Полный текст (3 492 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.
стр. 2941
وجه الحديث عندي، انتهى. وقد روى الحديث المذكور البيهقي في " الشعب " من طريق عقيل، وأورده من وجه آخر عن الزهري موصولاً عن أبي سلمة عن أبي هريرة وإسناده ضعيف ولفظه (الصيام لا رياء فيه، قال الله : هو لي وأنا أجزي به) وهذا لو صح لكان قاطعاً للنزاع. وقال القرطبي: لما كانت الأعمال يدخلها الرياء والصوم لا يطلع عليه بمجرد فعله إلا الله فأضافه الله إلى نفسه، ولهذا قال في الحديث (يدع شهوته من أجلي) وقال ابن الجوزي: جميع العبادات تظهر بفعلها وقلَّ أن يسلم ما يظهر من شوبٍ، بخلاف الصوم. وارتضى هذا الجواب المازري وقرره القرطبي بأن أعمال بني آدم لما كانت يمكن دخول الرياء فيها أضيفت إليهم، بخلاف الصوم فإن حال الممسك شبعاً مثل حال الممسك تقرباً يعني في الصورة الظاهرة ... ثانيها: أن المراد بقوله (وأنا أجزي
به) أني أنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته. وأما غيره من العبادات فقد اطلع عليها بعض الناس. قال القرطبي: معناه أن الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس وأنها تضاعف من عشرة إلى سبعمائة إلى ما شاء الله، إلا الصيام فإن الله يثيب عليه بغير تقدير. ويشهد لهذا السياق الرواية الأخرى يعني رواية الموطأ، وكذلك رواية الأعمش عن أبي صالح حيث قال: (كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله - قال الله - إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) أي أجازي عليه جزاءً كثيراً من غير تعيين لمقداره، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ انتهى. والصابرون الصائمون في أكثر الأقوال ... ثالثها: معنى قوله: (الصوم لي) أي أنه أحب العبادات إليَّ والمقدم عندي ... رابعها: الإضافة إضافة تشريف وتعظيم كما يقال بيت الله وإن كانت البيوت كلها لله ... ] فتح الباري ٤/ ١٤٠ - ١٤٢.
стр. 2942
ثم ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني بقية الأجوبة العشرة، وذكر أن أقرب الأجوبة إلى الصواب الأول والثاني. ولعل أصحها هو القول الأول، ولا بد أن يعلم أن المراد بالصيام هنا هو الصيام الذي سلم من المعاصي قولاً وفعلاً كما نقل الشيخ العيني اتفاق العلماء على ذلك. انظر عمدة القاري ٨/ ١٤.
وقال الحافظ ابن عبد البر: [وقوله: (الصيام لي وأنا أجزي به) معناه والله أعلم أن الصوم لا يظهر من بن آدم في قول ولا عمل وإنما هو نية ينطوي عليها لا يعلمها إلا الله وليست مما يظهر فيكتبها الحفظة كما تكتب الذكر والصلاة والصدقة وسائر أعمال الظاهر، لأن الصوم في الشريعة ليس هو بالإمساك عن الطعام والشراب دون استشعار النية واعتقاد النية بأن تركه الطعام والشراب والجماع ابتغاء ثواب الله ورغبته فيما ندب إليه تزلفاً وقربةً منه كل ذلك منه إيماناً واحتساباً لا يريد به غير الله ومن لم ينو بصومه أنه لله فليس بصيام، فلهذا قلنا إنه
لا تطلع عليه الحفظة لأن التارك للأكل والشرب ليس بصائم في الشرع إلا أن ينوي بفعله ذلك التقرب إلى الله تعالى بما أمره به ورضيه من تركه طعامه وشرابه له وحده لا شريك له لا لأحد سواه فمعنى قوله الصوم لي والله أعلم وكل ما أريد به وجه الله فهو له ولكنه ظاهر والصوم ليس بظاهر] الاستذكار ١٠/ ٢٤٩.
ويؤيد ما تقدم ما ورد في الأحاديث من ترتيب الأجر العظيم على كون الصيام إيماناً واحتساباً وكذلك قيام رمضان عامة وليلة القدر خاصة، كما في قوله ﷺ : (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه البخاري ومسلم.
стр. 2943
وقال ﷺ : (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه البخاري ومسلم.
وقال ﷺ : (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه البخاري ومسلم.
قال الإمام النووي: [معنى إيماناً: تصديقاً بأنه حق معتقد فضيلته، ومعنى احتساباً، أنه يريد الله تعالى لا يقصد رؤية الناس ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/ ٣٧٨.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [المراد بالإيمان: الاعتقاد بحق فرضية صومه، وبالاحتساب: طلب الثواب من الله تعالى] فتح الباري ٤/ ١٤٩.
وقال المباركفوري: [قوله: (من صام رمضان وقامه إيماناً) أي تصديقاً بأنه فرض عليه حق وأنه من أركان الإسلام ومما وعد الله عليه من الثواب والأجر قاله السيوطي. وقال الطيبي: نصب على أنه مفعول له أي للإيمان وهو التصديق بما جاء به النبي ﷺ والاعتقاد بفرضية الصوم، (واحتساباً) أي طلباً للثواب منه
تعالى، أو إخلاصاً، أي باعثه على الصوم ما ذكر لا الخوف من الناس ولا الاستحياء منهم ولا قصد السمعة والرياء عنهم] تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي ٢/ ٢٩٣.
إذا تقرر هذا فإن الصيام يجب أن يكون خالصاً لله تعالى لا تشوبه شائبة، وخاصة أن الصيام عبادة خفية لا يطلع عليها الناس، وهذا الحكم ينسحب على بقية أعمال المسلم ولكنه في الصيام أظهر وأوضح، وقد ورد في بعض النصوص النبوية الإشارة إلى الإيمان والاحتساب كما ورد في الصلاة على الميت وتشييعه وحضور دفنه فقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله
стр. 2944
صلى الله عليه وسلم قال: (من اتبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً، وكان معه حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها، ثم رجع قبل أن تدفن، فإنه يرجع بقيراط) رواه البخاري.
وروى البيهقي بإسناده عن عائشة أم المؤمنين ﵂: أنها سألت رسول الله ﷺ عن الطاعون فقالت: (حدثني نبي الله ﷺ أنه عذاب يبعثه الله على من يشاء فجعله رحمة للمؤمنين فليس عبد يقع الطاعون فيقيم ببلده إيماناً واحتساباً يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد) أخرجه البخاري من حديث داود بن أبي الفرات كما قال البيهقي في السنن الكبرى ٣/ ٣٧٦.
وخلاصة الأمر أن معنى كون الصوم لله وأنه يجزي به أن الصوم أبعد الأعمال عن الرياء لأنه أمر خفي لا يطلع عليه إلا الله . ولا بد للمسلم من أن يخلص عمله كله لله تعالى لأننا قد أمرنا بإخلاص الأعمال كلها لله تعالى كما قال ﷻ (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء (وقال النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى) رواه البخاري وغيره.
стр. 2945
معنى الاعتداء في الدعاء
يقول السائل: ما معنى الاعتداء في الدعاء، أفيدونا؟
الجواب: الدعاء عبادة عظيمة وحقيقته مناداة الله تعالى لما يريد الداعي من جلب منفعة أو دفع مضرة من المضار أو رفع البلاء بالدعاء، فهو سبب لذلك واستجلاب لرحمة المولى وقد جاءت النصوص الكثيرة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ مبينة فضله وحاثة عليه ومن ذلك قوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (سورة غافر الآية ٦٠. وقال تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (سورة الأعراف الآيتان ٥٥ - ٥٦. وقال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (سورة البقرة الآية ١٨٦.
وجاء في الحديث عن النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الدعاء هو العبادة) رواه الترمذي وقال حسن صحيح، وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/ ١٣٨.
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ليس شيء أكرم على الله من الدعاء) رواه الترمذي وابن ماجة وقال العلامة الألباني حسن. انظر صحيح سنن الترمذي ٣/ ١٣٨.
وعن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه الله إياها أو صرف عنه
стр. 2946
من السوء مثلها ما لم يدع بمأثمٍ أو قطيعة رحم، فقال رجل من القوم: إذاً نكثر، قال: الله أكثر) رواه الترمذي وقال حسن صحيح ووافقه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/ ١٨١.
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن أبخل الناس من بخل بالسلام وأعجز الناس من عجز عن الدعاء) رواه ابن حبان وأبو يعلى وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح الجامع حديث رقم ١٥١٩.
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من سرَّه أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء) رواه الترمذي والحاكم وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح الجامع حديث رقم ٦٢٩٠.
