← Фатава

Фатава · id 9087

فتاوى يسألونك

حسام الدين عفانة

Полный текст (3 492 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2172

مقدمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ سورة آل عمران الآية ١٠٢. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ النساء الآية ١ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ سورة الأحزاب الآيتان ٧٠ - ٧١. أما بعد فإن العلم أمانة ورعاية، وصيانة وخشية وورع، ومسؤولية عظيمة، وإن أهل العلم عامة، وأهل الفُتيا خاصة، مطالبون بحفظ الأمانة وأدائها على الوجه الصحيح، ومما ابتلي به المسلمون في هذا الزمان، ما يقوم به بعض المنتسبين للعلم الشرعي، من إهدار لكرامة العلم الشرعي، وتشويه صورته، وتسويد مُحيَّاه، والانحراف عن نهج العلماء العاملين، حملة الدين

стр. 2173

المخلصين، الذين ذكرهم النبي ﷺ في الحديث: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عُدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين) وهو حديث مشهور صححه الإمام أحمد والحافظ ابن عبد البر وغيرهما. فترى هؤلاء يقفون في مواطن الريب والشبهات، وترى بعضهم يزج بنفسه في أماكن وملتقيات، يجب أن يتنزه آحادُ المسلمين عن التواجد فيها، فضلاً عن علمائهم. وترى بعضهم يفتي في قضايا إرضاءً لذوي الجاه والمال والسلطان، وترى بعضهم يظهر في بعض الفضائيات مع المذيعات المتبرجات يفتي في الحلال والحرام، وينسى نفسه، إن هذا لشيءٌ عجاب!! وترى بعضهم يدافع بكل ما أوتي من قوة عن الظلمة والفسقة والطغاة، بل عن الكفار، وترى بعضهم يكيل المديح للفساق والفاسقات، ويصفهم بأرفع الصفات. وترى بعضهم يسير على قول القائل: النفاق سيد الأخلاق، وترى ... وترى ... وترى ... إن واجب أهل العلم الشرعي والمنتسبين له، أن يكونوا كما كان سلفهم من العلماء الربانيين، ورثة الأنبياء، وصفوة الأتقياء، السائرين على هدي المصطفى ﷺ ، الجامعين بين العلم والعمل، فإن فرَّقوا بينهما فقد خابوا وخسروا، وقد قال علي بن أبي طالب ﵁ (هتف العلمُ بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل). وقال الخطيب البغدادي: [ثم إني موصيك يا طالب العلم بإخلاص النية في طلبه، وإجهاد النفس على العمل بموجبه، فإن العلم شجرةٌ، والعملُ ثمرةٌ، وليس يُعَدُّ عالماً من لم يكن بعلمه عاملاً. وقيل: العلم والدٌ، والعملُ مولود، والعلم مع العمل، والرواية مع الدراية، فلا تأنس بالعمل مادمت مستوحشاً من العلم، ولا تأنس بالعلم ما كنت مقصراً في العمل، ولكن اجمع بينهما، وإن قلَّ نصيبك منهما، ...

стр. 2174

والقليل من هذا - أي العلم - مع القليل من هذا - أي العمل- أنجى في العاقبة، إذا تفضل الله بالرحمة، وتمَّمَ على عبده النعمة، فأما المدافعةُ والإهمال، وحبُ الهُوَيْنا والاسترسال، وإيثار الخَفْضِ والدعة، والميل مع الراحة والسعة، فإن خواتم هذه الخصال، ذميمة وعقباها كريهة وخِيمة. والعلم يُرادُ للعمل، كما العملُ يُراد للنجاة، فإذا كان العملُ قاصراً عن العلم، كان العلم كلاًّ على العالم، ونعوذ بالله من علمٍ عاد كلاًّ، وأورث ذلاًّ، وصار في رقبة صاحبه غلاًّ.] اقتضاء العلم العمل ص ١٤ - ١٥. وقال الحسين بن منصور في آداب العلماء [الثالث: أن يصون العلمَ كما صانه علماء السلف، ويقومَ له بما جعله الله تعالى له من العزة والشرف، فلا يدنسه بالأطماع، ولا يذله بذهابه ومشيه إلى غير أهله من أبناء الدنيا، من غير ضرورة أو حاجة أكيدة، ولا إلى من يتعلمه منه منهم، وإن عظم شأنه وكبر قدره وسلطانه. قال الزهري: هوان بالعلم أن يحمله العالم إلى بيت المتعلم. وقال مالك بن أنس للمهدي وقد استدعاه لولديه يعلمهما: العلم أولى أن يوقر ويؤتى، وفي رواية: العلم يزار ولا يزور ويؤتى ولا يأتي. وفي رواية: أدركت أهل العلم يُؤْتَون ولا يأتون، ويروى عنه أيضاً أنه قال: دخلت على هارون الرشيد فقال يا أبا عبد الله: ينبغي أن تختلف إلينا - أي تزورنا - حتى يسمعَ صبياننا منك الموطأ، قال: فقلت أعزك الله إن هذا العلم منكم خرج، فإن أنتم أعززتموه عزَّ، وإن أذللتموه ذلَّ والعلمُ يُؤتى ولا يأتي، فقال: صدقت، اخرجوا إلى المسجد حتى تسمعوا مع من سمع الناس.] وصدق القائل: يا معشرَ القراء يا ملحَ البلد ... ما يصلحُ الملحَ إذا الملحُ فسد؟ ولله درُّ القاضي الجرجاني حيث قال: ولو أنّ أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظّموه في النفوسِ لعُظِّما! ولكنْ أهانوه فهان ودنّسوا ... مُحيَّاهُ بالأطماعِ حتى تجهَّما!

стр. 2175

وختاماً فهذا هو الجزء العاشر من كتابي يسألونك وأصله حلقات تنشر صباح كل يوم جمعة في جريدة القدس المقدسية وسلكت فيه المنهج الذي سلكته في الأجزاء السابقة من اعتمادٍ على كتاب الله وسنة سيدنا رسول الله ﷺ وعلى فهم سلف هذه الأمة، فإن أصبت فذلك الفضل من الله وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، وأختم بما قاله القاضي البيساني يرحمه الله: [إني رأيت أنه لا يكتب إنسانٌ كتاباً في يومه، إلا قال في غده لو غُيِّرَ هذا لكان أحسن، ولو زِيدَ كذا لكان يستحسن، ولو قُدِمَ هذا لكان أفضل، ولو تُرِكَ هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليلٌ على استيلاء النقص على جملة البشر]. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين كتبه الأستاذ الدكتور حسام الدين بن موسى عفانه أبوديس/القدس صباح يوم الجمعة السادس من شعبان ١٤٢٦هـ وفق التاسع من أيلول ٢٠٠٥ م.

стр. 2176

العقيدة والتفسير

стр. 2177

لا يجوز طلب الاستغفار من سيدنا رسول الله ﷺ - يقول السائل: ما حكم أن يقول المسلم: يا رسول الله استغفر لي أو يا رسول الله ادع لي سواء أكان ذلك عند قبر النبي ﷺ أو في أي مكان آخر؟ الجواب: لا يجوز لأحد أن يقول: [يا رسول الله استغفر لي أو يا رسول الله ادع لي] سواء أكان ذلك عند قبر النبي ﷺ أو في أي مكان آخر ويعتبر هذا القول وسيلة من وسائل الشرك والعياذ بالله حيث إن سيدنا رسول الله ﷺ قد انتقل من هذه الدنيا إلى دار الآخرة فهو ﷺ في حياة برزخية لا يعلم حقيقتها إلا الله وقد قال : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ سورة الزمر الآية ٣٠. والرسول ﷺ لا عمل له حيث انقطع عمله بوفاته ﷺ . وأما قول الله : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ سورة النساء الآية ٦٤. فالمراد بها المجيء إلى سيدنا رسول الله ﷺ حال حياته وليس بعد وفاته ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ﴾ ومن المعلوم أن الأصل في لفظة (إذ) في لغة العرب أنها تستعمل لما مضى من الزمان ولا تستعمل للزمان المستقبل. قال الجوهري: [إذ كلمة تدل على ما مضى من الزمان ... ] الصحاح ٢/ ٥٦٠.

стр. 2178

وانظر لسان العرب ١/ ١٠١. وأما لفظة إذا فتستعمل لما يستقبل من الزمان. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على من يستدل بالآية السابقة على جواز سؤال النبي ﷺ الدعاء حال موته: [ومنهم من يتأول قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ ويقولون إذا طلبنا منه الاستغفار بعد موته كنا بمنزلة الذين طلبوا الاستغفار من الصحابة ويخالفون بذلك إجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر المسلمين فإن أحداً منهم لم يطلب من النبي ﷺ بعد موته أن يشفع له ولا سأله شيئاً ولا ذكر ذلك أحد من أئمة المسلمين في كتبهم وإنما ذكر ذلك من ذكره من متأخري الفقهاء وحكوا حكاية مكذوبة على مالك ﵁ سيأتي ذكرها وبسط الكلام عليها إن شاء الله تعالى ... ] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ١/ ١٥٩. وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين عند حديثه عن أنواع التوسل: [النوع الرابع: أن يتوسل إلى الله بدعاء من ترجى إجابته كطلب الصحابة ﵃ من النبي ﷺ أن يدعو الله لهم مثل قول الرجل الذي دخل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، فقال: ادع الله أن يغيثنا؛ وقول عكاشة بن محصن للنبي ﷺ : ادع الله أن يجعلني منهم. وهذا إنما يكون في حياة الداعي، أما بعد موته فلا يجوز؛ لأنه لا عمل له: فقد انتقل إلى دار الجزاء؛ ولذلك لما أجدب الناس في عهد عمر بن الخطاب ﵁ لم يطلبوا من النبي ﷺ أن يستسقي لهم؛ بل استسقى عمر بالعباس عم النبي ﷺ فقال له: قم فاستسق؛ فقام العباس فدعا، وأما ما يروى عن العتبي أن أعرابياً جاء إلى قبر النبي ﷺ فقال: (السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ وقد جئتك مستغفراً من ذنوبي مستشفعاً بك إلى ربي) وذكر تمام القصة؛ فهذه كذب لا تصح؛ والآية ليس فيها دليل لذلك؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾

стр. 2179

ولم يقل: (إذا ظلموا أنفسهم) و (إذ) لما مضى لا للمستقبل؛ والآية في قوم تحاكموا أو أرادوا التحاكم إلى غير الله ورسوله ﷺ كما يدل على ذلك سياقها السابق واللاحق] التوسل حكمه وأقسامه ص ٢٢ - ٢٣. وخلاصة الأمر أنه لا يجوز أن يقال [يا رسول الله استغفر لي أو يا رسول الله ادع لي] سواء أكان ذلك عند قبر النبي ﷺ أو في أي مكان آخر. استغفار النبي ﷺ لعمه أبي طالب يقول السائل: ذكرت بعض كتب التفسير أن قَوْل الله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ قد نزلت في قصة عم النبي ﷺ أبو طالب مع أن الآية في سورة التوبة وهي متأخرة النزول أفيدونا؟ الجواب: روى الإمام البخاري بإسناده عن الزهري عن ابن المسيب عن أبيه (أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل فقال: أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاجُّ لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب ترغب عن ملة عبد المطلب، فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به: على ملة عبد المطلب. فقال النبي ﷺ : لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنه فنزلت ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ سورة التوبة الآية ١١٣. ونزلت ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ سورة القصص الآية ٥٦. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله: فنزلت ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ ونزلت ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ أما نزول

стр. 2180

هذه الآية الثانية فواضح في قصة أبي طالب, وأما نزول التي قبلها ففيه نظر, ويظهر أن المراد أن الآية المتعلقة بالاستغفار نزلت بعد أبي طالب بمدة, وهي عامة في حقه وفي حق غيره, ويوضح ذلك ما سيأتي في التفسير بلفظ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأنزل الله بعد ذلك الآية. وأنزل في أبي طالب ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾. ولأحمد من طريق أبي حازم عن أبي هريرة ﵁ في قصة أبي طالب قال: فأنزل الله ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ وهذا كله ظاهر في أنه مات على غير الإسلام] فتح الباري ٧/ ٢٤٥. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني أيضاً: [قوله: فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أي ما ينبغي لهم ذلك, وهو خبر بمعنى النهي ... وروى الطبري من طريق شبل عن عمرو بن دينار قال: قال النبي ﷺ : (استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك, فلا أزال استغفر لأبي طالب حتى ينهاني عنه ربي. فقال أصحابه: لنستغفرن لآبائنا كما استغفر نبينا لعمه, فنزلت) وهذا فيه إشكال, لأن وفاة أبي طالب كانت بمكة قبل الهجرة اتفاقاً, وقد ثبت أن النبي ﷺ أتى قبر أمه لما اعتمر فاستأذن ربه أن يستغفر لها فنزلت هذه الآية والأصل عدم تكرر النزول. وقد أخرج الحاكم وابن أبي حاتم من طريق أيوب بن هانئ عن مسروق عن ابن مسعود قال: (خرج رسول الله ﷺ يوماً إلى المقابر فاتبعناه, فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلاً ثم بكى, فبكينا لبكائه, فقال: إن القبر الذي جلست عنده قبر أمي, واستأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي, فأنزل عليَّ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وأخرج أحمد من حديث ابن بريدة عن أبيه نحوه وفيه (نزل بنا ونحن معه قريب من ألف راكب) ولم يذكر نزول الآية. وفي رواية الطبري من هذا الوجه (لما قدم مكة أتى رسم قبر)، ومن طريق فضيل بن مرزوق عن عطية (لما قدم مكة وقف على قبر أمه حتى سخنت عليه الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها فنزلت) وللطبراني من طريق عبد الله بن كيسان عن عكرمة عن ابن عباس نحو حديث ابن مسعود وفيه (لما هبط من ثنية عسفان) وفيه

стр. 2181

نزول الآية في ذلك. فهذه طرق يعضد بعضها بعضاً, وفيها دلالة على تأخير نزول الآية عن وفاة أبي طالب, ويؤيده أيضاً أنه ﷺ قال يوم أحد بعد أن شج وجهه: (رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) لكن يحتمل في هذا أن يكون الاستغفار خاصاً بالأحياء وليس البحث فيه, ويحتمل أن يكون نزول الآية تأخر وإن كان سببها تقدم, ويكون لنزولها سببان: متقدم وهو أمر أبي طالب ومتأخر وهو أمر آمنة. ويؤيد تأخير النزول ما تقدم في تفسير براءة من استغفاره ﷺ للمنافقين حتى نزل النهي عن ذلك, فإن ذلك يقتضي تأخير النزول وإن تقدم السبب, ويشير إلى ذلك أيضاً قوله في حديث الباب: (وأنزل الله في أبي طالب ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ لأنه يشعر بأن الآية الأولى نزلت في أبي طالب وفي غيره والثانية نزلت فيه وحده, ويؤيد تعدد السبب ما أخرج أحمد من طريق أبي إسحاق عن أبي الخليل عن علي قال: (سمعت رجلاً يستغفر لوالديه وهما مشركان, فذكرت ذلك للنبي ﷺ فأنزل الله: ما كان للنبي الآية) وروى الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: وقال المؤمنون ألا نستغفر لآبائنا كما استغفر إبراهيم لأبيه؟ فنزلت ... ] فتح الباري ٨/ ٦٤٤ - ٦٤٥. [ومما يؤكد تأخر نزول قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ عن قصة أبي طالب: ١. قوله في الآية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهذا يدل على أن الاستغفار وقع من النبي ﷺ ، ومن بعض المؤمنين، وقصة أبي طالب لم يكن الاستغفار فيها إلا من قبل النبي ﷺ . ٢. أن هذه الآية وردت في سورة التوبة، وسورة التوبة مدنية، ومن أواخر ما نزل. ٣. أن الله تعالى لم يُعاتب النبي ﷺ في صلاته على عبد الله بن أبي، وإنما أنزل النهي فقط، ولو كان قد سبق النهي عن الاستغفار لمن مات على الكفر؛ لعاتب الله تعالى نبيه على ذلك] ملتقى أهل التفسير عن شبكة الإنترنت.

стр. 2182

ومن أهل العلم من يرى أن نزول الآية لم يكن في قصة أبي طالب حيث إنها في سورة براءة كما قرره الحافظ ابن حجر العسقلاني وهي من أواخر ما نزل من القرآن. قال الألوسي: [واستبعد ذلك الحسين بن الفضل بأن موت أبي طالب قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين وهذه السورة من أواخر ما نزل بالمدينة. قال الو احدي: وهذا الاستبعاد مستبعد فأي بأس أن يقال: كان ﷺ يستغفر لأبي طالب من ذلك الوقت إلى وقت نزول الآية فإن التشديد مع الكفار إنما ظهر في هذه السورة، وذكر نحواً من هذا صاحب التقريب، وعليه لا يراد بقوله: فنزلت في الخبر أن النزول كان عقيب القول بل يراد أن ذلك سبب النزول، فالفاء فيه للسببية لا للتعقيب. واعتمد على هذا التوجيه كثير من جلة العلماء وهو توجيه وجيه، خلا أنه يعكر عليه ما أخرجه ابن سعد وابن عساكر عن علي ﵁ قال: أخبرت رسول الله ﷺ بموت أبي طالب فبكى فقال: (اذهب فغسِّله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه) ففعلت وجعل رسول الله ﷺ يستغفر له أياماً ولا يخرج من بيته حتى نزل عليه جبريل ﷺ بهذه الآية ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ ... الخ﴾ فإنه ظاهر في أن النزول قبل الهجرة لأن عدم الخروج من البيت فيه مغياً به، اللهم إلا أن يقال بضعف الحديث لكن لم نر من تعرض له، والأولى في الجواب عن أصل الاستبعاد أن يقال: إن كون هذه السورة من أواخر ما نزل باعتبار الغالب كما تقدم فلا ينافي نزول شيء منها في المدينة. والآية على هذا دليل على أن أبا طالب مات كافراً وهو المعروف من مذهب أهل السنة والجماعة] تفسير روح المعاني ٦/ ٣٢. ومن أهل العلم من قال بتعدد سبب نزول الآية كالسيوطي حيث قال: [الحال السادس: أن لا يمكن ذلك فيحمل على تعدد النزول وتكرره. مثاله: ما أخرجه الشيخان عن المسيب قال: لما حضر أبا طالب الوفاة دخل عليه رسول الله ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أمية فقال: (أي عم قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله) فقال أبو جهل وعبد الله: يا أبا

стр. 2183

طالب أترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزالا يكلمانه حتى قال: هو على ملة عبد المطلب، فقال النبي ﷺ : لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنه فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية. وأخرج الترمذي وحسنه عن علي قال: سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت: تستغفر لأبويك وهما مشركان فقال: استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت. وأخرج الحاكم وغيره عن ابن مسعود قال: خرج النبي ﷺ يوماً إلى المقابر فجلس إلى قبر منها فناجاه طويلاً ثم بكى فقال: إن القبر الذي جلست عنده قبر أمي وإني استأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي فأنزل علي: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ فجمع بين هذه الأحاديث بتعدد النزول] الإتقان في علوم القرآن ١/ ١٣٢ - ١٣٣. إذا تقرر هذا فنعود إلى ما تدل عليه الآية الكريمة وهو تحريم الاستغفار والترحم على من مات كافراً من المغضوب عليهم ومن الضالين المضلين الذين ينطبق عليهم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ سورة البقرة الآية ١٦١، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ سورة آل عمران الآية ٩١. وهذا محل اتفاق بين أهل العلم ولا يغترنَّ أحدٌ بما يقوله بعض الشيوخ الذين انزلقوا في هذا المنزلق الخطير فخالفوا الأدلة الصريحة من الكتاب والسنة، قَال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ قال القرطبي: [هذه الآية تضمنت قطع موالاة الكفار حيهم وميتهم فإن الله لم يجعل للمؤمنين أن يستغفروا للمشركين فطلب الغفران للمشرك مما لا يجوز] تفسير القرطبي٨/ ٢٧٣. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ سورة التوبة الآية ٨٤.

