← Фатава

Фатава · id 9087

فتاوى يسألونك

حسام الدين عفانة

Полный текст (3 492 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الحديث أن الرسول ﷺ قال: (لا يمين في قطيعة رحم) رواه أبو داود والبيهقي، وإسناده حسن. وما دام أنك قد تراجعت عن يمينك وأذنت لها بالذهاب إلى بيت أبيها، فقد أديت ما هو المطلوب شرعاً ويجب عليك أن تكفر عن يمينك وكفارة اليمين هي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة فإن لم تجد فتصوم ثلاثة أيام لقوله تعالى: (لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) سورة المائدة /٨٩. هذا بالنسبة لكفارة اليمين، وأما متى تكفر عن يمينك، فيجوز لك أن تكفِّر قبل ذهاب زوجتك إلى بيت أبيها، أو بعد ذهابها إليه، على الراجح من أقوال أهل العلم، فإن في الأمر سعة إن شاء الله تعالى، ويدل على ذلك أن الأحاديث الواردة في كفارة اليمين جاء في بعضها تقديم الكفارة على الحنث وجاء في بعضها تأخير الكفارة على الحنث. ومن هذا أخذ أكثر العلماء جواز الأمرين، فمن ذلك ما ورد في الحديث، أن الرسول ﷺ قال: (لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خير منها، إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها) متفق عليه. وفي رواية: (إلا كفَّرت عن يميني وفعلت الذي هو خير) متفق عليه. وفي رواية أخرى: (إلا أتيت الذي هو خير وكفَّرت عن يميني) متفق عليه. وجاء في حديث آخر، أن الرسول ﷺ قال: (إذا حلفت على يمين، فكفِّر عن يمينك، ثم ائت الخير) رواه أبو داود والنسائي. وفي حديث أخر: (إذا حلف أحدكم على يمين، ثم رأى غيرها خير اً منها فليكفِّرها وليأت الذي هو الخير) رواه مسلم.

стр. 527

وفي رواية: (من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير، وليكفِّر عن يمينه) رواه مسلم. وبهذا يظهر لنا جواز الأمرين، فإن شئت كفَّرت عن يمينك بعد الحنث أو قبله. يحرم على المسلم أن يحرم الحلال وكفارة ذلك يقول السائل: قال شخص لزوجته: هذا الطعام حرام عليَّ، فما حكم ذلك؟ الجواب: لا يجوز للمسلم أن يحرم ما أحل الله له، لأن ذلك من الإعتداء على شرع الله، ويدل على ذلك قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) سورة المائدة /٨٧. ومن حرَّم شيئاً مما أحله الله، سواءً كان طعاماً أو شراباً أو لباساً، فهو كالحلف يميناً على تركه، فإذا أكل الطعام أو شرب الشراب أو لبس الثوب، فقد حنث بيمينه، وتلزمه كفارة يمين، وهذا قول الحنفية والحنابلة، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: " ويروى نحو هذا عن ابن مسعود والحسن وجابر بن زيد وقتادة وإسحاق وأهل العراق، وقال سعيد بن جبير، فيمن قال الحلال حرام عليَّ، يمين من الأيمان يكفرها .... وعن الضحاك، أن أبا بكر وعمر وابن مسعود قالوا الحرام يمين .... " المغني ٩/ ٥٠٨. ويدل على ذلك قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) سورة التحريم /١ - ٢.

стр. 528

فالله سمَّى تحريم ما أحل الله يميناً، وفرض تحلة اليمين، وهي كفارة اليمين، وقد ثبت في الحديث، عن عبيد بن عمير قال: سمعت عائشة ﵂ تقول: (أن النبي ﷺ ، كان يمكث عند زينب ابنة جحش، ويشرب عندها عسلاً، فتواصيت أنا وحفصة، أنَّ أيَتنا دخل عليها رسول الله ﷺ فلتقل: " إني لأجد ريح مغافير، أكلت مغافير؟ " - وهو نوع من النبات له رائحة كريهة - فدخل على إحداهما فقالت له ذلك، فقال: لا بأس شربت عسلاً عند زينب ابنة جحش، ولن أعود، فنزلت الآية (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ .... إلى (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا (لعائشة وحفصة)، (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا) -لقوله بل شربت عسلاً) رواه البخاري ومسلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وسبب نزول هذه الآية إما تحريمه العسل وإما تحريمه مارية القبطية، وعلى التقديرين فتحريم الحلال يمين على ظاهر الآية وليس يميناً بالله، ولهذا أفتى جمهور الصحابة، كعمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وغيرهم، أن تحريم الحلال يمين مكفرة " مجموع الفتاوى ٣٥/ ٢٧١ - ٢٧٢. ومما يدل على أن تحريم الإنسان الحلال من الطعام والشراب على نفسه يعتبر يميناً، ما جاء في الأثر عن ابن مسعود " أنه جيء عنده بطعام فتنحى رجل فقال: إني حرمته أن لا آكله، فقال: ادن فكل وكفِّر عن يمينك، ثم تلا هذه الآية (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) سورة المائدة /٨٧، قال الحافظ ابن حجر وسنده صحيح فتح الباري ١٤/ ٣٨٥. وروى عبد الرزاق في المصنف بسنده عن الحسن البصري قال: " إن قال: كل حلالٍ عليَّ حرام، فهو يمين، وكان قتادة يفتي به " المصنف ٦/ ٤٠٢. وروى ابن أبي شيبة بأسانيده عن عمر وعائشة وابن عباس أنهم قالوا: " الحرام يمين " المصنف ٥/ ٣٧.

