Полный текст (3 492 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
متنوعة للشيخ ابن باز ٦/ ٣٧١.
وخلاصة الأمر أن حديث (تعلموا السحر ولا تعملوا به) حديث باطل ويحرم تعلم السحر وتعليمه.
معنى الحديث (إن من البر بعد البر أن تصلي لهما - الوالدان - مع صلاتك)
يقول السائل: سمعت في إحدى المواعظ حديثاً في بر الوالدين بعد موتهما وفيه أن يصلي لهما مع صلاته فأرجو توضيح ذلك؟
الجواب: الحديث المشار إليه في السؤال هو ما رواه الدارقطني أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن لي أبوين وكنت أبرهما حال حياتهما. فكيف بالبر بعد موتهما؟ فقال النبي ﷺ (إن من البر بعد البر أن تصلي لهما مع صلاتك وأن تصوم لهما مع صيامك وأن تصدق لهما مع صدقتك).
وورد في معناه عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي قال بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما قال نعم الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما من بعدهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما) رواه أبو داود وابن ماجة وابن حبان، ووقع خلاف بين أهل الحديث في حكم هذا الحديث فقد رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي وقال الحافظ العراقي: أخرجه أبو داود وابن ماجة بإسناد حسن، والحديث ضعفه آخرون منهم شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى والعلامة الألباني كما في ضعيف سنن أبي داود وفي ضعيف سنن ابن ماجة. ورواه ابن أبي شيبة في المصنف عن أبي أسيد الساعدي قال: (بينما أنا جالس عند النبي ﷺ أتاه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء بعد موتهما أبرهما به؟ قال: نعم أربع خصال الدعاء لهما والاستغفار لهما
стр. 2592
وإنفاذ وعدهما وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما). وقال الشيخ الألباني ضعيف انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة ٢/ ٦٢.
والحديث أشار إليه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه فقال [ ... وقال محمد سمعت أبا إسحق إبراهيم بن عيسى الطالقاني قال قلت لعبد الله بن المبارك يا أبا عبد الرحمن الحديث الذي جاء إن من البر بعد البر أن تصلي لأبويك مع صلاتك وتصوم لهما مع صومك قال فقال عبد الله يا أبا إسحق عمن هذا قال قلت له هذا من حديث شهاب ابن خراش فقال ثقة عمن قال قلت عن الحجاج بن دينار قال ثقة عمن قال قلت قال رسول الله ﷺ قال يا أبا إسحق إن بين الحجاج بن دينار وبين النبي ﷺ مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي ولكن ليس في الصدقة اختلاف]
وقال الإمام النووي: [معنى هذه الحكاية أنه لا يقبل الحديث إلا بإسناد صحيح. وقوله: (مفاوز) جمع مفازة وهي الأرض القفر البعيدة عن العمارة وعن الماء التي يخاف الهلاك فيها، قيل: سميت مفازة للتفاؤل بسلامة سالكها كما سموا اللديغ سليماً، وقيل: لأن من قطعها فاز ونجا، وقيل: لأنها تهلك صاحبها يقال: فوز الرجل: إذا هلك. ثم إن هذه العبارة التي استعملها هنا استعارة حسنة وذلك لأن الحجاج بن دينار هذا من تابعي التابعين، فأقل ما يمكن أن يكون بينه وبين النبي ﷺ اثنان التابعي والصحابي فلهذا قال بينهما مفاوز أي: انقطاع كثير. وأما قوله: (ليس في الصدقة اختلاف) فمعناه أن هذا الحديث لا يحتج به، ولكن من أراد بر والديه فليتصدق عنهما فإن الصدقة تصل إلى الميت وينتفع بها بلا خلاف بين المسلمين وهذا هو الصواب] شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ٧٩ - ٨٠.
إذا تقرر هذا فإن الحديث لو صح لكان معنى قول النبي ﷺ (أن تصلي لهما مع صلاتك). وقوله ﷺ في الرواية الأخرى (الصلاة عليهما) هو الدعاء لهما وليس المراد الصلاة المعروفة، فإن من المقرر عند جماهير أهل
стр. 2593
العلم أنه لا يصلي أحد عن أحد وإنما يصلي كل إنسان عن نفسه والنيابة لا تدخل الصلاة. ويؤيد ذلك ما ورد في رواية ابن أبي شيبة وفيها (قال: نعم أربع خصال الدعاء لهما والاستغفار لهما) حيث ذكر الدعاء لهما بدل الصلاة عليهما.
وقد اتفق العلماء على أن الميت ينتفع بدعاء الحي قال الإمام النووي: [أجمع العلماء على أن الدعاء للأموات ينفعهم ويصل ثوابه إليهم] الأذكار ص ١٤٠. ويدل على ذلك قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) سورة الحشر آية ١٠.
ويدل على ذلك أيضاً ما ثبت في الحديث من قوله ﷺ (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم. ويدل على ذلك أيضاً قول النبي ﷺ (اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد) رواه مسلم.
وروى الإمام مسلم بإسناده عن جبير بن نفير سمعه يقول سمعت عوف بن مالك يقول صلى رسول الله ﷺ على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول (اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس وأبدله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله وزوجاً خيراً من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر أو من عذاب النار قال حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت).
وروى الإمام الترمذي عن يحيى بن أبي كثير حدثني أبو إبراهيم الأشهلي عن أبيه قال: (كان رسول الله ﷺ إذا صلى على الجنازة قال اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا) وهو حديث حسن صحيح كما قال الإمام الترمذي.
стр. 2594
ومن الأمور التي اتفق العلماء على أن الميت ينتفع بها ويصل ثوابها له الصدقة عنه، وكذلك فإن المتصدق ينتفع بتلك الصدقة أيضاً ويدل على ذلك أحاديث وردت عن الرسول ﷺ منها: عن ابن عباس ﵁ أن سعد بن عبادة ﵁ توفيت أمه وهو غائب عنها فقال: يا رسول الله إن أمي توفيت وأنا غائب عنها فهل ينفعها إن تصدقت بشيء عنها؟ قال: نعم، فقال: فإني أشهدك أن حائط المخراف صدقة عنها) رواه البخاري وغيره. وحائط المخراف: بستان نخل وعنب كان لسعد ﵁ فتصدق به عن أمه.
