحة والسلامة. ولا ريب في ذلك وأنه هو الأصل عندنا] مقدمة الألباني لشرح العقيدة الطحاوية ص١٤ - ١٥ ....... وبعد أن ذكرت هذه الباقة العطرة من أقوال أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين في الثناء على الصحيحين فيجب أن يعلم أن هؤلاء العلماء وغيرهم لم يطلقوا هذه الأحكام على الصحيحين جزافاً وإنما جاءت هذه الأحكام بعد أن درسوا الصحيحين دراسة واعية على بصيرة وهدى. فقد درس آلاف العلماء من الحفاظ وغيرهم أسانيد البخاري ومسلم دراسة مستفيضة فوصلوا إلى ما وصلوا إليه وهو الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال. فالأحاديث المرفوعة في الصحيحين أو أحدهما صحيحة بدون أدنى شك

стр. 1932

وأما الحديث المتفق عليه فهو ما اتفق البخاري ومسلم على روايته في صحيحيهما والحديث المتفق عليه هو أعلى درجة من درجات الحديث الصحيح. قال الإمام النووي: [الصحيح أقسام أعلاها ما اتفق عليه البخاري ومسلم ثم ما انفرد به البخاري ثم مسلم ثم على شرطهما ثم على شرط البخاري ثم مسلم ثم صحيح عند غيرهما] تدريب الراوي شرح التقريب ١/ ١٢٢ - ١٢٣. وقال الشوكاني: [واعلم أن ما كان من الأحاديث في الصحيحين أو أحدهما جاز الاحتجاج به من دون بحث لأنهما التزما الصحة وتلقت ما فيهما الأمة بالقبول] نيل الأوطار ١/ ٢٢. وينبغي أن يعلم أن من أهل العلم من انتقد على الصحيحين أو أحدهما أحاديث كالدارقطني وقد فصل الحافظ ابن حجر الكلام على الأحاديث المنتقدة على صحيح البخاري في الفصل الثامن من مقدمته لفتح الباري والمسماة هدي الساري فذكر الأحاديث المنتقدة وأجاب عليها جواباً إجمالياً وجواباً مفصلاً فقال في الأول منهما: [والجواب عنه على سبيل الإجمال أن نقول لا ريب في تقديم البخاري ثم مسلم على أهل عصرهما ومن بعده من أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح والمعلل. فبتقدير توجيه كلام من انتقد عليهما يكون قوله معارضاً لتصحيحهما ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غيرهما فيندفع الاعتراض من حيث الجملة] هدي الساري ص ٥٠٦. ثم ذكر الجواب التفصيلي عن كل حديث انتقد على البخاري. وخلاصة الأمر أن من طعن في أحاديث البخاري ومسلم فكلامه مردود عليه حيث إن أهل هذا الشأن من الحفاظ وأهل الحديث أجابوا عن ذلك أجوبة قاطعة واضحة. وإن الطعن في البخاري ومسلم ما هو إلا طعن في السنة النبوية ومن يطعن في السنة النبوية يخشى عليه من الزندقة .............

стр. 1933

الحجامة من السنة يقول السائل: هل التداوي بالحجامة من السنة وما أفضل وقت للحجامة؟ الجواب: الحجامة مأخوذة من حجم بمعنى مصَّ، والحجامة تعني مص الدم وإخراجه من البدن. انظر لسان العرب ٣/ ٦٧ - ٦٨. وجاء في الموسوعة الطبية الفقهية ص٣٢٧ ما يلي: [والحجامة وسيلة قديمة كانت تستخدم لعلاج معظم الأمراض لأن الناس كانوا يجهلون أسباب الأمراض وكانت الوسائل العلاجية محدودة جداً وقد تجرى الحجامة باستخدام العلق الذي يوضع على الجلد فيمص الدم وقد تجرى الحجامة أيضاً دون تشريط الجلد، وذلك باستخدام كؤوس فارغة تسخن من باطنها لخلخلة الهواء وإحداث ضغط سلبي بداخلها ثم توضع على مناطق مختارة من الجلد فتجذب الدم في العروق إلى موضع الحجامة وهي طريقة تساعد في تخفيف الوجع وتعالج بعض الآفات الموضعية مثل التهاب العضلات والتهاب المفاصل والرثية ونحوها. وفي العصر الحديث عاد الاهتمام بمثل هذه الطرق القديمة من العلاج فيما يعرف بالطب الطبيعي أو الطب البديل الذي أنشئت له في أنحاء متفرقة من العالم عيادات متخصصة أخذ روادها يتزايدون يوماً بعد يوم وبخاصة بعد اكتشاف الأضرار الجانبية الخطيرة لكثير من الأدوية الكيميائية وتحول كثير من الأطباء عن الأدوية المصنعة إلى المعالجات الطبيعية] ................... والتداوي بالحجامة من المندوبات في الشريعة الإسلامية، وقد ورد في فضل التداوي بالحجامة أحاديث كثيرة منها: عن أنس ﵁ أنه سئل عن أجر الحجام فقال: احتجم رسول الله ﷺ حجمه أبو طيبة وأعطاه صاعين من طعام وكلم مواليه فخففوا عنه. وقال ﷺ : (إن أمثل ما تداويتم به الحجامة والقُسْط البحري) رواه البخاري ومسلم. والقُسْط البحري من عقاقير البحر. انظر عمدة القاري ١٤/ ٦٨١. وروى البخاري بسنده أن جابر بن عبد الله ﵄ عاد المقنع -

стр. 1934

أحد التابعين - ثم قال: لا أبرح حتى يحتجم فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول إن فيه شفاء. وعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن كان في شيء من أدويتكم خير ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار توافق الداء وما أحب أن أكتوي) رواه البخاري مسلم. وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم في رأسه من شقيقة كانت به. رواه البخاري. وقد ذكر الأطباء والعلماء قديماً وحديثاً فوائد كثيرة للحجامة قال العلامة ابن القيم: [وأما منافع الحجامة فإنها تنقي سطح البدن أكثر من الفصد والفصد لأعماق البدن أفضل والحجامة تستخرج الدم من نواحي الجلد] الطب النبوي ص١٦٩. وقال الدكتور عبد الرزاق الكيلاني: [وتفيد الحجامة الجافة في تسكين الآلام جميعها إذا طبقت في مكان الألم أو قريباً منه وقد سقط النبي ﷺ على وركه فأصيب بوثي فيه فعالجه بالحجامة كما تفيد في الصداع والآلام الوربية والقطنية والآلام المفصلية وألم ذات الجنب وتفيد في التهاب القصبات وذات الرئة واحتقانات الكبد والتهاب التأمور وقصور القلب الخفيف كما تقوم مقام الاستدماء الذاتي لمكافحة أمراض الحساسية كالأكزيما والشري وغيرها وإذا أجريت في الرأس أفادت كثيراً من أمراض العين ............. أما الحجامة المدماة فإنها عدا الأمراض التي تفيد فيها الحجامة الجافة تفيد في ارتفاع الضغط الشرياني بخاصة لأنها تكون كالفصادة وكذلك في قصور القلب الشديد ووذمة الرئة الحادة واحتقانات الكبد الشديدة وقصور الكلى الحاد والتسممات. وقد استعمل النبي ﷺ الحجامة لعلاج الوثي ولعلاج الصداع والشقيقة والتسمم واستعملها الصحابة فوق ذلك لتبيغ الدم