стр. 529

وروى ابن أبي شيبة عن عمر بن ذر قال: " سألت الشعبي عن رجلٍ قال " كل حلالٍ عليَّ حرام "، قال: لا يوجب طلاقاً ولا يحرم حلالاً، يكفر عن يمينه " المصنف ٥/ ٧٥. والله الهادي إلى سواء السبيل

стр. 530

الأضحية

стр. 531

بعض أحكام الأضحية بمناسبة قرب حلول عيد الأضحى المبارك، كثرت الأسئلة والإستفسارات المتعلقة بالأضحية، وهذه مجموعة من الأحكام المتعلقة بالأضحية فيها إجابات واضحة على بعض تلك الأسئلة والإستفسارات: أولاً: ينبغي أن يعلم أن الأضحية سنة مؤكدة، على الراجح من أقوال أهل العلم، وهو قول جمهور الفقهاء، ونقل عن أبي بكر وعمر وابن عباس، وجماعة من الصحابة والتابعين، ومن أصرح الأدلة على عدم وجوب الأضحية، ما ثبت في الحديث الشريف، عن أم سلمة ﵂ أن الرسول ﷺ قال: (إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره وبشره شيئاً) رواه مسلم. فجعل الرسول ﷺ ، أمر الأضحية مفوضاً إلى إرادة المسلم، وما كان كذلك لا يكون واجباً. وروى البيهقي عن أبي بكر وعمر، أنهما كانا لا يضحيان كراهة أن يظن من رآهما أنها واجبة، سنن البيهقي ٩/ ٢٦٤ - ٢٦٥. والأسانيد إليهما صحيحة كما قال: الشيخ الألباني، انظر إصلاح المساجد ص٢١. وقال ابن حزم: " لا يصح عن أحد من الصحابة أن الأضحية واجبة، وصح أن الأضحية ليست واجبة عن سعيد بن المسيب والشعبي " المحلى ٦/ ١٠.

стр. 532

وأما ما ورد في الحديث الشريف، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من وجد سعة فلم يضح، فلا يقربنَّ مصلانا) رواه ابن ماجة وأحمد والحاكم وغيرهم فقد صحح الأئمة وقفه على أبي هريرة، قال الحافظ ابن حجر: " .... لكن اختلف في رفعه ووقفه، والموقوف أشبه بالصواب، قاله الطحاوي وغيره، ومع ذلك فليس صريحاً في الإيجاب " فتح الباري ١٢/ ٩٨. وقال الحافظ ابن عبد البر نحوه في التمهيد، وممن قال بأنه موقوف الإمام المنذري في الترغيب والترهيب والحافظ البيهقي، والإمام الترمذي " انظر معرفة السنن والآثار ١٤/ ٣٨. ثانياً: يستحب لمن أراد أن يضحي، ألا يقص شعره وأظافره، ابتداءً من أول ليلة من شهر ذي الحجة إلى أن يذبح أضحيته لما ثبت في الحديث السابق عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (إذا دخلت العشر - أي العشر الأول من ذي الحجة - وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئاً) رواه مسلم. وفي رواية أخرى: (إذا دخل العشر، وعنده أضحية يريد أن يضحي، فلا يأخذنَّ شعراً ولا يقلمنَّ ظفراً) رواه مسلم. وفي رواية أخرى: (إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره) رواه مسلم. وفي رواية أخرى: ( .... فلا يأخذنَّ من شعره ولا من أظفاره شيئاً حتى يضحي) رواه مسلم. وقال جمهور أهل العلم: " إن هذا النهي محمول على الكراهة وليس على التحريم، فيكره في حق من نوى الأضحية أن يقص شيئاً من شعره أو من أظفاره شيئاً ويدل على أنه مكروه وليس حراماً، ما ورد في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: (كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ ، ثم يقلده ويبعث به ولا يحرم عليه شيء أحله الله حتى ينحر هديه) رواه البخاري مسلم.

стр. 533

قال الإمام النووي: " والحكمة في النهي أن يبقى - أي المضحي - كامل الأجزاء ليعتق من النار " شرح النووي على صحيح مسلم ٥/ ١٢٠. ثالثاً: يستحب في الأضحية أن تكون كبشاً أبيضاً أقرناً سميناً، فقد ثبت في الحديث، عن أنس ﵁ قال: (ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمَّى وكبر ووضع رجله على صفاحهما) رواه مسلم. وعن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ قال: (ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين موجوءين خصيين) رواه أحمد وهو صحيح كما قال الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٣٦٠. وروى الإمام البخاري تعليقاً، عن أبي أمامة بن سهل قال: (كنا نسمن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يسمنون)، قال الحافظ ابن حجر: " وصله أبو نعيم في المستخرج .... " فتح الباري ١٢/ ١٠٥. رابعاً: تصح النيابة في ذبح الأضحية باتفاق أهل العلم، فإذا أناب شخص شخصاً آخر في ذبح الأضحية وتوزيعها، فلا بأس في ذلك والمستحسن أن يتولى كل مضحٍ أضحيته بنفسه فيذبحها إن كان يحسن الذبح، فقد ثبت أن الرسول- ﷺ ذبح أضحيته بيديه الشريفتين، كما في الأحاديث التي سبقت، فإن كان المضحي لا يحسن الذبح، وكَّل غيره بذبحها لما روي في الحديث الشريف أنه- ﷺ قال لفاطمة: (قومي إلى أضحيتك فاشهديها، فإنه بأول قطرة من دمها يغفر لك ما سلف من ذنوبك) رواه الحاكم وصححه ولكن فيه ضعف، كما قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ٤/ ١٤٣. خامساً: لا بد من الإلتزام في الأضحية بالسن المقررة شرعاً، فلا يصح أن ينقص منه، ويصح أن يزيد عليه، ففي الإبل لا تصح التضحية بها إلا إذا بلغت خمس سنوات ودخلت في السادسة، وفي البقر يجب أن تتم سنتين وتدخل في الثالثة وفي الغنم تفصيل ففي الماعز، لا تجوز الأضحية بما له أقل من سنة، وفي البياض تجوز التضحية بما يمضي عليه أكثر العام