وعن عائشة ﵂ أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ : إن أمي أفتلتت نفسها - أي ماتت فجأة - ولم توص وأظنها تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها ولي أجر؟ قال: نعم فتصدق عنها) رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ (إن رجلاً قال للنبي ﷺ : أبي مات وترك مالاً ولم يوص فهل يكفر عنه إن تصدقت عنه؟ قال: نعم) رواه مسلم وغيره
ومن الأمور التي تصل إلى الميت وينتفع بها الحج والعمرة عنه حج الفريضة والنافلة أو النذر وكذا العمرة وقد وردت الأحاديث بذلك فمنها:
عن ابن عباس قال: أمرت امرأة سنان بن سلمة الجهني أن تسأل رسول الله ﷺ : (أن أمها ماتت ولم تحج أفيجزى أن تحج عنها؟ قال: نعم، لو كان على أمها دين فقضته عنها ألم يجزيء عنها فلتحج عن أمها) رواه النسائي وقال الألباني صحيح الإسناد.
وعن ابن عباس أن امرأة نذرت أن تحج فماتت فأتى أخوها النبي ﷺ فسأله عن ذلك فقال: أرأيت لو كان على أختك دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم، قال: فاقضوا الله فهو أحق بالوفاء) رواه البخاري وغيره.
وهنالك أعمال أخرى ينتفع بها الميت على قول طائفة من أهل العلم كتلاوة القرآن وجعل ثواب التلاوة للميت
стр. 2595
والأضحية عن الميت. فهذه الأمور تعتبر من بر الوالدين والإحسان لهما بعد وفاتهما.
وخلاصة الأمر أن الحديث الذي أشار إليه السائل مختلف فيه وإن سلمنا بصحته فالمراد من الصلاة على الوالدين الدعاء لهما وليس المقصود الصلاة المعروفة.
معنى الحديث (ثلاثة يدعون فلا يستجاب لهم)
يقول السائل: إنه قرأ في كتاب عن صلاة الاستخارة حديثاً عن النبي ﷺ ونصه: (ثلاثة يدعون فلا يستجاب لهم: رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل كان له على رجل مال فلم يشهد عليه، ورجل آتى سفيهاً ماله وقد قال الله : ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾) وأن مؤلف الكتاب شرح الحديث على أن من ذكروا في الحديث لا يستجاب دعاؤهم إذا استخاروا، فهل الحديث ثابت عن النبي ﷺ وما قولكم في معنى الحديث؟
الجواب: هذا الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك وقال: [هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه] ووافقه الذهبي وصححه العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة المجلد الرابع حديث رقم ١٨٠٥.
ومعنى الحديث أن الثلاثة المذكورين لا يستجاب دعاؤهم في الحالات التي ذكروا فيها: أما الأول فرجل كان متزوجاً من امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، فإذا دعا عليها فلا يستجاب له، لأنه كان قادراً على طلاقها بعد أن لم يصلح حالها ولم ترجع عن أخلاقها السيئة، فلما رضي بسوء أخلاقها فلا يستجاب له إذا دعا عليها بعد ذلك. وأما الثاني: فرجل كان له على رجلٍ مال فلم يشهد عليه أي أنه داين غيره مالاً بدون أن يوثق الدين وبدون الإشهاد عليه فأنكره المدين فصاحب الدين قصر في حفظ حقه فإذا دعا على المدين فلا يستجاب له. وأما الثالث فرجل آتى سفيهاً ماله مخالفاً قول الله : ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ ثم دعا على ذلك السفيه الذي بدد المال فحينئذ لا
стр. 2596
يستجاب دعاؤه عليه.
قال الإمام الطحاوي في شرح الحديث [ثم تأملنا معنى هذا الحديث فوجدنا الله قد علَّم عباده أشياء يستدفعون بها أضدادها، فكان من ذلك تحذيره لهم أن لا يدفعوا إلى السفهاء أموالهم؛ رحمة لهم، وطلباً منه لبقاء نعمه عليهم، وعلَّمهم أن يشهدوا في مدايناتهم؛ ليكون ذلك حفظاً لأموال الطالبين منهم، ولأديان المطلوبين منهم، وعلَّمهم الطلاق الذي يستعملونه عند حاجتهم إليه، فكان من ترك منهم ما علَّمه الله إياه حتى وقع في ضد ما يريد مخالفاً لما أمره الله به؛ فلم يجب دعاءه لخلافه إياه، وكان من سوى من ذكرنا في هذا الحديث ممن ليس بعاصٍ لربه مرجواً له إجابة الدعوة فيما يدعوه، وهم الذين دخلوا في قوله : ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾، وحذرهم على لسان نبيه ﷺ من الاستعجال في إجابة الدعاء.] مشكل الآثار نقلاً عن شبكة الإنترنت.
وقال العلامة المناوي في شرح الحديث: [(ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم رجل كانت تحته امرأة سيئة الخُلق) بالضم (فلم يطلقها) فإذا دعا عليها لا يستجيب له لأنه المعذب نفسه بمعاشرتها وهو في سعة من فراقها (ورجل كان له على رجل مال فلم يشهد عليه) فأنكره فإذا دعا لا يستجاب له لأنه المفرط المقصر بعدم امتثال قوله تعالى ﴿وأشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ (ورجل آتى سفيهاً) أي محجوراً عليه بسفه (ماله) أي شيئاً من ماله مع علمه بالحجر عليه فإذا دعا عليه لا يستجاب له لأنه المضيع لماله فلا عذر له (وقد قال الله تعالى: ولا تؤتوا السفهاء أموالكم).] فيض القدير شرح الجامع الصغير ٣/ ٤٤١ - ٤٤٢.
ولا يصح حمل الحديث على عموم الأحوال فيقال إن الله تعالى لا يستجيب دعاء الثلاثة المذكورين مطلقاً بل لا بد من حمل الحديث على الحالات الخاصة المذكورة فيه وهؤلاء الثلاثة لا يستجاب دعاؤهم لأنهم خالفوا ما أرشدهم الله إليه فمن المعلوم
стр. 2597
أن الله شرع الطلاق إذا سدت كل الطرق للإصلاح بين الزوجين فإذا كان عند الرجل زوجة سيئة الأخلاق وحاول إصلاحها ولكن بدون فائدة واستمرت على سوء أخلاقها فلم يطلقها فيكون قد قصَّر في حق نفسه ولم يستجب لقول الله تعالى ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً﴾ سورة النساء الآية ١٣٠.
