← Фатава

Фатава · id 9087

فتاوى يسألونك

حسام الدين عفانة

Полный текст (3 492 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

فهو علة الحديث. والله أعلم] السلسلة الضعيفة والموضوعة ١١/ ٨٢٩. وضعّفه العلامة الألباني أيضاً في ضعيف الترغيب والترهيب ١/ ٣٣٥. وقد تكلم الشيخ أبو إسحاق الحويني على هذا الحديث كلاماً مفصلاً فقال: [حديث منكر جداً شبه موضوع. أخرجه الطبراني في الكبير ج ١/رقم ٦١٧، وعند أبو نعيم في (معرفة الصحابة) ٩٩٦ ... وأعلَّه الهيثمي ٢/ ٢٠١ بجابر الجعفي، وترك التنبيه علي حال عمرو بن شمر وهو أحد التلفى. فقد تركه النسائي والدارقطني وغيرهما وقال البخاري (منكر الحديث). وكذَّبه الجوزجاني. وقال ابن معين: ليس بشيء. ورماه السليماني بوضع الحديث للروافض. وقال ابن حبان في المجروحين ٢/ ٧٦: كان رافضياً يشتم أصحاب رسول الله، وكان ممن يروي الموضوعات عن الثقات في فضائل أهل البيت وغيرهم، لا يحل كتابة حديثه إلا على جهة التعجب. انتهى. أضف إلى ذلك عنعنة أبي الزبير، ولكن له طريق آخر إلى سعيد ابن أوس. أخرجه الطبراني في الكبير ٦١٨، والحسن بن سفيان في مسنده، كما في الإصابة ١/ ١٦١، ومن طريقه أبو نعيم في المعرفة٩٩٤، والشجري في الأمالي٢/ ٤٧ من طرق عن سلم بن سالم ثنا سعيد بن الجبار عن توبة - أو أبي شك سلم - عن سعيد بن أوس الأنصاري، عن أبيه مرفوعاً مثله. وهذا سندٌ ضعيفٌ جداً. وسلم بن سالم كان ابن المبارك شديد الحمل عليه، وكان يقول: (اتق حيات سلم لا تلسعك)! وقد سئل ابن المبارك عن الحديث في أكل العدس، وأنه قدِّس على لسان سبعين نبياً!! فقال: لا، ولا على لسان نبي واحد؛ إنه لمؤذٍ منفخٍ، من يحدثكم؟ قالوا: سلم بن سالم. قال: عمن؟ قالوا: عنك! قال: وعني أيضاً!!. وقال أحمد: ليس بذاك. وضعفه ابن معين، وقال أبو زرعة: لا يُكتبُ حديثه ... وقال أبو حاتم: ليس بقوي، مضطرب الحديث وتوبة أو أبو توبة لا

стр. 3257

أعرفه. وسعيد بن أوس مجهول ... ووقفت له على شاهدٍ عن ابن عباس مرفوعاً، فساق حديثاً طويلاً، جاء في آخره: فإذا كانت ليلة الفطر وسميت ليلة الجائزة، فإذا كانت غداة بعث الله ﵎ الملائكة في كل ملاء فيهبطون إلى الأرض فيقومون على أفواه السكك فينادون بصوت يسمعه جميع من خلق الله إلا الجن والإنس، فيقولون: يا أمة محمد اخرجوا إلى ربٍ كريمٍ يغفر العظيم، وإذا برزوا في مصلاهم يقول الله تعالى: يا ملائكتي ما أجر الأجير إذا عمل عمله؟ فتقول الملائكة إلهنا وسيدنا جزاؤه أن يوفى أجره، فيقول الله : أشهدكم يا ملائكتي أني قد جعلت ثوابهم من صيامهم شهر رمضان وقيامهم رضائي ومغفرتي، فيقول الله : سلوني وعزتي وجلالي لا تسألوني اليوم شيئاً في جمعكم هذا لآخرتكم إلا أعطيتكموه، ولا لدنيا إلا نظرت لكم، وعزتي لأسترنَّ عليكم عثراتكم ما راقبتموني، وعزتي وجلالي لا أخزيكم ولا أفضحكم بين يدي أصحاب الحدود، وانصرفوا مغفوراً لكم قد أرضيتموني ورضيت عنكم، قال: فتفرح الملائكة ويستبشرون بما يعطي الله هذه الأمة إذا أفطروا. أخرجه الأصبهاني في الترغيب ١١٧٤١، وابن الجوزي في الواهيات ٢/ ٤٣ - ٤٥/ ٨٨٠، وقال: لا يصح. سنده واهٍ جداً. وعزاه المنذري في الترغيب ٢/ ٩٩ - ١٠١ لأبي الشيخ كتاب الثواب، والبيهقي وقال: ليس في إسناده من أجمع على ضعفه، وليس من شرط الحديث الباطل أن يكون الإجماع انعقد على ضعف أحد رواته. وهذا حديثٌ منكرٌ جداً شبه الموضوع. وان كان ابن الجوزي أخطأ في زعمه أن القاسم بن الحكم العرني- أحد رواته - مجهول. فليس بمجهول بل هو معروف، فقد وثقه غير واحدٍ منهم أحمد وابن معين والنسائي. وقال أبو زرعة: صدوق. وقال ابن حبان: مستقيم الحديث. وضعفه العقيلي وأبو نعيم الفضل بن دكين

стр. 3258

لغفلة كانت فيه، وعلى كل حال، فليس يصح في هذا الباب شيء أعلمه. والله أعلم] الفتاوى الحديثية للحويني ١/ ٤٠٣ - ٤٠٥. وحديث ابن عباس الأخير حكم عليه العلامة الألباني بأنه موضوع، وعلَّق على قول المنذري- ليس في إسناده من أجمع على ضعفه- بقوله: [قلت نعم لكنه منقطع، بين الضحاك بن مزاحم وابن عباس، والراوي عنه لين، وآثار الوضع والصنع عليه لائحة، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات ٢/ ١٩١ ... ] ضعيف الترغيب والترهيب ١/ ٣٠٢. وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: وقد روي أن الصائمين يرجعون يوم الفطر مغفوراً لهم وأن يوم الفطر يسمى يوم الجوائز وفيه أحاديث ضعيفة، وقال الزهري [إذا كان يوم الفطر خرج الناس إلى الجبار اطلع عليهم قال: عبادي لي صمتم ولي قمتم ارجعوا مغفوراً لكم]، قال مورق العجلي لبعض إخوانه في المصلى يوم الفطر: يرجع هذا اليوم قوم كما ولدتهم أمهاتهم، وفي حديث أبي جعفر الباقر المرسل: [من أتى عليه رمضان فصام نهاره وصلى ورداً من ليله وغض بصره وحفظ فرجه ولسانه ويده وحافظ على صلاته في الجماعة وبكَّر إلى الجمعة فقد صام الشهر واستكمل الأجر وأدرك ليلة القدر وفاز بجائزة الرب] قال أبو جعفر: جائزة لا تشبه جوائز الأمراء إذا أكمل الصائمون صيام رمضان وقيامه فقد وفوا ما عليهم من العمل وبقي ما لهم من الأجر وهو المغفرة فإذا خرجوا يوم عيد الفطر إلى الصلاة قسمت عليهم أجورهم فرجعوا إلى منازلهم وقد استوفوا الأجر واستكملوه كما في [حديث ابن عباس ﵄ المرفوع: إذا كان يوم الفطر هبطت الملائكة إلى الأرض فيقومون على أفواه السكك ... خرَّجه سلمة بن شبيب في كتاب فضائل رمضان وغيره وفي إسناده مقال، وقد روي من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ موقوفاً بعضه

стр. 3259

وقد روي معناه مرفوعاً من وجوهٍ أخر فيها ضعف] لطائف المعارف ص ٣٧٣ - ٣٧٤. وخلاصة الأمر أن أحاديث تسمية عيد الفطر بيوم الجائزة ليست ثابتة عن رسول الله ﷺ ، ولا يقولن قائلٌ إن الحديث الضعيف يعمل به في باب فضائل الأعمال، وهذا منها، لأن القاعدة عند المحدثين كما قال الإمام النووي: [يجوز العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعاً] الأذكار ص٥. وهذه الأحاديث المذكورة قد حكم عليها جماعة من المحدثين بأنها موضوعة أو فيها من هو كذاب أو متهم بالوضع فلا تنطبق عليها القاعدة السابقة، ويغني عنها ما صح من الأحاديث كقول الرسول ﷺ : (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه البخاري ومسلم. - - - أول من تُسَعَّرُ بهم نارُ جهنم يقول السائل: سمعت حديثاً عن رسول الله ﷺ فيه أوصاف أول من تُسَعَّرُ بهم نارُ جهنم، فهل هذا الحديث ثابت، أفيدونا؟ الجواب: ثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجلٌ استشهد فأُتيَ به فعرَّفه نعمَه فعرفها، قال فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال هو جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسُحبَ على وجهه حتى ألقي في النار، ورجلٌ تعلَّم العلم وعلَّمه وقرأ القرآن فأتي به فعرَّفه نعمَه فعرفها، قال فما عملت فيها؟ قال:

