← Фатава

Фатава · id 9087

فتاوى يسألونك

حسام الدين عفانة

Полный текст (3 492 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

أن لا يصرح المتعاقدان بخلافه، فإن صرحا بخلافه فلا يعتد به. رابعاً: ليس للفقيه - مفتياً كان أو قاضياً - الجمود على المنقول في كتب الفقهاء من غير مراعاة تبدل الأعراف] مجلة مجمع الفقه الإسلامي، عدد ٥، جزء ٤، ص٢٩٢١. ويضاف إلى ما سبق أن المحاكم الشرعية في بلادنا تأخذ بهذه الأعراف الصحيحة فلا تثبت حق الطاعة للزوج ما لم يقم الزوج بما يجب القيام عليه لإتمام الزفاف وتهيئة أسبابه حسب العادة والعرف كما ورد ذلك في القرارات القضائية في الأحوال الشخصية ص ١٩٥ قرار رقم ٢٤٣٩٩. وخلاصة الأمر أن المرأة المعقود عليها ما دامت باقية في بيت أبيها فإن طاعتها واجبة لأبيها لا لزوجها وكذلك فإنها تستأذن أباها في الخروج من البيت لا زوجها وكذلك تمنع المعاشرة الجنسية بين العاقدين قبل الزفاف.

стр. 2382

متفرقات

стр. 2383

حديث السبعة الذين لا يظلهم الله بظله يوم القيامة غير ثابت يقول السائل: سمعت حديثاً من خطيب الجمعة ورد فيه: (سبعة لا يظلهم الله بظله يوم القيامة الفاعل والمفعول به, والناكح يده, وناكح البهيمة, وناكح المرأة في دبرها, وجامع بين المرأة وابنتها, والزاني بحليلة جاره, والمؤذي لجاره حتى يلعنه) فهل هذا الحديث ثابت عن النبي- ﷺ أفيدونا؟ الجواب: بعد البحث والتقصي فيما بين يدي من المصادر والمراجع لم أعثر على الحديث باللفظ المذكور ولكن وجدت الحديث بلفظ آخر ونصه (عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم، ولا يجمعهم مع العالمين، يدخلهم النار أول الداخلين، إلا أن يتوبوا، إلا أن يتوبوا، إلا أن يتوبوا، فمن تاب، تاب الله عليه، الناكح يده، والفاعل والمفعول به، والمدمن الخمر، والضارب أبويه حتى يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه، والناكح حليلة جاره) رواه البيهقي في شعب الإيمان ٤/ ٣٧٨. وقال: تفرد به مسلمة بن جعفر. وقال الحافظ ابن كثير: هذا حديث غريب وإسناده فيه من لا يعرف لجهالته. تفسير ابن كثير ٤/ ٤٦٧، وضعفه الحافظ ابن كثير أيضاً في موضع آخر لضعف راويين فيه. تفسير ابن كثير١/ ٥٢٨. وضعفه أيضاً الحافظ ابن حجر العسقلاني كما في التلخيص

стр. 2384

الحبير ٣/ ١٨٨. وورد الحديث بلفظ آخر (سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة, ولا يزكيهم, ويقول ادخلوا النار مع الداخلين: الفاعل والمفعول به, والناكح يده, وناكح البهيمة, وناكح المرأة في دبرها, وجامع بين المرأة وابنتها, والزاني بحليلة جاره, والمؤذي لجاره حتى يلعنه) وقد ضعفه العلامة الألباني بقوله: وهذا إسناد ضعيف من أجل ابن لهيعة وشيخه الإفريقي فإنهما ضعيفان ... ) السلسلة الضعيفة حديث رقم ٣١٩. وخلاصة الأمر أن الحديث المذكور في السؤال حديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به ولكن وردت أدلة ثابتة في تحريم الأمور المذكورة فيه أذكر طائفة منها على سبيل المثال لا الحصر لغاية سيأتي ذكرها لاحقاً. فمما ورد في تحريم اللواط: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي ووافقهما الألباني في إرواء الغليل ٨/ ١٧. وأما تحريم الاستمناء فيحتج له بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ سورة المؤمنون الآيات ٥ - ٧. وبهذه الآيات استدل الإمامان مالك والشافعي وغيرهما على تحريم الاستمناء. وذكر العلامة محمد أمين الشنقيطي أنه استدلال صحيح بكتاب الله. تفسير أضواء البيان٥/ ٥٢٥. وورد في الوقوع على البهيمة عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من وجدتموه وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة) رواه الترمذي وابن ماجة وغيرهما وهو حديث حسن صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/ ٧٥. وأما إتيان المرأة في دبرها فهو من المحرمات فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من أتى حائضاً أو امرأةً في دبرها أو كاهناً فقد كفر بما

стр. 2385

أنزل على محمد ﷺ ) رواه الترمذي وابن ماجة وغيرهما وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/ ٤٤. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ملعون من أتى امرأته في دبرها) رواه أبو داود وغيره وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/ ٤٠٦. وأما الجمع بين المرأة وابنتها فهو من المحرمات فقد قال تعالى عند ذكر المحرمات من النساء ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ سورة النساء الآية ٢٣. وأما الزنى بزوجة الجار فهو من كبائر الذنوب كما ورد في الحديث عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (سألت النبي ﷺ أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قلت: إن ذلك لعظيم، قلت: ثم أي؟ قال: وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال أن تزاني حليلة جارك) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية عند مسلم (قال عبد الله ﵁: قال رجل: يا رسول الله، أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: أن تدعو لله نداً وهو خلقك، قال: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قال: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك). فأنزل الله تصديقها ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ سورة الفرقان الآية ٦٨. وكذلك فإن إيذاء الجار من المحرمات فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره واستوصوا بالنساء خيراً فإنهن خلقن من ضلع وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء خيراً) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه) رواه مسلم. وقد أوردت الأدلة السابقة لأبين أن في الصحيح من الأدلة ما يغني

стр. 2386

عن الاستدلال بالضعيف على خلاف ما يفعله بعض الخطباء والمدرسين الذين لا يهتمون بمعرفة درجة الأحاديث التي يذكرونها في خطبهم ودروسهم مع أن ذلك واجب عليهم لأن المصلين يتلقون كلامهم ويسمعونه ومعظم المصلين لا يعرفون شيئاً عن الحكم على الأحاديث وأن هنالك أحاديث باطلة وأخرى مكذوبة وأخرى ضعيفة. إن واجب كل من يتصدى للتدريس أو الخطابة أو الوعظ أو التأليف أن يكون على بينة وبصيرة من الأحاديث التي يذكرها وينسبها إلى رسول الله ﷺ فإن الكذب على الرسول ﷺ ليس كالكذب على غيره فقد صح في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من كذب عليَّ عامداً متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) وهو حديث صحيح متواتر رواه البخاري ومسلم. فإن هؤلاء الخطباء والوعاظ وإن لم يتعمدوا الكذب على رسول الله ﷺ مباشرة فقد ارتكبوه تبعاً لنقلهم الأحاديث التي يقفون عليها وهم يعلمون أن فيها ما هو ضعيف وما هو مكذوب قطعاً دون أن يبينوا. قال ابن حبان في صحيحه: فصل: (ذكر أسباب دخول النار لمن نسب الشيء إلى المصطفى- ﷺ وهو غير عالم بصحته) ثم ساق بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار) وسنده حسن وأصله في الصحيحين بنحوه. ثم ذكر حديث سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : (من حدّث بحديث يُرى - بضم الياء- أنه كذب فهو أحد الكاذبين) رواه مسلم يتبين من هذه الأحاديث أنه لا يجوز نشر الأحاديث وروايتها دون التثبت من صحتها ومن فعل ذلك فهو حسبه من الكذب على رسول الله ﷺ القائل: (إن كذباً عليّ ليس كالكذب على أحد فمن كذب عليّ عامداً متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) رواه مسلم. ولو قلنا بأنه يجوز التساهل في الترغيب والترهيب ولكن لا يجوز أن يصل الأمر إلى ذكر الأحاديث الباطلة والمكذوبة وإنما العلماء تساهلوا بذكر الأحاديث الضعيفة في باب الترغيب والترهيب ولكنهم بينوا أسانيدها.