ومن داين غيره مالاً فلم يشهد على ذلك، فقد قصر في حفظ ماله ومن المعلوم أن الله قد شرع كتابة الدين والإشهاد عليه حفظاً للحقوق وقد نزلت في ذلك أطول آية في القرآن الكريم حيث يقول الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُءَاثِمٌ
قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) سورة البقرة الآيتان ٢٨٢ - ٢٨٣.
ففي هاتين الآيتين دلالة واضحة على مشروعية كتابة الدين وتوثيقه والإشهاد عليه. قال الإمام ابن العربي المالكي: [قوله تعالى: (فَاكْتُبُوهُ) يريد أن يكون صكاً
стр. 2598
ليستذكر به عند أجله لما يتوقع من الغفلة في المدة التي بين المعاملة وبين حلول الأجل والنسيان موكل بالإنسان والشيطان ربما حمل على الإنكار والعوارض من موت وغيره تطرأ فشُرِع الكتاب والإشهاد] أحكام القرآن ١/ ٢٤٧.
وقال الضحاك: [إن ذهب حقه - أي الدائن - لم يؤجر وإن دعا عليه لم يُجب؛ لأنه ترك حق الله تعالى وأمره]. ومن المعلوم اليوم أن كثيراً من الخلافات المالية التي تحدث بين الناس تعود أسبابها إلى عدم الكتابة والتوثيق في العقود فيقع النزاع والخلاف ويحدث الإنكار ونحو ذلك. وبناءً على الآية الكريمة السابقة قال جمهور أهل العلم إن كتابة الدين وتوثيقه والإشهاد عليه أمر مندوب إليه وقال بعض العلماء بوجوب ذلك أخذاً بظاهر الآية وهو قول وجيه له حظ من النظر وينبغي حمل الناس عليه في هذا الزمان قطعاً لأكل حقوق الآخرين بالباطل وسداً لأبواب النزاع والخصومات ولما نرى في مجتمعنا من نزاع وشقاق وخلاف بسبب عدم توثيق الديون والعقود وكتابتها فكم من المنازعات حدثت بين المؤجر والمستأجر بسبب عدم كتابة عقد الإجارة وكم من خصومات حصلت بين الشركاء لاختلافهم في قضية ما ويعود ذلك لعدم كتابة اتفاق الشراكة وهكذا الحال في كل المعاملات التي لم توثق. لذا فإني أنصح كل متعاقدين في أي من العقود الشرعية أن يوثقا العقد بجميع شروطه وتفصيلاته الصغيرة قبل الكبيرة، قال الله تعالى: (ولا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ). قال ابن العربي المالكي: [هذا تأكيد من الله تعالى في الإشهاد بالدين تنبيهاً لمن كسل فقال: هذا قليل لا أحتاج إلى كتبه والإشهاد عليه. لأن أمر الله تعالى فيه والتحضيض عليه واحد والقليل والكثير في ذلك سواء] أحكام القرآن ١/ ٢٥٧.
وأما من يؤتي المال للسفيه المحجور عليه فيضيعه فقد خالف قول الله تعالى ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً
стр. 2599
معروفاً﴾ سورة النساء الآية ٥.
وقال الإمام البيضاوي: [نهى الأولياء عن أن يؤتوا الذين لا رشد لهم أموالهم فيضيعوها وإنما أضاف الأموال إلى الأولياء لأنها في تصرفهم وتحت ولايتهم وهو الملائم للآيات المتقدمة والمتأخرة] تفسير البيضاوي نقلاً عن شبكة الإنترنت.
وخلاصة الأمر أن الثلاثة المذكورين في الحديث لا يستجاب دعاؤهم في الحالات التي تلبسوا بها لأنهم خالفوا ما شرعه الله بخصوص هذه الحالات، وليس معنى الحديث أنه لا يستجاب لهم مطلقاً.
تم َّ الكتاب بحمد الله تعالى
стр. 2600
الفهرس
الموضوع ... الصفحة
مقدمة ... ٥
العقيدة والتفسير ... ٩
١١
١٣
٢٢
الصلاة ... ٢٩
٣١
٣٤
٣٧
٤٢
٥٠
٥٤
стр. 2601
٥٧
٦١
٦٥
٦٩
٧٤
٧٨
الصيام ... ٨٣
قضاء رمضان ... ٨٥
حكم الأكل والشرب أثناء أذان الفجر ... ٨٧
تعجيل صدقة الفطر ... ٩٠
اعتكاف المرأة في العشر الأواخر من رمضان ... ٩٤
الأضحية ... ٩٧
شروط الأضحية توقيفية ... ٩٩
الاختلاف في وقت عيد الأضحى ... ١٠٥
الزكاة ... ١١١
زكاة البضاعة الكاسدة ... ١١٢
النذور ... ١١٧
نذر المعصية ... ١١٩
المعاملات ... ١٢٧
يحرم العمل في المحلات التي تقدم الخمور ... ١٢٩
برنامج توفير محرم ... ١٣٢
شحن البلفونات من كهرباء المسجد ... ١٣٦
الشهادة على العقد ... ١٣٩
بيع الطعام قبل القبض ... ١٤٣
تبرع المضارب بضمان رأس المال ... ١٤٨
يحرم شراء بيت السكن بالربا ... ١٥٢
الإقالة ... ١٥٦
الظفر بالحق ... ١٦٠
التصرف في المال الموقوف للمسجد ... ١٦٤
مسائل في التعامل بالشيكات ... ١٦٨
هل البضاعة المباعة لا ترد ولا تستبدل؟ ... ١٧٢
سرقة الأدوية والتلاعب بها ... ١٧٥
стр. 2602
الأسرة والمجتمع ... ١٧٩
تلقيح صناعي محرم ... ١٨١
نفقة علاج الزوجة واجبة على زوجها ... ١٨٥
يحرم تقبيل المرأة الأجنبية ... ١٨٨
تحريم الزوجة زوجَها على نفسها ... ١٩٢
سفر المعتدة عدة وفاة إلى الحج ... ١٩٦
الزواج العرفي ... ٢٠٠
الرجوع عن الطلاق المعلق ... ٢٠٥
الأخذ بالثأر والقتل على خلفية شرف العائلة ... ٢٠٩
عدة الوفاة واجبة على المرأة العجوز ... ٢١٤
عم الزوج أجنبي على زوجته ... ٢١٨
حكم البراءة من الأشخاص ... ٢٢٢
