Полный текст (3 492 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
خلف إمام يوافق أهواءَهم، فسداً لباب الفرقة وقضاءً على مقاصد أهل الأهواء السيئة، نقتصر على صلاة جماعة واحدة في المسجد، وإلى هذا المعنى الذي ذكرته أشار البيهقي فقال: "باب الجماعة في مسجد قد صلي فيه، إذا لم يكن فيها تفرق الكلمة "، ثم ذكر حديث أبي سعيد المتقدم وأثر أنس أيضاً، وذكر رواية عن الحسن البصري أنه كره إقامة جماعة أخرى بعد الجماعة الراتبة، ثم قال البيهقي: " كراهية الحسن البصري محمولة على موضع تكون الجماعة فيه بعد أن صُلّيَ، تفرق الكلمة والله أعلم " سنن البيهقي ٣/ ٦٩ - ٧٠.
ويشير إلى هذا المعنى أيضاً ما ذكره أبو اسحاق الشيرازي في المهذب حيث قال: " وإن حضروا وقد فرغ الأمام من الصلاة فإن كان المسجد له إمام راتب كُرِه أن يستأنف فيه جماعة لأنه ربما اعتقد أنه قصد الكياد والإفساد، وإن كان المسجد في سوق أو في ممر الناس لم يكره أن يستأنف الجماعة لأنه لا يحتمل الأمر فيه على الكياد " المهذب مع المجموع ٤/ ٢٢١.
سنة الظهر القبلية
يقول السائل: هل أصلي سنة الظهر القبلية ركعتين أم أربعاً؟
الجواب: لقد ثبت عن الرسول ﷺ في سنة الظهر القبلية أحاديث كثيرة: منها ما فيه أنه ﵊ كان يصلي ركعتين، ومنها ما فيه أنه ﵊ كان يصلي أربعاً، ومن هذه الأحاديث:
عن ابن عمر ﵄ قال: (حفظت من النبي- ﷺ عشر ركعات ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب في بيته وركعتين بعد العشاء في بيته وركعتين قبل صلاة الصبح وكانت ساعة لا يُدخل على النبي- ﷺ فيها) رواه البخاري ومسلم.
وعن عائشة ﵂: (أن النبي- ﷺ كان لا يدع أربعاً قبل
стр. 457
الظهر وركعتين قبل الغداة - أي الفجر -) رواه البخاري.
وعن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ عن تطوعه فقالت: (كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعاً ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب ثم يدخل فيصلي ركعتين، ويصلي بالناس العشاء ويدخل بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر) رواه مسلم.
وعن أم حبيبة قالت: قال رسول الله ﷺ : (من صلى في يوم وليلة اثنتي عشرة ركعة بُني له بيت في الجنة، أربعاً قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل صلاة الغداة) رواه الترمذي والنسائي.
وعن عائشة ﵂ (أن النبي- ﷺ كان إذا لم يصل أربعاً قبل الظهر صلاهن بعدها) رواه الترمذي وهو حديث حسن.
وعن أم حبيبة قالت: قال رسول الله ﷺ : (من صلى قبل الظهر أربعاً حرَّمه الله على النار) رواه الترمذي.
وفي رواية أخرى قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرَّمه الله على النار) رواه أصحاب السنن، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، وقال الشيخ الألباني: صحيح.
وغير ذلك من الأحاديث.
وهذه الأحاديث تدل على مشروعية صلاة ركعتين أو أربع ركعات، سنة الظهر القبلية، وأكثر أهل العلم على الأربع، قال الترمذي بعد أن ساق حديث علي: (كان النبي- ﷺ يصلي قبل الظهر أربعاً وبعدها ركعتين) وهو حديث حسن.
قال الترمذي: " والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي- ﷺ ، ومن بعدهم يختارون أن يصلي الرجل قبل الظهر أربع ركعات .... " تحفة الأحوذي ٢/ ٤١٠.
стр. 458
وذكر الحافظ ابن حجر أن النبي ﷺ كان تارة يصلي ركعتين، وتارة يصلي أربعاً، وعلى هذا حمل اختلاف الروايات، انظر فتح الباري ٣/ ٣٠١.
ويستحب أن تكون الركعات الأربع بتسليمة واحدة، لما ورد في الحديث عن أبي أيوب عن النبي ﷺ قال: (أربع ركعات قبل الظهر ليس فيهن تسليم تفتح لهن أبواب السماء) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، وقال الشيخ الألباني: حسن.
التسبيح باليدين بعد الصلاة المفروضة
يقول السائل: هل يسبح المصلي بعد كل صلاة بيمينه أم بكلتا يديه؟
الجواب: التسبيح بعد الصلاة من السنن الثابتة عن رسول الله- ﷺ وردت فيه أحاديث كثيرة منها:
عن كعب بن عجرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن دبر كل صلاة مكتوبة، ثلاثاً وثلاثين تسبيحة وثلاثاً وثلاثين تحميدة وأربعاً وثلاثين تكبيرة) رواه مسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من سبح لله في دبر كل صلاة، ثلاثاً وثلاثين وحمد الله ثلاثاً وثلاثين وكبر ثلاثاً وثلاثين تكبيرة، وقال تمام المئة، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) رواه مسلم، وغير ذلك من الأحاديث.
والسنة في التسبيح أن يكون باليدين، لما ورد في ذلك عن عبد الله بن عمرو- ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ يعقد التسبيح بيده) رواه الترمذي والحاكم والبيهقي، وهو حديث صحيح.
وجاء في رواية أخرى عند أبي داود (رأيت رسول الله- ﷺ يعقد التسبيح بيمينه) وقال الشيخ الألباني: صحيح، انظر صحيح سنن أبي داود ١/ ٥٨٠.
стр. 459
وجاء في الحديث عن يسيرة بنت ياسر - وكانت إحدى المهاجرات - قالت: قال لنا رسول الله ﷺ : (عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس واعقدن بالأنامل فإنهن مسؤولات ومستنطقات) رواه أبوداود والترمذي والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، وحسنه النووي والحافظ ابن حجر والألباني.
وهذا الحديث يدل على عقد التسبيح باليدين اليمنى واليسرى، ورواية أبي داود السابقة تدل على عقد التسبيح باليمنى فقط.
وقد قال بعض أهل العلم: إن رواية أبي داود والتي فيها (بيمينه) مدرجة من الراوي إذ ليست في الأصول، إلا أن ابن علان في شرحه على الأذكار لم يرتض ذلك، ووفق بين الحديثين بقوله: " هذا وحديث يسيرة السابق، عقد الأنامل فيه شامل لكلا اليدين وحينئذ فإما أن يحمل على اليمين ليوافق حديث ابن عمرو أو يبقى على عمومه بالنسبة لحصول أصل السنة ويحمل خبر ابن عمرو على بيان الأفضل، أو يحمل حديثهما على ما احتيج إلى اليدين، وحديثه على ما إذا كفى أحدهما "، الفتوحات الربانية ١/ ٢٥٥.
وخلاصة الأمر أن من يسبح باليدين فقد أصاب أصل السنة لثبوت ذلك في الحديث، ولكن التسبيح باليد اليمنى أفضل لأن النبي ﷺ كان يحب التيامن دائماً.
وما أشار إليه حديث يسيرة (فإنهن مسؤولات مستنطقات) فيه إشارة إلى قوله تعالى: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) سورة النور /٢٤.
فالله ينطق الجوارح بقدرته فتخبر كل جارحة منها بما صدر عنها من أفاعيل صاحبها، كما قال الألوسي في تفسيره ٩/ ٣٢٤.
وبناءً على ما سبق، يظهر لي أن التسبيح باليدين أولى وأفضل من التسبيح بالسبحة، قال المباركفوري: " وفي الحديث مشروعية عقد التسبيح بالأنامل وعلل ذلك رسول الله ﷺ في حديث يسيرة الذي أشار إليه الترمذي، بأن الأنامل مسؤولات مستنطقات يعني أنهن يشهدن بذلك، فكان
стр. 460
عقدهن التسبيح من هذه الحيثية أولى من السبحة والحصى " تحفة الأحوذي ٩/ ٣٢٢.
ولم يثبت عن النبي- ﷺ حديث صحيح في التسبيح بالسبحة وما ورد فضعيف لا يعول عليه.
بدعة ختم الصلاة جماعة
يقول السائل: صلينا الفجر في أحد المساجد، وبعد الصلاة استقبل الإمام المصلين وأخذ بالإستغفار والمصلون يرددون، ثم ختم الصلاة على الهيئة المعروفة في كثير من المساجد، فاعترض على ذلك أحد المصلين وقال: إن هذا الختم لم يرد عن الرسول ﷺ وحدث جدال وصراخ في المسجد، فما قولكم في ذلك؟
الجواب: لا شك أن ترك سنة المصطفى- ﷺ شؤم ما بعده شؤم، ويؤدي إلى وقوع مثل هذا الصياح في المساجد والتي صارت كالأسواق التي تعلو فيها الأصوات والصيحات، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وهنا لا بد أن نقرر أصلاً طالما ذكرته ألا وهو أن الأصل في العبادة التلقي عن رسول الله ﷺ بلا زيادة ولا نقصان.