стр. 534

كسبعة أشهر أو ثمانية أشهر، إذا كان سميناً يخفى مع ما له سنة. ولا يجوز شرعاً التضحية بالعجول المسمنة التي لم تبلغ سنتين من عمرها، قال الإمام الشافعي: " ومن ضحى فأقل ما يجزيه الثني من المعز والإبل والبقر، ولا يجزي جذع إلا من الضأن وحدها " الأم ٢/ ٢٢١. وقال الإمام الشافعي أيضاً: " الضحايا الجذع من الضأن والثني من المعز والإبل والبقر ولا يكون شيء دون هذا ضحية " الأم ٢/ ٢٢٣. قال الإمام النووي: " أجمعت الأمة على أنه لا تجزئ من الإبل والبقر والمعز إلا الثني .... " المجموع ٨/ ٣٩٤. ونقل ابن قدامة عن أئمة اللغة: " إذا مضت الخامسة على البعير، ودخل في السادسة وألقى ثنيته، فهو حينئذ ثني .... وأما البقرة، فهي التي لها سنتان لأن النبي- ﷺ قال: (لا تذبحوا إلا مسنة) رواه مسلم، والمسنة من البقر هي التي لها سنتان " المغني ٩/ ٤٤٠. وقال الإمام النووي: " قال العلماء: المسنة هي الثنية من كل شيء، من الإبل والغنم والبقر، فما فوقها وهذا تصريح بأنه لا يجوز الجذع من غير الضأن في حال من الأحوال وهذا مجمع عليه .... " شرح النووي على صحيح مسلم ١٣/ ١٠١ - ١٠٢. وقد اتفق العلماء على أنه لا يجزئ الجذع من البقر، والجذع من البقر هو من وقت ولادته إلى أن يبلغ السنتين من عمره، والعجل المسمن الذي يبلغ من العمر تسعة أشهر من عمره فهو جذع فلا يجزئ في الأضحية، وكونه سميناً وأكثر لحماً من الذي بلغ السنتين من عمره، ليس سبباً في ترك السن المعتمد، وهي سنتان فأكثر. وإن المدقق في الأحاديث الشريفة التي أشارت إلى السن، يرى أنه لا يجوز تجاوز تلك السن، ويدل على ذلك الأحاديث التالية: ١ - عن البراء بن عازب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (إن أول ما نبدأ به يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، من فعله فقد أصاب سنتنا،

стр. 535

ومن ذبح قبل ذلك فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء، فقام أبو بردة بن نيار وقد ذبح فقال: " إن عندي جذعة " فقال: إذبحها، ولن تجزئ عن أحد بعدك) رواه البخاري. ٢ - قال الإمام البخاري: " باب قول النبي- ﷺ لأبي بردة: ضح بالجذع من المعز ولن تجزئ عن أحد بعدك، ثم ساق حديث البراء المتقدم براوية أخرى: (ضحى خال لي يقال له أبو بردة، قبل الصلاة، فقال له رسول الله- ﷺ : شاتك شاة لحم؟ فقال يا رسول الله: إن عندي داجناً جذعة من المعز فقال النبي- ﷺ : إذبحها ولا تصلح لغيرك). وقد ورد في عدة روايات اختصاص أبي بردة بالتضحية بالجذع من المعز وشاركه في الإختصاص عقبة بن عامر، كما في حديث آخر. والألفاظ التي تدل على الإختصاص كما بينها الحافظ ابن حجر في فتح الباري هي (ولا رخصة فيها لأحد بعدك)، (ولا تجزئ عن أحد بعدك)، (وليست فيها رخصة لأحد بعدك). وهذا التخصيص من النبي- ﷺ يدل على أنه لا تصح التضحية بالجذع من الإبل والبقر والماعز، وهو الذي اعتمد عليه الفقهاء في القول بأنه لا يجوز التضحية بما دون السنتين من البقر. ويجب أن يعلم أنه ليس المقصود بالأضحية اللحم فقط وتوزيعه صدقة أو هدية وإنما المقصود بها أيضاً تعظيم شعائر الله ، كما قال ﷻ : (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) سورة الحج /٣٢. وكذلك الإمتثال لأمر الله بإراقة الدم إقتداءً بإبراهيم ﵇ قال تعالى: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) سورة الحج /٣٧. وعن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: (ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من إهراق الدم وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها

стр. 536

وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفساً) رواه ابن ماجة والترمذي، وقال: حسن غريب، ورواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد. لا تصح الأضحية بالعجل السمين وعمره تسعة أشهر يقول السائل: هل تجوز الأضحية بعجل سمين بلغ من العمر تسعة أشهر؟ الجواب: لقد وردت الأحاديث التي أشارت إلى السن المعتبر في الأضاحي والتي اعتمد عليها الفقهاء في تحديد السن المعتبر في الأضاحي، واعتبروا ذلك شرطاً من شروط صحة الأضحية فقد اتفق العلماء على أنه تجوز التضحية بالثني فما فوقه من الإبل والبقر والغنم والمراد بالثني من الإبل، ما أكمل خمس سنين ودخل في السادسة، ومن البقر ما أكمل سنتين ودخل في الثالثة، ومن الغنم ما أكمل سنتين ودخل في الثالثة. قال في المصباح المنير: " الثني الجمل يدخل في السادسة .... والثني أيضاً الذي يلقي ثنيته، يكون من ذوات الظلف والحافر في السنة الثالثة، ومن ذوات الخف في السنة السادسة ". واتفق العلماء على أنه لا تجوز التضحية بما دون الثني من الإبل والبقر والمعز واختلفوا في الجذع من الضأن. قال الإمام النووي: "وأجمعت الأمة على أنه لا تجزئ من الإبل والبقر والمعز إلا الثني" المجموع ٨/ ٣٩٤. ونقل ابن قدامة عن أئمة اللغة " إذا مضت الخامسة على البعير ودخل في السادسة وألقى ثنيته فهو حينئذ ثني .... وأما البقرة فهي التي لها سنتان، لأن النبي- ﷺ قال: (لا تذبحوا إلا مسنة) ومسنة البقر التي لها سنتان " المغني ٩/ ٤٤٠.

