← Фатава

Фатава · id 9087

فتاوى يسألونك

حسام الدين عفانة

Полный текст (3 492 стр.). Показаны 3466–3492 · переход к 3471.

стр. 3466

الجماعة فوجب تفويضه إلى نائب الجماعة وهو الإمام ولأن الحدّ يفتقر إلى الاجتهاد ولا يؤمن في استيفائه من الحيف والزيادة على الواجب فوجب تركه لولي الأمر يقيمه إن شاء بنفسه أو بواسطة نائبه وحضور الإمام ليس شرطاً في إقامة الحد لأن النبي ﷺ لم ير حضوره لازماً فقال: اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها. وأمر ﵊ برجم ماعز ولم يحضر الرجم وأتي بسارق فقال: اذهبوا به فاقطعوه. لكن إذن الإمام بإقامة الحدّ واجب، فما أقيم حدّ في عهد رسول الله ﷺ إلا بإذنه وما أقيم حدّ في عهد الخلفاء إلا بإذنهم] التشريع الجنائي الإسلامي ٢/ ٤٤٤. وجاء في الموسوعة الفقهية: [اتفق الفقهاء على أنه لا يقيم الحدّ إلا الإمام أو نائبه وذلك لمصلحة العباد وهي صيانة أنفسهم وأموالهم وأعراضهم والإمام قادر على الإقامة لشوكته ومنعته وانقياد الرعية له قهراً وجبراً كما أن تهمة الميل والمحاباة والتواني منتفية عن الإقامة في حقه فيقيهما على وجهه فيحصل الغرض المشروع بيقين، ولأن النبي ﷺ كان يقيم الحدود وكذا خلفاءه من بعده] ١٧/ ١٤٤ - ١٤٥. وخلاصة الأمر أن القتل العمد جريمة من كبائر الذنوب، وأنه موجبٌ للقصاص كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ سورة البقرة الآية ١٧٨، وقد اتفق أهل العلم على أن من يتولى تنفيذ العقوبة هو الحاكم المسلم أو من ينيبه، ولا يجوز لأحد من الناس أن يتولى تنفيذ العقوبات بنفسه، لأن في ذلك فتحاً لأبواب الشرور والمفاسد الكثيرة، التي لا يعلم نتائجها إلا الله . - - -

стр. 3467

حكم من قُتل في عَماةٍ يقول السائل: وقعت مشاجرة كبيرة بين عدد كثير من الناس وبعد انتهاء الشجار عثر على جثة شخص مقتول، ولم يعرف قاتله، فماذا يترتب على ذلك، أفيدونا؟ الجواب: إن كثرة القتل والتساهل في دماء الناس من علامات الساعة الصغرى كما ورد في الحديث عن أبي وائل قال كنت جالساً مع عبد الله وأبي موسى ﵄ فقالا: قال رسول الله ﷺ : (إن بين يدي الساعة أياماً يُرفع فيها العلم وينزل فيها الجهل ويكثر فيها الهرج، والهرج القتل) رواه البخاري ومسلم. والهرج: القتل والفتن واضطراب الأمور. وجاء في رواية أخرى عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يتقارب الزمان ويقبض العلم وتظهر الفتن ويلقى الشح ويكثر الهرج قالوا وما الهرج قال: القتل) رواه مسلم. ومع الأسف فإن الناس قد تساهلوا في أمر عظيم فصار الإنسان يُقتل لأتفه الأسباب، وصارت حرمة دم المسلم لا قيمة لها، مع أن حرمة دم المسلم من أعظم الحرمات عند الله ، وقتل النفس المعصومة من أكبر الكبائر، وقد وردت النصوص الكثيرة من كتاب الله ومن سنة نبيه محمد ﷺ التي تدل على ذلك فمنها قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً﴾ سورة الإسراء الآية ٣٣. وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ سورة النساء الآية ٩٣. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ

стр. 3468

اللَّهِ إِلَهًاءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ سورة الفرقان الآيتان ٦٨ - ٦٩. وثبت في الحديث عن أنس بن مالك ﵁ قال ذكر رسول الله ﷺ الكبائر أو سئل عن الكبائر فقال: الشرك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين، فقال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قال قول الزور أو قال شهادة الزور قال شعبة وأكثر ظني أنه قال شهادة الزور) رواه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قيل يا رسول الله وما هن قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (لن يزال المؤمن في فسحةٍ من دينه ما لم يُصب دماً حراماً) رواه البخاري، ونقل الحافظ ابن حجر العسقلاني عن الشيخ ابن العربي قوله: الفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها لا تفي بوزره، والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول] فتح الباري ١٢/ ٢٣٣. وروى الإمام البخاري عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: (إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله)، وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله (إن من ورطات) بفتح الواو والراء، وحكى ابن مالك أنه قيد في الرواية بسكون الراء، والصواب التحريك وهي جمع ورطة بسكون الراء وهي الهلاك يقال وقع فلان في ورطة أي في شيء لا ينجو منه، وقد فسرها في الخبر بقوله التي لا مخرج لمن أوقع

стр. 3469

نفسه فيها. قوله (سفك الدم) أي إراقته والمراد به القتل بأي صفة كان، لكن لما كان الأصل إراقة الدم عبر به. قوله (بغير حله) في رواية أبي نعيم (بغير حقه) وهو موافق للفظ الآية، وهل الموقوف على ابن عمر منتزع من المرفوع فكأن ابن عمر فهم من كون القاتل لا يكون في فسحه أنه ورط نفسه فأهلكها] فتح الباري ١٢/ ٢٣٣ - ٢٣٤. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ... كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال (يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده وأوداجه تشخب دماً يقول يا رب هذا قتلني حتى يدنيه من العرش) رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/ ٤٠. وقد ورد في النصوص أن حرمة دم المسلم مقدمة على حرمة الكعبة المشرفة، بل حرمة دم المسلم أعظم عند الله من زوال الدنيا فقد ورد في الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵁ عن النبي ﷺ قال (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم) رواه الترمذي وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/ ٥٦. وجاء في رواية أخرى عن البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله صلى

