Полный текст (3 492 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.
стр. 2871
أولياؤه يتامى قاصرون منهم ابن المقتول فانتظر حتى بلغ الإبن حبس هدبة ووقعت الحادثة في زمان معاوية ﵁ فحبس فشفع سعيد بن العاص، وكذلك الحسن والحسين ﵃ شفعوا من أجل أن يسامح ولي المقتول وبذلوا لابن القتيل سبع ديات حتى يسامح وامتنع إلا القتل فقتل به، والشاهد في كون الصحابة بذلوا أكثر من الدية فاجتمع طبعاً دليل السُّنة ودليل الأثر عن الصحابة، وعلى هذا جمهور العلماء ﵏ على أنه يجوز في الصلح عن الديات بأكثر من الدية] شبكة الإنترنت، وقد ذكر الحادثة الشيخ ابن قدامة المقدسي في المغني ٨/ ٣٦٣.
وخلاصة الأمر أنه يجوز تصالح أولياء المقتول مع جماعة القاتل عمداً على أكثر من الدية، وأرى أنه ينبغي التشديد مالياً على القاتل عمداً في زماننا هذا، نظراً لتعطل القصاص لعل ذلك يكون رادعاً للناس عن القتل عمداً.
- - -
стр. 2872
متفرقات
стр. 2873
ترك مجالسة أهل الأهواء وآكلي لحوم العلماء
يقول السائل: ما حكم حضور دروس الذين يتطاولون على العلماء ويشككون عامة الناس بكتب أهل العلم ويأتون بأمور غريبة مخالفة لما عليه علماء الإسلام، أفيدونا؟
الجواب: لا بد أن يعلم أولاً أن احترام العلماء وتقديرهم أمر مطلوب شرعاً، وقد وردت نصوص كثيرة في تقدير العلماء واحترامهم، قال الإمام النووي: [باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم ورفع مجالسهم وإظهار مرتبتهم]. ثم ذكر قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ سورة الزمر الآية ٩، ثم ساق الإمام النووي طائفة من الأحاديث في إكرام العلماء والكبار وأحيل القارئ إلى كتاب رياض الصالحين للإمام النووي ص ١٨٧ - ١٩٢.
ومما ورد أيضاً ما جاء في الحديث عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه) رواه أحمد والحاكم وقال العلامة الألباني حديث حسن، كما في صحيح الترغيب والترهيب ١/ ١٥٢. وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي صاحب العقيدة الطحاوية المشهورة: [وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخبر والأثر وأهل الفقه والنظر لا
стр. 2874
يذكرون إلا بالجميل ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل] شرح العقدية الطحاوية ص ٥٥٤.
وقد حذر العلماء من سب العلماء ومن الوقيعة بهم فقد ورد عن الإمام أحمد بن الأذرعي قوله: [الوقيعة في أهل العلم ولا سيما أكابرهم من كبائر الذنوب] حرمة أهل العلم ص ٣١٩.
وقال الحافظ ابن عساكر يرحمه الله مخاطباً رجلاً تجرأ على العلماء: [إنما نحترمك ما احترمت الأئمة].
وقال الحافظ ابن عساكر يرحمه الله: [اعلم يا أخي وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك منتقصيهم معلومة وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾]. ومع كل هذه النصوص التي تحث على ما سبق وغيرها من النصوص الشرعية التي تحرم السب والشتم واللعن والوقوع في أعراض المسلمين إلا أن بعض الناس من أشباه طلبة العلم ليس لهم شغل إلا شتم العلماء وسبهم على رؤوس الأشهاد في المساجد وفي الصحف والنشرات ويحاول هؤلاء المتسلقين على حياض العلم الشرعي تشويه صورة العلماء وتنفير عامة الناس منهم والتهوين من علمهم والتهوين من قيمة كتبهم ويزعمون أن العلماء قد حرفوا دين الله وغير ذلك من سوء الأدب مع العلماء. إن أدعياء العلم هؤلاء، الذين يأتون الناس بالغرائب والعجائب
стр. 2875
ويزعمون – والزعم مطية الكذب - أنهم يرجعون إلى كتاب الله وما صح من سنة النبي ﷺ فقط، وهم في الحقيقة يتلاعبون في كتاب الله ولا يعرفون المبادئ الأولية لعلم الحديث، إن الموقف الشرعي من هؤلاء المبتدعة هو مقاطعتهم وعدم حضور مجالسهم ومقاطعة دروسهم ومحاضراتهم كما هو منهج السلف في عدم مجالسة أهل البدع والأهواء فعن ابن عباس ﵄ قال: [لا تجالس أهل الأهواء فإن مجالستهم ممرضة للقلب] أخرجه الآجري في الشريعة ص٦١، وابن بطة في الإبانة الكبرى ٢/ ٤٣٨. وعن أبي قلابة رحمه الله تعالى أنه كان يقول: [لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم فإني لا آمن أن يغمسوكم في الضلالة أو يلبسوا عليكم في الدين بعض ما لبس عليهم] أخرجه الدارمي في سننه١/ ١٢٠.
وعن الحسن البصري أنه قال: [لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم، ولا تسمعوا منهم] أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/ ١٣٣. ويقول الحافظ ابن عبد البر: [أجمع العلماء على أنه لا يجوز للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، إلا أن يكون يخاف من مكالمته وصلته ما يفسد عليه دينه، أو يولد به على نفسه مضرة في دينه أو دنياه، فإن كان كذلك فقد رخص له مجانبته ورب صرمٍ جميل خير من مخالطة مؤذية] التمهيد ٦/ ١٢٧.
هذه النصوص وغيرها ذكرها الدكتور إبراهيم الرحيلي في كتابه موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع.
стр. 2876
ومن أقوال الإمام الفضيل بن عياض في هؤلاء المبتدعة وأمثالهم:
[لا تجلس مع صاحب بدعة فإني أخاف أن تنزل عليك اللعنة].
[من جالس صاحب بدعة لم يعط الحكمة].
[من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الاسلام من قلبه].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ومن كان متبدعاً ظاهر البدعة وجب الإنكار عليه، ومن الإنكار المشروع أن يهجر حتى يتوب، ومن الهجر امتناع أهل الدين من الصلاة عليه، لينزجر من يتشبه بطريقته ويدعو إليه، وقد أمر بمثل هذا مالك بن أنس وأحمد بن حنبل وغيرهما من الأئمة].
وإن الواجب شرعاً هو تأديب من يأتي الناس بالغرائب والمتشابهات كما فعل عمر ﵁ مع صبيغ بن عسل، فقد روى الدارمي من طريق سليمان بن يسار قال: (قدم المدينة رجل يقال له صبيغ بن عسل، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر فأعد له عراجين النخل، فقال: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ، قال: وأنا عبد الله عمر فضربه حتى أدمى رأسه، فقال: حسبك يا أمير المؤمنين قد ذهب الذي كنت أجده في رأسي).