стр. 3260

تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال كذبت، ولكنك تعلمت ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل ثم أمر به فسُحبَ على وجهه حتى ألقي في النار، ورجلٌ وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل ثم أمر به فسُحبَ على وجهه ثم ألقي في النار) رواه مسلم. قال الإمام النووي: [قوله ﷺ في الغازي والعالم والجواد وعقابهم على فعلهم ذلك لغير الله وإدخالهم النار دليلٌ على تغليظ تحريم الرياء وشدة عقوبته وعلى الحث على وجوب الإخلاص في الأعمال كما قال الله تعالى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء﴾، وفيه أن العمومات الواردة في فضل الجهاد إنما هي لمن أراد الله تعالى بذلك مخلصاً، وكذلك الثناء على العلماء وعلى المنفقين في وجوه الخيرات، كله محمولٌ على من فعلَ ذلك لله تعالى مخلصاً] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/ ٤٦. وفي الحديث السابق ذكر النبي ﷺ ثلاثة أصناف من الناس هم أول من تسعر بهم نار جهنم والعياذ بالله، وأولهم هو من قاتل ليقال عنه جريء، أو قاتل عصبية أو قاتل غير مريدٍ وجهَ الله ، فلما لم يكن عمله لله تعالى كان مصيره إلى نار جهنم، كما ورد في الحديث عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليُرَى مكانُه، فمن في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) رواه البخاري ومسلم.

стр. 3261

وأما الصنف الثاني فهم حملة العلم والقرآن الذين لا يعملون بعلمهم، وهؤلاء قد كثروا في زماننا مع الأسف الشديد، فكم ممن ينتسبون إلى العلم الشرعي، ويتبوؤن المناصب الدينية العليا، كالمفتين والقضاة الشرعيين وقراء القرآن الكريم وغيرهم من حملة الشهادات العليا في العلوم الشرعية، كم من هؤلاء لا يصونون العلم الذي يحملونه، ويقفون مواقف الريب والشبهات، بل يقفون مواقف مخزية مع أعداء الإسلام وأعوانهم، وقد صدق الرسول ﷺ عندما قال: ( ... والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدُ فبائعٌ نفسه فمعتقها أو موبقها) رواه مسلم، ومعناه أن قارئ القرآن ينتفع به إن تلاه وعمل به وإلا فهو حجة عليه. وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يُؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمُه سورةُ البقرة وآلُ عمران، تحاجَّان عن صاحبهما) رواه مسلم. قال العلامة ملا علي القاري: [ ... دلَّ على أن من قرأ ولم يعمل به لم يكن من أهل القرآن ولا يكون شفيعاً لهم بل يكون القرآن حجة عليهم] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ٤/ ٦٢٧. وهذا الحديث يدل على أن أهل القرآن هم العاملون به وليس الأمر مقتصراً على حفظه وتلاوته وتجويده والتشدق به، فلابد من التزام أخلاق القرآن، والتأدب بآدابه، وتحريم حرامه والعمل بما فيه. قال عبد الله بن مسعود ﵁: [ليس حفظ القرآن بحفظ الحروف، ولكن إقامة حدوده] التذكار في أفضل الأذكار ص ٦٨. وقال الحسن البصري: [أما والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: لقد قرأت القرآن كله فما أسقطت منه حرفاً، وقد والله

стр. 3262

أسقطه كله. ما يُرى له القرآن في خلقٍ ولا عملٍ، حتى إن أحدهم ليقول: إني لأقرأ السورة في نَفَسْ، والله ما هؤلاء بالقراء ولا العلماء ولا الحكماء ولا الورعة. متى كانت القراءة مثل هذا؟ لا كثر الله في الناس مثل هؤلاء] الزهد لابن المبارك ص ٢٧٤. وقال الحافظ ابن عبد البر: [وحملة القرآن هم العاملون بأحكامه وحلاله وحرامه] التمهيد ١٧/ ٤٣٠. وقال الإمام القرطبي: [القرآنُ حجةٌ لمن عمل به واتبع ما فيه، وحجةٌ على من لم يعمل به ولم يتبع ما فيه، فمن أُوتيَ علم القرآن فلم ينتفع به، وزجرته نواهيه فلم يرتدع، وارتكب من المآثم قبيحاً، ومن الجرائم فضوحاً كان القرآنُ حجةً عليه وخصماً لديه] التذكار في أفضل الأذكار ص ٨٧. وهذا الأمر الخطير وهو الانفصال ما بين الأقوال والأفعال صار ديدناً لكثير من حملة القرآن، الذين يزعمون أنهم أهل القرآن، وهم أبعد الناس عنه بأفعالهم، التي تتعارض مع تعاليم القرآن الكريم وأخلاقه وآدابه، فتراهم يقولون ما لا يفعلون ويتلاعبون بالأحكام الشرعية ويتطاولون على العلم وأهله، بل ديدنهم سب العلماء وشتمهم والوقيعة فيهم، فهؤلاء هم أهل القرآن الجافين عنه كما ورد في الحديث عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط) رواه أبو داود والبيهقي في شعب الإيمان، وقال العلامة الألباني حديث حسن كما في صحيح الجامع الصغير ١/ ٤٣٨. قال العلامة ملا علي القاري: [(وحامل القرآن) أي وإكرام قارئه وحافظه ومفسره غير الغالي فيه ... أي غير المجاوز عن الحد لفظاً ومعنىً كالموسوسين

стр. 3263

والشكاكين أو المرائين أو الخائن في لفظه بتحريفه كأكثر العوام، بل وكثير من العلماء أو في معناه بتأويله الباطل كسائر المبتدعة، (ولا الجافي عنه) أي وغير المتباعد عنه المعرض عن تلاوته وإحكام قراءته وإتقان معانيه والعمل بما فيه، وقيل: الغلو المبالغة في التجويد أو الإسراع في القراءة بحيث يمنعه عن تدبر المعنى، والجفاء أن يتركه بعدما علمه لا سيما إذا كان نسيه فإنه عُدَّ من الكبائر، ... ولذا قيل اشتغلْ بالعلم بحيث لا يمنعك عن العمل، واشتغلْ بالعمل بحيث لا يمنعك عن العلم، وحاصله أن كلاً من طرفي الإفراط والتفريط مذموم، والمحمود هو الوسط العدل المطابق لحاله في جميع الأقوال والأفعال] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ٨/ ٧٠٦ - ٧٠٧. وقد ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قام عام تبوك خطب الناس وهو مُضيفٌ ظهرَه إلى نخلة فقال: ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس؟ إن من خير الناس رجلاً عمل في سبيل الله على ظهر فرسه أو على ظهر بعيره أو على قدميه حتى يأتيه الموت، وإن من شر الناس رجلاً فاجراً جريئاً يقرأ كتاب الله لا يرعوي إلى شيء منه) رواه النسائي وأحمد والحاكم، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. قال العلامة المناوي في شرح الحديث: [(وإن من شر الناس رجلاً فاجراً) أي منبعثاً في المعاصي (جريئاً) بالهمز على فعيل اسم فاعل من جرؤ جراءةً مثل ضخم ضخامة، والاسم الجرأة كالغرفة وجرأته عليه بالتشديد فتجرأ واجترأ على القول أسرع بالهجوم عليه من غير توقف والمراد هنا هجَّام قويُ الإقدام (يقرأ كتاب الله) القرآن (لا يرعوي) أي لا ينكف ولا ينزجر (إلى شيء منه) أي من مواعظه وزواجره وتقريعه وتوبيخه ووعيده] فيض القدير ٣/ ١٣٣.

стр. 3264

وأخرج الدرامي عن علي ﵁ أنه قال: [يا حملة العلم اعملوا به فإنما العالم من عملَ بما علم، ووافق علمُه عمَله، وسيكون أقوامٌ يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، يخالف عمُلهم علمَهم، وتخالف سريرتُهم علانيَتهم ... ] سنن الدارمي ١/ ٧٣. وورد في الحديث الإخبار عن أؤلئك الذين (يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم) رواه البخاري ومسلم. وقال أبو عبد الرحمن السُّلمي: [حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن من أصحاب رسول الله ﷺ أنهم كانوا يأخذون من رسول الله ﷺ عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قال: فتعلمنا العلم والعمل جميعاً]. ويقول الخطيب البغدادي: [والعلم يراد للعمل، كما يراد العمل للنجاة، فإذا كان العلم قاصراً عن العمل، كان العلمُ كلاَّ على العالم، ونعوذ بالله من علم عاد كلاً، وأورث ذلاً، وصار في رقبة صاحبه غلاًّ] اقتضاء العلم العمل ص١٥٨. لذا فإن الواجب على المنتسبين للعلم الشرعي أن يصونوا العلم الذي يحملونه، قال عبد الله بن مسعود ﵁: [لو أن أهل العلم صانوا العلم ووضعوه عند أهله لسادوا به أهل زمانهم ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا لينالوا به من دنياهم فهانوا عليهم] رواه ابن ماجة والبيهقي في شعب الإيمان. انظر ما رواه الأساطين في عدم المجيء إلى السلاطين ص ٥٤ - ٥٥. وقال الشاعر: ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظَّموه في النفوس لعُظِّما وأما الصنف الثالث فهم المراءون في الإنفاق، الذين لا يريدون وجه الله في النفقة، ولذا استحب أهل العلم إخفاء الإنفاق في سبيل الله كما ورد