стр. 3470

الله عليه وسلم قال: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله النار) وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح الترغيب ٢/ ٦٢٩. وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالكعبة ويقول: (ما أطيبك وأطيب ريحك ما أعظمك وأعظم حرمتك والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك ماله ودمه وأن نظن به إلا خيراً) رواه ابن ماجة وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب ٢/ ٦٣٠. ونظر ابن عمر ﵁ يوماً إلى البيت أو إلى الكعبة فقال ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك) رواه الترمذي. إذا تقرر هذا فإنه إذا وجد قتيلٌ بعد مشاجرة ولم يُعرف قاتلُه، أو كان هنالك شكٌ كبيرٌ في معرفة القاتل، فلا يجوز شرعاً اتهام شخص معين بالقتل، والحكم في هذه الحال هو ما ورد في الحديث عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (من قُتل في عِمِّيَّة، أو رِمِّيَّة بحجر، أو سوطٍ، أو عصا فعقله عقل الخطأ. ومن قتل عمداً فهو قود. ومن حال بينه وبينه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة والدارقطني وغيرهم بإسناد قوي كما قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام، وقال العلامة الألباني حديث صحيح كما في صحيح سنن النسائي حديث رقم ٤٤٥٦. وقوله (في عِمِّيَّة) بكسر العين وتشديد الميم والياء، وهي الأمر الذي لا يستبين وجهه. وقيل كناية عن جماعة مجتمعين على أمر مجهول لا يعرف أنه حق أو باطل. ونقل الدارقطني عن الإمام أحمد بن حنبل: العِمِّيَّا هو الأمر الأعمى للعصبية لا

стр. 3471

تستبين ما وجهه. وقال إسحاق: هذا في تحارج القوم وقتل بعضهم بعضاً. فكأن أصله من التعمية وهو التلبيس. وقال ابن الأثير في تفسير اللفظين: المعنى أن يوجد بينهم قتيل يُعمَّى أمرُه، ولا يُتبين قاتلُه فحكمه حكم قتيل الخطأ تجب فيه الدية. النهاية في غريب الحديث ٣/ ٣٠٥. وروى الدارقطني عن طاووس قال في الرجل يصاب في الرِمِّيا - بكسر وتشديد وقصر، بوزن الهجيرى من الرمي، مصدر يراد به المبالغة - في القتال بالعصا أو السوط أو الترامي بالحجارة، يودى ولا يُقتل به من أجل أنه لا يُدرى منْ قاتلُه. قال الإمام الصنعاني في شرح الحديث السابق: [ ... إنه دليل على أن من لم يُعرف قاتلُه، فإنها تجب فيه الدية وتكون على العاقلة وظاهره من غير أيمان قسامة، وقد اختلف في ذلك: فقالت الهادوية إن كان الحاضرون الذين وقع بينهم القتل منحصرين لزمت القسامة وجرى فيها حكمها من الأيمان والدية، وإن كانوا غير منحصرين لزمت الدية في بيت المال، وقال الخطابي: اختلف هل تجب الدية في بيت المال، أو لا؟ قال إسحاق بالوجوب، وتوجيهه من حيث المعنى أنه مسلمٌ مات بفعل قوم من المسلمين، فوجبت ديته في بيت مال المسلمين، وذهب الحسن إلى أن ديته تجب على جميع من يحضر، وذلك لأنه مات بفعلهم، فلا تتعداهم إلى غيرهم، وقال مالك إنه يهدر؛ لأنه إذا لم يوجد قاتله بعينه استحال أن يؤخذ به أحد. وللشافعي قول إنه يقال لوليه ادع على من شئت واحلف، فإن حلف استحق الدية، وإن نكل حلف المدعى عليه على النفي وسقطت المطالبة، وذلك لأن الدم لا يجب إلا بالطلب، وإذا عرفت هذا الاختلاف وعدم المستند القوي في أي هذه الأقوال، وقد عرفت أن سند الحديث قوي كما قاله المصنف علمت أن القول به أولى الأقوال] سبل السلام ٥/ ٣٨٨.

стр. 3472

وما رجحه الإمام الصنعاني هو الراجح لقوة دليله، فمن وجد مقتولاً بعد مشاجرة ولا يعرف قاتله، ففيه دية قتل الخطأ وتقسم الدية على من حضر الشجار وعلى عواقلهم، ولا يجوز شرعاً تحميل شخص بعينه القتل ما دام أنه لم يثبت أنه قاتل، وأمر القاتل إلى الله كما ورد عن عمر بن عبد العزيز أنه كُتب إليه في رجلٍ وجد قتيلاً لم يُعرف قاتله فكتب إليهم أن من القضايا قضايا لا يُحكم فيها إلا في الدار الآخرة وهذا منها. المغني ١٠/ ٧. وخلاصة الأمر أن حرمة المسلم حرمة عظيمة، و ﴿أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ سورة المائدة الآية ٣٢، وأن حرمة دم المسلم أعظم عند الله من حرمة الكعبة، وأن تساهل الناس في أيامنا هذه في القتل بغير حق من علامات الساعة الصغرى، وأن من وجد مقتولاً بعد مشاجرة ولا يُعرف قاتلُه، ففيه دية قتل الخطأ وتقسَّم الدية على من حضر الشجار وعلى عواقلهم، ولا يجوز شرعاً تحميل شخص بعينه القتل ما دام أنه لم يثبت أنه قاتل. - - -