стр. 537

وقال الإمام النووي: " قال العلماء: المسنة هي الثنية من كل شيء، من الإبل البقر والغنم فما فوقها، وهذا تصريح بأنه لا يجوز الجذع من غير الضأن في حال من الأحوال وهذا مجمع عليه " شرح النووي على صحيح مسلم ١٣/ ١٠١ - ١٠٢. وقد اتفق العلماء على أنه لا يجزئ الجذع من البقر والجذع من البقر هو من وقت ولادته إلى أن يبلغ سنتين من عمره والعجل المسمن الذي يبلغ تسعة أشهر من عمره هو جذع، فلا يجزئ في الأضحية، وكونه سميناً وأكثر لحماً من الذي بلغ سنتين من عمره ليس سبباً في ترك السن المعتمدة، وهي سنتان فأكثر. وإن المدقق في الأحاديث التي أشارت إلى السن، يرى أنه لا يجوز تجاوز تلك السن ويدل على ذلك الأحاديث التالية: - عن البراء بن عازب ﵁، قال النبي ﷺ : (إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا، أن نصلي، ثم نرجع فننحر، من فعله فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل ذلك فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء، فقام أبو بردة بن نيار وقد ذبح فقال: إن عندي جذعة، فقال اذبحها ولن تجزئ عن أحد بعدك) رواه البخاري. - قال الإمام البخاري: " باب قول النبي ﷺ لأبي بردة: (ضح بالجذع من المعز ولن تجزئ عن أحد بعدك) ثم ساق حديث البراء المتقدم، برواية أخرى: (ضحى خال لي يقال له أبو بردة قبل الصلاة، فقال له رسول الله- ﷺ : شاتك شاة لحم، فقال يا رسول الله: إن عندي داجناً جذعة من المعز، فقال النبي- ﷺ : اذبحها ولا تصلح لغيرك). وقد ورد في عدة روايات اختصاص أبي بردة بالتضحية بالجذع من المعز وشاركه في الاختصاص، عقبة بن عامر، والألفاظ التي تدل على الاختصاص كما بينها الحافظ ابن حجر في فتح الباري هي: (ولا رخصة فيها لأحد بعدك) (ولن تجزئ عن أحدٍ بعدك) (وليست فيها رخصة لأحد بعدك).

стр. 538

وهذا التخصيص من النبي ﷺ يدل على أنه لا تصح التضحية بالجذع من الإبل والبقر والماعز، وهو الذي اعتمد عليه الفقهاء في القول بأنه لا يجوز التضحية بما دون السنتين من البقر. وبناءً على ما تقدم أقول: لا تصح الأضحية بالعجول المسمنة مهما بلغ وزنها ولا بد من الالتزام بالسن وهو سنتان، قال في الفتاوى الهندية: " وتقدير هذه الأسنان بما قلنا يمنع النقصان ولا يمنع الزيادة، حتى ولو ضحى بأقل من ذلك شيئاً لا يجوز، ولو ضحى بأكثر من ذلك شيئاً يجوز ويكون أفضل ولا يجوز في الأضحية حمل ولا جدي ولا عجول ولا فصيل " الفتاوى الهندية ٥/ ٢٩٧. وينبغي أن يعلم أنه ليس المقصود من الأضحية اللحم فقط، وتوزيعه صدقة أو هدية وإنما يقصد بالأضحية أيضاً، تعظيم شعائر الله، وإراقة الدم كوسيلة من وسائل الشكر لله تعالى وإحياءً لذكرى إبراهيم ﵊. حكم الذبح على مقدمة السيارة يقول السائل: إنه قد اشترى سيارة جديدة، ويريد أن يذبح على مقدمتها ذبيحة، فهل يجوز ذلك؟ الجواب: لقد جرت عادة كثير من الناس أن يذبحوا شاةً على مقدمة السيارة الجديدة، ويجعلون دم الشاة يسيل عليها، وذلك طلباً لسلامة السيارة وصاحبها، أو دفعاً لعيون الحساد، كما يعتقدون، أو لغير ذلك من المقاصد، وهذا العمل بالشكل الذي وصفت لا يجوز شرعاً، بل هو من الأمور المبتدعة لأن الأصل في الذبح أن يكون لله تعالى. يقول : (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) سورة الأنعام/ ١٦٣,١٦٢.