طاعة الزوج بعد العقد وقبل الزفاف ... ٢٢٧
متفرقات ... ٢٣٣
حديث السبعة الذين لا يظلهم الله بظله يوم القيامة غير ثابت ... ٢٣٥
شهادة البدوي على الحضري ... ٢٣٩
стр. 2603
الأعمال العلمية للمؤلف الأستاذ الدكتور. حسام الدين عفانة
١. الحقيقة والمجاز في الكتاب والسنة وعلاقتهما بالأحكام الشرعية (رسالة الماجستير)
٢. بيان معاني البديع في أصول الفقه (رسالة الدكتوراه)
٣. الأدلة الشرعية على تحريم مصافحة المرأة الأجنبية (كتاب)
٤. أحكام العقيقة في الشريعة الإسلامية (كتاب)
٥. يسألونك الجزء الأول (كتاب)
٦. يسألونك الجزء الثاني (كتاب)
٧. بيع المرابحة للآمر بالشراء على ضوء تجربة شركة بيت المال الفلسطيني العربي (كتاب)
٨. صلاة الغائب دراسة فقهية مقارنة (كتاب)
٩. يسألونك الجزء الثالث (كتاب)
١٠. يسألونك الجزء الرابع (كتاب)
١١. يسألونك الجزء الخامس (كتاب)
١٢. المفصل في أحكام الأضحية (كتاب)
١٣. شرح الورقات في أصول الفقه لجلال الدين المحلي (دراسة وتعليق وتحقيق)
١٤. فهارس مخطوطات مؤسسة إحياء التراث الإسلامي ١٢ جزءاً بالاشتراك (صدر الأول منها)
١٥. الفتاوى الشرعية (١) بالاشتراك (هيئة الرقابة الشرعية لشركة بيت المال الفلسطيني العربي)
١٦. الفتاوى الشرعية (٢) بالاشتراك (هيئة الرقابة الشرعية لشركة بيت المال الفلسطيني العربي)
стр. 2604
١٧. الشيخ العلامة مرعي الكرمي وكتابه دليل الطالب (بحث)
١٨. الزواج المبكر (بحث)
١٩. الإجهاض (بحث)
٢٠. مسائل مهمات في فقه الصوم والتراويح والقراءة على الأموات (كتاب)
٢١. مختصر كتاب جلباب المرأة المسلمة للعلامة المحدث الألباني (كتاب)
٢٢. إتباع لا ابتداع (كتاب)
٢٣. بذل المجهود في تحرير أسئلة تغير النقود للغزي التمرتاشي (دراسة وتعليق وتحقيق)
٢٤. يسألونك الجزء السادس (كتاب)
٢٥. رسالة إنقاذ الهالكين للعلامة محمد البركوي (دراسة وتعليق وتحقيق)
٢٦. الخصال المكفرة للذنوب (يتضمن تحقيق مخطوط للخطيب الشربيني) (كتاب)
٢٧. أحاديث الطائفة الظاهرة وتحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين (كتاب)
٢٨. التنجيم (بحث بالاشتراك)
٢٩. الحسابات الفلكية (بحث بالاشتراك)
٣٠. يسألونك الجزء السابع (كتاب)
٣١. المفصل في أحكام العقيقة (كتاب)
٣٢. يسألونك الجزء الثامن (كتاب)
٣٣. يسألونك الجزء التاسع (كتاب)
٣٤. فهرس المخطوطات المصورة الجزء الثاني (الفقه الشافعي) (كتاب)
٣٥. فقه التاجر المسلم وآدابه (كتاب)
٣٦. يسألونك الجزء العاشر (كتاب)
стр. 2605
٣٧. يسألونك الجزء الحادي عشر (هذا الكتاب)
موقع الأستاذ الدكتور حسام الدين على شبكة الانترنت: www.yasaloonak.net
وعنوان البريد الإلكتروني:
fatawa@yasaloonak.net.
стр. 2606
يسألونك
الجزء الثاني عشر
تأليف
الأستاذ الدكتور حسام الدين بن موسى عفانة
كلية الدعوة وأصول الدين / جامعة القدس
стр. 2607
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 2608
يتقدم المؤلف بجزيل الشكر والتقدير
للإخوة الكرام في
المنتدى الثقافي
في صور باهر / بيت المقدس
لتفضلهم بطباعة هذا الكتاب على نفقتهم وتوزيعه مجاناً
فجزاهم الله خير الجزاء
وبارك الله جهودهم الطيبة
стр. 2609
مقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
وبعد
يقول الله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ... ﴾ سورة النساء الآية ١٢٧. ويقول تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ سورة النساء الآية ١٧٦. ففي هاتين الآيتين يظهر لنا أن الله تولى شأن الإفتاء بنفسه ﷻ ، وهذا يدلنا على أهمية هذا المنصب وخطورته كما قال العلامة ابن القيم: [وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر
стр. 2610
فضله ولا يجهل قدره وهو من أعلى المراتب السنيات فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات ... ] إعلام الموقعين عن رب العالمين ١/ ١٠.
وقد تولى النبي ﷺ منصب الإفتاء بنفسه، قال العلامة ابن القيم: [وأول من قام بهذا المنصب الشريف سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين عبد الله ورسوله، وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده، فكان يفتي عن الله بوحيه المبين، وكان كما قال له أحكم الحاكمين: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾، فكانت فتاويه ﷺ ، جوامع الأحكام، ومشتملة على فصل الخطاب، وهي في وجوب إتباعها وتحكيمها والتحاكم إليها ثانية الكتاب، وليس لأحدٍ من المسلمين العدول عنها ما وجد إليها سبيلاً، وقد أمر الله عباده بالرد إليها حيث يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ إعلام الموقعين عن رب العالمين ١/ ١١.