стр. 3473

متفرقات

стр. 3474

قرارات المجامع الفقهية مقدمة على الفتاوى الفردية يقول السائل: ظهر في هذا العصر عدد من المجامع الفقهية والتي تبحث قضايا فقهية وتصدر عنها قرارات بعد اجتهاد جماعي فما قولكم في هذه المجامع الفقهية، وما قوة قراراتها من الناحية الشرعية، أفيدونا؟ الجواب: الاجتهاد الجماعي الذي تمارسه مجامع الفقه الإسلامي المعاصرة، يُعدُّ مَعْلَماً من معالم مسيرة الفقه الإسلامي في العصر الحاضر، ولا شك أن وجود هذه المجامع وصدور الآراء الفقهية الجماعية عنها يعطي قوةً للفقه الإسلامي، وخاصة أن المجامع الفقهية تتصدى لكثير من النوازل الفقهية والقضايا المعاصرة، وهذا يجعل الفقه الإسلامي قادراً على مواجهة تطور الحياة العصرية. ولا شك أن الاجتهاد الجماعي الذي تمثله المجامع الفقهية، مقدمٌ على الاجتهاد الفردي الذي يصدر عن أفراد الفقهاء، فهو أكثر دقةً وإصابةً من الاجتهاد الفردي، كما أن فيه تحقيقاً لمبدأ الشورى في الاجتهاد، وهو مبدأ أصيل في تاريخ الفقه الإسلامي، فقد روى ميمون بن مهران: (أن أبا بكر ﵁ كان إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله ﷺ في ذلك الأمر سنة قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين، وقال: أتاني كذا وكذا، فهل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر، كلهم يذكر من رسول الله ﷺ فيه قضاءً، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ على نبينا. فإن أعياه أن يجد فيه سنةً من رسول الله ﷺ ، جمع

стр. 3475

رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمرٍ قضى به ... ) سنن الدارمي ١/ ٤٠. وروى الإمام النسائي في باب الحكم باتفاق أهل العلم بإسناده عن عبد الرحمن بن يزيد قال: أكثروا على عبد الله - ابن مسعود - ذات يوم فقال عبد الله: إنه قد أتى علينا زمان ولسنا نقضي ولسنا هنالك ثم إن الله قدر علينا أن بلغنا ما ترون فمن عرض له منكم قضاءٌ بعد اليوم فليقض بما في كتاب الله فإن جاء أمرٌ ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه ﷺ فإن جاء أمرٌ ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه ﷺ فليقض بما قضى به الصالحون فإن جاء أمرٌ ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه ﷺ ولا قضى به الصالحون فليجتهد رأيه ولا يقول إني أخاف وإني أخاف، فإن الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمورٌ مشتبهات، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك. قال أبو عبد الرحمن - النسائي- هذا الحديث جيد جيد. ثم روى النسائي بإسناده عن شريح أنه كتب إلى عمر ﵁ يسأله، فكتب إليه: أن اقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله، فبسنة رسول الله ﷺ ، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ ، فاقض بما قضى به الصالحون، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ ولم يقض به الصالحون، فإن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر، ولا أرى التأخر إلا خيراً لك والسلام عليكم] سنن النسائي ٨/ ٢٣٠. وروى البيهقي عن ميمون بن مهران أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يفعل ذلك فإن أعياه أن يجد في القرآن والسنة نظر هل كان لأبي بكر رضي

стр. 3476

الله عنه فيه قضاء، فإن وجد أبا بكر ﵁ قد قضى فيه بقضاء قضى به، وإلا دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم، فاستشارهم فإذا اجتمعوا على الأمر قضى بينهم. السنن الكبرى ١٠/ ١١٤. وقال الإمام الجويني: [والمعتقد أنه لا يفرضُ وقوعُ واقعةٍ مع بقاءِ الشريعة بين ظهراني حملتها إلا وفي الشريعة مستمسكٌ بحكم الله فيها. والدليل القاطع على ذلك أَن أصحاب المصطفى ﷺ ورضي عنهم استقصَوْا النظرَ في الوقائع والفتاوىَ والأَقضية، فكانوا يعرضونها على كتاب الله تعالى، فإن لم يجدوا فيها متعَلَّقاً، راجعوا سُنَنَ المصطفى ﵊، فإن لم يجدوا فيها شفاءً، اشتوروا، واجتهدوا، وعلى ذلك درجوا في تمادي دهرِهم، إِلى انقراض عصرهم، ثم استنَّ مَن بعدهم بسنتهم] غياث الأمم. وقد ذكر ابن الجوزي في حوادث سنة سبع وثمانين للهجرة أن عمر بن عبد العزيز ولي المدينة فقدم والياً في ربيع الأول وهو ابن خمس وعشرين سنة، فقدم على ثلاثين بعيراً، فنزل دار مروان، فلما صلى الظهر دعا عشرة من فقهاء المدينة: عروة بن الزبير، وعبيد الله بن عتبة، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن سليمان بن أبي خثيمة، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وخارجة بن زيد، فدخلوا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنما دعوتكم لأمر تؤجرون عليه، وتكونون فيه أعواناً على الحق، ما أريد أن أقطع أمراً إلا برأيكم أو برأي من حضر منكم، فإن رأيتم أحداً استعدى أو بلغكم عن عامل لي ظلامة، فأحَرِّجُ على من بلغه ذلك إلا بلغني، فجزوه خيراً وانصرفوا. المنتظم في تاريخ الأمم والملوك ٦/ ٢٧٨.