стр. 3265

في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله [ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه] رواه البخاري ومسلم. وخلاصة الأمر أن إخلاص العمل مطلوب، وهو علامة قبول العمل، فكل عملٍ إن لم يكن خالصاً لوجه الله فهو مردود، والواجب على أهل العلم أن يكونوا على قدر المسؤولية والأمانة التي يحملونها، وكذا حملة القرآن لا بد لهم أن يعملوا به وإلا فالقرآن حجة عليهم. - - -

стр. 3266

الصلاة

стр. 3267

دعاء الإمام في الصلاة لنفسه يقول السائل: ما الحكم في أن يدعو الإمام في الصلاة لنفسه، وهل صحيح أن ذلك يعتبر خيانة للمأمومين، أفيدونا؟ الجواب: قرر العلماء أنه يستحب تعميم الدعاء إذا دعا مع جماعة كما في خطبة الجمعة والعيدين والاستسقاء ودعاء القنوت في الصلاة ونحوها، قال الحافظ العراقي: [من أدب الدعاء أنَّ مَن دعا بمجلس جماعةٍ لا يخص نفسه بالدعاء مِن بينهم، أو لا يخص نفسه وبعضَهم دون جميعهم ... ويتأكد استيعاب الحاضرين على إمام الجماعة، فلا يخص نفسه دون المأمومين، لما روى أبو داود والترمذي من حديث ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يؤم رجلٌ قوماً فيخص نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل فقد خانهم) قال الترمذي: حديث حسن. والظاهر أن هذا محمولٌ على ما لا يشاركه فيه المأمومون، كدعاء القنوت ونحوه، فأما ما يدعو كل أحدٍ به كقوله بين السجدتين: اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، فإن كلاً من المأمومين يدعو بذلك، فلا حرج حينئذ في الإفراد، إلا أنه يحتمل أن بعض المأمومين يترك ذلك نسياناً أو لعدم العلم باستحبابه، فينبغي حينئذ أن يجمع الضمير لذلك] طرح التثريب في شرح التقريب ٢/ ١٣٦ - ١٣٧. والحديث الذي ذكره الحافظ العراقي تكلم فيه المحدثون وكثير منهم لم يوافق الترمذي في تحسينه، حتى قال ابن خزيمة إنه موضوع، وضعفه شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والعلامة الألباني وغيرهم. انظر: ضعيف الترغيب والترهيب ٢/ ٢٠١. وقد فصَّل العلامة الألباني الكلام على هذا الحديث من رواية أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤم قوماً إلا بإذنهم، ولا يخص نفسه بدعوة دونهم فإن فعل

стр. 3268

فقد خانهم) وبيَّن أنه حديث ضعيف مضطرب وقد حكم ابن خزيمة بالوضع على الشطر الثاني من الحديث - ولا يخص نفسه بدعوة دونهم فإن فعل فقد خانهم - وأقره ابن تيمية وابن القيم، وذلك لأن عامة أحاديث النبي ﷺ في الصلاة وهو الإمام بصيغة الإفراد، فكيف يصح أن يكون ذلك خيانة لمن أمهم؟ فهذا هو الصواب أن هذه الزيادة - ولا يخص نفسه بدعوة دونهم فإن فعل فقد خانهم - لا تصح بل هي منكرة لمخالفتها لأدعية النبي ﷺ التي كان يدعو بها في الصلاة وهو إمامهم. انظر تمام المنة في التعليق على فقه السنة ص ٢٧٨ - ٢٨٠. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية وقد سئل عن قوله ﷺ : (لا يحل لرجل يؤم قوماً فيخص نفسه بالدعاء دونهم، فإن فعل فقد خانهم). فهل يستحب للإمام أنه كلما دعا الله أن يُشرك المأمومين؟ وهل صح عن النبي ﷺ أنه كان يخص نفسه بدعائه في صلاته دونهم؟ فكيف الجمع بين هذين؟ فأجاب: [الحمد للَّه رب العالمين. قد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أنه قال للنبي ﷺ : أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة. ما تقول؟ قال: (أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقي الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد)، فهذا حديث صحيح صريح في أنه دعا لنفسه خاصة، وكان إماماً. وكذلك حديث عليٍ في الاستفتاح الذي أوله: (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض)، فيه: (فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، فإنه لا يصرف عني سيئها إلا أنت). وكذلك ثبت في الصحيح أنه كان يقول بعد رفع رأسه

стр. 3269

من الركوع بعد قوله: (لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت)، (اللهم، طهرني من خطاياي بالماء والثلج والبرد، اللهم، نقني من الخطايا كما ينقي الثوب الأبيض من الدنس). وجميع هذه الأحاديث المأثورة في دعائه بعد التشهد من فعله، ومن أمره، لم ينقل فيها إلا لفظ الإفراد. كقوله: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال). وكذا دعاؤه بين السجدتين، وهو في السنن من حديث حذيفة، ومن حديث ابن عباس، وكلاهما كان النبي ﷺ فيه إماماً، أحدهما بحذيفة، والآخر بابن عباس. وحديث حذيفة: (رب اغفر لي، رب اغفر لي)، وحديث ابن عباس فيه: (اغفر لي، وارحمني، واهدني، وعافني، وارزقني)، ونحو هذا. فهذه الأحاديث التي في الصحاح والسنن تدل على أن الإمام يدعو في هذه الأمكنة بصيغة الإفراد. وكذلك اتفق العلماء على مثل ذلك. حيث يرون أنه يشرع مثل هذه الأدعية. وإذا عرف ذلك تبين أن الحديث المذكور إن صح فالمراد به الدعاء الذي يُؤمِّن عليه المأموم -كدعاء القنوت- فإن المأموم إذا أَمَّن كان داعياً، قال الله تعالى لموسى وهرون: ﴿قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا﴾ سورة يونس الآية ٨٩، وكان أحدهما يدعو، والآخر يؤمن. وإذا كان المأموم مؤمناً على دعاء الإمام، فيدعو بصيغة الجمع، كما في دعاء الفاتحة في قوله: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾، فإن المأموم إنما أمَّن لاعتقاده أن الإمام يدعو لهما جميعاً، فإن لم يفعل، فقد خان الإمام المأموم. فأما المواضع التي يدعو فيها كل إنسان لنفسه -كالاستفتاح، وما بعد التشهد، ونحو ذلك- فكما أن المأموم يدعو

стр. 3270

لنفسه، فالإمام يدعو لنفسه. كما يسبح المأموم في الركوع والسجود، إذا سبح الإمام في الركوع والسجود، وكما يتشهد إذا تشهد، ويكبر إذا كبر، فإن لم يفعل المأموم ذلك فهو المفرط. وهذا الحديث لو كان صحيحاً صريحاً معارضاً للأحاديث المستفيضة المتواترة، ولعمل الأمة، والأئمة، لم يلتفت إليه، فكيف وليس من الصحيح، ولكن قد قيل: إنه حسن، ولو كان فيه دلالة لكان عاماً، وتلك خاصة، والخاص يقضي على العام. ثم لفظه (فيخص نفسه بدعوة دونهم)، يراد بمثل هذا إذا لم يحصل لهم دعاء، وهذا لا يكون مع تأمينهم. وأما مع كونهم مؤمِّنين على الدعاء كلما دعا، فيحصل لهم كما حصل له بفعلهم، ولهذا جاء دعاء القنوت بصيغة الجمع: (اللهم إنا نستعينك، ونستهديك) إلى آخره. ففي مثل هذا يأتي بصيغة الجمع، ويتبع السنة على وجهها] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٣/ ١١٦ - ١١٨. وبيَّن العلامة ابن القيم هدي النبي ﷺ في الدعاء فقال: [وكان ﷺ يدعو في صلاته فيقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم، وكان يقول في صلاته أيضاً: اللهم اغفر لي ذنبي ووسع لي في داري وبارك لي فيما رزقتني، وكان يقول اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، وأسألك قلباً سليماً، ولساناً صادقاً، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، وكان يقول في سجوده: رب أعط نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، وقد تقدم ذكر بعض ما كان يقول في ركوعه وسجوده وجلوسه واعتداله في الركوع]. ثم قال العلامة ابن القيم: [والمحفوظ في أدعيته صلى الله