إذا تقرر هذا فإن للدعاء أحكاماً وآداباً قد فصلها العلماء في كتبهم ومنها ما ذكره الإمام النووي في كتابه الأذكار ص ٣٤٠ - ٣٤٢.
وأما مسألة الاعتداء في الدعاء فد وردت الإشارة إليها في الكتاب والسنة، أما الكتاب ففي قوله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (قال الإمام القرطبي: [يريد في الدعاء، وإن كان اللفظ عاماً]. تفسير القرطبي ٧/ ٢٢٦.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وقوله تعالى: (إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (عقيب قوله: (ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً (دليل على أنّ من لم يدعه تضرعاً وخفيةً فهو من المعتدين الذين لا يحبهم] مجموع الفتاوى ١٥/ ٢٤. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: [وعلى هذا فالاعتداء في الدعاء تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من
стр. 2947
المعونة على المحرمات وتارة يسأل ما لا يفعله الله مثل أن يسأل
تخليده إلى يوم القيامة أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشرية من الحاجة إلى الطعام والشراب ويسأله بأن يطلعه على غيبه أو أن يجعله من المعصومين أو يهب له ولدا من غير زوجة ونحو ذلك مما سؤاله اعتداء لا يحبه الله ولا يحب سائله وفسر الاعتداء برفع الصوت أيضاً في الدعاء وبعد فالآية أعم من ذلك كله وإن كان الاعتداء بالدعاء مراداً] مجموع الفتاوى ١٥/ ٢٢. وورد في الحديث (أن سعداً ﵁ سمع ابناً له يدعو وهو يقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها ونحواً من هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها فقال لقد سألت الله خيراً كثيراً، وتعوذت بالله من شرٍ كثير، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء، بحسبك أن تقول: اللهم إني أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله ما علمت منه وما لم أعلم) رواه أحمد وأبو داود وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود حديث رقم ١٣١٣. وورد في الحديث أن عبد الله بن مغفل ﵁ سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال أي بني سل الله الجنة وعُذ به من النار، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (سيكون قوم يعتدون في الدعاء). رواه ابن ماجة وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة حديث رقم ٣١١٦. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [والاعتداء في الدعاء يقع بزيادة الرفع فوق الحاجة - أي في الصوت - أو بطلب ما يستحيل حصوله شرعاً أو بطلب
стр. 2948
معصية أو يدعو بما لم يؤثر خصوصاً ما وردت كراهته كالسجع المتكلف وترك المأمور] فتح الباري ٨/ ٣٧٨.
وقال الإمام القرطبي: [والاعتداء في الدعاء على وجوه؛ منها الجهر الكثير والصياح، ومنها أن يدعو طالباً معصية وغير ذلك، ومنها أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنة، فيتخير ألفاظاً مقفرة وكلمات مسجعة قد وجدها في كراريس لا أصل لها ولا معول عليها، فيجعلها شعاره، ويترك ما دعا به رسوله وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء] تفسير القرطبي ٧/ ٢٢٦.
وقد نص أهل العلم على أن من الاعتداء في الدعاء أن يبالغ في تشقيق العبارات في الدعاء مثل من يقول (اللهم ارحمنا إذا ثقل منا اللسان، وارتخت منا اليدان، وبردت منا القدمان، ودنا منا الأهل والأصحاب، وشخصت منا الأبصار، وغسلنا المغسلون، وكفننا المكفنون، وصلى علينا المصلون، وحملونا على الأعناق، وارحمنا إذا وضعونا في القبور، وأهالوا علينا التراب، وسمعنا منهم وقع الأقدام، وصرنا في بطون اللحود، ومراتع الدود) ونحو ذلك من العبارات.
وكذلك فإن من الاعتداء في الدعاء السجع المتكلف قال الإمام البخاري: باب ما يكره من السجع في الدعاء، ثم ذكر أثر ابن عباس ﵁ وفيه ( ... وانظر السجع من الدعاء فاجتنبه فإني عهدت الرسول ﷺ وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب) انظر فتح الباري ١١/ ١٦٦.
ومن الاعتداء في الدعاء أن يدعو على غيره ظلماً وعدواناً فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يزال يُستجاب للعبد ما لم يدع بإثمٍ أو قطيعة رحم) رواه البخاري ومسلم. وكذا إذا دعا الإنسان على نفسه فإن ذلك من الاعتداء في الدعاء فقد قال الرسول صلى الله
стр. 2949
عليه وسلم: (لا تدعوا على أنفسكم، ولا على أولادكم، ولا على أموالكم، فتُوَافِقُوا ساعة فيستجيب الله لكم) رواه مسلم، وورد في الحديث عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ عاد رجلاً من المسلمين قد خفت -أي ضعف- فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله ﷺ : (هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه) قال: نعم كنت أقول اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا. فقال رسول الله ﷺ : (سبحان الله لا تطيقه -أو لا تستطيعه- أفلا قلت اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قال فدعا الله له فشفاه) رواه مسلم. ومن الاعتداء في الدعاء المبالغة في رفع الصوت فعن أبى موسى الشعري ﵁ قال كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة فجعلنا لا نصعد شرفاً، ولا نعلو شرفاً، ولا نهبط في وادٍ، إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير، قال: فدنا منا رسول الله ﷺ فقال: (يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمَ ولا غائباً إنما تدعون سميعاً بصيراً) رواه البخاري ومسلم. ومعنى قوله (اربعوا) أي ارفقوا. وبالإضافة إلى رفع الصوت فإن تمطيط الكلمات وتقعيرها يعتبر من الاعتداء في الدعاء، قال الفقيه الحنفي الكمال بن الهمام: [ما تعارفه الناس في هذه الأزمان من
التمطيط والمبالغة في الصياح والاشتغال بتحريرات النغم إظهاراً للصناعة النغمية لا إقامة للعبودية، فإنه لا يقتضي الإجابة بل هو من مقتضيات الرد، وهذا معلوم إن كان قصده إعجاب الناس به فكأنه قال اعجبوا من حسن صوتي وتحريري، ولا أرى أن تحرير النغم في الدعاء كما يفعله القراء في هذا الزمان يصدر ممن يفهم معنى الدعاء والسؤال وما ذاك إلا نوع لعب، فإنه لو قدر في الشاهد سائل حاجة من ملك أدى سؤاله وطلبه بتحرير النغم فيه من الخفض
стр. 2950
والرفع والتطريب والترجيع كالتغني، نسب البتة إلى قصد السخرية واللعب إذ مقام طلب الحاجة التضرع لا التغني فاستبان أن ذاك من مقتضيات الخيبة والحرمان] نقله المناوي في فيض القدير ١/ ٢٩٦.
وخلاصة الأمر أن صور الاعتداء في الدعاء كثيرة كالسجع والصياح وتشقيق الكلام والدعاء بمحال وغيرها وأن خير الدعاء هو الدعاء المأثور عن رسول الله ﷺ كما قال الإمام الغزالي: [والأولى ألا يتجاوز الداعي الدعوات المأثورة، فإنه قد يتعدى في دعائه فيسأل ما لا تقتضيه مصلحته] إحياء علوم الدين ١/ ٣٤١.
стр. 2951
الصلاة
стр. 2952
ضابط التخفيف في الصلاة
يقول السائل: اختلف المصلون في مسجدنا عندما أطال الإمام القراءة في صلاة الفجر، فطالبه بعضهم بالتخفيف، فهل لكم أن توضحوا لنا ضابط التخفيف في الصلاة، أفيدونا؟
الجواب: قرر أهل العلم أن السنة في حق الإمام أن يخفف في الصلاة اعتماداً على حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا أمَّ أحدكم الناس فليخفف، فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف والمريض فإذا صلى وحده فليصل كيف شاء) رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن وغيرهم، قال الإمام الترمذي: [وحديث أبي هريرة حديث حسن صحيح وهو قول أكثر أهل العلم اختاروا أن لا يطيل الإمام الصلاة مخافة المشقة على الضعيف والكبير والمريض] سنن الترمذي ١/ ٤٦٢. وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على التخفيف منها: عن أبي مسعود ﵁ قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني لأتخلف عن صلاة الصبح مما يطول بنا فلان. فقال رسول الله ﷺ : (إن منكم منفرين فأيكم أمَّ الناس فليخفف فإن فيهم الكبير والسقيم وذا الحاجة) رواه البخاري ومسلم.