стр. 2387

قال الحافظ ابن الصلاح: [ويجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل في الأسانيد ورواية ما سوى الموضوع -أي المكذوب- من أنواع الأحاديث الضعيفة من غير اهتمام ببيان ضعفها فيما سوى صفات الله وأحكام الشريعة من الحلال والحرام وغيرهما وذلك كالمواعظ والقصص وفضائل الأعمال وسائر فنون الترغيب والترهيب وسائر ما لا تعلق له بالأحكام والعقائد] علوم الحديث ص ١١٣. وخلاصة الأمر أن الحديث المذكور في السؤال حديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به وأن في الأدلة الصحيحة ما يغني عنه فعلى الخطباء والوعاظ أن يكتفوا بالصحيح وأن يبتعدوا عن الواهي والضعيف لأنهم قد يدخلون في دائرة الكذب على سيدنا رسول الله ﷺ . شهادة البدوي على الحضري يقول السائل: إنه قرأ حديثاً عن النبي ﷺ ورد فيه أنه لا تجوز شهادة بدوي على حضري فهل هذا الحديث ثابت عن النبي ﷺ أفيدونا؟ الجواب: من المعلوم أن الأصل في الشاهد العدالة وأن يكون مرضياً كما قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ سورة الطلاق الآية ٢. وقال تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ﴾ سورة البقرة الآية٢٨٢. بالإضافة إلى الشروط الأخرى للشاهد التي ذكرها الفقهاء والعدالة في الأصل لا ارتباط لها بمكان إقامة الشاهد سواء أكان في البادية أو الحاضرة قال الشيخ ابن قدامة المقدسي [العدل هو الذي تعتدل أحواله في دينه وأفعاله قال القاضي: يكون ذلك في الدين والمروءة والأحكام ... ] المغني ١٠/ ١٤٨. وأما الحديث الذي أشار إليه السائل فقد رواه أبو داود بإسناده عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية) ورواه أيضاً ابن ماجة والحاكم والبيهقي وقال الحافظ ابن دقيق

стр. 2388

العيد: ورجاله إلى منتهاه رجال الصحيح. الإلمام بأحاديث الأحكام ص٥٢٠. وصححه العلامة الألباني كما في إرواء الغليل ٨/ ٢٩٠. وقد اختلف أهل العلم في المراد بهذا الحديث فقال جماعة من العلماء إن المقصود بالحديث هو رد شهادة البدوي مجهول العدالة وأما إذا كان عدلاً فتقبل شهادته. قال أبو بكر اِلْجَصَّاصِ: [وَاخْتُلِفَ فِي شَهَادَةِ الْبَدْوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ, فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَاللَّيْثُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ هِيَ جَائِزَةٌ إذَا كَانَ عَدْلًا وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ ... قَالَ أَبُو بَكْرٍ - الجصاص-: جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ دَلَائِلِ الْآيَةِ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ يُوجِبُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ شَهَادَةِ الْقَرَوِيِّ وَالْبَدْوِيِّ; لِأَنَّ الْخِطَابَ تَوَجَّهَ إلَيْهِمْ بِذِكْرِ الْإِيمَانِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ وَهَؤُلَاءِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُؤْمِنِينَ , ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ يَعْنِي مِنْ رِجَالِ الْمُؤْمِنِينَ الْأَحْرَارِ, وَهَذِهِ صِفَةُ هَؤُلَاءِ, ثُمَّ قَالَ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ﴾ وَإِذَا كَانُوا عُدُولاً فَهُمْ مَرْضِيُّونَ. وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى فِي شَأْنِ الرَّجْعَةِ وَالْفِرَاقِ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وَهَذِهِ الصِّفَةُ شَامِلَةٌ لِلْجَمِيعِ إذَا كَانُوا عُدُولاً, وَفِي تَخْصِيصِ الْقَرَوِيِّ بِهَا دُونَ الْبَدْوِيِّ تَرْكُ الْعُمُومِ بِغَيْرِ دَلَالَةٍ; وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُمْ مُرَادُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ وَبِقَوْلِهِ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ﴾ لِأَنَّهُمْ يُجِيزُونَ شَهَادَةَ الْبَدْوِيِّ عَلَى بَدْوِيٍّ مِثْلِهِ عَلَى شَرْطِ الْآيَةِ. وَإِذَا كَانُوا مُرَادِينَ بِالْآيَةِ فَقَدْ اقْتَضَتْ جَوَازَ شَهَادَتِهِمْ عَلَى الْقَرَوِيِّ مِنْ حَيْثُ اقْتَضَتْ جَوَازَ شَهَادَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ, وَمِنْ حَيْثُ اقْتَضَتْ جَوَازَ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً عند ذكره حديث غدير خم مرجعه ﷺ من حجة الوداع، فإنه ﷺ خطب فيه خطبة وصَّى فيها بإتباع كتاب الله، ووصَّى فيها بأهل بيته، كما روى ذلك مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم ﵁ فزاد بعض أهل الأهواء في ذلك، حتى زعموا أنه عهد إلى علي ﵁ بالخلافة بالنص الجلي، بعد أن فرش له، وأقعده على فراش عالية، وذكروا كلاماً وعملاً قد علم بالاضطرار أنه لم يكن من ذلك شيء، وزعموا أن الصحابة تمالؤا على كتمان هذا النص، وغصبوا الوصي حقه، وفسَّقوا وكفَّرُوا إلا نفراً قليلاً.] اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٢٩٣. وقال الشيخ ابن كثير: [وأما ما يفتريه كثير من جهلة الشيعة والقصاص الأغبياء من أنه أوصى - أي النبي ﷺ إلى علي بالخلافة فكذب وبهت وافتراء عظيم، يلزم منه خطأ كبير من تخوين الصحابة وممالأتهم بعده على ترك تنفيذ وصيته وإيصالها إلى من أوصى إليه وصرفهم إياها إلى غيره لا لمعنى ولا لسبب] البداية والنهاية ٧/ ٢٢٥. وخلاصة الأمر أن حديث الغدير صحيح ولكن ادعاء الشيعة بأن النبي ﷺ أوصى لعلي ﵁ بالخلافة كذب وافتراء. تمَّ الكتاب بحمد الله تعالى

стр. 2389

وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ظاهر كلام الخرقي أن شهادة البدوي على من هو من أهل القرية وشهادة أهل القرية على البدوي، صحيحة إذا اجتمعت هذه الشروط وهو قول ابن سيرين وأبي حنيفة والشافعي، وأبي ثور واختاره أبو الخطاب، وقال الإمام أحمد: أخشى أن لا تقبل شهادة البدوي على صاحب القرية فيحتمل هذا أن لا تقبل شهادته وهو قول جماعة من أصحابنا ومذهب أبي عبيد. وقال مالك كقول أصحابنا فيما عدا الجراح, وكقول الباقين في الجراح احتياطاً للدماء واحتج أصحابنا بما روى أبو داود في سننه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية) ولأنه متهم حيث عدل عن أن يشهد قروياً وأشهد بدوياً قال أبو عبيد: ولا أرى شهادتهم ردت إلا لما فيهم من الجفاء بحقوق الله تعالى والجفاء في الدين. ولنا: أن من قبلت شهادته على أهل البدو قبلت شهادته على أهل القرية كأهل القرى ويحمل الحديث على من

стр. 2390

لم تعرف عدالته من أهل البدو ونخصه بهذا لأن الغالب أنه لا يكون له من يسأله الحاكم فيعرف عدالته] المغني ١٠/ ١٤٧ - ١٤٨. وأما الذين لم يجيزوا شهادة البدوي على الحضري فيرون أن لذلك أسباباً منها أنه يغلب على أهل البادية الجهل بأحكام الدين عامة والشهادة خاصة قال الإمام الخطابي: [يشبه أن يكون إنما كره شهادة أهل البدو لما فيهم من الجفاء في الدين والجهالة بأحكام الشريعة ولأنهم في الغالب لا يضبطون الشهادة على وجهها ولا يقيمونها على حقها لقصور علمهم عما يحيلها ويغيرها عن وجهها] معالم السنن ٤/ ١٥٧. ويرى بعض أهل العلم أن رد شهادة البدوي على الحضري يعود لمكان التهمة في ترك إشهاد الحضري وإشهاد البدوي مكانه قال ابن العربي المالكي: [ ... إسْقَاطُ شَهَادَةِ الْبَادِيَةِ عَنْ الْحَاضَرَةِ. وَاخْتُلِفَ فِي تَعْلِيلِ ذَلِكَ; فَقِيلَ: لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مَرْتَبَةٌ عَالِيَةٌ, وَمَنْزِلَةٌ شَرِيفَةٌ, وَوِلَايَةٌ كَرِيمَةٌ, فَإِنَّهَا قَبُولُ قَوْلِ الْغَيْرِ عَلَى الْغَيْرِ, وَتَنْفِيذُ كَلَامِهِ عَلَيْهِ; وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي كَمَالَ الصِّفَةِ, وَقَدْ بَيَّنَّا نُقْصَانَ صِفَتِهِ فِي عِلْمِهِ وَدِينِهِ. وَقِيلَ: إنَّمَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ, لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْقِيقِ التُّهْمَةِ إذَا شَهِدَ أَهْلُ الْبَادِيَةِ بِحُقُوقِ أَهْلِ الْحَاضِرَة, وَتِلْكَ رِيبَةٌ; إذْ لَوْ كَانَ صَحِيحاً لَكَانَ أَوْلَى النَّاسِ بِذَلِكَ الْحَضَرِيُّونَ, فَعَدَمُ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُمْ وَوُجُودُهَا عِنْدَ الْبَدْوِيِّينَ رِيبَةٌ تَقْتَضِي التُّهْمَةَ, وَتُوجِبُ الرَّدَّ] أحكام القرآن ٢/ ١٠٠٦. وقال الدسوقي المالكي: [وحاصله أن تحمل الشاهد الشهادة إذا استبعده العقل أي استغربه أي نسبه للبعد والغرابة كان ذلك مبطلاً للشهادة عند أدائها. قوله: (كبدوي يستشهد) أي يطلب منه تحمل الشهادة في الحضر لحضري أو لبدوي على حضري أو على بدوي بدين أو بيع أو شراء ونحوهما مما يقصد الإشهاد عليه من سائر عقود المعاوضة ونحو الوصية والعتق والتدبير، فإذا طلب من البدوي تحمل الشهادة بشيء من ذلك في الحاضرة فلا تقبل منه إذا أداها، وذلك لأن ترك إشهاد الحضري وطلب البدوي لتحمل تلك الشهادة فيه ريبة لأن العقل يستبعد ويستغرب إحضار