وهذا الإستغفار الجماعي وختم الصلاة على الهيئة المعروفة في كثير من مساجدنا لم يرد عن الرسول ﷺ ولا عن أصحابه ﵃.
قال الشيخ علي محفوظ: " ومن البدع المكروهة، ختم الصلاة على الهيئة المعروفة من رفع الصوت به وفي المسجد والإجتماع له والمواظبة عليه، حتى اعتقد العامة أنه من تمام الصلاة، وأنه سنة لا بد منها، مع أنه مستحب انفراداً سراً، فهذه الهيئة محدثة لم تعهد عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ولا عن الصحابة، وقد اتخذها الناس شعاراً للصلوات المفروضة عقب الجماعة، وقد صرح كثير من الفقهاء بأن الشعار في الدين
стр. 461
مكروه، ولذا قال الإمام ابن الصلاح بكراهة ما يفعله الناس بعد فراغهم من السعي بين الصفا والمروة، من صلاة ركعتين على متسع المروة، وكيف يجوز رفع الصوت به والله تعالى يقول في كتابه الحكيم (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) سورة الأعراف /٥٥، والتضرع من الضراعة وهي الذلة والخشوع والإستكانة والخفية بضم الخاء وكسرها، الإسرار به فإنه أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن الرياء، وانتصابهما على الحال أي ادعوه متضرعين بالدعاء مخفين له مسرين به، ثم علل ذلك بقوله (إنه لا يحب المعتدين) في الدعاء بترك ما أمروا به من التضرع والإخفاء، كما لا يحب الإعتداء في سائر الأشياء، والإعتداء تجاوز الحدود فيها، فمن جاوز ما أمره الله به في شيء من الأشياء فقد اعتدى، والله لا يحب المعتدين ولا يشملهم برحمته وإحسانه، وتدخل المجاوزة في الدعاء في هذا المفهوم دخولاً أوليا، وحسبك في تعيين الإسرار بالدعاء إقترانه بالتضرع في هذه الآية الكريمة، فالإخلال به كالإخلال بالتضرع في الدعاء، وإن دعاء لا تضرع فيه ولا خشوع لقليل الجدوى، فكذلك دعاء لا خفية فيه ولا إسرار ولا وقار " الإبداع ٢٨٣ - ٢٨٤.
وقال العلامة ابن القيم: " وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة، أو المأمومين فلم يكن ذلك من هديه ﷺ أصلاً ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن" زاد المعاد ١/ ٢٥٧.
ويكون الإستغفار ثلاثاً والتسبيح والتحميد والتكبير كل منها ثلاث وثلاثون مرة وختمها بالتهليل عقب الصلاة سراً، في أي حالة يكون عليها المصلون بعد الصلاة، من قيام وقعود ومشي وإن الإجتماع لذلك والإشتراك فيه ورفع الصوت بدع، هوّنها على الناس التعود " الفتح المبين ص٣٠٦.
وخلاصة الأمر أن الختم الجماعي للصلاة لم يرد عن الرسول ﷺ ، فالتزام فعل ذلك بعد كل صلاة بدعة، وأخيراً ينبغي التذكير بأن النهي عن البدع والدعوة إلى إتباع السنة النبوية، يجب أن يكون بأسلوب هين لين فيه رفق بالناس، وليس بالشدة والصراخ في المساجد لأن المساجد لها حرمتها
стр. 462
فلا ينبغي الصراخ فيها ورفع الأصوات لما في ذلك من التشويش على المصلين وعلى الذاكرين.
صلاة المسافر خلف المقيم
يقول السائل: هل يصح للمسافر أن يصلي صلاة الظهر خلف إمام مقيم، فيقصر المسافر الصلاة ثم يقوم ويجمع العصر ركعتين؟
الجواب: إتفق أهل العلم على أن المسافر إذا اقتدى بالمقيم، فيجب الإتمام بحق المسافر ولا يصح القصر، لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: (إنما جعل الإمام ليؤتمّ به، فلا تختلفوا عليه) متفق عليه.
وعن موسى بن سلمة الهذلي قال: سألت ابن عباس كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصل مع الإمام، فقال: (ركعتين سنة أبي القاسم ﷺ ) رواه مسلم.
وهذا يفيد أنه إذا صلى مع الإمام أتم الرباعية.
ورواه أحمد بأصرح من ذلك، عن موسى بن سلمة قال: كنا مع ابن عباس بمكة فقلت: إذا كنا معكم صلينا أربعاً - أي بالمسجد مقتدين بإمام مقيم - وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين، قال: (سنة أبي القاسم ﷺ ) الفتح الرباني ٥/ ١٠٢.
وبناءً على ذلك لا يصح للمسافر أن يقصر الصلاة الرباعية إذا اقتدى بإمام مقيم بل يجب عليه أن يصلي الظهر تامة، فإذا سلم الإمام قام المسافر فجمع إليها العصر، ويصح له أن يقصر العصر فيصليها ركعتين.
وبمناسبة الحديث عن صلاة المسافر أود التنبيه على بعض الأمور المتعلقة بصلاة المسافر:
١ - إن المسافر لا يصير مسافراً شرعاً إلا إذا شرع فعلاً بالسفر ولا تكفي النية في جعله مسافراً، وبناءً على ذلك لا يصح للمسافر أن يتلبس
стр. 463
بأي حكم من الأحكام المرخصة في السفر إلا إذا شرع في السفر فعلاً، ويدل على ذلك ما ثبت في الحديث عن أنس بن مالك قال: (صليت مع رسول الله ﷺ الظهر بالمدينة أربعاً، وصليت معه العصر بذي الحليفة ركعتين) رواه مسلم.
وبداية السفر تكون بمفارقة البلد أو المحل الذي يسكن فيه من أراد السفر، فإذا كان ساكناً في مدينة أو قرية فيكون مسافراً إذا فارق البنيان، وإذا كان ساكناً في صحراء فيكون مسافراً إذا فارق بيوت الشعر.
قال الإمام النووي: " وأما ابتداء القصر فيجوز من حين يفارق بنيان بلده أو خيام قومه، إن كان من أهل الخيام " شرح النووي على صحيح مسلم ٥/ ٣٢٢.
٢ - إن المسافر يصير مقيماً إذا نوى الإقامة، فإذا سافر شخص إلى عمان مثلاً فبمجرد وصوله إلى عمان نوى أن يقيم فيها شهراً، فهو مقيم ولا يصح له أن يترخص برخص السفر.
٣ - إذا كان المسافر سائراً فيجوز له أن يقصر وأن يجمع، كمن يسافر إلى الحج براً فطوال مسيره حتى يصل إلى مكة فيجوز له أن يجمع ويقصر، فإذا وصل مكة فإن صلى مع الإمام المقيم فإنه يتم ولا يجمع، وإن صلى وحده فيقصر ولا يجمع، وعلى ذلك دلت السنة فإن النبي ﷺ كان إذا جد به المسير قصر وجمع، وإذا كان نازلاً قصر دون جمع.
٤ - إذا نوى المسافر جمع التأخير، فإذا وصل إلى محل إقامته قبل خروج وقت الصلاة الأولى، فلا يجوز له الجمع بل يجب أن يصلي الصلاة التي أدرك وقتها تامة، فإذا فرضنا أن مسافراً نوى جمع التأخير بين الظهر والعصر فدخل إلى بلده قبل دخول وقت العصر فيجب عليه أن يصلي الظهر تامة في وقتها ولا يصح له أن يؤخرها حتى يجمعها مع العصر.
٥ - ثبت عن ابن عمر ﵄ أنه كان لا يصلي السنن الرواتب في السفر، كسنة الظهر والمغرب، فقد روى مسلم في صحيحه بسنده عن عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه قال:
стр. 464
صحبت ابن عمر في طريق مكة قال: " فصلى الظهر ركعتين ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله وجلس وجلسنا معه، فحانت منه إلتفاتة نحو حيث صلى فرأى ناساً قياماً فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون - أي يصلون نافلة - قال لو كنت مسبحاً أتممت صلاتي، يا ابن أخي إني صحبت رسول الله- ﷺ في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله تعالى، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله تعالى، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله تعالى، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله تعالى، وقد قال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) سورة الأحزاب /٢١.
وأما مطلق النافلة، فقد ثبت أن الرسول- ﷺ كان يتنفل في السفر، فقد روى مسلم في صحيحه عن ابن شهاب أن عبد الله بن عامر بن ربيعة أخبره، أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي السبحة - أي النافلة - بالليل في السفر على ظهر راحلته حيث توجهت.