وروى إسماعيل القاضي في الأحكام من طريق هشام عن محمد بن سيرين قال كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى لا تجالس صبيغ واحرمه عطاءه.
стр. 2877
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وقصة صبيغ بن عسل مع عمر بن الخطاب من أشهر القضايا فإنه بلغه أنه يسأل عن متشابه القرآن حتى رآه عمر فسأل عمر عن ﴿الذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ فقال: ما اسمك؟ قال: عبد الله صبيغ، فقال: وأنا عبد الله عمر، وضربه الضرب الشديد. وكان ابن عباس إذا ألح عليه رجل في مسألة من هذا الجنس يقول: [ما أحوجك أن يصنع بك كما صنع عمر بصبيغ]. وهذا لأنهم رأوا أن غرض السائل ابتغاء الفتنة لا الاسترشاد والاستفهام، كما قال النبي ﵊: (إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه) وكما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ فعاقبوهم على هذا القصد الفاسد كالذي يعارض بين آيات القرآن وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، وقال: (لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض فان ذلك يوقع الشك في قلوبهم) ومع ابتغاء الفتنة ابتغاء تأويله الذي لا يعلمه إلا الله فكان مقصودهم مذموماً ومطلوبهم متعذراً مثل أغلوطات المسائل التي نهى رسول الله عنها] شبكة الإنترنت.
وخلاصة الأمر أنه يجب هجر المتلاعبين في كتاب الله وآكلي لحوم العلماء والطاعنين في كتبهم ولا يجوز لعامة الناس حضور دروسهم وتكثير جمعهم، وما أحوجنا لإمام يصنع بهم كما صنع عمر ﵁ بصبيغ.
- - -
стр. 2878
كتاب (قول يا طير) وما أثير حوله
يقول السائل: ما قولكم في الضجة التي أثيرت حول كتاب (قول يا طير) من قبل بعض المثقفين، وما قامت به وزارة التربية والتعليم من سحب الكتاب من مكتبات المدارس، أفيدونا؟
الجواب: كتاب (قول يا طير) لمؤلفيه د. شريف كناعنة من جامعة بير زيت، ود. ابراهيم مهوّي أستاذ الأدب العربي المعاصر من جامعة أدنبره إسكوتلندا، هو كتاب [يضم خمساً وأربعين حكاية خرافية من مئتي حكاية روى معظمها نساء في جميع أنحاء فلسطين (الجليل والضفة الغربية وغزة). وقد اختارها مؤلفا الكتاب باعتبارها الحكايات الأكثر رواجاً بين أبناء الشعب الفلسطيني ولقيمتها الفنية (جمالياتها وحسن أدائها)، ولما تبرزه من ملامح عن الثقافة الشعبية في فلسطين. وكان الداعي الأساسي إلى وضع هذا الكتاب لا الحفاظ على فن قصصي نسائي كان واسع الانتشار عندما كان الشعب الفلسطيني يمارس ثقافته على كامل أرضه فحسب، بل أيضاً كي نعرض صورة علمية وموضوعية للثقافة العربية النابعة من أرض فلسطين ومن تراثها الإنساني الذي تضرب جذوره في عروق التاريخ. ولإبراز خصوصية هذه الثقافة كان علينا أن نضع الحكايات باللغة العربية الدارجة التي رويت بها، وأن نرفقها بدراسة معمقة على عدة مستويات تبرز الملامح الوطنية لهذه الثقافة، ... كذا قال المؤلفان. وقد تم توزيع عدد من نسخ الكتاب على المدارس الفلسطينية ليستفيد منه المعلمون لا الطلبة، وفي استمارة اعتمدتها
стр. 2879
وزارة التربية والتعليم لأحد المُقيمين لكتاب (قول يا طير) ... قبيل توزيعه على المدارس، جاء فيها [إن هذا الكتاب لا توجد له علاقة مباشرة بالمنهاج ولكن بعض القصص الخيالية يمكن الاستفادة منها]. ويفصح المُقيم خلال هذه الاستمارة بصورة واضحة عند إجابته عن الاتجاهات والقيم التي يؤديها هذا الكتاب، بالقول: [يمكن للأطفال أن يتعلموا بعض السلوكيات الخاطئة مثل الكذب والغش والخداع والألفاظ البذيئة، وكذلك الكبار أيضاً]. ثم يضيف [ ... ولكن ينصح أن لا يكون بأيدي الطلبة لاحتوائه على ألفاظ بذيئة ... وفي التنسيب النهائي لهذا المقيم الذي أدى مهمة فحص الكتاب، أوصى بحذف بعض العبارات أو الألفاظ البذيئة قبل توزيعه على الأطفال والطلبة. وذيل هذا الفاحص أو المقيم توصيته بأمثلة على العبارات التي طالب بحذفها مطالبا بالعودة إلى الصفحات (٩٠، ٩٧، ٩٨، ١٠٥، ١٠٦، ١١٥، ١٢٨، ١٢٩، ١٣٢، ١٤٦) من الكتاب. ورغم ذلك تم توزيع الكتاب على المدارس دون أخذ هذه التوصية بعين الاعتبار] شبكة الانترنت.
وهذا الكتاب يشتمل على خرافات وقصص من التراث الفلسطيني تشتمل على أمور منكرة مثل ما ورد في الكتاب من زنى الابن بأمه وملاحقة الأب لابنته ليتزوجها ومثل حكاية الشيخ المحتال التي تعطي انطباعاً سيئاً عن قارئ القرآن الكريم ... إلخ، واشتمل الكتاب أيضاً على ألفاظ ساقطة ونابية وعبارات جنسية هابطة كما أن الكتاب قد وضع باللغة العامية الدارجة. والضجة التي أثيرت حول الكتاب ليست بريئة من أهداف غير ثقافية؟؟!! ويظهر ذلك من تعبيرات بعض المحتجين على قرار وزارة التربية بسحب
стр. 2880
الكتاب - وأتمنى أن لا تكون الوزارة قد تراجعت عنه - ومن هذه التعبيرات (يبدو أن عدوى محاكم التفتيش التي أصابت بعض البلدان العربية قد انتقلت إلى فلسطين)، (إن هذا الإعدام -سحب الكتاب - يرقى إلى مستوى الجنون الطالباني الذي نسف تمثال بوذا في أفغانستان، رغم قيمته التاريخية والفنية)، (هذا التفكير الذي ينتمي إلى ممارسات محاكم التفتيش في القرون الوسطى) وأخطر من ذلك أن بعضهم قارن بين كتاب (قول يا طير) وبين القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة فزعم أن فيهما نصوصاً تخدش الحياء!! ولقد أعظم الفرية على كتاب الله وعلى نبينا محمد ﷺ .