стр. 2391

البدوي لتحمل الشهادة دون الحضري، وأما لو تحمل البدوي الشهادة في الحضر لحضري أو بدوي على حضري أو بدوي بحرابة أو قتل أو قذف أو جرح أو شبه ذلك كغصب وضرب وأداها، فإنها تقبل منه لعدم الاستبعاد في تحملها] حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤/ ١٧٥. وخلاصة الأمر أن الحديث المشار إليه في السؤال حديث صحيح ثابت عن النبي ﷺ ولكن الحديث محمول على من لم تثبت عدالته من البدو حيث إن القاعدة عند المحققين من أهل العلم أن الأصل في الناس الجهالة لا العدالة. فإن ثبتت عدالة البدوي فشهادته مقبولة ولا فرق بينه وبين الحضري وهذا هو المتفق مع قواعد الشرع العامة التي لا تفرق بين الناس بناءً على اختلاف موطنهم. تمَّ الكتاب بحمد الله تعالى

стр. 2392

يسألونك الجزء الحادي عشر تأليف الأستاذ الدكتور حسام الدين بن موسى عفانة منسق ماجستير الفقه والتشريع كلية الدعوة وأصول الدين / جامعة القدس

стр. 2393

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2394

مقدمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ سورة آل عمران الآية ١٠٢. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ النساء الآية ١. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ سورة الأحزاب الآيتان ٧٠ - ٧١. [أما بعد فإن أولى ما يتنافس به المتنافسون، وأحرى ما يتسابق في حلبة سباقه المتسابقون، ما كان بسعادة العبد في معاشه ومعاده كفيلاً، وعلى طريق هذه السعادة دليلاً، وذلك العلم النافع والعمل الصالح اللذان لا سعادة للعبد إلا بهما، ولا نجاة له إلا بالتعلق بسببهما، فمن رزقهما فقد فاز وغنم، ومن حرمهما فالخير كله حرم، وهما مورد انقسام العباد إلى مرحوم ومحروم، وبهما يتميز البار من الفاجر والتقي من الغوي، والظالم من المظلوم، ولما كان العلم للعمل قريناً وشافعاً، وشرفه لشرف معلومه تابعاً، كان أشرف العلوم على الإطلاق علم التوحيد، وأنفعها علم أحكام أفعال العبيد، ولا سبيل إلى اقتباس هذين النورين، وتلقي هذين العلمين، إلا من مشكاة من قامت الأدلة القاطعة على عصمته، وصرحت الكتب السماوية بوجوب طاعته ومتابعته، وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى; ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]. ولما كان التلقي عنه ﵌ على نوعين: نوع بواسطة، ونوع بغير واسطة، وكان التلقي

стр. 2395

بلا واسطة حظ أصحابه الذين حازوا قصبات السباق، واستولوا على الأمد، فلا طمع لأحد من الأمة بعدهم في اللحاق، ولكن المبرز من اتبع صراطهم المستقيم، واقتفى منهاجهم القويم والمتخلف من عدل عن طريقهم ذات اليمين وذات الشمال، فذلك المنقطع التائه في بيداء المهالك والضلال، فأي خصلة خير لم يسبقوا إليها؟ وأي خطة رشد لم يستولوا عليها؟ تالله لقد وردوا رأس الماء من عين الحياة عذباً صافياً زلالاً، وأيدوا قواعد الإسلام فلم يدعوا لأحد بعدهم مقالاً، فتحوا القلوب بعدلهم بالقرآن والإيمان، والقرى بالجهاد بالسيف والسنان، وألقوا إلى التابعين ما تلقوه من مشكاة النبوة خالصاً صافياً، وكان سندهم فيه عن نبيهم ﵌ عن جبريل عن رب العالمين سنداً صحيحاً عالياً، وقالوا: هذا عهد نبينا إلينا وقد عهدنا إليكم، وهذه وصية ربنا وفرضه علينا وهي وصيته وفرضه عليكم، فجرى التابعون لهم بإحسان على منهاجهم القويم، واقتفوا على آثارهم صراطهم المستقيم، ثم سلك تابعو التابعين هذا المسلك ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤]، وكانوا بالنسبة إلى من قبلهم كما قال أصدق القائلين: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣، ١٤]. ثم جاءت الأئمة من بعدهم، فسلكوا على آثارهم اقتصاصاً، واقتبسوا هذا الأمر من مشكاتهم اقتباساً، وكان دين الله سبحانه أجل في صدورهم، وأعظم في نفوسهم، من أن يقدموا عليه رأياً أو معقولاً أو تقليداً أو قياساً، فطار لهم الثناء الحسن في العالمين، وجعل الله سبحانه لهم لسان صدق في الآخرين، ثم سار على آثارهم الرعيل الأول من أتباعهم، ودرج على منهاجهم الموفقون من أشياعهم، زاهدين في التعصب للرجال، واقفين مع الحجة والاستدلال، يسيرون مع الحق أين سارت ركائبه، ويستقلون مع الصواب حيث استقلت مضاربه، إذا بدا لهم الدليل بِأُخْذَتِه طاروا إليه زرافات ووحداناً، وإذا دعاهم الرسول إلى أمر انتدبوا إليه ولا يسألونه عما قال برهاناً، ونصوصه أجل في صدورهم وأعظم في نفوسهم من أن يقدموا عليها قول أحد من الناس، أو يعارضوها

стр. 2396

برأي أو قياس ... ] اقتباس من مقدمة إعلام الموقعين للعلامة ابن القيم رحمة الله عليه بتصرف يسير. قلت هكذا كان الأئمة الأعلام يقتدون في العلم بمن سلف، ويبنون على ما ورثوه من السلف، فإن العلم ميراث كما قال الرسول ﷺ : (إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهما ولكن ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم وهو حديث صحيح، صححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب. فالعالم الحق هو من يبني على ما ورثه من العلم، فيزيد لبنة في بناء العلم، والجاهل من يهدم ما بناه أهل العلم زاعماً أنه من أهل التجديد، فيأتي بالغرائب والعجائب، ويشغل العامة بأقوال شاذة وأفكار غربية، ليس لها زمام ولا خطام، ولا يُبنى عليها عمل، العلم بها لا ينفع والجهل بها لا يضر، وشُغله الشاغل الطعن في ميراث العلماء، والوقيعةُ في سلف الأمة، ورميهم بالجهل تارةً، وبعدم الفهم والسذاجة تارةً أخرى، وكل هذا باسم حرية التفكير، وبحجة كم ترك الأول للآخر، وبحجج أخرى هي أوهى من بيت العنكبوت، ولا شك أن هذا من علامات أهل البدع والضلال، وهؤلاء ينبغي أن يصنفوا مع قطاع الطريق، الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون. وأما منهج الصالحين من العلماء فهو ما قرره العلامة ابن القيم رحمة الله عليه، فهو المنهج الذي يُقتدى به ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وما أحسن ما قاله الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمة الله عليه: [أما فقهاء أهلِ الحديث العاملون به؛ فإن معظم همهم البحثُ عن معاني كتاب الله ، وما يفسره من السنن الصحيحة... ثم التفقه فيها وفهمها... ومسائل الحلال والحرام وأصول السنة والزهد والرقائق وغير ذلك ... وفي معرفة هذا شُغلٌ شاغلٌ عن التشاغُل بما أُحدث من الرأي ما لا يُنَتَفع به وما لا يقع؛ وإنما يورث لتجادلُ فيه الخصومات والجدالَ وكثرَة القيل والقال!] جامع العلوم والحكَم ص ١٢٤.