стр. 1935

وأظن أنهم كانوا يقصدون به ارتفاع الضغط الشرياني] الحقائق الطبية في الإسلام ص٢٨٤ - ٢٨٥. وذكر الدكتور محمود النسيمي استطبابات الحجامة ومنها: احتقانات الرئة واحتقان الكبد والتهاب الكلية الحاد والآلام العصبية. إلخ. انظر الطب النبوي والعلم الحديث ٣/ ٩٤ - ٩٦. وذكر الدكتور عبد المعطي قلعجي استعمال الحجامة في الطب المعاصر وذلك في تعليقه على الطب النبوي لابن القيم في هامش الصفحتين ١٦٢ - ١٦٣ وذكر المصادر الطبية التي ذكرت استطبابات الحجامة في الطب المعاصر. وأما وقت الحجامة فقد وردت بعض الأحاديث التي تفيد أن أفضل الحجامة ما يكون بعد النصف الثاني من الشهر الهجري بقليل فمن ذلك: عن أنس ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يحتجم في الأخدعين والكاهل وكان يحتجم لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين) رواه الترمذي وابن ماجة وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/ ٢٠٤. وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إن خير ما تحتجمون فيه يوم سبع عشرة ويوم تسع عشرة ويوم واحد وعشرين) رواه الترمذي وحسنه ضمن حديث طويل وقد ذكره الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/ ٢٠٤ وغير ذلك من الأحاديث انظر الطب النبوي للسيوطي ص ٢٤٤ - ٢٤٦ ............. قال ابن القيم بعد أن ذكر الحديثين السابقين: [وهذه الأحاديث موافقة لما أجمع عليه الأطباء أن الحجامة في النصف الثاني وما يليه من الربع الثالث من أرباعه أنفع من أوله وآخره وإذا استعملت عند الحاجة إليها نفعت أي وقت كان من أول الشهر وآخره. قال الخلال: أخبرني عصمة بن عصام قال: حدثنا حنبل قال: كان أبو عبد الله أحمد بن حنبل يحتجم أي وقت هاج به الدم وأي ساعة كانت] الطب النبوي ص١٧٤ - ١٧٥.

стр. 1936

وقال الدكتور محمود النسيمي: [ليس للحجامة الجافة وقت معين لإجرائها وإنما تنفذ لدى وجود استطباب لها أما الحجامة المبزغة (الدامية) فلها أوقات مفضلة في الطب النبوي والعربي إذا استعملت بشكل وقائي أما في حالة الاستطباب العلاجي الإسعافي فإنها تجرى في أي وقت. ولقد مر أن النبي ﷺ احتجم بعدما سم واحتجم على وركه من وثء كان به واحتجم وهو محرم على ظهر قدمه من وجع أو وثء كان به، وفي رأسه من شقيقة ألمت به ولم يرد عنه ﷺ أنه انتظر في تلك الأحوال يوماً معيناً أو ساعة معينة من اليوم. ولذا تحمل أحاديث تفضيل أيام معينة من الشهر لإجراء الحجامة الدامية على إجرائها لأغراض وقائية كما في الدمويين لدى اشتداد الحر والله تعالى أعلم] الطب النبوي والعلم الحديث ٣/ ١٠٢ - ١٠٣. وخلاصة الأمر أن التداوي بالحجامة من الأمور المستحبة ويجوز استخدامها في أي وقت إن كانت علاجاً لداء معين وأما إن كان استعمالها على سبيل الوقاية فيستحب أن تكون في الأيام التي ذكرت في الأحاديث السابقة. والله الهادي إلى سواء السبيل تمَّ الكتاب بحمده تعالى

стр. 1937

وقال الدكتور محمود النسيمي: [ليس للحجامة الجافة وقت معين لإجرائها وإنما تنفذ لدى وجود استطباب لها أما الحجامة المبزغة (الدامية) فلها أوقات مفضلة في الطب النبوي والعربي إذا استعملت بشكل وقائي أما في حالة الاستطباب العلاجي الإسعافي فإنها تجرى في أي وقت. ولقد مر أن النبي ﷺ احتجم بعدما سم واحتجم على وركه من وثء كان به واحتجم وهو محرم على ظهر قدمه من وجع أو وثء كان به، وفي رأسه من شقيقة ألمت به ولم يرد عنه ﷺ أنه انتظر في تلك الأحوال يوماً معيناً أو ساعة معينة من اليوم. ولذا تحمل أحاديث تفضيل أيام معينة من الشهر لإجراء الحجامة الدامية على إجرائها لأغراض وقائية كما في الدمويين لدى اشتداد الحر والله تعالى أعلم] الطب النبوي والعلم الحديث ٣/ ١٠٢ - ١٠٣. وخلاصة الأمر أن التداوي بالحجامة من الأمور المستحبة ويجوز استخدامها في أي وقت إن كانت علاجاً لداء معين وأما إن كان استعمالها على سبيل الوقاية فيستحب أن تكون في الأيام التي ذكرت في الأحاديث السابقة. والله الهادي إلى سواء السبيل تمَّ الكتاب بحمده تعالى

стр. 1938

يسألونك الجزء التاسع تأليف: الأستاذ الدكتور حسام الدين بن موسى عفانه أستاذ الفقه والأصول كلية الدعوة وأصول الدين/ جامعة القدس طباعة وتنسيق: شفاء بنت حسام الدين عفانه

стр. 1939

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1940

مقدمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ سورة آل عمران الآية ١٠٢. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ النساء الآية ١. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ سورة الأحزاب الآيتان ٧٠ - ٧١. أما بعد ... فإن الفقه الإسلامي فقه أصيل يمتاز بالثبات والمرونة، وعلى ضوء ذلك ينبغي دراسة المسائل المستجدة وخاصة في أبواب المعاملات والمجالات الطبية الحديثة، فعند إرادة بيان حكم المسائل المستجدة لا بد من دراستها وفق الأصول الثابتة للفقه الإسلامي، وعلى ضوء القواعد المقررة عند علماء الإسلام، بعد معرفة حقيقة هذه المسائل وتصورها تصوراً صحيحاً، فإن بعض الباحثين والمفتين يؤتون من عدم فهم المسائل الحديثة فهماً دقيقاً، فيصدرون أحكاماً خاطئة لها. والذي أراه في هذا الموضوع أن تدرس المسائل الحديثة بشكل جماعي لأن الدراسة الجماعية أفضل وأقوى من دراسة فرد بعينه مهما بلغ من العلم، وخاصة في

стр. 1941

هذا الزمان الذي ضعف فيه العلم وأهله وقلَّ فيه أهل الاجتهاد. والدراسة الجماعية للمسائل المستجدة هو ما تقوم به المجامع الفقهية كمجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي والمجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي. وبناءً على ما سبق فإن من منهجي في سلسلة كتابي يسألونك أني أرجع إلى آراء المجامع العلمية والفقهية وآخذ بها لأنني اعتقد أن رأي الجماعة خير من رأي الفرد وأقرب إلى الصواب، فقد ورد عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قلت: (يا رسول الله إن نزل بنا أمرٌ ليس فيه بيان أمر ولا نهي، فما تأمرني؟ قال: شاوروا فيه الفقهاء والعابدين ولا تمضوا فيه رأي خاصة). رواه الطبراني في الأوسط ورجاله موثقون من أهل الصحيح كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ١٧٨. وهذه هي أيضاَ طريقة أبي بكر ﵁، فعن ميمون بن مهران قال: (كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب، وعلم من رسول الله ﷺ في ذلك الأمر سنة قضى به، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين، وقال: أتاني كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر من رسول ﷺ فيه قضاءاً، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ على نبينا، فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله ﷺ جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به) رواه الدارمي في سننه ١/ ٤٢. وعن المسيب بن رافع قال: كانوا إذا نزلت بهم قضية ليس فيها من رسول الله ﷺ أثر، اجتمعوا لها وأجمعوا، فالحق فيما رأوا، فالحق فيما رأوا. رواه الدارمي في سننه ١/ ٣٧. وقال عبيدة السلماني لعلي بن أبي طالب ﵁: رأيك مع رأي عمر في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك. وهذه الآثار كلها من باب الاجتهاد الجماعي.

стр. 1942

وعليه فإني قد نقلت في كتابي هذا عدداً من قرارات المجامع الفقهية في القضايا العصرية حيث إن الأخذ بهذه الاجتهادات الجماعية أسلم. وختاماً فهذا هو الجزء التاسع من كتابي يسألونك وأصله حلقات تنشر صباح كل يوم جمعة في جريدة القدس المقدسية وسلكت فيه المنهج الذي سلكته في الأجزاء السابقة من اعتمادٍ على كتاب الله وسنة سيدنا رسول الله ﷺ وعلى فهم سلف هذه الأمة، فإن أصبت فذلك الفضل من الله وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، وأختم بما قاله القاضي البيساني يرحمه الله: [إني رأيت أنه لا يكتب إنسانٌ كتاباً في يومه، إلا قال في غده: لو غُيِّرَ هذا لكان أحسن، ولو زِيدَ كذا لكان يستحسن، ولو قُدِمَ هذا لكان أفضل، ولو تُرِكَ هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليلٌ على استيلاء النقص على جملة البشر]. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين كتبه الأستاذ الدكتور. حسام الدين بن موسى عفانة أبوديس/القدس صباح يوم الأربعاء الخامس عشر من شعبان ١٤٢٥هـ وفق التاسع والعشرين من أيلول ٢٠٠٤ م.