стр. 3477

وقال العلامة ابن القيم: [ ... ولهذا كان من سداد الرأي وإصابته أن يكون شورى بين أهله ولا ينفرد به واحد وقد مدح الله سبحانه المؤمنين بكون أمرهم شورى بينهم وكانت النازلة إذا نزلت بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ليس عنده فيها نصٌ عن الله ولا عن رسوله، جمع لها أصحاب رسول الله ﷺ ثم جعلها شورى بينهم. قال البخاري حدثنا سنيد حدثنا يزيد عن العوام بن حوشب عن المسيب بن رافع قال كان إذا جاءه الشيء من القضاء ليس في الكتاب ولا في السنة سمَّى صوافي الأمر فرفع إليهم فجمع له أهل العلم فإذا اجتمع عليه رأيهم فهو الحق. وقال محمد بن سليمان الباغندي حدثنا عبد الرحمن بن يونس حدثنا عمر بن أيوب أخبرنا عيسى بن المسيب عن عامر عن شريح القاضي قال: قال لي عمر بن الخطاب أن اقض بما استبان لك من قضاء رسول الله ﷺ ، فإن لم تعلم كل أقضية رسول الله ﷺ ، فاقض بما استبان لك من أئمة المهتدين، فإن لم تعلم كل ما قضت به أئمة المهتدين، فاجتهد رأيك واستشر أهل العلم والصلاح] إعلام الموقعين ٢/ ١٥٦ - ١٥٧. ومن أهمية الاجتهاد الجماعي في عصرنا الحاضر أنه أقدر على تقديم الحلول للمشكلات المعاصرة، وهذا الأمر جِدُ ظاهرٍ من خلال قرارات المجامع الفقهية التي عالجت كثيراً من القضايا الفقهية المعاصرة، مثل قضايا البنوك الإسلامية والتأمين التعاوني والقضايا الطبية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها. وتأسيساً على ما سبق فإن القرارات التي تصدر عن المجامع الفقهية والهيئات العلمية المعتبرة، ينبغي أن تقدم على الآراء الفردية، وهذا من ضمن أسس منهجي الذي أسير عليه في هذه السلسلة المباركة - سلسلة يسألونك - فإني أعتدُّ كثيراً بما تصدره المجامع الفقهية، وأعتمد عليه في هذه الفتاوى، لأنها أكثر

стр. 3478

دقةً وإصابةً من الاجتهاد الفردي، كما أن فيها تحقيقاً لمبدأ الشورى في الاجتهاد كما ذكرت سابقاً. ولا بد أن أذكر هنا هذه المجامع الفقهية والهيئات العلمية المعتبرة: أولاً: مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ومقره في جدة بالمملكة العربية السعودية، وهو أهم المجامع الفقهية وأنشطها. وأعضاؤه من الفقهاء والعلماء والمفكرين في شتى مجالات المعرفة من فقهية وثقافية وعلمية واقتصادية من أنحاء العالم الإسلامي. ثانياً: المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي ومقره في مكة المكرمة. وهو عبارة عن هيئة علمية إسلامية ذات شخصية اعتبارية مستقلة، داخل إطار رابطة العالم الإسلامي، مكونة من مجموعة مختارة من فقهاء الأمة الإسلامية وعلمائها. ثالثاً: هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، وهي هيئة علمية تتكون من كبار العلماء في المملكة العربية السعودية المتخصصين في الشريعة الإسلامية وهي أكبر هيئة علمية في المملكة. رابعاً: مجمع الفقه الإسلامي في الهند أنشأ سنة ١٩٨٩م تحت إشراف كبار علماء الهند المسلمين. خامساً: مجمع فقهاء الشريعة في أمريكا وهو مؤسسة علمية تتكون من مجموعة مختارة من فقهاء الأمة الإسلامية وعلمائها. سادساً: المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث ويتكون من مجموعة مختارة من فقهاء الأمة الإسلامية وعلمائها. سابعاً: مجمع البحوث الإسلامية وقد أنشأ في الأزهر سنة ١٩٦١م برئاسة شيخ الأزهر.

стр. 3479

وخلاصة الأمر أن عمل المجامع الفقهية عمل مبارك ويقدم خدمة جليلة للفقه الإسلامي، وما يصدر عن المجامع الفقهية من قرارات لا يعتبر في حكم الإجماع الأصولي، ولكن قرارات هذه المجامع مقدمة على اجتهادات أفراد العلماء. - - - تركيب برج اتصالات على مئذنة المسجد يقول السائل: ما حكم تركيب برجٍ للاتصالات فوق مئذنة المسجد، لأن مئذنة المسجد هي أعلى مبنى في بلدتنا، أفيدونا؟ الجواب: لا بد أولاً من التأكيد أن المساجد لها وضعية خاصة في دين الإسلام، ولا يجوز أن نتعامل مع المساجد كتعاملنا مع أي مبنى آخر، لأن المساجد بيوت الله ، قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ سورة النور الآيتان٣٦ - ٣٧. والبيوت المذكورة في الآية الكريمة هي المساجد، كما قال ابن عباس ومجاهد والحسن البصري ورجحه القرطبي في تفسيره ١٢/ ٢٦٥، وقد قرر أهل العلم أن الأصل في المساجد أنها تبنى لذكر الله تعالى وإقامة الصلاة، ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدا﴾ سورة الجن الآية ١٨، والمساجد لها أحكام خاصة بها وآداب لا بد من المحافظة عليها كي تبقى للمسجد هيبته وحرمته في نفوس المسلمين، لذا يمنع المسلم من فعل أمور كثيرة في المساجد مع أنه يجوز فعلها خارج