стр. 3271

عليه وسلم في الصلاة كلها بلفظ الإفراد كقوله رب اغفر لي وارحمني واهدني وسائر الأدعية المحفوظة عنه، ومنها قوله في دعاء الاستفتاح اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب الحديث. وروى الإمام أحمد وأهل السنن من حديث ثوبان عن النبي ﷺ : (لا يؤم عبد قوماً فيخص نفسه بدعوة دونهم فإن فعل فقد خانهم) قال ابن خزيمة في صحيحه: وقد ذكر حديث اللهم باعد بيني وبين خطاياي الحديث، قال في هذا دليل على رد الحديث الموضوع لا يؤم عبد قوماً فيخص نفسه بدعوة دونهم فإن فعل فقد خانهم. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول هذا الحديث عندي في الدعاء الذي يدعو به الإمام لنفسه وللمأمومين ويشتركون فيه كدعاء القنوت ونحوه والله أعلم] زاد المعاد ١/ ٢٦١ - ٢٦٤. وقد فسر العلامة علي القاري خيانة الإمام المذكورة في الحديث بقوله: [قال الطيبي: نسب الخيانة إلى الإمام لأن شرعية الجماعة ليفيض كل من الإمام والمأموم الخير على صاحبه ببركة قربه من الله تعالى، فمن خص نفسه فقد خان صاحبه، قلت: وإنما خص الإمام بالخيانة فإنه صاحب الدعاء، وإلا فقد تكون الخيانة من جانب المأموم] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ٣/ ١٥٧. وخلاصة الأمر أن الإمام يدعو بصيغة الجمع له وللمصلين في المواطن التي يجهر فيها بالدعاء، ويؤمن المصلون على دعائه، كدعاء القنوت في الصلاة، والدعاء في خطبة الجمعة والعيدين والاستسقاء ونحوها، وأما المواطن التي يُسِر فيها بالدعاء، كالدعاء عند استفتاح الصلاة، والدعاء في السجود، والدعاء بين السجدتين، والدعاء في آخر التشهد وقبل السلام، فهذه المواطن يجوز للإمام أن يدعو لنفسه خاصة، والمأمومون كلٌ يدعو لنفسه. وعليه فإذا

стр. 3272

خص الإمام نفسه بالدعاء في هذه المواطن فلا يعتبر خائناً للمأمومين، هذا إن صح الحديث، وهو لم يصح. - - - حكم إمامة الإمام المدخن يقول السائل: يصلي بنا إمامان متطوعان، أحدهما حافظ لكتاب الله ولكنه مدخن، والآخر لا يحفظ كتاب الله كاملاً ولا يدخن، فمن أولى بإمامة الصلاة منهما، أفيدونا؟ الجواب: لابد من بيان أمرين قبل الجواب على السؤال، أولهما: إن الدخان خبيث من الخبائث، وإن أبى بعض المدخنين ذلك، كما أن التدخين حرام على الصحيح من أقوال أهل العلم، وإن أبى بعض المشايخ المدخنين ذلك، وخاصة الذين يزعمون أن التدخين مباح من المباحات، فقولهم هذا قول ساقط متهافت، ولا قيمة له بعد أن اتفقت المصادر الطبية والعلمية والصحية على ضرر التدخين المتحقق على صحة المدخن وعلى نفسيته وعلى ماله وعلى صحة من حوله، وأضرار التدخين على المجتمع بشكل عام، بل إن التدخين أشد فتكاً بالإنسان من مرض الإيدز، وقد اتفقت الهيئات العلمية والمجامع الطبية والصحية على أضرار التدخين، وقررت أنه سبب رئيس للسرطان وتليف الكبد وأمراض الشريان التاجي والذبحة الصدرية وسرطان الفم وغيرها من الأمراض الخبيثة، وهذا ما أكده أهل الخبرة والاختصاص من الأطباء والكيميائيين وغيرهم، فالدخان يتكون من مجموعة كثيرة من المواد، منها أكثر من خمسة عشر نوعاً من السموم الفتاكة كالنيكوتين الذي يعد من السموم القوية والفعالة وله أثر سيء على الكلية والجهاز العصبي والدم،

стр. 3273

ومنها أول أكسيد الكربون وهو معروف بتأثيره السام وله تأثير سيء على الدم. ومنها القطران وهو المادة اللزجة الصفراء التي تؤدي إلى اصفرار أسنان المدخن ونخرها، وإلى التهابات اللثة، وهو أخطر محتويات الدخان على الصحة ويسبب السرطان والتهابات الشعب الهوائية وغير ذلك من المواد الضارة التي تلحق الضرر والأذى بصحة المدخن، فالتدخين يضر بالفم والشفاه واللثة والأسنان واللسان واللوزتين والجهاز الهضمي والجهاز التنفسي والأعصاب والدورة الدموية والجهاز البولي، كما أن للتدخين ضرراً على النسل لذلك تُنصح الحوامل بعدم التدخين وما كان ضرره كذلك فلا شك في حرمته، لأن الإسلام يحرم كل خبيث وضار، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ سورة الأعراف الآية ١٢٧. وصدق الرسول ﷺ إذ يقول: (لا ضرر ولا ضرار) رواه أحمد وابن ماجة والطبراني، وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم ٢٥٠. والأدلة على تحريم التدخين كثيرة وليس هذا محل ذكرها. إذا تقرر تحريم التدخين فإن الإصرار على التدخين مع العلم بحرمته يُعد فسقاً عند أهل العلم، والفسقُ هو ارتكابُ الكبائر عمداً، أو الإصرارُ على الصغائر بغير تأويل. كما أن تدخين الإمام يعتبر من المجاهرة بالمعصية. ويضاف إلى ذلك أن النبي ﷺ نهى من أكل بصلاً أو ثوماً عن الحضور إلى المسجد لما في ذلك من إيذاءٍ للمصلين بالروائح الكريهة فقد ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من أكل الثوم والبصل والكراث فلا يقربنَّ مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم) متفق عليه. وعن عمر ﵁ قال: (لقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما - البصل والثوم - من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى

стр. 3274

البقيع متفق عليه. وينبغي أن يعلم أن كلَّ رائحةٍ كريهةٍ تُلحق برائحة البصل والثوم، فرائحة المدخن نتنةٌ عند ذوي الفطرة السليمة، فينبغي له أن لا يدخل المسجد لأن المساجد تصان عن جميع الروائح الكريهة. الأمر الثاني: إن إمامة الصلاة تعتبر من خيرة الأعمال التي ينبغي أن يتولاها خيرة الناس، ذوو الصفات الفاضلة من العلم والقراءة والعدالة، قال الإمام أحمد: [ومن الحقِّ الواجب على المسلمين: أن يُقدِّموا خيارهم وأهل الدين والأفضل منهم، أهل العلم بالله الذين يخافون الله ويراقبونه]. رسالة الإمام أحمد في الصلاة ص١٤. وقال الإمام السرخسي: [والأصل فيه: أنَّ مكانة الإمامة ميراث من النبي ﷺ ، فإنه أول من تقدَّم للإمامة، فَيُختار لها مَن يكون أشبه به خَلْقاً وخُلُقاً، ثم هو مكان استُنبط منه الخلافة، فإنَّ النبي ﷺ لَمَّا أمر أبا بكر ﵁ أنْ يُصلي بالناس، قالت الصحابة ﵃ بعد موته ﷺ : إنه اختار أبا بكر لأمر دينكم، فهو المُختار لأمر دنياكم، فإنما يختار لهذا المكان من هو أعظم في الناس] المبسوط ١/ ٤٠. وقال الإمام الماوردي: [ينبغي أن يَتقدَّم إلى الإمامة مَنْ جَمَعَ أوصافها، وهي خمسة: القراءة، والفقه، والنسب، والسنّ، والهجرة، بعد صحَّة الدين وحسن الاعتقاد، فمَنْ جمعها وكملت فيه، فهو أحقُّ بالإمامة ممَّن أخلَّ ببعضها، لأنَّ الإمامة منزلة اتباع واقتداء، فاقتضى أن يكون متحمِّلها كامل الأوصاف المعتبرة فيها، فإن لم تجتمع في واحدٍ، فأحقُّهم بالإمامة من اختصَّ بأفضلها] الحاوي الكبير ٢/ ٣٥٢، وانظر رسالة حكم إمامة وأذان المُجاهر بالمعصية لعبد الرحمن بن سعد الشثري ص٧.

