Полный текст (3 492 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
صيانتها أن تكون بدل رنة الجوال بل إن في ذلك امتهاناً لكلام رب العالمين وخاصة أن صاحب الجوال لا يتحكم في زمان ومكان تلقي المكالمة الهاتفية فيمكن أن يتلقى المكالمة وهو في المرحاض فلا يقبل شرعاً أن ينطلق الأذان من المراحيض والحمامات ولا يقبل شرعاً أن تتلى آية من كتاب الله في المراحيض والحمامات وكلام الله أجل وأعز من أن يتلى في تلكم الأماكن. عن أنس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء نزع خاتمه) رواه الترمذي وحسنه وصححه المنذري وغيره كما في التلخيص الحبير ١/ ١٠٨. والسبب في نزع النبي ﷺ لخاتمه عند دخوله الخلاء أنه كان من ضمن نقش خاتمه لفظ الجلالة (الله) كما ورد في الحديث عن أنس بن مالك ﵁ قال كتب النبي ﷺ كتاباً أو أراد أن يكتب فقيل له إنهم لا يقرأون كتاباً إلا مختوماً فاتخذ خاتماً من فضة نقشه محمد رسول الله) رواه البخاري ومسلم. فالنبي ﷺ نزع خاتمه عند دخوله الخلاء من باب تعظيم لفظ الجلالة (الله). وأيضاً لو كان الهاتف المحمول في جيب خلفي لحامله وهو جالس عليه فتلقى مكالمة فماذا يحدث؟ سيخرج الأذان وترتل آيات القرآن الكريم من تحت مؤخرته!! وهذا لا يقبل في دين الله.
ومن هذه القواعد أن كلام الله مقدس ومحترم وينبغي التأدب عند سماعه كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ سورة الأعراف الآية٢٠٤. قال العز بن عبد السلام: [الاستماع للقرآن والتفهم لمعانيه من الآداب المشروعة المحثوث عليها] فتاوى العز بن عبد السلام ص٤٨٥ - ٤٨٦. وقال جلال الدين السيوطي: [يسن الاستماع لقراءة القرآن، وترك اللغط والحديث بحضور القراءة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾] الإتقان ١/ ١٤٥. فالاستماع والإنصات لقراءة القرآن مندوب إليه وهذا ما لا يحصل عندما يرن الجوال وخاصة إذا رن الجوال في مكان ليس من أماكن الاستماع للقرآن الكريم كالمراحيض والحمامات والأسواق ومحال ازدحام الناس. ويضاف إلى ذلك أن صاحب الجوال يبادر إلى الرد على المكالمة الهاتفية فيقطع سماع الآية القرآنية ليسمع كلام المخلوق ويعرض عن سماع كلام الخالق. وهذا لا
стр. 2242
يليق بالمسلم أن يفعله قال الله تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ سورة البقرة الآية ٦١. ومن هذه القواعد أن الأذان عبادة مؤقتة بأوقات معلومة وهو إعلام بدخول وقت الصلاة فلا يجوز لأحد أن يؤذن إلا في الأوقات المعروفة فعن مالك بن الحويرث عن النبي ﷺ قال: (إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما ثم ليؤمكما أكبركما) رواه البخاري ومسلم. وكذا يجوز الأذان فيما ورد فيه الإذن الشرعي باستعمال ألفاظ الأذان مثل الأذان في أذن المولود فعن أبي رافع ﵁ قال رأيت رسول الله ﷺ أذن في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة بالصلاة) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، كما أنه إذا استعمل الأذان في رنات الجوال فإنه سيؤدي إلى البلبلة والتشويش على الناس في الأوقات المقدرة شرعاً للصلوات
والصيام ونحو ذلك. فلذلك كله وسداً لأبواب انتهاك شعائر الله لا يجوز جعل الأذان وآيات القرآن الكريم بدلاً من رنات الهاتف ويمكن أن يستعاض عن ذلك برنات عادية ليست موسيقية أو غير ذلك مما ليس فيه مخالفة شرعية. وبهذه المناسبة أود التنبيه على الأمرين التاليين المتعلقين باستعمال الهاتف المحمول:
الأول: إن حكم استعمال الهاتف المحمول يكون بحسب كيفية استعماله فإذا استعمل في المباح فهو مباح وإذا استعمل في الحرام فهو حرام فاستعمال الهاتف المحمول المزود بكاميرا في التقاط صور النساء والاحتفاظ بها ونشرها من المحرمات وهذا نوع من التلصص والتجسس المحرم شرعاً وفيه انتهاك لحرمات الناس كما أن فيه شيوع الفواحش بين الناس قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ سورة الحجرات الآية ١٢. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ سورة النور الآية ١٩. وهذا الأمر فيه انتهاك لخصوصيات الناس وتتبع لعوراتهم وفضح لها ومن فضح الناس فضحه الله كما ورد في الحديث عن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم
стр. 2243
فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته) رواه أبو داود، وقال العلامة الألباني حديث حسن صحيح كما في صحيح سنن أبي داود ٣/ ٩٢٣. ويحرم تصوير النساء بكاميرات الهاتف النقال أيضاً لأن فيه إيذاءً لعباد الله قال الله : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا
اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ سورة الأحزاب الآية ٥٨.
الثاني: إن الهواتف النقالة صارت من أسباب الإزعاج في المساجد والمدارس والجامعات وخاصة أثناء الصلوات وفي قاعات الدروس فينبغي إغلاقها في هذه الأماكن وبالذات أثناء الصلوات فرنين الهواتف النقالة يقطع خشوع المصلين ويشوش عليهم فينبغي على من يحمل الهاتف النقال أن يوقفه عن العمل عند دخوله المسجد سواء أكان ذلك في صلاة الجمعة أو غيرها من الصلوات. لأن احتمال أن يتصل به أحد قائم وفي الرنين الصادر من الهاتف إزعاج وتشويش على المصلين والمساجد لها حرمتها ولا ينبغي لأحد أن يشوش على من في المسجد سواء كانوا في صلاة أو ذكر أو قراءة قرآن أو سماع درس علم بأي نوع من أنواع التشويش والإزعاج. فقد ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (اعتكف رسول الله- ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: ألا إن كلكم مناجٍ ربه فلا يؤذي بعضكم بعضاً ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة أو قال: في الصلاة) رواه أبو داود بإسناد صحيح كما قال الإمام النووي وصححه الشيخ الألباني. فإذا نسيه مفتوحاً فرن أثناء الصلاة فيجوز أن يوقفه عن العمل أثناء الصلاة وإن اقتضى ذلك أن يتحرك المصلي في صلاته فإن هذه الحركة مباحة على أقل تقدير إن لم تكن مستحبة نظراً للحاجة حيث إنه يترتب عليها منع ما يشوش على المصلين وقد ثبت في الحديث أن النبي ﷺ : (أمَّ الناس في المسجد فكان إذا قام حمل أمامة بنت زينب وإذا سجد وضعها) رواه البخاري ومسلم. كما وأنه يجوز قتل الحية والعقرب في الصلاة وقد أمر النبي ﷺ بذلك. رواه أصحاب السنن وقال الإمام الترمذي حديث حسن. فيؤخذ من هذين الحديثين أن الحركة في الصلاة إن كانت لحاجة جائزةٌ ولا تبطل الصلاة أقول هذا مع التأكيد على إغلاق الهاتف عند
стр. 2244
الدخول إلى المسجد فإن نسيه مفتوحاً ورنَّ أثناء الصلاة فليغلقه ولا شيء عليه.
وخلاصة الأمر أنه لا يجوز جعل الأذان ولا الآيات القرآنية بدلاً عن نغمات الهاتف النقال سداً للذرائع المفضية إلى المحظورات.
стр. 2245
الصيام
قضاء رمضان
يقول السائل: إنه لم يصم شهر رمضان الماضي بدون أي عذر ولم يقضه وقد ندم على تقصيره وينوي أن يصوم رمضان القادم فماذا عليه؟
الجواب: إن الإفطار في رمضان متعمداً من كبائر الذنوب وانتهاك للمحرمات وتعدٍ على ركن من أركان الإسلام والواجب على من وقع منه ذلك أن يبادر بالتوبة الصادقة إلى الله تعالى بشروطها المعروفة.
قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ سورة النور الآية ٣١.
ويلزم هذا المفطر أن يقضي الشهر الذي أفطره كما قرره جمهور أهل العلم، يقول الله : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ سورة البقرة الآية ١٨٤. ففي هذه الآية الكريمة ألزم الله القضاء لمن أفطر لعذر كالمريض والمسافر فمن باب أولى أن يلزم القضاء من أفطر متعمداً. ومما يدل على وجوب القضاء على المفطر المتعمد في رمضان ما ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من ذرعه قيء وهو صائم فليس عليه قضاء وإن استقاء فليقض) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد ومالك وهو
стр. 2246
حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/ ٤٥٢. فهذا الحديث قد أوجب القضاء على من استقاء أي تعمد إخراج القيء وقد أفطر بغير عذر فهو آثم فيما فعل فكل من أفطر عامداً كان حكمه كحكم من استقاء. انظر قضاء العبادات ص ٢٢٥.
وكذلك فإن ذمة هذا المفطر متعمداً مشغولة بفريضة الصيام ولا تبرأ الذمة إلا بالأداء وقد فاته الأداء فلزمه القضاء.
وقد أوجب جماعة من العلماء الفدية بالإضافة للقضاء في حق من دخل عليه رمضان وفي ذمته أيام لم يصمها من رمضان سابق إن كان تأخير القضاء لغير عذر وهذه الفدية تكون بإطعام مسكين عن كل يوم أفطره من رمضان.