وقد ورد في ذلك أحاديث عديدة منها: ما رواه البخاري بإسناده عن عروة (أنه سأل عائشة ﵂ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ قالت: يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في جمالها ومالها، ويريد أن ينتقص صداقها، فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا في إكمال الصداق، وأمروا بنكاح من سواهن، قالت واستفتى الناس رسول الله صلى
стр. 2611
الله عليه وسلم بعد ذلك، فأنزل الله ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾).
وفي صحيح البخاري أيضاً (استفتى عمر ﵁ النبي ﷺ : أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، إذا توضأ).
وعن عائشة ﵂: أن أم حبيبة بنت جحش زوجة عبد الرحمن بن عوف استحيضت سبع سنين، فاستفتت رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : (إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق، فاغتسلي وصلي.) .. رواه البخاري ومسلم.
وروى النسائي بإسناده عن سليمان بن يسار أن أبا هريرة وابن عباس وأبا سلمة بن عبد الرحمن ﵃ تذاكروا عدة المتوفى عنها زوجها تضع عند وفاة زوجها، فقال ابن عباس: تعتد آخر الأجلين، وقال أبو سلمة: بل تحل حين تضع، فقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي، فأرسلوا إلى أم سلمة زوج النبي ﷺ ، فقالت وضعت سبيعة الأسلمية بعد وفاة زوجها بيسير، فاستفتت رسول الله ﷺ ، فأمرها أن تتزوج.
وعن ابن عباس ﵁ (أن سعد بن عبادة ﵁ استفتى النبي ﷺ في نذرٍ كان على أمه فتوفيت قبل أن تقضيه فأفتاه أن يقضيه عنها) رواه البخاري ومسلم.
стр. 2612
وروى النسائي عن عقبة بن عامر ﵁ قال: (نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله فأمرتني أن استفتي لها رسول الله ﷺ فاستفتيت النبي ﷺ فقال: لتمشي ولتركب).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أفتي بفتيا غير ثبتٍ فإنما إثمه على من أفتاه) رواه أبو داود وابن ماجة.
وعن ثوبان ﵁ قال: (إنهم استفتوا النبي ﷺ عن ذلك - يعني الغسل من الجنابة - فقال: أما الرجل، فلينشر رأسه فليغسله، حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة، فلا عليها أن لا تنقضه، لتغرف على رأسها ثلاث غرفات بكفيها) رواه أبو داود.
وفي رواية عند الإمام أحمد في المسند عن الزهري قال: قال سهل الأنصاري -وكان قد أدرك النبي ﷺ وهو ابن خمس عشرة في زمانه- حدثني أبي بن كعب أن الفتيا التي كانوا يقولون الماء من الماء رخصة كان رسول الله ﷺ رخص بها في أول الإسلام ثم أمرنا بالاغتسال بعدها).
وروى مسلم عن قتادة قال: سمعت أبا حسان الأعرج قال: قال رجل من بني الهجيم لابن عباس ما هذه الفتيا التي قد تشغفت أو تشغبت بالناس أن من طاف بالبيت فقد حلَّ؟ فقال: سنة نبيكم ﷺ وإن رغمتم).
стр. 2613
وروى الدارمي بإسناده عن عطاء بن السائب قال سمعت عبد الرحمن بن أبى ليلى يقول: (لقد أدركت في هذا المسجد عشرين ومائة من الأنصار وما منهم أحد يحدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا يسأل عن فتيا إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا).
وروى الطبراني في الكبير بإسناده عن أبي صالح ذكوان، أنه سأل ابن عباس ﵄، عن بيع الذهب بالفضة، فقال: هو حلال بزيادة أو نقصان إذا كان يداً بيد، قال أبو صالح: فسألت أبا سعيد الخدري عن ذلك، فقال: هو حرام إلا مثلا بمثل فأخبرت أبا سعيد بما قال ابن عباس، وأخبرت ابن عباس بما قال أبو سعيد الخدري، فالتقيا وأنا معهما فابتدأه أبو سعيد الخدري، فقال: ابن عباس، ما هذه الفتيا التي تفتي بها الناس في بيع الذهب بالفضة، تأمرهم أن يشتروه بزيادة بنقصان أو زيادة يداً بيد، فقال ابن عباس: ما أنا بأقدمكم صحبة لرسول الله ﷺ ، وهذا زيد بن أرقم، والبراء بن عازب، يقولان: سمعنا النبي ﷺ . والنصوص التي ورد فيها استعمال الفتيا أو الفتوى بمعنى السؤال عن الحكم الشرعي كثيرة جداً.
وقد ذكرت هذه النصوص، لأبين أن اصطلاح الفتوى بمعنى السؤال عن الحكم الشرعي، كان معروفاً في عهد النبي ﷺ ، وفي عهد الصحابة ﵃، وفي عهد التابعين لهم بإحسان، وأن منزلة الإفتاء في دين الإسلام منزلة عظيمة، وقد لخصها الإمام الشاطبي بقوله: [المفتي قائم في الأمة مقام النبي ﷺ ] الموافقات ٤/ ٢٤٤. وأن كلمة الفتيا
стр. 2614
أو الفتوى مصطلح شرعي واستعمل في كتاب الله وفي سنة النبي ﷺ ، فقد استفتي النبي ﷺ في مسائل كثيرة، واستفتي كبار الصحابة رضوان الله عليهم وكذا التابعون وأتباعهم وكبار علماء الأمة، ولا يُنكر ذلك إلا جاهل أو معاند، أمثال بعض الكاتبين الذين هاجموا مصطلح الفتوى وزعموا أنه ليس مصطلحاً شرعياً، وزعم بعضهم أن اصطلاح الفتوى محدث، ولم يكن معروفاً زمن رسولنا الكريم ﵊ أو زمن الصحابة أو تابعيهم أو تابعي تابعيهم، وأن الفتوى لا يمكن اعتبارها مصطلحاً شرعياً، وأن الصحيح استعمال مصطلح الحكم الشرعي بدلاً من الفتوى، ووصفه بعضهم الفتوى بأقذع الأوصاف كما جاء في كلامهم أن [كلمة الفتوى في وقتنا هذا تعنى الجهل وعدم البحث وحب الخلود إلى الكسل وباقي موروث "علقها في رقبة عالم واطلع سالم". وكما جاء في دوسية حزبية [ ... وإنه بغض النظر عن كون الفتوى أحط أنواع الفقه، وبغض النظر عن كون مجرد وجود كلمة مفتي بما لها من واقع، هي انحطاط في المجتمع ... ] ص ١٢٨.