стр. 2184

وثبت في الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ قال: (والذي نفس محمد بيده؛ لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار) رواهُ مسلم. قال الإمام النووي: [وقوله (لا يسمع بي أحد من هذه الأمة) أي ممن هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة، فكلهم يجب عليه الدخول في طاعته، وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيهاً على من سواهما وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتاباً فغيرهم ممن لا كتاب له أولى. والله أعلم] شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ٣٤٢ .. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وأما الشفاعة والدعاء فانتفاع العباد به موقوف على شروط وله موانع فالشفاعة للكفار بالنجاة من النار والاستغفار لهم مع موتهم على الكفر لا تنفعهم -ولو كان الشفيع أعظم الشفعاء جاهاً- فلا شفيع أعظم من محمد ﷺ ثم الخليل إبراهيم وقد دعا الخليل إبراهيم لأبيه واستغفر له كما قال تعالى عنه: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾. وقد كان ﷺ أراد أن يستغفر لأبي طالب اقتداءً بإبراهيم وأراد بعض المسلمين أن يستغفر لبعض أقاربه فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ ثم ذكر الله عذر إبراهيم فقال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إنَّ إبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١/ ١٤٥ - ١٤٦. وقال الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾: [هذا نفي بمعنى النهي، فهو أبلغ من النهي المجرد، وهذا التعبير فيه يسمى نفي الشأن، وهو أبلغ من نفي الشيء نفسه، لأنه نفي معلل بالسبب المقتضي له. والمعنى: ما كان من شأن النبي

стр. 2185

ولا مما يصح أن يصدر عنه من حيث هو نبي -ولا من شأن المؤمنين ولا مما يجوز أن يقع منهم من حيث هم مؤمنون- أن يدعوا الله طالبين منه المغفرة للمشركين ﴿وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ لهم في الأصل حق البر وصلة الرحم وكانت عاطفة القرابة تقتضي الغيرة عليهم وحب المغفرة لهم (ولو) هذه تفيد الغاية لمعطوف عليه يحذف حذفاً مطرداً للعلم به، والمراد أنه ليس مما تبيحه النبوة ولا الإيمان ولا مما يصح وقوعه من أهلهما: الاستغفار للمشركين في حال من الأحوال، حتى لو كانوا أولي قربى، فإن لم يكونوا كذلك فعدم جوازه أولى. ثم قيد الحكم بقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ أي من بعد ما ظهر لهم بالدليل أنهم من أهل النار الخالدين فيها بأن ماتوا على شركهم وكفرهم ولو بحسب الظاهر كاستصحاب حالة الكفر إلى الموت] ثم قال: [والآية نص في تحريم الدعاء لمن مات على كفره بالمغفرة والرحمة وكذا وصفه بذلك كقولهم المغفور له المرحوم فلان، كما يفعله بعض المسلمين الجغرافيين الآن، لعدم تحققهم بمقتضى الإيمان، وتقيدهم بأحكام الإسلام، ومنهم بعض المعممين والحاملين لدرجة العالمية من الأزهر] تفسير المنار ١١/ ٥٦ - ٥٧. وقال الشيخ محمد صالح العثيمين: [فيا عباد الله إن الله تعالى قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ﴾ وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنْ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ وقال الله تعالى: ﴿ِإنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ والآيات في هذا معلومة فعلينا أن نتخذ الخطوات الآتية: إن الكافرين سواء كانوا من اليهود أو من النصارى أو من الوثنيين أو من الشيوعيين أو من أي صنف من أصناف الكفار هم أعداؤُنا إنهم كانوا لنا عدواً مبينا هكذا قال الله الذي هو العالم بالخفيات وبما في القلوب كانوا أعداء عداوة بينة ظاهرة ولكنهم قد ينافقون أحياناً من أجل حظوظ أنفسهم فقط لا من أجل فائدة المسلمين.

стр. 2186

ثانياً: أن نعلم أن الكفار مهما كانوا فإن ما يقدموا من خير لن ينفعهم عند الله تعالى لقول الله ﵎: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ هذا إذا تيقن أن فيه خيراً للإسلام والمسلمين فأما إذا كان فيه احتمال إن هذا الخير من أجل إبراز الدعوة النصرانية لمبرز ظاهر إنساني فان ذلك لا يكون فيه خير للمسلمين بل هو ضد المسلمين في الواقع. ثالثاً: أن نعلم أنه لا يجوز لنا أن نترحم أو نستغفر لأحد من الكافرين المشركين أو اليهود أو النصارى لأن ذلك خلاف هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وخلاف هدي الذين آمنوا قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ هكذا نفى الله تعالى هذا الأمر نفياً قاطعاً لأن ما كان كذا يعني أنه ممتنع شرعاً فلا يجوز لأحد من المؤمنين أن يدعو لكافر بالمغفرة أو بالرحمة لأن هذا خلاف منهج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومنهج الذين آمنوا ولقد قال النبي ﷺ في عمه أبي طالب حينما دعاه للإسلام ولكن آخر ما قال إنه على ملة عبد المطلب ولم يقل لا إله إلا الله قال النبي ﷺ : (لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك) فنهاه الله تعالى أن يستغفر لعمه أبي طالب مع أن عمه أبا طالب نصره نصراً مؤزراً ودافع عنه وكان يقول فيه القصائد العصماء ومع ذلك نهاه الله أن يستغفر له وقال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ مع أن أبا طالب كان قد أفاد النبي ﷺ وأفاد الرسالة النبوية وأفاد المسلمين ولكن ذلك لم ينفعه قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ وإذا كان هذا في عم النبي ﷺ الذي دافع عنه وناصره فكيف في من لم يكن هذه حاله ولقد ثبت عن النبي ﷺ في صحيح مسلم أنه قال: (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة- يعني أمة الدعوة - يهودياً أو نصرانياً ثم يموت ولم يؤمن بما جئت به إلا كان من أصحاب النار) هكذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن المعلوم أن اليهود والنصارى كثير منهم قد سمع بدعوة الرسول ﷺ فإذا ماتوا ولم يؤمنوا به فهم من أصحاب النار وإذا كانوا من أصحاب النار فإنه لا يجوز لنا أن ندعو الله لهم بالرحمة

стр. 2187

والمغفرة لأن هذا ضد حكم الله ﵎ فالله حكم بأنهم في النار فكيف نسأل الله أن يجعلهم في رحمته ومغفرته؟ هذا من المضادة لحكم الله ﵎ ولكننا مع ذلك لا نشهد لأحد بعينه من الكفار أنه في النار ولكننا نقول كل كافر من يهودي أو نصراني أو مشرك أو ملحد فإنه من أصحاب النار لكن الشهادة بالعين أمرها عظيم فلا يشهد لأحد بعينه بجنة ولا نار إلا لمن شهد له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولكن من مات على الكفر فإننا نجري عليه أحكام الكافرين فلا نستغفر له ولا نسأل الله له الرحمة. أيها الإخوة إن هذا الأمر يخفى على كثير من الناس يظنون أن الدعاء بالمغفرة والرحمة لمن يظن أنه أحسن إلى الإنسانية يظنون أنه لا بأس به ولكن كما سمعتم آيات الله في النهي عن الاستغفار والاسترحام للمشركين فمن كان قد استغفر لأحد من اليهود أو النصارى أو المشركين فعليه أن يتوب إلى الله وعليه أن لا يعود إلى ذلك ليحقق إيمانه وليكن على جادة النبي ﷺ والمؤمنين به ... ] عن موقع الشيخ على شبكة الإنترنت. وخلاصة الأمر أن من أهل العلم من يرى أن الآية نزلت في قصة أبي طالب عم النبي ﷺ ولا تنافي بين كونه قد مات قبل الهجرة وكون الآية في سورة التوبة وهي من أواخر ما نزل وقد نصت الآية على حرمة الاستغفار لمن مات كافراً. المحرمات من الأطعمة في آية الأنعام يقول السائل: هل الآية الكريمة التالية ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ تدل على حصر المحرمات من الأطعمة

стр. 2188

في المذكورات فيها فقط وما لم يذكر فيها فهو مباح؟ أفيدونا. الجواب: لا بد أن يعلم أولاً أن العلماء قد اختلفوا قديماً فيما تدل عليه الآية الكريمة المذكورة في السؤال وهي من سورة الأنعام الآية ١٤٥. وقد نقل عن بعض الصحابة كابن عباس وابن عمر وعائشة رضوان الله عليهم أنهم يرون أن المحرمات من الأطعمة محصورة فيما ذكرته الآية الكريمة، ولكن أكثر الصحابة وجماهير الفقهاء قالوا بخلاف ذلك وأن الأطعمة المحرمة ليست محصورة فيما ذكرته الآية الكريمة فقط، بل ثبت تحريم أشياء كثيرة بالسنة النبوية وخاصة أن سورة الأنعام سورة مكية واستثنى بعض أهل العلم آيات منها قالوا إنها مدنية وليست الآية المذكورة منها. قال الإمام البغوي: [ ... وأكثر العلماء على أن التحريم لا يختص بهذه الأشياء، والمحرم بنص الكتاب ما ذكر هنا، ذلك معنى قوله تعالى ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ وقد حرمت السنة أشياء يجب القول بها] تفسير البغوي عن الإنترنت. وقد أجاب العلماء على دعوى حصر المحرمات بما ذكر في الآية فقط بأجوبة كثيرة منها: إن الآية الكريمة جاءت رداً على المشركين الذين حرموا ما أحل الله مما ذكر في الآيات قبلها وغير ذلك مما حرموه بلا حجة ولا برهان قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ سورة المائدة الآية ١٠٣. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ سورة الأنعام الآية ١٣٨. وقال تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنْ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ أَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ وَمِنْ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنْ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ أَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمْ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى

стр. 2189

اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ سورة الأنعام الآيتان ١٤٣ - ١٤٤. قال الإمام الطبري: [القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِد فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمهُ إِلَّا أَنْ يَكُون مَيْتَة أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْم خِنْزِير فَإِنَّهُ رِجْس أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّه بِهِ﴾ يقول جلَّ ثناؤه لنبيه محمد ﷺ : قل يا محمد لهؤلاء الذين جعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً ولشركائهم من الآلهة والأنداد مثله والقائلين ﴿هَذِهِ أَنْعَام وَحَرْث حِجْر لَا يَطْعَمهَا إِلَّا مَنْ نَشَاء بِزَعْمِهِمْ﴾ والمحرمين من أنعام أُخَر ظهورها، والتاركين ذكر اسم الله على أُخَر منها، والمحرمين بعض ما في بطون بعض أنعامهم على إناثهم وأزواجهم ومحليه لذكورهم، المحرمين ما رزقهم الله افتراء على الله، وإضافة منهم ما يحرمون من ذلك إلى أن الله هو الذي حرمه عليهم: أجاءكم من الله رسول بتحريمه ذلك عليكم، فأنبئونا به، أم وصاكم الله بتحريمه مشاهدة منكم له فسمعتم منه تحريمه ذلك عليكم فحرمتموه؟ فإنكم كَذَبة إن ادعيتم ذلك ولا يمكنكم دعواه، لأنكم إذا ادعيتموه علم الناس كذبكم، فإني لا أجد فيما أوحي إليّ من كتابه وآي تنزيله شيئاً محرماً على آكل يأكله مما تذكرون أنه حرمه من هذه الأنعام التي تصفون تحريم ما حرم عليكم منها بزعمكم، إلا أن يكون ميتة قد ماتت بغير تذكية أو دماً مسفوحاً -وهو المنصب- أو إلا أن يكون لحم خنزير ﴿فَإِنَّهُ رِجْس أَوْ فِسْقًا﴾ يقول: أو إلا أن يكون فسقاً، يعني بذلك: أو إلا أن يكون مذبوحاً ذبحه ذابح من المشركين من عبدة الأوثان لصنمه وآلهته فذكر عليه اسم وثنه، فإن ذلك الذبح فسق نهى الله عنه وحرمه، ونهى من آمن به عن أكل ما ذبح كذلك، لأنه ميتة. وهذا إعلام من الله جل ثناؤه للمشركين الذين جادلوا نبي الله وأصحابه في تحريم الميتة بما جادلوهم فيه من ذلك هو الحرام الذي حرمه الله، وأن الذي زعموا أن الله حرمه حلال قد أحله الله، وأنهم كذبة في إضافتهم تحريمه إلى الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل] تفسير الطبري عن الإنترنت. وقال القرطبي في تفسير الآية الكريمة: [والمعنى: قل يا محمد لا

стр. 2190

أجد فيما أوحي إليَّ محرماً إلا هذه الأشياء، لا ما تحرمونه بشهوتكم. والآية مكية. ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقت محرم غير هذه الأشياء، ثم نزلت سورة المائدة بالمدينة. وزيدَ في المحرمات كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة والخمر وغير ذلك. وحرم رسول الله ﷺ بالمدينة أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير ... وكل محرم حرمه رسول الله ﷺ أو جاء في الكتاب مضموم إليها، فهو زيادة حكم من الله على لسان نبيه ﵇. على هذا أكثر أهل العلم من أهل النظر، والفقه والأثر. ونظيره نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها مع قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ سورة النساء الآية ٢٤] وكحكمه باليمين مع الشاهد مع قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ سورة البقرة الآية ٢٨٢ ... وقد روى الشافعي عن سعيد بن جبير أنه قال: في هذه الآية أشياء سألوا عنها رسول الله ﷺ فأجابهم عن المحرمات من تلك الأشياء. وقيل: أي لا أجد فيما أوحي إلي أي في هذه الحال حال الوحي ووقت نزوله، ثم لا يمتنع حدوث وحي بعد ذلك بتحريم أشياء أخر ... وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر الإجماع في أن سورة الأنعام مكية إلا قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الثلاث الآيات، وقد نزل بعدها قرآن كثير وسنن جمة. فنزل تحريم الخمر بالمدينة في المائدة. وأجمعوا على أن نهيه ﵇ عن أكل كل ذي ناب من السباع إنما كان منه بالمدينة. قال إسماعيل بن إسحاق: وهذا كله يدل على أنه أمر كان بالمدينة بعد نزول قوله: قل لا أجد في ما أوحي إلي لأن ذلك مكي ... وأما القائلون بالتحريم فظهر لهم وثبت عندهم أن سورة الأنعام مكية، نزلت قبل الهجرة، وأن هذه الآية قصد بها الرد على الجاهلية في تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، ثم بعد ذلك حرم أموراً كثيرة كالحمر الإنسية ولحوم البغال وغيرها، وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير. قال أبو عمر: ويلزم على قول من قال: لا محرم إلا ما فيها ألا يحرم ما لم يذكر اسم الله عليه عمداً، وتستحل الخمر المحرمة عند جماعة المسلمين. وفي إجماع المسلمين على تحريم خمر العنب دليل واضح على أن رسول الله ﷺ قد وجد فيما أوحي

стр. 2191

إليه محرماً غير ما في سورة الأنعام مما قد نزل بعدها من القرآن ... وعند فقهاء الأمصار منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة وعبد الملك أن أكل كل ذي ناب من السباع حرام، وليس يمتنع أن تقع الزيادة بعد قوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ بما يرد من الدليل فيها، كما قال النبي ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث) فذكر الكفر والزنى والقتل. ثم قال علماؤنا: إن أسباب القتل عشرة بما ورد من الأدلة، إذ النبي ﷺ إنما يخبر بما وصل إليه من العلم عن الباري تعالى، وهو يمحو ما يشاء ويثبت وينسخ ويقدر. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (أكل كل ذي ناب من السباع حرام) وقد روي (أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير ... ) ... ] تفسير القرطبي ٧/ ١١٥ - ١١٧. ومما يدل على أن المحرمات ليست محصورة فيما ذكرته الآية الكريمة ما ورد في الحديث عن المقدام بن معدي كرب ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السبع ... ) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ٣/ ٨٧١. قال الإمام الخطابي في شرح الحديث: [ ... يحذر بذلك مخالفة السنن التي سنَّها رسول الله ﷺ مما ليس له ذكر في القرآن على ما ذهب إليه الخوارج والروافض من الفرق الضالة فإنهم تعلقوا بظاهر القرآن وتركوا السنن التي ضمنت بيان الكتاب فتحيروا وضلوا ... وفي الحديث دليل على أن لا حاجة بالحديث أن يعرض على الكتاب وأنه مهما ثبت عن رسول الله ﷺ شيء كان حجة بنفسه] معالم السنن ٤/ ٢٧٦. ومما يدل أيضاً على أن المحرمات ليست محصورة فيما ذكرته الآية الكريمة ما روي في الحديث عن عيسى بن نميلة عن أبيه قال: (كنت عند ابن عمر فسئل عن أكل القنفذ فتلا: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾

стр. 2192

الآية قال: قال شيخ عنده سمعت أبا هريرة ﵁ يقول ذكر عند النبي ﷺ فقال: خبيثة من الخبائث فقال: ابن عمر إن كان قال رسول الله ﷺ هذا فهو كما قال ما لم ندر) رواه أحمد وأبو داود والبيهقي. وقال الإمام النووي: [وأجابوا عن الآية الكريمة بأنه أمر أن يخبر بأنه لا يجد محرماً في ذلك الوقت إلا هذا ثم ورد وحي آخر بتحريم السباع فأخبر به والآية مكية والأحاديث مدنية ولأن الحديث مخصص للآية] المجموع ٩/ ١٧. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [ ... والاستدلال بهذا للحل إنما يتم فيما لم يأت فيه نص عن النبي ﷺ بتحريمه, وقد تواردت الأخبار بذلك والتنصيص على التحريم مقدم على عموم التحليل وعلى القياس ... والجواب عن آية الأنعام أنها مكية وخبر التحريم متأخر جداً فهو مقدم, وأيضاً فنص الآية خبر عن الحكم الموجود عند نزولها, فإنه حينئذ لم يكن نزل في تحريم المأكول إلا ما ذكر فيها وليس فيها ما يمنع أن ينزل بعد ذلك غير ما فيها, وقد نزل بعدها في المدينة أحكام بتحريم أشياء غير ما ذكر فيها كالخمر في آية المائدة, وفيها أيضا تحريم ما أهل لغير الله به والمنخنقة إلى آخره, وكتحريم السباع والحشرات ... ] فتح الباري ٩/ ٨١١. وقال العلامة ابن القيم بعد أن تكلم على تحريم لحوم الحمر الإنسية: [ ... ولا تعارض بين هذا التحريم وبين قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ فإنه لم يكن قد حرم حين نزول هذه الآية من المطاعم إلا هذه الأربعة والتحريم كان يتجدد شيئاً فشيئاً فتحريم الحُمُر بعد ذلك تحريمٌ مبتدأٌ لما سكت عنه النص لا أنه رافع لما أباحه القرآن ولا مخصص لعمومه فضلاً عن أن يكون ناسخاً] زاد المعاد ٣/ ٣٤٣. وخلاصة الأمر أن الصحيح من أقوال أهل العلم أن المحرمات من الأطعمة ليست محصورة فيما ذكرته الآية الكريمة وأن ما ثبت بالسنة النبوية

стр. 2193

تحريمه يجب الأخذ به كتحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير وتحريم لحوم الحمر الأهلية وغير ذلك مما ورد في السنة النبوية فإن السنة النبوية تستقل بالتشريع وهو القول الحق عند الأصوليين.