إذا تقرر هذا عن حقيقة كتاب (قول يا طير) فإن وصفه بأنه (كتاب أكاديمي علمي يعد من أمهات كتب التراث الشعبي) وصف في غير محله، وما قيل من أن سحب الكتاب إنما هو اعتداء على التراث الفلسطيني، فكلام باطل، وكأن التراث الفلسطيني مقدس لا يجوز مسه بأي حال من الأحوال. إن التراث الفلسطيني فيه الغث والسمين وفيه النافع والضار وفيه ما يتفق مع عقيدتنا وديننا وفيه ما يخالف ذلك، فيجب أن يخضع التراث الفلسطيني للنقد العلمي، لأنه تراث غير معصوم وغير مقدس، وإذا كانت النصوص المنقولة عن نبي الإسلام محمد ﷺ قد خضعت لمعايير النقد عند المحدثين أفلا تخضع الخرافات وقصص الفاحشة والرذيلة للنقد!! أم أن هؤلاء المثقفين يريدون أن يضفوا على التراث قدسية، تجعله فوق النقد وفوق المساءلة وفوق الفحص والاختبار. أم أن هؤلاء المثقفين يرددون علينا ما
стр. 2881
قاله الجاهليون كما أخبرنا الله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ سورة البقرة الآية ١٧٠.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ سورة المائدة الآية ١٠٤.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ سورة لقمان الآية ٢١.
وقال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ سورة الزخرف الآية ٢٢. وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ سورة الزخرف الآية ٢٣.
ويضاف إلى ما سبق كما أشرت أن كتاب (قول يا طير) كتب باللغة العامية، والأصل أن نعلم أبنائنا اللغة العربية الفصحى
فهي لغتنا، وهي لغة القرآن الكريم ولغة الحديث النبوي الشريف، كما قال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ سورة الشعراء الآية١٩٥، فعلينا أن نكتب وننشر بالفصحى لا بالعامية.
стр. 2882
وخلاصة الأمر أن كتاب (قول يا طير) يجب سحبه من مكتبات المدارس، لأن فيه ما يخالف ديننا وعاداتنا وأعرافنا الطيبة، ولا ينبغي أن يكون بين أيدي الأطفال لأن فيه ما فيه من الأمور التي أشرت لبعضها.
وخلاصة الموقف الصحيح من التراث الفلسطيني وغيره من التراث العالمي أنه يجب أن يخضع لقواعد النقد العلمي فما كان صحيحاً بميزان شرعنا قبلناه وما كان غير ذلك رفضناه والحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها فهو أحق بها.
- - -
تمَّ الكتاب بحمد الله تعالى
стр. 2883
فهرس المحتويات
الموضوع ... الصفحة
المقدمة ... ٥
العقيدة والتفسير ... ١٣
التألي على الله ... ١٥
حكم الدعاء بـ (اللهم إني لا أسألك رد القضاء) ... ٢٠
الكهان الجدد ... ٢٥
الشيعة ليست مذهباً فقهياً خامساً ... ٣٠
مكانة المسجد الأقصى المبارك عند الشيعة ... ٣٥
تبرج الجاهلية الأولى ... ٤١
الحديث الشريف وعلومه ... ٤٧
حديث (الصلاة خلف كل بر وفاجر) ... ٤٩
حديث (خمس ليس لهن كفارة) ... ٥٥
حديث (أفضل العبادة انتظار الفرج) ... ٦٠
حديث قدسي لا أصل له ... ٦٤
حديث مكذوب ... ٦٨
الصلاة ... ٧٥
стр. 2884
المسج على الجورب الرقيق من مسائل الخلاف المعتبر ... ٧٧
لبس الكفوف (القفازات) أثناء الصلاة ... ٨١
اللحاق بالإمام في صلاة الجماعة ... ٨٣
الاستخلاف في الصلاة وكون المستخلف مسبوقاً ... ٨٧
إذا جمع المسافر بين الصلاتين ثم وصل بلده أثناء وقت الصلاة الثانية ... ٩١
كيفية صلاة الاستسقاء ... ٩٥
اصطفاف أهل الميت عند المقبرة لتقبل التعزية ... ٩٩
انتهاك حرمة المساجد من الفرق الكشفية ... ١٠٣
الزكاة ... ١٠٩
أنصبة الزكاة توقيفية لا يجوز تعديلها مطلقاً ... ١١١
تجب الزكاة في مال اليتيم ... ١١٦
كيف يزكي المزارع ثمن المحصول إذا باعه بعد أن وجبت فيه الزكاة؟ ... ١٢٠
زكاة مزارع الدجاج اللاحم ... ١٢٥
زكاة المال المستفاد ... ١٢٩
يجوز قضاء دين الأقارب من مال الزكاة ... ١٣٤
وجوب زكاة الفطر في حق من لم يصم رمضان ... ١٣٩
الصيام ... ١٤٥
стр. 2885
المفطرات العصرية ... ١٤٧
الطبيب الذي يؤخذ بقوله في إفطار المريض في رمضان ... ١٥٣
قضاء رمضان ... ١٥٨
البرامج التلفزيونية في رمضان ... ١٦٣
الحج والأضحية والنذور ... ١٦٩
أيهما أولى تزويج الابن أم حج الفريضة؟ ... ١٧١
أحكام تتعلق بالتوكيل في الأضحية ... ١٧٦
استبدال المنذور بخير منه ... ١٨١
المعاملات ... ١٨٧
تسمية الثمن شرط لصحة البيع بخلاف قبضه عند العقد ... ١٨٩
دفع أجرة العقار مقدماً ... ١٩٤
جعل سعر الفائدة مؤشراً للربح في البنوك الإسلامية ... ١٩٨
بيع العملات بالهامش (المارجن) ... ٢٠٣
حق الجار في استعمال سور جاره ... ٢١١
المرأة والأسرة ... ٢١٧
حق الزوجة بمسكن مستقل ... ٢١٩
حكم الزواج بنية الطلاق ... ٢٢٤
إنصاف الابن الذي يعمل في تجارة أبيه دون إخوته ... ٢٣١
يجوز زواج الزانيين إذا تابا توبة صادقة ... ٢٣٦
стр. 2886
النساء أولى بالحضانة من الرجال ... ٢٤٢
حكم دراسة الفتاة في مدرسة تمنعها من ارتداء الجلباب ... ٢٤٦
رضاع الكبير ... ٢٥٢
الجنايات والحدود ... ٢٥٨
عاقلة المرأة ... ٢٦٠
حكم اليمين والخمسة المعمول بها في القضاء العشائري ... ٢٦٦
الصلح على أكثر من الدية في القتل العمد ... ٢٧١
متفرقات ... ٢٧٧
ترك مجالسة أهل الأهواء وآكلي لحوم العلماء ... ٢٧٩
كتاب (قول يا طير) وما أثير حوله ... ٢٨٤
فهرس المحتويات ... ٢٨٩
الأعمال العلمية للمؤلف أ. د. حسام الدين عفانة ... ٢٩٣
стр. 2887
الأعمال العلمية للمؤلف الأستاذ الدكتور
حسام الدين عفانة
١. الحقيقة والمجاز في الكتاب والسنة وعلاقتهما بالأحكام الشرعية (رسالة الماجستير)
٢. بيان معاني البديع في أصول الفقه (رسالة الدكتوراه)
٣. الأدلة الشرعية على تحريم مصافحة المرأة الأجنبية (كتاب)
٤. أحكام العقيقة في الشريعة الإسلامية (كتاب)
٥. يسألونك الجزء الأول (كتاب)
