← Фатава

Фатава · id 9087

فتاوى يسألونك

حسام الدين عفانة

Полный текст (3 492 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

زمان جعل ظرفاً لواقع الأمور وكانت عادتهم إذا أصابهم مكروه أضافوه إلى الدهر فقالوا بؤساً للدهر وتباً للدهر) فتح الباري ١٠/ ١٩٦. وينبغي أن يعلم أن الدهر ليس من أسماء الله على الصحيح من أقوال أهل العلم. وسب الدهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام كما حققه بعض أهل العلم: الأول: أن يقصد مجرد الخبر دون اللوم كأن يقول تعبنا من حر هذا اليوم ونحوه فهذا جائز ولا شيء فيه. الثاني: أن يسب الدهر على أنه هو الفاعل لأن الدهر هو المتصرف في الأمور خيرها وشرها فهذا شرك أكبر لأنه اعتقد أن مع الله خالقاً حيث نسب الحواديث لغير الله . الثالث: أن يسب الدهر معتقداً أن الفاعل هو الله ولكنه يسب الدهر لأنه محل لهذه الأمور المكروهة فهذا حرام. حكم سب الذات الإلهية وسب الدين يقول السائل: ما حكم سب الدين وسب الرب وشتم الرسول ﷺ ؟ الجواب: إن من أسوأ الظواهر المنتشرة في بلادنا ما ذكره السائل من شتم الذات الإلهية وسب الدين وشتم الرسول ﷺ . ولا شك أن المسؤولية في انتشار هذه الظاهرة المنكرة تقع على عاتق الآباء والأمهات والمربين والمربيات وغيرهم الذين يجب عليهم أن يبينوا للناس مغبة هذا الأمر المنكر وعواقبه الوخيمة ولا شك أن سب الدين وسب الذات الإلهية وكذلك شتم الرسول ﷺ كفر صريح وخروج عن ملة الإسلام حتى لو كان الإنسان مازحاً لقوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ). وعلى من حصل منه ذلك أن يبادر إلى التوبة الصادقة والرجوع إلى

стр. 212

جادة الحق والصواب وعلى من سمع هذا المنكر أن يبادر إلى إنكاره وأن ينصح من صدر منه ذلك لعله يتوب ويرجع عن ذلك. حكم الاستهزاء بحكم شرعي يقول السائل: ما حكم الاستهزاء بحكم من أحكام الإسلام كالاستهزاء باللحية وهل هناك فرق بين ان يكون المستهزيء جاداً أو مازحاً؟ الجواب: إن الاستهزاء بما ثبت في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ يعتبر كفراً والعياذ بالله لقوله : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ). فهذه الآية نزلت في بعض المنافقين كما قال ابن كثير ﵀: قال أبو معشر المديني عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: قال رجل من المنافقين ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا وأكذبنا ألسنة وأجبننا عند اللقاء فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ فجاء إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته فقال يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب فقال: (أبالله وآياته كنتم تستهزؤون؟ إلى قوله - كانوا مجرمين .. الخ). وذكر ابن كثير ﵀ بعض الروايات الأخرى في سبب نزول الآيات: منها أن جماعة من المنافقين كانوا يسيرون مع الرسول ﷺ وهو منطلق إلى غزوة تبوك فقال بعضهم لبعض أتحسبون جلاد بني الأصفر- قتال الروم - كقتال العرب بعضهم بعضاً والله لكأنا بكم غداً مقرنين في الحبال إرجافاً وترهيباً للمؤمنين .. الخ. تفسير ابن كثير ٢/ ٣٦٧. لذلك فإن الاستهزاء بدين الله والاستهزاء برسول الله ﷺ والاستهزاء بسنته ﵊ يعد كفراً مخرجاً عن دين الاسلام. وإن الاستهزاء بمن يلتزم بأحكام الشرع، هو استهزاء بالشرع ذاته، فمن

стр. 213

يسخر ويستهزئ بمن يطلق لحيته اتباعاً لأحكام الشرع يكون مستهزئاً بالشرع. وهذا كفر والعياذ بالله. ولا فرق بين أن يكون المستهزء جاداً أو مازحاً هزلاً. إن أحكام الشرع محترمة لا يجوز اللعب بها لا في حال الجد ولا في حال المزاح والله يقول: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ) وهؤلاء الذين نزلت فيهم الآية قالوا للرسول ﵊ إنهم كانوا يمزحون ويتكلمون كلاماً لا يقصدونه وإنما يتحدثون ليصرفرا عنهم عناء الطريق فلذلك هذه الأمور لا يدخلها المزاح ولا الهزل بحال من الأحوال. علاج عدم الإنجاب يقول السائل: إنه أحد أربعة أخوة ولهم اخت والجميع متزوج منذ فترة غير قصيرة ولم ينجب أي واحد منهم وأنهم عرضوا أنفسهم على الأطباء المختصين فأكدوا لهم عدم وجود أي مانع صحي من الإنجاب كذلك عدم وجود أي عامل وراثي يمنع منه وأن بعض الناس أخبرهم أن عدم الإنجاب مرده السحر أو أن ذلك يرجع إلى دعوة مظلوم حيث إن والدهم كان له مشكلة مع إحدى النساء وانها كانت مظلومة وهم يبحثون عن حل لمشكلتهم؟ الجواب: إن على السائل أن يراجع الأطباء أصحاب الاختصاص في هذه المشكلة لاحتمال أن يكون سبب عدم الإنجاب هو أمر طبي والأطباء هم الذين يقررون ذلك. وأما إذا ثبت أنه لا يوجد عائق من الناحية الصحية أو الوراثية يمنع الأنجاب فيكون احتمال أن ذلك ناتج عن السحر أمراً وارداً وفي هذه الحالة فعليه أن يسعى لفك السحر ويكون ذلك بقراءة القرآن الكريم والأدعية الشرعية على أيدي أناس مشود لهم بالورع والتقوى. ولا يجوز اللجوء إلى السحرة لفك السحر فقد جاء في حديث جابر

стр. 214

أنه ﵊ سئل عن النشرة - وهي فك السحر - فقال: (هي من عمل الشيطان) رواه أحمد وأبو داود وإسناده حسن .. وعلى السائل وإخوته أن ينيبوا لله وأن يكثروا من قراءة القرآن الكريم وأن يحافظوا على الأذكار وكذلك الأدعية المأثورة وأن يديموا اللجوء إلى الله طالبين إزالة ما بهم من ضر. يقول الله : (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ). ويقول الله : (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ). وكذلك ينبغي لهؤلاء الأخوة الأربعة أن يزيلوا أي مظلمة ظلمها أبوهم بحق جارتهم وأن يعيدوا لها حقوقها المسلوبة منها وأن يكثروا من الصدقة لعل الله يفرج كربهم ويزيل همهم وغمهم. وأذكر السائل بتلاوة بعض آيات من القرآن الكريم التي تنفع بإذن الله في علاج السحر وإعادتها دائماً وهذه الآيات هي آية الكرسي و (قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ) و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ). والآيات التي في سورة يونس وهي قوله تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ... ) سورة يونس ٧٩ - ٨٢ والآيات من سورة طه: (قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى ... ) طه ٦٥ - ٦٩. علاج عرق النسا بالشعوذة يقول السائل: هناك طريقة شعبية لعلاج مرض يسمى (عرق النسا) حيث يقوم شخص اسمه محمد أو محمود ويقطع جذر نبتة تعرف بنفس الإسم ولا يتكلم مع أحد عند ذهابه أو إيابه ويقطعها عند سماع الأذان ويتلو بعض آيات القرآن الكريم ويسمي المريض بنسبته إلى أمه ويسأل هل تتعارض هذه الطريقة مع الإسلام وهل يجوز أخذ الأجرة على ذلك؟

стр. 215

الجواب: إذا مرض إنسان فعليه أن يذهب إلى الأطباء للمعالجة وهذا من باب الأخذ بالأسباب ولا ينافي التوكل على الله ولا يجوز اللجوء إلى المشعوذين أو الدجالين ونحوهم للمعالجة وإن تحقق على أيديهم شفاء بعض الحالات المرضية فلا يجوز أن ينخدع بصدقهم فإنهم دجالون كذبة. والقضية المطروحة في السؤال نوع من ذلك ولا علاقة لمثل هذه الأمور بالعلاج والشفاء من الأمراض بل هذه الطريقة غير مشروعة لمعالجة الأمراض. والصحيح هو الذهاب إلى أهل الاختصاص من الأطباء وهنالك بعض الأمراض التي تعالج بقراءة القرآن الكريم وبعض الأدعية المأثورة عن الرسول ﷺ ويتم ذلك على أيدي الصادقين من الصالحين وليس على أيدي المشعوذين والدجالين. ولا يجوز أخذ الأجر على ما هو مذكور في الؤال والله أعلم. وأحيل السائل إلى كتاب الطب النبوي لابن القيم فقد ورد فيه وصفة طبية لعلاج (عرق النسا) ص ١٨٩. نشرة كاذبة يقول السائل: ما قولكم في هذه النشرة التي توزع بين الناس ويعتقد بها بعضهم، وهذا نصها: أحبائي إخواني، المؤمنين والمؤمنات / السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد أنا فتاة في الثالثة عشرة من عمري، عجز الأطباء عن علاجي عند ذلك زرت مقام السيدة زينب ﵂ أخت الإمام الحسين ﵁ حامل راية كربلاء لما طلبت من الله شفائي وبقيت حتى غالبني النوم في مقام السيدة زينب ﵂ وفي منامي فسكبت الماء في