стр. 2397

وقد رغبت أن أقدم بهذه المقدمة، لما رأيت من شذاذ الآفاق، من المتسورين على العلم الشرعي في بلادنا، الذين لا يرقبون في عالم من علمائنا إلاً ولا ذمة، فلم يُبقوا أحداً من سلفنا إلا طعنوه، ولا كتاباً من تراثنا إلا غمزوه، ولا قولاً مقبولاً ومسلَّماً عند سلفناً إلا نقضوه، وواجبنا أن نحذر الناس منهم، وأن نكشف ضلالاتهم وانحرافاتهم وترهاتهم، ونبين للناس (أن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم)، كما قال محمد بن سيرين، من أئمة التابعين، ونسأل الله أن يجعلنا ممن قال فيهم سيدنا رسول الله ﷺ : (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين)، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل. وختاماً فهذا هو الجزء الحادي عشر من كتابي يسألونك وأصله حلقات تنشر صباح كل يوم جمعة في جريدة القدس المقدسية، وقد سلكت فيه المنهج الذي سلكته في الأجزاء السابقة، من اعتماد على كتاب الله وعلى سنة سيدنا رسول الله ﷺ ، وعلى فهم سلف هذه الأمة، فإن أصبت فذلك الفضل من الله، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، وأختم بما قاله القاضي البيساني ﵀: [إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتاباً في يومه، إلا قال في غده لو غُير هذا لكان أحسن، ولو زِيد كذا لكان يستحسن، ولو قُدم هذا لكان أفضل، ولو تُرِك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليلٌ على استيلاء النقص على جملة البشر]. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. كتبه الأستاذ الدكتور حسام الدين بن موسى عفانة أبوديس/ القدس المحتلة صباح يوم الخميس الرابع عشر من شعبان ١٤٢٧ هـ وفق السابع من أيلول ٢٠٠٦ م.

стр. 2398

العقيدة والتفسير

стр. 2399

استعمال مصطلح العقيدة يقول السائل: ما قولكم فيمن يقول إنه لا يجوز شرعاً استعمال كلمة عقيدة، لأنها لم ترد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ ، ويقول إن كلمة عقيدة فرية وأن الاستمرار على استعمال كلمة العقيدة فيه حرمانية!! ومن يستعملها يكون من الذين يناصبون كتاب الله العداء، لأن استعمال كلمة العقيدة من تبديل كلام الله، والواجب استعمال كلمة ملة بدلاً من كلمة عقيدة، فما قولكم في هذه المقالة، أفيدونا؟ الجواب: إن هذه المقولة الظالمة فيها الخلط والخبط كخبط عشواءَ والافتراء على دين الله وعلى علماء الأمة وقبل أن أكشف عوارها أقول: إن مما ابتليت به الأمة المسلمة في زماننا هذا كثرة المتسورين على حمى العلم الشرعي من أشباه طلبة العلم الذين يظنون أنهم بلغوا رتبة الاجتهاد وصاروا كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى، بل إنهم قد يخطئون هؤلاء الأئمة الكبار وبعض هؤلاء المتعالمين لا يحسن ألف باء العلم الشرعي!! وإن من مصائب الأمة الإسلامية في هذا الزمان أن يتكلم في مسائل العلم الشرعي أشباه طلبة العلم الذين إن قرأ الواحد منهم كتاباً أو كتابين ظن نفسه من كبار العلماء ومن أهل الاجتهاد المطلق فيجعل من نفسه حكماً يحكم بين العلماء فيرد عليهم ويصحح ويخطيء كما يشاء ويهوى من دون سند ولا أثارة من علم، وهذا مع الأسف نشاهده ونسمعه باستمرار. قال الحافظ ابن عساكر يرحمه الله مخاطباً رجلاً تجرأ على العلماء: [إنما نحترمك ما احترمت الأئمة]. أيها الناس تأدبوا مع العلماء، واعرفوا لهم مكانتهم، فما فاز من فاز إلا بالأدب، وما سقط من سقط إلا بسوء الأدب. واعلموا أن الأمة لا تحترم ولا تقدر إلا من يحترم العلماء والأئمة. إذا تقرر هذا فأبين فساد تلكم المقولة الفجة فيما يلي:

стр. 2400

أولاً: صحيح أن كلمة عقيدة لم ترد في كتاب الله ولا في سنة نبيه ﷺ ، ولكن عدم ورودها فيهما لا يعني منع استعمالها، بل تحريم استعمالها كما زعم صاحب المقولة، فكم من كلمات واصطلاحات استعملها العلماء في كتبهم وكلامهم ليس لها ذكر في الكتاب ولا في السنة، وصغار طلبة العلم يعرفون ذلك فضلاً عن العلماء، وقديماً قال العلماء العبارة المشهورة (لا مشاحة في الاصطلاح) انظر تاج العروس ٤/ ١٠٢، فما زال العلماء يضعون الاصطلاحات في كل علم وفن من غير نكير من أحد، قال العلامة ابن القيم [والاصطلاحات لا مشاحة فيها إذا لم تتضمن مفسدة] مدارج السالكين ٣/ ٣٠٦. ومن قال إن كل لفظ أو اصطلاح نستعمله لا بد وأن يكون وارداً في كتاب الله وفي سنة نبيه ﷺ ، فالكتاب والسنة ليسا من المعاجم اللغوية التي استوعبت الألفاظ العربية، قال المحقق القدير الشيخ محمود شاكر رحمة الله عليه في رسالته (مداخل إعجاز القرآن): [والألفاظ التي تستقر في اللغة استقراراً شاملاً مستفيضاً، يكون من الجهل والتهور محاولة انتزاعها وإسقاطها من أقلام الكتاب، ومن كتب العلماء قديماً وحديثاً]. وقال الشيخ أبو عبد الرحمن ابن عقيل الظاهري: [من القصور في التأصيل العلمي التماس كل معنى عربي، ودعك من الاصطلاح الحاصل بعد التنزيل في كلام الله سبحانه وكلام رسوله ﷺ ، ورده لغة أو شرعاً إذا لم يوجد فيهما، لأن المعجم العربي المدون مليء بمئات المفردات والمعاني العربية التي لم ترد في الوحيين، وما في ذلك من عجب، لأن الوحيين ليسا معجماً لغوياً، وإنما هما تعبير عما أذن الله بإبلاغه شرعاً بلغة عربية مبينة من مجموع لغة العرب] عن مقال بصحيفة الجزيرة السعودية على شبكة الإنترنت. وقد ألف عدد كبير من العلماء في اصطلاحات العلوم المختلفة فمن هذه الكتب على سبيل المثال لا الحصر: مفاتيح العلوم للخوارزمي، والتعريفات للجرجاني، وكشاف

стр. 2401

اصطلاحات الفنون والعلوم للتهانوي، والكليات لأبي البقاء الكفوي، وجامع العلوم في اصطلاحات الفنون المعروف بدستور العلماء للقاضي عبد رب النبي الأحمد نكري، والتوقيف على مهمات التعاريف للمناوي، وغيرها من معاجم المصطلحات، وقد ذكر د. بكر أبو زيد أكثر من خمسين كتاباً منها، انظر فقه النوازل ١/ ١١١ - ١١٨. وإذا استعرضنا كتاباً واحداً من هذه الكتب لوجدنا اصطلاحات كثيرة جداً في الفقه وأصول الفقه والحديث والتفسير والنحو والبلاغة وغيرها ليست في الكتاب ولا في السنة ومع ذلك استعملها العلماء على مر العصور والأيام من غير نكير. ثانياً: إن الزعم بأن من يستعمل كلمة عقيدة يكون مناصباً العداء لكتاب الله، افتراء عظيم على كتاب الله وعلى أهل العلم الذين استعملوا كلمة عقيدة وما زالوا يستعملونها، وأين الدليل على العداء لكتاب الله في استعمال كلمة عقيدة؟ ومن المعلوم أن عدداً كبيراً من علماء الأمة قديماً وحديثاً استعملوا كلمة عقيدة، بل إن كثيراً من مصنفات أهل العلم حملت اسم العقيدة أو الاعتقاد أو المعتقد وهذه بعض الأمثلة: العقيدة الطحاوية لأبي جعفر الطحاوي، أصل السنة واعتقاد الدين لابن أبي حاتم الرازي، اعتقاد أئمة الحديث لأبي بكر الاسماعيلي، اعتقاد أهل السنة والجماعة للهكاري، اعتقاد الشافعي لعبد الغني المقدسي، العقائد النسفية للإمام النسفي، عقيدة أهل الأثر للمواهبي، المعتقد للأصبهاني، العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية، عقيدة السلف لأبي عثمان الصابوني، لمعة الاعتقاد لابن قدامة المقدسي، الاعتقادات للقابسي، شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة للإمام اللالكائي، الاعتقاد للبيهقي، تطهير الاعتقاد للصنعاني ويضاف إلى ذلك المئات من مؤلفات العلماء المعاصرين في العقيدة. فهل كل هؤلاء العلماء الذين ذكرتهم ومن لم أذكرهم يناصبون كتاب الله العداء؟!! وهل كل هؤلاء العلماء الذين ذكرتهم ومن لم أذكرهم مفترون على الله لأنهم استعملوا