٦. يسألونك الجزء الثاني (كتاب)
٧. بيع المرابحة للآمر بالشراء على ضوء تجربة شركة بيت المال الفلسطيني العربي (كتاب)
٨. صلاة الغائب دراسة فقهية مقارنة (كتاب)
٩. يسألونك الجزء الثالث (كتاب)
١٠. يسألونك الجزء الرابع (كتاب)
١١. يسألونك الجزء الخامس (كتاب)
١٢. المفصل في أحكام الأضحية (كتاب)
١٣. شرح الورقات في أصول الفقه لجلال الدين المحلي (دراسة وتعليق وتحقيق)
١٤. فهارس مخطوطات مؤسسة إحياء التراث الإسلامي ج١
стр. 2888
١٥. الفتاوى الشرعية (١) بالاشتراك (هيئة الرقابة الشرعية لشركة بيت المال الفلسطيني العربي)
١٦. الفتاوى الشرعية (٢) بالاشتراك (هيئة الرقابة الشرعية لشركة بيت المال الفلسطيني العربي)
١٧. الشيخ العلامة مرعي الكرمي وكتابه دليل الطالب (بحث)
١٨. الزواج المبكر (بحث)
١٩. الإجهاض (بحث)
٢٠. مسائل مهمات في فقه الصوم والتراويح والقراءة على الأموات (كتاب)
٢١. مختصر كتاب جلباب المرأة المسلمة للعلامة المحدث الألباني (كتاب)
٢٢. إتباع لا ابتداع (كتاب)
٢٣. بذل المجهود في تحرير أسئلة تغير النقود للغزي التمرتاشي (دراسة وتعليق وتحقيق)
٢٤. يسألونك الجزء السادس (كتاب)
٢٥. رسالة إنقاذ الهالكين للعلامة محمد البركوي (دراسة وتعليق وتحقيق)
٢٦. الخصال المكفرة للذنوب (يتضمن تحقيق مخطوط للخطيب الشربيني) (كتاب)
٢٧. أحاديث الطائفة الظاهرة وتحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين (كتاب)
٢٨. التنجيم (بحث بالاشتراك)
٢٩. الحسابات الفلكية (بحث بالاشتراك)
стр. 2889
٣٠. يسألونك الجزء السابع (كتاب)
٣١. المفصل في أحكام العقيقة (كتاب)
٣٢. يسألونك الجزء الثامن (كتاب)
٣٣. يسألونك الجزء التاسع (كتاب)
٣٤. فهرس المخطوطات المصورة ج ٢ (الفقه الشافعي) (كتاب)
٣٥. فقه التاجر المسلم وآدابه (كتاب)
وقد ترجم الكتاب إلى اللغة التركية الدكتور ثروت بايندر من جامعة إستنبول
٣٦. يسألونك الجزء العاشر (كتاب)
٣٧. يسألونك الجزء الحادي عشر (كتاب)
٣٨. يسألونك عن الزكاة (كتاب)
٣٩. يسألونك الجزء الثاني عشر (هذا الكتاب)
موقع الأستاذ الدكتور حسام الدين عفانة على شبكة الإنترنت:
www.yasaloonak.net
وعنوان البريد الإلكتروني:
husam@is.alquds.edu
أو:
yasaloonak.net@fatawa
стр. 2890
يسألونك
الجزء الثالث عشر
تأليف
الأستاذ الدكتور حسام الدين بن موسى عفانة
كلية الدعوة وأصول الدين / جامعة القدس
стр. 2891
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 2892
مقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
وبعد
فإن الاجتهاد الجماعي الذي تمارسه مجامع الفقه الإسلامي المعاصرة، يعد مَعْلَماً من معالم مسيرة الفقه الإسلامي في العصر الحاضر، ولا شك أن وجود هذه المجامع وصدور الآراء الفقهية الجماعية عنها يعطي قوة للفقه الإسلامي، وخاصة أن المجامع الفقهية تتصدى لكثير من النوازل الفقهية والقضايا المعاصرة، وهذا يجعل الفقه الإسلامي قادراً على مواجهة تطور الحياة العصرية.
ولا شك أن الاجتهاد الجماعي الذي تمثله المجامع الفقهية، مقدم على الاجتهاد الفردي الذي يصدر عن أفراد الفقهاء، فهو أكثر دقةً وإصابةً من الاجتهاد الفردي، كما أن فيه تحقيقاً لمبدأ الشورى في الاجتهاد، وهو مبدأ
стр. 2893
أصيل في تاريخ الفقه الإسلامي، فقد روى ميمون بن مهران: (أن أبا بكر ﵁ كان إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله ﷺ في ذلك الأمر سنة قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين، وقال: أتاني كذا وكذا، فهل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر، كلهم يذكر من رسول الله ﷺ فيه قضاء، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ على نبينا. فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله ﷺ ، جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به ... ) سنن الدارمي ١/ ٤٠.
وروى الإمام النسائي في باب الحكم باتفاق أهل العلم بإسناده عن عبد الرحمن بن يزيد قال: أكثروا على عبد الله - ابن مسعود - ذات يوم فقال عبد الله: إنه قد أتى علينا زمان ولسنا نقضي ولسنا هنالك ثم إن الله قدر علينا أن بلغنا ما ترون فمن عرض له منكم قضاء بعد اليوم فليقض بما في كتاب الله فإن جاء أمر ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه ﷺ فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه ﷺ فليقض بما قضى به الصالحون فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه ﷺ ولا قضى به الصالحون فليجتهد رأيه ولا يقول إني أخاف وإني أخاف، فإن الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك. قال أبو عبد الرحمن - النسائي- هذا الحديث جيد جيد.
стр. 2894
ثم روى النسائي بإسناده عن شريح أنه كتب إلى عمر يسأله، فكتب إليه: أن اقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله، فبسنة رسول الله ﷺ ، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ ، فاقض بما قضى به الصالحون، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ ولم يقض به الصالحون، فإن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر، ولا أرى التأخر إلا خيراً لك والسلام عليكم.] سنن النسائي ٨/ ٢٣٠.
وروى البيهقي عن ميمون بن مهران أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يفعل ذلك فإن أعياه أن يجد في القرآن والسنة نظر هل كان لأبي بكر ﵁ فيه قضاء، فإن وجد أبا بكر ﵁ قد قضى فيه بقضاء قضى به، وإلا دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم، فاستشارهم فإذا اجتمعوا على الأمر قضى بينهم. السنن الكبرى ١٠/ ١١٤.