стр. 216

حلقي وقالت لي قومي قد شفيت بإذن الله وأوصتني كتابة الواقعة (١٢) مرة وتوزيعها على الناس ووضعت الورقة في يد رجل فقير فقام بتوزيعها على الناس وبعد (١٢) يوماً أصبح غنياً، ووضعت الورقة في يد رجل موظف فلم يهتم بها وبعد (١٢) يوم فقد وظيفته. ووضعت الورقة في يد رجل عجوز فلم يهتم بها وبعد (١٢) يوم وضع في السجن ووضعت الورقة في يد رجل غني فلم يهتم بها وبعد (١٢) يوم فقد ثروته فعلى كل رجل وامرأة أن يصور الورقة (١٢) مرة يحصل بإذن الله وبركات السيدة زينب ﵂ ما يتمناه بعد (١٢) يوم فإن لم يفعل فسوف تصيبه مصيبة بعد ١٢ يوما. الجواب: إن هذه النشرة وأمثالها من عمل الدجالين والخرافيين والمجترئين على الله وما جاء فيها كذب ودجل وتقول على الله ورجم بالغيب. ودين الإسلام لا يقر بهذه الخزعبلات والخرافات البالية والإسلام قد شرع الأخذ بالأسباب لعلاج الأمراض ولم يشرع الذهاب إلى أصحاب القبور الذين لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً. وما جاء في هذه النشرة أن من وزعها يصير غنياً بعد اثني عشر يوماً لهو من الكذب الصراح والواقع يكذبه. وكذلك ما جاء بتهديد من لم يكتبها بأن مصيبة تلحق به بعد اثني عشر يوماً فهذا تقول على الله فما يصيب الإنسان في غده لا يعلمه إلا الله وهو مما استأثر الله بعلمه، فقد قال : (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا). فهذه أمور غيبية لا يعلمها إلا الله ﷻ . يقول الله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا). ويقول أيضاً: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ).

стр. 217

وعلى الناس أن يحذروا من هذه الخرافات وأمثالها ولا يجوز لهم نشرها وتوزيعها. الذهاب إلى السحرة حرام تقول السائلة: إنها ذهبت مع ابنتها إلى امرأة ساحرة تحل السحر والحجاب فما حكم ذلك؟ الجواب: يحرم شرعاً الذهاب إلى السحرة من أجل فك السحر لقوله ﷺ : (ليس منا من تطير أو تطير له أو تكهن أو تكهن له أو سحر أو سحر له) رواه الطبراني وإسناده جيد. وقال ﵊ لما سئل عن النشرة: (هي عمل الشيطان) رواه أبو داود وأحمد وإسناده جيد. والنشرة هي حل السحر عن المسحور بالسحر. ويجوز أن يحل السحر بالرقية بقراءة القرآن الكريم والأذكار الواردة عن الرسول ﷺ وكذلك بالدعاء وطلب الشفاء من الله . وإليك أيها القاريء بعض الآيات والأذكار التي تفيد وتنفع بإذن الله في إتقاء السحر قبل وقوعه ودفع ضرره بعد وقوعه وهي: قراءة آية الكرسي وهي أعظم آية في القرآن الكريم: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ... ) سورة البقرة ٢٥٥. وقراءة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) ثلاثاً بعد صلاة الفجر وبعد صلاة المغرب. قراءة آخر أيتين من سورة البقرة بعد صلاة المغرب وهي قوله تعالى: (ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ... ) فقد صح عن الرسول ﷺ أنه قال: (من قرأ

стр. 218

آية الكرسي ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح) وثبت عنه ﷺ أنه قال: (من قرأ الآيتيتن من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه). ومن الأذكار النافعة بإذن الله الإكثار من التعوذ (بكلمات الله التامات من شر ما خلق) في الليل والنهار وعند النزول في مكان ونحو ذلك. ومنها أيضاً (بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في السموات ولا في الأرض وهو السميع العليم) ثلاث مرات في أول الليل والنهار. ومنه (اللهم رب الناس أذهب البأس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقماً) ومن ذلك رقية جبريل ﵇ التي رقى بها النبي ﷺ (بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ومن شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك بسم الله أرقيك) وغير ذلك من الأذكار. والله الهادي إلى سواء السبيل

стр. 219

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) وبعد. هذا هو الجزء الثاني من كتاب " يسألونك " والذي يضم الأسئلة والأجوبة التي تنشر في جريدة القدس المقدسية تحت زاوية يسألونك في عدد كل يوم جمعة بعد أن كان قد صدر الجزء الأول منه قبل عام تقريباً والذي لقي استحساناً من كثير من الناس ونفذت نسخه بسرعة فجزى الله كل من أسهم في طباعته ونشره خير الجزاء. وقد وجدت أن، الناس بحاجة لمن يبين لهم شؤون دينهم من أهل العلم والاختصاص وأن الناس في بلادنا لهم رغبة أكيدة في معرفة الحكم الشرعي والالتزام به، وإن واجب أهل العلم أن يرشدوا الناس ويبينوا لهم الأحكام الشرعية المبنية على الأدلة الشرعية الصحيحة وأن يعلموا خطورة هذا الباب الذي يلجونه فإنه تبليغ عن رب العالمين وقيام مقام سيد المرسلين ﷺ في بيان أحكام الدين. وينبغي أن يعلم أنه قد تزاحم على الولوج في هذا الباب كل من هب ودب ممن زعم أنه من فرسان هذا الميدان من مبتدئة طلبة العلم الذين تجرؤوا على الإفتاء في

стр. 220

دين الله وتكلموا في مسائل عويصة لو عُرضت على الأئمة الأربعة لتوقفوا فيها وهؤلاء لا يتوقفون ولا يتورعون عن الخوض فيها، وليعلم هؤلاء أنهم على خطر عظيم. وينبغي أن يعلم أنني قبل أن أجيب على أي سؤال مهما كان جوابه واضحاً أنني أرجع إلى كثير من كتب العلماء المحققين وأنظر في أقوالهم وأدلتهم وأقتبس من بساتينهم وأقطف من أزهارها وأنسقها حتى تكون باقة ورد زاهية يانعة. ومن هؤلاء العلماء المتقدمين الذين أستفيد من علمهم الإمام النووي الذي له في نفسي مكانة خاصة جعلتني أطمئن إلى علمه وفقهه ومنهجه. والشيخ ابن قدامة صاحب المغني والحافظ ابن حجر العسقلاني وشيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم يرحمهم الله. ومن العلماء المعاصرين الذين أستفيد منهم الأستاذ العلامة د. يوسف القرضاوي صاحب المؤلفات الرائعة والتحقيقات المتينة والشيخ محمد بن صالح العثيمين والشيخ عبد العزيز بن باز وغيرهم حفظهم الله أجمعين. ولا يفوتني أن أذكر أنني أعتمد في تخريج الأحاديث التي ترد في هذا الكتاب غالباً على كلام الشيخ المحدث ناصر الدين الألباني محدث الديار الشامية في القرن الرابع عشر الهجري أمد الله في عمره. وقد حاولت أن تكون الإجابات واضحة وسهلة وبلغة مفهومة لدى عامة الناس وفيها شيء من الاختصار وعدم التطويل لأن نفس الناس في القراءة قصير وصبرهم عليها قليل. ولا بد أن أشير إلى أنه قد طرحت عليَّ أسئلة وقفت أمامها عاجزاً لا أدري ما وجه الصواب فيها وأن هذه الأسئلة تحتاج إلى هيئة علمية متخصصة تنظر فيها وتحتاج إلى علماء راسخين ليجدوا لها الجواب الصحيح وهذا ما تفتقده بلادنا للأسف الشديد. وأخيراً أقول إن هذا جهد المقل فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان وإني لرجّاع عن الخطأ وأشكر سلفاً من بيَّن لي خطأي. والله أسأل أن يتقبل هذا العمل المتواضع وأن يجعله خالصاً لوجه الكريم وأن يجعله في ميزان حسناتي يوم القيامة وأن ينفع به المسلمين اللهم آمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. كتبه د. حسام الدين موسى عفانه أبوديس - بيت المقدس صباح يوم الخميس الحادي والعشرين من جمادى الأولى ١٤١٧ وفق الثالث من تشرين أول ١٩٩٦م

стр. 221

الطهارة والصلاة

стр. 222

صلاة فاقد الطهورين يقول السائل: ماذا يفعل الشخص الذي لا يجد ماء للوضوء أو الغسل ولا يستطيع أن يتيمم كالمسجون المقيد ونحوه بالنسبة للصلاة وهل يصلي أم لا؟ نرجو التوضيح والبيان؟ الجواب: لا تخفى أهمية الصلاة ومكانتها في شريعتنا الإسلامية ولا تسقط الصلاة عن أحد إلا إذا خرج عن دائرة التكليف وهذا الشخص المسجون المقيد يصلي على حاله بقدر الاستطاعة وإن لم يستطع الوضوء والتيمم حتى لو كان عليه نجاسة لا يستطيع إزالتها لأن تأخير الصلاة حرام لا يجوز فإذا دخل الوقت يصلي هذا الشخص وأمثاله الصلاة المفروضة فقط كما هو مذهب طائفة من أهل العلم قال الإمام البخاري في صحيحه: [باب إذا لم يجد ماءً ولا تراباً] ثم روى بسنده عن عائشة ﵂: (أنها استعارت من أسماء ﵂ قلادة فهلكت - أي ضاعت - فبعث رسول الله صلى الله عليه رجالاً فوجدوها فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء فصلوا وشكوا ذلك إلى الرسول ﷺ فأنزل الله آية التيمم) ورواه مسلم وغيره. قال الحافظ ابن حجر: [فيه دليل على وجوب الصلاة لفاقد الطهورين ووجهه أنهم صلوا معتقدين وجوب ذلك ولو كانت الصلاة حينئذ ممنوعة لأنكر عليهم النبي ﷺ ] فتح الباري ١/ ٤٥٦.