стр. 2194

الصلاة

стр. 2195

من انتقض وضوؤه أثناء الصلاة يتوضأ ويستأنف الصلاة يقول السائل: إن أحد المصلين كان يصلي مع الإمام وأثناء الصلاة انتقض وضوء المصلي فخرج من صلاته وذهب وتوضأ ثم رجع وأكمل صلاته من حيث خرج منها فما حكم ما فعله المصلي المذكور؟ الجواب: ما فعله المصلي المذكور يسمى عند الفقهاء البناء على الصلاة والمقصود به أنه إذا طرأ الحدث على المصلي أثناء الصلاة فإنه يخرج من صلاته فيتوضأ ثم يرجع فيكمل صلاته من حيث خرج منها فلو انتقض الوضوء بعد تمام الركعة الثالثة في الصلاة الرباعية فإنه بعد أن يتوضأ يتم الصلاة من الركعة الثالثة فيأتي بالركعة الرابعة. وهذا الأمر قال به الحنفية ونقل عن جماعة من فقهاء السلف وقد اعتمدوا على ما روي في الحديث عند ابن ماجة من طريق إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم). ورواه الدارقطني أيضاً وقال ابن معين حديث ضعيف، قال الإمام النووي: [حديث عائشة ضعيف متفق على ضعفه رواه ابن ماجة والبيهقي باسناد ضعيف من رواية إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة، وقد اختلف أهل الحديث في الاحتجاج بإسماعيل بن

стр. 2196

عياش، فمنهم من ضعفه في كل ما يرويه، ومنهم من ضعفه في روايته عن غير أهل الشام خاصة، وابن جريج حجازي مكي مشهور فيحصل الاتفاق على ضعف روايته لهذا الحديث، قال ورواه جماعة عن ابن عياش عن ابن جريج عن ابنه عن النبي ﷺ مرسلاً قال وهذا الحديث أحد ما أنكر على إسماعيل بن عياش والمحفوظ أنه مرسل وأما من رواه متصلاً فضعفاء مشهورون بالضعف] المجموع ٤/ ٧٤. وضعفه الإمام النووي أيضاً في خلاصة الأحكام ١/ ١٤٢، وضعفه الحافظ ابن حجر العسقلاني في التلخيص الحبير ١/ ٢٧٤ - ٢٧٥. وضعفه العلامة الألباني في ضعيف الجامع الصغير حديث رقم ٥٤٢٦ إذا تقرر أن هذا الحديث ضعيف جداً فلا يصلح للاستدلال والصحيح ما ذهب إليه جمهور أهل العلم أن الحدث إذا طرأ أثناء الصلاة فقد بطلت ويلزم المصلي أن يتوضأ ويستأنف الصلاة من جديد ولا يعتد بما مضى منها. قال الإمام النووي: [فرع في مذاهب العلماء في جواز البناء لمن سبقه الحدث. قد ذكرنا أن مذهبنا الصحيح الجديد أنه لا يجوز البناء بل يجب الاستئناف وهو مذهب المسور بن مخرمة الصحابي ﵁ وبه قال مالك وآخرون، وحكاه صاحب الشامل عن ابن شبرمة وهو الصحيح من مذهب أحمد] المجموع ٤/ ٧٦. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [فأما الذي سبقه الحدث فتبطل صلاته، ويلزمه استئنافها قال أحمد: يعجبني أن يتوضأ ويستقبل هذا قول الحسن وعطاء والنخعي ومكحول، وعن أحمد أنه يتوضأ ويبني، وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس لما روي عن عائشة، أن النبي ﷺ قال: (من قاء أو رعف في صلاته فلينصرف فليتوضأ، وليبن على ما مضى من صلاته) وعنه رواية ثالثة إن كان الحدث من السبيلين ابتدأ، وإن كان من غيرهما بنى لأن حكم نجاسة السبيل أغلظ والأثر إنما ورد بالبناء في الخارج من غير السبيل فلا يلحق به ما ليس في معناه. والصحيح الأول لما روى علي بن

стр. 2197

طلق قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا فسا أحدكم في صلاته فلينصرف فليتوضأ، وليعد صلاته) رواه أبو داود والأثرم ... ولأنه فقد شرط الصلاة في أثنائها على وجه لا يعود إلا بعد زمن طويل وعمل كثير ففسدت صلاته كما لو تنجس نجاسة يحتاج في إزالتها إلى مثل ذلك، أو انكشفت عورته ولم يجد السترة إلا بعيدة منه أو تعمد الحدث أو انقضت مدة المسح وحديثهم ضعيف] المغني ٢/ ٧٦. وقال الشيخ ابن حزم الظاهري: [كل حدث ينقض الطهارة بعمد أو نسيان فإنه متى وجد بغلبة أو بإكراه أو بنسيان في الصلاة ما بين التكبير للإحرام لها إلى أن يتم سلامه منها: فهو ينقض الطهارة والصلاة معاً، ويلزمه ابتداؤها، ولا يجوز له البناء فيها، سواء كان إماماً أو مأموماً أو منفرداً، في فرض كان أو في تطوع] المحلى ٣/ ٦٥ - ٦٦. وقال الشيخ ابن حزم الظاهري ردَّاً على القول بالبناء على الصلاة: [أَخْبَرُونَا، عَنِ الْمُحْدِثِ الَّذِي أَمَرْتُمُوهُ بِالْبِنَاءِ, مُذْ يُحْدِثُ فَيَخْرُجُ فَيَمْشِي فَيَأْخُذُ الْمَاءَ فَيَغْسِلُ حَدَثَهُ أَوْ يَسْتَنْجِي فَيَتَوَضَّأُ فَيَنْصَرِفُ إلَى أَنْ يَأْخُذَ فِي عَمَلِ الصَّلاَةِ, أَهُوَ عِنْدَكُمْ فِي صَلاَةٍ أَمْ هُوَ فِي غَيْرِ صَلاَةٍ؟ وَلاَ سَبِيلَ لَهُمْ إلَى قِسْمٍ ثَالِثٍ فَإِنْ قَالُوا: هُوَ فِي صَلاَةٍ أَكْذَبَهُمْ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ- ﷺ : (إنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبَلُ صَلاَةَ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ) وَمِنْ الْمُحَالِ الْبَاطِلِ أَنْ يُعْتَدَّ لَهُ بِصَلاَةٍ قَدْ أَيْقَنَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لاَ يَقْبَلُهَا. فَصَحَّ أَنَّ عَمَلَ صَلاَتِهِ الَّذِي كَانَ قَبْلُ قَدْ انقطع، وَأَمَّا أَجْرُهُ فَبَاقٍ لَهُ بِلاَ شَكٍّ, إلاَّ أَنَّهُ الآنَ فِي غَيْرِ صَلاَةٍ بِلاَ شَكٍّ, إذْ هُوَ فِي حَالٍ لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ تَعَالَى مَعَهَا صَلاَةً وَإِنْ قَالُوا: بَلْ هُوَ فِي غَيْرِ صَلاَةٍ قلنا: صَدَقْتُمْ, فَإِذْ هُوَ فِي غَيْرِ صَلاَةٍ: فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِالصَّلاَةِ مُتَّصِلَةً, لاَ يَحُولُ بَيْنَ أَجْزَائِهَا وَهُوَ ذَاكِرٌ قَاصِدًا بِمَا لَيْسَ مِنْ الصَّلاَةِ وَبِوَقْتٍ هُوَ فِيهِ فِي صَلاَةٍ, وَهَذَا بُرْهَانٌ لاَ مُخَلِّصَ مِنْهُ] المحلى ٣/ ٦٦. ثم روى الشيخ ابن حزم بإسناده عن الزُّهْرِيِّ: [أَنَّ الْمِسْوَرِ بْنَ مَخْرَمَةَ كَانَ إذَا رَعَفَ فِي الصَّلاَةِ يُعِيدُهَا، وَلاَ يَعْتَدُّ بِمَا مَضَى] المحلى ٣/ ٦٩. ثم قال الشيخ ابن حزم الظاهري: [ ... عَنِ الزُّهْرِيِّ فِيمَنْ أَحْدَثَ فِي

стр. 2198

صَلاَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ أَنَّهُ يُعِيدُ الصَّلاَةَ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ, وَمَالِكٍ, وَابْنِ شُبْرُمَةَ, وَآخِرُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ, وَبِهِ نَأْخُذُ] المحلى ٣/ ٦٩. وخلاصة الأمر أن من أحدث في صلاته لزمه الوضوء واستئناف الصلاة من بدايتها وأما البناء على ما مضى من صلاته فضعيف. حكم الإفرازات المهبلية تقول السائلة: ما حكم الإفرازات المهبلية التي تخرج من المرأة من حيث طهارتها أو نجاستها ومن حيث نقضها للوضوء أو عدم نقضها للوضوء، أفيدونا؟ الجواب: الإفرازات المهبلية التي تخرج من المرأة قد تكون طبيعية وقد تكون مرضية فالإفرازات الطبيعية عادة ما تكون عديمة اللون والرائحة وتزيد وتنقص نتيجة تغير نسبة الهرمونات خلال فترة الدورة الشهرية. والإفرازات غير الطبيعية تنتج عن إصابة المهبل بأحد الميكروبات الفطرية أو الطفيلية أو البكتيرية كما يقول الأطباء وسواء كانت هذه الإفرازات -التي يسميها الفقهاء رطوبة فرج المرأة- طبيعية أو مرضية فهي ناقضة للوضوء على الراجح من قولي العلماء قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ سورة المائدة الآية ٦ ولفظ الغائط يجمع بالمعنى جميع الأحداث الناقضة للطهارة الصغرى ويدخل في ذلك الإفرازات المهبلية. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [قال أبو القاسم: والذي ينقض