стр. 2402

كلمة عقيدة، وهي فرية كما زعم القائل؟!! ويضاف إلى ذلك أن كل الكليات الشرعية في العالم الإسلامي تدرس طلبتها مساقات العقيدة وفي هذه الكليات ما لا يحصى من أهل العلم، فهل كل هؤلاء يناصبون كتاب الله العداء؟!! ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً﴾. ثالثاً: إن قضية التحليل والتحريم من أخطر القضايا الشرعية، يقول الله : (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) سورة النحل الآية ١١٦. قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: [ومعنى هذا أن التحليل والتحريم إنما هو لله وليس لأحد أن يقول ويصرح بهذا في عين من الأعيان إلا أن يكون الباري تعالى يخبر بذلك عنه] تفسير القرطبي ١٠/ ١٩٦. وقال الشوكاني: [وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي نضرة - هو المنذر بن مالك من التابعين - قال: قرأت هذه الآية في سورة النحل: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ) إلى آخر الآية فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومي هذا. قلت - القائل الشوكاني -: صدق ﵀ فإن هذه الآية تتناول بعموم لفظها فتيا من أفتى بخلاف ما في كتاب الله أو في سنة رسوله ﷺ كما يقع كثيراً من المؤثرين للرأي المقدمين له على الرواية أو الجاهلين لعلم الكتاب والسنة كالمقلدة وإنهم لحقيقون بأن يحال بينهم وبين فتاويهم ويمنعوا من جهالاتهم فإنهم أفتوا بغير علم من الله ولا هدى ولا كتاب منير فضلوا وأضلوا فهم ومن يستفتيهم كما قال القائل: كبهيمةٍ عمياء قاد زمامها ... أعمى على عوج الطريق الجائر] تفسير فتح القدير ٣/ ٢٠١. وقال الله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا) سورة يونس الآية ٥٩.

стр. 2403

وأود أن أطلب من هذا القائل بتحريم استعمال كلمة عقيدة، أن يأتينا بدليل التحريم من الكتاب أو من السنة؟ ولن يستطيع إلى ذلك سبيلاً. ومن جهة أخرى لو سلمنا جدلاً أن المسألة محل خلاف بين أهل العلم - وليست كذلك- فلا إنكار في مسائل الخلاف المعتبر. رابعاً: زعم القائل بأن استعمال كلمة عقيدة تبديل لكلام الله ﴿ولا مبدل لكلمات الله﴾!! فهذا قول ظاهر البطلان بل هو من أعظم الفرية على الله تعالى والكذب عليه وعلى رسوله ﷺ ، فأي تبديل لكلام الله في استعمال كلمة عقيدة، وهل هذا هو المراد بتبديل كلام الله؟ إن هذا الاستدلال من أبطل الباطل، وهو من تحميل النصوص ما لا تحتمل. وخلاصة الأمر أنه لا حرج في استعمال كلمة عقيدة ومن قال بتحريم ذلك فقد أعظم الفرية على دين الإسلام. حقوق المصطفى ﷺ على الأمة المسلمة يقول السائل: كما تعلمون فإن هنالك هجمة شرسة على رسولنا الأكرم ﷺ في بعض الدول الأوربية وغيرها وتمثل ذلك بنشر الرسوم الكاريكاتورية التي تسيء لسيدنا رسول الله ﷺ والمطلوب أن تبينوا لنا حقوق المصطفى ﷺ على الأمة المسلمة؟ الجواب: هذه الهجمة الشرسة على سيدنا رسول الله ﷺ ليست جديدة فطالما تكررت منذ بعثته ﷺ وحتى عصرنا الحاضر فقد تعرض الرسول ﷺ للأذى حال حياته كما ورد ذكره في القرآن الكريم والسنة النبوية وذكرته كتب السير أيضاً. قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ

стр. 2404

لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ... أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ سورة التوبة الآيات٦١ - ٦٣. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ سورة الأحزاب الآية ٥٧. وقال تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ سورة التوبة الآيات ٦٤ - ٦٦. وعن ابن مسعود قال: (بينما رسول الله ﷺ يصلي عند البيت وأبو جهل وأصحاب له جلوس وقد نحرت جزور بالأمس فقال أبو جهل أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيأخذه فيضعه في كتفي محمد إذا سجد، فانبعث أشقى القوم فأخذه فلما سجد النبي ﷺ وضعه بين كتفيه قال فاستضحكوا وجعل بعضهم يميل على بعض وأنا قائم أنظر لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله ﷺ والنبي ﷺ ساجد ما يرفع رأسه حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة فجاءت وهي جويرية فطرحته عنه ثم أقبلت عليهم تشتمهم فلما قضى النبي ﷺ صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم وكان إذا دعا، دعا ثلاثاً وإذا سأل سأل ثلاثاً ثم قال اللهم عليك بقريش ثلاث مرات فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته ثم قال اللهم عليك بأبي جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عقبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وذكر السابع ولم أحفظه فوالذي بعث محمداً ﷺ بالحق لقد رأيت الذين سمى صرعى يوم بدر ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر) رواه مسلم.

стр. 2405

وعن أنس ﵁ قال: (كان رجل نصرانياً فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران فكان يكتب للنبي ﷺ فعاد نصرانياً فكان يقول ما يدري محمد إلا ما كتبت له، فأماته الله فدفنوه فأصبح وقد لفظته الأرض فقالوا هذا فعل محمد وأصحابه لما هرب منهم نبشوا عن صاحبنا فألقوه فحفروا له فأعمقوا فأصبح وقد لفظته الأرض فقالوا هذا فعل محمد وأصحابه نبشوا عن صاحبنا لما هرب منهم فألقوه فحفروا له وأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا فأصبح وقد لفظته الأرض فعلموا أنه ليس من الناس فألقوه) رواه البخاري وغير ذلك من النصوص. إذا تقرر هذا فإن الواجب على المسلمين أن يتصدوا لهذه الهجمة الحاقدة على رسول الله ﷺ وعلى دين الإسلام وأن يدافعوا عن نبيهم ﷺ وعن دينهم بمختلف الوسائل المتاحة ومنها مقاطعة منتجات الدول التي صدرت تلكم الإساءات في صحفها وأجهزة إعلامها. وأما حقوق المصطفى ﷺ علينا فهي كثيرة فأول حقوق المصطفى ﷺ وجوب الإيمان به فمن المعلوم أن الشهادتين هما الركن الأول من أركان الإسلام والشطر الثاني منها هو الشهادة بأن محمداً رسول الله ﷺ وكذلك فإن من أركان الإيمان: الإيمان بالرسل ونبينا محمد ﷺ داخل في ذلك. ويدخل تحت ذلك الإيمان بعموم رسالته ﷺ إلى العالمين والإيمان بكونه ﷺ خاتم النبيين ورسالته خاتمة الرسالات. والإيمان بكون رسالته ناسخة لما قبلها من الشرائع. والإيمان بعصمته ﷺ قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ سورة الأحزاب الآية ٤٠. وقال تعالى في حق من لم يؤمن: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ

стр. 2406

سَعِيراً﴾ سورة الفتح الآية ١٣. وأما الحق الثاني له فهو طاعته ﷺ قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ سورة آل عمران الآية ١٣٢. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ سورة النساء الآيات ١٣ - ١٤. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ سورة آل عمران الآية ٣٢. وأما الحق الثالث فهو محبته ﷺ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ سورة التوبة الآية ٢٤. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ سورة البقرة الآية ١٦٥. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ سورة آل عمران الآية ٣١. وورد في حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : (يا رسول الله، لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي. فقال النبي ﷺ : (لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك). فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إليَّ من نفسي. فقال النبي ﷺ : الآن يا عمر) رواه البخاري.