стр. 3480

المساجد، وقد ثبت في الحديث عن بريدة ﵁ (أن رجلاً نشد في المسجد - أي طلب ضالةً له - فقال النبي ﷺ : من دعا إلى الجمل الأحمر؟ لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بُنيت له) رواه مسلم. قال الإمام النووي: [في هذين الحديثين فوائد منها: النهي عن نشد الضالة في المسجد، ويُلحق به ما في معناه من البيع والشراء والإجارة ونحوها من العقود، وكراهة رفع الصوت في المسجد ... وقوله ﷺ (إنما بنيت المساجد لما بُنيت له) معناه لذكر الله والصلاة والعلم والمذاكرة في الخير ونحوها] شرح النووي على مسلم ٢/ ٢١٥. وقال الإمام القرطبي بعد أن ذكر حديث بريدة السابق: [وهذا يدل على أن الأصل ألا يعمل في المسجد غير الصلوات والأذكار وقراءة القرآن. وكذا جاء مفسراً من حديث أنس قال: (بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مه مه؛ فقال النبي ﷺ : لا تزرموه دعوه. فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن) ... وسمع عمر بن الخطاب ﵁ صوت رجلٍ في المسجد فقال: ما هذا الصوت؟ أتدري أين أنت!] تفسير القرطبي ١٢/ ٢٦٩. ونقل العينى عن المحب الطبري قوله: [إن الأصل في المساجد تنزيهها عن اللعب فيقتصر على ما ورد فيه النص] عمدة القاري ٦/ ٢٧٠. وهذه النصوص والآثار وغيرها تدل على أن المسجد له أحكامه الخاصة التي تميزه عن المباني الأخرى، ومئذنة المسجد رمز للمسجد ومن معالم المسجد الهامة، فلا ينظر إليها كمبنى مرتفع فقط، وإنما هي منارة وشعار ينطلق منها الأذان المعلن بعقيدة التوحيد، ومن

стр. 3481

القواعد المقررة شرعاً وجوب تعظيم شعائر الله، يقول الله تعالى: ﴿ذلك وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ سورة الحج الآية ٣٢. ويقول تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ سورة الحج الآية ٣٠. قال الإمام القرطبي: [﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الشعائر جمع شعيرة، وهو كل شيء لله تعالى فيه أمر أشعر به وأعلم ... فشعائر الله أعلام دينه لا سيما ما يتعلق بالمناسك ... ] تفسير القرطبي ١٢/ ٥٦. ولا شك أن المساجد داخلة في عموم شعائر الله. إذا تقرر هذا فإنه لا يجوز تركيب برجٍ للاتصالات فوق مئذنة المسجد، لأن ذلك يتنافى مع تعظيم المسجد كما قررت سابقاً، وفيه إخلالٌ بوقار المساجد وإهدارٌ لهيبة بيوت الله وإضعافها في نفوس الناس فوق ما هي ضعيفة مع الأسف. ويضاف إلى ذلك أن أبراج الاتصالات لا تخلو من ضررٍ صحيٍ على جمهور الناس المجاورين للمسجد ومن حولهم، صحيحٌ أن هنالك عدمَ وضوحٍ في مسألة أضرار أبراج الاتصالات إلى الآن، فهنالك من العلماء المختصين من أثبت ضررها على صحة الإنسان وهنالك من نفاه، ولكن هنالك [بعض الدراسات العلمية التي تناولت تأثير أبراج الاتصالات الخلوية على صحة الإنسان، لما تصدره من إشارات كهرومغناطيسية ذبذباتها عالية جداً وتحتاج إلى طاقة عالية، وبعد فترات طويلة، فإن قربها من الناس قد يكون له أضرار صحية، وقد تساهم في تطوير أمراض سرطانية على المدى البعيد، وحيث إن منظمة الصحة العالمية قد حددت شروطاً لاختيار أماكن إنشاء أبراج الاتصالات منها: ألا يكون البرج داخل منطقة سكنية أو بالقرب من مدارس الطلاب.

стр. 3482

وهذا مؤشر على وجود الضرر من أبراج الاتصالات، وبمناقشة الادعاءات القائلة بعدم وجود دليل مادي على أن هنالك مخاطر لهذه الأبراج، نقول إنه لا يوجد في الدول النامية من العلم والخبرة أكثر مما هو متوفر لدى منظمة الصحة العالمية التي اشترطت إنشاء الأبراج خارج المناطق السكنية، لأن خطورتها تتمثل في الذبذبات والترددات التي تنبعث منها مما يؤكد وجود علاقة بين تلك الأبراج وبعض الأمراض الخطيرة، فهذه الموجات لها تأثير كبير على الجهاز العصبي وخلايا المخ وأمراض الأذن والقلب وألم الرأس وغيرها، ولقد أشارت بعض الأبحاث الحديثة إلى أن كثرة استخدام الهاتف النقال يؤدى إلى اضطرابات في السمع وخلل في الجهاز العصبي، فما بالكم بمحطات التقوية والأبراج التي تعتبر المصدر الرئيس المغذي لهذه الموجات والذبذبات. وبهذا الخصوص أعدت منظمة الصحة العالمية دراسات حول تأثيرات الإشعاعات المنبعثة عن أبراج الاتصالات على سلامة الإنسان والتي تؤكد أن الأبراج والهواتف النقالة تصدر أشعة (غاما) التي تعد إحدى المسببات الخطرة لأمراض السرطان خصوصاً إذا لم تلتزم بشروط السلامة الصحية] وورد في بعض الدراسات أن بعض المتخصصين بينوا مخاطر أبراج الاتصالات على المدى البعيد وليس المباشر مما ينذر بخطر يشمل كل أهالي الذين هم على مقربة أو تماس مباشر بالبرج الذي يسبب تلوثاً كهرومغناطيسيا يؤدي للإصابة بالعديد من الأمراض الخطيرة. بل وقد يتسبب البرج بعدد من المشاكل لمرضى القلب حيث يؤثر على عمل أجهزة تنظيم دقات القلب، كما يؤثر بشكل سلبي على القدرة العامة للأفراد حيث يتسبب بالخمول والشعور المستمر بالتعب والإرهاق كما أن له تأثيرات مستقبلية على المدى البعيد وبالخصوص على الأطفال فقد أثبتت إحدى الدراسات الحديثة