стр. 3275

وقد ذكر الفقهاء في كتبهم تفصيل شروط إمام الصلاة، ومنها ما هو متفق عليه، ومنها ما هو مختلف فيه، فاشترطوا أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً ذكراً، فلا تصح إمامة المرأة للرجال، وأن يكون سالماً من البدع المكفرة وأن يكون قادراً على القراءة، وسالماً من الأعذار، وقادراً على توفية أركان الصلاة، وغير ذلك، انظر الموسوعة الفقهية الكويتية ٦/ ٢٠١ - ٢٠٧. والأصل في الأحق بالإمامة ما ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سلماً، ولا يؤمنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه) رواه مسلم. وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم) رواه مسلم. وقد اختلف أهل العلم في حكم إمامة الفاسق، فمنهم من منعها، ومنهم من أجازها، وهو الراجح، لأن من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته بغيره، وقد ثبت أن عدداً من الصحابة قد صلوا خلف بعض الفسقة كالوليد بن عقبة والحجاج، وثبت في صحيح البخاري أن عثمان ﵁ لما حُصر صلى بالناس شخص، فسأل سائلٌ عثمان فقال: إنك إمام عامة وهذا الذي يصلي بالناس إمام فتنة، فقال: [يا ابن أخي إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس، فإن أحسنوا فأحسن معهم، وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم]. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ولهذا قالوا في العقائد: إنه يُصلي الجمعة والعيد خلف كل إمام، برَّاً كان أو فاجراً، وكذلك إذا لم يكن في القرية إلا إمامٌ واحد، فإنها تُصلَّى خلفه الجماعات، فإن الصلاة في جماعة خيرٌ من

стр. 3276

صلاة الرجل وحده، وإن كان الإمام فاسقاً، هذا مذهب جماهير العلماء أحمد بن حنبل والشافعي وغيرهما] مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٣/ ٣٥٣. وقال الإمام الشوكاني: [والحق جواز الائتمام بالفاسق لأن الأحاديث الدالة على المنع كحديث (لا يؤمنكم ذو جراءة في دينه)، وحديث (لا يؤمنَّ فاجرٌ مؤمناً)، ونحوهما ضعيفة لا تقوم بها حجة، وكذلك الأحاديث الدالة على جواز الائتمام بالفاسق، كحديث (صلوا مع من قال لا إله إلا اللَّه)، وحديث (صلوا خلف كل بر وفاجر) ونحوهما، ضعيفة أيضًا ولكنها متأيدة بما هو الأصل الأصيل وهو أن من صحت صلاته لنفسه صحت لغيره، فلا ننتقل عن هذا الأصل إلى غيره إلا لدليل ناهض] نيل الأوطار ٢/ ٢٨. وبناءً على ما سبق فإن الأصل أن المدخن لا يكون إماماً في الصلاة، فإن صلى الإمام المدخن بالناس فإمامته صحيحة، قال الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم مفتي السعودية سابقاً: [لا ريب في تحريم شرب الدخان الخبيث، وكذا حلق اللحية، ومثل هذا لا يجوز أن يُوَلَّى الإمامة، لأنه فاسق، والفاسق ليس أهلاً للإمامة، لكنَّ الصلاة خلفه صحيحة مجزئة، من صلاها إذا ابتُليَ به الناس على ما فيها من النقص] مجموع فتاوى الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم ٢/ ٢٩٤. ويضاف إلى ما سبق أن كثيراً من المصلين يكرهون أن يكون إمامهم في الصلاة مدخناً، وبالتالي فإن صلاة الإمام المدخن لا ترفع كما ورد في الحديث أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قومٍ وهم له كارهون) رواه الترمذي، وحسنه العلامة الألباني في صحيح الترغيب ١/ ٣٢٨.

стр. 3277

وخلاصة الأمر أن إمامة الصلاة من خير الأعمال، فيتولاها خير الناس قراءةً وأخلاقاً وعدالةً، والإمام المدخن مرتكب للحرام ومجاهر به، فهو وإن صحت إمامته، ولكن لا ينبغي أن يولى الإمامة، ويجب نصحه وبيان حرمة التدخين وأضراره، حتى يتركه، ولا شك أن غير المدخن أولى بالإمامة من المدخن، وإن كان المدخن أقرأ وأحفظ لكتاب الله . - - - معنى دعاء (اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً) يقول السائل: ما معنى هذا الدعاء (اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً) وهل يجوز الدعاء به، أفيدونا؟ الجواب: روى الإمام البخاري في صحيحه بإسناده عن أبي هريرة ﵁ قال: (بعث رسول الله ﷺ عشرة عيناً وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جدُ عاصم بن عمر بن الخطاب حتى إذا كانوا بالهدة بين عسفان ومكة ذُكِروا لحيٍ من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فنفروا لهم بقريب من مائة رجلٍ رامٍ، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمر في منزل نزلوه، فقالوا تمر يثرب، فاتبعوا آثارهم، فلما حس بهم عاصمٌ وأصحابه لجئوا إلى موضعٍ فأحاط بهم القوم فقالوا لهم انزلوا، فأعطوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحداً، فقال عاصم بن ثابت أيها القوم أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر ثم قال اللهم أخبر عنا نبيك ﷺ فرموهم بالنبل فقتلوا عاصماً ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق منهم خبيب وزيد بن الدثنة ورجل آخر فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها، قال الرجل الثالث هذا أول الغدر والله لا

стр. 3278

أصحبكم إن لي بهؤلاء أسوة يريد القتلى فجرروه وعالجوه فأبى أن يصحبهم - فقتلوه- فانطلقوا بخبيب وزيد بن الدثنة حتى باعوهما بعد وقعة بدر، فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل خبيباً، وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر، فلبث خبيبٌ عندهم أسيراً حتى أجمعوا قتله، فاستعار من بعض بنات الحارث، موسىً يستحدُ بها - يحلق عانته - فأعارته فدرج بُنَيٌ لها وهي غافلة حتى أتاه، فوجدته مُجلسَه على فخذه والموسى بيده، قالت ففزعت فزعةً عرفها خبيب، فقال أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك، قالت والله ما رأيت أسيراً قط خيراً من خبيب، والله لقد وجدته يوماً يأكل قطفاً من عنب في يده وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمرة، وكانت تقول إنه لرزقٌ رزقه الله خبيباً، فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل، قال لهم خبيب دعوني أصلي ركعتين، فتركوه فركع ركعتين، فقال: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزعٌ لزدت، ثم قال: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بَدداً، ولا تبق منهم أحداً، ثم أنشأ يقول: فلست أبالي حين أقتل مسلماً ... على أي جنبٍ كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلوٍ ممزع - أي أعضاء جسدٍ يقطع - ثم قام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله، وكان خبيب هو سنَّ لكل مسلم قُتل صبراً الصلاة، وأخبر - النبي ﷺ أصحابه يوم أصيبوا خبرهم. وبعث ناسٌ من قريش إلى عاصم بن ثابت حين حُدثوا أنه قتل أن يؤتوا بشيء منه يعرف، وكان قتل رجلاً عظيماً من عظمائهم، فبعث الله لعاصمٍ مثل الظُلَّة من الدبر - أي مثل السحابة من الزنابير -فحمته من رسلهم فلم يقدروا أن يقطعوا منه شيئاً ... ).

стр. 3279

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله: (ثم قال: اللهم أحصهم عدداً) زاد في رواية إبراهيم بن سعد (واقتلهم بدداً) أي متفرقين (ولا تبق منهم أحداً) وفي رواية بريدة بن سفيان (فقال خبيب: اللهم إني لا أجد من يبلغ رسولك مني السلام فبلِّغه) وفيه فلما رفع على الخشبة استقبل الدعاء قال: فلبد رجل بالأرض خوفاً من دعائه فقال: (اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً) قال فلم يحلْ الحولُ ومنهم أحدٌ حيٌ غير ذلك الرجل الذي لبد بالأرض. وحكى ابن إسحاق عن معاوية بن أبي سفيان قال كنت مع أبي فجعل يلقيني إلى الأرض حين سمع دعوة خبيب) وفي رواية أبي الأسود عن عروة (ممن حضر ذلك أبو إهاب بن عزيز والأخنس بن شريق وعبيدة بن حكيم السلمي وأمية بن عتبة بن همام (وعنده أيضاً) فجاء جبريل إلى النبي ﷺ فأخبره، فأخبر أصحابه بذلك (وعند موسى بن عقبة) فزعموا أن رسول الله ﷺ قال ذلك اليوم وهو جالس: وعليك السلام يا خبيب، قتلته قريش)] فتح الباري ٧/ ٤٧٩. قال ابن الأثير: [وفيه (اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً) يروى بكسر الباء جمع بُدّة وهي الحصة والنصيب، أي اقتلهم حصصاً مقسمة لكل واحدٍ منهم حصته ونصيبه. ويروى بالفتح أي متفرقين في القتل واحداً بعد واحد، من التبديد] النهاية في غريب الحديث ١/ ١٠٥. وقد أخذ أهل العلم من هذه الحادثة جواز الدعاء على الكفار بمثل هذا الدعاء (اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تبق منهم أحداً)، لأن هذه الحادثة حصلت في العهد النبوي فأقرها الرسول ﷺ ولم ينكر على خبيب دعائه، وورد كما سبق في كلام الحافظ ابن حجر فلم يحل

стр. 3280

الحول ومنهم أحدٌ حيٌ، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر عند الأصوليين. ومما يؤيد الدعاء على الكفرة المحاربين بمثل دعاء خبيب ما ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يدعو في القنوت اللهم أنج سلمة بن هشام اللهم أنج الوليد بن الوليد اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم سنين كسني يوسف) رواه البخاري. وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: قنت رسول الله ﷺ شهراً متتابعاً في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح في دبر كل صلاة إذا قال: سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة، يدعو عليهم، يدعو على حيٍ من بني سُليم، على رعل وذكوان وعصية، ويُؤَمِن من خلفه) رواه أحمد وأبو داود وإسناده حسن أو صحيح كما قال النووي في الخلاصة ١/ ٤٦١. وعن أبي هريرة ﵁ قال: (لَأُقَرِّبَنَّ بكم صلاة رسول الله ﷺ ، فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة في صلاة الظهر والعشاء الأخيرة وصلاة الصبح بعدما يقول: سمع الله لمن حمده، فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار) رواه البخاري ومسلم. وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (لعنةُ الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) رواه البخاري ومسلم. ويدل على ذلك قوله تعالى على لسان نوح ﵇: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً﴾ سورة نوح الآيتان ٢٦ - ٢٧. وجاء في دعاء نبي الله موسى ﵇: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي

стр. 3281

الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ سورة يونس الآية ٨٨. قال ابن كثير: [وهذه دعوة غضبٍ لله تعالى ولدينه ولبراهينه، فاستجاب الله لها وحقّقها وتقبَّّلها، كما استجاب لنوحٍ في قومه] البداية والنهاية ٢/ ١٠٦. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [والدعاء على جنس الظالمين الكفار مشروع مأمور به، وشرع القنوت والدعاء للمؤمنين، والدعاء على الكافرين] مجموع الفتاوى ٨/ ٣٣٥. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: [وينبغي للقانت أن يدعو عند كل نازلةٍ بالدعاء المناسب لتلك النازلة، وإذا سمَّى من يدعو لهم من المؤمنين، ومن يدعو عليهم من الكافرين المحاربين كان ذلك حسناً] مجموع الفتاوى ٢٢/ ٢٧١. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: [وكذلك المأثور عن الصحابة مثل: عمر، وعلي، وغيرهما ﵃ هو: القنوت العارض قنوت النوازل، ودعاء عمر فيه، وهو قوله: (اللهم عذب كفرة أهل الكتاب ... إلخ)، يقتضي أنه دعا به عند قتاله للنصارى] مجموع الفتاوى ٢٢/ ٣٧٣. قال الإمام النووي: [قال أصحابنا: وإن قنت بما جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ كان حسناً وهو أنه قنت في الصبح بعد الركوع فقال: [اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ولا نكفرك ونؤمن بك ونخلع من يفجرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك الجد بالكفار ملحق اللهم عذب الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ويقاتلون أوليائك اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وأصلح ذات بينهم وألف بين قلوبهم واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة

стр. 3282

وثبتهم على ملة رسولك ﷺ وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه وانصرهم على عدوك وعدوهم إله الحق واجعلنا منهم]. واعلم أن المنقول عن عمر ﵁ [عذب كفرة أهل الكتاب] لأن قتالهم ذلك الزمان كان مع كفرة أهل الكتاب، وأما اليوم فالاختيار أن يقول [عذب الكفرة] فإنه أعم] الأذكار ٤٨ - ٥٠. وخلاصة الأمر أن الدعاء بمثل دعاء خبيب ﵁ (اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تبق منهم أحداً)، جائزٌ ومشروعٌ على الكفرة المتسلطين على رقاب المسلمين، الذين يذيقون المسلمين سوء العذاب قتلاً وذبحاً وتهجيراً وهدماً للمساجد وللمنازل وغيرها من مصالح المسلمين، وهذا الدعاء هو المناسب لأحوال الأمة اليوم في ظل ما تعانيه من هذه الهجمة الشرسة التي تستهدف الإنسان والحيوان والشجر والحجر. ولا يلتفت لقول من منع ذلك بحجة أنه من الاعتداء في الدعاء فقوله باطل مردود عليه، وفيه خذلان للمسلمين. - - - حكم الخروج في رحلات للنزهة صباح يوم الجمعة يقول السائل: ما حكم الخروج في رحلات للنزهة صباح يوم الجمعة، أفيدونا؟ الجواب: صلاة الجمعة فريضة من الفرائض المعلوم فرضيتها بالضرورة، وبدلالة الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ سورة الجمعة الآية ٩. وقد

стр. 3283

ورد في فضل صلاة الجمعة أحاديث كثيرة منها: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام ومن مس الحصا فقد لغا) رواه مسلم. وعن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يغتسل رجلٌ يوم الجمعة ويتطهر بما استطاع من طهر ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يروح إلى المسجد ولا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت للإمام إذا تكلم، إلا غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة الأخرى) رواه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) رواه مسلم. وعن أبي أيوب ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيبٍ إن كان عنده، ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج وعليه السكينة حتى يأتي المسجد فيركع إن بدا له ولم يؤذ أحداً، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى) رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات كما قال الهيثمي، وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب ١/ ٤٣٢. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق الله آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها) رواه مسلم. وغير ذلك من الأحاديث. وقد وردت أحاديث أخرى في الترهيب من ترك صلاة الجمعة لغير عذر منها: عن

стр. 3284

ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال لقومٍ يتخلفون عن الجمعة: لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم) رواه مسلم. وعن أبي هريرة وابن عمر ﵃ أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره: (لينتهين أقوامٌ عن ودْعهم - أي تركهم - الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكوننَّ من الغافلين) رواه مسلم. وعن أبي الجعد الضمري وكانت له صحبة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من ترك ثلاث جمعٍ تهاوناً بها طبع الله على قلبه) رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب ١/ ٤٥١. وجاء في رواية لابن خزيمة وابن حبان (من ترك الجمعة ثلاثاً من غير عذر فهو منافق) قال العلامة الألباني: حسن صحيح، المصدر السابق. وعن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير ضرورة طبع الله على قلبه) رواه أحمد بإسناد حسن والحاكم وقال صحيح الإسناد، وقال العلامة الألباني: صحيح لغيره، المصدر السابق. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا هل عسى أحدكم أن يتخذ الصبة من الغنم على رأس ميل أو ميلين فيتعذر عليه الكلأ فيرتفع، ثم تجيء الجمعة فلا يجيء ولا يشهدها، وتجيء الجمعة فلا يشهدها، فيطبع على قلبه) رواه ابن ماجة وابن خزيمة في صحيحه، وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح الترغيب ١/ ٤٥٢.

стр. 3285

والصبة: المجموعة من الغنم ما بين العشرين إلى الثلاثين وقيل غير ذلك من العدد. وغير ذلك من الأحاديث. إذا تقرر هذا فقد اتفق أهل العلم على أنه لا يجوز السفر يوم الجمعة بعد دخول وقتها في حق المخاطب بها، [فيحرم عند الجمهور إنشاء سفرٍ بعد الزوال - وهو أول وقت الجمعة - من المصر الذي هو فيه، إذا كان ممن تجب عليه الجمعة، وعلم أنه لن يدرك أداءها في مصر آخر، فإن فعل ذلك فهو آثمٌ على الراجح ما لم يتضرر بتخلفه عن رفقته. وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء الحنفية والمالكية والحنابلة حيث صرحوا بحرمة السفر بعد الزوال] الموسوعة الفقهية الكويتية ٩/ ٢١١. وأما السفر قبل دخول وقت الجمعة أي قبل الزوال، فقد أجازه جماعة من الفقهاء، قال الشوكاني: [وقد اختلف العلماء في جواز السفر يوم الجمعة من طلوع الفجر إلى الزوال على خمسة أقوال: الأول: الجواز، قال العراقي: وهو قول أكثر العلماء. فمن الصحابة عمر بن الخطاب والزبير بن العوام وأبو عبيدة بن الجراح وابن عمر. ومن التابعين الحسن وابن سيرين والزهري. ومن الأئمة أبو حنيفة ومالك في الرواية المشهورة عنه والأوزاعي وأحمد بن حنبل في الرواية المشهورة عنه وهو القول القديم للشافعي، وحكاه ابن قدامة عن أكثر أهل العلم] نيل الأوطار ٣/ ٢٦١. ويدل للقول بالجواز ما رواه عبد الرزاق في المصنف بإسناده (أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى رجلاً عليه ثياب سفر بعد ما قضى الجمعة، فقال: ما شأنك؟ قال أردت سفراً فكرهت أن أخرج حتى أصلي، فقال عمر: إن الجمعة لا تمنعك السفر ما لم يحضر وقتها) وسنده صحيح كما قال العلامة الألباني، وقال الطحاوي: لا يُعرف عن الصحابة خلافه. وروى ابن أبي شيبة في المصنف عن صالح بن كيسان أن أبا عبيدة ﵁ خرج يوم

стр. 3286

الجمعة في بعض أسفاره ولم ينتظر الجمعة. وإسناده جيد كما قال العلامة الألباني. واحتجوا بما ورد في الحديث عن ابن عباس ﵃ قال: (بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة ﵁ في سريةٍ فوافق ذلك يوم جمعة، قال: فتقدم أصحابه وقال: أتخلف فأصلي مع النبي ﷺ الجمعة ثم ألحقهم، قال: فلما صلى رسول الله رآه، فقال: ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟ فقال: أردت أن أصلي معك الجمعة ثم ألحقهم، قال: فقال رسول الله ﷺ : لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما أدركت غدوتهم) رواه أحمد والترمذي، ثم قال هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وضعفه العلامة الألباني في ضعيف سنن الترمذي حديث رقم ٨١. وقد استدل من منع السفر قبل الزوال يوم الجمعة بما روي أن النبي ﷺ قال: (من سافر يوم الجمعة دعا عليه ملكاه أن لا يصحب في سفره ولا تُقضى له حاجة) وهذا الحديث مكذوب، كما قال العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة ١/ ٢٥٤. وقال ابن المنذر: [لا أعلم خبراً ثابتاً يمنع من السفر أول نهار الجمعة إلى أن تزول الشمس وينادي المنادي، فإذا نادى المنادي وجب السعي إلى الجمعة على من سمع النداء] الأوسط لابن المنذر ٥/ ٣٣٠. وبناءً على ما سبق فإن السفر قبل الزوال يوم الجمعة يجوز إذا كان السفر للمباحات كالسفر للتنزه أو للتجارة أو لغرض مشروع، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي مرجحاً القول بجواز السفر قبل الزوال: [ولأن الجمعة لم تجب عليه فلم يحرم السفر كالليل ... والأولى الجواز مطلقاً لأن ذمته بريئة من الجمعة فلم يمنعه إمكان وجوبها عليه كما قبل يومها] المغني٢/ ٢٦٩.