أقول يتناسى هؤلاء أن منصب الإفتاء قد تولاه رب العزة والجلال كما سبق، وتولاه خير البشر ﷺ ، وتولاه كبار الصحابة الكرام، ومن بعدهم كبار علماء الأمة، ويغض هؤلاء الطرف عن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ سورة النحل الآية ٤٣.
стр. 2615
إذا تقرر هذا فإن منصب الإفتاء منصب خطير، وتترتب عليه مسؤولية عظيمة أمام الله ، فعلى من ابتلي بالفتوى أن يعد للأمر عدته، وأن يدرك خطورته قال العلامة ابن القيم: [ولمَّا كان التبليغ عن الله سبحانه يعتمد العلم بما يبلغ والصدق فيه، لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق، فيكون عالماً بما بلغ، صادقاً فيه، ويكون مع ذلك حَسنَ الطريقة، مرضيَ السيرة، عدلاً في أقواله وأفعاله، متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله، وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا يُنكَرُ فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات؟ فحقيقٌ بمن أقيم في هذا المنصب أن يُعِدَ له عدَّته، وأن يتأهب له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به، فإن الله ناصره وهاديه، وكيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب، فقال تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُل اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ وكفى بما تولاه الله تعالى بنفسه شرفاً وجلالةً، إذ يقول في كتابه: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُل اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾، وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه وليوقن أنه مسئولٌ غداً وموقوفٌ بين يدي الله] إعلام الموقعين عن رب العالمين ١/ ١٠ - ١١.
وختاماً فهذا هو الجزء الثاني عشر من كتابي يسألونك وأصله حلقات تنشر صباح كل يوم جمعة في جريدة القدس المقدسية، وقد سلكت فيه المنهج الذي
стр. 2616
سلكته في الأجزاء السابقة، من اعتمادٍ على كتاب الله وعلى سنة سيدنا رسول الله ﷺ ، وعلى فهم سلف هذه الأمة، فإن أصبت فذلك الفضل من الله، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، وأختم بما قاله القاضي البيساني ﵀: [إني رأيت أنه لا يكتب إنسانٌ كتاباً في يومه، إلا قال في غده لو غُيِّرَ هذا لكان أحسن، ولو زِيدَ كذا لكان يستحسن، ولو قُدِمَ هذا لكان أفضل، ولو تُرِكَ هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليلٌ على استيلاء النقص على جملة البشر].
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
كتبه الأستاذ الدكتور حسام الدين بن موسى عفانة
أبوديس/ القدس المحتلة
صباح يوم الثلاثاء السادس عشر من شعبان ١٤٢٨هـ
وفق الثامن والعشرين من آب ٢٠٠٧ م.
стр. 2617
العقيدة والتفسير
стр. 2618
التألي على الله
يقول السائل: توفي شخص في بلدتنا وكان عاصياً فقال رجل: إلى جهنم وبئس المصير، فما حكم ذلك، أفيدونا؟
الجواب: إن من أعظم الآفات التي يقع فيها الإنسان آفة انفلات اللسان، فيتكلم بكلمة لا يلقي لها بالاً فتهوي به في النار، كما ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفع الله بها درجات وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أخرى عند البخاري عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب).
وعن بلال بن الحارث المزني ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
ويجب على الإنسان أن يدرك أن كل كلمة تخرج من فمه فإنه محاسب عليها، فهي إما له وإما عليه يقول الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ
стр. 2619
عَتِيدٌ﴾ سورة ق الآية ١٨. وجاء في الحديث عن أم حبيبة زوج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: (كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر الله) رواه الترمذي وقال: حديث حسن. ووردت أحاديث كثيرة تحث على حفظ المنطق منها: عن عقبة بن عامر ﵁ قال قلت يا رسول الله ما النجاة؟ قال أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك) رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
وعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه تضمنت له بالجنة) رواه البخاري، وما بين لحييه أي اللسان وما بين رجليه أي فرجه. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك كثير.
إذا تقرر هذا فأعود لما ورد في السؤال فأقول إن ما قاله الرجل في حق الميت "إلى جهنم وبئس المصير" هو من التألي على الله ، وهو من سوء الأدب مع الله ، لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ سورة النساء الآية ٤٨، ففي هذه الآية الكريمة يبين الله أنه يغفر ما دون الشرك بمشيئته وإرادته، وقد ذكر الحافظ ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية طائفة من الأحاديث التي توضح أن من مات لا يشرك بالله شيئاً فإنه داخل تحت المشيئة منها: عن أبي الأسود الديلي أن
стр. 2620
أبا ذر حدثه قال: أتيت رسول الله ﷺ فقال: (ما من عبدٍ قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال وإن زنى وإن سرق ثلاثاً، ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر، قال: فخرج أبو ذر وهو يجر إزاره وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر، وكان أبو ذر يحدث بهذا ويقول: وإن رغم أنف أبي ذر) والحديث في الصحيحين.
ومنها عن جابر بن عبد الله ﵁: أن النبي ﷺ قال: (لا تزال المغفرة على العبد ما لم يقع الحجاب، قيل: يا نبي الله وما الحجاب؟ قال: الإشراك بالله، - قال - ما من نفس تلقى الله لا تشرك به شيئاً إلا حلت لها المغفرة من الله تعالى، إن يشاء أن يعذبها وإن يشاء أن يغفر لها) ثم قرأ نبي الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. رواه الحافظ أبو يعلى في مسنده. تفسير ابن كثير ٢/ ٢٩٥ - ٢٩٧.
وقال الله تعالى: ﴿يُعَذّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ سورة العنكبوت الآية ٢١، قال الحافظ ابن كثير: [وقوله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي هو الحاكم المتصرف الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فله الخلق والأمر مهما فعل فعدل، لأنه المالك الذي لا يظلم مثقال ذرة، كما جاء في الحديث الذي رواه أهل السنن (إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم) ولهذا قال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ أي
стр. 2621
ترجعون يوم القيامة] تفسير ابن كثير ٥/ ٤٩. وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ المائدةالآية٤٠. وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ آل عمران الآية ١٢٩. وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ الفتح الآية١٤. فمن مات لا يشرك بالله شيئاً فهو داخل تحت المشيئة إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه، ولا يجوز لأحد أن يتألى على الله فيحكم بأن فلاناً من أهل النار أو أن فلاناً من أهل الجنة فقد ثبت في الحديث عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ أن رسول الله ﷺ حدث أن رجلاً قال: والله لا يغفر الله لفلان، وإن الله تعالى قال من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان، فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك أو كما قال) رواه مسلم.