стр. 1943

الطهارة والصلاة

стр. 1944

حكم قراءة الحائض للقرآن الكريم ومسها للمصحف الشريف ودخولها المسجد وردتني عدة أسئلة من مجموعة من الأخوات حول قراءة الحائض للقرآن الكريم ومسها للمصحف الشريف ودخولها المسجد وطلبن توضيح هذه المسائل. الجواب: هذه المسائل مما اختلف فيها أهل العلم وتعددت الأقوال فيها ولكل قول حجته ودليله والقول الذي أرجحه في هذه المسائل هو التالي: أولاً: يجوز للحائض أن تقرأ القرآن الكريم من حفظها على أصح قولي العلماء في المسألة وهو مذهب الإمام مالك ورواية عن الإمام أحمد اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية ورجح هذا القول الشوكاني والشيخ الألباني وهو الذي أرجحه حيث إنه لم يثبت دليل صحيح صريح على منع الحائض من قراءة القرآن الكريم من حفظها. وأما ما روي في الحديث أنه ﷺ قال: (لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم، فهو حديث ضعيف عند المحدثين. قال البيهقي: [فيه نظر، قال محمد بن إسماعيل البخاري فيما بلغني عنه: إنما روى هذا إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة، ولا أعرفه من

стр. 1945

حديث غيره، وإسماعيل منكر الحديث عن أهل الحجاز وأهل العراق ... وقد روي عن غيره عن موسى بن عقبة، وليس بصحيح وروي عن جابر بن عبد الله من قوله في الجنب والحائض والنفساء وليس بقوي] السنن الكبرى ١/ ٨٩. وعلق العلامة الألباني على كلام البيهقي السابق بقوله: [قلت وهذا من روايته عن أهل الحجاز فهي ضعيفة، وقال العقيلي: قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: هذا باطل أنكره على إسماعيل بن عياش، يعني أنه وهم من إسماعيل بن عياش ... ] إرواء الغليل ١/ ٢٠٧. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن الحديث السابق: [وهو ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢١/ ٤٦٠. وقال الشوكاني: [الحديث في إسناده إسماعيل بن عياش وروايته عن الحجازيين ضعيفة وهذا منها. وذكر البزار أنه تفرد به عن موسى بن عقبة وسبقه إلى نحو ذلك البخاري وتبعهما البيهقي، لكن رواه الدارقطني من حديث المغيرة بن عبد الرحمن عن موسى، ومن وجه آخر وفيه مبهم عن أبي معشر وهو ضعيف عن موسى ... وقال أبو حاتم: حديث إسماعيل بن عياش هذا خطأ وإنما هو من قول ابن عمر. وقال أحمد بن حنبل: هذا باطل أنكر على إسماعيل بن عياش. والحديث يدل على تحريم القراءة على الجنب وقد عرفت بما ذكرنا أنه لا ينتهض للاحتجاج به على ذلك وقد قدمنا الكلام على ذلك في الحديث قبل هذا. ويدل أيضاً على تحريم القراءة على الحائض وقد قال به قوم، والحديث هذا والذي بعده لا يصلحان للاحتجاج بهما على ذلك فلا يصار إلى القول بالتحريم إلا لدليل] نيل الأوطار ١/ ٢٦٦ - ٢٦٧. وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: [وقال شيخ الإسلام: إنه ليس في منع الحائض من القراءة نصوص صريحة صحيحة وإذا كان كذلك فلها أن تقرأ القرآن لما يلي: ١. أن الأصل الحل حتى يقوم دليل على المنع. ٢. إن الله أمر بتلاوة القرآن مطلقاً، وقد أثنى الله على من يتلو كتابه

стр. 1946

فمن أخرج شخصاً عن عبادة الله بقراءة القرآن فإننا نطالبه بالدليل وإذا لم يكن هناك دليل صحيح صريح على المنع، فإنها مأمورة بالقراءة. فإن قيل: ألا يمكن أن تقاس على الجنب بجامع لزوم الغسل لكل منهما بسبب خارج؟ أجيب: أنه قياس مع الفارق لأن الجنب باختياره أن يزيل هذا المانع بالاغتسال، وأما الحائض فليس باختيارها أن تزيل هذا المانع، وكذا فإن الحائض مدتها تطول غالباً، والجنب مدته لا تطول لأنه سوف تأتيه الصلاة، ويلزم بالاغتسال والنفساء من باب أولى أن يرخص لها، لأن مدتها أطول من مدة الحائض وما ذهب إليه شيخ الإسلام ﵀ مذهب قوي. ولو قال قائل: ما دام العلماء مختلفين، وفي المسألة أحاديث ضعيفة، فلماذا لا نجعل المسألة معلقة بالحاجة، فإذا احتاجت إلى القراءة كالأوراد، أو تتحفظ ما حفظته حتى لا تنسى، أو تحتاج إلى تعليم أولادها أو البنات في المدارس فيباح لها ذلك، وأما مع عدم الحاجة فتأخذ بالأحوط، وهي لن تحرم بقية الذكر. فلو ذهب ذاهب إلى هذا لكان مذهباً قوياً] الشرح الممتع ١/ ٢٩١ - ٢٩٢. ثانياً: قراءة الحائض للقرآن من المصحف مع مسه: إن كثيراً من أهل العلم لا يجيزون للحائض أن تمس المصحف لقوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ سورة الواقعة الآية ٧٩. واحتجوا بما ورد في الحديث أنه ﷺ قال: (لا يمس القرآن إلا طاهر) رواه مالك والدارقطني والطبراني وغيرهم وقال عنه العلامة الألباني: [وجملة القول: إن الحديث طرقه كلها لا تخلو من ضعف، ولكنه ضعف يسير إذ ليس في شيء منها من اتهم بكذب، وإنما العلة الإرسال أو سوء الحفظ، ومن المقرر في علم المصطلح أن الطرق يقوي بعضها بعضاً إذا لم يكن فيها متهم كما قرره النووي في تقريبه ثم السيوطي في شرحه، وعليه فالنفس تطمئن لصحة هذا الحديث لا سيما وقد احتج به إمام السنة أحمد بن حنبل كما سبق، وصححه أيضاً صاحبه الإمام إسحق بن راهويه] إرواء الغليل ١/ ١٦٠ - ١٦٢.

стр. 1947

وذهب جماعة آخرون من أهل العلم إلى جواز مس الحائض للمصحف وهو قول المزني صاحب الشافعي وداود وابن حزم الظاهريان وقولهم قوي ولهم أدلتهم وأهمها: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (المؤمن لا ينجس) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية للبخاري (إن المسلم)، وقد أجابوا هؤلاء العلماء عن أدلة المانعين بأن الآية الكريمة ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ ليست في محل النزاع، لأن المراد بها اللوح المحفوظ والمطهرون هم الملائكة. وأما حديث (لا يمس القرآن إلا طاهر)، فالصحيح أن كلمة طاهر، لفظ مشترك يطلق على المؤمن وعلى الطاهر من الحدث الأكبر وعلى الطاهر من الحدث الأصغر وعلى من ليس على بدنه نجاسة، وصرفه إلى واحدٍ من هذه المعاني يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك، فلا يسلم الاحتجاج به على منع الحائض من مس المصحف. قال الشوكاني [والحديث يدل على أنه لا يجوز مس المصحف إلا لمن كان طاهرًا ولكن الطاهر يطلق بالاشتراك على المؤمن والطاهر من الحدث الأكبر والأصغر ومن ليس على بدنه نجاسة ... ولو سلم صدق اسم الطاهر على من ليس بمحدث حدثاً أكبر أو أصغر فقد عرفت أن الراجح كون المشترك مجملاً في معانيه فلا يعين حتى يبين. وقد دل الدليل ههنا أن المراد به غيره لحديث (المؤمن لا ينجس) ولو سلم عدم وجود دليل يمنع من إرادته لكان تعيينه لمحل النزاع ترجيحاً بلا مرجح وتعيينه لجميعها استعمالاً للمشترك في جميع معانيه وفيه الخلاف ولو سلم رجحان القول بجواز الاستعمال للمشترك في جميع معانيه لما صح لوجود المانع وهو حديث (المؤمن لا ينجس). قال السيد العلامة محمد بن إبراهيم الوزير: [إن إطلاق اسم النجس على المؤمن الذي ليس بطاهر من الجنابة أو الحيض أو الحدث الأصغر لا يصح لا حقيقة ولا مجازاً ولا لغة صرح بذلك في جواب سؤال ورد عليه، فإن ثبت هذا فالمؤمن طاهر دائماً فلا يتناوله الحديث سواء كان جنباً أو حائضاً أو محدثاً أو على بدنه نجاسة] نيل الأوطار ١/ ٢٤٣ - ٢٤٤. ثالثاً: دخول الحائض للمسجد: يجوز للحائض أن تدخل المسجد إن أمنت من تلويثه على الراجح من أقوال أهل العلم، وبهذا قال الإمام أحمد