قال الإمام النووي: [فرع في مذاهب العلماء في من أخر قضاء رمضان بغير عذر حتى دخل رمضان آخر، قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يلزمه صوم رمضان الحاضر ثم يقضى الأول ويلزمه عن كل يوم فدية وهى مُدٌّ من طعام وبهذا قال ابن عباس وأبو هريرة وعطاء بن أبي رباح والقاسم بن محمد والزهري والأوزاعي ومالك والثوري وأحمد وإسحق إلا أن الثوري قال الفدية مدان عن كل يوم وقال الحسن البصري وإبراهيم النخعي وأبو حنيفة والمزني وداود يقضيه ولا فدية عليه] المجموع ٦/ ٣٦٦.
وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وجملة ذلك أن من عليه صومٌ من رمضان فله تأخيره ما لم يدخل رمضان آخر لما روت عائشة ﵂ قالت: (كان يكون عليَّ الصيام من شهر رمضان، فما أقضيه حتى يجيء شعبان) متفق عليه. ولا يجوز له تأخير القضاء إلى رمضان آخر من غير عذر لأن عائشة ﵂ لم تؤخره إلى ذلك ولو أمكنها لأخرته ولأن الصوم عبادة متكررة، فلم يجز تأخير الأولى عن الثانية كالصلوات المفروضة، فإن أخرَّه عن رمضان آخر، نظرنا فإن كان لعذر فليس عليه إلا القضاء وإن كان لغير عذر، فعليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم وبهذا قال ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة، ومجاهد وسعيد بن جبير ومالك، والثوري والأوزاعي
стр. 2247
والشافعي، وإسحاق وقال الحسن والنخعي وأبو حنيفة: لا فدية عليه لأنه صوم واجب, فلم يجب عليه في تأخيره كفارة كما لو أخر الأداء والنذر.
ولنا ما روي عن ابن عمر وابن عباس, وأبي هريرة أنهم قالوا: أطعم عن كل يوم مسكيناً ولم يرو عن غيرهم من الصحابة خلافهم وروي مسنداً من طريق ضعيف ولأن تأخير صوم رمضان عن وقته إذا لم يوجب القضاء، أوجب الفدية كالشيخ الهرم] المغني ٣/ ١٥٣ - ١٥٤.
وقال أبو حنيفة وأصحابه يجب القضاء فقط سواء كان تأخير القضاء بعذر أو بدون عذر ولا تجب الفدية لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
وهذا هو القول الراجح فيما يظهر لي لأن المسألة لا يوجد فيها نص ثابت عن الرسول ﷺ قال الإمام الشوكاني: [وذهاب الجمهور إلى قول لا يدل على أنه الحق، والبراءة الأصلية قاضية بعدم وجوب الاشتغال بالأحكام التكليفية حتى يقوم الدليل الناقل عنها ولا دليل ههنا فالظاهر عدم الوجوب] نيل الأوطار ٤/ ٢٦٣.
ولكن إن عمل أحد بالقول الثاني فلا بأس للآثار الواردة عن الصحابة رضوان الله عليهم.
وخلاصة الأمر أن على من أفطر عامداً في رمضان أن يقضي الأيام التي أفطرها ولا تبرأ ذمته إلا بذاك.
حكم الأكل والشرب أثناء أذان الفجر
يقول السائل: إنه سمع حديثاً عن النبي ﷺ يقول فيه: (إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه) فهل هذا الحديث يجيز للصائم أن يستمر في الأكل والشرب أثناء أذان الفجر. أفيدونا.
стр. 2248
الجواب: من المعلوم أن وقت الصوم يبدأ من طلوع الفجر الصادق وهو وقت أذان الفجر للصلاة، قال الله : ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ سورة البقرة الآية ١٨٧. فإذا طلع الفجر الصادق فحينئذ يحرم الطعام والشراب على الصائم. ومن المعروف أنه يؤذن للفجر بأذانين فالأذان الأول لا يدخل به وقت صلاة الفجر ويجوز لمن أراد الصيام أن يأكل ويشرب وأما الأذان الثاني فبه يدخل وقت صلاة الفجر وعنده يحرم الأكل والشرب على الصائم ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم وكان رجلاً أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت) رواه البخاري ومسلم.
وبناءً على ما تقدم فبمجرد أن يؤذن لصلاة الفجر فلا يجوز الأكل ولا الشرب لأن وقت الصيام قد بدأ هذا إذا كان المؤذن يؤذن عند طلوع الفجر الصادق وبما أن المؤذنين في بلادنا يعتمدون على التوقيت المعروف وهو توقيت صحيح أعدته لجنة من أهل العلم الشرعي ومن مختصين في علم الفلك وممن لديهم خبرة ومعرفة في التوقيت فيجب الالتزام به.
قال العلامة ابن القيم: [وذهب الجمهور إلى امتناع السحور بطلوع الفجر, وهو قول الأئمة الأربعة, وعامة فقهاء الأمصار, وروي معناه عن عمر وابن عباس ﵃] شرح ابن القيم على سنن أبي داود ٦/ ٣٤١.
وأما الحديث المذكور في السؤال فقد رواه الإمام أحمد وأبو داود والحاكم والبيهقي وغيرهم وهو حديث حسن وقد فصَّل الكلام على سنده العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة حديث رقم ١٣٩٤.
وأما المراد بالحديث فقد قال الإمام البيهقي: [وهذا إن صح فهو محمول عند عوام أهل العلم على أنه ﷺ علم أن المنادي كان ينادى قبل طلوع الفجر بحيث يقع شربه قبيل طلوع الفجر] السنن الكبرى ٤/ ٢١٨.
стр. 2249
وقال الإمام النووي: [ذكرنا أن من طلع الفجر وفى فيه - فمه- طعام فليلفظه ويتم صومه فان ابتلعه بعد علمه بالفجر بطل صومه وهذا لا خلاف فيه ودليله حديث ابن عمر وعائشة ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: (إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) رواه البخاري ومسلم وفى الصحيح أحاديث بمعناه وأما حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه) وفى رواية (وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر) فروى الحاكم أبو عبد الله الرواية الأولي وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ورواهما البيهقى ثم قال: وهذا إن صح محمول عند عوام أهل العلم على أنه ﷺ علم أنه ينادي قبل طلوع الفجر بحيث يقع شربه قبيل طلوع الفجر قال: وقوله إذا بزغ يحتمل أن يكون من كلام من دون أبي هريرة أو يكون خبراً عن الأذان الثاني ويكون قول النبي ﷺ : (إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده) خبراً عن النداء الأول ليكون موافقاً لحديث ابن عمر وعائشة ﵄ قال وعلى هذا تتفق الأخبار وبالله التوفيق والله أعلم] المجموع ٦/ ٣١١ - ٣١٢.
وحمل جماعة من العلماء هذا الحديث على حال من شك في طلوع الفجر، أما إذا تأكد من طلوع الفجر فليس له أن يأكل أو يشرب فإن فعل بعد التأكد من طلوع الفجر فقد بطل صومه ويلزمه القضاء.
وقال العلامة علي القاري: [قوله ﷺ : (حتى يقضي حاجته منه) هذا إذا علم أو ظن عدم الطلوع. وقال ابن الملك: هذا إذا لم يعلم طلوع الصبح أما إذا علم أنه قد طلع أو شك فيه فلا] مرقاة المفاتيح ٤/ ٤٨٣.
وخلاصة الأمر أن الحديث وارد عن النبي ﷺ وهو حديث حسن ولكن الحديث لا يجيز للصائم أن يستمر في الأكل والشرب خلال أذان الفجر إذا تأكد من طلوع الفجر الصادق. والواجب على الصائم أن يمتنع عن الأكل والشرب بمجرد سماع أذان الفجر.
стр. 2250
تعجيل صدقة الفطر
يقول السائل: هل يجوز لي أن أعجل صدقة الفطر من أول رمضان لأن لي جاراً فقيراً وهو بحاجة ماسة. أفيدونا؟
الجواب: صدقة الفطر أو زكاة الفطر فريضة عند جمهور أهل العلم وقد نقل ابن المنذر إجماع العلماء على وجوب صدقة الفطر. وقد ثبتت صدقة الفطر بأحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ -منها: حديث ابن عمر- ﵁ قال: (فرض رسول الله- ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة) رواه البخاري ومسلم.
ووقت وجوب صدقة الفطر محل خلاف بين أهل العلم فمنهم من يرى أنها تصير واجبة بغروب الشمس ليلة الفطر، لأنه وقت الفطر من رمضان. وقالت جماعة أخرى من العلماء إن وقت وجوبها هو طلوع الفجر من يوم العيد.
قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [فأما وقت الوجوب فهو وقت غروب الشمس من آخر يوم من رمضان فإنها تجب بغروب الشمس من آخر شهر رمضان ... وبما ذكرنا في وقت الوجوب قال الثوري وإسحاق ومالك في إحدى الروايتين عنه والشافعي في أحد قوليه. وقال الليث وأبو ثور وأصحاب الرأي: تجب بطلوع الفجر يوم العيد وهو رواية عن مالك لأنها قربة تتعلق بالعيد, فلم يتقدم وجوبها يوم العيد وهو رواية عن مالك كالأضحية ولنا قول ابن عباس: (إن النبي ﷺ فرض زكاة الفطر طهرةً للصائم من اللغو والرفث) ولأنها تضاف إلى الفطر فكانت واجبة به كزكاة المال, وذلك لأن الإضافة دليل الاختصاص والسبب أخص بحكمه من غيره والأضحية لا تعلق لها بطلوع الفجر ولا هي واجبة ولا تشبه ما نحن فيه] المغني٣/ ٨٩.
وينبغي إخراجها قبل صلاة العيد فقد جاء في الحديث عن ابن عمر -
стр. 2251
رضي الله عنه - (أن النبي- ﷺ أمر بزكاة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة) رواه البخاري ومسلم.