стр. 223

فهؤلاء الصحابة صلّوا بدون وضوء وبدون تيمم فأقرهم الرسول ﷺ على ذلك فهذا يدل على أن الصلاة لا تسقط عن فاقد الطهورين - الماء والتراب - ويدل على ذلك أيضاً قول الرسول ﷺ : (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) رواه البخاري ومسلم. ويصلي هذا المسجون المربوط بالكيفية التي يستطيعها فإذا استطاع القيام والركوع والسجود فعل، وإلا فإنه يصلي على حسب حاله ويجوز له أن يصلي إيماء ويكون إيماؤه بالسجود أخفض من الركوع. وهذا الشخص وأمثاله لا إعاده عليهم حسب ظاهر حديث عائشة فالرسول ﷺ لما أخبروه أنهم صلوا بدون طهارة لم يأمرهم بالإعادة، ولأن في الإعادة نوع من الحرج والمشقة. طهارة المريض العاجز يقول السائل: كيف يتطهر الإنسان المريض العاجز؟ الجواب: إن دين الإسلام قائم على اليسر والسهولة ورفع الحرج، قال تعالى: (جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) وقال تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وبناء على ذلك فإن المريض يتطهر بقدر الإمكان فإذا أمكنه أن يتطهر الطهور الكامل فبها ونعمت وإلا فبقدر الاستطاعة. فإذا لم يستطع أن يتوضأ بنفسه فيوضئه غيره. وعليه أن يطهر بدنه من النجاسة وأن يصلي بثياب طاهرة فإن كان لا يستطيع صلّى على حاله وصلاته صحيحة وكذلك الحال بالنسبة للمكان إن أمكن تطهيره فإنه يطهر وإلا صلى فيه. ولا يجوز للمريض أن يؤخر الصلاة عن وقتها من أجل العجز عن الطهارة بل يتطهر بقدر ما يمكنه ثم يصلي الصلاة في وقتها ولو كان على بدنه أو ثوبه أو مكانه نجاسة يعجز عن إزالتها.

стр. 224

لمس عورة الطفل لا ينقض الوضوء تقول السائلة: إنها غسلت ابنها الصغير وهي متوضأة فهل ينتقض وضوؤها إذا لمست عورة صغيرها؟ الجواب: إذا غسلت المرأة ابنها الصغير أو ابنتها وكانت على وضوء ولمست عورة ابنها أو ابنتها فلا ينتقض وضوؤها وعليها غسل يديها فقط. قال الإمام الأوزاعي: [لا وضوء من مس ذكر الصغير لأنه يجوز مسه والنظر إليه]. كما وأن المرأة عندما تغسل طفلها الصغير أو طفلتها تكون أبعد ما تكون عن مس عورتهما بشهوة فلا شيء عليها ووضؤوها على حاله لا ينتقض بذلك. المسح على الخفين والأحذية وردتني عدة تساؤلات تتعلق بالمسح على الخفين والجوربين أذكرها وأجيب عنها: أولاً: ما حكم المسح على الأحذية " الكنادر "؟ الجواب: يجوز المسح على الأحذية " الكنادر " إذا كانت تغطي الجزء المفروض غسله من الرجلين وهو ما دون الكعبين - والكعب هو العظم الناتئ في أسفل الساق - ويجوز المسح على ما يسمى باللغة الدارجة " البوط " وما يشبهه من الأحذية التي تغطي الكعبين لأن المقصود بالمسح على الخفين الوارد في النصوص هو التخفيف عن الناس ورفع الحرج والمشقة فالصحيح الذي عليه المحققون من أهل العلم جواز المسح على كل ما يلبس على الرجلين بل إن بعض العلماء لا يشترط الشرط الذي

стр. 225

ذكرته وهو أن يكون ساتراً لمحل الفرض في غسل الرجلين ورأيه وجيه. ثانياً: ما صفة الجوارب التي يمسح عليها وهل يجب أن تكون سميكة كالجوارب الصوفية أم يجوز المسح على الجوارب الرقيقة؟ الجواب: إن المسح على الجوربين كما هو معلوم ثابت عن الرسول ﷺ ومنقول عن جماعة من الصحابة ﵃ ولم يرد عنهم فيما أعلم صفة الجورب الذي يجوز المسح عليه من حيث كونه ثخيناً أو رقيقاً والأصل أن ما جاء عن الشارع بدون تقييد أن يبقى على إطلاقه ويترتب على ذلك جواز المسح على مطلق جورب ويؤيد ذلك أنه نقل عن عمر وعلي ﵄ جواز المسح على الجورب الرقيق. ذكره الإمام النووي في المجموع ١/ ٥٠٠. ثم إن القول بجواز المسح على كل جورب يحقق معنى الرخصة المقصودة من ذلك وهو التخفيف والتيسير على الناس. ثالثاً: ما الحكم إذا لبس جورباً فوق الجورب الذي مسح عليه، هل يجوز المسح على الجورب الثاني؟ الجواب: إذا لبس الجورب الثاني قبل أن يحدث فله أن يمسح على الجورب الثاني وتعتبر مدة المسح حسب الجورب الأول. رابعاً: ما الحكم إذا نزع الجورب بعد أن مسح عليه وهو على ضوء فهل ينتقض وضوءه أم لا؟ الجواب: إن الوضوء لا ينتقض بمجرد نزع الخف على الراجح من أقوال أهل العلم ما لم يطرأ ناقض من نواقض الوضوء، قال الإمام النووي بعد أن ذكر ثلاثة أقوال في المسألة: [الرابع لا شيء عليه لا غسل القدمين ولا غيره بل طهارته صحيحة يصلي بها ما لم يحدث كما لو لم يخلع وهذا المذهب حكاه ابن المنذر عن الحسن البصري وقتادة وسليمان بن حرب واختاره ابن المنذر وهو المختار الأقوى. واحتج له بأن طهارته صحيحة فلا يبطل بلا حدث كالوضوء وأما نزع الخف فلا يؤثر في الطهارة بعد صحتها كما لو لم مسح رأسه ثم حلقه] المجموع ١/ ٥٢٧.

стр. 226

وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: [ولا ينتقض وضوء الماسح على الخف والعمامة بنزعهما ولا بانقضاء المدة ولا يجب عليه مسح رأسه ولا غسل قدميه وهو مذهب الحسن البصري كإزالة الشعر الممسوح على الصحيح من مذهب أحمد وقول الجمهور] الاختيارات العلمية ص ١٥. وهذا أيضاً مذهب ابن حزم الظاهري فقد قال: [ومن مسح كما ذكرنا على ما في رجليه ثم خلعهما لم يضره ذلك شيئاً ولا يلزمه إعادة الوضوء ولا غسل رجليه بل هو طاهر كما كان ويصلي كذلك.] المحلى ١/ ٣٣٧. حاضت امرأة بعد دخول وقت الصلاة تقول السائلة: إذا حاضت المرأة بعد دخول وقت صلاة من الصلوات الخمس فهل يجب عليها أن تقضي تلك الصلاة بعد أن تطهر؟ الجواب: إذا حاضت المرأة بعد دخول وقت الصلاة بما يسع الصلاة فيجب عليها قضاء تلك الصلاة بعد أن تطهر، فمثلاً إذا حاضت امرأة بعد دخول وقت صلاة المغرب بوقت يتسع لصلاة ثلاث ركعات فيجب عليها أن تقضي صلاة المغرب بعد أن تطهر لأن الصلاة تصير واجبة في حق المسلم بدخول الوقت وهذه أدركت من الوقت مقدار الصلاة فيجب عليها أن تقضي تلك الصلاة. وكذلك إذا طهرت الحائض واغتسلت من الحيض وقد بقي من وقت الصلاة مقدار ركعة فيجب عليها أن تصلي تلك الصلاة، فمثلاً إذا طهرت امرأة من الحيض واغتسلت قبل غروب الشمس بمقدار ركعة فيجب عليها أن تصلي صلاة العصر ويدل على ذلك ما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) رواه البخاري ومسلم.