стр. 1948

في رواية عنه وهو قول المزني صاحب الإمام الشافعي وبه قال الإمام داود وابن حزم الظاهريان. واختار هذا القول العلامة الألباني كما في تمام المنة في التعليق على فقه السنة ص ١١٩. ويدل على الجواز البراءة الأصلية لأن الأصل عدم التحريم ولم يقم دليل صحيح صريح على تحريم دخول الحائض للمسجد. وأما ما روي في الحديث أنه ﷺ قال: (لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض) فهو حديث ضعيف لا يثبت عن النبي ﷺ وممن ضعفه الخطابي والبيهقي وعبد الحق الإشبيلي والنووي والألباني وبالغ ابن حزم فقال: [إنه باطل] انظر المحلى ١/ ٤٠١، خلاصة الأحكام ١/ ٢٠٦ - ٢١٠، إرواء الغليل ١/ ١٦٢. ومما يدل على الجواز أيضاً أن العلماء أجازوا للكافر دخول المسجد رجلاً كان أو امرأة فالمسلم أولى وإن كان جنباً والمسلمة كذلك وإن كانت حائضاً. وغير ذلك من الأدلة. وخلاصة الأمر أنه يجوز للحائض أن تقرأ القرآن من حفظها ويجوز لها أن تمسه ولكن خروجاً من الخلاف فأرى أن تمسه بحائل مثل كفوف اليدين ويجوز لها أن تدخل المسجد بشرط أن تأمن من تلويثه. الانحراف اليسير في قبلة المسجد لا يبطل الصلاة سألني بعض المصلين عن قبلة مسجد عمر بن عبد العزيز في بلدة العيزرية/ محافظة القدس، وشكوا من وجود انحراف عن اتجاه القبلة الصحيح وطلبوا بيان الحكم الشرعي في ذلك. الجواب: من المعلوم أن استقبال القبلة شرط من شروط صحة الصلاة ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ سورة البقرة الآية ١٥٠. ويجب تحديد القبلة بدقة عند بناء

стр. 1949

المساجد فإذا بني المسجد، وتبين بعد ذلك أن هنالك خطأً كبيراً في قبلة المسجد فيجب تصحيح ذلك الخطأ والتوجه إلى القبلة (والخطأ الكبير أن يكون الانحراف أكثر من ٤٥ درجة)، وقد اتفق العلماء على أنّ الفرض في حق من يشاهد الكعبة هو استقبال عينها، وأمّا من كان غائباً عنها فلا يراها مثل البعيد، فقال جمهور العلماء من الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة يجب عليه أن يستقبل جهة الكعبة ولا يجب عليه أن يستقبل عينها. وهذا القول هو الراجح لأنه المتفق مع مقاصد الشرع الحنيف من رفع الحرج قال الله تعالى: ﴿ومَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ سورة الحج الآية ٧٨. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ سورة البقرة الآية ١٥٠. واحتجوا بقول النبي ﷺ : (ما بين المشرق والمغرب قبلة) رواه الترمذي وابن ماجه وهو حديث صحيح. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [والواجب على هذين وسائر من بعُدَ من مكّة طلب جهة الكعبة دون إصابة العين، قال أحمد: ما بين المشرق والمغرب قبلة، فإن انحرف عن القبلة قليلاً لم يُعد ولكن يتحرى الوسط وبهذا قال أبو حنيفة. وقال الشّافعي في أحد قوليه كقولنا، والآخر: الفرض إصابة العين. ولنا قول النّبي ﷺ : (ما بين المشرق والمغرب قبلة) رواه التّرمذي وقال حديث حسن صحيح. وظاهره أنّ جميع ما بينهما قبلة، ولأنه لو كان الفرض إصابة العين لما صحت صلاة أهل الصف الطويل على خط مستوٍ ولا صلاة اثنين متباعدين يستقبلان قبلة واحدة فإنه لا يجوز أن يتوجه إلى الكعبة مع طول الصف إلا بقدرها] المغني ١/ ٣١٨. هذا وقد زرت المسجد المذكور مرتين واستعنت بأهل الخبرة وقد تبين لي أن قبلة المسجد صحيحة بشكل عام وإن وجد فيها انحراف فلا يضر ولا يؤثر على صحة الصلاة لأنّ الانحراف المبطل للصّلاة هو الانحراف الذي يكون كبيراً وقدره بعض العلماء المعاصرين بـ (٤٥) درجة كما سبق ويكون ذلك عندما يصلى إلى غير جهة الكعبة [فإذا كانت القبلة إلى الجنوب، وتوجّه المصلي إلى جهة الجنوب بناءً على اجتهاده فصلاته صحيحة. فإذا ابتعد عن عين القبلة يميناً أو يساراً حتّى ٤٥ درجة فإنّه يظل متّجهاً إلى جهة

стр. 1950

الجنوب، فإذا زاد عن ذلك فقد بدأ يتّجه إلى جهة الشرق أو الغرب، لأنّ كلّ جهة من هاتين الجهتين تبعد عن جهة الجنوب ٩٠ درجة. فإذا وصل إلى ٤٥ درجة فقد وصل إلى نهاية الجنوب من جهة الشرق، وبدأ التوجّه إلى جهة الشرق الجنوبي. أو إلى نهاية الجنوب من جهة الغرب وبدأ التوجّه إلى الغرب الجنوبي. فالخطأ في هذه الحدود مغتفر إن شاء الله إذا حصل بعد البحث والتحري والاجتهاد]. فإذا كان الانحراف ضمن نفس الجهة، بحيث تكون الكعبة أمامك ولكنّك لا تصيب عينها بل تتوجّه عن يمينها أو شمالها، فهو انحراف يسير غير مبطل للصّلاة. لأن الانحراف الذي لاحظه بعض المصلين في قبلة المسجد المذكور لا يخرج عن استقبال جهة القبلة. وخلاصة الأمر أن قبلة مسجد عمر بن عبد العزيز في بلدة العيزرية، قبلة صحيحة والانحراف الذي ذكره بعض المصلين إن وجد لا يؤثر على صحة الصلاة. وأنصح الأخوة المصلين في مسجد عمر بن عبد العزيز أن يصلوا حسب قبلة المسجد وأن يطمئنوا أن صلاتهم صحيحة إن شاء الله تعالى. لا تصح الصلاة بقراءة القرآن بغير اللغة العربية يقول السائل: ما قولكم في الفتوى التي صدرت عن أحد المفتين الأتراك والتي أجاز فيها قراءة القرآن في الصلاة باللغة التركية؟ الجواب: يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ سورة يوسف الآية ٢ وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ سورة الشعراء الآيات ١٩٢ - ١٩٥. وقد اتفق العلماء على أن القرآن الكريم هو اسم للنظم والمعنى وهذا هو الصحيح من قول أبي حنيفة أيضاً قال الأصفهاني:

стр. 1951

[والأصح من مذهب أبي حنيفة أن القرآن هو النظم والمعنى جميعاً والمراد بالنظم العبارات وبالمعنى مدلولاتها. وصح رجوع أبي حنيفة عن الإجزاء بالمعنى في الصلاة لوجوب القراءة بها لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ سورة المزمل الآية٢٠. ولا ينطبق حد القرآن على المعنى وحده بل حد القرآن ينطبق على مجموع العبارة والمعنى] بيان معاني البديع ج١/ ق٢/ ٩١٥. وما نسب إلى أبي حنيفة ﵀ أنه يجيز قراءة القرآن بغير العربية فقد بُنِيَ على قول منسوب لأبي حنيفة أن القرآن اسم للمعنى فقط والنظم ركن زائد، ولكن لم يثبت هذا عنه كما حقق ذلك الأصوليون من الحنفية، انظر كشف الأسرار على أصول البزدوي ١/ ٢٥، التقرير والتحبير ٢/ ٢١٣ - ٢١٤، فواتح الرحموت ٢/ ٨ - ٩. إذا تقرر هذا التأصيل فإن جماهير أهل العلم منعوا قراءة القرآن بغير العربية في الصلاة وخارج الصلاة حيث إن ترجمة القرآن لا تسمى قرآناً وقد أُمرنا بقراءة القرآن: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾. قال الإمام النووي: [مذهبنا أنه لا يجوز قراءة القرآن بغير لسان العرب سواء أمكنه العربية أو عجز عنها وسواء كان في الصلاة أو غيرها فإن أتى بترجمته في صلاة بدلاً عن القراءة لم تصح صلاته سواء أحسن القراءة أم لا، هذا مذهبنا وبه قال جماهير العلماء منهم مالك وأحمد وداود] المجموع ٣/ ٣٧٩ - ٣٨٠. وقال الإمام النووي أيضاً: [واحتج أصحابنا بحديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه سمع هشام بن حكيم يقرأ سورة على غير ما يقرأ عمر فلببه بردائه وأتى به رسول الله ﷺ وذكر الحديث، رواه البخاري ومسلم، فلو جازت الترجمة لأنكر عليه ﷺ اعتراضه في شيء جائز، واحتجوا أيضاً بأن ترجمة القرآن ليست قرآناً لأن القرآن هو هذا النظم المعجز وبالترجمة يزول الإعجاز فلم يجز وكما أن الشعر يخرجه ترجمته عن كونه شعراً فكذا القرآن] المجموع ٣/ ٣٨٠. ثم نقل الإمام النووي كلام إمام الحرمين في المسألة فقال: [ترجمة القرآن ليست

стр. 1952

قرآناً بإجماع المسلمين ومحاولة الدليل لهذا تكلف فليس أحدٌ يخالف في أن من تكلم بمعنى القرآن بالهندية ليست قرآناً وليس ما لفظ به قرآناً ومن خالف في هذا كان مراغماً جاحداً وتفسير شعر امرئ القيس ليس شعره فكيف يكون تفسير القرآن قرآناً، وقد سلموا أن الجنب لا يحرم عليه ذكر معنى القرآن والمحدث لا يمنع من حمل كتاب فيه معنى القرآن وترجمته فعلم أن ما جاء به ليس قرآناً ولا خلاف أن القرآن معجز وليست الترجمة معجزة والقرآن هو الذي تحدى به النبي ﷺ العرب ووصفه الله تعالى بكونه عربياً وإذا علم أن الترجمة ليست قرآناً وقد ثبت أنه لا تصح صلاته إلا بقرآن حصل أن الصلاة لا تصح بالترجمة، هذا كله مع أن الصلاة مبناها على التعبد والإتباع والنهي عن الاختراع وطريق القياس منسدة وإذا نظر الناظر في أصل الصلاة وأعدادها واختصاصها بأوقاتها وما اشتملت عليه من عدد ركعاتها وإعادة ركوعها في كل ركعة وتكرر سجودها إلى غير ذلك من أفعالها ومدارها على الإتباع ولم يفارقها جملة وتفصيلاً فهذا يسد باب القياس حتى لو قال قائل مقصود الصلاة الخضوع فيقوم السجود مقام الركوع لم يقبل ذلك منه وإن كان السجود أبلغ في الخضوع. ثم عجبت من قولهم إن الترجمة لا يكون لها حكم القرآن في تحريمها على الجنب ويقولون لها حكمه في صحة الصلاة التي مبناها على التعبد والإتباع] المجموع ٣/ ٣٨٠ - ٣٨١. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ولا تجزئه القراءة بغير العربية ولا إبدال لفظها بلفظ عربي سواء أحسن قراءتها بالعربية أو لم يحسن وبه قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد] المغني ١/ ٣٥٠. وقال الشيخ ابن حزم الظاهري: [ومن قرأ أم القرآن أو شيئاً منها أو شيئاً من القرآن في صلاته مترجماً بغير العربية أو بألفاظ عربية غير الألفاظ التي أنزل الله تعالى عامداً لذلك أو قدم كلمة أو أخرها عامداً لذلك: بطلت صلاته وهو فاسق لأن الله تعالى قال: ﴿قُرْءَانًا عَرَبِيًّا﴾ سورة الزخرف الآية ٣. وغير العربي ليس عربياً فليس قرآناً؟! وإحالة رتبة القرآن تحريف كلام الله تعالى وقد ذم الله تعالى قوماً فعلوا ذلك فقال: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾

стр. 1953

سورة النساء الآية ٤٦. وقال أبو حنيفة: تجزيه صلاته واحتج له من قلده بقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ سورة الشعراء الآية ١٩٦. قال علي: لا حجة لهم في هذا لأن القرآن المنزل علينا على لسان نبينا ﷺ لم ينزل على الأولين وإنما في زبر الأولين ذكره والإقرار به فقط ولو أنزل على غيره ﵇ لما كان آية له ولا فضيلة له وهذا لا يقوله مسلم! ومن كان لا يحسن العربية فليذكر الله تعالى بلغته لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا﴾ سورة البقرة الآية ٢٨٦. ولا يحل له أن يقرأ أم القرآن ولا شيئاً من القرآن مترجماً على أنه الذي افترض عليه أن يقرأه لأنه غير الذي افترض عليه كما ذكرنا فيكون مفترياً على الله تعالى] المحلى ٢/ ٢٨٥. ويجب أن يعلم أن ما نسب إلى أبي حنيفة من جواز قراءة القرآن بالفارسية لغير القادر على العربية صحّ رجوع أبي حنيفة عنه والفتوى عند الحنفية على منع قراءة القرآن بغير العربية. قال صاحب الهداية الحنفي بعد ذكر المسألة: [ويروى رجوعه في أصل المسألة وعليه الاعتماد] الهداية مع شرح فتح القدير ١/ ٢٤٩. وقال الشيخ علاء الدين الحصكفي من الحنفية بعد ذكر المسألة: [لأن الأصح رجوعه -أبو حنيفة- إلى قولهما - أبو يوسف ومحمد- وعليه الفتوى] الدر المختار شرح تنوير الأبصار ١/ ٤٨٤. وأكد العلامة ابن عابدين الحنفي صحة رجوع أبي حنفية عن قوله في هذه المسألة. حاشية ابن عابدين ١/ ٤٨٤. وخلاصة الأمر أنه تحرم قراءة القرآن بغير العربية ولا تصح الصلاة بذلك والفتوى المشار إليها في السؤال باطلة. حكم الصلاة جلوساً على الكرسي يقول السائل: صرنا نلاحظ كثرة المصلين في المساجد الذين يصلون جلوساً على الكراسي فما حكم صلاتهم؟ الجواب: اتفق أهل العلم على أن القيام في صلاة الفريضة ركن من