وعن جابر ﵁ قال: أقبل رجل بناضحين له -الناضح الجمل الذي يسقى عليه- وقد جنح الليل فوافق معاذ بن جبل يصلى المغرب، فترك ناضحيه وأقبل إلى معاذ ليصلي معه، فقرأ معاذ البقرة، أو النساء فانطلق الرجل، وبلغه أن معاذاً نال منه. فأتى النبي ﷺ فشكا إليه معاذاً فقال النبي ﷺ : (أفاتن أنت، أو قال أفتان أنت ثلاث مرار. فلولا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى فإنه يصلى
стр. 2953
وراءك الكبير، وذو الحاجة والضعيف) رواه البخاري. وقصة معاذ رواها أحمد في المسند وابن خزيمة في صحيحه
والبيهقي في السنن الكبرى وغيرهم، وهي: (كان معاذ يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء ثم يرجع فيصلي بأصحابه، فرجع ذات ليلة فصلى بهم وصلى خلفه فتىً من قومه، فلما طال على الفتى صلى وخرج، فأخذ بخطام بعيره وانطلق. فلما صلى معاذ ذكر ذلك له فقال: إن هذا به لنفاق. لأخبرن رسول الله ﷺ بالذي صنع. وقال الفتى: وأنا لأخبرن رسول الله ﷺ بالذي صنع، فغدوا على رسول الله ﷺ فأخبره معاذ بالذي صنع الفتى. فقال الفتى: يا رسول الله يطيل المكث عندك، ثم يرجع فيطول علينا. فقال رسول الله ﷺ : أفتان أنت يا معاذ. وقال للفتى: كيف تصنع يا ابن أخي إذا صليت؟ قال: أقرأ بفاتحة الكتاب، وأسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، وإني لا أدرى ما دندنتك ودندنة معاذ. فقال رسول الله ﷺ : إني ومعاذ حول هاتين أو نحو ذا. قال: قال الفتى: ولكن سيعلم معاذ إذا قدم القوم وقد خبروا أن العدو قد دنوا. قال: فقدموا فاستشهد الفتى. فقال النبي ﷺ بعد ذلك لمعاذ: ما فعل خصمي وخصمك. قال: يا رسول الله صدق الله، وكذبت استشهد) وغير ذلك من الأحاديث. وينبغي أن يعلم أن المرجع في ضابط التخفيف في الصلاة هو السنة النبوية، وليس الأمر متروكاً لرغبات المأمومين، ولا لأهوائهم، ولا لأفعال أئمة المساجد، فإن الرغبات والأهواء لا تنتهي، فقد سمعنا أن بعض أئمة المساجد يحافظ على قراءة سورتي القارعة والزلزلة في صلاة الفجر، وبعضهم صلى التروايح في رمضان كله يقرأ سورة البروج كل ليلة يقسمها على ركعاتها. وبعضهم يصلي العشاء
стр. 2954
والتروايح في ربع ساعة، لذا كثر المصلون خلفه، وبعضهم لا يقرأ في صلاة المغرب إلا بقصار السور، وبعض المأمومين يطلب من إمام التروايح أن يخفف ليدرك حضور المسلسل التلفزيوني!! وحجة هؤلاء جميعاً قول النبي ﷺ : (إذا أمَّ أحدكم الناس فليخفف)، وما درى هؤلاء أن
التخفيف قضية نسبية كما قرر ذلك العلماء، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ ... ومن المعلوم أن مقدار الصلاة واجبها ومستحبها لا يرجع فيه إلى غير السنة، فإن هذا من العلم الذي لم يكله الله ورسوله إلى آراء العباد إذ النبي ﷺ كان يصلى بالمسلمين في كل يوم خمس صلوات وكذلك خلفاؤه الراشدون الذين أمرنا بالإقتداء بهم، فيجب البحث عما سنَّه رسول الله ﷺ ولا ينبغي أن يوضع فيه حكم بالرأي وإنما يكون اجتهاد الرأي فيما لم تمض به سنة عن رسول الله ﷺ ، لا يجوز أن يعمد إلى شيء مضت به سنة فيرد بالرأي والقياس. ومما يبين هذا أن التخفيف أمر نسبي إضافي ليس له حدٌّ في اللغة ولا في العرف، إذ قد يستطيل هؤلاء ما يستخفه هؤلاء ويستخف هؤلاء ما يستطيله هؤلاء، فهو أمر يختلف باختلاف عادات الناس ومقادير العبادات ولا في كل من العبادات التي ليست شرعية. فعُلِمَ أن الواجب على المسلم أن يرجع في مقدار التخفيف والتطويل إلى السنة، وبهذا يتبين أن أمره ﷺ بالتخفيف لا يُنافى أمره بالتطويل أيضاً في حديث عمار الذي في الصحيح لما قال: (إن طول صلاة الرجل وقِصَرَ خُطبته مَئِنَّةٌ مِنْ فقهه، فأطيلوا الصلاة واقُصُرُوا الخطبة). وهناك أمرهم بالتخفيف ولا منافاة بينهما، فإن الإطالة هنا بالنسبة إلى الخطبة والتخفيف هناك بالنسبة إلى ما فعل بعض الأئمة في زمانه من قراءة البقرة في العشاء الآخرة] مجموع الفتاوى ٢٢/ ٥٩٦ - ٥٩٧.
стр. 2955
وقال الشيخ ابن القيم: [وأما قوله ﷺ : (أيكم أمّ الناس فليخفف) وقول أنس ﵁: (كان رسول الله أخف الناس صلاة في تمام)، فالتخفيف أمْرٌ نسبي يرجع إلى ما فعله النبي ﷺ وواظب عليه، لا إلى شهوة المأمومين، فإنه لم يكن يأمرهم بأمرٍ ثم يخالفه، وقد عَلِمَ أن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة، فالذي فَعَلَه هو التخفيف الذي أَمَرَ به، فإنه كان يمكن أن
تكون صلاته أطول من ذلك بأضعاف مضاعفة، فهي خفيفة بالنسبة إلى أطول منها، وهَدْيه الذي كان واظب عليه هو الحاكم على كل ما تنازع فيه المتنازعون ويدل عليه ما رواه النسائي وغيره عن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالتخفيف ويؤمنا بـ (الصافات) فالقرءاة بـ (الصافات) من التخفيف الذي كان يأمر به والله أعلم] زاد المعاد ١/ ٢١٣ - ٢١٤.
وختاماً أذكر ما ذكره العلامة ابن القيم في قراءة النبي ﷺ في الصلوات فقال: [وكان ﷺ يقرأ في الفجر بنحو ستين آية إلى مائة آية وصلاها بسورة (ق) وصلاها بـ (الروم) وصلاها بـ (إذا الشمس كورت) وصلاها بـ (إذا زلزلت) في الركعتين كليهما وصلاها بـ (المعوذتين) وكان في السفر وصلاها فافتتح بـ (سورة المؤمنين) حتى إذا بلغ ذكر موسى وهارون في الركعة الأولى أخذته سعلة فركع، وكان يصليها يوم الجمعة بـ (ألم تنزيل السجدة) وسورة (هل أتى على الإنسان) كاملتين، ولم يفعل ما يفعله كثير من الناس اليوم من قراءة بعض هذه وبعض هذه في الركعتين وقراءة السجدة وحدها في الركعتين وهو خلاف السنة. وأما الظهر فكان يطيل قراءتها أحيانا حتى قال أبو سعيد: [كانت صلاة الظهر تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم
стр. 2956
يأتي أهله فيتوضأ ويدرك النبي ﷺ في الركعة الأولى مما يطيلها] رواه مسلم، وكان يقرأ فيها تارة بقدر (ألم تنزيل) وتارة بـ (سبح اسم ربك الأعلى) و (الليل إذا يغشى) وتارة بـ (السماء ذات البروج) و (السماء والطارق). وأما العصر فعلى النصف من قراءة صلاة الظهر إذا طالت وبقدرها إذا قصرت. وأما المغرب فكان هديه فيها خلاف عمل الناس اليوم فإنه صلاها مرة بـ (الأعراف) فرقها في الركعتين ومرة بـ (الطور) ومرة بـ (المرسلات). قال أبو عمر بن عبد البر: روي عن النبي ﷺ أنه قرأ في المغرب بـ (المص) وأنه قرأ فيها بـ (الصافات) وأنه قرأ فيها بـ (حم الدخان) وأنه
قرأ فيها بـ (سبح اسم ربك الأعلى) وأنه قرأ فيها بـ (التين والزيتون) وأنه قرأ فيها بـ (المعوذتين) وأنه قرأ فيها بـ (المرسلات) وأنه كان يقرأ فيها بقصار المفصل، قال: وهي كلها آثار صحاح مشهورة انتهى. وأما المداومة فيها على قراءة قصار المفصل دائماً فهو فعل مروان بن الحكم ولهذا أنكر عليه زيد بن ثابت وقال: ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل؟ وقد رأيت رسول الله ﷺ يقرأ بطولى الطوليين قال: قلت: وما طولى الطوليين؟ قال: (الأعراف). وهذا حديث صحيح رواه أهل السنن. وذكر النسائي عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قرأ في المغرب بسورة (الأعراف) فرقها في الركعتين فالمحافظة فيها على الآية القصيرة والسورة من قصار المفصل خلاف السنة، وهو فعل مروان بن الحكم. وأما العشاء الآخرة فقرأ فيها ﷺ بـ (التين والزيتون) ووقت لمعاذ فيها بـ (الشمس وضحاها) و (سبح اسم ربك الأعلى) و (الليل إذا يغشى) ونحوها وأنكر عليه قراءته فيها بـ (البقرة) ... وأما الجمعة فكان يقرأ فيها بسورتي (الجمعة) و
стр. 2957
(المنافقين) كاملتين و (سورة سبح) و (الغاشية). وأما الاقتصار على قراءة أواخر السورتين من ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ إلى آخرها فلم يفعله قط وهو مخالف لهديه الذي كان يحافظ عليه. وأما قراءته في الأعياد فتارة كان يقرأ سورتي (ق) و (اقتربت) كاملتين، وتارة سورتي (سبح) و (الغاشية) وهذا هو الهدي الذي استمر ﷺ عليه إلى أن لقي الله لم ينسخه شيء] زاد المعاد في هدي خير العباد ١/ ٢٠٩ - ٢١٢.