стр. 2199

الطهارة ما خرج من قُبُل أو دُبرٍ وجملة ذلك أن الخارج من السبيلين على ضربين: معتاد كالبول والغائط والمني والمذي والودي والريح فهذا ينقض الوضوء إجماعاً، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن خروج الغائط من الدبر وخروج البول من ذكر الرجل وقبل المرأة وخروج المذي، وخروج الريح من الدبر أحداث ينقض كل واحد منها الطهارة ويوجب الوضوء ودم الاستحاضة ينقض الطهارة في قول عامة أهل العلم إلا في قول ربيعة. الضرب الثاني: نادر كالدم والدود والحصا والشعر فينقض الوضوء أيضاً، وبهذا قال الثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي، وكان عطاء والحسن وأبو مجلز والحكم وحماد والأوزاعي وابن المبارك يرون الوضوء من الدود يخرج من الدبر، ولم يوجب مالك الوضوء من هذا الضرب لأنه نادر, أشبه الخارج من غير السبيل. ولنا أنه خارج من السبيل أشبه المذي ولأنه لا يخلو من بلة تتعلق به فينتقض الوضوء بها وقد أمر النبي ﷺ المستحاضة بالوضوء لكل صلاة ودمها نادر غير معتاد] المغني ١/ ١٢٥. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا يقبل اللَّه صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) رواه البخاري ومسلم. والمراد بالحدث الخارج من أحد السبيلين كما قال الشوكاني في نيل الأوطار ١/ ٢٢١. وقد اختلف الفقهاء في الإفرازات المهبلية أطاهرة هي أم نجسة؟ والذي أميل إليه هو القول بنجاستها من باب الاحتياط وخاصة أن أهل العلم قالوا إن الإفرازات المهبلية منها ما يخرج من المهبل مخرج الولد ومنها ما يخرج من مخرج البول ويغلب على ظني أنه من الصعوبة بمكان أن تميز المرأة بين النوعين السابقين لذا أرى أن القول بنجاسة الإفرازات المهبلية أحوط فيلزم المرأة أن تتحفظ منها فإذا نزل من المرأة شيء من الإفرازات المهبلية فيلزمها الوضوء وتنظيف ما أصابت من ملابسها. وأود أن أنبه على أمرين هامين: الأول: إذا كانت الإفرازات المهبلية تنزل من المرأة بشكل مستمر ولا تنقطع فتكون المرأة حينئذ صاحبة عذر

стр. 2200

فتتوضأ لوقت كل صلاة وتصلي ولا يضرها ما نزل منها من الإفرازات المهبلية حتى لو نزلت أثناء الصلاة فصلاتها صحيحة، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [إن المستحاضة ومن به سلس البول أو المذي أو الجريح الذي لا يرقأ دمه وأشباههم ممن يستمر منه الحدث ولا يمكنه حفظ طهارته، عليه الوضوء لكل صلاة بعد غسل محل الحدث وشده والتحرز من خروج الحدث بما يمكنه فالمستحاضة تغسل المحل ثم تحشوه بقطن أو ما أشبهه، ليردَّ الدم لقول النبي ﷺ لحمنة حين شكت إليه كثرة الدم: (أنعت لك الكرسف فإنه يذهب الدم فإن لم يرتد الدم بالقطن، استثفرت بخرقة مشقوقة الطرفين تشدها على جنبيها ووسطها على الفرج) وهو المذكور في حديث أم سلمة لتستثفر بثوب وقال لحمنة (تلجمي) لما قالت: إنه أكثر من ذلك فإذا فعلت ذلك ثم خرج الدم، فإن كان لرخاوة الشد فعليها إعادة الشد والطهارة وإن كان لغلبة الخارج وقوته وكونه لا يمكن شده أكثر من ذلك، لم تبطل الطهارة لأنه لا يمكن التحرز منه فتصلي ولو قطر الدم قالت عائشة: (اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة من أزواجه، فكانت ترى الدم والصفرة والطست تحتها وهي تصلي) رواه البخاري. وفي حديث: (صلي وإن قطر الدم على الحصير) وكذلك من به سلس البول ... ويلزم كل واحد من هؤلاء الوضوء لوقت كل صلاة إلا أن يخرج منه شيء وبهذا قال الشافعي، وأبو ثور وأصحاب الرأي ... ولنا ما روى عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ في (المستحاضة: تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل، وتصوم وتصلي وتتوضأ عند كل صلاة) رواه أبو داود والترمذي، وعن عائشة قالت: (جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فذكرت خبرها ثم قال: اغتسلي, ثم توضأي لكل صلاة وصلي) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح ولأنه خارج من السبيل، فنقض الوضوء كالمذي، إذا ثبت هذا فإن طهارة هؤلاء -أي أصحاب الأعذار- مقيدة بالوقت لقوله: (تتوضأ عند كل صلاة) وقوله: (ثم توضأي لكل صلاة) ولأنها طهارة عذر وضرورة، فتقيدت بالوقت كالتيمم] المغني ١/ ٢٤٧ - ٢٤٨. الأمر الثاني هو بيان كيفية الغسل الصحيح فقد ورد في الحديث عن

стр. 2201

ابن عباس ﵄ قال حدثتني خالتي ميمونة قالت أدنيت لرسول الله ﷺ غسله من الجنابة فغسل كفيه مرتين أو ثلاثاً ثم أدخل يده في الإناء ثم أفرغ به على فرجه وغسله بشماله ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكاً شديداً ثم توضأ وضوءه للصلاة ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه ثم غسل سائر جسده ثم تنحى عن مقامه ذلك فغسل رجليه ... ) رواه البخاري ومسلم. فالغسل الواجب يشترط فيه النية بأن ينوي رفع الحدث وأن يعمم جميع الجسد بالماء فهذا أقل ما يجزئ في الاغتسال. ويدل على ذلك ما ورد في حديث عمران بن حصين ﵁ الطويل قال: كنا في سفر مع النبي- ﷺ ... فدعا بالوضوء فتوضأ ونودي بالصلاة فصلى بالناس فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم قال: ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم، قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك ثم سار النبي ﷺ فاشتكى إليه الناس من العطش ... وكان آخر ذاك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناءً من ماء قال اذهب فأفرغه عليك) رواه البخاري ومسلم فقوله ﷺ : (فأفرغه عليك) يدل على أن مجرد إفراغ الماء على البدن يُعدُّ غُسلاً صحيحاً. وأكمل منه الغسل المندوب وصفته أن يغسل المرء كفيه ثلاثاً قبل إدخالهما في الإناء ثم يفرغ الماء بيمينه على شماله فيغسل فرجه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ويجوز أن يؤخر غسل رجليه إلى آخر الغسل ثم يفيض الماء على جميع بدنه. وخلاصة الأمر أن الإفرازات المهبلية ناقضة للوضوء ونجسة. مفارقة الإمام يقول السائل: أرجو توضيح مسألة مفارقة الإمام في صلاة الجماعة حيث حصل خلاف بين المصلين لما قام الإمام إلى ركعة خامسة فبعض المصلين فارق الإمام وأتم الصلاة لوحده. أفيدونا.

стр. 2202

الجواب: الأصل فيمن يصلي جماعة أن يتم الصلاة مع الإمام ولا يجوز له مفارقة إمامه إلا من عذر وقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا ركع فاركعوا ... ) رواه البخاري ومسلم. وأجاز جمهور أهل العلم للمأموم أن ينفرد عن الجماعة لعذر وهي المسألة المسماة مفارقة الإمام والمقصود بمفارقة الإمام قطع الإقتداء به وإتمام الصلاة منفرداً والأصل فيها ما ورد في الحديث عن جابر بن عبد الله ﵁ (أن معاذ بن جبل ﵁ كان يصلي مع النبي ﷺ ثم يأتي قومه فيصلي بهم الصلاةَ فقرأ بهم البقرة، قال: فتجوز رجل فصلى صلاة خفيفة، فبلغ ذلك معاذاً فقال: إنه منافق، فبلغ ذلك الرجل فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنَّا قوم نعمل بأيدينا ونسقي بنواضحنا- وهو ما يستقى عليه من الإبل- وإن معاذاً صلى بنا البارحة فقرأ البقرة فتجوزت فزعم أني منافق، فقال النبي ﷺ : يا معاذ أفتان أنت ثلاثاً - أي منفر من الصلاة وصادٌ عنها - اقرأ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ونحوها) رواه البخاري. وفي رواية عند مسلم عن جابر ﵁ قال: (كان معاذ يصلي مع النبي ﷺ ثم يأتي فيؤم قومه فصلى ليلة مع النبي ﷺ العشاء ثم أتى قومه فأمهم فافتتح بسورة البقرة فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده وانصرف، فقالوا له: أنافقت يا فلان؟ قال: لا والله ولآتين رسول الله ﷺ فلأخبرنه فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنَّا أصحاب نواضح نعمل بالنهار وإن معاذاً صلى معك العشاء ثم أتى فافتتح بسورة البقرة فأقبل رسول الله ﷺ على معاذ فقال: يا معاذ أفتان أنت؟ إقرأ بكذا واقرأ بكذا، قال سفيان فقلت لعمرو إن أبا الزبير حدثنا عن جابر أنه قال إقرأ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و ﴿وَالضُّحَى﴾ و ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ و ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ فقال عمرو نحو هذا). قال الإمام النووي: [واستدل أصحابنا وغيرهم بهذا الحديث على أنه