صلاة الحاجة
يقول السائل: قرأت عن صلاة الحاجة في بعض كتب الأدعية، أرجو بيان حكمها وكيفيتها؟
الجواب: اتفق كثير من الفقهاء على أن صلاة الحاجة مستحبة وأنها تكون عندما تعرض للإنسان حاجة من حوائج الدنيا المشروعة فيستحب له أن يتوضأ ويصلي ركعتين لله تعالى، ويسأل الله جل وعلا حاجته، فإن فعل ذلك مؤمناً بقدرة الله ، فأرجو أن يحقق الله له ما أراد فقد ورد في الحديث عن عثمان بن حنيف ﵁ (أن أعمى أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يكشف لي عن بصري، قال: أوَ أدعك قال: يا رسول الله إنه قد شق علي ذهاب بصري، قال فاذهب فتوضأ، ثم صل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك
стр. 465
وأتوجه إليك بنبيي محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه إلى ربي بك أن يكشف لي عن بصري، اللهم شفّعه في وشفّعني في نفسي، فرجع وقد كشف الله عن بصره) رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة والحاكم وقال صحيح على شرط البخاري ومسلم، وقال الشيخ الألباني: صحيح، انظر صحيح الترغيب والترهيب ٢٨٠.
وذكر الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب، أن الحديث رواه الطبراني، وذكر في أوله قصة، (وهو أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان- ﵁ في حاجة له، وكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي عثمان بن حنيف فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان بن حنيف: إئت الميضأة فتوضأ، ثم إئت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد- ﷺ نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي حاجتي، وتذكر حاجتك ورح إلي حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قال له، ثم أتى باب عثمان، فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة وقال: ما حاجتك؟ فذكر حاجته فقضاها له ثم قال: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فائتنا، ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيراً ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتى كلمته فيّ فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله ﷺ وأتاه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال النبي- ﷺ أوَ تصبر، فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد وقد شق علي، فقال له النبي- ﷺ : إئت الميضأة فتوضأ، ثم صل ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات، فقال عثمان بن حنيف: فوَ الله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط) قال الطبراني بعد ذكر طرقه: والحديث صحيح الترغيب والترهيب ١/ ٤٧٤ - ٤٧٦.
وعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: (من توضأ فأسبغ الوضوء، ثم صلى ركعتين بتمامهما، أعطاه الله ما سأل معجلاً أو مؤخراً) رواه أحمد بإسناد صحيح كما قاله الشوكاني في تحفة الذاكرين ص١٩٦.
стр. 466
وروي في الحديث عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله- ﷺ : (من كانت له إلى الله حاجة أو إلى أحد من بني آدم، فليتوضأ وليحسن الوضوء، ثم ليصل ركعتين ثم ليثن على الله وليصل على النبي ثم يقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم لا تدع لي ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته ولا حاجة هي لك رضاً إلا قضيتها يا أرحم الراحمين) رواه الترمذي والنّسائي والحاكم، وفي سنده كلام لأهل الحديث، ورواه بن ماجة وفيه زيادة (ثم يسأل الله من أمر الدنيا والآخرة ما شاء، فإنه يقدر).
وأما كيفية صلاة الحاجة، فأكثر الفقهاء على أنها تصلى ركعتين، وهذا أصح ما ورد في صلاة الحاجة.
والله الهادي إلى سواء السبيل
стр. 467
صلاة الجمعة
стр. 468
إذا صلت المرأة الجمعة فلا تصلي الظهر
تقول السائلة: إن أحدهم أفتى النساء اللواتي يصلين صلاة الجمعة بأنه يجب عليهن أن يصلين الظهر، لأن صلاة الجمعة ليست واجبة على النساء فلا تسقط فريضة الظهر عنهن، فما قولكم في ذلك؟
الجواب: إن هذا القائل أخطأ فيما قال، وخرق إجماع الفقهاء على أن من لا تجب عليه صلاة الجمعة إن صلاها، فهي مسقطة لفريضة الظهر.
قال الإمام النووي: " ذكرنا أن المعذورين كالعبد والمرأة والمسافر وغيرهم، فرضهم الظهر فإن صلوها صحت وإن تركوها وصلوا الجمعة أجزأهم بالإجماع، نقل الإجماع فيه ابن المنذر وإمام الحرمين وغيرهما " المجموع ٤/ ٤٩٥.
وقال الشيخ الخرقي الحنبلي: " وإن حضروها - أي المرأة والمسافر والعبد والمريض حضروا الجمعة - أجزأتهم، يعني تجزيهم عن الظهر ولا نعلم في هذا خلافاً ".
ونقل الشيخ ابن قدامة المقدسي عن ابن المنذر قوله: " أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، أنه لا جمعة على النساء، وأجمعوا على أنهن إذا حضرن فصلين الجمعة أن ذلك يجزي عنهن " المغني ٢/ ٢٥٣.
стр. 469
وقال السمرقندي الحنفي: " ثم هؤلاء الذين لا يجب عليهم الجمعة إذا حضروا الجمعة وصلوا، فإنه يجزئهم ويسقط عنهم فرض الوقت " تحفة الفقهاء ١/ ١٦٢.
وبهذا يظهر لنا أن الفقهاء قد اتفقوا على أن من لا جمعة عليه، كالمسافر والمريض والمرأة، إن صلوا الجمعة فإن ذلك يجزئهم عن صلاة الظهر.
وأخيراً أقول: إن على من يتصدى للفتوى في دين الله أن يكون على بينة مما يقول، فإنه يوقع عن رب العالمين، فلينظر إلى عظم هذه الأمانة وهذه المسؤولية التي أخذها على نفسه.
تسليم الخطيب على المصلين
يقول السائل: ما حكم تسليم الخطيب على المصلين عند صعوده المنبر للخطبة؟
الجواب: تسليم الخطيب على المصلين عندما يصعد المنبر سنة، وردت عن النبي- ﷺ وعن جماعة من الصحابة والتابعين وغيرهم، ومما ورد في ذلك:
عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ (كان إذا صعد المنبر سلّم) رواه ابن ماجة والبغوي، وقال الشيخ الألباني: حديث حسن صحيح، صحيح ابن ماجة ١/ ٢٨٢ وذكره في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٥/ ٢٠٦.
وعن عطاء قال: (كان النبي- ﷺ إذا صعد المنبر أقبل بوجهه على الناس فقال: السلام عليكم) رواه عبد الرزاق في المصنف ٣/ ١٩٢، وقال الشيخ الألباني: ورجاله ثقات رجال الشيخين السلسلة الصحيحة ٥/ ٢٠٧.
وروى عبد الرزاق أيضاً عن أبي أسامة أنه سمع مجالداً يحدث عن الشعبي قال: (كان رسول الله ﷺ إذا صعد المنبر أقبل بوجهه وقال: السلام
стр. 470
عليكم، قال: فكان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك بعد النبي- ﷺ )، ورواه أيضاً ابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ١١٤، وقال الشيخ الألباني: وهو مرسل لا بأس به في الشواهد، السلسلة الصحيحة ٥/ ٢٠٦.
وقال الشيخ الألباني: " ومما يشهد للحديث ويقويه أيضاً - أي حديث جابر المتقدم - جريان عمل الخلفاء عليه، فأخرج ابن أبي شيبة عن نضرة قال: " كان عثمان قد كبر فإذا صعد المنبر سلّم .... الخ"، وإسناده صحيح.
ثم روى عن عمرو بن مهاجر " أن عمر بن عبد العزيز كان إذا استوى على المنبر سلّم على الناس وردوا عليه " السلسلة الصحيحة ٥/ ٢٠٧.
وهذا الذي ذكرته من استحباب تسليم الخطيب على المصلين هو مذهب الشافعية والحنابلة وجماعة من السلف، قال الإمام النووي: " إذا وصل - الخطيب - أعلى المنبر وأقبل على الناس بوجهه يسلّم عليهم .... وإذا سلّم لزم السامعين الرد عليه وهو فرض كفاية كالسلام في باقي المواضع وهذا الذي ذكرناه من استحباب السلام الثاني مذهبنا ومذهب الأكثرين وبه قال ابن عباس وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي وأحمد " المجموع ٤/ ٥٢٧.
وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: " يستحب للأمام إذا خرج أن يسلّم على الناس، ثم إذا صعد المنبر فاستقبل الحاضرين سلّم عليهم وجلس، إلى أن يفرغ المؤذنون من أذانهم، كان ابن الزبير إذا علا المنبر سلّم، وفعله عمر بن عبد العزيز وبه قال الأوزاعي والشافعي" المغني ٢/ ٢١٩.
يكره السجع في الخطبة
يقول السائل: بعض الخطباء يستعملون السجع كثيراً في أدعيتهم وخطبهم، فما قولكم في ذلك؟
стр. 471
الجواب: ينبغي أن يعلم أن أفضل الأدعية هي المأثورة عن الرسول- ﷺ ، وما ورد فيها من سجع فليس مقصوداً، كما في قوله- ﷺ : (اللهم منزل الكتاب سريع الحساب هازم الأحزاب) وكقوله ﷺ : (صدق وعده وأعز جنده).
وأما ما يفعله الخطباء من استخدام السجع فهو مكروه، لأنه في الغالب متكلف والسجع المتكلف لا يلائم الضراعة والذلة كما قال الإمام الغزالي، وقد كره النبي- ﷺ السجع، كما ورد في الحديث عن أبي هريرة قال: (اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول- ﷺ فقضى أن دية جنينها غرة أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثها ولدها ومن معهم، فقال حمل بن النابغة الهذلي: يا رسول الله كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل؟ فمثل ذلك يُطلُ، فقال رسول الله ﷺ : (إنما هذا من إخوان الكهان من أجل سجعه الذي سجع) رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم وفي رواية عند مسلم (أسجع كسجع الأعراب).