وخلاصة الأمر أن التخفيف في الصلاة أمر نسبي ومرجعه إلى هدي المصطفى ﷺ ، فالخير كل الخير في اتباعه ﷺ .
- - -
حكم الدعاء بالأمور الدنيوية في الصلاة المفروضة
يقول السائل: سمعت أحد المشايخ يقول إنه لا يجوز الدعاء بالأمور الدنيوية في الصلاة المفروضة، فهل هذا الحكم صحيح، أفيدونا؟
الجواب: لا شك أن الدعاء عبادة عظيمة بل ورد في الحديث عن النعمان بن بشير ﵄ عن النبي ﷺ قال: (الدعاء هو العبادة) رواه أصحاب السنن الأربعة، وقال الإمام الترمذي حديث حسن صحيح، وصححه الإمام النووي في الأذكار ص٣٣٣. قال الإمام ابن العربي المالكي: [وجه تسمية الدعاء عبادة بيِّن، لأن فيه الإقرار بالعجز من العبد والقدرة لله وذلك غاية الذل والخضوع] عارضة الأحوذي ١٢/ ٩٠. وقد وردت نصوص كثيرة في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ تحض على الدعاء بشكل عام كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ سورة غافر الآية ٦٠. وكما في قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ سورة الأعراف الآيتان ٥٥ - ٥٦. وجاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء) رواه الترمذي وابن ماجة وهو حديث حسن كما قال الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/ ١٣٨. وعنه أيضاً أن النبي ﷺ قال: (من سرّه أن يستجيب الله تعالى له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء) رواه الترمذي وقال الشيخ الألباني حديث حسن انظر صحيح سنن الترمذي ٣/ ١٤٠.
وعن النعمان بن بشير ﵄ أن النبي ﷺ قال: (الدعاء هو العبادة) ثم قرأ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ
стр. 2958
عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ سورة غافر الآية ٦٠، رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه العلامة الألباني في المصدر السابق.
وعن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من أحدٍ يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل أو كف عنه من سوء مثله ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم) رواه الترمذي وحسنه الشيخ الألباني المصدر السابق ٣/ ١٤٠. وغير ذلك من النصوص.
ومن أعظم مواطن الدعاء الصلاة - فرضها ونفلها - فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (فأما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود
стр. 2959
فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم) رواه مسلم. وقوله (فقمن) قال الإمام النووي: هو بفتح القاف وفتح الميم وكسرها لغتان مشهورتان فمن فتح فهو عنده مصدر لا يثنى ولا يجمع ومن كسر فهو وصف يثنى ويجمع قال: وفيه لغة ثالثة قمين بزيادة الياء وفتح القاف وكسر الميم ومعناه حقيق وجدير. شرح النووي على صحيح مسلم ٢/ ١٤٨. وقد ثبت في الحديث أنه ﷺ قال: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء) رواه مسلم.
إذا ثبت هذا فإنه يجوز للمصلي أن يدعو في صلاته -الفرض والنافلة- بخيري الدنيا والآخرة على الراجح من أقوال أهل العلم، قال الإمام النووي: [قال الشافعي والأصحاب: وله أن يدعو بما شاء من أمور الآخرة والدنيا، ولكن أمور الآخرة أفضل وله الدعاء بالدعوات المأثورة في هذا الموطن والمأثورة في غيره وله أن يدعو بغير المأثور ومما يريده من أمور الآخرة والدنيا] ثم نقل عن بعض الشافعية تردده في جواز الدعاء بالأمور الدنيوية ثم قال: [والصواب الذي عليه جمهور الأصحاب أنه يجوز كل ذلك ولا تبطل الصلاة بشيء منه ودليله الأحاديث الصحيحة ... منها أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: (ثم ليتخير من الدعاء ما شاء) ونحو ذلك من الأحاديث] المجموع ٣/ ٤٧٠.
وقال الإمام النووي أيضاً: [مذهبنا أنه يجوز أن يدعو فيها بكل ما يجوز الدعاء به خارج الصلاة من أمور الدين والدنيا كقوله اللهم ارزقني كسباً طيباً وولداً وداراً ... واللهم خلص فلاناً من السجن وأهلك فلاناً وغير ذلك، ولا يبطل صلاته شيء من ذلك عندنا وبه قال مالك والثوري وأبو ثور واسحق ... واحتج أصحابنا بقوله ﷺ : (وأما السجود فاجتهدوا فيه من الدعاء) وفي الحديث الآخر (فأكثروا الدعاء) وهما صحيحان ... فأطلق الأمر بالدعاء ولم يقيده فتناول
стр. 2960
كل ما يسمى دعاءً، ولأنه ﷺ دعا في مواضع بأدعية مختلفة فدل على أنه لا حجر فيه، وفى الصحيحين في حديث ابن مسعود رضي الله تعالي عنه عن النبي ﷺ في آخر التشهد (ثم ليتخير من الدعاء ما أعجبه وأحب إليه وما شاء) وفى رواية مسلم كما سبق في الفرع قبله وفى رواية أبي هريرة (ثم يدعو لنفسه ما بدا له) قال النسائي وإسناده صحيح كما سبق] المجموع ٣/ ٤٧١. ومما يدل على جواز الدعاء بالأمور الدنيوية في الصلاة مطلقاً أعني فرضاً كانت أم نافلة ما يلي: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في صلاة قلنا السلام على الله من عباده السلام على فلان وفلان فقال النبي ﷺ (لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتم أصاب كل عبد في السماء أو بين السماء والأرض أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعوه) رواه البخاري قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله: (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو) زاد أبو داود عن مسدد شيخ البخاري فيه (فيدعو به) ونحوه
النسائي من وجه آخر بلفظ (فليدع به) ولإسحاق عن عيسى عن الأعمش (ثم ليتخير من الدعاء ما أحب) وفي رواية منصور عن أبي وائل عند المصنف في الدعوات (ثم ليتخير من الثناء ما شاء) ونحوه لمسلم بلفظ (من المسألة). واستدل به على جواز الدعاء في الصلاة بما اختار المصلي من أمر الدنيا والآخرة، قال ابن بطال: خالف
стр. 2961
في ذلك النخعي وطاووس وأبو حنيفة فقالوا: لا يدعو في الصلاة إلا بما يوجد في القرآن، كذا أطلق هو ومن تبعه عن أبي حنيفة، والمعروف في كتب الحنفية أنه لا يدعو في الصلاة إلا بما جاء في القرآن أو ثبت في الحديث، وعبارة بعضهم: ما كان مأثوراً، قال قائلهم: والمأثور أعم من أن يكون مرفوعاً أو غير مرفوع، لكن ظاهر حديث الباب يرد عليهم، وكذا يرد على قول ابن سيرين: لا يدعو في الصلاة إلا بأمر الآخرة، واستثنى بعض الشافعية ما يقبح في أمر الدنيا، فإن أراد الفاحش من اللفظ فمحتمل، وإلا فلا شك أن الدعاء بالأمور المحرمة مطلقاً لا يجوز] فتح الباري ٢/ ٤١٥. وجاء في رواية عند مسلم: (ثم يتخير من المسألة ما شاء) قال الإمام النووي: [قوله ﷺ : (ثم يتخير من المسألة ما شاء) فيه استحباب الدعاء في آخر الصلاة قبل السلام، وفيه أنه يجوز الدعاء بما شاء من أمور الآخرة والدنيا ما لم يكن إثماً، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لا يجوز إلا بالدعوات الواردة في القرآن والسنة] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/ ٨٩.