ويقول الإمام الجويني: [والمعتقد أنه لا يفرضُ وقوعُ واقعةٍ مع بقاءِ الشريعة بين ظهراني حملتها إلا وفي الشريعة مستمسكٌ بحكم الله فيها. والدليل القاطع على ذلك أَن أصحاب المصطفى ﷺ ورضي عنهم استقصَوْا النظرَ في الوقائع والفتاوىَ والأَقضية، فكانوا يعرضونها على كتاب الله تعالى، فإن لم يجدوا فيها متعَلَّقاً، راجعوا سُنَنَ المصطفى ﵊، فإن لم يجدوا فيها شفاءً، اشتوروا، واجتهدوا، وعلى ذلك درجوا في تمادي دهرِهم، إِلى انقراض عصرهم، ثم استنَّ مَن بعدهم بسنتهم] غياث الأمم
وقد ذكر ابن الجوزي في حوادث سنة سبع وثمانين للهجرة أن عمر بن عبد العزيز ولي المدينة فقدم والياً في ربيع الأول وهو ابن خمس وعشرين سنة، فقدم
стр. 2895
على ثلاثين بعيراً، فنزل دار مروان، فلما صلى الظهر دعا عشرة من فقهاء المدينة: عروة بن الزبير، وعبيد الله بن عتبة، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن سليمان بن أبي
خثيمة، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وخارجة بن زيد، فدخلوا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنما دعوتكم لأمر تؤجرون عليه، وتكونون فيه أعواناً على الحق، ما أريد أن أقطع أمراً إلا برأيكم أو برأي من حضر منكم، فإن رأيتم أحداً استعدى أو بلغكم عن عامل لي ظلامة، فأحَرِّجُ على من بلغه ذلك إلا بلغني، فجزوه خيراً وانصرفوا. المنتظم في تاريخ الأمم والملوك ٦/ ٢٧٨.
وقال العلامة ابن القيم: [ ... ولهذا كان من سداد الرأي وإصابته أن يكون شورى بين أهله ولا ينفرد به واحد وقد مدح الله سبحانه المؤمنين بكون أمرهم شورى بينهم وكانت النازلة إذا نزلت بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ليس عنده فيها نصٌ عن الله ولا عن رسوله، جمع لها أصحاب رسول الله ﷺ ثم جعلها شورى بينهم.
قال البخاري حدثنا سنيد حدثنا يزيد عن العوام بن حوشب عن المسيب ابن رافع قال كان إذا جاءه الشيء من القضاء ليس في الكتاب ولا في السنة سمَّى صوافي الأمر فرفع إليهم فجمع له أهل العلم فإذا اجتمع عليه رأيهم الحق.
وقال محمد بن سليمان الباغندي حدثنا عبد الرحمن بن يونس حدثنا عمر بن أيوب أخبرنا عيسى بن المسيب عن عامر عن شريح القاضي قال: قال لي عمر بن الخطاب أن اقض بما استبان لك من قضاء رسول الله ﷺ ، فإن لم تعلم كل أقضية رسول الله ﷺ ، فاقض بما استبان لك
стр. 2896
من أئمة المهتدين، فإن لم تعلم كل ما قضت به أئمة المهتدين، فاجتهد رأيك واستشر أهل العلم والصلاح] إعلام الموقعين ٢/ ١٥٦ - ١٥٧.
ومن أهمية الاجتهاد الجماعي في عصرنا الحاضر أنه أقدر على تقديم الحلول للمشكلات المعاصرة، وهذا الأمر جِدُ ظاهرٍ من خلال قرارات المجامع الفقهية التي
عالجت كثيراً من القضايا الفقهية المعاصرة، مثل قضايا البنوك الإسلامية والتأمين التعاوني والقضايا الطبية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.
وتأسيساً على ما سبق فإن القرارات التي تصدر عن المجامع الفقهية والهيئات العلمية المعتبرة، ينبغي أن تقدم على الآراء الفردية، وهذا من ضمن أسس المنهج الذي أسير عليه في هذه السلسلة المباركة - سلسلة يسألونك - فإني أعتدُّ كثيراً بما تصدره المجامع الفقهية، وأعتمد عليه في هذه الفتاوى، لأنه أكثر دقةً وإصابةً من الاجتهاد الفردي، كما أن فيه تحقيقاً لمبدأ الشورى في الاجتهاد كما ذكرت سابقاً.
ولا بد أن أذكر هنا هذه المجامع الفقهية والهيئات العلمية المعتبرة:
أولاً: مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ومقره في جدة بالمملكة العربية السعودية، وهو أهم المجامع الفقهية وأنشطها. وأعضاؤه من الفقهاء والعلماء والمفكرين في شتى مجالات المعرفة من فقهية وثقافية وعلمية واقتصادية من أنحاء العالم الإسلامي لدراسة مشكلات الحياة المعاصرة والاجتهاد فيها اجتهاداً أصيلاً فاعلاً، بهدف تقديم الحلول النابعة من التراث الإسلامي والمنفتحة علي تطور الفكر الإسلامي لتلك المشكلات.
ثانياً: المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي ومقره في مكة المكرمة. وهو عبارة عن هيئة علمية إسلامية ذات شخصية اعتبارية مستقلة،
стр. 2897
داخل إطار رابطة العالم الإسلامي، مكونة من مجموعة مختارة من فقهاء الأمة الإسلامية وعلمائها.
ثالثاً: هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، وهي هيئة علمية تتكون من كبار العلماء في المملكة العربية السعودية المتخصصين في الشريعة الإسلامية وهي أكبر هيئة علمية في المملكة.
رابعاً: مجمع الفقه الإسلامي في الهند أنشأ سنة ١٩٨٩م تحت إشراف كبار علماء الهند المسلمين.
خامساً: مجمع فقهاء الشريعة في أمريكا وهو مؤسسة علمية تتكون من مجموعة مختارة من فقهاء الأمة الإسلامية وعلمائها.
سادساً: المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث ويتكون من مجموعة مختارة من فقهاء الأمة الإسلامية وعلمائها.
سابعاً: مجمع البحوث الإسلامية وقد أنشأ في الأزهر سنة ١٩٦١م برئاسة شيخ الأزهر.
وختاماً فهذا هو الجزء الثالث عشر من كتابي يسألونك وأصله حلقات تنشر صباح كل يوم جمعة في جريدة القدس المقدسية، وقد سلكت فيه المنهج الذي سلكته في الأجزاء السابقة، من اعتمادٍ على كتاب الله وعلى سنة سيدنا رسول الله ﷺ ، وعلى فهم سلف هذه الأمة، وعلى الاجتهادات الجماعية الصادرة عن المجامع الفقهية والهيئات العلمية المعتبرة، فإن أصبت فذلك الفضل من الله، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، وأقول ما قاله القاضي البيساني ﵀:
[إني رأيت أنه لا يكتب إنسانٌ كتاباً في يومه، إلا قال في غده لو غُيِّرَ هذا لكان أحسن، ولو زِيدَ كذا لكان يستحسن، ولو
стр. 2898
قُدِمَ هذا لكان أفضل، ولو تُرِكَ هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليلٌ على استيلاء النقص على جملة البشر].