وعن ابن عباس ﵄ قال: (فرض رسول الله- ﷺ زكاة الفطر طهرةً للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات) رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم وصححه. وقد أورد ابن عيينة في تفسيره عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال: [يقدم الرجل زكاته يوم الفطر بين يدي صلاته فإن الله تعالى يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ سورة الأعلى الآيتان ١٤ - ١٥. انظر فتح الباري ٣/ ٤٧٢.
وقد أجاز العلماء تعجيل صدقة الفطر عن وقت الوجوب فمنهم من قال يجوز تعجيلها من أول العام. ومنهم من قال يجوز تعجيلها من أول الشهر. ومنهم من قال يجوز تعجيلها من نصف الشهر. ومنهم من قال يجوز تعجيلها قبل العيد بيوم أو يومين وهذا القول الأخير هو أرجح أقوال العلماء في المسألة ويدل عليه ما كان الصحابة رضوان الله عليهم يفعلونه فعن نافع أن ابن عمر ﵁ قال: (وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين) رواه البخاري. وقد ورد عن ابن عمر ﵁ أيضاً: (أنه كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة) رواه مالك في الموطأ والبيهقي في السنن وغيرهم.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [ ... وقد وقع في رواية ابن خزيمة من طريق عبد الوارث عن أيوب (قلت: متى كان ابن عمر يعطي؟ قال: إذا قعد العامل. قلت: متى يقعد العامل؟ قال: قبل الفطر بيوم أو يومين). ولمالك في الموطأ عن نافع (أن ابن عمر كان يبعث زكاة الفطر إلى الذي يجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة) وأخرجه الشافعي عنه وقال: هذا حسن وأنا أستحبه - يعني تعجيلها قبل يوم الفطر - انتهى.
ويدل على ذلك أيضا ما أخرجه البخاري في الوكالة وغيرها عن أبي هريرة ﵁ قال: (وكلني رسول الله- ﷺ بحفظ زكاة رمضان) الحديث. وفيه
стр. 2252
أنه أمسك الشيطان ثلاث ليال وهو يأخذ من التمر فدل على أنهم كانوا يعجلونها ... ] فتح الباري ٣/ ٤٧٤.
وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [قال وإن قدمها قبل ذلك بيوم أو يومين أجزأه وجملته أنه يجوز تقديم الفطرة قبل العيد بيومين لا يجوز أكثر من ذلك وقال ابن عمر: كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو يومين وقال بعض أصحابنا: يجوز تعجيلها من بعد نصف الشهر كما يجوز تعجيل أذان الفجر والدفع من مزدلفة بعد نصف الليل وقال أبو حنيفة: ويجوز تعجيلها من أول الحول لأنها زكاة فأشبهت زكاة المال وقال الشافعي: يجوز من أول شهر رمضان لأن سبب الصدقة الصوم والفطر عنه فإذا وجد أحد السببين جاز تعجيلها، كزكاة المال بعد ملك النصاب ولنا ما روى الجوزجاني: حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا أبو معشر عن نافع، عن ابن عمر قال: (كان رسول الله ﷺ يأمر به فيقسم - قال يزيد أظن: هذا يوم الفطر - ويقول أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم) والأمر للوجوب, ومتى قدمها بالزمان الكثير لم يحصل إغناؤهم بها يوم العيد وسبب وجوبها الفطر بدليل إضافتها إليه وزكاة المال سببها ملك النصاب, والمقصود إغناء الفقير بها في الحول كله فجاز إخراجها في جميعه وهذه المقصود منها الإغناء في وقت مخصوص فلم يجز تقديمها قبل الوقت فأما تقديمها بيوم أو يومين فجائز لما روى البخاري بإسناده عن ابن عمر, قال: (فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر من رمضان وقال في آخره: وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين) وهذا إشارة إلى جميعهم فيكون إجماعاً ولأن تعجيلها بهذا القدر لا يخل بالمقصود منها, فإن الظاهر أنها تبقى أو بعضها إلى يوم العيد فيستغنى بها عن الطواف والطلب فيه ولأنها زكاة, فجاز تعجيلها قبل وجوبها كزكاة المال والله أعلم] المغني٣/ ٨٩ - ٩٠.
وخلاصة الأمر أنه يجوز تعجيل صدقة الفطر قبل يوم العيد بيوم أو يومين وفي ذلك تحقيق لمصلحة للفقير.
وينبغي التنبيه على أنه يجوز إخراج القيمة في صدقة الفطر أي
стр. 2253
إخراجها نقداً وهو مذهب الحنفية ونقل هذا القول عن جماعة من أهل العلم منهم الحسن البصري وعمر ابن عبد العزيز والثوري ونقل عن جماعة من الصحابة أيضاً وهذا القول هو الراجح إن شاء الله تعالى وهو الذي يحقق مصلحة الفقير وخاصة في هذا الزمان وهو قول وجيه تؤيده الأدلة الكثيرة ومنها أن أخذ القيمة في الزكاة ثابت عن الرسول ﷺ -وعن جماعة من الصحابة فمن ذلك ما ورد عن طاووس قال معاذ باليمن: ائتوني بعرض ثياب آخذه منكم مكان الذرة والشعير فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة. رواه يحيى بن آدم في كتاب الخراج. وقد عنون الإمام البخاري في صحيحه فقال: باب العرض في الزكاة وذكر أثر معاذ ﵁ السابق واحتجاج البخاري بهذا يدل على قوة الخبر عنده كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٤/ ٥٤. ونقل الحافظ ابن حجر العسقلاني عن ابن رشيد قوله: وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم لكن قاده إلى ذلك الدليل. وفعل معاذ مع إقرار النبي ﷺ على ذلك يدل على جوازه ومشروعيته وصدقة الفطر زكاة بلا خلاف.
ولا يصح القول بأن من أخرج القيمة في صدقة الفطر فإنها غير مجزئة فالمسألة محل خلاف بين العلماء ومسائل الخلاف إن أخذ أحدٌ من الناس بقول أحد العلماء المجتهدين فلا حرج عليه إن شاء الله تعالى وجواز إخراج القيمة قال به جماعة من أهل العلم المعتبرين كما سبق وأخيراً أقول لبعض طلبة العلم الذين لا يأخذون بالقيمة لا تحجروا واسعاً ورفقاً بالمسلمين.
اعتكاف المرأة في العشر الأواخر من رمضان
يقول السائل: ما حكم اعتكاف المرأة في العشر الأواخر من رمضان؟
الجواب: الاعتكاف من السنن الثابتة عن النبي ﷺ وقد صح (أن النبي ﷺ اعتكف في رمضان في العشر الأواخر منه) رواه البخاري ومسلم.
стр. 2254
ويشترط لصحة الاعتكاف أن يكون في المسجد قال الله تعالى: ﴿ولا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ سورة البقرة الآية ١٨٧. ولم يعتكف النبي ﷺ إلا في المسجد فلا يصح الاعتكاف في البيوت.
والاعتكاف مشروع للنساء كما هو مشروع للرجال إلا أنه يشترط لصحة الاعتكاف من المرأة أن تكون طاهراً من حيض أو نفاس على قول جمهور أهل العلم. ويدل على مشروعية الاعتكاف للنساء ما ورد عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده) رواه البخاري ومسلم.
وثبت في الحديث الآخر عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلَّى الفجر ثم دخل معتكفه وإنه أمر بخبائه فضرب، أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، فأمرت زينب بخبائها فضرب، وأمر غيرها من أزواج النبي ﷺ بخبائه فضرب فلما صلى رسول الله ﷺ الفجر نظر فإذا الأخبية فقال: آلبر تردن؟ فأمر بخبائه فقوض وترك الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف في العشر الأُول من شوال) رواه البخاري ومسلم. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله: (فترك الاعتكاف) في رواية أبي معاوية (فأمر بخبائه فقوض) وهو بضم القاف وتشديد الواو المكسورة بعدها ضاد معجمة أي نقض وكأنه ﷺ خشي أن يكون الحامل لهن على ذلك المباهاة والتنافس الناشىء عن الغيرة حرصاً على القرب منه خاصة فيخرج الاعتكاف عن موضوعه أو لما أذن لعائشة وحفصة أولاً كان ذلك خفيفاً بالنسبة إلى ما يفضي إليه الأمر من توارد بقية النسوة على ذلك فيضيق المسجد على المصلين أو بالنسبة إلى أن اجتماع النسوة عنده يصيره كالجالس في بيته وربما شغلنه عن التخلي لما قصد من العبادة فيفوت مقصود الاعتكاف] فتح الباري ٤/ ٣٥١.
ويجب أن يعلم أنه يشترط إذن الزوج وموافقته لجواز اعتكاف الزوجة وكذا غير المتزوجة فلا بد من موافقة وليها قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله: (فاستأذنت حفصة عائشة أن تضرب خباء) في رواية
стр. 2255
الأوزاعي المذكورة (فاستأذنته عائشة فأذن لها وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها ففعلت) وفي رواية ابن فضيل المذكورة (فاستأذنت عائشة أن تعتكف فأذن لها فضربت قبة, فسمعت بها حفصة فضربت قبة)] فتح الباري ٤/ ٣٥٠.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني أيضاً: [ ... قال ابن المنذر وغيره: في الحديث أن المرأة لا تعتكف حتى تستأذن زوجها وأنها إذا اعتكفت بغير إذنه كان له أن يخرجها, وإن كان بإذنه فله أن يرجع فيمنعها. وعن أهل الرأي إذا أذن لها الزوج ثم منعها أثم بذلك وامتنعت, وعن مالك ليس له ذلك, وهذا الحديث حجة عليهم] فتح الباري ٤/ ٣٥١.