واختار القول بجواز الدعاء بالأمور الدنيوية جماعة من أهل العلم المتقدمين والمتأخرين منهم الشيخ ابن قدامة المقدسي حيث قال: [وحكى عنه ابن المنذر -أي عن الإمام أحمد- أنه قال: لا بأس أن يدعو الرجل بجميع حوائجه؛ من حوائج دنياه وآخرته. وهذا هو الصحيح، إن شاء الله تعالى؛ لظواهر الأحاديث، فإن النبي ﷺ قال: (ثم ليتخير من الدعاء)، وقوله: (ثم يدعو لنفسه بما بدا له). وقوله: (ثم ليدع بعد بما شاء) ... ولأن أصحاب النبي ﷺ كانوا
يدعون في صلاتهم بما لم يتعلموه، فلم ينكر عليهم النبي
стр. 2962
صلى الله عليه وسلم ... ولما قال النبي ﷺ : (أما السجود فأكثروا فيه من الدعاء) لم يعين لهم ما يدعون به، فدل على أنه أباح لهم كل الدعاء ... ] المغني ١/ ٤٩٣ - ٤٩٤.
واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال بعد أن ذكر أقوال العلماء: [وهذا هو الصواب؛ لأن النبي ﷺ قال: (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه) ولم يوقت في دعاء الجنازة شيئاً، ولم يوقت لأصحابه دعاءً معيناً، كما وقت لهم الذكر، فكيف يقيد ما أطلقه الرسول ﷺ من الدعاء] مجموع الفتاوى ٢٢/ ٤٧٨.
واختار هذا القول أيضاً الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز حيث قال بعد أن ساق الأدلة السابقة: [وهي تدل على شرعية الدعاء في هذه المواضع بما أحبه المسلم من الدعاء سواء كان يتعلق بالآخرة أو يتعلق بمصالحه الدنيوية بشرط ألا يكون في دعائه إثم ولا قطيعة رحم والأفضل أن يكثر من الدعاء المأثور عن النبي ﷺ ] فتاوى الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز، واختاره أيضاً الشيخ العلامة العثيمين حيث قال جواباً على السؤال التالي: هل يصح أن يدعو بشيء يتعلق بالدنيا؟ فيقول مثلاً: اللهم ارزقني زوجة صالحة، أو داراً واسعة أو ما أشبه ذلك؟ فأجاب: نعم يصح؛ لأن الرسول ﷺ قال في حديث ابن مسعود: (ثم ليتخير من الدعاء ما شاء) والإنسان مفتقر إلى ربه في حوائج دينه ودنياه. ومن قال من أهل العلم إنه لا يدعو بأمر يتعلق بالدنيا، فقوله ضعيف؛ لأنه يخالف عموم قول الرسول ﷺ : (ثم ليتخير من الدعاء ما شاء)] فتاوى الشيخ العلامة العثيمين.
стр. 2963
وخلاصة الأمر أن الدعاء في الصلاة مشروع بل مندوب إليه، ولا فرق بين صلاة الفريضة والنافلة، ويجوز الدعاء بأمور الآخرة والدنيا، ولكن أفضل الدعاء هو الدعاء المأثور عن رسول الله ﷺ .
- - -
حكم تسوية الصفوف في صلاة الجماعة
يقول السائل: هنالك تساهل من كثير من المصلين في تسوية الصفوف في صلاة الجماعة وكذلك فإن بعض أئمة المساجد لا يهتمون بذلك، وبعض المصلين يتضايق عندما يحاول أحد المصلين رص الصف، أرجو توضيح مسألة تسوية الصفوف؟
الجواب: قال الإمام البخاري في صحيحه: [باب إقامة الصف من تمام الصلاة] ثم روى بإسناده عن أبى هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده. فقولوا ربنا لك الحمد. وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون، وأقيموا الصف في الصلاة، فإن إقامة الصف من حسن الصلاة) ثم روى عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة)، ثم قال الإمام البخاري: [باب إثم من لم يتم الصفوف]، ثم روى عن أنس ﵁ أنه قدم المدينة فقيل له ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله ﷺ ، قال ما أنكرت شيئاً إلا أنكم لا تقيمون الصفوف.
стр. 2964
وروى الإمام مسلم من حديث أنس ﵁ (فإن تسوية الصف من تمام الصلاة) وقال الإمام البخاري أيضاً: [باب إلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصف، وقال النعمان بن بشير: رأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه] قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [والمراد بذلك المبالغة في تعديل الصف وسد
خلله. وقد ورد الأمر بسد خلل الصف والترغيب فيه في أحاديث كثيرة أجمعها حديث ابن عمر عند أبي داود وصححه ابن خزيمة والحاكم ولفظه أن رسول الله ﷺ قال: (أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولا تذروا فرجاتٍ للشيطان، ومن وصل صفاً وصله الله، ومن قطع صفاً قطعه الله] فتح الباري ٢/ ٢٧٣.
وعن النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لتسونَّ صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية لمسلم عن سماك بن حرب قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح، حتى رأى أنا قد عقلنا عنه، ثم خرج يوماً فقام حتى كاد يكبر، فرأى رجلاً بادياً صدره من الصف، فقال: عباد الله؛ لتسونَّ صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم.) وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (إن الله وملائكته يُصَلون على الذين يَصِلون الصفوف، ومن سدَّ فرجةً رفعه الله بها درجة) رواه الترمذي وابن ماجة وابن حبان والبيهقي وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ١/ ١٢١.
إذا تقرر هذا فإن تسوية الصفوف في صلاة الجماعة من تمام الصلاة أو من إقامة الصلاة، أو من حُسن الصلاة، كما ورد في الأحاديث، وتسوية الصفوف مطلوبة
стр. 2965
شرعاً إما على سبيل الندب كما هو مذهب جمهور أهل العلم، وإما على سبيل الوجوب كما هو قول الإمام البخاري وابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد العثيمين، وعلى كلٍ فإن تسوية الصفوف أمر لابد منه، وهو مطلوب من المصلين عامةً، ومن الإمام خاصةً، فلا بد للإمام أن يأمر بتسوية الصفوف، كما هو ثابت عن رسول الله ﷺ ، قال الإمام البخاري في صحيحه: [باب إقبال الإمام على الناس عند تسوية الصفوف] ثم ذكر حديث أنس ﵁ قال: أقيمت
الصلاة فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه فقال: (أقيموا صفوفكم وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري).وينبغي أن يعلم أنه يدخل في تسوية الصفوف ما يلي: أولاً: إتمام الصف الأول فالأول، لما ثبت في الحديث عن جابر بن سمرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها فقلنا: يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصفوف الأُوَل ويتراصون في الصف) رواه مسلم.
وعن أنس ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (أتموا الصف الأول ثم الذي يليه فإن كان نقص فليكن في الصف المؤخر) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان وهو حديث حسن كما قال المنذري والحافظ ابن حجر. وبناءً على ذلك قرر أهل العلم أنه لا يجوز ابتداء صفٍ قبل إتمام الصف الذي قبله. ثانياً: التراص في الصف الواحد، بأن يقف المصلون متراصين، ويكون ذلك بإلزاق المنكب بالمنكب والكعب بالكعب، وسبق ما قاله الإمام البخاري في صحيحه: [باب إلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصف، وقال النعمان بن
стр. 2966
بشير: رأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه] قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله (وقال النعمان بن بشير) هذا طرف من حديث أخرجه أبو داود وصححه ابن خزيمة ... واستدل بحديث النعمان هذا على أن المراد بالكعب في آية الوضوء العظم الناتئ في جانبي الرِجْل -وهو عند ملتقى الساق والقدم- وهو الذي يمكن أن يلزق بالذي بجنبه، خلافاً لمن ذهب أن المراد بالكعب مؤخر القدم وهو قول شاذ ينسب إلى بعض الحنفية ولم يثبته محققوهم ... ] فتح الباري ٢/ ٢٧٣ - ٢٧٤. وروى الإمام أحمد في المسند أن الرسول ﷺ قال: (حاذوا بين المناكب وسدوا الخلل) وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم ٧٤٣. ومن المؤسف أن بعض المصلين يتركون فرجة بينهم وبين من يقف بجانبهم بحجة عدم التضييق على
الآخرين وغيرها من الحجج الواهية، ويتضايقون جداً إذا حاول أحد المصلين التراص في الصف، وينطبق على هؤلاء ما ورد عن بعض السلف: (ولو فعلت ذلك بأحدهم اليوم نفر منك كأنه بغل شموس). ولا شك أن ترك الفرجات في الصف مخالف لما ورد في الحديث أنه ﷺ قال: (أتموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل ولا تذروا فرجات للشيطان ومن وصل صفاً وصله الله ومن قطع صفاً قطعه الله) رواه أبو داود وصححه الحاكم وابن خزيمة. وعن أنس ﵁: عن رسول الله ﷺ قال: (راصوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق، فوالذي نفس محمدٍ بيده إني لأرى الشياطين تدخل من خلل الصف كأنها الحَذَف) رواه أبو داود والنسائي. والحَذَف صغار الغنم.