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
كتبه الأستاذ الدكتور حسام الدين بن موسى عفانة
أبوديس/ القدس المحتلة
صباح يوم السبت السابع من شعبان ١٤٢٩هـ ... وفق التاسع من آب ٢٠٠٨ م.
стр. 2899
العقيدة والتفسير
стр. 2900
حكم كتابة الآيات القرآنية على هيكل المركبات
يقول السائل: ما حكم كتابة الآيات القرآنية على هيكل المركبات من الخارج، وهل يأثم من يأمر بإزالتها، أفيدونا؟
الجواب: القرآن الكريم كتاب هداية ودستور، ومنهاج للأمة وقد أنزل الله القرآن الكريم ليسيِّر الناس وفق هداه ويطبقوه في حياتهم.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ سورة الإسراء الآية ٩، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً لِّيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً﴾ سورة الكهف الآيات ١ - ٣، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ (سورة يونس الآية ٥٧، وقال تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء (سورة الزمر الآية ٢٣، وقال تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (سورة ق الآية ٣٧، وغير ذلك من الآيات الكريمات.
ولا شك أن تعظيم كتاب الله أمر واجب في حق كل مسلم، ومن وقَّر القرآن الكريم، فقد وقَّر الله ومن استخف بالقرآن فقد استخف بالله ، وقد أجمعت الأمة المسلمة على وجوب تعظيم القرآن الكريم، ووجوب تنزيهه وصيانته عن الامتهان والابتذال، ومن القواعد المقررة شرعاً وجوب تعظيم شعائر الله، يقول الله تعالى: (ذلك وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (سورة الحج الآية ٣٢. ويقول تعالى: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ (سورة الحج
стр. 2901
الآية٣٠، قال الإمام القرطبي: [(وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ (الشعائر جمع شعيرة، وهو كل شيء لله تعالى فيه أمر أشعر به وأعلم ... فشعائر الله أعلام دينه ... ] تفسير القرطبي١٢/ ٥٦. وقد ورد عن عمر ﵁ أنه قال: (عظموا القرآن) تفسير القرطبي ١/ ٢٩. وقال الإمام النووي: [أجمع المسلمون على وجوب صيانة المصحف واحترامه] التبيان في آداب حملة القرآن، ص١٠٨. وقال القاضي عياض: [من استخف بالقرآن أو بالمصحف أو بشيء منه فهو كافر بإجماع المسلمين] الآداب الشرعية ٢/ ٣٩٣. وقد ذكر العلماء جملة من الآداب التي ينبغي للمسلم أن يتحلى
بها عند التعامل مع القرآن الكريم. انظر التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي.
إذا تقرر هذا فإنه لا يجوز شرعاً كتابة الآيات القرآنية على الهياكل الخارجية للسيارات، لاشتمال ذلك على مفاسد كثيرة منها:
- إن في ذلك امتهاناً للآيات القرآنية، وامتهانها من المحرمات شرعاً. وقد جاء في كتاب المصاحف لابن أبي داود أن عمر بن عبد العزيز ﵀ رأى ابناً له يكتُب آية في حائط فضربه، وكتابة الآيات القرآنية على الهياكل الخارجية للسيارات، يجعلها عرضة للتلوث بالغبار والأتربة والطين وغيرها من القاذورات.
- وكتابة الآيات القرآنية على الهياكل الخارجية للسيارات يعرضها للتلف والتمزق وسقوطها على الأرض، وهذا يتنافى مع وجوب صيانة القرآن الكريم والمحافظة عليه.
- بعض السائقين يلصق الآيات القرآنية على الهياكل الخارجية للسيارات، من باب رد العين ودفع الشرور وجلب الأرزاق، وهذا مما لا يجوز في الشرع.
стр. 2902
- بعض السائقين يلصق الآيات القرآنية على الهياكل الخارجية للسيارات ويستعملها في غير ما أنزلت له، مثل من يعلق قوله تعالى: (يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ (سورة هود الآية ٤٢، وهذا من التلاعب بكلام رب العالمين وهو من المحرمات.
- بعض الآيات القرآنية التي تلصق على الهياكل الخارجية للسيارات، تكون مكتوبة على صور ذوات الأرواح كما لو جعلت اللوحة القرآنية على شكل إنسان، أو على شكل طائر أو حيوان؛ ونحو ذلك من الأشكال التي لا يليق وضعها قالباً لآيات القرآن الكريم كما سيأتي.
وقد بحث المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي مسألة تعظيم كتاب الله وورد في قراره:
[وبعد أن استمع المجلس إلى الأبحاث المقدمة في الموضوع المسئول عنه، والمناقشات المستفيضة في ذلك حوله، يؤكد على وجوب تعظيم كتاب الله واتباع هديه، والالتزام بمقاصده؛ فقد أنزل الله القرآن ليكون موعظة وعبرة، وشفاءً لما في الصدور، وليهتدي به الناس في عباداتهم ومعاملاتهم، ويطبقونه في جميع أمور حياتهم، ويتلونه حق تلاوته تدبراً وتذكراً، ويسترشدون به في جميع شؤونهم، ويأخذون أنفسهم بالعمل به في كل أحوالهم، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ
مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ([يونس: ٥٧]، وقال سبحانه: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً ([الإسراء: ٨٢]، وقال: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ([فصلت: ٤٤]،
стр. 2903
(كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ([صّ: ٢٩]، ويؤكد المجلس أن على المسلمين أن يعرفوا لكتاب ربهم منزلته، ويقدروه قدره، ويجعلوا مقاصده نصب أعينهم، ويتخذوا منه ومن سنة النبي ﷺ مناراً يهتدون بهما. والمجلس إذ يذَّكر بهذا ليهيب بالمسلمين القيام بما يجب عليهم تجاه الآيات القرآنية من احترامها والمحافظة عليها من الامتهان والعبث ويقرر ما يلي:
أولاً: جواز كتابة الآيات القرآنية وزخرفتها، واستخدامها لمقصد مشروع كأن تكون وسائل إيضاح لتعلم القرآن وتعليمه، وللقراءة والتذكير والاتعاظ، وفق الضوابط الآتية:
(١) أن تعامل اللوحات المكتوب فيها القرآن من حيث الصناعة والنقل معاملة طباعة المصحف، وهذا يوجب اتخاذ الإجراءات التي تضمن احترام الآيات المكتوبة، وصيانتها عن الامتهان.
(٢) عدم التهاون بألفاظ القرآن ومعانيه فلا تصرف عن مدلولها الشرعي، ولا تبتر عن سياقها.