قال الإمام النووي: " واما قوله- ﷺ (إنما هذا من إخوان الكهان من أجل سجعه) وفي الرواية الأخرى (سجع كسجع الأعراب) فقال العلماء: إنما ذم سجعه لوجهين: أحدهما أنه عارض به حكم الشرع ورام إبطاله، والثاني انه تكلفه في مخاطبته، وهذان الوجهان من السجع مذمومان.
أما السجع الذي كان النبي- ﷺ يقوله في بعض الأوقات، وهو مشهور في الحديث، فليس من هذا لأنه لا يعارض به حكم الشرع ولا يتكلفه فلا نهي فيه بل هو حسن .... " شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٣٢٧.
وقال الإمام البخاري: باب ما يكره من السجع في الدعاء، ثم ذكر أثر ابن عباس ﵁ وفيه " .... وانظر السجع من الدعاء فاجتنبه فإني عهدت الرسول ﷺ وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الإجتناب " انظر فتح الباري ١٣/ ٣٨٨ - ٣٨٩.
وقال العز بن عبد السلام سلطان العلماء، جواباً على سؤال يتعلق
стр. 472
بمن يقصد السجع في كلام الناس وفي الخطب ونحوها ما نصه: " إذا كان القصد بالسجع الرياء والسمعة والتصنع بالفصاحة فهو حرام، وإن كان القصد به وزن الكلام لتميل النفوس إلى قبوله والعمل بموجبه فلا بأس به في الخطب وغيرها، وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يتصفح كتبه إذا فرغ منها، فإن وجد فيها كلاماً بليغاً فصيحاً نحّاه منها خوفاً من الرياء والسمعة والإفتخار بالفصاحة، ولا ينبغي للخطيب أن يذكر في الخطبة إلا ما كان يوافق مقاصدها، من الثناء والدعاء والترغيب والترهيب، بذكر الوعد والوعيد وكل ما يحث على طاعة أو يزجر عن معصية، وكذلك تلاوة القرآن، وكان النبي- ﷺ يخطب بسورة (ق) في كثير من الأوقات لإشتمالها على ذكر الله والثناء عليه، ثم على علمه بما به توسوس النفوس وبما تكتبه الملائكة على الإنسان من طاعة وعصيان ثم يذكر الموت وسكرته ثم يذكر القيامة وأهوالها والشهادة على الخلائق بأعمالها، ثم يذكر الجنة والنار ثم يذكر الصيحة والنشور والخروج من القبور، ثم بالوصية في الصلوات، فما خرج عن هذه المقاصد فهو مبتدع "فتاوى شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام ص٤٨١ - ٤٨٤.
ويؤيد ذلك ما ورد في الحديث، عن عبد الله بن عمرو أن الرسول- ﷺ قال: (إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة) رواه أبو داود والترمذي وأحمد، وقال الشيخ الألباني: صحيح، والمقصود بالحديث الرجل الذي يتشدق في الكلام بلسانه ويلفه، كما تلف البقرة الكلأ بلسانها لفاً كما قال ابن الأثير في النهاية.
لا يجوز ذكر الأحاديث المكذوبة في الخطبة
يقول السائل: نلاحظ كثيراً من الخطباء والوعاظ والمدرسين، يذكرون في خطبهم ومواعظهم ودروسهم، أحاديث ضعيفة بل مكذوبة أحياناً، فما حكم ذكر هذه الأحاديث في الخطب والمواعظ والدروس؟
стр. 473
الجواب: إن الأحاديث الضعيفة الواهية والموضوعة (المكذوبة) آفة قديمة، انتشرت بين المسلمين بشكل كبير، فتجد كثيراً من الكتب والمؤلفات تحوي الأحاديث الساقطة والمكذوبة، وكثير من الخطباء يرددونها دون علم بحالها، وهذا أمر جد خطير، لأن هؤلاء قد يدخلون في دائرة الكذب على الرسول- ﷺ ، والكذب على النبي ﷺ من الكبائر وعاقبته وخيمة، فقد ثبت في الحديث الصحيح أنه ﵊ قال: (من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار).
قال الحافظ ابن حبان: " فصل ذكر إيجاب دخول النار لمن نسب الشيء إلى المصطفى ﷺ وهو غير عالم بصحته "، ثم روى بسنده عن أبي هريرة- ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار)، وقال محققه شعيب الأرناؤوط: إسناده حسن، الإحسان ١/ ٢١٠، وقال الشيخ الألباني: وسنده حسن وأصله في الصحيحين بنحوه السلسلة الضعيفة ١/ ١٢.
ثم ذكر ابن حبان بسنده عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله- ﷺ : (من حدث حديثاً وهو يُرى - بضم الياء ومعناه يظن - أنه كذب فهو أحد الكاذبين) وأخرجه مسلم في مقدمة صحيحه.
وفي رواية عند ابن ماجة وغيره (من حدث عني حديثاً .... الخ).
فهذه الأحاديث وغيرها تدل على وجوب التثبت من الأحاديث قبل روايتها وذكرها للناس، لأن معظم الناس من العوام الذين لا يعرفون التمييز بين الصحيح والضعيف من الأحاديث، بل إن عامة الناس يتلقون هذه الأحاديث وينشرونها فيما بينهم، فيسهم هؤلاء الخطباء والوعاظ وأمثالهم في نشر هذه الأحاديث المكذوبة بين الناس، ويتحملون وزر ذلك.
كما ينبغي أن يعلم أن في الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ ما يغني ويكفي عن الأحاديث المكذوبة.
وقد يقول قائل: أن رواية الأحاديث الضعيفة جائزة في فضائل الأعمال فمن هذا الباب يذكرها الخطباء والوعاظ وأمثالهم.
стр. 474
ونقول: إن قاعدة العمل بالحديث الضعيف ليست على إطلاقها، كما هو مقرر عند أهل الحديث، بل إن هناك شروطاً للعمل بالحديث الضعيف في باب فضائل الأعمال، نقلها الحافظ السخاوي عن شيخه الحافظ ابن حجر وهي:
١ - أن يكون ضعف الحديث غير شديد، فيخرج من ذلك من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب.
٢ - أن يكون الحديث الضعيف مندرجاً تحت أصل عام، فيخرج ما يخترع بحيث لا يكون له أصل أصلاً.
٣ - أن لا يعتقد عند العمل ثبوته، لئلا ينسب إلى النبي- ﷺ ما لم يقله، مقدمة صحيح الترغيب والترهيب ص١٨.
وبناءً على ما تقدم، فإني أنصح كل من يذكر حديثاً عن الرسول- ﷺ أن يتثبت من ذلك الحديث، وأن يرجع إلى كتب أهل الحديث ليعرف حال ذلك الحديث قبل أن يذكره للناس.
ومن فضل الله وكرمه أن المكتبة الحديثية غنية، وقد خدم العلماء سنة المصطفى ﵊ خدمات عظيمة وجليلة، وبينوا أحوال الأحاديث من حيث الصحة أو الحسن أو الضعف، ولا يقبل أن نأخذ الأحاديث من كل من هب ودب وننسبها إلى المصطفى ﷺ ، فإن الكذب على الرسول- ﷺ ليس كالكذب على غيره، كما جاء في الحديث الصحيح أنه ﵊ قال: (إن كذباً عليَّ ليس ككذب على أحد، فمن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار).
والله الهادي إلى سواء السبيل
стр. 475
صلاة الجنازة والقبور
стр. 476
صلاة الجنازة على قاتل نفسه
يقول السائل: هل تصح صلاة الجنازة على من قتل نفسه؟
الجواب: لا شك أن قتل النفس حرام شرعاً بل هو من الكبائر، فقاتل نفسه أشد وزراً من قاتل غيره، يقول : (وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ) سورة الأنعام /١٥١.
وجاء في الحديث، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا) رواه البخاري ومسلم.
وظاهر هذا الحديث يدل على كفر المنتحر، لأن الخلود في النار والحرمان من الجنة جزاء الكفار عند أهل السنة والجماعة، ولكن لم يقل بكفر المنتحر أحد من علماء المذاهب الأربعة، لأن الكفر هو الإنكار والخروج عن دين الإسلام، وصاحب الكبيرة غير الشرك لا يخرج عن الإسلام عند أهل السنة والجماعة، وقد صحت الروايات أن العصاة من أهل التوحيد يعذبون ثم يخرجون من النار، الموسوعة الفقهية ٦/ ٢٩١ - ٢٩٢.
وليس من مذهب أهل السنة والجماعة تكفير أحد من المسلمين بذنب أصابه، قال صاحب العقيدة الطحاوية " ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب
стр. 477
ما لم يستحله " شرح العقيدة الطحاوية /٣٥٥.
وكلام الإمام الطحاوي ينطبق على مرتكب الكبيرة ما عدا الشرك، فإن مذهب أهل السنة والجماعة عدم تكفير مرتكب الكبيرة كما أسلفت إذا مات على عقيدة التوحيد، وإن لم يتب من معصيته ويدل على ذلك قول الرسول- ﷺ : (يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ من كان في قَلْبِهِ ذَرَّة مِنْ إيمان) رواه البخاري، فلو كان مرتكب الكبيرة يكفر بكبيرته لما سماه الله ورسوله مؤمناً.