стр. 3483

أوردها أحد المعاهد البريطانية المختصة ببحوث السرطان أن الإشعاعات الناتجة عن أبراج نقل الكهرباء أو الهاتف تسبب تلوثاً كهرومغناطيسيا غير مرئي يسبب سرطان الدم والعديد من الأمراض الخطيرة الجسدية والنفسية والتي قد تتدرج في الظهور على مراحل، كما أنها تسبب حالات من الإرهاق والقلق والتوتر والأرق وتأثيرها على المدى البعيد بالنسبة للأطفال كما ويعتقد أنها تسبب سرطان الدم (اللوكيميا) وسرطان الثدي لدى النساء وأمراض الجهاز العصبي المركزي ومنها الزهايمر، ومن الآثار السلبية للترددات الصادرة عن محطات الهاتف المحمول الحرارة المستحثة الناتجة من جراء التعرض لمجال راديوي قد تسبب نقصاً في القدرة البدنية والذهنية وتؤثر في تطور ونمو الجنين وقد تحدث عيوباً خلقية وتؤثر في خصوبة النساء، كما أن لها تأثيراً على الخلية وتفاعلاتها الكيميائية في جسم الإنسان ونسبة السوائل في الجسم ويعد وجود برج للجوال أو أعمدة للأسلاك الكهربائية بالقرب من المنازل أمراً خطيراً ويسبب الضرر وقد أثبتت العديد من الدراسات والمنظمات الطبية والبيئية ذلك، وهناك قائمة طويلة من الأعراض والأمراض المتهمة بها هذه الأشعة] عن شبكة الإنترنت بتصرف. ومن المعلوم أن شريعتنا الإسلامية قد منعت إلحاق الضرر بالناس، فقد صح عن الرسول ﷺ أنه قال: (لا ضرر ولا ضرار) رواه أحمد وابن ماجة والطبراني، وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم ٢٥٠، وفي إرواء الغليل ٣/ ٤٠٨. وقد أخذ الفقهاء من الحديث السابق القاعدة الفقهية الكلية (لا ضر ولا ضرار): ومعناها أن الفعل الضار محرم، وقد تفرع على القاعدة السابقة أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح. ورد في شرح المادة رقم ٣٠ من مجلة الأحكام العدلية [درء المفاسد أولى من جلب

стр. 3484

المنافع، أي إذا تعارضت مفسدة ومصلحة، يقدم دفع المفسدة على جلب المصلحة، فإذا أراد شخص مباشرة عمل ينتج منفعةً له ولكنه من الجهة الأخرى يستلزم ضرراً مساوياً لتلك المنفعة أو أكبر منها يلحق بالآخرين، فيجب أن يقلع عن إجراء ذلك العمل درءً للمفسدة المقدم دفعها على جلب المنفعة، لأن الشرع اعتنى بالمنهيات أكثر من اعتنائه بالمأمور بها] درر الحكام شرح مجلة الأحكام ١/ ٤١، فالمفاسد المترتبة على تركيب أبراج الاتصالات على مئذنة المسجد بعضها متحقق وبعضها متوقع وما كان كذلك فدفعه مقدم على جلب المصالح. وخلاصة الأمر أنه لا يجوز شرعاً تركب برج اتصالات على مئذنة المسجد، لأن ذلك يتنافى مع تعظيم بيوت الله ، ويجب أن تصان المساجد عن مثل هذه الأمور. ولأنه لم يثبت إلى الآن انتفاء الأضرار الصحية لأبراج الاتصالات. - - -

стр. 3485

حكم عملية ربط المعدة يقول السائل: إنه يعاني من زيادة الوزن المفرطة مما سبب له مشكلات صحية كثيرة، وقد استعمل عدة وسائل لتخفيف الوزن بدون فائدة وقد نصحه بعض الأطباء بعملية ربط للمعدة، فهل هذا الأمر جائز شرعاً، أفيدونا؟ الجواب: شرع الإسلام التداوي، فإذا مرض الإنسان أو طرأ عليه ما يخل بصحته كالسمنة المفرطة فعليه أن يعالج ما يعرض لصحته من عوارض، وقد دلت نصوصٌ كثيرةٌ على جواز التداوي، منها ما جاء في حديث أسامة بن شريك ﵁ قال: قالت الأعراب يا رسول الله ألا نتداوى؟ قال: (نعم عباد الله، تداووا، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاءً إلا داءً واحداً، قالوا يا رسول الله، وما هو؟ قال: الهرم) رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجة وغيرهم، وقال العلامة الألباني: حديث صحيح كما في صحيح سنن أبي داود حديث رقم ٣٢٦٤. وورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (ما أنزل الله من داء، إلا أنزل له شفاء) رواه البخاري ومسلم. وجاء في الحديث عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء، برأ بإذن الله) رواه مسلم. وغير ذلك من النصوص. ولا شك أنه يترتب على السمنة المفرطة أضرار صحية كثيرة، لذا فإن علاج السمنة المفرطة داخل تحت عموم النصوص التي تدل على جواز التداوي، وهنالك وسائل ينبغي لمن كانت عنده سمنة مفرطة أن يستعملها قبل اللجوء إلى عملية ربط المعدة، ومن أهمها تقليل الطعام والشراب، فكثرة الطعام والشراب من الأسباب الرئيسة للسمنة المفرطة، وقد وجهنا النبي ﷺ إلى التقليل منهما، بل ذكر أن كثرة الطعام من الشرور، كما ورد