стр. 227

وفي رواية في الصحيحين أيضاً: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة). خطأ في قبلة المسجد يقول السائل: يوجد في بلدتنا مسجد وقد تبين أن قبلة المسجد غير صحيحة فهي منحرفة كثيراً عن اتجاه القبلة الصحيح ولكن بعض المصلين يرفضون تصحيح قبلة المسجد خوف الفتنة فما قولكم في هذه القضية؟ الجواب: من المعلوم أن استقبال القبلة شرط من شروط صحة الصلاة ويدل على ذلك قوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) سورة البقرة الآية ١٥٠. ويجب تحري القلبة عند بناء المساجد فإذا بني المسجد وتبين بعد ذلك أن هنالك خطأ في قبلة المسجد فيجب تصحيح ذلك الخطأ والتوجه إلى القبلة ولا يجوز لأحد أن يمنع ذلك لأن التوجه إلى القبلة شرط لصحة الصلاة كما قلت وينبغي تحقيق ذلك وتبيين الحكم الشرعي في هذه المسألة للناس ولا فتنة في الحكم الشرعي أبداً. ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن البراء بن عازب ﵁: (أن النبي ﷺ لما قدم إلى المدينة صلَّى قبل بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت وأنه أول صلاة صلاها صلاة العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله ﷺ قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عمر ﵄ قال: (بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن النبي ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة) رواه البخاري ومسلم.

стр. 228

وعن أنس ﵁: (أن الرسول ﷺ كان يصلي نحو بيت المقدس فنزلت: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر وقد صلوا ركعة فنادى: ألا إن القبلة قد حولت فمالوا كما هم نحو القبلة) رواه مسلم. وبناء على هذه الأدلة يجب تصحيح قبلة المسجد المذكور حتى تصح الصلاة ومن صلى إلى القبلة القديمة في ذلك المسجد بعد أن ثبت أنها خطأ فصلاته باطلة ولا تصح لأن استقبال القبلة فرض كما ذكرت. الالتفات في الصلاة يقول السائل: قرأت بعض كتب الحديث عن أنس ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (إياك والالتفات في الصلاة فإن الالتفات في الصلاة هلكة، فإن كان ولا بد ففي التطوع لا في الفريضة) ويقول السائل إن الحديث رواه البخاري فهل الحديث صحيح أم لا؟ الجواب: إن هذا الحديث لم يروه البخاري في صحيحه وإنما رواه الترمذي وهو حديث ضعيف عند المحققين من أهل الحديث وإن كان قد ورد في بعض نسخ الترمذي أنه صحيح. وقد تكلم على الحديث العلامة ابن القيم فقال: [. ولكن للحديث علتان أحدهما: أن رواية سعيد عن أنس لا تعرف. الثانية: إن في طريقه علي بن زيد بن جدعان] زاد المعاد ١/ ٢٤٩. وكذلك ضعف هذا الحديث الشيخ المحدث ناصر الدين الألباني فقال معلقاً على استدلال صاحب فقه السنة به: [فيه مؤاخذتان:

стр. 229

الأولى: إن الترمذي لم يصححه وليس تصحيحه في أية نسخة من سنن الترمذي كما قال محققه الفاضل أحمد محمد شاكر بل في بعض نسخه، قال: هذا حديث حسن وفي بعضها حديث غريب وفي أخرى هذا حديث حسن غريب. الثانية: أن الحديث ليس بصحيح ولا حسن لأنه من رواية علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب قال: قال أنس بن مالك: وهذا الإسناد ضعيف في علتان: ١. ضعف علي بن زيد. ٢. الانقطاع بين ابن المسيب وأنس.] تمام المنة ص ٣٠٨ - ٣٠٩. وبهذا يظهر لنا أن الحديث ضعيف لا يعول عليه وبالتالي فإن الالتفات في الصلاة لغير حاجة مكروه كما هو مذهب الجمهور من أهل الفقة والعلم وهذا الحكم عام في صلاة الفريضة وصلاة النافلة ويدل على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: (سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة؟ فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد) والالتفات في الصلاة يدل على عدم الخشوع لأن خشوع الجوارح من خشوع القلب وكما قال سعيد بن المسيب لما رأى رجلاً يتحرك في صلاته: [لو خشع قلبه لخشعت جوارحه] وينبغي على المسلم أن يخشع في صلاته فلا يلتفت ولا يتحرك لغير حاجة، قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ). تحريك الإصبع في التشهد ما حكم تحريك الإصبع باستمرار في التشهد في الصلاة وهل تبطل تلك الحركة الصلاة؟

стр. 230

الجواب: إن تحريك الإصبع في الصلاة ثابت عن رسول الله ﷺ فقد ورد في ذلك أحاديث منها: عن وائل بن حجر أنه قال في صفة صلاة رسول الله ﷺ : (ثم قعد فافترش رجله اليسرى ووضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى وجعل حد مرفقه الايمن عل فخذه اليسرى ثم قبض ثنتين من أصابعه وحلق حلقة ثم رفع إصبعه فرأيته يحركها يدعو بها) رواه أحمد والنسائي وأبو داود وغيرهم وهو حديث صحيح. وعن ابن عمر قال: (كان رسول الله ﷺ إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه ورفع إصبعه اليمين التي تلي الإبهام فدعا بها ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها) رواه مسلم. وغير ذلك من الأحاديث التي يؤخذ منها ثبوت تحريك الإصبع " السبابة " أثناء التشهد وحديث وائل المتقدم [رواية صريحة في تحريك الإصبع وجاء وصف فعله ﷺ بـ " يحرك " وهو فعل مضارع يفيد الاستمرارية حتى تسليم المصلي وفراغه من صلاته]. القول المبين ص ١٦٢. وتحريك الإصبع عند التشهد سنة قال بها جماعة من أهل العلم منهم الإمام مالك والإمام أحمد وهو قول في مذهب الشافعية وبه قال جماعة من أهل الحديث وأفاد الشيخ الألباني أنه لا يوجد دليل من السنة على أن تحريك الإصبع يكون فقط عند التلفظ بالشهادتين كما قال بعض الفقهاء. انظر صفة صلاة النبي ص ١٤٠. وأما قول من زعم بأن تحريك الإصبع مبطل للصلاة فكلام باطل لا يصح وهو قول شاذ لا دليل عليه كما قال الإمام النووي في المجموع. ٣/ ٣٥٤. وأما الحديث الوارد في عدم تحريك الإصبع وهو حديث عبد الله بن الزبير أنه ذكر: (أن النبي ﷺ كان يشير بإصبعه إذا دعا ولا يحركها) رواه

стр. 231

أبو داود وغيره فهو حديث ضعيف ضعفه ابن القيم والألباني وغيرهما، راجع تمام المنة ص ٢١٧ - ٢١٨. القراءة والأذكار في الصلاة لا تصح بدون تحريك اللسان ما حكم تحريك اللسان أثناء القراءة في الصلاة غير الجهرية وما دليل ذلك؟ الجواب: إن القراءة في الصلاة وكذلك الأذكار المطلوبة في الصلاة كالتكبير والتسبيح ونحوهما لا بد فيها من التلفظ ولا يحسب منها شيء ولا تكون مجزئة حتى يحرك المصلي لسانه ويتلفظ بها وأقل ذلك أن يسمع المصلي نفسه قال الإمام النووي ﵀: [اعلم أن الأذكار المشروعة في الصلاة وغيرها واجبة كانت أو مستحبة لا يحسب شيء منها ولا يعتد به حتى يتلفظ به بحيث يسمع نفسه إذا كان صحيح السمع لا عارض له] الأذكار للنووي ص ١٠. وقال الإمام النووي أيضاً موضحاً معنى الإسرار في الصلاة وأقله: [وأدنى الإسرار أن يسمع نفسه إذا كان صحيح السمع ولا عارض عنده من لغط وغيره وهذا عام في القراءة والتكبير والتسبيح في الركوع وغيره والتشهد والسلام والدعاء سواء واجبها ونفلها لا يحسب شيء منها حتى يسمع نفسه إذا كان صحيح السمع ولا عارض فإن لم يكن كذلك رفع بحيث يسمع لو كان كذلك لا يجزيه غير ذلك هكذا نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب] المجموع ٣/ ٢٩٥. ويدل على ذلك أننا قد أُمرنا بقراءة القرآن في الصلاة كما قي قوله تعالى: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ) وكما في قوله ﵊ في حديث

стр. 232

المسيء صلاته: (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) والقراءة لا تسمى قراءة حتى يتلفظ بها ويحرك اللسان وأقل ذلك أن يسمع الإنسان نفسه فإن لم يفعل ذلك فلا تسمى حينئذ قراءة وقد أجاز أهل العلم للجنب وللحائض وللنفساء تمرير القرآن على القلب دون قراءته هذا يدل على أنهما أمران مختلفان لأن قراءة الجنب والحائض والنفساء لا تجوز. طرد الأطفال من المساجد يقول السائل: إن بعض المصلين يطردون الأطفال من المسجد بحجة أنهم يشوشون على المصلين فما حكم ذلك؟ الجواب: إن طريقة تعامل الرسول ﷺ مع الأطفال في المسجد وأثناء الصلاة تختلف اختلافاً واضحاً عن واقع تعامل كثير من المسلمين مع الأطفال في المساجد وإليكم بعض المواقف التي حصلت مع رسول الله ﷺ مع بعض الأطفال حتى نتعلم من رسول الله ﷺ ونهتدي بهديه ﵊: ١. عن شداد ﵁ قال: (خرج علينا رسول الله ﷺ في إحدى صلاتي العشى الظهر أو العصر وهو حامل حسناً أو حسيناً فتقدم النبي ﷺ فوضعه عند قدمه ثم كبر للصلاة فصلى فسجد سجدة أطالها، قال: فرفعت رأسي من بين الناس فإذا الصبي على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد فرجعت إلى سجودي فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال الناس: يا رسول الله: إنك سجدت سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر أو أنه يوحى إليك؟ قال: كل ذلك لم يكن ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته) رواه النسائي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. ٢. وفي حديث آخر: (كان الرسول ﷺ يصلي فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره فإذا منعوهما أشار إليهم أن دعوهما فلما قضى الصلاة وضعهما في حجره) رواه ابن خزيمة في صحيحه.