стр. 2407

وقال ﷺ : (لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين) رواه مسلم. ومن محبته ﷺ الانتصار له والمحاماة عنه، ومعاداة من عاداه، قال تعالى: ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ سورة الحشر الآية ٨. ومن محبته ﷺ محبة من أحبهم الرسول ﷺ كحب آله ومحبة أصحابه فإن من أصول أهل السنة والجماعة محبة أهل بيت رسول الله ﷺ ويحفظون فيهم وصية رسول ﷺ فيهم وكذا محبة أصحابه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ ، كما وصفهم الله به في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٣/ ١٥٢ - ١٥٣. ويجب أن يعلم أن المحبة الصادقة للرسول ﷺ تكون في اتباعه ﷺ . وأما الحق الرابع فهو وجوب الإيمان بعصمته ﷺ قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ سورة النجم الآيتان ٢ - ٣. وأما الحق الخامس فهو وجوب تعزيره وتوقيره وتعظيمه ﷺ قال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ سورة الفتح الآية رقم ٩، قال ابن عباس: ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ يعني التعظيم". وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ

стр. 2408

كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ سورة الحجرات الآية ٢. ويدخل في ذلك تعظيم الأمة للنبي ﷺ بعد مماته. وأما الحق السادس فهو الصلاة والسلام عليه ﷺ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ سورة الأحزاب الآية ٥٦، وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من صلى عليَّ واحدةً صلى الله عليه عشراً) رواه مسلم. وأما الحق السابع فهو وجوب التحاكم إليه والرضي بحكمه ﷺ كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ سورة النساء الآية ٥٩، وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ سورة النساء الآية ٦٥. ويكون التحاكم إلى سنته وشريعته بعده ﷺ . وأخيراً لا بد من التنبيه على بعض الأمور الهامة: فمنها أن هؤلاء الذين يسبون محمداً ﷺ الآن، قد سبوا الله جل وعلا من قبل بل ورد ذلك في كتبهم المقدسة بزعمهم فقد اتهموا الله بأنه رب يأمر أحد أنبيائه بالزنا كما جاء في كتابهم المقدس: (أول ما كلم الرب هوشع قال الرب لهوشع اذهب خذ لنفسك امرأة زنى وأولاد زنى لأن الأرض قد زنت زنى تاركة الرب). وقد وصفوا الله بالجهل كما جاء على لسان رسولهم بولص (لأن جهالة الله أحكم من الناس وضعف الله أقوى من الناس) وغير ذلك كثير. ومنها ينبغي الاهتمام بسيرة الرسول ﷺ الصحيحة وتدريسها للناس ولطلبة العلم في جميع مستوياتهم وأخذ العبر

стр. 2409

منها. ومنها تربية الأبناء على محبة الرسول ﷺ وعلى الاقتداء بالرسول ﷺ في جميع أحواله. ومنها التحذير من الغلو في الرسول ﷺ لأن الله تعالى قد نهى عن الغلو ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ سورة المائدة الآية ٧٧. وقد قال ﷺ (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله) رواه البخاري وقال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ سورة الأعراف الآية ١٨٨. ومنها أنه يحرم الاعتداء على من يعيشون في ديارنا من أهل تلك الدول التي نشرت فيها الإساءات للنبي ﷺ . وختاماً أنصح بقراءة كتب السيرة وخاصة ما كتب عن حقوق المصطفى ﷺ من كتب ومقالات على شبكة الإنترنت ومن أحسنها رسالة علمية بعنوان [حقوق النبي ﷺ على أمته في ضوء الكتاب والسنة تأليف د. محمد بن خليفة التميمي].

стр. 2410

الدفاع عن سيدنا رسول الله ﷺ ومقاطعة الذين اعتدوا على مقامه الشريف يقول السائل: على إثر الهجمة القذرة على سيدنا رسول الله ﷺ والمتمثلة بنشر الرسوم الكاريكاتورية التي تسيء لسيدنا رسول الله ﷺ تداعى المسلمون إلى مقاطعة البضائع الدنماركية وقد سمعنا من يشكك في شرعية المقاطعة الاقتصادية فما قولكم في ذلك؟ الجواب: إن من أعظم واجبات الأمة المسلمة تجاه رسولها ﷺ هي تعظيمه ﷺ وتعزيره وتوقيره ﷺ كما قال تعالى ﴿إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً﴾ سورة الفتح الآيتان رقم ٨ - ٩، قال الشيخ ابن كثير: [﴿لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه﴾ قال ابن عباس ﵄ وغير واحد: تعظموه ﴿وتوقروه﴾ من التوقير وهو الاحترام والإجلال والإعظام.] تفسير ابن كثير ٥/ ٦١٣. ولا شك أن نصرة النبي ﷺ والدفاع عنه داخلة في تعظيمه وتوقيره ﷺ وهذا من المقاصد المطلوبة شرعاً وبناءً على ذلك فكل وسيلة شرعية تؤدي إلى هذا المقصد الشريف مطلوبة لأن للوسائل أحكام المقاصد كما قرر أهل العلم، قال الإمام العز بن عبد السلام: [للوسائل أحكام المقاصد فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل] قواعد الأحكام ١/ ٤٦. وقال الإمام القرافي: [اعلم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها وتكره وتندب وتباح فإن الذريعة هي الوسيلة فكما أن وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة كالسعي للجمعة والحج وموارد الأحكام على قسمين: مقاصد وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها. ووسائل: وهي الطرق المفضية إليها وحكمها حكم ما أفضت إليه

стр. 2411

من تحريم وتحليل غير أنها أخفض رتبة من المقاصد في حكمها والوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل وإلى ما يتوسط متوسطة ومما يدل على حسن الوسائل الحسنة قوله تعالى (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح) فأثابهم الله على الظمأ والنصب وإن لم يكونا من فعلهم بسبب أنهما حصلا لهم بسبب التوسل إلى الجهاد الذي هو وسيلة لإعزاز الدين وصون المسلمين فيكون الاستعداد وسيلة الوسيلة] الفروق ٢/ ٣٣، فالمقاطعة الاقتصادية لمنتجات الدول التي تهجم أتباعها على رسولنا ﷺ وسيلة مشروعة لنصرة النبي ﷺ وتعظيمه وتوقيره. وخاصة أننا لمسنا استكبار قادة تلك الدول في رفضهم الاعتذار للمسلمين بل نقل عن بعضهم قوله إن اعتذار أي شخص دنمركي للمسلمين يعد خيانة للوطن. ومما يدل على مشروعية المقاطعة الاقتصادية ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال بعث رسول الله ﷺ خيلاً قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال ماذا عندك يا ثمامة؟ فقال عندي يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا دم وإن تُنعم تنعم على شاكر وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت فتركه رسول الله ﷺ حتى كان بعد الغد فقال ما عندك يا ثمامة؟ قال ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر وإن تقتل تقتل ذا دم وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت فتركه رسول الله ﷺ حتى كان من الغد فقال ماذا عندك يا ثمامة؟ فقال عندي ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر وإن تقتل تقتل ذا دم وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت فقال رسول الله ﷺ أطلقوا ثمامة فانطلق إلى نخل قريب من

стр. 2412

المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إليَّ والله ما كان من دين أبغض إليَّ من دينك فأصبح دينك أحب الدين كله إليَّ والله ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إليَّ وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى فبشره رسول الله ﷺ وأمره أن يعتمر فلما قدم مكة قال له قائل: أصبوت؟ فقال: لا ولكني أسلمت مع رسول الله ﷺ ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ . قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله: (لا تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي ﷺ زاد ابن هشام " ثم خرج إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئاً، فكتبوا إلى النبي ﷺ : إنك تأمر بصلة الرحم، فكتب إلى ثمامة أن يخلي بينهم وبين الحمل إليهم] فتح الباري ٨/ ١١١. وما قام به ثمامة بن أثال ﵁ يعتبر نوعاً من المقاطعة الاقتصادية وقد أقره النبي ﷺ على تلك المقاطعة الاقتصادية واستمرت تلك المقاطعة إلى أن طلب الرسول ﷺ من ثمامة بن أثال وقفها، وفي ذلك قال الشاعر: ... وثمامةُ بن أَثالٍ الحنفيِّ قد ... نفض الغبار عن الحقيقة وابتهلْ وأبى على الكفَّار حَبَّةَ حنطةٍ ... إلا إذا أَذِنَ الرسولُ وقد فَعَلْ وينبغي التذكير بالمقاطعة التي تعرض لها الرسول ﷺ وقومه في مكة من كفار قريش فلجأوا إلى شعب أبي طالب، فقد روى البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد قال قلت يا رسول الله أين تنزل غداً في حجته قال وهل ترك لنا عقيل منزلاً ثم قال نحن نازلون غداً بخيف بني كنانة المحصب حيث قاسمت قريش على الكفر وذلك أن بني كنانة حالفت قريشاً على بني هاشم أن لا يبايعوهم ولا يؤووهم قال