стр. 2203

يجوز للمأموم أن يقطع القدوة ويتم صلاته منفرداً وإن لم يخرج منها] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/ ١٣٦. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وإن أحرم مأموماً ثم نوى مفارقة الإمام وإتمامها منفرداً لعذر جاز، لما روى جابر قال: (كان معاذ يصلي مع رسول الله ﷺ صلاة العشاء ثم يرجع إلى قومه فيؤمهم، فأخر النبي ﷺ صلاة العشاء فصلى معه ثم رجع إلى قومه فقرأ سورة البقرة، فتأخر رجل فصلى وحده فقيل له: نافقت يا فلان، قال: ما نافقت، ولكن لآتين رسول الله ﷺ فأخبره، فأتى النبي ﷺ فذكر له ذلك، فقال: أفتان أنت يا معاذ؟! أفتان أنت يا معاذ؟! مرتين، إقرأ سورة كذا وسورة كذا، وقال وسورة ذات البروج ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ و ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾) متفق عليه. ولم يأمر النبي ﷺ الرجل بالإعادة ولا أنكر عليه فعله] المغني ٢/ ١٧١. وذكر الفقهاء الأعذار التي تجيز للمأموم أن يفارق إمامه فمنها التطويل في القراءة على خلاف السنة كما حصل مع معاذ ﵁ حيث إنه قرأ سورة البقرة في صلاة العشاء وقراءتها في العشاء تطويل فلذا زجره النبي ﷺ . وضابط التطويل أن يكون تطويلاً خارجاً عن السُّنَّة لا خارجاً عن العادة. انظر الشرح الممتع ٢/ ٣٠٦. ومنها إذا أصيب المأموم بمرض مفاجئ أثناء الصلاة ولم يستطع التحمل فله مفارقة الإمام. [ومن الأعذار أيضاً: أن يطرأ على الإنسان قَيْئٌ في أثناء الصَّلاة؛ لا يستطيع أن يبقى حتى يكمل الإمام؛ فيخفِّف في الصَّلاة وينصرف. ومن الأعذار أيضاً: أن يطرأ على الإنسان غازاتٌ -ريح في بطنه- يَشُقُّ عليه أن يبقى مع إمامه فينفرد ويخفِّف وينصرف. ومن الأعذار أيضاً: أن يطرأ عليه احتباسُ البول أو الغائط فيُحصر ببول أو غائط لكن إذا قُدِّرَ أنه لا يستفيد من مفارقة الإمام شيئاً؛ لأن الإمام يخفِّف، ولو خفَّف أكثر من تخفيف

стр. 2204

الإمام لم تحصُل الطُّمأنينة فلا يجوز أن ينفردَ؛ لأنه لا يستفيد شيئاً بهذا الانفراد] الشرح الممتع ٢/ ٣٠٦ - ٣٠٧. ومن الأعذار التي تجيز المفارقة فيما إذا سها الإمام عن الجلوس الأخير في الصلاة فقام إلى ثالثة في الفجر أو رابعة في المغرب أو خامسة في الظهر أو العصر أو العشاء فسبح بعض المصلين فلم يرجع فالمأموم إذا كان متيقناً أنه صلى الصلاة تامة فلا يجوز أن يتابع الإمام في الركعة الزائدة فإن فعل بطلت صلاته لأنه تعمد الزيادة في الصلاة والمأموم في هذه الحالة مخير بين أمرين: فإما أن يبقى جالساً حتى يسلم الإمام فيسلم معه وإما أن ينوي مفارقة الإمام. قال الإمام النووي: [وإن تمت صلاة المأموم أولاً لم يجز له متابعة الإمام في الزيادة، بل إن شاء فارقه عند تمامها وتشهد وسلَّم، وتصح صلاته بلا خلاف، لأنه فارقه بعذر يتعلق بالصلاة، وإن شاء انتظره في التشهد وطوَّل الدعاء حتى يلحقه الإمام ثم يسلم عقبه] المجموع ٤/ ٢٠٩. [وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن إمام قام إلى خامسة فسبح به فلم يلتفت لقولهم وظن أنه لم يَسْهَ فهل يقومون معه أم لا؟ فأجاب: إن قاموا معه جاهلين لم تبطل صلاتهم لكن مع العلم لا ينبغي لهم أن يتابعوه بل ينتظرونه حتى يسلم بهم أو يسلموا قبله والانتظار أحسن] مجموع الفتاوى ٢٣/ ٥٣. ومن الأعذار التي تجيز المفارقة إذا اختلف نظم صلاة المأموم عن صلاة الإمام كمن يصلي المغرب خلف من يصلي العشاء أو من يصلي الفجر خلف من يصلي الظهر فيجوز للمأموم أن يفارق الإمام نظراً لاختلاف نظم الصلاتين، قال الإمام النووي: [ولو نوى الصبح خلف مصلي الظهر وتمت صلاة المأموم، فإن شاء انتظر في التشهد حتى يفرغ الإمام، ويسلم معه وهذا الأفضل، وإن شاء نوى مفارقته وسلَّم، ولا تبطل صلاته هنا بالمفارقة بلا خلاف لتعذر المتابعة وكذا فيما أشبهها من الصور، ولا فرق

стр. 2205

في جميع ذلك بين أن ينوي المفارقة في صلاة فرض أو نفل] المجموع ٤/ ٢٣٧. ومن الفقهاء من وضع ضابطاً للأعذار التي تجيز المفارقة فقد قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [والأعذار التي يخرج لأجلها مثل المشقة بتطويل الإمام، أو المرض، أو خشية غلبة النعاس، أو شيء يفسد صلاته، أو خوف فوات مال أو تلفه، أو فوات رفقة، أو من يخرج من الصف لا يجد من يقف معه، وأشباه هذا] المغني ٢/ ١٧١. وينبغي أن يعلم أن الاختلاف بين مذهبي المأموم والإمام لا يجيز المفارقة فمثلاً إذا قنت الإمام في الفجر فلا يجوز للمأموم أن يفارقه لأنه لا يعمل بالقنوت للفجر لقول النبي ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه) وكذلك في التراويح إذا كان الإمام يصليها عشرين ركعة والمأموم يصليها ثمانيَ ركعات مثلاً فلا ينبغي له مفارقة الإمام لما ورد في الحديث عن أبي ذر ﵁ قال رسول الله ﷺ : (إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وقال الترمذي حديث حسن صحيح. ولأن الزيادة على ثمان ركعات في التراويح جائزة على الصحيح من أقوال أهل العلم. وخلاصة الأمر أن مفارقة المأموم للإمام في صلاة الجماعة تصح لعذر ولا ينبغي له أن يفارقه بدون عذر. تجوز الزيادة في صلاة التراويح عن إحدى عشرة ركعة يقول السائل: ما حكم الزيادة في صلاة التراويح عن إحدى عشرة ركعة حيث إن بعض طلبة العلم يمنعون الزيادة بحجة أن النبي ﷺ لم يزد عليها، أفيدونا؟ الجواب: من المعلوم أن صلاة التراويح سنة ثابتة عن رسول الله ﷺ -

стр. 2206

وكان هديه ﷺ أن يصلي إحدى عشرة ركعة كما ثبت ذلك عنه في حديث عائشة ﵂ قالت: (ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة) رواه البخاري ومسلم. وأكثر الفقهاء يرون أنها تصلى عشرون ركعة والوتر ثلاث ركعات وهذا قول مشهور من لدن الصحابة ﵃ إلى يومنا الحاضر وكثير من مساجد المسلمين تصلى فيها التراويح كذلك ومنهم من زاد على العشرين فقيل تسع وثلاثين وقيل إحدى وأربعين وقيل غير ذلك. ومن أهل العلم من يرى أنه لا حد لعدد ركعات صلاة التراويح فيجوز أن يزيد على إحدى عشرة ركعة ولا حرج في ذلك وهذا أرجح أقوال أهل العلم فالنبي ﷺ لم يحدد عدداً محدوداً لصلاة التراويح تمنع الزيادة عليه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله: [كما أن نفس قيام رمضان لم يوقت النبي ﷺ فيه عدداً معيناً بل كان هو ﷺ لا يزيد في رمضان ولا في غيره على ثلاث عشرة ركعة ولكن كان يطيل الركعات فلما جمعهم عمر ﵁ على أبي بن كعب ﵁ كان يصلي بهم عشرين ركعة ثم يوتر بثلاث وكان يخف القراءة بقدر ما زاد من الركعات لأن ذلك أخف على المأمومين من تطويل الركعة الواحدة ثم كان طائفة من السلف يقومون بأربعين ركعة ويوترون بثلاث وآخرون قاموا بست وثلاثين وأوتروا بثلاث وهذا كله سائغ فكيفما قام في رمضان من هذه الوجوه فقد أحسن ... ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد مؤقت عن النبي ﷺ لا يزاد فيه ولا ينقص منه فقد أخطأ] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٢/ ٢٧٢. وقال الإمام الشوكاني ﵀: [والحاصل أن الذي دلت عليه أحاديث الباب وما يشبهها هو مشروعية القيام في رمضان والصلاة فيه جماعة وفرادى فقصر الصلاة بالتراويح على عدد معين وتخصيصها بقراءة مخصوصة لم يرد به سنة] نيل الأوطار ٣/ ٦١. إذا تقرر هذا فإنه لا يجوز لأحد أن ينكر على من يصلي التراويح بأكثر من إحدى عشرة ركعة كمن يصلون ثلاثاً وعشرين ركعة فإن الأمر فيه سعة.