стр. 539

فالمسلم عندما يذبح، يذبح بإسم الله تعالى، وحده لا شريك وهو تفسير قوله تعالى (ونسكي)، أي ذبحي، كما قال بعض السلف. وجاء في الحديث، عن علي ﵁ قال حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: (لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من آوى محدثاً ولعن الله من غير منار الأرض) رواه مسلم. قال الإمام النووي: " وأما الذبح لغير الله فالمراد به أن يذبح بإسمٍ غير إسم الله كمن ذبح للصنم أو الصليب، أو لموسى أو لعيسى صلى الله عليهما، وللكعبة، فكل ذلك حرام، ونحو ذلك فكل ذلك حرام، ولا تحل هذه الذبيحة .... " شرح النووي على صحيح مسلم ١٣/ ١٢٢. وهذا التفصيل الذي ذكرته فيما لو كان الذابح قد ذبح لغير الله تعالى، وأما إن ذبح الذبيحة بإسم الله تعالى، ومن باب شكر نعمة الله على هذا الإنسان لكونه قد اشترى سيارة جديدة، فلا بأس بذلك، ولا أرى له أن يذبح الذبيحة على مقدمة السيارة، لأن ذلك مشعرٌ بأن الذبح للسيارة، وتعليق سلامة السيارة وصاحبها على الذبح على مقدمتها. ولا بأس أن نذكر بهذه المناسبة، أن بعض الناس يذبح ذبيحة أو أكثر عندما يبني بيتاً جديداً، فمنهم من يذبح عند عقد البيت، أو عند السكن فيه، فهذا أيضاً فيه التفصيل الذي ذكرت، فإن كان الذبح من باب شكر نعمة الله، حيث أنعم الله على هذا الإنسان بأن سكن بيتاً جديداً، فيذبح ويطبخ ويدعو أصدقاءَه وأقرباءَه، ويسمى هذا الطعام، طعام الوكيرة، فهذا عمل لا بأس به، ويؤجر المرء عليه إن شاء الله. والأصل في ذلك هو النية الصالحة، لقول النبي ﷺ في الحديث المشهور: (إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئٍ ما نوى). والله الهادي إلى سواء السبيل

стр. 540

المعاملات

стр. 541

العربون في البيع جائز يقول السائل: إنه صاحب محجر، واتفق مع شخص أن يبيعه حجارة للبناء، وأخذ منه مبلغاً من المال كعربون، ثم إن الشخص الآخر اتفق مع صاحب محجر آخر لتوريد الحجر، وجاء يطالبه بالعربون، فهل يحل له أن يأخذ العربون؟ الجواب: إن بيع العربون هو أن يبيع الإنسان الشيء ويأخذ من المشتري مبلغاً من المال يسمى عربوناً لتوثيق الارتباط بينهما على أساس أن المشتري إذا قام بتنفيذ عقده احتسب العربون من الثمن، وإن نكل كان العربون للبائع، المدخل الفقهي ١/ ٤٩٥. وقد اختلف فيه الفقهاء، فجمهور الفقهاء على أنه غير صحيح، لما روي في الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (نهى النبي ﷺ عن بيع العربان) رواه أحمد والنسائي وأبو داود ومالك، وهذا الحديث ضعيف. قال الحافظ ابن حجر: " وفيه راوٍ لم يسمَّ، وسمي في رواية لابن ماجة ضعيفه عبد الله بن عامر الأسلمي وقيل هو ابن لهيعة وهما ضعيفان " التلخيص الحبير٣/ ١٧، وضعف الحديث الشيخ الألباني في تخريجه للمشكاة ٢/ ٨٦٦.

стр. 542

وأجاز الحنابلة بيع العربون وروي القول بصحة بيع العربون عن عمر وابنه عبد الله، وقال به محمد بن سيرين وسعيد بن المسيب، وقد ضعف الإمام أحمد الحديث الوارد في النهي عن بيع العربون، واحتج لصحته بما ورد عن نافع بن عبد الحارث " أنه اشترى لعمر دارالسجن من صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم فإن رضي عمر كان البيع نافذاً وإن لم يرض فلصفوان أربعمئة درهم "، قال الأثرم: قلت لأحمد: " تذهب إليه؟ قال: أي شيء أقول؟ هذا عمر ﵁، وضعّف الحديث المروي " المغني ٤/ ١٧٦. واحتجوا على صحته بما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن زيد ابن أسلم أن رسول الله ﷺ : (سئل عن بيع العربان فأحله)، ولكنه مرسل وفيه ضعيف كما قال الشوكاني في نيل الأوطار ٥/ ١٧٣. والقول بصحة بيع العربون هو أرجح القولين في المسألة لما في ذلك من تحقيق مصالح العباد وخاصة أنه لم يثبت النهي عن بيع العربون عن الرسول ﷺ . ومن المعلوم أن طريقة العربون، هي وثيقة الارتباط العامة في التعامل التجاري في العصور الحديثة، وتعتمدها قوانين التجارة وعرفها، وهي أساس لطريقة التعهد بتعويض ضرر الغير عن التعطل والإنتظار. وقد أيد ذلك ابن القيم ﵀ بما رواه البخاري في صحيحه في باب ما يجوز من الاشتراط، عن ابن عون عن ابن سيرين أنه قال: " قال رجل لكرّيه: أرحل ركابك فان لم أرحل معك في يوم كذا، فلك مئة درهم، فلم يخرج فقال شريح: من شرط على نفسه طائعاً غير مكره فهو عليه " المدخل الفقهي ١/ ٤٩٥ - ٤٩٦، والكرّي هو المكاري الذي يؤجر الدواب للسفر، وأرحل ركابك، أي شدّ على دوابك رحالها استعداداً للسفر. وبناءً على ما تقدم، يجوز أخذ العربون إن تراجع المشتري عن الصفقة. وإن كنت أفضل أن يعاد العربون لصاحبه خروجاً من الخلاف ورحمة بالناس.