ويشترط لصحة اعتكاف المرأة أمن الفتنة فلا يصح اعتكاف المرأة في مسجد لا يوجد فيه مكان خاص بالنساء لأنها حينئذ ستختلط بالرجال وهذا فيه مفاسد تنافي الحكمة من الاعتكاف ومن المعلوم أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح وإن اعتكفت مجموعة من النساء في مسجد خاص بهن فأمر حسن إن كان المسجد آمناً. ولا يشترط لصحة اعتكاف المرأة أن يكون في مسجد تقام فيه الجمعة ولا الجماعة لأنهما ليستا واجبتين على المرأة.
قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وللمرأة أن تعتكف في كل مسجد ولا يشترط إقامة الجماعة فيه لأنها غير واجبة عليها وبهذا قال الشافعي وليس لها الاعتكاف في بيتها وقال أبو حنيفة والثوري: لها الاعتكاف في مسجد بيتها وهو المكان الذي جعلته للصلاة منه واعتكافها فيه أفضل لأن صلاتها فيه أفضل وحكي عن أبي حنيفة أنها لا يصح اعتكافها في مسجد الجماعة (لأن النبي ﷺ ترك الاعتكاف في المسجد لما رأى أبنية أزواجه فيه وقال: (آلبر تردن) ولأن مسجد بيتها موضع فضيلة صلاتها فكان موضع اعتكافها كالمسجد في حق الرجل. ولنا قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ والمراد به المواضع التي بنيت للصلاة فيها وموضع صلاتها في بيتها ليس بمسجد لأنه لم يبن للصلاة فيه وإن سمي مسجداً كان مجازاً فلا يثبت له أحكام المساجد الحقيقية كقول النبي ﷺ : (جعلت لي الأرض
стр. 2256
مسجداً) ولأن أزواج النبي ﷺ استأذنَّه في الاعتكاف في المسجد فأذن لهن ولو لم يكن موضعاً لاعتكافهن لما أذن فيه ولو كان الاعتكاف في غيره أفضل لدلهن عليه ونبههن عليه ولأن الاعتكاف قربة يشترط لها المسجد في حق الرجل فيشترط في حق المرأة كالطواف وحديث عائشة حجة لنا لما ذكرنا وإنما كره اعتكافهن في تلك الحال حيث كثرت أبنيتهن لما رأى من منافستهن فكرهه منهن خشية عليهن من فساد نيتهن وسوء المقصد به ولذلك قال- ﷺ : (آلبر تردن) منكراً لذلك أي لم تفعلن ذلك تبرراً ولذلك ترك الاعتكاف لظنه أنهن يتنافسن في الكون معه ولو كان للمعنى الذي ذكروه لأمرهن بالاعتكاف في بيوتهن ولم يأذن لهن في المسجد وأما الصلاة فلا يصح اعتبار الاعتكاف بها فإن صلاة الرجل في بيته أفضل ولا يصح اعتكافه فيه] المغني ٣/ ١٩٠ - ١٩١.
وخلاصة الأمر أن الاعتكاف مشروع للنساء كالرجال بشروطه السابقة ولكن نظراً للظروف الصعبة التي نعيشها في هذه البلاد فأرى أنه لا ينبغي للنساء أن يعتكفن في المساجد في العشر الأواخر من رمضان ولا في غيرها إلا إذا اعتكفت المرأة في المسجد ساعة من النهار أو سويعات فلا بأس بذلك وأما أن تعتكف ليلاً في المسجد فلا.
стр. 2257
الأضحية
стр. 2258
شروط الأضحية توقيفية
يقول السائل: إنه قرأ على شبكة الإنترنت فتوى تقول إن الشروط التي اشترطها الفقهاء للأضحية هي شروط من اجتهادهم وأنه لا يوجد هناك نصوص صريحة توجب ضرورة أن تكون الأضحية بسن معينة فما قولكم أفيدونا؟
الجواب: الأضحية شعيرة من شعائر الله وقربة يتقرب بها العبد إلى ربه وسنة مؤكدة من سنن المصطفى ﷺ وهي عبادة توقيفية عن رسول الله ﷺ والمطلوب من المسلم أن يعظم شعائر الله وأن يقتدي برسول الله ﷺ كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ سورة الحج الآية ٣٢. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ سورة الأحزاب الآية ٢١.
والشروط التي شرطها الفقهاء في الأضحية ليست شروطاً اجتهادية كما ورد في الفتوى المشار إليها وإنما وضعها الفقهاء بناءً على النصوص الشرعية فمن شروط الأضحية أن تكون من الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم كما هو قول جمهور أهل العلم بما فيهم أصحاب المذاهب الأربعة، قال الإمام الشافعي: [هم الأزواج الثمانية التي قال الله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ الأنعام الآية ١٤٣. وقال تعالى: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ
стр. 2259
اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ الأنعام الآية ١٤٤. يعني ذكراً وأنثى، فاختص هذه الأزواج الثمانية من النعم بثلاثة أحكام: أحدها: وجوب الزكاة فيها. والثاني: اختصاص الأضاحي بها. والثالث: إباحتها في الحرم والإحرام] الحاوي ١٥/ ٧٥ - ٧٦.
وقال القرطبي: [والذي يضحى به بإجماع المسلمين الأزواج الثمانية وهي الضأن والمعز والإبل والبقر] تفسير القرطبي ١٥/ ١٠٩. ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ سورة الحج الآية ٣٤. وقال القرطبي أيضاً: [والأنعام هنا هي الإبل والبقر والغنم] تفسير القرطبي ١١/ ٤٤.
ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ سورة المائدة الآية ١. ويدل على ذلك أنه لم تنقل التضحية بغير الأنعام عن النبي ﷺ وبناءً على هذا الشرط لا يصح قول من قال بجواز توزيع اللحوم كبديل عن الأضحية لمن لا يستطيع أن يضحي لضعف قدراته المادية تغليباً للنفع والفائدة للفقراء فهذا القول باطل مناقض للنصوص الشرعية فلا بد في الأضحية من إراقة الدم بذبح حيوان واحد من الأزواج الثمانية وأما شراء اللحم وتوزيعه فلا يكون أضحية بحال من الأحوال حتى لو اشترى بقرة كاملة مذبوحة ووزعها على الفقراء فليست أضحية وإنما تعتبر صدقة من الصدقات. وكذلك لا يجوز شرعاً إخراج قيمة الأضحية بدلاً من ذبحها والقول بجواز إخراج قيمة الأضحية تشريع جديد ومنكر من القول وزوراً قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ سورة الشورى الآية ٢١.
وبناءً على ذلك كانت الأضحية أفضل من التصدق بثمنها كما هو مذهب جمهور أهل العلم بما فيهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وربيعة وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهم انظر الاستذكار ١٥/ ١٥٧، تفسير القرطبي ١٥/ ١٠٧ - ١٠٨، المجموع ٨/ ٤٢٥، المغني ٩/ ٤٣٦.
стр. 2260
وروى عبد الرزاق بإسناده عن سعيد بن المسيب قال: [لأن أضحي بشاة أحب إليَّ من أن أتصدق بمئة درهم] المصنف ٤/ ٣٨٨. وقال الإمام النووي: [مذهبنا أن الأضحية أفضل من صدقة التطوع، للأحاديث الصحيحة المشهورة في فضل الأضحية، ولأنها مختلف في وجوبها، بخلاف صدقة التطوع، ولأن الأضحية شعار ظاهر] المجموع ٨/ ٤٢٥.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [والأضحية والعقيقة والهدي أفضل من الصدقة بثمن ذلك، فإذا كان معه مال يريد التقرب إلى الله كان له أن يضحي به] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٦/ ٣٠٤.
وقال الشيخ ابن القيم: [الذبح في موضعه أفضل من الصدقة بثمنه فإن نفس الذبح وإراقة الدم مقصود، فإنه عبادة مقرونة بالصلاة كما قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ففي كل ملة صلاة ونسك لا يقوم غيرها مقامها ولهذا لو تصدق عن دم المتعة والقران بأضعاف القيمة لم يقم مقامه وكذلك الأضحية] تحفة المودود ص٦٥.
والشرط الثاني من شروط الأضحية أن تبلغ سن التضحية فقد اتفق جمهور أهل العلم على أنه لا يجزئ من الإبل والبقر والمعز إلا الثني فما فوقه ويجزئ من الضأن الجذع فما فوقه. ودليل هذا الشرط حديث جابر ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (لا تذبحوا إلا مسنةً إلا أن يَعسر عليكم فتذبحوا جذعةً من الضأن) رواه مسلم. وغير ذلك من الأحاديث.
قال الإمام النووي: [قال العلماء المسنة هي الثنية من كل شيء من الإبل والبقر والغنم فما فوقها، وهذا تصريح بأنه لا يجوز الجذع من غير الضأن في حال من الأحوال] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/ ١٠١ - ١٠٢. والثني من الضأن والمعز ما أتم سنة. والثني من البقر ما أتم سنتين. والثني من الإبل ما أتم خمس سنين والجذع من الضأن ما مضى عليه أكثر العام أي مضى عليه ستة أشهر فأكثر، وخاصة إذا كان عظيماً بحيث لو خلط بالثنيات يشتبه على الناظر من بعد. قال الإمام الشافعي: [الضحايا الجذع من
стр. 2261
الضأن، والثني من المعز والإبل والبقر، ولا يكون شيء دون هذا ضحية] الأم ٢/ ٢٢٣. وقال الإمام النووي: [وأجمعت الأمة على أنه لا تجزئ من الإبل والبقر والمعز إلا الثني] المجموع ٨/ ٣٩٤.