стр. 3486

في الحديث أن الرسول ﷺ قال: (ما ملأ آدميٌ وعاءً شراً من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يُقْمنَ صُلْبَهُ، فإن كان لا محالة، فثلثٌ لطعامه، وثلثٌ لشرابه، وثلثٌ لنَفَسِه) رواه أحمد والترمذي والنسائي والحاكم، وقال العلامة الألباني: صحيح. سلسلة الأحاديث الصحيحة، حديث رقم ٢٢٦٥. وورد في الحديث: (أن النبي ﷺ رأى رجلاً عظيم البطن فقال بإصبعه لو كان هذا في غير هذا لكان خيراً لك) رواه أحمد والطبراني بإسناد جيد وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح. وقال الشيخ الساعاتي: [لو كان العظم في غير البطن من أعضائه ... كان خيراً لأن عظم البطن يثقل الرجل ويضره ولا يفيده لأنه ينشأ عن كثرة الأكل وكثرة الأكل مذمومة فكأنه ﷺ يحثه على التقليل من الأكل والشرب لأنه أصح للبدن) الفتح الرباني ١٧/ ٢١٨. ومن الوسائل التي تعين على تخفيف السمنة، المداومة على الصوم، كصيام الاثنين والخميس وغيرهما من الأيام كما ورد في الحديث عن ربيعة بن الغاز أنه سأل عائشة ﵂ عن صيام رسول الله ﷺ فقالت: (كان يتحرى صيام الاثنين والخميس) رواه ابن ماجة وابن خزيمة وغيرهما وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة حديث رقم ١٤١٤. وعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يصوم من الشهر السبت والأحد، والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء، والخميس) رواه الترمذي وقال: حديث حسن. ومن الوسائل المعينة على التخلص من السمنة المفرطة ممارسة الرياضة، وخاصة رياضة المشي.

стр. 3487

فقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير) رواه مسلم. إذا تقرر هذا، فإن عملية ربط المعدة وهي عملية تجرى لتصغير المعدة، تجوز إذا استنفذت الوسائل الأخرى لعلاج السمنة المفرطة التي أشرت إليها، فحينئذ تكون هنالك حاجةٌ ماسةٌ لإجراء هذه العملية، ولا بد من تحقق الضوابط والشروط الشرعية المقررة لجواز العمليات الجراحية بشكل عام وهي: [ الشرط الأول: أن تكون الجراحة مشروعة: فلا يجوز للمريض أن يطلب فعل الجراحة ولا للطبيب أن يجيبه إلا بعد أن تكون تلك الجراحة مأذوناً بفعلها شرعاً، لأن الجسد ملك لله رب السماوات والأرض وما فيهن (فلا يجوز للإنسان أن يتصرف فيه إلا بإذن المالك الحقيقي. الشرط الثاني: أن يكون المريض محتاجاً إلى الجراحة: أي بأن يخاف على نفسه الهلاك أو تلف عضو من أعضاء جسده أو دون ذلك كتخفيف الألم. الشرط الثالث: أن يأذن المريض أو وليه بفعل الجراحة: فإذا رفض المريض ولو كان يتألم فلا يجوز للطبيب أن يجري الجراحة حتى يأذن له. الشرط الرابع: أن تتوفر الأهلية في الطبيب الجراح: ويتحقق هذا الشرط بوجود أمرين: أن يكون ذا علم وبصيرة بالعملية المطلوبة، وأن يكون قادراً على تطبيقها وأدائها على الوجه المطلوب، فلو كان جاهلاً بالكلية كأن تكون خارجة عن اختصاصه أو جاهلاً ببعضها فإنه يحرم عليه فعلها، ويعتبر إقدامه عليها في حال جهله بمثابة الجاني المعتدي على الجسم المحرم بالقطع والجرح. وهنا لا بد من استشارة الأطباء الأخصائيين الثقات قبل القيام بعملية ربط المعدة.

стр. 3488

الشرط الخامس: أن يغلب على ظن الطبيب الجراح نجاح الجراحة: بمعنى أن تكون نسبة نجاح العملية ونجاة المريض من أخطارها أكبر من نسبة عدم نجاحها وهلاكه، فإذا غلب على ظنه هلاك المريض بسببها فإنه لا يجوز له فعلها. الشرط السادس: ألا يوجد البديل الذي هو أخف ضرراً من الجراحة: كالعقاقير والأدوية، فإن وجد البديل لزم المصير إليه صيانة لأرواح الناس وأجسادهم حتى لا تتعرض لأخطار الجراحة وأضرارها ومتاعبها كالقرحة الهضمية في بدايته يتم علاجه بالعقاقير والتي ثبت مؤخراً تأثيرها على القرحة وأنها أنجح العلاجات وأفيدها. وقد أشرت لبدائل عملية ربط المعدة. أما إذا كان الدواء أشد خطراً وضرراً ولا ينفع في علاج الداء أو زواله فإنه لا يعتبر موجباً للصرف عن فعل الجراحة كبعض الأمراض العصبية حيث يمكن علاج المريض بالعقاقير المهدئة لكنها لا تنفع في زوال الداء وقد تسبب الإدمان فوجود البديل على هذا الوجه وعدمه سواء. وهنا لا بد من التأكيد أنه إذا ترتب ضرر أكبر على عملية ربط المعدة فتحرم حينئذٍ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ سورة البقرة الآية ١٩٥، ولقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيما﴾ سورة النساء الآية ٢٩. الشرط السابع: أن تترتب المصلحة على فعل الجراحة: إنما شرعت الجراحة لمصلحة الأجساد ودفع ضرر الأسقام عنها فإذا انتفت تلك المصالح وكانت ضرراً محضاً، فإنه حينئذ ينتفي السبب الموجب للترخيص بفعلها شرعاً وتبقى على أصل الحرمة، ومثال على هذا جراحة إزالة الثآليل بالقطع أو الكت الجراحي فقد ثبت طبياً أن الثآليل لا تزول بالعمل الجراحي، بل فعل القطع