стр. 543

يحرم التعامل بالربا مطلقاً سواءً أكان مع مسلم أو مع غيره يقول السائل: هل صحيح ما يقال، أنه يجوز التعامل بالربا بين المسلم وغير المسلم فيجوز للمسلم أن يضع أمواله في بنوك غير المسلمين، ويأخذ الربا ولا يكون ذلك حراماً؟ الجواب: إنّ الربا محرم بنصوص صريحة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فمن ذلك قوله تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) سورة البقرة / ٢٧٥ - ٢٧٩. وإنَّ أكثر العلماء على تحريم الربا في جميع الظروف والأحوال فالربا في ديار الإسلام حرام، وكذلك هو حرام في ديار الكفر، والربا بين المسلم والمسلم حرام، وكذلك هو حرام بين المسلم وغير المسلم، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف من الحنفية، والزيدية وأهل الظاهر وغيرهم. ونقل عن أبي حنيفة أنه يجيز الربا بين المسلم والكافر في دار الحرب فقد ورد عن أبي حنيفة قوله: " لو أنَّ مسلماً دخل أرض حربٍ بأمان، فباعهم الدرهم بالدرهمين لم يكن بذلك بأس ". واستدل من أجاز الربا، بما ورد عن مكحول بن زيد الدمشقي عن الرسول ﷺ أنه قال: (لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب)، وهذا

стр. 544

الحديث ليس بثابت عن الرسول- ﷺ ، كما قال الإمام الشافعي " وما احتج به لأبي حنيفة ليس بثابت فلا حجة فيه " معرفة السنن والآثار ١٣/ ٢٧٦. وقال الإمام الزيلعي عن هذا الحديث: بأنه غريب، أي لا أصل له. وقال الإمام النووي عن حديث مكحول، أنه مرسل ضعيف، فلا حجة فيه. ومذهب الجمهور هو الحق إن شاء الله، فالربا حرام في حق المسلم في كل بلدٍ سواء أكان بلد إسلام أم بلد حرب. قال الإمام الشافعي: " ومما يوافق التنزيل والسنة ويعقله المسلمون، أنَّ الحلال في دار الإسلام حلالٌ في دار الكفر، والحرام في دار الإسلام حرامٌ في دار الكفر فمن أصاب حراماً فقد حدَّه الله على ما شاء منه، ولا تضع بلاد الكفر عنه شيئاً " الأم ٤/ ١٦٥. وقال الإمام النووي: " يستوي في تحريم الربا الرجل والمرأة والعبد والمكاتب بالإجماع، ولا فرق بين دار الإسلام ودار الحرب، فما كان حراماً في دار الإسلام كان حراماً في دار الحرب، سواءً جرى بين مسلمين أو مسلم وحربي، سواءً دخلها المسلم بأمان أم بغيره، هذا مذهبنا وبه قال الإمام مالك وأحمد وأبو يوسف والجمهور " المجموع ٩/ ٣٩١ - ٣٩٢. ومما يرد على القائلين بالجواز، أنَّ حديث مكحول ضعيفٌ لا يصلح للاستدلال به، ولو كان مقبولاً، فإنه معارضٌ لإطلاق النصوص من كتاب الله وسنة رسوله الواردة في تحريم الربا. قال ابن قدامة: " ولا يجوز ترك ما ورد تحريمه بالقرآن وتظاهرت به السنة، وانعقد الإجماع على تحريمه بخبر مجهول لم يرد في صحيحٍ ولا مسند ولا كتاب موثوق، وهو مع ذلك مرسلٌ محتمل، ويحتمل أنَّ المراد بقوله (لا ربا) النهي عن الربا كقوله تعالى: (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) سورة البقرة /١٩٧ " المغني ٤/ ٣٢. ومما يؤيد القول بالتحريم، قياس الربا على القمار وشرب الخمر

стр. 545

بجامع أنّ كل ذلك معصية، فالقمار وشرب الخمر لا يحلان في دار الحرب وكذلك الربا، فما كان حراماً في دار الإسلام فهو حرامٌ في دار الكفر، ولا فرق. ***** تعقيب على مقال " البنوك وفتوى شيخ الأزهر " كتب د. تيسير التميمي في جريدة القدس بتاريخ ٩/ ٢/١٩٩٨ تعليقاً على فتوى شيخ الأزهر المتعلقة بالبنوك، وأشار إلى المكانة التي يتبوؤها شيخ الأزهر، وطرح موضوع الفتوى للمناقشة لمن يهمه الأمر. وقد كان يجول في خاطري منذ زمن أن أعلق على فتوى شيخ الأزهر، حول فوائد البنوك، إذ أنه قد طرح رأيه هذا منذ سنين مضت، ولكن كنت أحجم عن ذلك لأن عدداً من كبار العلماء قد ردوا على فتوى شيخ الأزهر ووضعوا في ذلك مؤلفات، مثل د. يوسف القَرَضَاوي، ود. علي السالوس وغيرهما. ولكن لما أعيد طرح هذه الفتوى مرة أخرى في الصحافة المحلية، أحببت أن أدلي بدلوي في هذا الموضوع، فأقول وبالله التوفيق: ينبغي أن يعلم أن الحق لا يعرف بالرجال، وإنما الرجال هم الذين يعرفون بالحق، فصدور الفتوى من أي مرجع مهما كانت مكانة هذا المرجع، لا يعطيها صفة الحق والصواب، وإنما هذه الصفة تُستَمَد من الأدلة والمستندات التي تعتمد عليها تلك الفتوى، وقد قال الإمام مالك يرحمه الله: " كلٌ يؤخذ منه ويترك إلا الرسول ﷺ ". وإن كان صدور الفتوى من مرجع مرموق يتولى منصباً رفيعاً، له أثر كبير على عامة الناس، ولكن ذلك لا يعني شيئاً كثيراً عند أهل العلم، هذا من جهة، وأما من الجهة الأخرى، فإن الرد العلمي على فتوى شيخ الأزهر، لا يتسع له هذا المقام، حيث إنه يحتاج إلى صفحات وصفحات،