وبعد هذه المقدمة أعود إلى جواب السؤال فأقول: إن جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية يرون أنه يصلى على قاتل نفسه، لأنه لم يخرج عن الإسلام بل هو فاسق والفسقة يصلى عليهم.
ورأى الحنابلة أن إمام المسلمين لا يصلي على من قتل نفسه، ويصلي عليه بقية الناس، قال الخرقي: " ولا يصلي الأمام على الغال ولا على من قتل نفسه " وقال ابن قدامة شارحاً ذلك: الغال هو الذي يكتم الغنيمة أو بعضها ليأخذه لنفسه ويختص به، فهذا لا يصلي عليه الإمام ولا على من قتل نفسه متعمداً، ويصلي عليه سائر الناس، نص عليهما أحمد " المغني ٢/ ٤١٥.
ويدل على ذلك ما رواه مسلم، عن جابر بن سمرة قال: (أُتِيَ النَّبِي- ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ)، والمشاقص سهام عراض مفردها مشقص.
وجاء الحديث في رواية أبي داود مفصلاً فعن جابر بن سمرة قال: (مَرِضَ رَجُلٌ فَصِيحَ عَلَيْهِ فَجَاءَ جَارُهُ إِلَى النبي- ﷺ فَقَالَ لَهُ: إِنَّهُ قَدْ مَاتَ، قَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ، قَالَ: أَنَا رَأَيْتُهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ، قَالَ: فَرَجَعَ فَصِيحَ عَلَيْهِ فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ، قال: فَرَجَعَ فَصِيحَ عَلَيْهِ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ فَأَخْبِرْهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ قَال: َ ثُمَّ انْطَلَقَ الرَّجُلُ فَرَآهُ قَدْ نَحَرَ نَفْسَهُ بِمِشْقَصٍ مَعَهُ، فَانْطَلَقَ إِلَى رسول الله- ﷺ -
стр. 478
فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ قَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ، قَالَ: رَأَيْتُهُ يَنْحَرُ نَفْسَهُ بِمَشَقِصَ مَعَهُ، قَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إِذًا لاَ أُصَلِّيَ عَلَيْهِ).
قال الشيخ الألباني إسناده صحيح على شرط مسلم، أحكام الجنائز ٨٥.
فهذا الحديث يدل على أن النبي- ﷺ لم يصل على ذلك الرجل زجراً لغيره من الناس، ولكن الصحابة صلوا عليه.
وبناء على ما سبق فإن قاتل نفسه يصلى عليه صلاة الجنازة.
كيف يكون حال مشيع الجنازة
يقول السائل: كيف ينبغي أن يكون حال من يشيع الجنازة فإننا نرى كثيراً من الناس يحضرون الجنازات ويجلسون في المقبرة ويتحدثون ويتضاحكون منتظرين دفن الميت ثم يعزون أهل الميت ثم ينصرفون؟
الجواب: إتباع الجنازة والصلاة عليها وحضور دفنها من الأمور الثابتة عن الرسول- ﷺ ، فقد ثبت في الحديث الصحيح، عن أبي هريرة- ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (حق المسلم على المسلم خمس، ردُّ السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس) رواه البخاري ومسلم.
وجاء في الحديث أيضاً عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان قيل: وما القيراطان، قال: مثل الجبلين العظيمين) رواه البخاري ومسلم.
وينبغي للمسلم الذي يحضر الجنازة عند تشييعها ودفنها، أن يستذكر مصيبة الموت وأن يتعظ ويتفكر في هذا الميت، وأن حال هذا المشيع سيصير إلى مثل ما صار إليه الميت، وهذا التذكر يدفع الإنسان إلى محاسبة النفس والنظر والتفكر في أحواله، فإن كان محسناً إزداد إحساناً وإن كان مسيئاً رجع
стр. 479
وثاب إلى الرشد، وهذا التفكر والإتعاظ مقصود من حضور الجنائز فقد ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري- ﵁ أن النبي ﷺ قال: (عودوا المرضى واتبعوا الجنائز تذكّركم الآخرة) رواه أحمد وابن حبان وصححه وقال الشيخ الألباني: إسناده صحيح أحكام الجنائز ٦٧.
وقد روي في الحديث (أنه ﵊، كان إذا اتبع جنازة أكثر الصمات، ورؤي عليه الكآبة وأكثر حديث النفس) رواه وكيع في الزهد، وله شاهد صحيح، فعن البراء بن عازب ﵁ قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فانتهينا إلى القبر فجلس كأن على رؤوسنا الطير) رواه ابن ماجة، وقال الشيخ الألباني: صحيح، انظر صحيح سنن ابن ماجة ١/ ٢٥٩، وانظر المشكاة ١٥/ ٥٣٧.
وقال الفضيل بن عياض: " كانوا إذا اجتمعوا في جنازة يعرف فيهم ثلاثة أيام "، ورأى عبد الله بن مسعود ﵁ رجلاً يضحك في جنازة فقال: " أتضحك مع الجنازة! لا أكلمك أبداً ".
وكره العلماء أن يتكلم أحد في الجنازة ولا بقول القائل: " إستغفروا لأخيكم "، فقد سمع عبد الله بن عمر ﵄ رجلاً في جنازة يصيح ويقول: إستغفروا لأخيكم، فقال ابن عمر: لا غفر الله لك.
وسُئل سفيان بن عيينه عن السكوت في الجنازة وماذا يجيء به؟ قال: تذكر به حال يوم القيامة، ثم تلا قوله تعالى (وَخَشَعَتْ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا) سورة طه/١٠٨.
وقال قتادة: " بلغنا أن أبا الدرداء- ﵁، نظر إلى رجل يضحك في جنازة فقال له: أما كان فيما رأيت من هول الموت ما يُشغلك عن الضحك ".
وكان مطرف يلقى الرجل من خاصة أهله في الجنازة فعسى أن يكون غائبا فما يزيده على السلام ثم يعرض عنه اشتغالاً بما هو فيه.
ذكر هذه الآثار السيوطي ثم قال: " فهذا خوف هؤلاء السادات من
стр. 480
الموت فأما اليوم فغالب من تراه يشهد الجنازة يلهون ويضحكون، وما يتكلمون إلا في ميراثه وما خلفه لورثته " الأمر بالإتباع ص٢٥٥.
وأخيراً نختم بما قاله الإمام النووي ﵀، قال: " يستحب له - أي الماشي مع الجنازة - أن يكون مشتغلاً بذكر الله تعالى والفكر فيما يلقاه وما يكون مصيره وحاصل ما كان فيه، وأن هذا آخر الدنيا ومصير أهلها، وليحذر كل الحذر من الحديث بما لا فائدة فيه، فإن هذا وقت فكر وذكر يقبح فيه الغفلة واللهو والإشتغال بالحديث الفارغ، فإن الكلام بما لا فائدة فيه منهيٌ عنه في جميع الأحوال فكيف هذا الحال.
واعلم أن الصواب المختار ما كان عليه السلف رضوان الله عليهم السكوت في حال السير مع الجنازة، فلا يرفع صوتاً بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك، والحكمة فيه ظاهرة وهي أنه أسكن لخاطره وأجمع لفكره فيما يتعلق بالجنازة وهو المطلوب في هذا الحال، فهذا هو الحق ولا تغترن بكثرة من يخالفه، فقد قال أبو علي الفضيل بن عياض- ﵁ ما معناه: إلزم طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين، الأذكار ص١٣٦.
إعداد الكفن قبل الموت
يقول السائل: هل يجوز للإنسان أن يُعد كفنه قبل موته، وإذا أوصى بأن يكفن في ثوب خاص فهل تنفذ وصيته، وهل يشترط في الكفن أن يكون غير مخيط، وورد أن أبا بكر ﵁ أوصى بثوبه القديم أن يغسل ويكفن فيه، فهل يغني ذلك عن الكفن، أفيدونا؟
الجواب: إن تكفين الميت فرض على الكفاية، لأن النبي- ﷺ أمر بذلك في أحاديث منها حديث ابن عباس ﵄ قال: (بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته فقال النبي ﷺ : إغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تحنطوه - أي لا تطيبوه لأنه كان محرماً - ولا تخمروا
стр. 481
رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) رواه البخاري ومسلم.
ويجوز للمسلم أن يعد كفنه ويحضره مسبقاً، قال الإمام البخاري: " باب من استعد الكفن في زمن النبي- ﷺ فلم ينكر عليه "، ثم روى بسنده عن سهل ﵁ (أن امرأة جاءت النبي ﷺ ببردة منسوجة فيها حاشيتها، أتدرون ما البردة؟ قالوا: الشملة، قال: نعم، قالت: نسجتها بيدي فجئت لأكسوكها، فأخذها النبي- ﷺ محتاجاً إليها، فخرج إلينا وإنها إزاره، فحسَّنها فلان فقال: أكسُنيها ما أحسنها، فقال القوم: ما أحسنت، لبسها النبي ﷺ محتاجاً إليها وعلمت أنه لا يرد، قال: إني والله ما سألته لألبسها إنما سألته لتكون كفني، قال سهل: فكانت كفنه).