وإن المدقق في الأحاديث التي أشارت إلى السن يرى أنه لا يجوز تجاوز تلك السن ويدل على ذلك ما ورد عن البراء بن عازب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر من فعله فقد أصاب سنتنا ومن ذبح قبل ذلك فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء فقام أبو بردة بن نيار وقد ذبح فقال إن عندي جذعة، فقال إذبحها ولن تجزئ عن أحد بعدك) رواه البخاري. وقال الإمام البخاري: باب قول النبي ﷺ لأبي بردة (ضح بالجذع من المعز ولن تجزئ عن أحد بعدك) ثم ساق حديث البراء المتقدم برواية أخرى: (ضحى خال لي يقال له أبو بردة قبل الصلاة فقال له رسول الله ﷺ : شاتك شاة لحم. فقال: يا رسول الله: إن عندي داجناً جذعة من المعز. فقال النبي ﷺ : إذبحها ولا تصلح لغيرك) وقد ورد في عدة روايات اختصاص أبي بردة بالتضحية بالجذع من المعز وشاركه في الاختصاص عقبة بن عامر والألفاظ التي تدل على الاختصاص كما بينها الحافظ ابن حجر: (ولا رخصة فيها لأحد بعدك) (ولن تجزئ عن أحد بعدك) (وليست فيها رخصة لأحد بعدك) فتح الباري ١٢/ ١٠٩. وهذا التخصيص من النبي ﷺ يدل على أنه لا تصح التضحية بالجذع من الإبل والبقر والماعز، وهو الذي اعتمد عليه الفقهاء في قولهم إنه لا تجوز التضحية بما دون السنتين من البقر.
وبناءً على ما تقدم أقول لا تصح التضحية بالعجول المسمنة مهما بلغ وزنها ولا بد من الالتزام بالسن المقرر عند الفقهاء في البقر وهو سنتان، ولا يصح النقص عنه. جاء في الفتاوى الهندية: [وتقدير هذه الأسنان بما قلنا يمنع النقصان ولا يمنع الزيادة حتى ولو ضحى بأقل من ذلك شيئاً لا يجوز ولو ضحى بأكثر من ذلك شيئاً يجوز ويكون أفضل ولا يجوز في الأضحية حمل ولا جدي ولا عجول ولا فصيل] الفتاوى الهندية ٥/ ٢٩٧.
стр. 2262
وينبغي أن يعلم أنه ليس المقصود من الأضحية اللحم فقط، وتوزيعه صدقة أو هدية، وإنما يقصد بالأضحية أيضاً تعظيم شعائر الله ، وإراقة الدم كوسيلة من وسائل الشكر لله تعالى، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ سورة الحج الآية ٣٢. وكذلك الامتثال لأمر الله بإراقة الدم، اقتداءً بإبراهيم ﷺ كما قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ سورة الحج الآية ٣٧. ولو كان المقصود بالأضحية اللحم لما أمر النبي ﷺ أبا بردة لما ذبح قبل الوقت المقرر شرعاً أن يعيد الذبح لأن المقصود قد حصل فعن البراء ﵁ قال: (خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر بعد الصلاة فقال: من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فتلك شاة لحم. فقام أبو بردة بن نيار فقال: يا رسول الله لقد نسكت قبل أن أخرج إلى الصلاة وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب فتعجلت فأكلت وأطعمت أهلي وجيراني. فقال رسول الله ﷺ : تلك شاة لحم. فقال: إن عندي عناقاً جذعةً وهي خيرٌ من شاتي لحم فهل تجزئ عني؟ قال: نعم، ولن تجزئ عن أحدٍ بعدك) رواه البخاري ومسلم.
وقد أجابت دار الإفتاء المصرية عن سؤال عن التضحية بالعجول المسمنة التي لم تبلغ السنتين فأجابت بما يلي: [جرى فقه أئمة المسلمين على أنه لا يجزئ في الأضحية إلا الأنعام، وهى الإبل والبقر والغنم، لقوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ سورة الحج الآية ٢٨، وأقل ما يجزئ من هذه الأنواع في الأضحية الجذع من الضأن، والثنية من المعز وغيرها. لما روى جابر أن رسول الله ﷺ قال: (لا تذبحوا إلا مسنة، إلا إن تعسر عليكم، فاذبحوا جذعة من الضأن) وروى عن علي ﵁ قال: (ولا يجوز في الضحايا إلا الثني من المعز والجذعة من الضأن) وعن ابن عباس ﵁ قال: (لا تضحوا بالجذع من المعز والإبل والبقر) والثني من البقر والمعز ما كان لها سنتان ودخلت في الثالثة، ومن الإبل ما كان لها خمس سنوات ودخلت في السادسة، وقد جزم الثقات من أهل اللغة بأن الجذع من الضأن والماعز
стр. 2263
والظباء والبقر ما أتم عاماً كاملاً ودخل في الثاني من أعوامه فلا يزال جذعاً حتى يتم عامين ويدخل في الثالث فيكون ثنياً وتحديد سن الأضحية توقيفي بمعنى أنه ثابت بالسنة الصحيحة أن الجذع من الضأن كاف تجوز به الأضحية، أما من غيره فلا تجزئ وليست الحكمة في هذا - والله أعلم - كثرة اللحم مع تلك السن أو قلته مع هذه ... لما كان ذلك: لم تجزئ الأضحية من البقر المسئول عنه مادام سنُّه منذ ولادته عشرة أشهر، ولابد لجوازه أضحية مشروعة أن يكون له عامان ودخل في الثالث على ما تقدم بيانه لأن الاعتبار لبلوغ سن التلقيح لا لكثرة اللحم].
والشرط الثالث من شروط الأضحية أن تكون سليمة من العيوب المانعة من صحة الأضحية فعن البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أربعٌ لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها والمريضة البين مرضها والعرجاء البين عرجها والكسير التي لا تنقي. قال: - أي الراوي عن البراء وهو عبيد بن فيروز- قلت: فإني أكره النقص في السن. قال: -أي البراء- ما كرهتَ فدعه، ولا تحرمه على أحد) رواه أصحاب السنن. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم. وصححه الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٣٦١.
ومن شروط صحة الأضحية أن تذبح في الوقت المقرر شرعاً بدايةً ونهايةً فمن ذبح قبل دخول الوقت فلا تعتبر ذبيحته أضحية فعن البراء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا، نصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح فإنما هو لحم قدمه لأهله، وليس من النسك في شيء) رواه البخاري ومسلم.
وعن البراء ﵁ قال: (ذبح أبو بردة قبل الصلاة فقال له النبي ﷺ : أبدلها. قال: ليس عندي إلا جذعة - قال شعبة: وأحسبه قال هي خيرٌ من مسنَّة- قال: اجعلها مكانها ولن تجزئ عن أحدٍ بعدك) رواه البخاري ومسلم.
وخلاصة الأمر أن شروط الأضحية شروط توقيفية وليست اجتهادية
стр. 2264
كما ورد في السؤال ولا بد من الالتزام بها ومن أخل بشرط منها فلا يُعَدُّ ما ذبحه أضحية وهذا ما اتفق عليه أهل العلم ولا يغترن أحد ببعض الفتاوى التي تجاوزت تلك الشروط بحجة التيسير والتسهيل على الناس.
الاختلاف في وقت عيد الأضحى
يقول السائل: ما قولكم فيما حصل من بلبلة حول بداية شهر ذي الحجة هذا العام والاختلاف في يوم الوقوف بعرفة ويوم عيد الأضحى ثم تراجع السعودية وإعلانها أن وقفة عرفة يوم الأربعاء والعيد يوم الخميس فما قولكم في ذلك أفيدونا؟
الجواب: أعلن مجلس القضاء الأعلى في السعودية أن بداية شهر ذي الحجة لهذا العام ١٤٢٥هـ هو يوم الأربعاء ١٢/ ١/ ٢٠٠٥م وقد جاء في إعلانه: [نظراً لأن شهر شوال ثبت دخوله يوم السبت ولم يتقدم أحدٌ يخبر بدخول شهر ذي القعدة يوم الأحد ولأن يوم الثلاثاء/٣٠ ذي القعدة/ حسب تقويم أم القرى هو تمام ستين يوماً بعد شهر رمضان ولم يرد للمجلس عن دخول شهر ذي الحجة ليلة الثلاثاء ما يفيد دخول الشهر وإنما ورد نفي الرؤية وعليه فإن يوم الأربعاء ١/ ١٢/١٤٢٥هـ حسب تقويم أم القرى الموافق ١٢/ ١/٢٠٠٥م هو أول أيام شهر ذي الحجة وبهذا يكون الوقوف بعرفة يوم الخميس التاسع من ذي الحجة وعيد الأضحى المبارك يوم الجمعة الموافق ٢١/ ١/٢٠٠٥م]. ثم أصدر مجلس القضاء الأعلى في السعودية بياناً أعلن فيه أنه قد شهد ثلاثة شهود عدول بأنهم قد رأوا الهلال ليلة الثلاثاء، وبناءً على ذلك أصدر مجلس القضاء الأعلى بياناً تصحيحياً أعلن فيه أن الثلاثاء ١١/ ١/ ٢٠٠٥ في التقويم الميلادي هو غرة ذي الحجة ويوم الأربعاء ١٩/ ١/٢٠٠٥ هو يوم وقفة عرفة ويوم الخميس ٢٠/ ١/٢٠٠٥ هو يوم عيد الأضحى المبارك].