стр. 546

وقد كفانا المؤونة العلماء الذين أشرت لهم، ولكن لا بأس بذكر بعض الأمور التي تلقي الضوء على إبطال الفتوى، فأبدأ أولاً بذكر ما صدر عن شيخ الأزهر الحالي صاحب هذه الفتوى عندما كان مفتياً للديار المصرية، حيث إنه أصدر فتوى في تحريم فوائد البنوك، وأذكر هنا نص السؤال المقدم إليه، وجوابه عليه: ((سؤال ورد إلى دار الإفتاء من المواطن، يوسف فهمي حسين، وقيد برقم ٥١٥/ لسنة ١٩٨٩، يقول فيه: إنه قد أحيل على المعاش، وصرفت له الشركة التي كان يعمل فيها مبلغاً - أربعين ألف جنيه -، والمعاش الذي يتقاضاه لا يفي بحاجته الأسرية، ولأجل أن يغطي حاجيات الأسرة، وضع المبلغ في بنك مصر، في صورة شهادات استثمار بعائد شهري، حيث لم يعد هناك أمان لوضع الأموال في شركات توظيف الأموال، وعندما فكر في وضعها في أي مشروع، لم يجد وخاصة أن حالته الصحية لا تسمح بالقيام بأي جهد، وقد قرأ تحقيقاً بجريدة أخبار اليوم، شارك فيه بعض المشايخ والعلماء الأفاضل، بأن الودائع التي تودع في البنوك تخدم في مشاريع صناعية وتجارية، وأن هذه الشهادات الإستثمارية تدر عائداً حلالاً لا رباً .... إلى أن قال السائل: وحيث إنه حريص على أن لا يدخل بيته حراماً، بعث إلى دار الإفتاء يستفسر عن رأي الدين في هذا الأمر، حيث إن بعض العلماء يقولون بأن العائد حلالٌ والبعض الآخر يقولون إنه رباً)). هذا هو نص السؤال الوارد إلى دار الإفتاء فماذا كان جواب المفتي؟ ((الجواب: بعد المقدمة ...... يقول الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) سورة البقرة / ٢٧٨ - ٢٧٩. ويقول الرسول ﷺ فيما يروي أبو سعيد قال: قال الرسول ﷺ : (الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى،

стр. 547

الآخذ والمعطي فيه سواء) رواه أحمد والبخاري ومسلم. أجمع المسلمون على تحريم الربا، الربا في اصطلاح فقهاء المسلمين هو زيادة مال في معاوضة مال بمال دون مقابل، وتحريم الربا بهذا المعنى أمر مجمع عليه في كل الشرائع السماوية. لما كان ذلك وكان إيداع الأموال في البنوك، أو إقراضها، أو الإقتراض منها بأي صورة من الصور مقابل فائدة محدودة مقدماً زمناً ومقداراً، يعتبر قرضاً بفائدة، وكل قرض بفائدة محددةً مقدماً حرام، كانت تلك الفوائد التي تعود على السائل داخلة في نطاق ربا الزيادة المحرم شرعاً، بمقتضى النصوص الشرعية، وننصح كل مسلم بأن يتحرى الطريق الحلال لاستثمار أمواله، والبعد عن كل ما فيه شبهة حرام لأنه مسؤول يوم القيامة عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه)). أخي القارئ ما تقدم، هو نص الفتوى التي صدرت عن مفتي جمهورية مصر العربية الدكتور. محمد طنطاوي، بتاريخ ٢٠/ ٢/١٩٨٩، وسجلت برقم ٤١/ ١٢٤، وهو نفسه الذي صار شيخ الأزهر فيما بعد وما زال، وأصدر الفتوى التي تنص على أن فوائد البنوك ليست من الربا المحرم، وأن لا فرق بين بنك إسلامي وغير إسلامي. والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا غيَّر الشيخ طنطاوي فتواه تغييراً جذرياً، ففي الفتوى الأولى الربا حرام، وفوائد البنوك حرام، وفي الثانية فوائد البنوك ليست من الربا المحرم. ومن المعلوم عند أهل العلم أن تغيير الفتوى في المسألة الواحدة من العالم الواحد لا بدَّ له من سبب صحيح، فإذا بنى المجتهد فتواه على اجتهاد، ثم بلغه حديث شريف لم يكن قد سمع به من قبل، والفتوى تعارضه يلزمه العدول فوراً عن قوله إلى قول الرسول ﷺ . وإذا أفتى في واقعة ثم تغيرت الواقعة وجب أن تتغير الفتوى تبعاً لتغير الواقعة انظر فوائد البنوك هي الربا المحرم للدكتور. يوسف القرضاوي ص ١٤٠ - ١٤٢.