قال الحافظ ابن حجر: " .... فيستفاد منه جواز تحصيل ما لا بد منه للميت من كفن ونحوه في حال حياته " فتح الباري ٣/ ٣٨٥.
وإذا أوصى الميت أن يكفن في كفن خاص، فلا بأس بتنفيذ وصيته إن لم يكن في ذلك حرمة، كمن يوصي بأن يكفن في ثوب من الحرير، فلا تنفذ وصيته إن كان رجلاً، وكذلك ما لم يكن هناك مغالاة بالكفن، فلا تنفذ وصيته لقوله- ﷺ : (لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سلباً سريعاً) رواه أبوداود وإسناده حسن، قاله النووي في المجموع ٥/ ١٩٦.
وينبغي أن يكون الكفن حسناً، لما ثبت في الحديث عن جابر بن عبد الله- ﵁ أن النبي ﷺ (خطب يوماً فذكر رجلاً من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل - أي غير كامل - وقبر ليلاً، فزجر النبي ﷺ أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك، وقال النبي ﷺ : إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه) رواه مسلم وغيره، والمراد بإحسان الكفن نظافته وستره وتوسطه وليس المراد به السرف فيه والمغالاة ونفاسته " شرح النووي على صحيح مسلم ٣/ ١٣.
ولا يشترط في الكفن أن لا يكون مخيطاً لأن النبي- ﷺ (ألبس عبد الله بن أبي قميصه لما مات) رواه البخاري، قال الحافظ ابن حجر: " والمعنى أن التكفين في القميص ليس ممتنعاً .... وإلى أن التكفين
стр. 482
في غير قميص مستحب ولا يكره التكفين في القميص " فتح الباري ٣/ ٣٨١.
والأفضل أن لا تخاط الأكفان، وهو المأثور من لدن رسول الله- ﷺ إلى وقتنا الحاضر.
قال الحافظ ابن عبد البر: " وقد أجمعوا أن لا تخاط اللفائف، فدلَّ على أن القميص ليس مما يختار لأنه مخيط " الإستذكار ٨/ ٢١٢.
ويدرج الميت في الكفن إدراجاً كما أدرج النبي- ﷺ ، ولا ينبغي أن يزاد في الكفن عن ثلاثة أثواب، كما كُفّن الرسول- ﷺ ، فقد ثبت في الحديث عن عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة) رواه البخاري، وسحولية نسبة إلى (سحول) بلد في اليمن.
وأما ما ورد عن أبي بكر- ﵁ فقد روى البخاري عن عائشة في قصة وفاة أبيها قالت: " فنظر - أي أبو بكر- إلى ثوب عليه كان يمرّض فيه، به ردع من زعفران فقال: اغسلوا ثوبي هذا فزيدوا عليه ثوبين فكفنوني فيهما، قلت: إن هذا خلق، فقال: إن الحي أحق بالجديد من الميت، إنما هو للمهلة - أي للصديد- ".
وفي رواية أخرى قال أبو بكر لعائشة: " انظروا ثوبيَّ هذين فاغسلوهما ثم كفنوني فيهما فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت " رواه أحمد في كتاب الزهد.
وروى عبد الرزاق نحوه وقال الحافظ إسناده صحيح نصب الراية ٢/ ٢٦٢.
وقول أبي بكر ووصيته في أن يكفن في الثوب القديم، يحتمل أن يكون اختار ذلك الثوب بعينه لمعنى فيه من التبرك به، لكونه صار إليه من النبي- ﷺ أو لكونه جاهد فيه أو تعبد فيه ويؤيده ما ورد في إحدى الروايات أنه قال: " كفنوني في ثوبيَّ اللذين كنت أصلي فيهما " ذكره الحافظ في الفتح ٣/ ٤٩٧، وقول أبي بكر ووصيته لا يغني عن الكفن لما ثبت في الرواية التي ذكرتها وهي عند البخاري أنه قال: " وزيدوا عليه ثوبين فكفنوني فيهما ".
стр. 483
حكم الدفن في الفساقي
يقول السائل: ما حكم الدفن في الفساقي؟
الجواب: إن الأصل أن يدفن كل ميت في قبر لوحده، وينبغي أن يكون القبر عميقاً، يمنع خروج الرائحة ويمنع الحيوانات المفترسة من الوصول إلى جثة الميت، ويجوز دفن أكثر من ميت في قبر واحد عند الضرورة لما ثبت في الحديث عن جابر بن عبد الله قال: (كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين والثلاثة من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟ فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد .... ) رواه البخاري وغيره.
وأما الدفن في الفسقية وهي كبيتٍ معقودٍ بالبناء يوضع فيه الأموات الواحد بجانب الآخر، فقد كره كثير من أهل العلم الدفن فيها، لمخالفتها للسنة، قال الإمام السبكي: " في الإكتفاء بالفساقي نظر، لأنها ليست على هيئة الدفن المعهود شرعاً قال: وقد أطلقوا تحريم إدخال ميت على ميت لما فيه من هتك حرمة الأول وظهور رائحته، فيجب إنكار ذلك، ونقل الخطيب الشربيني عن بعض شرَّاح المنهاج أنه قال: " إنه لا يكفي الدفن فيما يصنع الآن ببلاد مصر والشام وغيرهما من عقد أزج واسع أو مقتصد شبه بيت لمخالفته الخبر وإجماع السلف وحقيقته بيت تحت الأرض فهو كوضعه في غار ونحوه ويسد بابه، ثم قال الشربيني: وهذا ظاهر لأنه ليس بدفن كما أشار إلى ذلك ابن الصلاح والأذرُعي وغيرهما " مغني المحتاج ٢/ ٣٦ - ٣٧.
وقال الشيخ ابن عابدين: " ويكره الدفن في الفساقي .... لمخالفتها السنة، والكراهة من وجوه كثيرة: عدم اللحد ودفن جماعة في قبر واحد بلا ضرورة، واختلاط الرجال بالنساء بلا حاجز، وتجصيصها والبناء عليها .... وخصوصاً إن كان فيها ميت لم يبل " حاشية ابن عابدين ٢/ ٢٣٣.
فإن وجدت ضرورة للدفن في الفساقي كما هو الحال في بعض المدن
стр. 484
بسبب ضيق المقابر، فيجب أن يراعى أن لا يفتح على ميت قبل أن تبلى عظامه، ولا بد من وضع حاجز بين كل ميت وآخر، وينبغي أن لا يكون الميت مكشوفاً، فقد أخبرني بعض الناس أنهم يضعون الميت في الفسقية دون أن يغطوه بشيء وهذا مخالف للسنة.
وينبغي التذكير بالمحافظة على حرمة الأموات لأن المسلم محترم حياً وميتاً وقد جاء في الحديث أن النبي- ﷺ قال: (إن كسر عظم المؤمن ميتاً مثل كسره حياً) رواه أبو داود وابن ماجة وابن حبان وغيرهم وهو صحيح كما قال الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٣/ ٣١٤.
زيارة النساء للقبور محظورة
يقول السائل: ما حكم زيارة النساء للقبور؟
الجواب: إن زيارة النساء للقبور ممنوعة شرعاً، على القول الراجح من أقوال أهل العلم، لأنه ثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لعن الله زائرات القبور) رواه الترمذي وابن ماجة وأحمد وابن حبان.
وعن ابن عباس ﵄ قال: (لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان، وهو حديث صحيح.
وعن علي- ﵁ قال: (خرج رسول الله- ﷺ ، فإذا نسوة جلوس فقال: ما يجلسكن؟ قلن: ننتظر الجنازة قال: هل تغسلن؟ قلن: لا، قال هل تدلين فيمن يدلي؟ قلن: لا، قال: فارجعن مأزورات غير مأجورات) رواه البيهقي وابن ماجة وفي سنده اختلاف.
وغير ذلك من الأحاديث التي دلت على تحريم زيارة النساء للقبور، فهذه أحاديث صريحة في معناها، فإن رسول الله ﵊ لعن
стр. 485
النساء على زيارة القبور، واللعن على الفعل من أول الدلائل على تحريمه، ولا سيما وقد قرنه في اللعن بالمتخذين عليها المساجد والسرج.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فإن قيل فالنهي عن ذلك منسوخ، كما قال أهل القول الآخر، قيل هذا ليس بجيد، لأن قوله (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) هذا خطاب للرجال دون النساء فإن اللفظ لفظ مذكر وهو مختص بالذكور، أو متناول لغيرهم بطريق التبع فإن كان مختصاً بهم فلا ذكر للنساء وإن كان متناولاً لغيرهم كان هذا اللفظ عاماً وقوله: (لعن الله زوارات القبور) خاص بالنساء دون الرجال، ألا تراه يقول (لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج)، فالذين يتخذون عليها المساجد والسرج لعنهم الله، سواء أكانوا ذكوراً أو إناثاً وأما الذين يزورون فإنما لعن النساء الزوارات دون الرجال، وإذا كان هذا خاصاً ولم يعلم أنه متقدم على الرخصة كان متقدماً على العام عند عامة أهل العلم كذلك لو علم أنه كان بعدها " مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٤/ ٣٦١,٣٦٠
ملحوظة ..