стр. 233

٣. وقال أبو قتادة ﵁: (رأيت رسول الله ﷺ وأمامة بنت العاص - ابنة زينب بنت الرسول ﷺ على عاتقه فإذا ركع وضعها وإذا رفع من السجود أعادها) رواه البخاري ومسلم. ٤. وفي حديث آخر قال رسول الله ﷺ : (إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد أطالتها فاسمع بكاء الصبي فأتجوّز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه) رواه البخاري ومسلم. وفي حديث آخر أن النبي ﷺ : (جوّز ذات يوم في الفجر - أي خفف - فقيل: يا رسول الله لم جوزت؟ قال: سمعت بكاء صبي فظننت أن أمه معنا تصلي فأردت أن أفرغ له أمه) رواه أحمد بإسناد صحيح. هذا هو هدي الرسول ﷺ في تعامله مع الأطفال في المسجد فلا ينبغي لأحد أن يطرد الأطفال من المساجد لأنهم رجال المستقبل والمسجد خير مكان لتعليم الصلاة والأحكام الشرعية الأخرى. ولكن لا بد من التنبيه أنه ينبغي عدم إحضار الأطفال الصغار جداً إلى المساجد لأنهم لا ينضبطون فمثل ابن سنة أو سنتين أو ثلاث لا يحضر إلى المسجد ولا بأس بإحضار الأطفال الذين هم في الخامسة أو السادسة أو السابعة إلى المساجد. الترتيب في قضاء الصلوات الفوائت يقول السائل: إنه صلى المغرب وكان عليه قضاء صلاتي الظهر والعصر ولكن نظراً لضيق الوقت صلى المغرب أولاً ثم قضى الظهر والعصر فما حكم ذلك؟ الجواب: إن قضاء الصلاة الفائتة واجب على الفور بمجرد زوال العذر كالنسيان أو النوم لقوله ﷺ : (من نام عن صلاة أو نسيا فليصلها إذا ذكرها) رواه البخاري ومسلم.

стр. 234

والترتيب في قضاء الفوائت واجب عند أكثر الفقهاء لما ثبت من قضاء النبي ﷺ للفوائت يوم الخندق حيث قضاهن بالترتيب أي الظهر فالعصر ثم المغرب وهكذا هو الأصل أن الترتيب واجب ولكن هذا الترتيب يسقط إذا ضاف وقت الصلاة الحاضرة كما في السؤال فما فعله السائل صحيح إن شاء الله حيث إنه صلى المغرب أولاً نظراً لضيق الوقت وبعد ذلك قضى الظهر والعصر فلا بأس بذلك. إدراك الركعة بالركوع إذا أدرك المصلي الركوع مع الإمام فعل يعتبر مدركاً للركعة؟ الجواب: إذا أدرك السبوق الإمام راكعاً فقد أدرك تلك الركعة وبهذا قال أكثر أهل العلم. قال الإمام النووي: [وهذا الذي ذكرناه من إدراك الركعة بإدراك الركوع وهو الصواب الذي نص عليه الشافعي وقال جماهير الأصحاب وجماهير العلماء وتظاهرت به الأحاديث وأطبق عليه الناس.] المجموع ٤/ ٢١٥. وفي المسألة قول آخر بأن الركعة لا تدرك إلا بإدراك القيام مع الإمام وهو قول ضعيف شاذ. والقول الأول هو القول الصحيح في المسألة وقد ثبت عن جماعة من الصحابة أنهم كانوا يعتدون بالركعة إذا أدرك الركوع، من ذلك ما رواه ابن أبي شيبة عن نافع عن ابن عمر قال: [إذا جئت والإمام راكع فوضعت يديك على ركبتيك قبل أن يرفع رأسه فقد أدركت] ورواه البيهقي بلفظ: [من أدرك الإمام راكعاً فركع قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك تلك الركعة] وإسناده صحيح. ومن ذلك ما رواه ابن أبي شيبة عن زيد بن وهب قال: [خرجت مع عبد الله ابن مسعود من داره إلى المسجد فلما توسطنا المسجد ركع الإمام فكبر عبد الله ثم ركع وركعت معه ثم مشينا راكعين حتى انتهينا إلى الصف

стр. 235

حتى رفع القوم رؤوسهم قال: فلما قضى الإمام الصلاة قمت أنا - وأنا أرى لم أدرك - فأخذ بيدي عبد الله فأجلسني وقال: إنك قد أدركت] ورواه البيهقي والطحاوي في شرح معاني الآثار وإسناده صحيح. ومثل ذلك ورد عن زيد بن ثابت وأبي بكر الصديق وعبد الله بن الزبير، قال الإمام البيهقي: [باب من ركع دون الصف وفي ذلك دليل على إدراك الركعة ولولا ذلك لما تكلفوه] سنن البيهقي ٢/ ٩٠. وقد ورد في المسألة حديث أبي هريرة ولفظه: [من أدرك ركعة مع الإمام قبل أن يقيم الإمام صلبه فقد أدرك الصلاة] وهذا الحديث فيه كلام كثير للمحدثين، وخلاصته أن الحديث بمجموع طرقه المتصلة والمرسلة يصلح للاحتجاج ويقويه ما ثبت عن الصحابة من العمل بمقتضاه. الاقتداء بالمسبوق يقول السائل: إنه جاء إلى المسجد فوجد صلاة الجماعة قد انتهت وأنه اقتدى برجل مسبوق فصلى خلفه فما حكم صلاته؟ الجواب: اقتداؤك بالمسبوق صحيح إن شاء الله على الراجح من أقوال أهل العلم وقد دلت على ذلك أحاديث منها حديث ابن عباس قال: (بت في بيت خالتي ميمونة فقام رسول الله ﷺ من الليل فتوضأ ثم قام إلى الصلاة فقمت فتوضأت كما توضأ ثم جئت فقمت عن يساره فأخذ بيميني فأدارني من ورائه فأقامني عن يمينه فصليت معه) رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن واللفظ لأبي داود. وحديث أنس أن الرسول ﷺ صلَّى في شهر رمضان قال: (فجئت فقمت إلى جنبه وجاء آخر فقام إلى جنبي حتى كنا رهطاً، فلما أحس النبي ﷺ بنا تجوّز في صلاته) رواه مسلم. وحديث عائشة: (أن رسول الله ﷺ كان يصلّي في حجرته وجدار

стр. 236

الحجرة قصير فرأى الناس شخص رسول الله ﷺ فقام الناس يصلون بصلاته فأصبحوا فتحدثوا فقام رسول الله ﷺ يصلي الليلة الثانية فقام ناس يصلون بصلاته) رواه البخاري. وحديث أبي سعيد أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يصلي وحده فقال: (ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني. وهذه الأحاديث تدل على أنه لا يشترط في الإمام أن ينوي الإمامة فالرسول ﷺ شرع في الصلاة منفرداً ثم جاء ابن عباس فصلى معه جماعة وكذلك فإن الرجل الذي رآه الرسول ﷺ يصلي وحده شرع في الصلاة منفرداً فحض النبي ﵊ رجلاً يصلي معه: (فقام رجل من القوم فصلى معه) كما في رواية البيهقي، ولا فرق بين من كان منفرداً ومن كان مسبوقاً فلا مانع من اقتداء غيره به ليحصل أجر الجماعة. سهى الإمام فقام إلى الخامسة إمام في صلاة رباعية قام سهواً إلى الركعة الخامسة فما الحكم في ذلك؟ الجواب: إذا سها الإمام في الصلاة الرباعية وقام إلى الخامسة فعلى المصلين أن يسبحوا ليذكروه فإذا سبَّحوا فعليه أن يجلس ويأتي بالتشهد الأخير إن لم يكن قد أتى به وعليه أن يسجد سجدتي السهو. وأما إذا كان المصلي منفرداً فقام إلى الخامسة وتذكّر بعد ذلك فعليه أن يجلس ويسجد سجدتي السهو وهذا مذهب جمهور أهل العلم ويدل على ما قلت حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ صلى الظهر خمساً فقيل له: (أزيد في الصلاة؟ فقال: وما ذلك؟ قالوا: صليت خمساً فسجد سجدتين بعدما سلّم) رواه البخاري ومسلم ولا تبطل صلاة المصلي وإن زاد خامسة سجد فيها أو لم يسجد ولا يلزمه أن يضيف ركعة سادسة كما قال بعض الفقهاء