стр. 2265
وما قام به مجلس القضاء الأعلى في السعودية هو رجوع عن الخطأ والرجوع عن الخطأ فضيلة وقد سررت كثيراً عندما رجع مجلس القضاء الأعلى في السعودية عن قراره الأول لما في ذلك من تصحيح لوقت عبادة عظيمة وركن من أركان الإسلام وهو الحج بل إن ما فعله مجلس القضاء الأعلى في السعودية هو السنة النبوية حيث ورد في الحديث عن ربعي بن حراش عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: (اختلف الناس في آخر يوم من رمضان فقدم أعرابيان فشهدا عند النبي ﷺ لأهلا الهلال أمس عشية فأمر رسول الله ﷺ الناس أن يفطروا) وفي رواية (وأن يغدوا إلى مصلاهم) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة بألفاظ متقاربة وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/ ٤٤٦. وعن أبي عمير بن أنس قال حدثني عمومة لي من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ قال: (غُمَّ علينا هلال شوال فأصبحنا صياماً فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند رسول اللَّه ﷺ أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمر رسول اللَّه ﷺ أن يفطروا من يومهم وأن يخرجوا لعيدهم من الغد) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وابن حبان والدارقطني وقال: إسناده حسن وأخرجه البيهقي وحسنه. بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني ٩/ ٢٢٦. وغير ذلك من الأحاديث والآثار. وبهذا يظهر لنا أن تراجع مجلس القضاء الأعلى في السعودية موافق للسنة النبوية مع أني كنت أتمنى أن لا يقعوا في هذا الخطأ وأن يتريثوا في إثبات شهر ذي الحجة.
إذا تقرر هذا فينبغي أن يعلم أن الفقهاء قد قرروا أن يوم عرفة هو اليوم الذي يقف الناس فيه بعرفة بغض النظر كان اليوم التاسع أو اليوم العاشر فلو وقفوا بعرفة خطأً يوم العاشر من ذي الحجة فحجهم صحيح باتفاق الفقهاء وكذا في العيد عيد الفطر وعيد الأضحى فهما اليومان اللذان يعيد فيهما المسلمون ولو كانا خطأً والخطأ في هذا الباب مغتفر، قال الخطيب الشربيني: [قالوا: وليس يوم الفطر أول شوال مطلقاً بل يوم فطر الناس، وكذا يوم النحر يوم يضحي الناس، ويوم عرفة اليوم الذي يظهر لهم أنه يوم عرفة، سواء التاسع والعاشر، وذلك لخبر (الفطر يوم يفطر الناس،
стр. 2266
والأضحى يوم يضحي الناس) رواه الترمذي وصححه. وفي رواية للشافعي (وعرفة يوم يعرفون)] مغني المحتاج ١/ ٥٩٥.
والحديث الذي ذكره الخطيب رواه أبو داود والترمذي والبيهقي وهو حديث صحيح ونصه (أن النبي ﷺ قال: الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون) قال الإمام الترمذي: [وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: إنما معنى هذا: الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس] سنن الترمذي ٣/ ٨٠.
وقال العلامة ابن القيم: [وقال الخطابي في معنى الحديث: إن الخطأ مرفوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد، فلو أن قوماً اجتهدوا، فلم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين، فلم يفطروا حتى استوفوا العدد، ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعاً وعشرين، فإن صومهم وفطرهم ماض، لا شيء عليهم من وزر أو عنت، وكذلك في الحج إذا أخطأوا يوم عرفة، ليس عليهم إعادة] حاشية ابن القيم على سنن أبي داود٦/ ٣١٧. وروى البيهقي بإسناده عن عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد قال: قال رسول الله ﷺ : (يوم عرفة اليوم الذي يُعرِّف الناس فيه) قال البيهقي: هذا مرسل جيد، أخرجه أبو داود في المراسيل] سنن البيهقي ٥/ ١٧٦. وروى البيهقي أيضاً بإسناده عن ابن جريح قال: (قلت لعطاء: رجل حج أول ما حج فأخطأ الناس بيوم النحر أيجزئ عنه، قال: نعم إي لعمري إنها لتجزئ عنه. قال: وأحسبه قال: قال النبي ﷺ : (فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون). وأراه قال: (وعرفة يوم تعرفون)] سنن البيهقي ٥/ ١٧٦.
وقال الشيخ ابن حزم الظاهري: [وَمَنْ أَخْطَأَ فِي رُؤْيَةِ الْهِلاَلِ لِذِي الْحِجَّةِ فَوَقَفَ بِعَرَفَةَ الْيَوْمَ الْعَاشِرَ وَهُوَ يَظُنُّهُ التَّاسِعَ, وَوَقَفَ بِمُزْدَلِفَةَ اللَّيْلَةَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ وَهُوَ يَظُنُّهَا الْعَاشِرَةَ: فَحَجُّهُ تَامٌّ، وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ, لأن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَقُلْ: إنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ لاَ يَكُونُ إلاَّ فِي الْيَوْمِ التَّاسِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ أَوْ اللَّيْلَةِ الْعَاشِرَةِ مِنْهَا; وَإِنَّمَا أَوْجَبَ ﵇ الْوُقُوفَ بِهَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَصَحَّ أَنَّ كُلَّ مَنْ وَقَفَ بِهَا أَجْزَأَهُ] المحلى ٥/ ٢٠٣ - ٢٠٤.
стр. 2267
وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [إذا أخطأ الناس العدد فوقفوا في غير ليلة عرفة أجزأهم ذلك لما روى الدارقطني بإسناده عن عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد قال: قال رسول الله ﷺ يوم عرفة الذي يعرف فيه الناس] المغني ٣/ ٤٥٦.
وقال الشيخ أبو إسحق الشيرازي: [وإن أخطأ الناس الوقوف فوقفوا في اليوم الثامن أو العاشر لم يجب عليهم القضاء] المهذب مع شرحه المجموع ٨/ ٢٩٢.
وقال الإمام النووي: [وإن غلطوا بيوم واحد فوقفوا في اليوم العاشر من ذي الحجة أجزأهم وتم حجهم ولا قضاء] المجموع ٨/ ٢٩٢.
ثم قال: [فرع في مذاهب العلماء في الغلط في الوقوف: اتفقوا على أنهم إذا غلطوا فوقفوا في العاشر وهم جمع كثير على العادة أجزأهم] المجموع ٨/ ٢٩٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ ... ولهذا قالوا: إذا أخطأ الناس كلهم فوقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم] مجموع الفتاوى ٢٥/ ١٠٧.
وقال الكاساني الحنفي: [ولو اشتبه على الناس هلال ذي الحجة فوقفوا بعرفة بعد أن أكملوا عدة ذي القعدة ثلاثين يوماً ثم شهد الشهود أنهم رأوا الهلال يوم كذا، وتبين أن ذلك اليوم كان يوم النحر فوقوفهم صحيح، وحجتهم تامة استحساناً ... إلخ] بدائع الصنائع ٢/ ٣٠٤.
وقال الخرشي المالكي: [ ... وكذلك يجزئ إذا أخطأ في رؤية الهلال الجم أي جماعة أهل الموسم بأن غم عليهم ليلة ثلاثين من القعدة فأكملوا العدة ووقفوا فوقع وقوفهم بعاشر من ذي الحجة] شرح الخرشي على مختصر خليل ٢/ ٣٢١.
وأخيراً ينبغي أن يعلم أن المسلمين تبع لأهل الديار المقدسة في مواعيد الحج، عرفة وعيد الأضحى، قال الشيخ ابن العربي المالكي عند
стр. 2268
تفسير قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾: [ ... وأن سائر أهل الآفاق تبع للحاج فيها]. أحكام القرآن ١/ ١٤٣.
وقال الدكتور محمد سليمان الأشقر: [إن المسلمين في جميع أقطار العالم الإسلامي قد أجمعوا إجماعاً عملياً منذ عشرات السنين على متابعة الحجاج في عيد الأضحى ولا يجوز لأي جهة أو مجموعة من الناس مخالفة هذا الإجماع] عن شبكة الإنترنت.
وخلاصة الأمر أن رجوع مجلس القضاء الأعلى في السعودية عن بيانه الأول في هذه الحادثة موافق للسنة النبوية كما أن الخطأ في الوقوف بعرفة أو الخطأ في العيد لا يضر ويجب على المسلم أن يسير مع جماعة المسلمين للحديث المذكور سابقاً: (الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون).
стр. 2269
الزكاة
стр. 2270
زكاة البضاعة الكاسدة
يقول السائل: إنه تاجر ولديه كمية من بعض السلع قد كسدت وبارت ولم يتمكن من بيعها وقد مضى عليها أكثر من خمس سنوات ولمَّا يتمكن من بيعها فماذا يصنع بالنسبة لزكاة هذه البضاعة الكاسدة أفيدونا؟
الجواب: من المعلوم أن الزكاة واجبة في عروض التجارة على الصحيح من أقوال أهل العلم لعموم الأدلة التي أوجبت الزكاة في الأموال ولا شك أن عروض التجارة داخلة في هذا العموم دخولاً أولياً كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سورة التوبة الآية ١٠٣.
وقوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ سورة الذاريات الآية ١٩.
وقوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ سورة البقرة الآية٢٦٧.
ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن سمرة بن جندب ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نخرج الصدقة مما يُعَدُّ للبيع) رواه أبو داود والدارقطني واختلف في سنده وحسنه ابن عبد البر.
وعن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (في الإبل صدقتها وفى البقر
стр. 2271
صدقتها وفى البز صدقته). قال الإمام النووي: [هذا الحديث رواه الدارقطني في سننه والحاكم أبو عبد الله في المستدرك والبيهقي بأسانيدهم ذكره الحاكم بإسنادين ثم قال هذان الإسنادان صحيحان على شرط البخاري ومسلم] المجموع ٦/ ٤٧. والبز المذكور في الحديث هو الثياب ومنه البزاز لمن يعمل في تجارة الثياب. انظر المصباح المنير ص ٤٧ - ٤٨.