ظهر لي رجحان القول بمنع النساء من زيارة القبور، خلافاً لما قررته في الجزء الأول ص ٧٦ الطبعة الثانية، من جواز زيارة النساء للقبور.
وقد رجعت عن القول بالجواز وصرت إلى المنع نظراً لقوة الأدلة الواردة في ذلك فاقتضى التنويه.
لا يشترط طهارة المرأة عند حضورها المحتضر
يقول السائل: إنه سمع أحد أئمة المساجد يقول: إنه لا يجوز للمرأة الحائض أن تحضر عند المريض المحتضر الذي يكون على فراش الموت، فما قولكم في ذلك؟
стр. 486
الجواب: إن الحيض لا يمنع حضور المرأة عند المحتضر ولا أعلم دليلاً شرعياً على هذا المنع والحيض عند أهل العلم يمنع الصلاة والصيام ومس المصحف وقراءة القرآن، ولا أعلم أن أحداً من أهل العلم اشترط الطهارة من الحيض للحضور عند المحتضر، وكيف تُمنع المرأة من ذلك وقد يكون المحتضر أحد والديها أو زوجها أو أحد أبنائها أو أحد إخوتها أو أخواتها.
وهذا الكلام لا يصح، إنما هو من أوهام العوام.
والله الهادي إلى سواء السبيل
стр. 487
الزكاة
стр. 488
دفع الزكاة للأقارب
يقول السائل: هل يجوز دفع الزكاة للأقارب؟
الجواب: من المعلوم أن الله قد بين مصارف الزكاة في كتابه الكريم يقول تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) سورة التوبة /٦٠.
وصرف الزكاة لأِقارب المزكي فيه تفصيل عند أهل العلم أبينه فيما يلي:
أولاً: لا يجوز صرف الزكاة للوالدين بإتفاق أهل العلم، نقل الشيخ ابن قدامة المقدسي عن ابن المنذر قوله: " أجمع أهل العلم على أن الزكاة لا يجوز دفعها إلى الوالدين في الحال التي يجبر الدافع إليهم على النفقة، ولأن دفع زكاته إليهم تغنيهم عن نفقته وتسقطها عنه ويعود نفعها إليه، فكأنه دفعها إلى نفسه فلم تجز كما لو قضى بها دينه " المغني ٢/ ٢٨٢.
ثانياً: لا يجوز صرف الزكاة للأولاد ذكوراً وإناثاً، لأن أولاد الرجل جزء منه وهو ملزم بالإنفاق عليهم، ومن يدفع الزكاة لأولاده يكون كمن دفع المال إلى نفسه، انظر فقه الزكاة ٢/ ٧٨١.
стр. 489
ثالثاً: لا يجوز للزوج أن يصرف الزكاة إلى زوجته، لأن نفقة الزوجة واجبة على زوجها بإتفاق أهل العلم، قال ابن رشد القرطبي المالكي: " واتفقوا على أن من حقوق الزوجة على زوجها النفقة والكسوة، لقوله تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) سورة البقرة /٢٣٣، ولما ثبت من قوله ﷺ : (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف)، ولقوله ﵊ لهند زوجة أبي سفيان: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) بداية المجتهد ٢/ ٤٥.
فإذا أعطى الزوج زكاة ماله لزوجته فقد دفع المال إلى نفسه.
رابعاً: يجوز للزوجة الغنية أن تدفع زكاة مالها الخاص بها لزوجها الفقير لأنه لا يجب على المرأة الإنفاق على زوجها الفقير.
ويدل على الجواز ما ورد في الحديث عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: قال رسول الله ﷺ : (تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن قالت: فرجعت إلى عبد الله فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد - أي فقير - وإن الرسول- ﷺ قد أمرنا بالصدقة فاته فاسأله، فإن كان ذلك يجزي عني، وإلا صرفتها لغيركم، قالت: فقال عبد الله: بل ائتيه أنت، قالت: فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله- ﷺ حاجتي حاجتها، قالت: وكان رسول الله ﷺ قد ألقيت عليه المهابة، قالت: فخرج علينا بلال فقلنا له: إئت رسول الله فأخبره أن امرأتين بالباب يسألانك: أتجزي الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما ولا تخبر من نحن قالت: فدخل بلال فسأله فقال له: من هما؟ فقال: امرأة من الأنصار وزينب فقال الرسول: أي الزيانب؟ فقال امرأة عبد الله فقال ﷺ لهما أجران، أجر القرابة وأجر الصدقة) متفق عليه.
وذهب إلى العمل بمقتضى هذا الحديث جمهور أهل العلم فقالوا: يجوز للزوجة أن تعطي زكاة مالها لزوجها.
قال الشيخ الشوكاني: " والظاهر أنه يجوز للزوجة صرف زكاتها إلى زوجها، أما أولاً: فلعدم المانع من ذلك ومن قال إنه لا يجوز فعليه
стр. 490
الدليل، وأما ثانياً: فلأن ترك استفصاله ﷺ لها ينزل منزلة العموم، فلما لم يستفصلها عن الصدقة هل هي تطوع أو واجب، فكأنه قال: يجزي عنك فرضاً كان أو تطوعاً " نيل الأوطار ٤/ ١٩٩.
وقال القرطبي: " واختلفوا في إعطاء المرأة زكاتها لزوجها .... وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وخالفه صاحباه فقالا: يجوز، وهو الأصح لما ثبت أن زينب امرأة عبد الله أتت رسول الله ﷺ ثم ذكر الحديث السابق - ثم قال: والصدقة المطلقة هي الزكاة ولأنه لا نفقة للزوج عليها .... " القرطبي ٨/ ١٩٠.
وقال الشيخ ابن قدامة: " وليس في المنع نص ولا إجماع " المغني ٢/ ٤٨٥.
خامساً: لا يجوز إعطاء الزكاة لبقية الأقارب الذين تجب نفقتهم على المزكي، وهناك خلاف بين أهل العلم في النفقة على الأقارب غير الأصول والفروع والزوجة، مثل الأخ أو الأخت والعم والعمة والخال والخالة وغيرهم.
والقول الراجح في ذلك هو: إن النفقة تجب على ذي الرحم الوارث، سواء ورث بفرض أو تعصيب أو برحم وهذا ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
وبناء على ذلك لا يجوز أن يعطي الرجل زكاة ماله لمن وجبت عليه نفقته، فمثلاً أخرج المزكي زكاة ماله وله عمة وليس لها من ينفق عليها إلا المزكي المذكور، فلا يجوز أن يعطيها من زكاة ماله.
وهذا الأساس الذي بني عليه الحكم في المنع من إعطاء الزكاة للأقارب إذا كانت النفقة واجبة على المزكي، قال به جماعة من أهل العلم من السلف والخلف فمن ذلك ما رواه ابن أبي شيبة بإسناده عن أبي حفصة قال: " سألت سعيد بن جبير عن الخالة تعطى من الزكاة فقال: ما لم يغلق عليكم باباً " المصنف ٣/ ١٩٢، - أي ما لم يضمها إلى عياله -.
стр. 491
وما رواه أيضاً بإسناده عن عبد الملك قال: قلت لعطاء: " أيجزي الرجل أن يضع زكاته في أقاربه، قال: نعم إذا لم يكونوا في عياله " المصنف ٣/ ١٩٢.
وما رواه أيضاً عن سفيان الثوري أنه قال: " لا يعطيها من تجب عليه نفقته" المصنف ٣/ ١٩٢
وروى أبو عبيد القاسم بن سلام بإسناده عن ابن عباس ﵄ قال: " إذا لم تعط منها أحداً تعوله فلا بأس ".
وقال أبو عبيد: قال لي عبد الرحمن: " إنما كرهوا ذلك لأن الرجل إذا ألزم نفسه نفقتهم وضمهم إليه ثم جعل ذلك بعده إلى الزكاة كان كأنه قد وقى ماله بزكاته" الأموال ص٦٩٥
ورواه الأثرم في سننه بلفظ آخر عن ابن عباس ﵄ قال: " إذا كان ذووا قرابة فأعطهم من زكاة مالك وإن كنت تعولهم فلا تعطهم ولا تجعلها لمن تعول " نيل الأوطار ٤/ ٢٠٠.
سادساً: إن لم تكن نفقة القريب واجبة على المزكي، فيجوز إعطاؤه من الزكاة، فيجوز إعطاء عمك وخالك وعمتك وخالتك وأختك المتزوجة وأخيك وابن أخيك وابن أختك وزوج أختك ونحوهم إن كانوا فقراء، ولم تكن ملزماً بالإنفاق عليهم، بل هؤلاء الأقارب في هذه الحالة أولى بالزكاة من غيرهم، وللمزكي إن أعطى الزكاة لأقاربه أجران أجر الصدقة وأجر الصلة، لما ثبت في الحديث عن سلمان بن عامر أن النبي ﷺ قال: (الصدقة على المسكين صدقة وهي على ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة) رواه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن، ورواه الحاكم وقال: إسناده صحيح ووافقه الذهبي وحسنه الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٣/ ٣٨٧.