стр. 3287

ولكن الأفضل والأولى أن يكون السفر بعد انقضاء صلاة الجمعة، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ سورة الجمعة الآية ١٠. وروى ابن أبي شيبة في المصنف عن خيثمة أنه قال: (كانوا يستحبون إذا حضرت الجمعة أن لا يخرجوا حتى يجمعوا). وروى أيضاً عن سعيد بن المسيب قال: (السفر يوم الجمعة بعد الصلاة). وإنما قالوا ذلك لما فيه من فوات صلاة الجمعة وهي من الشعائر المعظمة شرعاً، ومن القواعد المقررة شرعاً وجوب تعظيم شعائر الله يقول الله تعالى: ﴿ذلك وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ سورة الحج الآية ٣٢. ويقول تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ سورة الحج الآية ٣٠. قال الإمام القرطبي: [﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الشعائر جمع شعيرة، وهو كل شيء لله تعالى فيه أمر أشعر به وأعلم ... فشعائر الله أعلام دينه ... ] تفسير القرطبي ١٢/ ٥٦. وخلاصة الأمر أن الواجب على المسلم أن يحافظ على صلاة الجمعة، فهي من شعائر الله ، وأن لا يضيعها من أجل النزهات والرحلات، فإن خرج في رحلة في صباح الجمعة فليحرص على أداء صلاة الجمعة في أي مسجد قريب من موقع الرحلة. - - -

стр. 3288

ارتباك المصلين بسبب سجود التلاوة يقول السائل: إن الإمام في صلاة الجمعة قرأ في آخر الركعة الثانية آية فيها سجدة تلاوة، ثم كبر وركع ولم يسجد سجود التلاوة، وقد حصلت بلبلةٌ بين المصلين، حيث إن المسجد مكون من ثلاثة طوابق، فبعض المصلين سجدوا سجود التلاوة وبعضهم لما سمع الإمام قال: سمع الله لمن حمده، قام وأتى بالركوع وتابع الإمام، وبعضهم ترك الركوع وجاء بالسجود، وبعض هؤلاء جاء بركعة بعد تسليم الإمام، وبعد انتهاء الصلاة حصل اختلاف بين المصلين، فقال بعض المشايخ الصلاة صحيحة لأن الإمام ضامن، وبعضهم قال أعيدوها ظهراً، فما الحكم في صلاة المأمومين، أفيدونا؟ الجواب: المشروع في حق الإمام إذا قرأ آية فيها سجدة تلاوة أن يسجد إذا كان ذلك في صلاة جهرية كصلاة الجمعة، فقد صح في الحديث عن ابن مسعود ﵁: (أن النبي ﷺ قرأ والنجم فسجد فيها وسجد من كان معه ... ) رواه البخاري ومسلم. ويجوز له ترك سجود التلاوة، لأنه سنة عند جماهير أهل العلم وليس بواجب، فقد ثبت عن زيد بن ثابت ﵁ قال: قرأت على النبي ﷺ سورة - النجم، فلم يسجد فيها) رواه البخاري ومسلم. وقد كره الإمام مالك أن يقرأ الإمام سورة فيها سجدة التلاوة لما في ذلك من بلبلة للمأمومين، قال الإمام مالك: [لا أحب للإمام أن يقرأ في الفريضة بسورة فيها سجدة لأنه يخلط على الناس صلاتهم] المدونة ١/ ٢٠٠. وتَرْكُ قراءة آيات فيها سجود التلاوة أولى وخاصة في المساجد المتعددة الطوابق كما هو الحال في السؤال، حيث لا يرى المأمومون الإمام ومَنْ وراءَه، فلا يعرفون حال الإمام أراكع هو أم ساجد؟

стр. 3289

إذا تقرر هذا فإن أحوال المأمومين المذكورين في السؤال كما يلي: من سجد ظاناً أن الإمام سجد للتلاوة ثم لما سمع تسميع الإمام قام فجاء بالركوع ولحق بالإمام في باقي الصلاة فصلاته صحيحة ولا سجود سهو عليه، لأن الإمام يتحمل ذلك عنه. من سجد ظاناً أن الإمام سجد للتلاوة ولم يأت بالركوع ثم لما سلَّم الإمام من الصلاة قام فجاء بركعة فصلاته صحيحة أيضاً، لأنه اعتبر الركعة التي ترك الركوع فيها - وهو ركن من أركان الصلاة - لاغيةً فجاء بركعة بدلها وعليه سجود السهو. وأما من لم يأت بالركوع وتابع الإمام وسَّلم معه من الصلاة ولم يأت بركعة أخرى فصلاته باطلة، لأنه ترك ركناً من أركان الصلاة باتفاق أهل العلم وهو الركوع ولا يسقط سهواً ولا جهلاً، ولا يحمله الإمام عن المأموم. وهؤلاء يلزمهم أن يصلوا الظهر أربعاً، لأن جمعتهم قد بطلت، وصلاة الجمعة لا تقضى، فمن بطلت جمعته أو فاتته صلاة الجمعة فإنه يصلي الظهر أربعاً. وأما قول من قال إن صلاة الجميع صحيحة لأن الإمام ضامن، فقول باطل لا دليل عليه، فالإمام لا يحمل الأركان عن المأمومين باتفاق الفقهاء وإنما يحمل عنهم السنن، فقد روى ابن ماجة بسنده عن أبي حازم قال: كان سهل بن سعد الساعدي ﵁ يقدم فتيان قومه يصلون بهم، فقيل له تفعل ذلك ولك من القِدم ما لك؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الإمام ضامن فإن أحسن فله ولهم، وإن أساء يعني فعليه ولهم) قال العلامة الألباني: حديث صحيح، السلسلة الصحيحة ٤/ ٣٦٦. وجاء في رواية أخرى عن أبى هريرة أن النبي ﷺ قال: (الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين) رواه

стр. 3290

أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان والبيهقي وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل ١/ ٢٣١. ومعنى قول النبي ﷺ : (الإمام ضامن) أي الحفظ والرعاية لا ضمان الغرامة لأنه يحفظ على القوم صلاتهم كما قال ابن الأثير الجزري في النهاية في غريب الحديث ٣/ ١٠٢. وقال الإمام الماوردي: يريد بالضمان والله أعلم أنه يتحمل سهو المأموم كما يتحمل الجهر، والسورة، والفاتحة، والقنوت، والتشهد الأول وغير ذلك] أسنى المطالب ٣/ ١٤٨. وقال الشوكاني: [قوله: (الإمام ضامن) الضمان في اللغة الكفالة والحفظ والرعاية، والمراد أنهم ضمناء على الإسرار بالقراءة والأذكار حكي ذلك عن الشافعي في الأم. وقيل: المراد ضمان الدعاء أن يعمَّ القوم به ولا يخص نفسه. وقيل: لأنه يتحمل القيام والقراءة عن المسبوق. وقال الخطابي: معناه أنه يحفظ على القوم صلاتهم وليس من الضمان الموجب للغرامة] نيل الأوطار ٢/ ٣٩. وقال صاحب عون المعبود: [(الإمام ضامن) أي متكفل لصلاة المؤتمين بالإتمام، فالضمان هنا ليس بمعنى الغرامة، بل يرجع إلى الحفظ والرعاية، قال الخطابي: قال أهل اللغة الضامن في كلام العرب معناه الراعي، والضمان الرعاية، فالإمام ضامن بمعنى أنه يحفظ الصلاة وعدد الركعات على القوم، وقيل معناه ضمان الدعاء يعمهم به ولا يختص بذلك دونهم، وليس الضمان الذي يوجب الغرامة من هذا بشيء، وقد تأوله قوم على معنى أنه يتحمل القراءة عنهم في بعض الأحوال وكذلك يتحمل القيام أيضا إذا أدركه المأموم راكعاً] عون المعبود شرح سنن أبي داود٢/ ١٥٢.