وقال الإمام النووي: [والصواب الجزم بالوجوب - أي وجوب الزكاة في عروض التجارة- وبه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين والفقهاء بعدهم أجمعين قال ابن المنذر: أجمع عامة أهل العلم على وجوب زكاة التجارة قال رويناه عن عمر بن الخطاب وابن عباس والفقهاء السبعة سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وخارجة بن زيد وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وسلمان بن يسار والحسن البصري وطاووس وجابر بن زيد وميمون بن مهران والنخعي ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي والنعمان - أبو حنيفة - وأصحابه وأحمد واسحق وأبي ثور وأبي عبيد ... ] المجموع ٦/ ٤٧.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وأما العروض التي للتجارة ففيها الزكاة وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن في العروض التي يراد بها التجارة الزكاة إذا حال عليها الحول: روي ذلك عن عمر وابنه وابن عباس وبه قال الفقهاء السبعة والحسن وجابر بن زيد وميمون بن مهران وطاووس والنخعي والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وحكي عن مالك وداود: لا زكاة فيها. وفي سنن أبي داود عن سمرة قال: (كان النبي ﷺ يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع). وروي عن حماس قال: مرَّ بي عمر فقال: أدِ زكاة مالك، فقلت: مالي إلا جِعاب وأُدُم فقال قومها ثم أدِ زكاتها. واشتهرت القصة بلا منكر فهي إجماع. والجعاب جمع جعبة وهي وعاء توضع فيه السهام. انظر المصباح المنير ص ١٠٢. والأُدُم جمع أديم وهو الجلد المدبوغ. انظر المصباح المنير ص ٩.
وأما مالك فمذهبه أن التجار على قسمين: متربص ومدير. فالمتربص:
стр. 2272
وهو الذي يشتري السلع وينتظر بها الأسواق فربما أقامت السلع عنده سنين فهذا عنده لا زكاة عليه إلا أن يبيع السلعة فيزكيها لعام واحد وحجته أن الزكاة شرعت في الأموال النامية فإذا زكى السلعة كل عام -وقد تكون كاسدة- نقصت عن شرائها فيتضرر فإذا زكيت عند البيع فإن كانت ربحت فالربح كان كامناً فيها فيخرج زكاته ولا يزكي حتى يبيع بنصاب ثم يزكي بعد ذلك ما يبيعه من كثير وقليل. وأما المدير: وهو الذي يبيع السلع في أثناء الحول فلا يستقر بيده. سلعة فهذا يزكي في السنة الجميع يجعل لنفسه شهراً معلوماً يحسب ما بيده من السلع والعين والدين الذي على المليء الثقة ويزكي الجميع هذا إذا كان ينض في يده في أثناء السنة ولو درهم فإن لم يكن يبيع بعين أصلاً فلا زكاة عليه عنده] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٥/ ١٥ - ١٦.
إذا تقرر هذا فإن الأصل عند أكثر العلماء أن كل مال يكون عند التاجر ويقصد به التجارة تجب فيه الزكاة ويدخل في ذلك جميع السلع وإن كسدت أو بارت فعلى التاجر أن يقوم هذه السلع الكاسدة ويؤدي زكاتها كغيرها من السلع غير الكاسدة.
وهنالك رأي آخر في المسألة قال به بعض فقهاء المالكية ونسب إلى الإمام مالك وهو إن السلع إذا كسدت وبارت فلا تجب الزكاة فيها إلا إذا بيعت فيزكيها صاحبها عن سنة واحدة وهذا رأي له وجاهته ويمكن الأخذ به وخاصة إذا كانت البضائع الكاسدة كثيرة وهذا من باب التخفيف والتيسير على التجار. ومن المعروف عند التجار أنه لابد أن تبور كمية من كل نوع من السلع فمثلاً إذا اشترى التاجر مئة قطعة من نوع معين من الثياب فباع تسعين قطعة وبارت الباقية فحينئذ تكون الفتوى على قول جمهور أهل العلم فتقوم تلك البضاعة ويزكيها عندما يزكي أمواله وأما إذا كان الكساد هو الأكثر فحينئذ نأخذ برأي بعض فقهاء المالكية.
قال الدسوقي المالكي: [قوله: (إذ بوارها لا ينقلها للقنية ولا للاحتكار) هذا هو المشهور وهو قول ابن القاسم، ومقابله ما لابن نافع
стр. 2273
وسحنون لا يقوم ما بار منها وينتقل للاحتكار، وخص اللخمي وابن يونس الخلاف بما إذا بار الأقل قالا: فإن بار النصف أو الأكثر لم يقوم اتفاقاً. وقال ابن بشير: بل الخلاف مطلقاً بناء على أن الحكم للنية لأنه لو وجد مشترياً لباع أو للموجود وهو الاحتكار قاله في التوضيح] حاشية الدسوقي ١/ ٤٧٤.
وقد أفتى بقول المالكية هذا بعض أهل العلم المعاصرين منهم الشيخ العلامة مصطفى الزرقا فقال: [إن ما سألتني عنه من رأيي في زكاة البضائع الكاسدة والتاجر المتربِّص، رأيي فيه من القديم هو مذهب مالك ﵁ وهو الذي يُشعِر كلامُ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ باستحسانه، كما استحسنه أخونا العلامة الدكتور الشيخ القرضاوي أيضاً، وضعاً للضَّرر البالغ عن التاجر المتربِّص، فأنا أُفتي به دائماً تيسيراً على الناس، ولا سيما في العقارات، حيث يكثر فيها المشترون المتربِّصون في عهد التضخم النقدي العام اليوم، ولا سيما في عالمنا الثالث الذي استمر فيه هبوط قيمة النقود الورقية التي انفردت في وظيفة التنمية، منذ أن حلَّت المَطابع محلَّ مناجم استخراج الذَّهب والفضة!! ولم يبقَ أمام كثير من الناس وسيلة لحفظ قيمة نقودهم وقوتها الشرائية سوى تحويلها إلى عقار والتربص به، وقد يتربَّصون بها مُدداً طويلة، وعدداً من السنين قد تَصل إلى العَشرات، ثم يبيعونها عندما يَحتاجون إلى قيمتها. وخلال ذلك قد ترتفع قيمتها كما كانوا يتوقَّعون من استمرار ارتفاع قيمة العَقارات في كل مكان تقريباً، وإن لم ترتفع فإنها لا تهبِط، فأنا أفتي في هذه بأنها تزكَّى مرة واحدة عن سنة واحدة حين بيعها، لكنها يجب أن تزكّى على أساس قيمتها الحالية المرتفعة، لا على أساس قيمتها القديمة التي اشتروها بها، فإذا كانت قيمتها قد ارتفعت من البيع عشرة أضعاف مثلاً أو أكثر -وهذا واقع كثيرًا في الأراضي- فإن زكاتها تَزيد أيضاً عشرة أضعاف عن زكاتها بحسَب قيمتها الأولى التي اشْتُريتْ بها. وفي هذا عدل، كما أنه تيسير على المكلَّف، ودفع للإرهاق عنه، ومثل ذلك التربُّص في البضائع التجارية الكاسدة. وقد نصَّ الفقهاء على أن التاجر إذا أفرزَ بعض أموالِه ليأخذَه إلى بيته لاستعماله فيه، فإن
стр. 2274
زكاته تتوقَّف منذ ذلك؛ لأنه خرج من نطاق التِّجارة التي تُنَمِّيه، فأصبح
بتحويله لاستعماله غيرَ نامٍ، والزكاة إنما هي في المال النامِي فعلاً أو تقديراً كالنقود.
ففي رأيي أن حالة التربُّص - خلال مدّة التربُّص- تُشبهُ هذه ما دام المُتربِّص لا يُريد بيع المال المتربَّص فيه، بل تركه بمعزِل عن التداول إلى أجل غير محدَّد، فالمال في هذه الحالة أصبح غير نام، أو متوقِّف النماء، كالديون غير المرجوة الوفاء (ولو أَنّها كانت أثمانًا لمَبيعات رابحة، وليست قروضًا حسنة) فإنها بانقطاع الأمل من استيفائها خرجت عن أن تكونَ ناميةً ولو تَقديراً.
هذا ما أراه أيها الأخ الكريم وأرجو من فضله تعالى أن يكون صوابا مُتَّفِقًا مع مقاصد الشريعة] فتاوى الشيخ العلامة مصطفى الزرقا ص ١٣٥ - ١٣٦.
وخلاصة الأمر أن البضائع إذا كسدت وبارت وكانت كثيرة وصار الأمل ضعيفاً جداً في بيعها فلا زكاة فيها حتى يتم بيعها فإذا بيعت زكيت عن سنة واحدة فقط ولو مضى على بوارها سنوات وأما البوار والكساد القليل فلا يمنع الزكاة فيها.
стр. 2275
النذور
стр. 2276
نذر المعصية
يقول السائل: إنه نذر أن يرتكب الفاحشة مع امرأة ثم ندم على ما صدر منه ويريد أن يتراجع عما نذر فما الحكم في ذلك؟
الجواب: إن ما صدر عن السائل يسمى عند العلماء نذر المعصية ومجرد التلفظ بنذر المعاصي والآثام يُعَدُّ ذنباً ومعصية لله تعالى. وقد اتفق أهل العلم على أنه يحرم الوفاء بنذر المعصية لما ثبت في الحديث من قول النبي ﷺ أنه قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصه فلا يعصه) رواه البخاري. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرح الحديث: [ ... والخبر صريح في الأمر بوفاء النذر إذا كان في طاعة وفي النهي عن الوفاء به إذا كان في معصية] فتح الباري ١١/ ٧٠٩.