стр. 2967
ولابد من التنبيه على أمر هام وهو أن تسوية الصف تكون بمحاذاة الكعبين لا بمساواة الأقدام برؤوس الأصابع، قال الشيخ محمد العثيمين: [الصحيح أنّ المعتمد في تسوية الصف، محاذاة الكعبين بعضهما بعضاً، لا رؤوس الأصابع، وذلك لأنّ البدن مركب على الكعب. والأصابع تختلف الأقدام فيها، فقدم طويل وآخر صغير فلا يمكن ضبط التساوي إلا بالكعبين. وأما إلصاق الكعبين بعضهما ببعض فلا شك أنه وارد عن الصحابة ﵃، فإنهم كانوا يسوون الصفوف بإلصاق الكعبين بعضهما ببعض، أي: أنّ كل واحد منهم يلصق كعبه بكعب جاره لتحقيق المساواة. وهذا إذا تمت الصفوف وقام الناس، ينبغي لكل واحد أن يلصق كعبه بكعب صاحبه لتحقيق المساواة فقط وليس معنى ذلك أنه يلازم هذا الإلصاق ويبقى ملاصقاً له في جميع الصلاة. ومن الغلو في هذه المسألة ما يفعله بعض الناس: تجده يلصق كعبه بكعب صاحبه ويفتح قدميه فيما بينهما حتى يكون بينه وبين جاره في المناكب فرجة، فيخالف السنة في ذلك. والمقصود أنّ المناكب والأكعب تتساوى] مجموع فتاوى العثيمين ١٣/ ٥١ - ٥٢.
ثالثاً: المطلوب من المصلي أن يكون ليناً في حركته لا جامداً كأنه جلمود صخر، فقد ورد عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشيطان، ومن وصل صفاً وصله الله، ومن قطع صفاً قطعه الله) رواه أبو داود وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة حديث ٦/ ٧٤، قال أبو داود: [ومعنى (ولينوا بأيدي إخوانكم) إذا جاء رجلٌ إلى الصف فذهب يدخل فيه فينبغي أن يلين له كل رجلٌ منكبيه حتى
стр. 2968
يدخل في الصف]، وقال الإمام النووي: [يستحب أن يفسح لمن يريد الدخول إلى الصف ... ] المجموع ٤/ ٣٠١. ويؤيد ذلك ما ورد في الحديث من قوله ﷺ : (خياركم ألينكم مناكب في الصلاة، وما من خطوة أعظم أجراً من خطوة مشاها رجل إلى فرجة في الصف فسدها) وصححه العلامة الألباني في المصدر السابق.
رابعاً: المقاربة بين الصفوف، فلا يبعد الصف عن الآخر، ويدل على ذلك قوله ﷺ : (راصوا صفوفكم، وقاربوا بينها).
وخلاصة الأمر أن تسوية الصفوف من تمام الصلاة، ومطلوب من الإمام أن يأمر بتسويتها ولا يدخل في الصلاة حتى تسوى الصفوف، وتكون تسوية الصف بإلصاق القدم بالقدم، والمنكب بالمنكب، وبمقاربة الصفوف، وإتمام الصف الأول فالأول، وينبغب للمصلي أن يكون ليناً هيناً بأيدي إخوانه المصلين، فيسمح بدخول شخص للصف إن كان هنالك فسحة.
- - -
стр. 2969
الفرق بين المسجد والمصلى
يقول السائل: يوجد في المؤسسة التي أعمل فيها مصلىً نصلي فيه صلاة الظهر غالباً وأحياناً نصلي صلاة العصر، وقد حصل نقاش بين الموظفين في تحية المسجد عند دخولنا لهذا المصلى، فأحد الموظفين يقول نصلي تحية المسجد لأن له حكم المسجد، فما قولكم في المسألة، أفيدونا.
الجواب: الأصل في المسجد أنه كل موضع من الأرض لقول النبي ﷺ (جعلت لي الأرض مسجداً) رواه البخاري، قال الإمام الزركشي: [ثم العرف خصص المسجد بالمكان المهيأ للصلوات الخمس حتى يخرج المصلى المجتمع فيه للأعياد ونحوها فلا يعطى حكمه] إعلام الساجد بأحكام المساجد ص١٤. وأما المصلى فهو المحل المهيأ للصلاة في الفضاء والصحراء حيث تقام فيه صلاة العيد والاستسقاء، ويلحق بذلك ما تعارف عليه الناس من تخصيص غرفة في مؤسسة أو مستشفى أو شركة ونحوها لأداء الصلاة. انظر الموسوعة الفقهية الكويتية ٣٧/ ١٩٥.
قال الإمام النووي ﵀: [المصلى المتخذ للعيد وغيره، الذي ليس بمسجد لا يحرم المكث فيه على الجنب والحائض على المذهب. وبه قطع الجمهور. وذكر الدارمي فيه وجهين وأجراهما في منع الكافر من دخوله بغير إذن، ذكره في باب صلاة العيد، وقد يحتج له بحديث أم عطية في الصحيحين أن النبي ﷺ أمر الحيض أن يحضرن يوم العيد ويعتزلن المصلى، ويجاب عنه بأنهن أمرن باعتزاله ليتسع على غيرهن وليتميزن] المجموع ٢/ ١٨٠. ويجوز اتخاذ المصلى في محل العمل، وإن كان الأصل أن تؤدى الصلوات في المساجد،
стр. 2970
ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن عتبان بن مالك ﵁ أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: قد أنكرت بصري أنا أصلي بقومي، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم، لم أستطع أن آتي المسجد فأصلي بهم، وددت يا
رسول الله أنك تأتيني فتصلي في بيتي فأتخذه مصلى، فقال له رسول الله ﷺ : (سأفعل إن شاء الله). قال عتبان: فغدا رسول الله ﷺ وأبو بكر حين ارتفع النهار، فاستأذن رسول الله ﷺ فأذنت له، فلم يجلس حتى دخل البيت، ثم قال: أين تحب أصلي من بيتك؟ قال: فأشرت له إلى ناحية من البيت، فقام رسول الله صلى الله عليه سلم فكبر، فقمنا فصففنا، فصلى ركعتين ثم سلم ... ) رواه البخاري ومسلم.
وقد ثبت في السنة المشرفة التفريق بين المسجد وبين المصلى فالمسجد له أحكام خاصة به لا يشاركه فيها المصلى ومنها تحية المسجد، فقد ثبت في الحديث الصحيح عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (دخل رجل يوم الجمعة المسجد والنبي ﷺ يخطب فقال له: أصليت؟ قال: لا. قال: فصل ركعتين) رواه البخاري ومسلم. وثبت في رواية أخرى عن جابر أيضاً قال: (جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب فجلس. فقال رسول الله ﷺ : إذا جاء أحدكم الجمعة والإمام يخطب فليصل ركعتين خفيفتين ثم يجلس) رواه مسلم. وعن أبي قتادة ﵁ قال: (دخلت المسجد ورسول الله ﷺ جالس بين ظهراني الناس. قال: فجلست فقال رسول الله ﷺ : ما منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس؟ قال: فقلت: يا رسول الله رأيتك جالساً والناس جلوس.
стр. 2971
قال: فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين) رواه مسلم. وقد صح من هدي النبي ﷺ أنه كان يصلي صلاة العيد في المصلى فإذا وصل إلى المصلى بدأ الصلاة من غير أذان ولا إقامة فكان يصلي ركعتين فيهما تكبيرات زوائد، وما كان يصلي تحية المسجد، فقد جاء في الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ : (كبر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة سبعاً في الأولى وخمساً في الآخرة ولم يصل
قبلها ولا بعدها) رواه أحمد وابن ماجة، وقال الحافظ العراقي إسناده صالح، ونقل الترمذي تصحيحه عن البخاري. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ (كان النبي ﷺ الناس يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى وأول شيء يبدأ به الصلاة ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس على صفوفهم فيعظهم ويأمرهم) متفق عليه. فهذا الحديث يدل على أنه ﷺ لم يصل تحية المسجد. وكذلك فقد كان من هدي النبي ﷺ في صلاة الاستسقاء أنه يصليها في المصلى كما ورد في حديث ابن عباس ﵄، وقد سئل عن الصلاة في الاستسقاء فقال: (خرج رسول الله ﷺ متواضعاً متبذلاً متخشعاً متضرعاً فصلى ركعتين كما يصلي في العيد) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وابن حبان وصححه. وهذا الحديث أيضاً يدل على أنه ﷺ لم يصل تحية المسجد.