стр. 2413

الزهري والخيف الوادي. ومما يدل على جواز المقاطعة ما فعله النبي ﷺ أثناء حصار بني النضير من محاربتهم اقتصادياً بقطع نخيلهم وتحريقه فعن ابن عمر ﵄ قال حرق رسول الله ﷺ نخل بني النضير وقطع وهي البويرة فنزلت ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله﴾ رواه البخاري ومسلم. ومما يدل على جواز المقاطعة أيضاً أن النبي ﷺ بدأ بعد الهجرة النبوية بمحاربة قريش اقتصادياً فكانت غزوة العشيرة وغيرها من الغزوات وبعض السرايا التي بعثها الرسول ﷺ لتحقيق ذلك الهدف ولا شك أن المقاطعة الاقتصادية داخلة في ذلك. قال الإمام البخاري [باب غزوة العشيرة أو العسيرة قال ابن إسحاق أول ما غزا النبي ﷺ الأبواء ثم بواط ثم العشيرة] قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [ ... وذكر الواقدي أن هذه السفرات الثلاث كان يخرج فيها ليلتقي تجار قريش حين يمرون إلى الشام ذهابا وإياباً ... وقد تقدم في - كتاب - العلم البيان عن سرية عبد الله بن جحش وأنه ومن معه لقوا ناساً من قريش راجعين بتجارة من الشام فقاتلوهم، واتفق وقوع ذلك في رجب، فقتلوا منهم وأسروا وأخذوا الذي كان معهم، وكان أول قتل وقع في الإسلام وأول مال غنم ... وذكر ابن سعد أن المطلوب في هذه الغزاة هي عير قريش التي صدرت من مكة إلى الشام بالتجارة ففاتتهم، وكانوا يترقبون رجوعها فخرج النبي ﷺ يتلقاها ليغنمها، فبسبب ذلك كانت وقعة بدر .. ] فتح الباري ٧/ ٣٤٧ - ٣٤٩. وغير ذلك من الأدلة الكثيرة. وخلاصة الأمر أن المقاطعة الاقتصادية وسيلة مشروعة للدفاع عن الرسول ﷺ لردع المعتدين ولإجبار تلك الدول لتسن التشريعات التي تعاقب كل من

стр. 2414

يسيء إلى دين الإسلام، وعلى المسلمين كافة أن يسهموا في المقاطعة حتى تكون مؤثرة وقوية. ... صيانة الأوراق المكتوب فيها ذكر الله يقول السائل: كيف نتعامل مع الصحف والمجلات والنشرات والأوراق التي يذكر فيها آيات من القرآن الكريم أو أسماء الله الحسنى وخاصة أننا نرى الشوارع والطرقات قد امتلأت بها أثناء فترة الدعاية للانتخابات فما قولكم أفيدونا؟ الجواب: إن تعظيم شعائر الله فريضة من فرائض الله يقول الله تعالى ﴿ذلك وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ سورة الحج الآية ٣٢. ويقول تعالى ﴿ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه﴾ سورة الحج الآية ٣٠. قال الإمام القرطبي [﴿ومن يعظم شعائر الله﴾ الشعائر جمع شعيرة، وهو كل شيء لله تعالى فيه أمر أشعر به وأعلم .... فشعائر الله أعلام دينه لا سيما ما يتعلق بالمناسك ... ] تفسير القرطبي ١٢/ ٥٦. ولا شك أن الآيات القرآنية وأسماء الله الحسنى من شعائر الله التي يجب تعظيمها وقد ورد عن عمر ﵄ أنه قال: (عظموا القرآن) تفسير القرطبي ١/ ٢٩. وقال الإمام النووي: [أجمع المسلمون على وجوب صيانة المصحف واحترامه] التبيان في آداب حملة القرآن ص ١٠٨. وقد عظم النبي ﷺ التوراة ووضعها على الوسادة تكريماً لها كما ورد في الحديث عن ابن عمر ﵄ قال أتى نفر من يهود فدعوا رسول الله ﷺ إلى القف - اسم واد بالمدينة - فأتاهم في بيت المدراس - هو البيت الذي يدرسون فيه - فقالوا يا أبا القاسم إن رجلاً منا زنى بامرأة فاحكم بينهم فوضعوا لرسول الله ﷺ وسادة فجلس عليها ثم قال بالتوراة فأتي بها فنزع

стр. 2415

الوسادة من تحته فوضع التوراة عليها ثم قال آمنتُ بكِ وبمن أنزلك ثم قال ائتوني بأعلمكم فأتي بفتى شاب ثم ذكر قصة الرجم) رواه أبو داود وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في إرواء الغليل ٥/ ٩٤، وفي صحيح سنن أبي داود ٣/ ٨٤٣. قال أبو الطيب الأبادي: [(ووضع التوراة عليها): أي على الوسادة والظاهر أنه ﷺ وضع التوراة على الوسادة تكريماً لها، ويؤيده قوله ﷺ : آمنت بك وبمن أنزلك] عون المعبود شرح سنن أبي داود ١٢/ ٨٩. فإذا كان هذا تكريم النبي ﷺ للتوراة فلا شك أن المصحف أولى بالتكريم. ومما يؤسف له ما نراه في أيامنا هذه من امتهان للآيات القرآنية وكذا الأوراق التي فيها ذكر لله حيث ترى كثيراً من الأوراق التي فيها ذكر الله تعالى وقد امتلأت بها الشوارع ويدوسها الناس بأقدامهم وكثير منها رمي في حاويات القمامة ويتعامل بعض الناس معها باستخفاف وامتهان وسأذكر بعض التصرفات المحرمة والمكروهة في هذا المجال والتي ينبغي للمسلم أن لا يفعلها: فمنها رمي أوراق من المصحف والأوراق التي فيها ذكر لله أو اسم رسوله ﷺ في الطرقات والشوارع مما يعرضها للامتهان. ومنها اتخاذ الجرائد التي كتب فيها شيء من الآيات القرآنية كمفارش للطعام وكذا الأوراق التي فيها ذكر لله أو اسم رسوله ﷺ . ومنها لف السلع بالجرائد التي كتب فيها شيء من الآيات القرآنية وكذا الأوراق التي فيها ذكر لله أو اسم رسوله ﷺ . ومنها الجلوس على الجرائد التي كتب فيها شيء من الآيات القرآنية وكذا الأوراق التي فيها ذكر لله أو اسم رسوله ﷺ . ومنها الصلاة على الجرائد التي كتب فيها شيء من الآيات القرآنية وكذا

стр. 2416

الأوراق التي فيها ذكر لله أو اسم رسوله ﷺ . ومنها استعمال الجرائد التي كتب فيها شيء من الآيات القرآنية وكذا الأوراق التي فيها ذكر لله أو اسم رسوله ﷺ وسيلة للتنظيف ومسح السيارات بها ومن باب أولى حرمة استعمالها في إزالة النجاسات. ومنها توسد المصحف أي اتخاذه وسادة وكذا الاتكاء عليه. ومنها وضع الكتب فوق المصحف الشريف. بل يجب أن يكون المصحف فوقها جميعاً. ومنها دخول المرحاض بالمصحف أو أية أوراق فيها ذكر الله أو اسم رسوله ﷺ . ومنها أن يمد الانسان رجليه باتجاه المصحف وكذا كتب العلم الشرعي. ومنها لا يجوز أن يكتب شيء من القرآن على الملابس ولا يجوز أن تطرز الملابس بالآيات القرآنية. ومنها لا يجوز كتابة آية من آيات القرآن الكريم كآية الكرسي على القطع الذهبية وخاصة تلك التي تستعملها النساء والأطفال. ومنها لا يجوز كتابة لفظ الجلالة الله أو لفظ محمد ﷺ على القطع الذهبية وخاصة تلك التي تستعملها النساء والأطفال أيضاً. ومنها وضع المصحف الشريف مع الميت عند دفنه. وهكذا الحكم في كل أمر يؤدي إلى امتهان آية من القرآن الكريم أو اسم من أسماء الله أو حديث من أحاديث الرسول ﷺ أو اسم الرسول ﷺ . وقد نص أهل العلم على وجوب احترام المصحف والأوراق التي كتبت فيها الآيات القرآنية وكذا ما كتب فيه ذكر الله ، قال الإمام النووي [أجمع العلماء على