стр. 1954

أركان الصلاة لا تصح الصلاة إلا به مع القدرة عليه، لقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ سورة البقرة الآية ٢٣٨. ولما ورد في الحديث عن عمران بن حصين ﵁ قال: (كانت بي بواسير فسألت النبي ﷺ عن الصلاة فقال: صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنبك) رواه البخاري. قال الإمام الشوكاني: [وحديث عمران يدل على أنه يجوز لمن حصل له عذر لا يستطيع معه القيام أن يصلي قاعداً ولمن حصل له عذر لا يستطيع معه القعود أن يصلي على جنبه] نيل الأوطار ٣/ ٢٢٥. وبناءً على ذلك فإن من صلى الفريضة جالساً وهو قادر على القيام فصلاته باطلة. وقد اتفق أهل العلم على أن المريض الذي لا يستطيع القيام فإنه يصلي قاعداً ويركع ويسجد إذا قدر عليهما فإن لم يستطع الركوع والسجود فإنه يصلي مومياً ويجعل سجوده أخفض من ركوعه لأن المشقة تجلب التيسير ومن المعلوم أن رفع الحرج ودفع المشقة أصل قطعي من أصول الشريعة ودلت عليه أدلة كثيرة منها قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ سورة البقرة الآية ٢٨٦. وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ سورة التغابن الآية ٦١. وقول النبي ﷺ : (إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم) رواه البخاري ومسلم، وغير ذلك من النصوص. ومما يدل على جواز صلاة الفريضة قاعداً عند العجز عن القيام قوله ﷺ في حديث عمران السابق (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنبك) وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ : (ركب فرساً فصرع عنه فجحش- أي جرح - شقه الأيمن فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد.) رواه البخاري ومسلم. وعن عائشة ﵂ (أن النبي ﷺ لم يمت حتى كان كثير من صلاته وهو جالس) رواه مسلم. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [أجمع أهل العلم على أن من لا يطيق القيام له أن يصلي جالساً] المغني ٢/ ١٠٦.

стр. 1955

وقال الإمام النووي: [. أجمعت الأمة علي أن من عجز عن القيام في الفريضة صلاها قاعداً ولا إعادة عليه، قال أصحابنا ولا ينقص ثوابه عن ثوابه في حال القيام لأنه معذور وقد ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ قال: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً)] المجموع ٤/ ٣١٠. ويجب أن يعلم أن من قدر على القيام وعجز عن الركوع أو السجود لم يسقط عنه القيام، بل يصلي قائماً ثم إذا استطاع الركوع فيجب عليه الركوع وإن لم يستطع جلس وأومأ بالركوع ثم يومئ بالسجود ويجعل سجوده أخفض من ركوعه. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ومن قدر على القيام، وعجز عن الركوع أو السجود لم يسقط عنه القيام. ويصلي قائماً فيومئ بالركوع. ثم يجلس فيومئ بالسجود] وبهذا قال الشافعي. ولنا قوله الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ سورة البقرة الآية ٢٣٨. وقول النبي ﷺ : (صل قائماً) ولأن القيام ركن قدر عليه، فلزمه الإتيان به كالقراءة. والعجز عن غيره لا يقتضي سقوطه كما لو عجز عن القراءة] المغني ٢/ ١٠٧. ويجب أن يعلم أن حدَّ المرض الذي يجيز للمريض أن يصلي قاعداً هو أن يخاف المريض مشقة شديدة أو زيادة المرض أو تباطؤ برئه. قال الإمام النووي [قال أصحابنا ولا يشترط في العجز أن لا يتأتى القيام ولا يكفى أدنى مشقة بل المعتبر المشقة الظاهرة فإذا خاف مشقةً شديدةً أو زيادة مرض أو نحو ذلك أو خاف راكب السفينة الغرق أو دوران الرأس صلى قاعداً ولا إعادة] المجموع ٤/ ٣١٠. وقال الإمام الشوكاني: [والمعتبر في عدم الاستطاعة عند الشافعية هو المشقة أو خوف زيادة المرض أو الهلاك لا مجرد التألم فإنه لا يبيح ذلك عند الجمهور] نيل الأوطار ٣/ ٢٢٥. ويرى بعض أهل العلم أن ضابط ذلك يتعلق بالمشقة التي تذهب الخشوع: [قال إمام الحرمين.: الذي أراه في ضبط العجز أن يلحقه بالقيام مشقة تذهب خشوعه لأن الخشوع مقصود الصلاة] المجموع ٤/ ٣١٠. وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين: [الضابط للمشقة: ما زال به

стр. 1956

الخشوع، والخشوع هو حضور القلب والطمأنينة، فإذا كان إذا قام قلق قلقاً عظيماً ولم يطمئن وتجده يتمنى أن يصل إلى آخر الفاتحة ليركع من شدة تحمله فهذا شق عليه القيام فيصلي قاعداً] الشرح الممتع ٤/ ٤٦١. وروى عبد الرزاق بسنده عن عمر بن ميمون بن مهران عن أبيه قال: قيل له ما علامة ما يصلي المريض قاعداً؟ قال: إذا كان لا يستطيع أن يقوم لدنياه فليصل قاعداً. مصنف عبد الرزاق ٢/ ٤٧٣. وعلى كل حال فإن المريض هو الذي يحدد قدرته على القيام أو القعود أو غير ذلك فإذا أطاق المريض الصلاة قاعداً صلى قاعداً فإن لم يستطع أن يصلي قاعداً صلى على قدر حاله بقدر ما يطيق على جنبه أو على ظهره ورجلاه مما يلي القبلة ووجهه مستقبل القبلة ويومئ إيماءً على قدر طاقته مستلقياً على قفاه وقدماه تجاه القبلة بحيث لو قام استقبل القبلة. انظر أحكام المريض ص ٦٦. وكل ما سبق في صلاة الفريضة، وأما صلاة النافلة فالأفضل فيها أن يصليها المصلي قائماً ويجوز فيها الجلوس حتى بغير عذر ويدل على ذلك ما ورد في الحديث أن رسول الله ﷺ قال: (من صلى قائماً فهو أفضل ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم) رواه البخاري. وعن عبد الله بن شقيق قال: (سألت عائشة ﵂ عن صلاة رسول الله ﷺ وعن تطوعه؟ فقالت: كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعاً ثم يخرج فيصلي بالناس ثم يدخل فيصلي ركعتين وكان يصلي بالناس المغرب ثم يدخل فيصلي ركعتين ويصلي بالناس العشاء ويدخل بيتي فيصلي ركعتين وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر وكان يصلي ليلاً طويلاً قائماً وليلاً طويلاً قاعداً وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم وإذا قرأ قاعداً ركع وسجد وهو قاعد وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين) رواه مسلم. وعن عمران بن حصين ﵁ قال: (سألت النبي- ﷺ عن صلاة الرجل وهو قاعد فقال: من صلى قائماً فهو أفضل ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم ومن صلى نائماً فله نصف أجر القاعد) رواه البخاري وقال: نائماً عندي مضطجعاً. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: (حُدثت أن رسول الله ﷺ -

стр. 1957

قال صلاة الرجل قاعداً نصف الصلاة قال فأتيته فوجدته يصلي جالساً فوضعت يدي على رأسه، فقال: مالك يا عبد الله بن عمرو؟ قلت: حدثت يا رسول الله أنك قلت صلاة الرجل قاعداً على نصف الصلاة وأنت تصلي قاعداً؟ قال: أجل ولكني لست كأحد منكم) رواه مسلم وغير ذلك من النصوص. وخلاصة الأمر أن القيام في صلاة الفريضة ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة بدونه لمن كان قادراً عليه ومن عجز عن القيام صلى قاعداً أو على أي هيئة يستطيعها وترك القيام رخصة للعاجز حقيقةً والرخص لا تؤتى إلا عند وجود العذر المجيز لفعلها فقط. وأخيراً فإن بعض المصلين يتساهلون في هذه المسألة فيصلون قعوداً لغير عذر فهؤلاء صلاتهم باطلة. ترك صلاة الجمعة في المسجد الأقصى المبارك والصلاة في مساجد ضواحي القدس يقول السائل: إنه يسكن في ضاحية من ضواحي مدينة القدس ويحافظ على صلاة الجمعة في المسجد الأقصى المبارك إلا أن بعض الناس من سكان الأحياء المحيطة بالبلدة القديمة من القدس يتركون صلاة الجمعة في المسجد الأقصى ويذهبون إلى بعض مساجد ضواحي القدس فيصلون فيها بحجة أنهم يأخذون علماً من خطيب ذلك المسجد فما قولكم في ذلك؟ الجواب: أذكر أولاً بعض ما ورد من فضائل للمسجد الأقصى المبارك فإن في ذلك ذكرى للمؤمنين قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقصى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْءَايَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ سورة الإسراء الآية ١. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجد الرسول ﷺ ومسجد الأقصى) رواه البخاري ومسلم، قال الحافظ ابن حجر