стр. 2207

قال الإمام الشافعي يرحمه الله: [رأيت الناس يقومون بالمدينة بتسع وثلاثين، وبمكة بثلاث وعشرين، وليس في شيء من ذلك ضيق]. وقال الحافظ ابن عبد البر يرحمه الله: [وقد أجمع العلماء على أن لا حدّ ولا شيء مقدراً في صلاة الليل وأنها نافلة فمن شاء أطال فيها القيام وقلَّت ركعاته ومن شاء أكثر الركوع والسجود] الاستذكار ٥/ ٢٤٤. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني يرحمه الله: [ ... والأعداد الأخرى سوى الإحدى عشرة أُثرت عن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين والقاعدة عندهم في ذلك أنهم كانوا إذا أطالوا القراءة قللوا عدد الركعات وإذا أخفوا القراءة زادوا في عدد الركعات] فتح الباري. وقال العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز يرحمه الله: [وإن أوتر بثلاث وعشرين كما فعل ذلك عمر والصحابة ﵃ في بعض الليالي من رمضان فلا بأس، فالأمر واسع، وثبت عن عمر والصحابة أيضاً أنهم أوتروا بإحدى عشرة، كما في حديث عائشة، فقد ثبت عن عمر هذا وهذا، ثبت عنه ﵁ أنه أمر من عين من الصحابة أن يصلي إحدى عشرة، وثبت عنهم أنهم صلوا بأمره ثلاثاً وعشرين، وهذا يدل على التوسعة في هذا، وأن الأمر عند الصحابة واسع، كما دل عليه قوله ﷺ : (صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى) ولكن الأفضل من حيث فعله ﷺ إحدى عشرة أو ثلاث عشرة، وسبق ما يدل على أن إحدى عشرة أفضل لقول عائشة ﵂: (ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة) يعني غالباً، ولهذا ثبت عنها أنه صلى ثلاث عشرة وثبت عن غيرها، فدل ذلك أن هذا هو الأغلب، وهي تطلع على ما كان يفعله عندها وتسأل أيضاً فإنها كانت أفقه النساء وأعلم النساء بسنة الرسول الله ﷺ وكانت تخبر عما يفعله عندها وعما تشاهده وتسأل غيرها من أمهات المؤمنين ومن الصحابة، وتحرص على العلم، ولهذا حفظت علماً عظيماً وأحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ بسبب حفظها العظيم وسؤالها غيرها من الصحابة عما حفظوا رضي الله عن الجميع. ثم استفسر من الشيخ سائل قائلاً: أحسن الله إليك، بعض المصلين

стр. 2208

يرون أن هذه هي السنة، وعندما يأتون إلى مساجد تصلي ما يزيد على ثلاث وعشرين ركعة يصلون إحدى عشرة ركعة أو عشر ركعات ولا يتمون مع الإمام؟ يوضح الشيخ ﵀ قائلاً: لا، السنة الإتمام مع الإمام ولو صلى ثلاثاً وعشرين، لأن الرسول ﷺ قال: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة) ... فالأفضل للمأموم أن يقوم مع الإمام حتى ينصرف، سواء صلى إحدى عشرة أو ثلاث عشرة أو ثلاثاً وعشرين، هذا هو الأفضل؛ أن يتابع الإمام حتى ينصرف والثلاث والعشرون فعلها عمر- ﵁ مع الصحابة، فليس فيها نقص وليس فيها خلل، بل هي من السنن، من سنة الخلفاء الراشدين ... ] عن شبكة الإنترنت. وقال العلامة عبد العزيز بن باز: [ومن الأمور التي قد يخفى حكمها على بعض الناس ظن بعضهم أن التراويح لا يجوز نقصها عن عشرين ركعة وظن بعضهم أنه لا يجوز أن يزاد فيها على إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة وهذا كله ظن في غير محله بل هو خطأ مخالف للأدلة. وقد دلت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله- ﷺ على صلاة الليل موسع فيها فليس فيها حد محدود لا تجوز مخالفته بل ثبت عنه أنه كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة وربما صلى ثلاث عشرة ركعة وربما صلى أقل من ذلك في رمضان وفي غيره ولما سئل ﷺ عن صلاة الليل قال: (مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى) متفق على صحته. ولم يحدد ركعات معينة لا في رمضان ولا في غيره ولهذا صلى الصحابة ﵃ في عهد عمر ﵁ -في بعض الأحيان ثلاثاً وعشرين ركعة وفي بعضها إحدى عشرة ركعة كل ذلك ثبت عن عمر ﵁ وعن الصحابة في عهده. وكان بعض السلف يصلي في رمضان ستاً وثلاثين ركعة ويوتر بثلاث وبعضهم يصلى إحدى وأربعين ذكر ذلك عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره من أهل العلم كما ذكر رحمة الله عليه أن الأمر في ذلك واسع] عن شبكة الإنترنت.

стр. 2209

وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين يرحمه الله: [ ... لا ينبغي لنا أن نغلو أو نفرط فبعض الناس يغلو من حيث التزام السنة في العدد فيقول لا تجوز الزيادة على العدد الذي جاءت به السنة وينكر أشد النكير على من زاد على ذلك ويقول إنه آثمٌ عاصٍ وهذا لا شك أنه خطأ وكيف يكون آثماً عاصياً وقد سئل النبي ﷺ عن صلاة الليل؟ فقال: (مثنى مثنى) ولم يحدد بعدد ومن المعلوم أن الذي سأله عن صلاة الليل لا يعلم العدد لأن من لا يعلم الكيفية فجهله بالعدد من باب أولى وليس ممن خدم الرسول ﷺ حتى نقول إنه يعلم ما يحدث داخل بيته فإذا كان النبي ﷺ بين له كيفية الصلاة دون أن يحدد له بعدد علم أن الأمر في هذا واسع وأن للإنسان أن يصلي مئة ركعة ويوتر بواحدة. وأما قوله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) فهذا ليس على عمومه ... وإنما المراد (صلوا كما رأيتموني أصلي) في الكيفية أما في العدد فلا إلا ما ثبت النص بتحديده. وعلى كلٍ ينبغي للإنسان أن لا يشدد على الناس في أمر واسع حتى إنا رأينا من الإخوة الذين يشددون في هذا من يبدعون الأئمة الذين يزيدون على إحدى عشرة ويخرجون من المسجد فيفوتهم الأجر الذي قال فيه الرسول ﷺ : (من قام مع الإمام

стр. 2210

حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) وقد يجلسون إذا صلوا عشر ركعات فتتقطع الصفوف بجلوسهم وربما يتحدثون أحياناً فيشوشون على المصلين وكل هذا من الخطأ ونحن لا نشك بأنهم يريدون الخير وأنهم مجتهدون لكن ليس كل مجتهد يكون مصيباً] الشرح الممتع ٤/ ٧٣ - ٧٤. وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين يرحمه الله أيضاً: [إذا قال قائل: صححتم أنها إحدى عشرة ركعة، فما رأيكم لو صلّينا خلف إمام يصليها ثلاثاً وعشرين، أو أكثر، هل إذا قام إلى التسليمة السادسة نجلس وندعه، أو الأفضل أن نكمل معه؟ الجواب: نقول: الأفضل أن: نكمل معه، ودليل ذلك من وجهين: الوجه الأول: قول النبي ﷺ في قيام رمضان: (إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة). ومن جلس ينتظر حتى يصل الإمام إلى الوتر ثم أوتر معه، فإنه لم يصلَّ مع الإمام حتى ينصرف؛ لأنه ترك جزءاً من صلاته. الوجه الثاني: عموم قول النبي ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به) وهذا يشمل كل فعل فعله الإمام ما لم يكن منهياً عنه، والزيادة على إحدى عشرة ليس منهياً عنها، وحينئذ نتابع الإمام. أما لو كانت الزيادة منهياً عنها مثل: أن يصلي الإنسان صلاة الظهر خمساً فإننا لا نتابعه. ثم ينبغي أن نعلم أن اتفاق الأمة مقصود قصداً أولياً بالنسبة للشريعة الإسلامية، لأن الله يقول: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ سورة المؤمنون الآية ٥٢. والتنازع بين الأمة أمر مرفوض، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ﴾ سورة آل عمران الآية ١٠٥. وقال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ سورة الشورى الآية ١٣. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ سورة الأنعام الآية ١٥٩. وقال النبي ﷺ : (لا تختلفوا فتختلف قلوبكم) يقوله في تساوي الناس في الصف، (ولما صلّى عثمان ﵁ في مِنى في الحج الرباعية أربعاً ولم يقصر بعد أن مضى من خلافته ثماني سنوات، وأنكر الناس عليه، وقالوا قصر النبي ﷺ وأبو بكر وعمر) يعني: وأنت في أول خلافتك، لكنه ﵁ تأول، فكان الصحابة الذين ينكرون عليه يصلون خلفه أربعاً، وهم ينكرون عليه مع أن هذه زيادة متصلة بالصلاة منكرة عندهم، ولكن تابعوا الإمام فيها إيثاراً للاتفاق، فما بالك بزيادة منفصلة، لو تعمدها الإنسان لا تؤثر على بطلان الصلاة؟ ونحن نقول: إننا متمسكون بالسنة ومتّبعون لآثار الصحابة ثم نخالف في هذه المسألة، فإني أقول إنَّ كل إنسان يقول: إنه متبع للسنة متبع لهدي السلف فإنه لا يسعه أن يدع الإمام إذا صلّى ثلاثاً وعشرين ويقول: أنا سأتبع السنة وأصلي إحدى عشرة؛ لأنك مأمور بمتابعة إمامك منهي عن المخالفة، ولست منهياً عن الزيادة عن إحدى عشرة.
следующие страницы →