وروى الإمام مسلم بإسناده عن عمران بن حصين ﵁ قال: (كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ ، وأسر أصحاب رسول الله ﷺ رجلاً من بني عقيل وأصابوا معه العضباء -اسم لناقة الرجل المأسور- فأتى عليه رسول الله ﷺ وهو في الوثاق قال: يا محمد، فأتاه، فقال: ما شأنك؟ فقال: بم أخذتني؟ وبم أخذت سابقة الحاج؟ -أي ناقته- فقال: إعظاماً لذلك أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف، ثم انصرف عنه فناداه، فقال: يا محمد يا محمد وكان رسول الله ﷺ رحيماً
стр. 2277
رقيقاً فرجع إليه فقال ما شأنك؟ قال: إني مسلم، قال: لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح، ثم انصرف فناداه فقال: يا محمد يا محمد فأتاه فقال: ما شأنك؟ قال: إني جائع فأطعمني وظمآن فاسقني، قال: هذه حاجتك ففدي بالرجلين. قال: وأسرت امرأة من الأنصار وأصيبت العضباء، فكانت المرأة في الوثاق وكان القوم يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم فانفلتت ذات ليلة من الوثاق فأتت الإبل فجعلت إذا دنت من البعير رغا فتتركه حتى تنتهي إلى العضباء فلم ترغ قال: وناقة منوقة -أي مذللة- فقعدت في عجزها ثم زجرتها فانطلقت ونذروا بها فطلبوها فأعجزتهم قال: ونذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها فلما قدمت المدينة رآها الناس، فقالوا: العضباء ناقة رسول الله ﷺ ؟ فقالت: إنها نذرت إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فأتوا رسول الله ﷺ فذكروا ذلك له فقال: سبحان الله بئسما جزتها نذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها لا وفاء لنذر في معصية ولا فيما لا يملك العبد).
وعن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا نذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم) رواه النسائي وابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن النسائي ٢/ ٨٠٧. وغير ذلك من الأحاديث.
وبهذا يظهر لنا أنه يحرم الوفاء بنذر المعصية باتفاق أهل العلم ولكن يلزم الناذر كفارة يمين على الراجح من أقوال أهل العلم ليكفر ذنبه لأنه نذر ما هو حرام شرعاً.
قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [نذر المعصية فلا يحل الوفاء به إجماعاً ولأن النبي ﷺ قال: (من نذر أن يعصي الله فلا يعصه) ولأن معصية الله تعالى لا تحل في حال ويجب على الناذر كفارة يمين روي نحو هذا عن ابن مسعود وابن عباس، وجابر وعمران بن حصين وسمرة بن جندب وبه قال الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه ... ووجه الأول ما روت عائشة أن رسول الله ﷺ قال: (لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين) رواه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، وقال الترمذي: هو
стр. 2278
حديث غريب. وعن أبي هريرة وعمران بن حصين عن النبي ﷺ مثله روى الجوزجاني، بإسناده عن عمران بن حصين قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (النذر نذران فما كان من نذر في طاعة الله فذلك لله، وفيه الوفاء وما كان من نذر في معصية الله فلا وفاء فيه، ويكفره ما يكفر اليمين) وهذا نص.
ولأن النذر يمين بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (النذر حلفة)، (وقال النبي ﷺ لأخت عقبة لما نذرت المشي إلى بيت الله الحرام، فلم تطقه: تكفر يمينها) صحيح أخرجه أبو داود وفي رواية: (ولتصم ثلاثة أيام) قال أحمد: إليه أذهب وقال ابن عباس في التي نذرت ذبح ابنها: كفري يمينك ولو حلف على فعل معصية لزمته الكفارة فكذلك إذا نذرها ... فأما أحاديثهم، فمعناها لا وفاء بالنذر في معصية الله وهذا لا خلاف فيه وقد جاء مصرحاً به هكذا في رواية مسلم ويدل على هذا أيضا أن في سياق الحديث: (ولا يمين في قطيعة رحم) يعني لا يبر فيها ولو لم يبين الكفارة في أحاديثهم فقد بينها في أحاديثنا] المغني١٠/ ٥ - ٧.
وروى الترمذي بإسناده عن عائشة عن النبي ﷺ قال: (لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين) قال أبو عيسى -أي الترمذي- هذا حديث غريب وهو أصح من حديث أبي صفوان عن يونس وأبو صفوان هو مكي واسمه عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان وقد روى عنه الحميدي وغير واحد من جلة أهل الحديث وقال قوم من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين وهو قول أحمد وإسحق واحتجا بحديث الزهري عن أبي سلمة عن عائشة] سنن الترمذي مع شرحه التحفة ٥/ ١٠٢ - ١٠٣.
وقال المباركفوري: [قوله: وهو قول أحمد وإسحاق، قد اختلف فيمن وقع منه النذر في المعصية هل يجب فيه كفارة, فقال الجمهور: لا, وعن أحمد والثوري وإسحاق وبعض الشافعية والحنفية نعم, واتفقوا على تحريم النذر في المعصية, واختلافهم إنما هو في وجوب الكفارة, واحتج
стр. 2279
من أوجبها بأحاديث الباب (وهو قول مالك والشافعي) وهو قول الجمهور, وأجابوا عن أحاديث ضعيفة. قلت: والظاهر أنها بتعددها وتعدد طرقها تصلح للاحتجاج والله تعالى أعلم] تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي ٥/ ١٠٣.
وحديث عائشة المذكور رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة، وقد اختلف فيه أهل الحديث فضعفه بعضهم وصححه آخرون، وممن صححه العلامة الألباني فقد تكلم عليه طويلاً في إرواء الغليل وذكر أن إحدى روايات النسائي سندها متصل صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين ما عدا راوٍ وهو ثقة. ثم ذكر العلامة الألباني شاهداً صحيحاً للحديث رواه ابن الجارود ولفظه (النذر نذران فما كان لله فكفارته الوفاء, وما كان للشيطان فلا وفاء فيه, وعليه كفارة يمين)] انظر إرواء الغليل ٨/ ٢١٦ - ٢١٧.
ومما يدل على لزوم الكفارة في نذر المعصية عموم قول النبي ﷺ : (كفارة النذر كفارة اليمين) رواه مسلم. قال الإمام النووي: [قوله ﷺ : (كفارة النذر كفارة اليمين) اختلف العلماء في المراد به, فحمله جمهور أصحابنا على نذر اللجاج, وهو أن يقول إنسان يريد الامتناع من كلام زيد مثلاً: إن كلمتُ زيداً مثلاً فلله عليَّ حجة أو غيرها, فيكلمه فهو بالخيار بين كفارة يمين وبين ما التزمه, هذا هو الصحيح في مذهبنا, وحمله مالك وكثيرون أو الأكثرون على النذر المطلق, كقوله: عليَّ نذر, وحمله أحمد وبعض أصحابنا على نذر المعصية, كمن نذر أن يشرب الخمر, وحمله جماعة من فقهاء أصحاب الحديث على جميع أنواع النذر, وقالوا: هو مخير في جميع النذورات بين الوفاء بما التزم, وبين كفارة يمين] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/ ٢٦٩.
ويؤيده ما ورد في الحديث عن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنما النذر يمين، كفارتها كفارة يمين) أخرجه أحمد وصححه العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة حديث رقم ٢٨٦٠.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (النذر نذران: فما كان لله فكفارته الوفاء، وما كان للشيطان فلا وفاء فيه، وعليه كفارة يمين)
стр. 2280
وصححه العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة حديث رقم ٤٧٩.
وقال العلامة ابن القيم: [قال الموجبون للكفارة في نذر المعصية -وهم أحمد وإسحاق والثوري وأبو حنيفة وأصحابه- هذه الآثار قد تعددت طرقها. ورواتها ثقات. وحديث عائشة احتج به الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه، وإن كان الزهري لم يسمعه من أبي سلمة, فإن له شواهد تقويه رواه عن النبي ﷺ سوى عائشة: جابر وعمران بن حصين وعبد الله بن عمر, قاله الترمذي: وفيه حديث ابن عباس رفعه (من نذر نذراً في معصية, فكفارته كفارة يمين) رواه أبو داود, ورواه ابن الجارود في مسنده, ولفظه عن ابن عباس عن النبي ﷺ (النذر نذران: فما كان لله فكفارته الوفاء به, وما كان للشيطان فلا وفاء فيه وعليه كفارة يمين). وروى أبو إسحاق الجوزجاني حديث عمران بن حصين في كتابه المترجم وقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (النذر نذران: فما كان من نذر في طاعة الله فذلك لله, وفيه الوفاء, وما كان من نذر في معصية الله فلا وفاء فيه, ويكفره ما يكفر اليمين) وروى الطحاوي بإسناد صحيح عن عائشة عن النبي ﷺ (من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه ويكفر عن يمينه) وهو عند البخاري إلا ذكر الكفارة. قال الأشبيلي: وهذا أصح إسناداً, وأحسن من حديث أبي داود - يعني حديث الزهري عن أبي سلمة المتقدم. وفي مصنف عبد الرزاق: عن يحيى بن أبي كثير عن رجل من بني حنيفة, وعن أبي سلمة كلاهما عن النبي ﷺ مرسلاً (لا نذر في غضب ولا في معصية الله, وكفارته كفارة يمين) قالوا: وقد روى مسلم في صحيحه من حديث عقبة بن عامر عن النبي ﷺ أنه
قال: (كفارة النذر كفارة اليمين). وهذا يتناول نذر المعصية من وجهين. أحدهما: أنه عام لم يخص منه نذر دون نذر. الثاني: أنه شبهه باليمين, ومعلوم: أنه لو حلف على المعصية وحنث لزمه كفارة يمين, بل وجوب الكفارة في نذر المعصية أولى منها في يمين المعصية لما سنذكره. قالوا: ووجوب الكفارة قول عبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله, وعمران بن حصين وسمرة بن جندب، ولا يحفظ عن صحابي خلافهم. قالوا: وهب أن هذه الآثار لم تثبت, فالقياس يقتضي
следующие страницы →