وجاء في الفتاوى الهندية: " والأفضل في الزكاة والفطر والنذور والصرف أولاً إلى الأخوة والأخوات، ثم إلى أولادهم، ثم إلى الأعمام والعمات، ثم إلى أولادهم ثم إلى الأخوال والخالات، ثم إلى أولادهم، ثم
стр. 492
إلى ذوي الأرحام ثم إلى الجيران ثم إلى أهل حرفته ثم إلى أهل مصره أو قريته " الفتاوى الهندية ١/ ١٩٠.
سابعاً: يجوز إعطاء الزكاة للبنت المتزوجة من فقير، لأن نفقة البنت بعد زواجها واجبة على الزوج لا على أبيها.
ثامناً: يجوز قضاء ديون الأقارب من الزكاة، حتى وإن وجبت نفقتهم على المزكي فيجوز قضاء دين الأب ودين والأم ودين الإبن ودين البنت وغيرهم من الأقارب، بشرط أن لا يكون سبب هذا الدين تحصيل نفقة واجبة على المزكي، لأن ديون الأقارب بما فيها ديون الوالدين والأولاد لا يجب شرعاً على المرء أن يؤديها عنهم، فيجوز قضاء الدين عنهم من الزكاة لأنهم يعتبرون هنا في هذه الحالة من الغارمين فهم يستحقون الزكاة هنا بوصف لا تأثير للقرابة فيه.
قال الإمام النووي: " قال أصحابنا ويجوز أن يدفع إلى ولده ووالده من سهم العاملين والمكاتبين والغارمين والغزاة، إذا كان بهذه الصفة .... " المجموع ٦/ ٢٢٩، وراجع فقه الزكاة للقَرَضَاوي ٢/ ٧١٦، وفتاوى الصيام للشيخ ابن عثيمين ص٤٨ - ٤٩.
لا يجوز احتساب الدين من الزكاة
يقول السائل: هل يجوز لمن وجبت عليه الزكاة وله ديون على شخص فقير، أن يسقط الدين عن الفقير ويحتسبه من الزكاة؟
الجواب: لا يجوز احتساب الدين الذي على الفقير من مال الزكاة، على الراجح من أقوال أهل العلم لما ورد في الحديث الشريف من قول الرسول- ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن فقال له: ( .. أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم) رواه البخاري ومسلم.
فلا بد في الزكاة من أخذها من الأغنياء، ثم ردها إلى الفقراء،
стр. 493
وإسقاط الدين عن الفقير لا يعتبر، لا أخذاً من الأغنياء ولا رداً على الفقراء، وهذا قول جماهير أهل العلم الحنفية والمالكية والحنابلة وهو أصح القولين في مذهب الشافعية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو قول أبي عبيد القاسم بن سلام وسفيان الثوري وغيرهم.
قال الإمام النووي: " إذا كان لرجل على معسر دين، فأراد أن يجعله من زكاته وقال له جعلته عن زكاتي فوجهان حكاهما صاحب البيان أصحهما لا يجزئه، وبه قطع الصيمري، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد، لأن الزكاة في ذمته فلا يبرأ إلا بإقباضها .... الخ " المجموع ٦/ ٢١٠.
وقال الإمام القرافي "لا يخرج في زكاته إسقاط دينه عن الفقير لأنه مستهلك عند الفقير" الذخيرة ٣/ ١٥٣.
وقال ابن قدامه: " قال مهنا: سألت أبا عبد الله - يعني الإمام أحمد - عن رجل له دين برهن وليس عنده قضاؤه، ولهذا الرجل زكاة مال يريد أن يفرقها على المساكين فيدفع إليه رهنه ويقول له: الدين الذي لي عليك هو لك ويحسبه من زكاة ماله، قال -أحمد- لا يجزيه ذلك، ثم قال ابن قدامة معللاً ذلك: لأن الزكاة لحق الله تعالى، فلا يجوز صرفها إلى نفعه، ولا يجوز أن يحتسب الدين الذي له من الزكاة قبل قبضه، لأنه مأمور بأدائها وإيتائها وهذا إسقاط، والله أعلم " المغني ٢/ ٤٨٧.
وسُئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن إسقاط الدين عن المعسر، هل يجوز أن يحسبه من الزكاة؟ فأجاب: " وأما إسقاط الدين عن المعسر فلا يجزئ عن زكاة العين بلا نزاع" الفتاوى ٢٥/ ٨٤.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: " وكان سفيان بن سعيد الثوري فيما حكوا عنه يكرهه ولا يراه مجزئاً - أي إسقاط الدين واحتسابه من الزكاة - فسألت عنه عبد الرحمن، فإذا هو على مثل رأي سفيان، ولا أدري لعله قد ذكره عن مالك أيضاً، وكذلك هو عندي غير مجزئ عن صاحبه، لخلال اجتمعت فيه:
أما إحداها: فإن سنة رسول الله- ﷺ في الصدقة كانت على خلاف
стр. 494
هذا الفعل، لأنه إنما كان يأخذها من أعيان المال عن ظهر الأغنياء ثم يردها في الفقراء، وكذلك كانت الخلفاء بعده ولم يأتنا عن أحد منهم أنه أذن لأحد في احتساب دين من زكاة، وقد علمنا أن الناس قد كانوا يدانون به في دهرهم - أي يتداينون -.
الثانية: أن هذا المال ثاوٍ - أي هالك أو ضائع - غير موجود قد خرج من يد صاحبه على معنى القرض والدين، ثم هو يريد تحويله بعد التواء إلى غيره بالنية، فهذا ليس بجائز في معاملات الناس بينهم حتى يقبض ذلك الدين ثم يستأنف الوجه الأخر فكيف يجوز فيما بين العباد وبين الله .
الثالثة: أني لا آمن أن يكون إنما أراد أن يقي ماله بهذا الدين قد يئس منه فيجعله ردءاً لماله يقيه به إذا كان منه يائساً .... وليس يقبل الله ﵎ إلا ما كان له خالصاً " الأموال ص٥٣٣ - ٥٣٤.
وبهذا يظهر لنا أنه لا يجوز إسقاط الدين واحتسابه من الزكاة.
حكم استثمار أموال الزكاة
يقول السائل: هل يجوز للجان الزكاة أن تقوم بإستثمار أموال الزكاة في مشاريع إقتصادية تعود بالنفع على الفقراء والمساكين وبقية المستحقين للزكاة؟
الجواب: من المعلوم أن الزكاة واجبة على الفور، على الراجح من أقوال أهل العلم ويدل على ذلك قوله تعالى: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) سورة الأنعام/١٤١.
ويدل على ذلك أيضاً، ما ثبت في الحديث الصحيح عن عقبة بن الحارث ﵁ قال: (صلى الرسول ﷺ العصر فأسرع ثم دخل بيته فلم يلبث أن خرج، فقلت له، أو قيل له، فقال: كنت خلَّفت في البيت تبراً من الصدقة فكرهت أن أبيَّته فقسمته) رواه البخاري.
стр. 495
وقال الإمام النووي: " قد ذكرنا أن مذهبنا أنها إذا وجبت الزكاة وتمكن من إخراجها، وجب الإخراج على الفور، فإن أخرها أثم، وبه قال مالك وأحمد وجمهور العلماء " المجموع ٥/ ٣٣٥
واستثمار أموال الزكاة فيما أرى أنه يتعارض مع الفورية في إيصال الزكاة إلى مستحقيها، ممن ذكرهم الله في آية مصارف الزكاة، لأن استثمار أموال الزكاة في المشاريع المختلفة يؤدي إلى انتظار أرباحها، وبالتالي يؤدي إلى تأخير توزيعها.
كما أن استثمار أموال الزكاة قد يعرضها للخسارة، لأن التجارة والإستثمار تحتمل الربح والخسارة.
كما وأنه يخشى على أموال الزكاة إذا استثمرت من الضياع إذا تولتها أيد غير أمينة، وخاصة أننا نعيش في مجتمع قد خربت فيه ذمم كثير من الناس وكثر فيه الطمع وقَّل فيه الورع.
هذا هو الأصل في المسألة.
وبالرغم مما قلت وبينت، إلا أنه يجوز في ظروف خاصة استثمار أموال الزكاة إذا توفرت بعض الشروط وهي:
أولاً: أن يتم تغطية الحاجات المستعجلة للفقراء والمساكين وبقية المستحقين للزكاة، فإن فاضت أموال الزكاة وزادت عن سد الحاجات الأساسية للمستحقين لها - وما أظنها في مجتمعنا تفيض أو تزيد - فحينئذ يجوز استثمار أموال الزكاة، وأما إن لم تكف أموال الزكاة الحاجات الأساسية للمستحقين لها فلا يصح تأخير صرف الزكاة بحجة استثمارها.
ثانياً: أن يتم استثمار أموال الزكاة في مجالات مشروعة، فلا يجوز استثمارها في البنوك الربوية مقابل الربا (الفائدة).
ثالثاً: أن لا توضع أموال الزكاة في مشاريع استثمارية إلا بعد دراسة الجدوى الإقتصادية من تلك المشاريع، وأنه يغلب على الظن أن تكون رابحة بإذن الله.
следующие страницы →