(٣) أن لا تصنع بمواد نجسة أو يحرم استعمالها.
(٤) أن لا تدخل في باب العبث كتقطيع الحروف وإدخال بعض الكلمات في بعض، وأن لا يبالغ في زخرفتها بحيث تصعب قراءتها.
(٥) أن لا تجعل على صورة ذوات الأرواح كما لو جعلت اللوحة القرآنية على شكل إنسان، أو على شكل طائر أو حيوان؛ ونحو ذلك من الأشكال التي لا يليق وضعها قالباً لآيات القرآن الكريم.
стр. 2904
(٦) أن لا تصنع للتعاويذ المبتدعة وسائر المعتقدات الباطلة، ولا للصناعات المبتذلة ولا لترويج البضائع وإغراء الناس بالشراء.
ثانياً: لا حرج في بيعها وشرائها بالضوابط السابق ذكرها وفق الراجح من أقوال العلماء في بيع المصحف وشرائه.
ثالثاً: لا يجوز استخدام آيات القرآن الكريم للتنبيه والانتظار في الهواتف الجوالة وما في حكمها؛ وذلك لما في هذا الاستعمال من تعريض القرآن للابتذال والامتهان بقطع التلاوة وإهمالها، ولأنه قد تتلى الآيات في مواطن لا تليق بها.
وأما تسجيل القرآن الكريم في الهاتف للتلاوة منه أو الاستماع إليه فلا حرج فيه بل هو عون على نشر القرآن واستماعه وتدبره، ويحصل الثواب بالاستماع إليه؛ ففيه تذكير وتعليم، وإذاعة له بين المسلمين.
ويوصي المجمع الجهات المسئولة في الدولة الإسلامية بضرورة مراقبة صناعة اللوحات القرآنية بما يكفل عدم حدوث تجاوزات فيها، ومنع استيراد اللوحات القرآنية وما شابهها من الجهات والدول التي لا تحترم ما في اللوحات من آيات كريمة، والله أعلم].
وخلاصة الأمر أنه لا يجوز كتابة وإلصاق الآيات القرآنية على الهياكل الخارجية للسيارات، لما في ذلك من امتهان لكلام رب العالمين الذي أُمرنا بتعظيمه، والواجب على من يستطيع أن يمنع ذلك أن يمنعه وله الأجر والثواب.
стр. 2905
يؤخذ علم القراءات بالتلقي من أفواه القراء
يقول السائل: في مسجدنا شخص يدِّرس القراءات للناس مع العلم أنه لم يقرأ علم القراءات على العلماء ويزعم أنه أخذه من الكتب فما قولكم في ذلك، أفيدونا؟
الجواب: علم القراءات كما عَّرفه ابن الجزري بقوله: [القراءات علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها بعزو الناقلة] منجد المقرئين ومرشد الطالبين ص٢، وأما المقرئ: فهو العالم بالقراءات، التي رواها مشافهة بالتلقي عن أهلها إلى أن يبلغ النبي ﷺ .
وذكر ابن الجزري لو أن شخصاً حفظ كتاب التسهيل - وهو كتاب مشهور في القراءات لأبي عمرو الداني، وهو الذي نظمه الشاطبي في قصيدته المشهورة المسماة الشاطبية - فليس له أن يقرئ بما فيه إن لم يشافهه من شوفه به مسلسلاً، لأن في القراءات أشياء لا تحكم إلا بالسماع والمشافهة. منجد المقرئين ومرشد الطالبين ص٣. وانظر إتقان البرهان ٢/ ١٣٨ - ١٣٩.
وقد قرر علماء القراءات أن الأصل في علم القراءات هو التلقي من أفواه المشايخ والقراء ولا يؤخذ هذا العلم من الكتب بل بالسماع، ويدل على هذا الأصل أن النبي ﷺ تلقى القرآن الكريم من جبريل ﵇ كما قال : ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ سورة النمل الآية ٦، وقد تلقى الصحابة رضوان الله عليهم - خاصة القراء منهم - القرآن من رسول الله ﷺ . وقد أرشد النبي ﷺ الأمة أن يأخذوا القرآن عن أربعة من أصحابه المتقنين للقراءة فقد روى الإمام البخاري بإسناده عن مسروق: ذكر عبد
الله بن عمرو، عبد الله بن مسعود فقال: لا أزال أحبه، سمعت النبي ﷺ يقول: (خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله
стр. 2906
بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأُبيّ بن كعب). ويدل هذا الحديث على أن قراءة القرآن تؤخذ بالتلقي من أفواه القراء المتقنين، فالقرآن الكريم لا يؤخذ من كل من هب ودب، لأن في علم القراءات وجوهاً لا يحكمها إلا التلقي والمشافهة من القراء المتقنين، وما قرره العلماء في علم القراءات من وجوب التلقي من القراء والمشافهة من أفواه المشايخ هو ذاته ما قرروه في علم التجويد فهو أيضاً يؤخذ بالمشافهة والسماع من أهله المتقنين له. وتأكيداً لهذا المعنى يقول عبد الله بن مسعود ﵁: (والله لقد أخذت من فيِّ رسول الله ﷺ بضعاً وسبعين سورة) رواه البخاري.
وذكر الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني أن عثمان بن عفان ﵁ حينما بعث المصاحف إلى الآفاق، أرسل قارئاً مع كل مصحف يوافق قراءته في الأكثر الأغلب، انظر مناهل العرفان في علوم القرآن ١/ ٣٧٢ - ٣٧٣.
وقد اشتهر عن علماء السلف أنهم قالوا: [القراءة سنةٌ متبعةٌ يأخذها الآخر عن الأول]. وقال الإمام ابن الجزري: [ولا شك أن الأمة كما هم متعبدون بفهم معاني القرآن وإقامة حدوده متعبدون بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من أئمة القراءة المتصلة بالحضرة النبوية الأفصحية العربية التي لا تجوز مخالفتها ولا العدول عنها إلى غيرها. والناس في ذلك بين محسن مأجور، ومسيء آثم، أو معذور، فمن قدر على تصحيح كلام الله تعالى باللفظ الصحيح، العربي الفصيح، وعدل إلى اللفظ الفاسد العجمي أو النبطي القبيح، استغناءً بنفسه، واستبداداً برأيه وحدسه واتكالاً على ما ألف من حفظه. واستكباراً عن الرجوع إلى عالم يوقفه على صحيح لفظه. فإنه مقصر بلا شك، وآثم بلا ريب، وغاش بلا مرية،
стр. 2907
فقد قال رسول الله ﷺ : (الدين النصيحة: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين
وعامتهم) أما من كان لا يطاوعه لسانه؛ أو لا يجد من يهديه إلى الصواب بيانه فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها] النشر في القراءات العشر ١/ ٢٣٧.