стр. 3489

والكحت ينتهي بالمصاب إلى عواقب وخيمة وأضرار منها العدوى الجرثومية وتندب موضع الجراحة. وينبغي في هذه المصلحة أن تكون من جنس المصالح التي شهد الشرع باعتبارها وأنها مصلحة مقصودة، أما المبنية على الهوى كجراحة تغيير الجنس فلا يجوز فعلها لعدم اعتبار الشرع لها. الشرط الثامن: أن لا يترتب على فعلها ضرر أكبر من ضرر المرض: كجراحة التحدب الظهري الحاد فالغالب فيها أنها تنتهي بالشلل النصفي، فعلى الطبيب أن يقارن بين نتائج ومفاسد الجراحة ومفاسد المرض، فإن كانت المفاسد التي تترتب على الجراحة أكبر من المفاسد الموجودة في المرض حرمت الجراحة، لأن الشريعة لا تجيز الضرر بمثله أو بما هو أشد، وأما إذا كان العكس فتجوز] الوجيز في أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها بتصرف يسير، وانظر للتوسع أحكام الجراحة الطبية للدكتور محمد الشنقيطي ص ١٠٤ - ١٢٥. وخلاصة الأمر أن عملية ربط المعدة جائزةٌ شرعاً، إذا استنفذت الوسائل الأخرى لعلاج السمنة المفرطة، ضمن الشروط الشرعية المقررة لأحكام الجراحة الطبية. - - - تمَّ الكتاب بحمد الله تعالى

стр. 3490

الأعمال العلمية للمؤلف الأستاذ الدكتور حسام الدين عفانة ١. الحقيقة والمجاز في الكتاب والسنة وعلاقتهما بالأحكام الشرعية (رسالة الماجستير) ٢. بيان معاني البديع في أصول الفقه (رسالة الدكتوراه) ٣. الأدلة الشرعية على تحريم مصافحة المرأة الأجنبية (كتاب) ٤. أحكام العقيقة في الشريعة الإسلامية (كتاب) ٥. يسألونك الجزء الأول (كتاب) ٦. يسألونك الجزء الثاني (كتاب) ٧. بيع المرابحة للآمر بالشراء على ضوء تجربة شركة بيت المال الفلسطيني العربي (كتاب) ٨. صلاة الغائب دراسة فقهية مقارنة (كتاب) ٩. يسألونك الجزء الثالث (كتاب) ١٠. يسألونك الجزء الرابع (كتاب) ١١. يسألونك الجزء الخامس (كتاب) ١٢. المفصل في أحكام الأضحية (كتاب) ١٣. شرح الورقات في أصول الفقه لجلال الدين المحلي (دراسة وتعليق وتحقيق) ١٤. فهارس مخطوطات مؤسسة إحياء التراث الإسلامي ج١ ١٥. الفتاوى الشرعية (١) بالاشتراك (هيئة الرقابة الشرعية لشركة بيت المال الفلسطيني العربي) ١٦. الفتاوى الشرعية (٢) بالاشتراك (هيئة الرقابة الشرعية لشركة بيت المال الفلسطيني العربي)

стр. 3491

١٧. الشيخ العلامة مرعي الكرمي وكتابه دليل الطالب (بحث) ١٨. الزواج المبكر (بحث) ١٩. الإجهاض (بحث) ٢٠. مسائل مهمات في فقه الصوم والتراويح والقراءة على الأموات (كتاب) ٢١. مختصر كتاب جلباب المرأة المسلمة للعلامة المحدث الألباني (كتاب) ٢٢. إتباع لا ابتداع (كتاب) ٢٣. بذل المجهود في تحرير أسئلة تغير النقود للغزي التمرتاشي (دراسة وتعليق وتحقيق) ٢٤. يسألونك الجزء السادس (كتاب) ٢٥. رسالة إنقاذ الهالكين للعلامة محمد البركوي (دراسة وتعليق وتحقيق) ٢٦. الخصال المكفرة للذنوب (يتضمن تحقيق مخطوط للخطيب الشربيني) (كتاب) ٢٧. أحاديث الطائفة الظاهرة وتحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين (كتاب) ٢٨. التنجيم (بحث بالاشتراك) ٢٩. الحسابات الفلكية (بحث بالاشتراك) ٣٠. يسألونك الجزء السابع (كتاب) ٣١. المفصل في أحكام العقيقة (كتاب) ٣٢. يسألونك الجزء الثامن (كتاب) ٣٣. يسألونك الجزء التاسع (كتاب) ٣٤. فهرس المخطوطات المصورة ج ٢ (الفقه الشافعي) (كتاب) ٣٥. فقه التاجر المسلم وآدابه (كتاب)

стр. 3492

وقد ترجم الكتاب إلى اللغة التركية الدكتور ثروت بايندر من جامعة إستنبول ٣٦. يسألونك الجزء العاشر (كتاب) ٣٧. يسألونك الجزء الحادي عشر (كتاب) ٣٨. يسألونك عن الزكاة (كتاب) ٣٩. يسألونك الجزء الثاني عشر (كتاب) ٤٠.فهرس المخطوطات المصورة ج ٣ (الفقه الحنفي) (كتاب) ٤١. يسألونك عن رمضان (كتاب) ٤٢. يسألونك الجزء الثالث عشر (كتاب) ٤٣. فهرس المخطوطات المصورة ج ٤ (الحديث النبوي) (كتاب) ٤٤. بيع المرابحة المركبة كما تجريه المصارف الإسلامية في فلسطين (بحث) ٤٥. يسألونك عن المعاملات المالية المعاصرة الجزء الأول (كتاب) ٤٦. يسألونك الجزء الرابع عشر (هذا الكتاب) موقع الأستاذ الدكتور حسام الدين عفانة على شبكة الإنترنت: www.yasaloonak.net وعنوان البريد الإلكتروني: husam@is.alquds.edu أو: fatawa@yasaloonak.net