стр. 1958

العسقلاني: [وفي هذا الحديث فضيلة هذه المساجد ومزيتها على غيرها لكونها مساجد الأنبياء, ولأن الأول قبلة الناس وإليه حجهم, والثاني كان قبلة الأمم السالفة, والثالث أسس على التقوى) فتح الباري ٣/ ٨٤. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ عن رسول الله ﷺ (أن سليمان بن داود ﵇ لما بنى بيت المقدس سأل الله خلالاً ثلاثةً، سأل الله حكماً يصادف حكمه فأوتيه وسأل الله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه وسأل الله حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه) رواه أحمد النسائي وابن ماجه وابن حبان وهو حديث صحيح. وعن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: سمعت أبا ذر ﵁ قال: (قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام، قال: قلت ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة، ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصله فإن الفضل فيه) رواه البخاري ومسلم. وقد وردت بعض الأحاديث في مضاعفة الصلاة في المسجد الأقصى فمن ذلك: عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة والصلاة في مسجدي بألف صلاة والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة) رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات وفي بعضهم كلام وهو حديث حسن كما قال الهيثمي مجمع الزوائد ٤/ ٧، ورواه البزار وقال إسناده حسن الترغيب والترهيب ٢/ ١٧٥. وعن أبي ذر ﵁ قال: (تذاكرنا ونحن عند رسول الله ﷺ أيهما أفضل أمسجد رسول الله ﷺ أم بيت المقدس؟ فقال رسول الله- ﷺ : صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه ولنعم المصلى هو وليوشكن لأن يكون للرجل مثل شطن فرسه من الأرض حيث يرى منه بيت المقدس خير له من الدنيا جميعاً) رواه الحاكم والطبراني والطحاوي وغيرهم. وقال

стр. 1959

الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح، مجمع الزوائد ٤/ ٧، وصححه الشيخ الألباني بل قال عنه إنه أصح ما جاء في فضل الصلاة في المسجد الأقصى، السلسلة الصحيحة حديث رقم ٢٩٠٢، تمام المنة في التعليق على فقه السنة ص ٢٩٤. إذا تقرر هذا من مشروعية شد الرحال إلى لمسجد الأقصى المبارك ومن مضاعفة الصلاة فيه فعلى أهل بيت المقدس وأكناف بيت المقدس أن يشدوا الرحال إلى المسجد الأقصى وأن يحرص كل من يستطيع منهم الوصول إلى المسجد الأقصى أن يصلي فيه دائماً الصلوات الخمس وصلاة الجمعة إن استطاع إلى ذلك سبيلاً وأما ما يفعله بعض الناس في أيام الجمعة كما ذكر السائل حيث إنهم يقصدون مسجداً من مساجد ضواحي بيت المقدس فيصلون الجمعة فيه وحجتهم في ذلك أنهم يأخذون علماً من خطيب ذلك المسجد فهذا كما قال الله تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ سورة البقرة الآية ٦١، وخاصة إن فعله من هم بجوار المسجد الأقصى فيتركون الصلاة في المسجد الأقصى ويصلون في غيره لتلك الحجة الواهية وكأنهم يأخذون العلم من إمام من أئمة المسلمين كأبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد بن حنبل؟؟!!! وينبغي أن أذكر الذين لا يستطيعون الوصول إلى المسجد الأقصى المبارك يوم الجمعة فيقيمون عدة صلوات جمعة عند أبواب البلدة القديمة بأن هذا الفعل يؤدي إلى تعدد صلاة الجمعة في أماكن متقاربة مثل باب العمود وباب الساهرة، فأرى لهؤلاء أن يصلوا ظهراً ولا يصلوا جمعة. لأن تعدد الجمعة لا يشرع في مثل هذه الحالة. كما وأنبه إلى أنه لا يصح لهم أن يصلوا جمعة مع الإمام في المسجد الأقصى وإن سمعوا صوته لأن هنالك انقطاعاً كبيراً جداً في الصفوف ولا تصح الجماعة مع هذا الانقطاع الكبير كما هو قول المحققين من العلماء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [أما صلاة الجمعة وغيرها فعلى الناس أن يسدوا الأول فالأول كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها قالوا وكيف تصف الملائكة عند ربها

стр. 1960

قال يكملون الأول فالأول ويتراصون في الصف) فليس لأحد أن يسد الصفوف المؤخرة مع خلو المقدمة ولا يصف في الطرقات والحوانيت مع خلو المسجد ومن فعل ذلك استحق التأديب ولمن جاء بعده تخطيه ويدخل لتكميل الصفوف المقدمة فإن هذا لا حرمة له كما أنه ليس لأحد أن يقدم ما يفرش له في المسجد ويتأخر هو وما فرش له لم يكن له حرمة بل يزال ويصلي مكانه على الصحيح بل إذا امتلأ المسجد بالصفوف صفوا خارج المسجد فإذا اتصلت الصفوف حينئذ في الطرقات والأسواق صحت صلاتهم وأما إذا صفوا وبينهم وبين الصف الآخر طريق يمشي الناس فيه لم تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء، وكذلك إذا كان بينهم وبين الصفوف حائط بحيث لا يرون الصفوف ولكن يسمعون التكبير من غير حاجة فإنه لا تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء وكذلك من صلى في حانوته والطريق خال لم تصح صلاته وليس له أن يقعد في الحانوت وينتظر اتصال الصفوف به بل عليه أن يذهب إلى المسجد فيسد الأول فالأول] الفتاوى الكبرى ١/ ١٣٤. وخلاصة الأمر أن من استطاع الوصول إلى المسجد الأقصى المبارك في صلاة الجمعة وفي غيرها من الصلوات فعليه أن يصلي فيه ولا يلتفت إلى من يدعوه إلى الصلاة في غير المسجد الأقصى المبارك من مساجد أحياء بيت المقدس بحجج واهية. حكم طرد الأطفال من المسجد بحجة التشويش على المصلين يقول السائل: هنالك مجموعة من الأطفال يحضرون إلى المسجد ليتعلموا قراءة القرآن الكريم وأحكام التجويد إلا أن بعض المصلين يطردون الأطفال من المسجد بحجة أنهم يشوشون على المصلين فما حكم ذلك؟ الجواب: إن طريقة تعامل الرسول ﷺ مع الأطفال في المسجد وأثناء

стр. 1961

الصلاة تختلف اختلافاً واضحاً عن واقع تعامل كثير من المسلمين مع الأطفال في المساجد وإليكم بعض المواقف التي حصلت مع رسول الله ﷺ مع بعض الأطفال حتى نتعلم من رسول الله ﷺ ونهتدي بهديه ﵊: ١. عن شداد ﵁ قال: (خرج علينا رسول الله ﷺ في إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر وهو حامل حسناً أو حسيناً فتقدم النبي ﷺ فوضعه عند قدمه ثم كبر للصلاة فصلى فسجد سجدة أطالها قال: فرفعت رأسي من بين الناس فإذا الصبي على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد فرجعت إلى سجودي فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة، قال الناس: يا رسول الله إنك سجدت سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر أو أنه يوحى إليك؟ قال: كل ذلك لم يكن ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته) رواه النسائي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. ٢. وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: (خطبنا رسول الله ﷺ فأقبل الحسن والحسين ﵄ عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان فنزل فأخذهما فصعد بهما المنبر ثم قال: صدق الله إنما أموالكم وأولادكم فتنة رأيت هذين فلم أصبر ثم أخذ في الخطبة) رواه أبو داود. ٣. وفي حديث آخر: (كان الرسول ﷺ يصلي فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره فإذا منعوهما أشار إليهم أن دعوهما فلما قضى الصلاة وضعهما في حجره) رواه ابن خزيمة في صحيحه. ٤. وقال أبو قتادة ﵁: (رأيت رسول الله ﷺ وأمامة بنت العاص - ابنة زينب بنت الرسول ﷺ - على عاتقه فإذا ركع وضعها وإذا رفع من السجود أعادها) رواه البخاري ومسلم. ٥. وفي رواية أخرى عن أبي قتادة ﵁ قال: (بينما نحن جلوس في المسجد إذ خرج علينا رسول الله ﷺ يحمل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع وأمها زينب بنت رسول الله ﷺ وهي صبية يحملها فصلى رسول الله ﷺ -