وقال الشيخ جلال الدين السيوطي: [والأمة كما هم متعبدون بفهم معاني القرآن وأحكامه متعبدون بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من الأئمة القراء المتصل سندهم بالنبي ﷺ ] الإتقان في علوم القرآن ١/ ٣٢٤.
وقال الخطيب البغدادي: [الذي لا يأخذ العلم من أفواه العلماء لا يُسمى عالماً، ولا يُسمى الذي يقرأ من المصحف من غير سماع من القارئ قارئاً، إنما يسمى مصحفياً].
وقال الشيخ الدمياطي في تعريفه المقرئ: [من علم بها أداءً ورواها مشافهةً فلو حفظ كتاباً امتنع عليه إقراؤه بما فيه إن لم يشافهه من شوفه به مسلسلاً لأن في القراءات أشياء لا تحكم إلا بالسماع والمشافهة، بل لم يكتفوا بالسماع من لفظ الشيخ فقط في التحمل وإن اكتفوا به في الحديث، قالوا لأن المقصود هنا كيفية الأداء، وليس من سمع من لفظ الشيخ يقدر على الأداء أي فلا بد من قراءة الطالب على الشيخ بخلاف الحديث، فإن المقصود منه المعنى أو اللفظ، لا بالهيئات المعتبرة في أداء القرآن، أما الصحابة فكانت طباعهم السليمة وفصاحتهم تقتضي قدرتهم على الأداء كما سمعوه منه صلي الله عليه وسلم لأنه نزل بلغتهم] إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربعة عشر ص ٦٨.
وقال الشيخ محمود خليل الحصري - شيخ القراء المصريين -: [ومما يجب التنبه له أن التجويد العملي لا يمكن أن يؤخذ من المصحف مهما بلغ من الضبط والإجادة، ولا يمكن أن يُتعلم من الكتب مهما بلغت من البيان والإيضاح، وإنما
стр. 2908
طريقه التلقي، والمشافهة، والتيقن، والسماع، والأخذ من أفواه الشيوخ المهرة المتقنين لألفاظ القرآن، المحكمين لأدائه، الضابطين لحروفه وكلماته لأن من الأحكام القرآنية ما لا يحكمه
إلا المشافهة، والتوقيف، ولا يضبطه إلا السماع والتلقين، ولا يجيده إلا الأخذ من أفواه العارفين] أحكام قراءة القرآن ص ١٨.
وقال الشيخ محمد علي خلف الحسيني شيخ القراء بالديار المصرية سابقاً: [وإذ قد علمت أن التجويد واجب وعرفت حقيقته علمت أن معرفة الأداء والنطق بالقرآن على الصفة التي نزل بها متوقفة على التلقي والأخذ بالسماع من أفواه المشايخ الآخذين لها كذلك المتصل سندهم بالحضرة النبوية لأن القارئ لا يمكنه معرفة كيفية الإدغام والإخفاء والتفخيم والترقيق والإمالة المحضة أو المتوسطة والتحقيق والتسهيل والروم والإشمام ونحوها إلا بالسماع والإسماع، حتى يمكنه أن يحترز عن اللحن والخطأ وتقع القراءة على الصفة المعتبرة شرعاً، إذا علمت ذلك تبين لك أن التلقي المذكور واجب لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب كما هو معلوم ولأن صحة السند عن النبي ﷺ عن روح القدس عن الله بالصفة المتواترة أمر ضروري للكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ليتحقق بذلك دوام ما وعد به تعالى في قوله جل ذكره: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (سورة الحجر الآية ٩، وحينئذ فأخذ القرآن من المصحف بدون موقف لا يكفي بل لا يجوز ولو كان المصحف مضبوطاً ... فالحاصل أنه لابد من التلقي من أفواه المشايخ الضابطين المتقنين على ما تقدم ولا يعتد بالأخذ من المصاحف بدون معلم أصلاً ولا قائل بذلك ومرتكبه لاحظ له في الدين لتركه الواجب وارتكابه المحرم هذا محصل ما كتبه في هذا الموضوع من فطاحل الأئمة من يوثق بقولهم، ومن
стр. 2909
جهابذة الأمة من يؤخذ برأيهم في المعقول يرجع إليهم وفي المنقول يعتمد عليهم وهم - ثم سماهم وهم أحد عشر عالماً من القراء - ... ولذا قيل:
من يأخذ العلم عن شيخ مشافهة ... يكن عن الزيغ والتصحيف في حرم
ومن يكن آخذا للعلم من صحف ... فعلمه عند أهل العلم كالعدم]
القول السديد في بيان حكم التجويد ص٩ - ١٢.
وقد قال بعض السلف: [لا تأخذ القرآن من مُصحفي، ولا تأخذ الحديث من صُحُفي] شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف لأبي أحمد العسكري ص١٠. فالمصحفي هو الذي يقرأ القرآن من المصحف ولم يتتلمذ على أيدي القراء، والصحفي من أخذ العلم عن الكتب والصحف لا عن العلماء. وقال أبو حيان النحوي المشهور:
يظن الغمر أن الكتب تهدي ... أخا فهم لإدراك العلوم
وما يدري الجهول بأن فيها ... غوامض حيرت عقل الفهيم
إذا رمت العلوم بغير شيخ ... ضللت عن الصراط المستقيم
وتلتبس الأمور عليك حتى ... تصير أضل من توما الحكيم
وخلاصة الأمر أن علم القراءات وكذا علم التجويد لا يؤخذ من الكتب والمصاحف بل لا بد من التلقي من العلماء والقراء المتقنين، ولا يظنن أحد أنه لو حفظ متناً من متون القراءات كالشاطبية أنه قادر على تدريس هذا العلم، أنى له ذلك ما لم يتلقاه بالسماع والمشافهة، وعلى من أراد دراسة علم القراءات والتجويد أن يأخذه من أهل هذا الشأن وليس من أدعيائه وهم في زماننا كثر، وأنصح السائل وغيره أن لا يسمع لأدعياء العلم هؤلاء.
- - -
стр. 2910
القرآنييون
يقول السائل: قرأت حديثاً عن النبي ﷺ وفيه: (يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته يقول: عليكم بالقرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه) فهل هذا الحديث ثابت عن النبي ﷺ ، أفيدونا.
الجواب: هذا الحديث رواه الترمذي بإسناده عن أبي رافع ﵁ عن النبي ﷺ : (قال لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته -السرير- يأتيه أمرٌ مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه) ثم قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، وقال العلامة الألباني: صحيح. ورواه الترمذي أيضاً عن المقدام بن معد يكرب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته فيقول بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه وما وجدنا فيه حراماً حرمناه، وإن ما حرم رسول الله ﷺ كما حرم الله) ثم قال الترمذي هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقال العلامة الألباني: صحيح.
ورواه أبو داود عن المقدام بن معد يكرب ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه لا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السبع ... ) وقال العلامة الألباني: صحيح، والحديث رواه أيضاً الحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
следующие страницы →