ومما يدل على التفريق بين المسجد والمصلى أنه يشترط لصحة الاعتكاف أن يكون في المسجد، قال الله تعالى: ﴿ولا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ سورة البقرة الآية ١٨٧. ولم يعتكف النبي ﷺ إلا في المسجد فلا يصح الاعتكاف في المصليات. وكذلك فقد صح عن النبي ﷺ أنه كان
стр. 2972
يذبح أضحيته في المصلى، ومعلوم أن ذلك لا يصح في المسجد، فقد ثبت في الحديث عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يذبح وينحر بالمصلى). رواه البخاري. وكذلك فقد صح عن النبي ﷺ في قصة ماعز الأسلمي ﵁ أنه لما زنا (أمر به - النبي ﷺ فرجم بالمصلى) رواه البخاري. ومعلوم أن الحدود لا تقام في المسجد. ومن الفروق بين المسجد والمصلى أن المسجد لا يجوز تحويله إلى شيء آخر بشكل عام، لأن المسجد وقف لله تعالى، وأما المصلى فلا حرج في تحويله إلى مكتب أو نحوه ما لم يكن موقوفاً للصلاة فيه.
ومن الفروق بين المسجد والمصلى أن الصلاة مع الجماعة في المسجد أفضل بسبع وعشرين درجة أو خمس وعشرين درجة كما ورد عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أخرى للبخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة).
وكذلك فإن من أحكام المسجد الخاصة به أنه لا يجوز البيع والشراء فيه وكذلك نشد الضالة لما ورد في الحديث من قوله ﷺ : (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك وإذا رأيتم من ينشد الضالة فقولوا: لا رد الله عليك) رواه الترمذي والدارمي وهو حديث صحيح.
وروى أبو داود بسنده: (أن الرسول ﷺ نهى عن البيع والشراء في المسجد وأن تنشد فيه ضالة وأن ينشد فيه شعر ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة) ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وهو حديث حسن كما قال الإمام الترمذي وحسنه العلامة الألباني أيضاً.
стр. 2973
ولا بد من التذكير بمكانة بتحية المسجد فالتحية هي ما يُحيّا به الشيء أو يعظم به، ومن هنا جاءت تحية المسجد والأصل أنها تحية لرب المسجد، لأن المقصود بها التقرب إلى الله تعالى لا إلى المسجد. وتحية المسجد سنة مؤكدة عند جماهير أهل العلم، وقال بعض العلماء بوجوبها، والأول أرجح، ومما يدل على عدم الوجوب ما رواه البخاري في (باب من قعد حيث ينتهي به المجلس ومن رأى فرجة في الحلقة فجلس فيها) حيث روى بسنده عن أبي واقد الليثي ﵁: (أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر فأقبل إثنان إلى رسول الله ﷺ وذهب واحد قال فوقفا على رسول الله ﷺ فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها وأما الآخر فجلس
خلفهم وأما الثالث فأدبر ذاهبا فلما فرغ رسول الله ﷺ قال (ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه) ففي هذا الحديث لم ينكر النبي ﷺ على من جلس في الحلقة أو وراءها ولم يصل التحية.
وخلاصة الأمر أن تحية المسجد خاصة بالمساجد فقط، وأما المصليات فلا تحية لها، وينبغي على المسلم أن يحافظ على تحية المسجد كلما دخل المسجد لما ورد فيها من أحاديث.
- - -
стр. 2974
أسس بناء المساجد
يقول السائل: ضاق المسجد الذي نصلي فيه بأهله وتداعى أهل الخير لتوسعته، ولكن تبين لهم أن المسجد قد بني بتصميم يجعل من توسعته أمراً صعباً جداً من الناحية الهندسية إلا إذا هدم معظم المسجد القائم، فهل نهدم المسجد ونبنيه من جديد، أفيدونا؟
الجواب: بناء المساجد من الأمور المرغب فيها شرعاً وهو باب من أبواب الخير ومن الصدقة الجارية وقد ورد عن الرسول ﷺ أحاديث كثيرة في فضل بناء المساجد والمشاركة في بنائها فمن ذلك: عن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من بنى لله مسجداً قدر مفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة) رواه ابن حبان والبزار والطبراني في الصغير وقال الشيخ الألباني: حديث صحيح. وهذا الحديث يدل على المشاركة في بناء المسجد لأن مفحص القطاة لا يكفي ليكون
مسجداً. ومفحص القطاة هو المكان الذي تفحصه القطاة لتضع فيه بيضها وترقد عليه. وعن أنس ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (من بنى لله مسجداً صغيراً كان أو كبيراً بنى الله له بيتاً في الجنة) رواه الترمذي وقال الشيخ الألباني: حديث حسن. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علماً علَّمه ونشره أو ولداً صالحاً تركه أو مصحفاً ورثه أو مسجداً بناه أو بيتاً لابن السبيل بناه أو نهراً أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته) رواه ابن ماجة وابن خزيمة والبيهقي
стр. 2975
وقال الشيخ الألباني: وإسناد ابن ماجة حسن. انظر صحيح الترغيب والترهيب ص ١٠٩ - ١١١.
إذا تقرر هذا فإن بناء المسجد له خصوصية من الناحية العمرانية، فبناء المسجد ليس كبناء البيت، وإنما هنالك خصوصيات في بناء المسجد أذكر أهمها:
أولاً: تحديد اتجاه القبلة بطريقة صحيحة، فإن استقبال القبلة شرط من شروط صحة الصلاة، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ سورة البقرة الآية ١٥٠، ويجب تحديد القبلة بدقة عند بناء المساجد فإذا بني المسجد، وتبين بعد ذلك أن هنالك خطأً كبيراً في قبلة المسجد فيجب تصحيح ذلك الخطأ والتوجه إلى القبلة، [فإذا كانت القبلة إلى الجنوب، وتوجّه المصلي إلى جهة الجنوب بناءً على اجتهاده فصلاته صحيحة. فإذا ابتعد عن عين القبلة يميناً أو يساراً حتّى ٤٥ درجة فإنّه يظل متّجهاً إلى جهة الجنوب، فإذا زاد عن ذلك فقد بدأ يتّجه إلى جهة الشرق أو الغرب، لأنّ كلّ جهة من هاتين الجهتين تبعد عن جهة الجنوب ٩٠ درجة. فإذا وصل إلى ٤٥ درجة فقد وصل إلى نهاية الجنوب من جهة الشرق، وبدأ التوجّه إلى جهة الشرق الجنوبي. أو إلى نهاية
الجنوب من جهة الغرب وبدأ التوجّه إلى الغرب الجنوبي ... فالخطأ في هذه الحدود مغتفر إن شاء الله إذا حصل بعد البحث والتحري والاجتهاد].
ثانياً: التقليل ما أمكن من عدد الأعمدة داخل المسجد، لأن الأعمدة تقطع اتصال الصفوف، وقد قرر العلماء كراهية الصف بين الأعمدة لغير حاجة من ضيق ونحوه، وقد وردت بعض الأحاديث التي تدل على كراهية الصف بين السواري فمن ذلك ما رواه الترمذي بإسناده عن عبد الحميد بن محمود قال: (صلينا خلف
стр. 2976
أمير من الأمراء فاضطرنا الناس فصلينا بين الساريتين فلما صلينا قال أنس بن مالك: كنا نتقي هذا على عهد رسول الله ﷺ ... قال أبو عيسى -أي الترمذي-: حديث أنس حديث حسن صحيح. وقد كره قوم من أهل العلم أن يصف بين السواري. وبه يقول أحمد وإسحق. وقد رخص قوم من أهل العلم في ذلك] سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ٢/ ١٩. وعن معاوية بن قرة عن أبيه قال: [كنا ننهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله ﷺ ونطرد عنها طرداً] رواه ابن ماجة وابن خزيمة والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. وكذلك لا بد من الاهتمام بقضية الصفوف في المسجد وخاصة الصف الأول فعند بناء المسجد على شكل دائري مثلاً، فإن هذا يؤدي إلى إرباكٍ في الصفوف وتقليل حجم الصف الأول وغيره، لذا لا بد للمهندسين من أخذ هذه القضية بالاعتبار عند تصميم المسجد.