стр. 1962

وهي على عاتقه يضعها إذا ركع ويعيدها إذا قام حتى قضى صلاته يفعل ذلك بها) رواه النسائي. ٦. وفي حديث آخر قال رسول الله ﷺ : (إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوّز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه) رواه البخاري ومسلم. ٧. وفي رواية أخرى قال أنس ﵁: (كان رسول الله ﷺ يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة فيقرأ بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة) رواه مسلم. ٨. وفي حديث آخر أن النبي ﷺ : (جوّز ذات يوم في الفجر - أي خفف - فقيل: يا رسول الله لم جوزت؟ قال: سمعت بكاء صبي فظننت أن أمه معنا تصلي فأردت أن أفرغ له أمه) رواه أحمد بإسناد صحيح. ٩. وعن الربيع بنت معوذ ﵂ قالت أرسل رسول الله ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة من كان أصبح صائماً فليتم صومه ومن كان أصبح مفطراً فليتم بقية يومه فكنا بعد ذلك نصومه ونصوم صبياننا الصغار منهم إن شاء الله ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناها إياه عند الإفطار) رواه مسلم وغير ذلك من الأحاديث. ويحتج بعض الناس على طرد الأطفال من المساجد بما روي في الحديث أنه ﷺ قال: (جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم). فهذا الحديث ضعيف عند العلماء ولا يصح الاستدلال به، قال البزار: لا أصل له وكذلك قال عبد الحق الإشبيلي، وممن ضعفه الحافظ ابن حجر وابن الجوزي والمنذري والهيثمي وغيرهم. وظن عامة الناس أن هذا الحديث ثابت عن رسول الله ﷺ جعلهم يطردون الأطفال من المساجد وينكرون على من يحضرهم إلى المساجد وهذا موقف غير صحيح. والحق أن الإسلام اعتنى بالأطفال، وأمر الآباء والأولياء بأن يأمروا أبناءهم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين. وإن المكان الصحيح لتعليمهم الصلاة وقراءة القرآن وأحكام التجويد

стр. 1963

وغيرها من أحكام الشرع هو المسجد. هذا هو هدي الرسول ﷺ في تعامله مع الأطفال في المسجد فلا يجوز لأحد أن يطرد الأطفال من المساجد لأنهم رجال المستقبل قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِر﴾ سورة الأحزاب الآية٢١. فعلينا أن نقتدي برسول الله ﷺ وأن نعود أطفالنا على ارتياد المساجد بدلاً من بقائهم في الأزقة والحارات عرضة لفساد الأخلاق وسوء الرفاق. ولكن لا بد من التنبيه أنه ينبغي عدم إحضار الأطفال الصغار جداً إلى المساجد لأنهم لا ينضبطون فمثل من كان عمره سنة أو سنتين أو ثلاث لا يحضر إلى المسجد ولا بأس بإحضار الأطفال الذين هم في الخامسة أو السادسة أو السابعة إلى المساجد. ولو حصل أن بعض الأطفال شوشوا على المصلين في المسجد بالبكاء والصياح مثلاً فلا ينبغي أن يثير ذلك المصلين فيحتجون على الطفل وعلى أبيه أو أمه وقد يشوشون بذلك الاحتجاج أكثر من تشويش الطفل وإنما يتركون الأمر لإمام المسجد ليعالج الموضوع بالحكمة وإقتداء بمنهج النبي ﷺ في ذلك. وينبغي أن يعلم أن الرفق واللين أمران مطلوبان في مثل هذه المواقف. فعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه) رواه مسلم. ولنا في رسول الله ﷺ قدوة حسنة فقد حدث أن أعرابياً دخل المسجد النبوي فبال فيه!؟ فصاح الصحابة به، فعالج النبي ﷺ الموقف بكل رفق ولين، فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: (قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ : دعوه وهريقوا على بوله سجلاً من ماء أو ذنوباً من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) رواه البخاري ومسلم. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: (بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال: أصحاب رسول الله ﷺ مه مه، قال: قال رسول الله ﷺ : لا تزرموه دعوه، فتركوه

стр. 1964

حتى بال، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله ﷺ قال فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: (دخل أعرابي المسجد والنبي ﷺ جالس فصلى، فلما فرغ قال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، فالتفت إليه النبي ﷺ فقال: لقد تحجرت واسعاً، فلم يلبث أن بال في المسجد فأسرع إليه الناس، فقال النبي ﷺ : (أهريقوا عليه سجلاً من ماء أو دلواً من ماء، ثم قال: إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. وخلاصة الأمر أنه يحرم طرد الأطفال من المساجد بل يجب تعويدهم على الحضور للمسجد ليتعلموا الصلاة وقراءة القرآن وأحكام التجويد وغير ذلك من الأحكام الشرعية. حكم الجلوس للتعزية ثلاثة أيام يقول السائل: ما قولكم فيما تعارف عليه الناس في بلادنا من فتح بيت العزاء لمدة ثلاثة أيام ليقصده المعزون؟ الجواب: من المعلوم أن التعزية من السنة فقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة) رواه ابن ماجة والبيهقي بإسناد حسن. كما قال الإمام النووي في الأذكار ص ١٢٦وغير ذلك من الأحاديث. وأما الجلوس للتعزية في بيت العزاء ثلاثة أيام كما جرى به عُرف الناس في بلادنا فلا بأس به إن خلا من المنكرات والبدع وقد قال بهذا

стр. 1965

جماعة من أهل العلم وهو قول الحنفية وقول في مذهب الحنابلة والمالكية، فقد قال الكمال بن الهمام الحنفي: [ويجوز الجلوس للمصيبة ثلاثة أيام، وهو خلاف الأَولى] شرح فتح القدير٢/ ١٥٠. وذكر الشيخ علاء الدين الحصكفي الحنفي أنه لا بأس بالجلوس للتعزية في غير مسجد ثلاثة أيام. وبين العلامة ابن عابدين أن استعمال لا بأس في كلام الحصكفي على حقيقته لأن الجلوس خلاف الأَوْلى وقد سبق ذلك في كلام ابن الهمام. انظر رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار ٢/ ٢٤١. ونقل الطحطاوي عن بعض الحنفية أنه لا بأس بالجلوس لها ثلاثة أيام من غير ارتكاب محظور، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٣٣٩. وقال المرداوي الحنبلي: [وعنه - أي الإمام أحمد- الرخصة فيه لأنه عزى وجلس، قال الخلال: سهَّل الإمام أحمد في الجلوس إليهم في غير موضع ... ] الإنصاف ٢/ ٥٦٥ وانظر أيضاً حاشية الدسوقي المالكي على الشرح الكبير ١/ ٤١٩. وقد قال جماعة من العلماء بأن الجلوس للعزاء مكروه واستدلوا على ذلك بما ورد عن جرير بن عبد اللَّه البجلي ﵁ قال: (كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة). رواه أحمد وابن ماجة وإسناده صحيح وهذا الأثر لا يدل على منع الجلوس للعزاء وإنما يدل على منع الجلوس مع صنع أهل الميت للطعام فهذان الأمران من النياحة وأما مجرد الجلوس للعزاء فلا يعد من النياحة ويضاف إلى ذلك أنه مع كثرة الناس واتساع المدن والقرى فمن الصعوبة بمكان تعزية أهل الميت دون فتح بيت للعزاء يجلسون فيه ليقصدهم من أراد تعزيتهم وقد كان في الزمن الماضي يمكن تعزية أهل الميت في الطريق أو السوق أو في أي مكان لقيتهم فيه فكيف يمكن أن يتحقق ذلك في المدن الكبيرة وخاصة مع كثرة الناس وانشغالهم في أعمالهم فقد يؤدي القول بمنع الجلوس للتعزية إلى تفويت سنة التعزية ويدل على جواز الاجتماع للتعزية ما رواه البخاري بإسناده عن عروة عن عائشة زوج النبي ﷺ (أنها كانت إذا مات الميت من أهلها فاجتمع لذلك النساء ثم تفرقن إلا أهلها وخاصتها أمرت ببرمة من
следующие страницы →