قال الإمام النووي: [معنى (يتألى) يحلف، والألية اليمين. وفيه دلالة لمذهب أهل السنة في غفران الذنوب بلا توبة إذا شاء الله غفرانها] شرح النووي على صحيح مسلم ٦/ ١٣٣.
وعن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين، فكان أحدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول
стр. 2622
أقصر فوجده يوماً على ذنب فقال له أقصر فقال خلني وربي أبعثت عليَّ رقيباً، فقال والله لا يغفر الله لك أو لا يدخلك الله الجنة، فقبض أرواحهما فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد أكنت بي عالماً أو كنت على ما في يدي قادراً، وقال للمذنب اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر اذهبوا به إلى النار، قال أبو هريرة والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته) رواه أحمد وأبو داود وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم ٤٤٥٥. [وقوله (متواخيين) أي متقابلين في القصد والسعي فهذا كان قاصداً وساعياً في الخير وهذا كان قاصداً وساعياً في الشر، (أقصر): من الإقصار وهو الكف عن الشيء مع القدرة عليه] عون المعبود شرح سنن أبي داود ١٣/ ١٦٦ - ١٦٧.
وروي في الحديث عن عبد الله عن بن مسعود ﵁ قال: (كان رجل يصلي، فلما سجد أتاه رجل فوطئ على رقبته، فقال الذي تحته: والله لا يغفر لك الله أبداً، فقال الله : تألى عبدي أن لا أغفر لعبدي، فإني قد غفرت له) رواه الطبراني في المعجم الكبير والبيهقي في شعب الإيمان. قال الحافظ المناوي: [قال المظهر: لا يجوز لأحد أن يجزم بالغفران أو العقاب؛ لأن أحداً لا يعلم مشيئة الله وإرادته في عباده بل يرجو للمطيع ويخاف للعاصي. وإنما يجزم في حق من جاء فيه نصٌ كالعشرة المبشرة] فيض القدير شرح الجامع الصغير ٦/ ٤٩٩.
стр. 2623
وخلاصة الأمر أنه لا يجوز لأحد أن يجزم لشخص بأنه من أهل الجنة أو أنه من أهل النار لأن ذلك من سوء الأدب مع الله . ويجب على من قال ذلك أن يتوب إلى الله توبة نصوحاً.
- - -
حكم الدعاء بـ (اللهم إني لا أسألك رد القضاء
ولكن أسألك اللطف فيه)
يقول السائل: ما صحة الحديث التالي (اللهم إني لا أسألك ردَّ القضاء ولكن أسألك اللطف فيه) أفيدونا؟
الجواب: ينبغي أن يعلم أولاَ أن الدعاء هو العبادة كما ورد في الحديث وحقيقة الدعاء مناداة الله تعالى لما يريد من جلب منفعة أو دفع مضرة من المضار والبلاء بالدعاء، فهو سبب لذلك واستجلاب لرحمة المولى. ويعني هذا أن الدعاء شعور بالحاجة إلى الله تعالى وطلبها منه ﷻ بتذلل ورغب ورهب لا غنى لأي فرد عنه في أي حال من أحواله، شدة ورخاء، صحة وعافية ومرضاً، ولذا جاءت النصوص الكثيرة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ مبينة فضله وحاثة عليه ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ سورة غافر الآية ٦٠. وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا
стр. 2624
وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ سورة الأعراف الآيتان ٥٥ - ٥٦. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ سورة البقرة الآية ١٨٦. وقال ﷻ في وصف عباده المؤمنين: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ سورة السجدة الآيتان ١٦ - ١٧. وجاء في الحديث عن النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الدعاء هو العبادة) رواه الترمذي وقال حسن صحيح، وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/ ١٣٨. وعن النعمان بن بشير ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: (الدعاء هو العبادة ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ليس شيء أكرم على الله من الدعاء) رواه الترمذي وابن ماجة وقال العلامة الألباني: حسن كما في صحيح سنن الترمذي ٣/ ١٣٨.
وعن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه الله إياها أو صرف
стр. 2625
عنه من السوء مثلها ما لم يدع بمأثم أو قطيعة رحم، فقال رجل من القوم: إذاً نكثر، قال: الله أكثر) رواه الترمذي وقال حسن صحيح وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/ ١٨١.
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن أبخل الناس من بخل بالسلام وأعجز الناس من عجز عن الدعاء) رواه ابن حبان وأبو يعلى وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح الجامع ١٥١٩.
وعنه أن النبي ﷺ قال: (من سرَّه أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء) رواه الترمذي والحاكم وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح الجامع ٦٢٩٠. وغير ذلك من الأحاديث.
والدعاء له أحكام وآداب فصَّلها أهل العلم في مؤلفاتهم مثل كتاب الترغيب في الدعاء والحث عليه، للحافظ عبد الغني المقدسي.
إذا تقرر هذا فأعود إلى جواب السؤال فأقول ما ذكره السائل ليس حديثاً عن النبي ﷺ فلا أصل له في كتب السنة النبوية، وإنما هو قول درج على ألسنة بعض الناس، ويعتبر الدعاء به من الأخطاء التي تقع في الدعاء. بل ورد في السنة النبوية ما يدل على خلاف ذلك فقد ثبت في الحديث الصحيح عن الرسول الله ﷺ أنه قال: (إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ولا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر) رواه الترمذي وابن ماجة والحاكم وهو حديث حسن كما قال العلامة
стр. 2626
الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ١/ ٢٢. ويقول النبي ﷺ : (لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة) رواه الحاكم وصححه، وحسنه العلامة الألباني.