стр. 237

فقولهم ضعيف ولا تؤيده الأدلة والصحيح ما قاله جمهور الفقهاء. حكم قراءة القرآن قبل الأذان يقول السائل: جرت العادة بقراءة القرآن لمدة عشرة دقائق تقريباً قبل الأذان للصلوات الخمس عبر مكبرات الصوت، فما حكم ذلك؟ الجواب: لا شك أن قراءة القرآن الكريم من العبادات العظيمة التي يتقرب بها العبد إلى ربه وهي جائزة في جميع الأوقات وأما تحديد القراءة وجعلها قبل الأذان والمحافظة على ذلك بصفة دائمة فأمر مخالف لما كان عليه الرسول ﷺ فلم يرد عنه ﵊ أنه كان يأمر المؤذن بقراءة القرآن قبل الأذان ولم يقم دليل على أن ذلك مشروع فينبغي ترك هذا وعدم فعله لأن تخصيص العبادة بوقت معين بدون دليل شرعي يعتبر بدعة مخالفة لهدي المصطفى ﵊. وقد صار بعض الناس يظن أن تلك القراءة لا بد منها فإذا غفل المؤذن مرة عن القراءة قبل الأذان لامه الناس على ذلك واعتبروه قد أخل بأمر لا بد منه. اتصال الصفوف يقول السائل: نرى بعض المصلين وخاصة في يوم الجمعة يصلون في ساحات المسجد وتكون صفوفهم غير متصلة مع الصفوف داخل المسجد فما حكم صلاتهم؟ الجواب: إن الرسول ﷺ قد أمر بتسوية الصفوف في الصلاة وسد الخلل الواقع فيها كما أمر بإتمام الصف الأول فالأول وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة منها:

стр. 238

١. عن جابر بن سمرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها فقلنا: يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصفوف الأُول ويتراصون في الصف) رواه مسلم. ٢. وعن أنس ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (أتموا الصف الأول ثم الذي يليه فإن كان نقص فليكن في الصف المؤخر) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان وهو حديث حسن كما قال المنذري والحافظ ابن حجر. ٣. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن الرسول ﷺ رأى في أصحابه تأخراً فقال لهم: (تقدموا فائتموا بي وليأتم بكم من ورائكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله رواه مسلم. ٤. وعن أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (رصوا صفوفكم قاربوا بينها وحاذوا الأعناق فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل في خلل الصفوف كأنها الحذف) رواه أبو داود وابن حبان وصححه وغير ذلك من الأحاديث والذي يؤخذ من هذه الأحاديث أن تسوية الصفوف واجبة ويشمل ذلك اتصال الصفوف الأول فالأول فإن الوعيد الشديد الوارد في عدم تسوية الصف يدل على حرمة ذلك، فتسوية الصفوف واجبة لأمر الرسول ﷺ بتسوية الصفوف والأصل في الأمر أنه يفيد الوجوب ما لم يصرفه صارف. ولا شك أن من تسوية الصفوف إتمام الصف الأول فالأول ولا يجوز أن يشرع في الصف الثاني إلا بعد إتمام الصف الأول وهذا باتفاق أكثر أهل العلم لقول الرسول ﵊: (أتموا الصف الأول ثم الذي يليه فإن كان نقص فليكن في الصف المؤخر). وبناء على ذلك فإن من يصف في ساحات المسجد الخارجية ولا يكون صفه متصلاً مع الصفوف داخل المسجد فلا تصح صلاتهم مع الجماعة كما هو الحال في كثير من المساجد الكبيرة فإنهم يصلون بقرب

стр. 239

أبواب الساحات الخارجية ويكون بينهم وبين آخر صف متصل مسافات بعيدة فإن صلاة هؤلاء غير صحيحة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: [فإن امتلاً المسجد بالصفوف صفوا خارج المسجد فإذا اتصلت الصفوف حينئذ في الطرقات والأسواق صحت صلاتهم وأما إذا صفوا وبينهم وبين الصف الآخر طريق يمشي فيه الناس لم تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء.) مجموع الفتاوى ٢٣/ ٤١٠. وقال بعض أهل العلم: [على أن القول الراجح عندي أنه لا يصح للمأموم أن يقتدي بالإمام خارج المسجد وإن رأى الإمام أو المأمومين إذا كان في المسجد مكان يمكنه أن يصلي فيه وذلك لأن المقصود بالجماعة الاتفاق في المكان وفي الأفعال فإذا كان المسجد واسعاً ويمكن أن يصلي الإنسان في المسجد فإنه لا يصح أن يتابع الجماعة في غير المسجد أما لو امتلأ المسجد وصار من كان خارج المسجد يصلي مع الإمام ويمكنه المتابعة فإن الراجح جواز متابعته للإمام وائتمامه به سواء رأى الإمام أو لم يره إذا كانت الصفوف متصلة]. وأخيراً فإن من واجب الإمام أن يأمر المصلين بتسوية الصفوف وإكمال الصف الأول فالأول لما ثبت في الحديث عن النعمان بن بشير رضي اله عنه قال: (كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي القداح - وهي أعواد السهام - حتى رأى أنا قد عقلنا عنه ثم خرج يوماً فقام حتى كاد يكبر فرأى رجلاً بادياً صدره في الصف فقال عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن وجوهكم) رواه مسلم. نوم الإمام يقول السائل: عندنا إمام مسجد مصاب - على ما أعلم - بمرض في قلبه وهذا المرض يسبب له نوماً أو سهواً وخاصة وهو يؤم الناس، أحياناً يستفيق لوحده وأحياناً يوقظه أحد المأمومين. فما حكم الصلاة خلف هذا الإمام؟

стр. 240

الجواب: إذا كان حال الإمام كما وصفت في السؤال وتلك الحالة ملازمة له فلا ينبغي لهذا الشخص أن يؤم المصلين وعليه أن يقدم غيره للإمامة فإن من شروط الإمامة أن يكون الإمام قادراً على القيام بأداء الصلاة مستكملاً لأركانها وشروطها وهذا الإمام ينام في صلاته أو يسهو فيها كثيراً فلا يؤدي الصلاة كما يجب فعليه أن لا يصلي بالناس. الاقتداء بالإمام القاعد يقول السائل: إن إمامهم في الصلاة مريض ولا يستطيع الصلاة قائماً فيصلي قاعداً فكيف يصنع المصلون خلفه هل يصلون قياماً أم جلوساً؟ الجواب: إن الأفضل في حق هذا الإمام الذي لا يستطيع أن يصلي قائماً أن يستخلف غيره ليصلي بالناس قائماً لأن في ذلك خروجاً من خلاف من منع الاقتداء بالإمام القاعد، ولأن القائم أكمل وأقرب إلى إكمال هيئات الصلاة من القاعد فيستحب أن يكون الإمام كامل الصلاة، فإن صلى بهم وهو جالس فيصلي المأمومون وهم قيام وهذا مذهب الحنفية والشافعية ويدل على ذلك حديث عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ أمر في مرضه الذي توفي فيه أبا بكر ﵁ أن يصلي بالناس فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله ﷺ من نفسه خفة فقام يهادي بين رجلين ورجلاه يخطان في الأرض فجاء فجلس عن يسار أبي بكر فكان رسول ﷺ يصلي بالناس ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر) رواه البخاري ومسلم. وجاء في رواية أخرى عند مسلم: (وكان النبي ﷺ يصلي بالناس وأبو بكر يسمعهم التكبير) وفي رواية أخرى: (أن النبي ﷺ جلس إلى جنب أبي بكر فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي ﷺ والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي ﷺ قاعد) رواه البخاري ومسلم. وقد نقل الإمام النووي عن الإمام الشافعي وغيره من العلماء أن هذه الروايات صريحة في نسخ الحديث الوارد بصلاة الناس خلف الإمام جلوساً لأن ذلك الحديث

стр. 241

كان في مرض قبل مرض النبي ﷺ الذي مات فيه والذي صلى فيه النبي ﷺ جالساً وصلى الناس خلفه قياماً. قراءة سورة فيها سجدة في فجر الجمعة يقول السائل: هل يجب على الإمام أن يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة سورة من القرآن فيها سجدة؟ وإذا قرأ سورة لا سجود فيها فهل صلاته صحيحة؟ الجواب: ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة بسورة السجدة فقد رود في الحديث عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: (الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ) السجدة، و (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ)) رواه مسلم. وجاء في الحديث عن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان يقرأ في الصبح يوم الجمعة: (ألم تنزيل) في الركعة الأولى وفي الثانية: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً) رواه مسلم. من هذين الحديثين يؤخذ استحباب قراءة سورتي السجدة والإنسان في صلاة الفجر يوم الجمعة وقد قرر المحققون من الفقهاء أن المقصود من قراءة سورة السجدة وسورة الإنسان ليس السجدة الموجودة في السورة الأولى وإنما المقصود هو المعاني العظيمة التي تضمنتها السورتان المذكورتان. لذلك لا يستحب المداومة على قراءة السورتين باستمرار إن خشي أن يظن الناس أن قراءتهما واجبة. وقد ظن بعض الناس أنه لا بد للإمام أن يقرأ أي سورة فيها سجدة في فجر يوم الجمعة وهذا الظن خطأ واضح لأن السجدة ليست مقصودة لذاتها وإنما المقصود السورة التي فيها وهي (الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ) لذلك لا ينبغي للإمام أن يقرأ أي سورة أخرى فيها سجدة.