стр. 3291

وبناءً على ما سبق فقد اتفق أهل العلم على أنه لا يدخل في ضمان الإمام أركان الصلاة كالركوع والسجود، فإذا ترك المأموم ركناً من أركان الصلاة كالركوع والسجود ولم يتداركها حتى سلَّم إمامه وطال الفصل بعد التسليم، فإن صلاة المأموم تبطل لأن أركان الصلاة لا تسقط سهواً ولا جهلاً، ولا يحملها الإمام عن المأموم، وقرر الفقهاء أن الإمام يتحمل عن المأموم السنن والمستحبات في حال تركها من المأموم. وقد عدَّ بعض الفقهاء ما يحمله الإمام عن المأموم فقال: [ذكروا أنه يتحمل ثمانية أشياء ... الأول: القراءة، قراءة الفاتحة، وقراءة السورة ... الثاني: سجود التلاوة. الثالث: سجود السهو، سجود التلاوة وسجود السهو إذا سجدهما الإمام يعني سقط عن مأمومه، ولكن يتأكد عليه أن يتابع إمامه، وذلك ولو لم يسه المأموم .... الرابع: السترة: يعني التي تكون أمامه، يقولون: سترة المأمومين إمامهم، وسترة الإمام سترة لمن خلفه، سترة الصفوف بعضهم سترة لبعض، فالصف الأول سترة للثاني، والصف الثاني سترة للثالث وهكذا .... الخامس: دعاء القنوت، المأمومون يؤمِّنون إذا دعا للقنوت، فلا يقنتون ولا يدعون بمثل دعائه، ويكفيهم التأمين. السادس: مما يحمله الإمام: التسميع (سمع الله لمن حمده) لا يقوله إلا الإمام. الثامن: قوله: ملء السماوات وملء الأرض إذا قال المأموم: ربنا ولك الحمد فقوله: ملء السماوات يحمله الإمام عنه ... ] أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل شرح الشيخ عبد الله الجبرين، شبكة الإنترنت بتصرف. وأخيراً فيجب التنبيه على أنه تحرم الفتوى بغير علم، فقد أخطأ ذلك الشيخ في فتواه بأن صلاة الجميع صحيحة، لأن الإمام ضامن، وقوله هذا غير صحيح ولا أعلم أحداً من أهل العلم قال بفتواه الخاطئة وهذا من الإفتاء

стр. 3292

بغير علم ومن الجرأة على دين الله وإن التسرع في الفتيا خطأ وخطر يفضي إلى عدم إصابة الحق والجرأة على الله تعالى والوقوع فيما نهى عنه يقول تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾، ومن أفتى بغير علم فعمل بفتواه عاملٌ كان إثم العامل على من أفتاه، وقال عمر بن الخطاب ﵁: (أجرؤكم على الفتيا، أجرؤكم على النار). فلا ينبغي لأحدٍ أن يقتحم حمى الفتوى ولمَّا يتأهل لذلك، وقد قرر أهل العلم أن من أفتى وليس بأهل للفتوى فهو آثمٌ عاصٍ. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية شديد الإنكار على أدعياء العلم الذين يتصدرون للفتيا، فقال له بعضهم يوماً: أَجُعلتَ محتسباً على الفتوى؟ فقال له: يكون على الخبازين والطباخين محتسبٌ ولا يكون على الفتوى محتسب] فعلى هذا الشيخ أن يتق الله في نفسه وفي الناس الذين أفتاهم بغير علم. وخلاصة الأمر أنه ينبغي على أئمة المساجد أن يراعوا أحوال المصلين وأن لا يوقعوهم في الحرج، ولو أدى ذلك لترك قراءة آيات سجود التلاوة، وخاصة في المساجد المتعددة الطوابق كما هو الحال في السؤال، حيث لا يرى المأمومون الإمام ومَنْ وراءه، فلا يعرفون حال الإمام أراكع هو أم ساجد؟ فوقعوا في إرباك شديد، وقد بينت أحوالهم في تلك الصلاة، والواجب على المسلم أن لا يفتي بغير علم لخطورة ذلك عليه وعلى من أفتاه. - - -

стр. 3293

جمع صلاة الجمعة مع العصر للمسافرين في المسجد الأقصى يقول السائل: ما قولكم في جمع صلاة الجمعة مع العصر للمسافرين في المسجد الأقصى المبارك، حيث إن مؤذن المسجد وبعد انتهاء صلاة الجمعة يقيم الصلاة للعصر عبر مكبرات الصوت، ويصلي معظم المصلين مع هذه الجماعة، علماً أن أكثرهم غير مسافرين، وبعض هؤلاء يقول إنه يصلي مع هذه الجماعة سنة الجمعة البعدية، أفيدونا؟ الجواب: إن الأصل في باب العبادات هو اتباع الرسول ﷺ بدون زيادة ولا نقصان، فليس لأحد مهما كان أن يزيد في العبادة شيئاً ولا أن ينقص منها شيئاً وقد أمر الرسول ﷺ في حديثين صحيحين مشهورين بالالتزام بالعبادة كما فعلها هو ﵊، أولهما: قوله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) رواه البخاري، فهذا الحديث الصحيح الصريح يقرر هذا الأصل وهو لزوم الاتباع في الصلاة كما كان النبي ﷺ يصلي، فنؤدي الصلاة كما وردت عن رسول ﷺ بلا زيادة ولا نقصان. ثانيهما: قول الرسول ﷺ : (خذوا عني مناسككم) رواه مسلم، فهذان الحديثان يدلان على أن الأصل في العبادات هو التوقيف على رسول الله ﷺ فلا يثبت شيء من العبادات إلا بدليل من الشرع، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وجماع الدين أصلان أن لا يعبد إلا الله ولا نعبده إلا بما شرع لا نعبده بالبدع، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ سورة الكهف الآية ١١٠. وذلك تحقيق الشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمداً رسول الله، ففي الأولى: أن لا نعبد إلا إياه. وفي الثانية:

стр. 3294

أن محمداً هو رسوله المبلغ فعلينا أن نصدق خبره ونطيع أمره وقد بين لنا ما نعبد الله به ونهانا عن محدثات الأمور وأخبر أنها ضلالة، قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ سورة البقرة الآية١١٢] رسالة العبودية ص ١٧٠ - ١٧١. وذكر الإمام ابن العربي عن الزبير بن بكار قال: [سمعت مالك بن أنس وأتاه رجلٌ فقال: يا أبا عبد الله من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول ﷺ . فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد. فقال: لا تفعل. قال: فإني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر. قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة. فقال: وأي فتنة هذه؟ إنما هي أميال أزيدها. قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصَّر عنها رسول الله ﷺ ، إني سمعت الله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾] الاعتصام للشاطبي ١/ ١٣٢. إذا تقرر أن الأصل في العبادات التوقيف على رسول الله ﷺ ، أو كما يعبر بعض أهل العلم أن الأصل في العبادات الحظر والمنع، فإنه لا يجوز شرعاً جمع صلاة العصر إلى صلاة الجمعة لا في حق المقيم ولا في حق المسافر، لعدم ورود ذلك في السنة النبوية، وما نقل ذلك الجمع عن أحدٍ من الصحابة رضوان الله عليهم، ولا يصح إثبات ذلك بالقياس على جواز جمع الظهر مع العصر للفروق الكثيرة بين صلاتي الجمعة والظهر، فصلاة الجمعة لها كيفية خاصة بها، ولها أيضاً شروط خاصة بها، فلا يصح قياسها على الظهر لأنه لا قياس في الصلاة، قال العلامة محمد صالح العثيمين: [فإن قال قائل: أفلا يصح قياس جمع العصر إلى الجمعة على جمعها إلى الظهر؟

стр. 3295

فالجواب: لا يصح ذلك لوجوه: الأول: أنه لا قياس في العبادات. الثاني: أن الجمعة صلاة مستقلة منفردة بأحكامها تفترق مع الظهر بأكثر من عشرين حكماً، ومثل هذه الفروق تمنع أن تلحق إحدى الصلاتين بالأخرى. الثالث: أن هذا القياس مخالف لظاهر السنة، فإن في صحيح مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر، فسئل عن ذلك فقال: (أراد أن لا يحرج أمته)، وقد وقع المطر الذي فيه المشقة في عهد النبي ﷺ ولم يجمع فيه بين العصر والجمعة، كما في صحيح البخاري وغيره عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ استسقى يوم الجمعة وهو على المنبر، فما نزل من المنبر إلا والمطر يتحادر من لحيته، ومثل هذا لا يقع إلا من مطر كثير يبيح الجمع لو كان جائزاً بين العصر والجمعة، قال: وفي الجمعة الأخرى دخل رجل فقال: يا رسول الله غرق المال، وتهدم البناء، فادع الله يمسكها عنا، ومثل هذا يوجب أن يكون في الطرقات وحلٌ يبيح الجمعَ لو كان جائزاً بين العصر والجمعة. فإن قال قائل: ما الدليل على منع جمع العصر إلى الجمعة؟ فالجواب: أن هذا سؤال غير وارد لأن الأصل في العبادات المنع إلا بدليل، فلا يطالب من منع التعبد لله تعالى بشيء من الأعمال الظاهرة، أو الباطنة، وإنما يطالب بذلك من تعبد به لقوله تعالى منكراً على من تعبدوا لله بلا شرع: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ سورة الشورى الآية٢١، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ سورة المائدة
следующие страницы →