ثالثاً: الاقتصاد عند بناء المسجد فليس هنالك داعٍ للزخارف الفخمة والثريات الباهظة الثمن والقباب المذهبة والمآذن الطويلة، بل يجب أن يكون المسجد في غاية البساطة مع الاتساع وتوفر المرافق المريحة للمصلين كالحمامات النظيفة ووسائل التبريد والتدفئة والإضاءة الجيدة وغير ذلك، ولا بد من التنبيه إلى أن كثيراً من المساجد التي تبنى في أيامنا هذه يلاحظ فيها المبالغة في البناء وإنفاق الأموال الطائلة في زخرفة المسجد وتزيينه، وقد سمعنا عن بعض المساجد التي كلف الواحد منها
مئات الملايين مع أن الناس يعانون من الفقر في تلك البلاد، فكان أولى أن تنفق تلك الأموال لسد حاجات الناس الضرورية.
стр. 2977
ويجب أن يعلم أنه ليس من منهج الإسلام الصحيح المبالغة في بناء المسجد ولا إنفاق الملايين عليه مباهاةً وتفاخراً. وقد أخبر الصادق المصدوق ﷺ في الحديث عن ذلك فقد جاء في الحديث عن أنس أن النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وأحمد وصححه ابن خزيمة وقال الشيخ الألباني: حديث صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير ٢/ ١٢٣٧. وقال الشيخ الشوكاني: [أي يتفاخرون في بناء المساجد والمباهاة بها] نيل الأوطار ٢/ ١٦٩.وقال الإمام البخاري في صحيحه: [باب بنيان المسجد وقال أبو سعيد: كان سقف المسجد من جريد النخل. وأمر عمر ببناء المسجد وقال: أكن الناس من المطر وإياك أن تحمِّر أو تصَفّر فتفتن الناس. وقال أنس: يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلاً]. وقال الحافظ ابن حجر قوله: [ثم لا يعمرونها: المراد به عمارتها بالصلاة وذكر الله وليس المراد به بنيانها ... ] صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٢/ ٨٥ - ٨٦.وورد في الحديث عن الرسول ﷺ : (ما أمرت بتشييد المساجد) رواه أبو داود وابن حبان وصححه. قال الإمام البغوي: (والمراد من التشييد: رفع البناء وتطويله ومنه قوله : ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ وهي التي طول بناؤها ... وقال أبو الدرداء ﵁: إذا حليتم مصاحفكم وزوقتم مساجدكم فالدمار عليكم) شرح السنة ٢/ ٣٤٩ - ٣٥٠. وقال ابن رسلان معلقاً على حديث الرسول ﷺ السابق: [وهذا الحديث فيه معجزة ظاهرة إخباره ﷺ عما يقع بعده فإن تزويق المساجد والمباهاة بزخرفتها
стр. 2978
كثر من الملوك والأمراء في هذا الزمان بالقاهرة والشام وبيت المقدس بأخذهم أموال الناس ظلماً وعمارتهم بها المدارس على شكل بديع نسأل الله السلامة والعافية] نيل الأوطار ٢/ ١٦٨.
رابعاً: العناية التامة بمرافق المسجد الملحقة به، مثل دورة المياه والمتوضأ، فلا بد أن تتحقق الشروط الصحية في هذه المرافق من حيث التهوية والنظافة وتناسب الأدوات المستخدمة فيها مع طريقة استعمالها فمثلاً ينبغي أن تكون صنابير المياه من النوع الذي يسمح بعملية الوضوء بشكل سهل، وأذكر أنني رأيت متوضأً وضعت فيه حنفيات قصيرة العنق لا تسمح للمتوضئ أن يغسل رجليه، وكذلك يقال في كراسي المراحيض. وكذلك الاهتمام بوجود ساحات حول المسجد لوقوف السيارات.
خامساً: الاهتمام بعدة أمور عند بناء المسجد، كعملية العزل لمنع تدفق المياه إلى المسجد خلال فصل الشتاء، وكذا لحفظ المصلين من حرارة الصيف، وكذا موضع الشبابيك فينبغي أن تكون في مكان مناسب من المسجد للتهوية وإدخال الضوء، وألا تكون في قبلة المصلين بشكل مباشر. وكذا العناية بأبواب المسجد بحيث تكون متناسبة مع حجم المسجد، فالمسجد الكبير الواسع لا بد له من عدة أبواب، حتى لا يزدحم المصلون عند الخروج من المسجد، وكذا لا ينبغي أن تكون أبواب المسجد في جهة القبلة لما يترتب عليه من قطع الصفوف الأولى، وكذلك لا بد من الاهتمام بالشبكة الكهربائية للمسجد من حيث الإضاءة والمراوح والمكيفات وأن تكون مفاتيح التحكم فيها في مكان خاص يضبطه موظف المسجد، حتى لا تكون عرضة لأمزجة المصلين، وكذلك لا بد من الاهتمام بأماكن وضع الأحذية، وغير ذلك من الأمور التي يجب أن تراعى عند بناء المساجد،
стр. 2979
وبمناسبة الحديث عن بناء المساجد فإنني أدعو المهندسين المعماريين لوضع أسس لبناء المسجد تكون متفقة مع ثقافة المسجد في الإسلام ولا بد من التعاون في ذلك مع أهل العلم الشرعي.
سادساً: لا بد من الاهتمام بمصلى النساء عند بناء المسجد ابتداءً، ومراعاة دخولهن وخروجهن بطريقة مشروعة، والأخذ بعين الاعتبار حاجاتهن الخاصة.
سابعاً: عند التفكير في بناء مسجد جديد لا بد أن يكون بعيداً عن أي مسجد قائم، فلا يجوز بناء مسجد جديد بقرب المسجد القديم ما دام أن المسجد القديم يتسع لأهل الحي، لأن من المقاصد التي بنيت لها المساجد جمع أكبر عدد من المصلين في المسجد الواحد ليتعاونوا ويتعارفوا. كما أن الله جعل الثواب العظيم لمن يمشي إلى المسجد للصلاة ولو كان بعيداً كما صح في الحديث أن النبي ﷺ قال: (أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى) رواه البخاري ومسلم. وإنّ بناء المسجد الجديد بجوار المسجد القديم يعتبر من باب الضرار عند العلماء لأنه سيؤدي إلى تفريق جماعة المسلمين. وقد اعتبر الإمام السيوطي أن كثرة المساجد في المحلة الواحدة من المحدثات المخالفة لهدي الرسول ﷺ . انظر كتاب الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع ص ٣٠٠.
وخلاصة الأمر أنه يجوز شرعاً هدم المسجد من أجل تحقيق مصلحة شرعية كإعادة بنائه أو توسعته أو نحو ذلك من الأسباب الشرعية، كم ينبغي مراعاة عدة أسس وقواعد عند بناء المساجد ذكرت أهمها.
- - -
стр. 2980
حكم استعمال مكبرات الصوت في المساجد لغير الأذان
يقول السائل: هل يجوز إعلان وفاة شخص باستخدام مكبرات الصوت في المساجد، وهل يعتبر هذا من النعي المحرم، أفيدونا؟
الجواب: ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁: (أن رسول الله ﷺ نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه فخرج بهم إلى المصلى وكبر أربع تكبيرات). رواه البخاري ومسلم، والنعي المذكور في الحديث هو الإخبار عن وفاة الشخص
قال الإمام الترمذي: [والنعي عندهم أن ينادى في الناس أن فلاناً مات ليشهدوا جنازته] سنن الترمذي ٣/ ٣١٣.
وقال الحافظ ابن عبد البر: [وفيه -أي حديث نعي النجاشي- إباحة الإشعار بالجنازة والإعلام بها ليجتمع إلى الصلاة عليها، وفي ذلك رد قول من تأول نهى رسول الله ﷺ عن النعي أنه الإعلام بموت الميت للاجتماع إلى جنازته، روي عن ابن مسعود أنه قال: لا تؤذنوا بي أحداً فإني أخشى أن يكون كنعي الجاهلية، وعن سعيد بن المسيب أنه قال: إذا أنا مت فلا تقولوا للناس مات سعيد حسبي من يبلغني إلى ربي، وروي ذلك عن ابن مسعود قال: حسبي من يبلغني إلى حفرتي، وعن علقمة أنه قال: لا تؤذنوا بي أحداً فإن ذلك من النعي والنعي من أمر الجاهلية، وروي عن طائفة من السلف مثل ذلك قد ذكرتهم والأخبار عنهم في التمهيد، وروي عن ابن عون قال: قلت لإبراهيم أكان النعي يكره قال: نعم قال: وكان النعي أن الرجل يركب الدابة فيطوف ويقول أنعي فلاناً، قال ابن عون وذكرنا عن ابن سيرين أن شريحاً قال: لا تؤذنوا لجنازتي أحداً فقال إن شريحاً كان يكتفي بذكره ولا أعلم بأساً أن يؤذن الرجل
следующие страницы →