стр. 242

قال العلامة ابن القيم: [كان ﷺ يقرأ في فجره - يوم الجمعة - بسورتي (الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ) و (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ) ويظن كثير ممن لا علم عنده أن المراد تخصيص هذه الصلاة بسجدة زائدة ويسمونها سجدة الجمعة وإذا لم يقرأ أحدهم هذه السورة استحب قراءة سورة أخرى فيها سجدة ولهذا كره من كره من الأئمة المداومة على قراءة هذه السورة في فجر الجمعة دفعاً لتوهم الجاهلين وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إنما كان النبي ﷺ يقرأ هاتين السورتين في فجر - الجمعة - لأنهما تضمنتا ما كان ويكون في يومها فإنهما اشتملتا على خلق آدم وعلى ذكر المعاد وحشر العباد وذلك يكون يوم الجمعة وكان في قراءتها في هذا اليوم تذكير للأمة بما كان فيه ويكون، والسجدة جاءت تبعاً ليست مقصودة حتى يقصد المصلي قراءتها حيث اتفقت فهذه خاصة من خواص يوم الجمعة] زاد المعاد ١/ ٣٧٥. وخلاصة الأمر أن الإمام إذا قرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة بالسورتين المذكورتين فقد أصاب السنة وإذا لم يقرأ بالسورتين المذكورتين فصلاته صحيحة ولا شيء عليه ولا ينبغي لأحد من الناس أن ينكر عليه فالسجدة ليست لازمة لفجر الجمعة. وهذا الأمر على خلاف ما يعتقد كثير من الناس حتى ظن بعض العوام أن صلاة الفجر يوم الجمعة تختلف عن صلاة الفجر في الأيام الأخرى، قال الإمام القرافي ما نصه: [ولذلك شاع عند عوام مصر أن الصبح ركعتان إلا في يوم الجمعة فإنه ثلاث ركعات لأنهم يرون الإمام يواظب على قراءة السجدة يوم الجمعة ويسجد ويعتقدون أن تلك ركعة أخرى واجبة وسد هذه الذرائع متعين في الدين] الفروق ١٢/ ١٩١. إدراك صلاة الجمعة بإدراك ركعة منها يقول السائل: أدركت الإمام في صلاة الجمعة قبل أن يسلم ثم صليت

стр. 243

ركعتي الجمعة وبعد التسليم قال لي بعض المصلين إن الواجب عليّ أن أصلي الظهر لأن الجمعة قد فاتتني فما الحكم في ذلك؟ الجواب: يجب أن يعلم أولاً أن التبكير إلى صلاة الجمعة مرغب فيه ويدل على ذلك قول الرسول ﷺ : (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة - أي ناقة - ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر) رواه البخاري ومسلم. فالمستحب للمسلم أن يبادر يوم اجمعة بالذهاب إلى المسجد مبكراً فيصلي نافلة ويقرأ من القرآن الكريم ما تيسر ويدعو ويستغفر إلى غير ذلك من الأفعال الطيبة، فإن حصل وتأخر عن الصلاة لعذر أو غيره وجاء إلى المسجد وهم يصلون فلا بد أن يدرك ركعة مع الإمام حتى يعتبر مدركاً للجمعة، وإدراك الركعة يكون بإدراك الركوع مع الإمام، فإذا أدرك ركعة مع الإمام فهو مدرك للجمعة، وهذا قول أكثر أهل العلم من الصحابة وأئمة المذاهب الثلاثة المالكية والشافعية والحنابلة ويدل على ذلك أحاديث منها: ١. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) رواه البخاري ومسلم وفي رواية لمسلم: (من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة) ومفهوم التقييد بالركعة أن من أدرك دون الركعة لا يكون مدركاً للصلاة كما قال الحافظ ابن حجر. ٢. وجاء في رواية أخرى عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة) رواه ابن ماجة والحاكم وغيرهما وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني. ٣. وفي رواية أخرى: (من أدرك ركعة من الجمعة فليضف إليها أخرى) رواه ابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني.

стр. 244

٤. ورد عن ابن عمر أنه قال: (من أحرم بالجمعة في وقتها وأدرك مع الإمام ركعة أتم جمعته) رواه البيهقي وهو صحيح كما قال الشيخ الألباني. ٥. ورد عن ابن مسعود قال: (إذا أدركت ركعة من الجمعة فأضف إليها أخرى فإذا فاتك الركوع فصل أربعاً) رواه ابن أبي شيبة والبيهقي وسنده صحيح. وغير ذلك من الأحاديث والآثار. وبناء على ما تقدم فإن ما قاله بعض المصلين لك من فوات الجمعة صحيح وعليك أن تصليها ظهراً أربعاً. الإمام في الجمعة غير الخطيب ما حكم صلاة الجمعة إذا أمَّ المصلين شخص غير من خطب الجمعة؟ الجواب: الصلاة صحيحة إن شاء الله وإن كان المعروف أن من يخطب الجمعة هو الإمام الذي يصلي بالناس وهذا هو المعهود عن الرسول ﵊ واتباع الرسول ﷺ هو المطلوب فنحن مأمورون بالاتباع ولكن إن كان هناك عذر لمن خطب الجمعة فصلّى بالناس غيره لتعب أو مرض طارئ أو نحو ذلك فلا بأس به والصلاة صحيحة. تحية المسجد أثناء خطبة الجمعة يقول السائل: دخلت المسجد يوم الجمعة أثناء الخطبة فهل أصلي تحية المسجد أم أجلس وأصليها بعد أن تنتهي الخطبة الأولى؟ الجواب: إن المشروع في حق من دخل المسجد والخطيب يخطب يوم الجمعة أن يصلي ركعتين تحية المسجد ويشرع له أن يخففها أي لا يطيل فيها وهذا مذهب أكثر أهل العلم وهو الصحيح الذي تؤيده الأدلة. فقد ثبت في الحديث الصحيح عن جابر بن عبد الله ﵄ قال:

стр. 245

(دخل رجل يوم الجمعة المسجد والنبي ﷺ يخطب فقال له: أصليت؟ قال: لا. قال: فصل ركعتين) رواه البخاري ومسلم. وثبت في رواية أخرى عن جابر أيضاً قال: (جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب فجلس. فقال رسول الله ﷺ : إذا جاء أحدكم الجمعة والإمام يخطب فليصل ركعتين خفيفتين ثم يجلس) رواه مسلم. فهذان الحديثان يدلان على ما قلت فلا ينبغي لمن دخل والإمام يخطب أن يجلس فإذا انتهى الخطيب من الخطبة الأولى قام فصلى الركعتين فهذا مخالف لما ثبت عن الرسول ﷺ والمطلوب التخفيف في هاتين الركعتين حتى يسمع لخطبة الجمعة وليس المقصود بالتخفيف نقرهما نقراً وإنما المقصود عدم التطويل وهو التخفيف الذي لا يخل بالصلاة. وقد يمنع البعض الداخل من صلاة تحية المسجد بحجة ما روي عن الرسول ﵊: (إذا صعد الإمام فلا صلاة ولا كلام) فهذا الحديث باطل بل هو منكر لا يصح الاحتجاج به وإن كان بعض معناه صحيحاً وهو منع الكلام أثناء الخطبة ومنع الصلاة أثناء الخطبة نافلة أو قضاء أو غير ذلك وأما من جاء والإمام يخطب فإنه يصلي تحية المسجد ويخفف فيها كما سبق وأما الكلام أثناء الخطبة فممنوع لما ثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت) رواه البخاري ومسلم. قال الإمام النووي: [معناه قلت غير الصواب وقيل تكلمت بما لا ينبغي. ففي الحديث النهي عن جميع أنواع الكلام حال الخطبة] شرح صحيح مسلم ٦/ ١٣٨. وأكثر أهل العلم على وجوب الإنصات للخطبة يوم الجمعة حتى ولو كان المصلي لا يسمع الخطبة فيلزمه الإنصات.

стр. 246

ومن الجدير بالذكر أن حديث أبي هريرة السابق: (إذا قلت لصاحبك أنصت.) يردده المؤذنون في كل يوم جمعة قبل بدء خطبة الجمعة، وهذا الذي يفعله المؤذنون بدعة مخالفة لهدي المصطفى ﷺ فلم يأمر الرسول ﷺ أن يقرأ هذا الحديث على مسامع المصلين قبل خطبة الجمعة وعلى أئمة المساجد منع المؤذنين من هذه البدعة وغيرها من البدع التي تقع في يوم الجمعة وغيره وقد ثبت عن الرسول ﵊ قوله: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد) حديث صحيح رواه البخاري ومسلم. ومعنى رد أي مردود. ويضاف إلى ما سبق أن المؤذن ينهي الناس عن الكلام والخطيب يخطب ثم يخالفهم فيتكلم بدعاء بين الخطبتين. وهذا الدعاء أيضاً مخالف لهدي المصطفى ﷺ . ولكن هذه الأمور أصبحت مشهورة ومعروفة حتى ظن عامة الناس أنها من الدين ويرجع ذلك إلى سكوت أهل العلم عنها بل وإقرارهم لها والواجب عليهم أن ينكروها لمخالفتها لسنة المصطفى ﷺ . صلاة الظهر بعد صلاة الجمعة يقول السائل: إنه صلى الجمعة في أحد المساجد وتحدث الخطيب خلال خطبته عن صلاة الظهر بعد الجمعة مباشرة، وبعد انتهاء صلاة الجمعة صلى الناس أربع ركعات صلاة الظهر فما حكم ذلك. الجواب: إن ما ذكره خطيب الجمعة حول صلاة أربع ركعات بعد الجمعة قال به بعض فقهاء المذاهب الأربعة المتأخرون وهذا الرأي مبني عندهم على عدم جواز تعدد صلاة الجمعة في البلد الواحد وأن الجمعة لمن سبق فلذلك فهم يصلون أربع ركعات بعد الانتهاء من الجمعة من باب الاحتياط.