وقد أجاب العلماء عن الإشكال بأن الدعاء يرد القضاء بأجوبة منها ما قاله الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز: [ومراده ﷺ أن القدر المعلق بالدعاء يرده الدعاء وهكذا قوله ﷺ (من أحب أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أجله فليصل رحمه) فالأقدار تردها الأقدار التي جعلها الله سبحانه مانعة لها، والأقدار المعلقة على وجود أشياء كالبر والصلة والصدقة توجد عند وجودها، وكل ذلك داخل في القدر العام المذكور في قوله سبحانه ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، وقوله ﷺ (وتؤمن بالقدر خيره وشره) ومن هذا قوله ﷺ : (الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار)] موقع الشيخ على الإنترنت.
وقال العلامة محمد العثيمين: [وفي هذا المقام يُنكَرُ على من يقولون: (اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه) فهذا دعاء بدعي باطل، فإذا قال: (اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه) معناه أنه مستغن، أي افعل ما شئت ولكن خفف، وهذا غلط، فالإنسان يسأل الله رفع البلاء نهائياً فيقول مثلاً: اللهم عافني، اللهم ارزقني، وما أشبه ذلك. وإذا كان النبي ﷺ قال: لاَ يَقُلْ أَحَدُكُمُ اللَّهَمَّ اغْفِرْ لِي
стр. 2627
إِنْ شِئْتَ. فقولك: (لا أسألك رد القضاء، ولكن أسألك اللّطف فيه) أشد. واعلم أن الدعاء قد يرد القضاء، كما جاء في الحديث (لاً يَرُدُّ القَدَرَ إِلاَّ الدُّعَاءُ). وكم من إنسانٍ افتقر غاية الافتقار حتى كاد يهلك، فإذا دعا أجاب الله دعاءه، وكم من إنسان مرض حتى أيس من الحياة، فيدعو فيستجيب الله دعاءه. قال الله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ فذكر حاله يريدُ أنّ اللهَ يكشفُ عنهُ الضُّرَّ، قال الله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾] شرح الأربعين النووية ص ٦٦.
[واعلم أن القدر الذي هو القضاء المبرم الذي علم الله أنه سيقع لا يغيره شيء لا دعاء ولا غيره، ولكن هنالك ما يسميه العلماء بالقضاء المعلق، وهو ما علق وقوعه على شيء، مثل الزيادة في العمر إذا وصل الإنسان رحمه، كأن يقدر له إن وصل رحمه أربعين سنة، وإن لم يصل رحمه ثلاثين سنة، وهذا بالنسبة إلى غير الله معلق. أما بالنسبة إلى الله تعالى فهو مبرم، أي لا يغيَّر فيه شيء. أما بالنسبة للملك الموكل بقبض الأرواح، أو كتابة الآجال، أو الأرزاق، فيمكن تغييره، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ وعليه يمكن تغيير القدر بأمور وردت بها النصوص كصلة الرحم وبر الوالدين وأعمال البر والدعاء، والدعاء أقوى الأسباب في رد القدر، كما في الحديث الذي رواه أحمد والترمذي وابن ماجة أن النبي ﷺ قال: (لا يزيد في العمر إلا البر، ولا يرد القدر إلا الدعاء، وإن الرجل ليحرم الرزق بخطيئة يعملها) وفي لفظ: (بالذنب يصيبه) قال السندي
стр. 2628
في شرحه على سنن ابن ماجة: [قال الغزالي: فإن قيل: ما فائدة الدعاء مع أن القضاء لا مرد له؟ فاعلم أن من جملة القضاء رد البلاء بالدعاء، فإن الدعاء سبب رد البلاء، ووجود الرحمة، كما أن البذر سبب لخروج النبات من الأرض، وكما أن الترس يدفع السهم، كذلك الدعاء يرد البلاء] موقع الشبكة الإسلامية.
وخلاصة الأمر أن عبارة (اللهم إني لا أسألك ردَّ القضاء ولكن أسألك اللطف فيه) ليست حديثاً نبوياً ولا يجوز ذكرها في الدعاء فهي من سوء الأدب مع الله .
- - -
الكهان الجدد
يقول السائل: ما قولكم فيما انتشر أخيراً عبر بعض القنوات الفضائية التي تبث برامج مباشرة مع بعض المشعوذين والكهان الذين يزعمون أنهم يحلون مشكلات الناس من خلال الطلاسم والاستعانة بالجن، أفيدونا؟
الجواب: ما يعرض على بعض المحطات الفضائية من التنجيم والشعوذة والسحر والكهانة وغير ذلك من المسلسلات الإباحية ومشاهد الدعارة والعهر الفني كل ذلك يصب في محاربة الإسلام الصحيح وتشويه صورة المسلمين كما أن من أهدافه إشغال الناس عن قضايا الأمة الهامة ومحاربة النسيج الاجتماعي للمجتمع الإسلامي، وغير ذلك من الأهداف الخبيثة.
стр. 2629
ومن المعلوم أن التنجيم والشعوذة والسحر والكهانة معروفة منذ عهد بعيد وكان العرب يتعاطونها ووردت فيها النصوص الكثيرة من كتاب الله ومن سنة النبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ سورة البقرة الآية ١٠٢. وجاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول الله: وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات) متفق عليه، وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوماً) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) رواه أصحاب السنن وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٣/ ١٧٢.
стр. 2630
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [العرَّاف اسم للكاهن والمنجم والرَّمَّال ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق) مجموع الفتاوى ٣٥/ ١٧٣. ويؤخذ من النصوص السابقة أن مجرد إتيان الكاهن وسؤاله عن شيء يعاقب المسلم عليه بأن لا تقبل له صلاة أربعين يوماً وأما إذا صدقه فيما قال فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ، وذلك لأن مما أنزل على محمد ﷺ قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ سورة الأنعام الآية ٥٩.وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ سورة النمل الآية ٦٥. وقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ سورة الجن الآيات ٢٦ - ٢٧.
قال الإمام القرطبي: [قال العلماء رحمة الله عليهم: لما تمدح سبحانه بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه، كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل، فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزة لهم ودلالة صادقة على نبوتهم. وليس المنجم ومن ضاهاه ممن يضرب بالحصى وينظر في الكتب ويزجر بالطير ممن ارتضاه من رسول فيطلعه على ما يشاء من غيبه، بل هو كافر بالله مفتر عليه بحدسه وتخمينه وكذبه] تفسير القرطبي ١٩/ ٢٨.
следующие страницы →