стр. 2417

وجوب صيانة المصحف واحترامه فلو ألقاه والعياذ بالله في قاذورة كفر] المجموع ٢/ ٧٣. وقال الإمام النووي أيضاً: [قال القاضي حسين وغيره لا يجوز توسد المصحف ولا غيره من كتب العلم قال القاضي إلا أن يخاف عليه السرقة فيجوز وهذا الاستثناء فيه نظر والصواب منعه في المصحف وان خاف السرقة] المجموع ٢/ ٧٠. وقال الشيخ ابن حجر المكي الهيتمي: في جواب سؤال [هل يحرم دوس الورق أو الخرقة المكتوب عليها اسم الله واسم رسوله ﷺ (فأجاب) بقوله: نعم يحرم دوس ذلك؛ لأن فيه إهانة له ... بل أولى وينبغي أن يلحق بذلك كل اسم معظم ... ] الفتاوى الفقهية الكبرى١/ ٣٥. وقال الشيخ المرداوي الحنبلي [أما دخول الخلاء بمصحف من غير حاجة فلا شك في تحريمه قطعاً، ولا يتوقف في هذا عاقل.] الإنصاف١/ ٩٤. وقال الشيخ ابن مفلح الحنبلي المقدسي: [ويكره توسد المصحف ذكره ابن تميم وذكره في الرعاية وقال بكر بن محمد كره أبو عبد الله أن يضع المصحف تحت رأسه فينام عليه قال القاضي: إنما كره ذلك لأن فيه ابتذالاً له ونقصاناً من حرمته فإنه يفعل به كما يفعل بالمتاع. واختار ابن حمدان التحريم وقطع به في المغني والشرح كما سيأتي في الفصل بعده، وكذا سائر كتب العلم إن كان فيها قرآن وإلا كره فقط وقال أحمد في رواية نعيم بن ناعم وسأله أيضع الرجل الكتب تحت رأسه؟ قال أي كتب؟ قلت كتب الحديث قال: إذا خاف أن تسرق فلا بأس وأما أن تتخذه وسادة فلا. وروى الخلال في الأخلاق عنه أنه كان في رحلته إلى الكوفة أو غيرها في بيت ليس فيه شيء وكان يضع تحت رأسه لبنة ويضع كتبه فوقها. وقال ابن عبد القوي في كتابه مجمع البحرين أنه يحرم الاتكاء على المصحف وعلى كتب الحديث وما فيه شيء من القرآن اتفاقا انتهى كلامه. ويقرب من ذلك مد الرجلين إلى شيء من ذلك وقال الحنفية يكره لما فيه من أسماء الله تعالى وإساءة الأدب قال أبو زكريا النووي ﵀ أجمع

стр. 2418

المسلمون على وجوب تعظيم القرآن العزيز على الإطلاق وتنزيهه وصيانته.] الآداب الشرعية ٢/ ٢٨٥ - ٢٨٦. وأخيراً أنبه إلى جواز حرق أوراق المصحف التالف أو دفنها في أرض طيبة طاهرة أو تمزيقها بواسطة فرّامات الورق المعروفة وقد روى البخاري عن عثمان ﵁ أنه بعد أن نسخ المصاحف: (أمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق). وروى أبو بكر بن أبي داود عن طاووس بإسناده: [أنه لم يكن يرى بأساً أن تحرق الكتب، وقال: إن الماء والنار خلق من خلق الله] وإسناده صحيح غاية المرام ٢/ ١٢٢. وخلاصة الأمر أنه يجب تعظيم واحترام كل ما كتب فيه كلام الله أو ذكر الله تعالى وكلام رسوله ﷺ لأن في ذلك تعظيماً لشعائر الدين ﴿ذلك وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. حكم الاستهزاء بالصلاة وبالمصلين يقول السائل: ما حكم الاستهزاء بالصلاة وحكم الاستهزاء بالمصلين؟ الجواب: الأصل في المسلم أنه معظم لشعائر الله كما قال تعالى: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) سورة الحج الآية ٣٢. قال الإمام القرطبي [﴿ومن يعظم شعائر الله﴾ الشعائر جمع شعيرة، وهو كل شيء لله تعالى فيه أمر أشعر به وأعلم .... فشعائر الله أعلام دينه لا سيما ما يتعلق بالمناسك ... ] تفسير القرطبي ١٢/ ٥٦. وقد اتفق الفقهاء على كفر من استخف بالأحكام الشرعية من حيث كونها أحكاماً شرعية، مثل الاستخفاف بالصلاة، أو الزكاة، أو الحج، أو الصيام، أو الاستخفاف بحدود الله كحد السرقة والزنى. الموسوعة الفقهية الكويتية ٣/ ٢٥١.

стр. 2419

وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي [ومن سبَّ الله تعالى، كفر سواء كان مازحاً أو جاداً وكذلك من استهزأ بالله تعالى أو بآياته أو برسله، أو كتبه قال الله تعالى: ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ وينبغي أن لا يُكتفى من الهازئ بذلك بمجرد الإسلام حتى يؤدب أدباً يزجره عن ذلك، فإنه إذا لم يُكتف ممن سب رسول الله ﷺ بالتوبة فممن سب الله تعالى أولى] المغني ٩/ ٢٨ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [إن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر، يكفر به صاحبه بعد إيمانه] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٧/ ٢٧٣. والاستهزاء بالإسلام وبشعائر الدين من أخلاق الكافرين والمنافقين قال الله تعالى: ﴿ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزواً﴾ سورة الكهف الآية ٥٦، وقال : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ سورة التوبة الآيتان ٦٥ - ٦٦. فهاتان الآيتان نزلتا في بعض المنافقين كما قال الشيخ ابن كثير ﵀: [قال أبو معشر المديني عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: قال رجل من المنافقين ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطوناً وأكذبنا ألسنةً وأجبننا عند اللقاء فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ فجاء إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته فقال يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب فقال: (أبالله وآياته كنتم تستهزؤون؟ إلى قوله - كانوا مجرمين .. الخ]. وذكر ابن كثير ﵀ بعض الروايات الأخرى في سبب نزول الآيات: منها أن جماعة من المنافقين كانوا يسيرون مع الرسول ﷺ وهو منطلق إلى غزوة تبوك فقال بعضهم لبعض أتحسبون جلاد بني الأصفر- قتال الروم - كقتال

стр. 2420

العرب بعضهم بعضاً؟ والله لكأنا بكم غداً مقرنين في الحبال، إرجافاً وترهيباً للمؤمنين .. الخ.] تفسير ابن كثير ٢/ ٣٦٧. ولا شك أن الصلاة هي عمود الإسلام وهي ركن من أركان الإسلام فمن استهزأ بالصلاة فقد كفر وخرج من الدين يقول الله تعالى ﴿وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً ذلك بأنهم قوم لا يعقلون﴾ سورة المائدة الآية ٥٨. قال الإمام ابن العربي المالكي [كان المشركون واليهود والمنافقون إذا سمعوا النداء إلى الصلاة وقعوا في ذلك وسخروا منه ; فأخبر الله سبحانه بذلك عنهم، ... روي أن رجلاً من النصارى، وكان بالمدينة، إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمداً رسول الله قال: حرق الكاذب، فسقطت في بيته شرارة من نار وهو نائم، فتعلقت النار بالبيت فأحرقته، وأحرقت ذلك الكافر معه ; فكانت عبرة للخلق.] أحكام القرآن ٢/ ٦٣٤ - ٦٣٥. ويجب أن يعلم أنه لا فرق بين أن يكون المستهزئ جاداً أو مازحاً هازلاً فإن أحكام الشرع محترمة لا يجوز اللعب بها لا في حال الجد ولا في حال المزاح والله يقول: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ وهؤلاء الذين نزلت فيهم الآية قالوا للرسول ﷺ إنهم كانوا يمزحون ويتكلمون كلاماً لا يقصدونه وإنما يتحدثون ليصرفوا عنهم عناء الطريق فأحكام الشرع لا يدخلها المزاح ولا الهزل بحال من الأحوال. قال الإمام ابن العربي المالكي [لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جداً أو هزلاً، وهو كيفما كان كفر ; فإن الهزل بالكفر كفر، لا خلاف فيه بين الأمة، فإن التحقيق أخو الحق والعلم، والهزل أخو الباطل والجهل] أحكام القرآن ٢/ ٩٧٦. وإن الاستهزاء بمن يلتزم بأحكام الشرع، هو استهزاء بالشرع ذاته، فمن يسخر ويستهزئ بمن يصلي يكون مستهزئاً بالصلاة وهذا كفر والعياذ بالله. وقد سئل الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين عن حكم من يسخر بالملتزمين بدين
следующие страницы →