стр. 247

ولكن هذا القول ضعيف ومرجوح ولا دليل عليه لا من كتاب ولا من سنة والصحيح خلاف ذلك وهو: لا شك لدي بجواز تعدد صلاة الجمعة في البلد الواحد عند الحاجة وهذا الذي عليه جمهور الفقهاء وهو القول الحق الذي يتفق مع روح الشريعة الإسلامية من رفع الحرج عن الأمة لأن في القول بمنع تعدد صلاة الجمعة حرجاً وعنتاً يلحق بالمسلمين وخاصة أن المدن والبلدات قد اتسعت وأصبح عدد الناس كثيراً ولا يجمعهم مسجد واحد لذلك كله فإنه يجوز تعدد صلاة الجمعة في البلد الواحد. وإلزام الناس بصلاة الظهر بعد الجمعة بدعة محدثة لا دليل عليها وقولهم: [الجمعة لمن سبق] ليس بحديث ولا أصل له في السنة كما قرره الشيخ الألباني. وإنما هو كلام مشهور على ألسنة بعض فقهاء الشافعية المتأخرين وليكن معلوماً أن الأصل في باب العبادات التوقيف عن الرسول ﷺ ولم يرد عن الرسول ﵊ في هذه المسألة شيء فلذلك لا تصلى الظهر بعد الجمعة. حكم الكلام أثناء خطبة الجمعة يقول السائل: جرت العادة عندنا في يوم الجمعة وقبل أن يبدأ الخطيب بخطبة الجمعة أن يقوم المؤذن ويذكر حديثاً عن الرسول ﷺ وهو: (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت) فما معنى لغوت وهل الكلام أثناء الخطبة مبطل للصلاة أم لا؟ الجواب: إن الحديث المذكور في السؤال حديث صحيح رواه البخاري ومسلم وغيرهما ولا شك أن كثيراً من المصلين لا يلتزمون بما يدل عليه الحديث الشريف فتراهم يتكلمون والإمام يخطب وينبغي أن يعلم أن جمهور الفقهاء قالوا بحرمة الكلام أثناء خطبتي الجمعة وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد والأوزاعي وغيرهم، واستدلوا بما يلي:

стр. 248

أولاً: بالحديث المذكور في السؤال ومعنى (لغوت) الواردة في الحديث جئت بأمر باطل، وقال بعض العلماء: [لغوت: أي بطلت فضيلة جمعتك. وقيل: خبت من الأجر. وقيل: صارت جمعتك ظهراً وقيل: غير ذلك]. ثانياً: عن أبي ذر ﵁ أنه قال: (دخلت المسجد يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، فجلست قريباً من أبي بن كعب، فقرأ النبي ﷺ سورة " براءة " فقلت لأبي: متى نزلت هذه السور؟ قال: فتجهمني ولم يكلمني فلما صلى النبي ﷺ ، قلت لأبيّ: سألتك فتجهمتني ولم تكلمني؟ قال أبيّ: مالك من صلاتك إلا ما لغوت! فذهبت إلى النبي ﷺ فقلت: يا نبي الله كنت بجنب أبي وأنت تقرأ براءة فسألته متى نزلت هذه السورة، فتجهمني ولم يكلمني ثم قال: مالك من صلاتك إلا ما لغوت. قال النبي ﷺ : صدق أبيّ). ومعنى تجهمني: قطب جبينه وعبس ونظر إلي مغضباً، والحديث رواه ابن خزيمة في صحيحه وقال الشيخ الألباني: صحيح. ثالثاً: عن ابن عباس أن الرسول ﷺ قال: (من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً والذي قول له أنصت ليست له جمعة) رواه أحمد وقال الحافظ ابن حجر: إسناده لا بأس به. رابعاً: روي في الحديث عن علي ﵁ قال: (من دنا من الإمام فلغا ولم يستمع ولم ينصت كان عليه كفل من الوزر ومن قال: صه، فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له. ثم قال: هكذا سمعت نبيكم ﷺ رواه أحمد وأبو داود. وغير ذلك من الأحاديث والآثار الواردة عن الصحابة ﵃. وخلاصة ما تدل عليه هذه الأحاديث هو تحريم الكلام اثناء خطبتي الجمعة ووجوب الإنصات كما هو مذهب جمهور الفقهاء ولكن صلاة من تكلم أثناء الخطبتين مجزئة ولكن أجر جمعته قد بطل ولم ينل فضيلة الجمعة.

стр. 249

ومن العلماء من يرى أن من يتكلم أثناء الخطبتين تصير جمعته ظهراً ولا تُحسب له جمعة واحتجوا بما ورد في الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن الرسول ﷺ قال: (من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب امرأته إن كان لها ولبس من صالح ثيابه ثم لم يتخط رقاب الناس ولم يلغ عند الموعظة كان كفارة ما بينهما ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهراً) رواه أبو داود وابن خزيمة وقال الشيخ الألباني: حديث حسن. ويجب أن يعلم أن قيام المؤذن بذكر الحديث الوارد في السؤال قبل أن يبدأ الخطيب بالخطبة بدعة لا أصل لها في الشرع، فالرسول ﷺ قال الحديث ولا ريب ولكنه ﵊ لم يأمر بلالاً ولا غيره من المؤذنين أن ينادي بالحديث قبل بدء الخطبة، فهذا أمر غير مشروع لأن الأصل في العبادات هو التوقيف عن الرسول ﷺ ، وقد ثبت أن النبي ﷺ كان يشرع في خطبتي الجمعة بعد انتهاء المؤذن من الأذان وما كان أحد ينادي بهذا الحديث فالواجب ترك ذكر هذا الحديث بين يدي خطيب الجمعة وذلك اقتداء برسول الله ﷺ ، فإن الخير كل الخير في الاتباع وإن الشر كل الشر في الابتداع. صلاة الفريضة في السيارة يقول السائل: إنه يخرج من بيته قبل صلاة الفجر متوجهاً إلى عمله ويركب سيارة باص ولا يصل إلى عمله إلا بعد طلوع الشمس والسيارة لا تتوقف في الطريق فهل يصلي صلاة الفجر في السيارة أم ماذا يصنع؟ الجواب: يجوز لهذا السائل أن يصلي صلاة الفجر في السيارة بالكيفية التي يستطيعها حتى لا تفوته الصلاة فيصلي في السيارة فإذا أمكنه الركوع والسجود واستقبال القلبة فيجب عليه ذلك وإن لم يستطع الركوع والسجود واستقبال القبلة فإنه يصلي بقدر طاقته فيومئ إيماء " يشير " ويجعل السجود أكثر انخفاضاً من الركوع، وهكذا فدين الإسلام دين يسر وسهولة

стр. 250

فقد قال : (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ويقول ﵊: (إذا أمرتكم بأمر فأئتوا منه ما استطعتم) رواه البخاري ومسلم. وقد ورد في الحديث عن يعلى بن أمية: (أن النبي ﷺ انتهى إلى مضيق هو وأصحابه وهو على راحلته والسماء من فوقهم المطر والبلة من أسفل منهم فحضرت الصلاة فأمر المؤذن فأذن وأقام ثم تقدّم رسول الله ﷺ على راحلته فصلى بهم يومئ إيماء يجعل السجود أخفض من الركوع) رواه أحمد والترمذي. وفي سنده ضعف ولكن الترمذي قال بعد أن ساق الحديث وبين ما فيه: (والعمل على هذا عند أهل العلم وبه يقول أحمد وإسحاق. وقال أبو بكر ابن العربي: [حديث يعلى ضعيف السند صحيح المعنى. ثم قال: الصلاة على الدابة بالإيماء صحيحة إذا خاف من خروج وقت الصلاة ولم يقدر على النزول لضيق الموضع أو لأنه عليه الطين والماء]. وبناء على ما تقدم فتصح صلاة الفريضة في السيارة أو الطائرة أو القطار أو نحو ذلك. هذا إذا كان المصلي يخشى خروج الوقت أما إذا كان يعلم أنه يصل إلى غايته قبل خروج وقت الصلاة بمدة كافية لأداء الصلاة فلا ينبغي له أن يصلي الفريضة في السيارة ونحوها وكذلك الحال إذا كانت الصلاة تجمع إلى غيرها فإما أن يصلي جمع تقديم أو تأخير ولا يصليها في السيارة ونحوها. صلاة التراويح يقول السائل: هل تصلى التراويح عشرون ركعة أم ثماني ركعات وهل تصح صلاة التراويح في البيت؟ الجواب: إن الرسول ﷺ قد رغب في قيام رمضان وحث عليه في أحاديث منها: عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمر فيه بعزيمة فيقول: (من قام رمضان إيماناً
следующие страницы →