стр. 548

ومن المسلّم به والمؤكد أن البنوك الربوية لم تتغير طبيعة عملها وأنظمتها، ولم تختلف صورة تعاملها في الفترة ما بين الفتوى الأولى للشيخ طنطاوي، عندما كان مفتياً لمصر، والفتوى الثانية عندما صار شيخاً للأزهر. إن الأدلة التي ساقها الشيخ طنطاوي في الفتوى الأولى في تحريم فوائد البنوك لم تتغير، فالأدلة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ على تحريم الربا ما زالت قائمة وستبقى كذلك إلى أن يرث الله الأرض وما عليها. بعد هذا أقول: إن فتوى شيخ الأزهر بإباحة فوائد البنوك الربوية، مناقضة تماماً للنصوص الصريحة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ في تحريم الربا، ومخالفة لأقوال العلماء والفقهاء قديما ً وحديثاً في تحريم الربا بمختلف صوره وأشكاله، ولا شك لدى العلماء والفقهاء في هذا العصر، أن فوائد البنوك هي من الربا المحرم، وقد انعقدت مجامع علمية كثيرة في هذا العصر، وأقرت وأكدت على أن فوائد البنوك هي من الربا المحرم، فمن ذلك: ١ - قرار المؤتمر الإسلامي الثاني لمجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة سنة ١٩٦٥ م والذي حضره عدد كبير من العلماء من مختلف العالم الإسلامي، ومن ضمن قراراته " الفائدة على أنواع القروض كلها رباً محرم ". ٢ - قرار مجمع الفقه الإسلامي، التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الثانية سنة ١٩٨٥ م والذي يضم ثلة من فقهاء العالم الإسلامي. ٣ - قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي سنة ١٤٠٦ هـ. ٤ - قرار المؤتمر الثاني للمصارف الإسلامية لسنة ١٩٨٣ م. ٥ - لجنة الفتوى بالأزهر الشريف لسنة ١٩٨٨ م. ٦ - البيان الصادر عن علماء الأزهر بمكة المكرمة، عن حرمة معاملات البنوك الربوية، رداً على مفتي مصر، ووقع عليه ثلاثة وثلاثون عالماً أزهرياً.

стр. 549

وغير ذلك من الفتاوى .... وقد ردَّ فتوى شيخ الأزهر عددٌ كبير من أهل العلم المعتبرين، وأبطلوا فتواه من وجوه كثيرة يضيق المقام عن ذكرها، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى: ١. كتاب الدكتور يوسف القَرَضَاوي [فوائد البنوك هي الربا المحرم]. ٢. كتاب الدكتور علي السالوس [الإقتصاد الإسلامي]. ٣. كتاب الدكتور وهبة الزُحَيّلي [الفقه الإسلامي وأدلته / ج ٩]، وغيرها. " وإننا لنعجب كثيراً ونشفق على فضيلة المفتي، وعلى المسلمين إذ هو يشككهم في أمور مجمع عليها، بل تعتبر مما عُلمَ من الدين بالضرورة، وإذا تطرَّق الشك إلى هذه الأمور وصل الأمر إلى هدم الشريعة من الأساس، فهل يسمح لنا المفتي أن نسأله: إذا كانت فوائد البنوك ليست ربا، فما هو الربا المحرم شرعاً؟ " الإقتصاد الإسلامي ١/ ٣٦٩. ***** لا يجوز الإشتراط في القرض دفع غرامة مالية إذا تأخر المقترض في السداد يقول السائل: إنه اقترض مبلغاً من المال لبناء مسكن له، على أن يسدد القرض على أقساط، واشترط عليه أنه إذا تأخر في سداد قسط من الأقساط أن يدفع غرامة مالية بسبب التأخير، واشترط عليه أنه لا يجوز له بيع المسكن إلا بموافقة المقرض وإذا باع مسكنه فإنه يدفع غرامة مالية للمقرض زيادة على القرض، فما الحكم في ذلك؟ الجواب: القرض الحسن مشروع بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فقد قال تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً) سورة البقرة /٢٤٥.

стр. 550

ووجه الدلالة فيه، أن الله شبه الأعمال الصالحة والإنفاق في سبيل الله بالمال المقرَض، وشبه الجزاء المضاعف على ذلك ببدل القرض شيئاً ليأخذ عوضه، ومشروعية المشبه تدل على مشروعية المشبه به، عقد القرض ص١٣. وثبت في الحديث الصحيح، عن أبي رافع ﵁، (أن النبي ﷺ استلف من رجل بكراً - أي جملاً فتياً - فقدمت على الرسول ﷺ إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره فقال: يا رسول الله، لم أجد فيها إلا خياراً رباعياً - أي جملاً كبيراً -، فقال: أعطه، فإن خير الناس أحسنهم قضاءً) رواه مسلم. وإقراض المعسر وتفريج كربه أمر مرغَّب فيه شرعاً ويدخل ذلك في عموم قول النبي ﷺ : (من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر، يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلماً، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) رواه مسلم. وللمقرِض أجر عظيم عند الله فقد جاء في الحديث عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: (ما من مسلم يقرض مسلماً قرضاً مرتين، إلا كان كصدقة مرة) رواه ابن حبان في صحيحه وابن ماجة والطبراني وهو حديث حسن. وينبغي أن يعلم أنَّ القروض تقضى بأمثالها، ولا يجوز شرعاً الزيادة المشروطة في رد بدل القرض، وكل زيادة تعتبر من باب الربا. قال الحافظ ابن عبد البر: " وكل زيادة في سلف أو منفعة ينتفع بها المسلِف فهو ربا، ولو كانت قبضة من علف، وذلك حرام إن كان بشرط ". وقال ابن المنذر: " أجمعوا على أن المسلِف إذا شرط على المستلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك، إن أخذ الزيادة ربا " الموسوعة الفقهية ٣٣/ ١٣٠.

стр. 551

وهنا لا بد من التنبيه على بعض القضايا المهمة والمتعلقة بالقروض: أولاً: يحرم على المدين الموسر أن يماطل في أداء ما حلَّ عليه من الأقساط، لقول النبي ﷺ : (مطل الغني ظلم) رواه البخاري ومسلم. ثانياً: وإن ماطل المدين الموسر، يحرم شرعاً فرض أية غرامة مالية عليه، في حال التأخر عن السداد لأن ذلك يعتبر من الربا، وهذا ما قرره أكثر الفقهاء قديماً وحديثاً، وأخذت به المجامع الفقهية المعتمدة، فقد جاء في قرار مجلس المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي، بمكة المكرمة ما يلي: ((نظر المجمع الفقهي في موضوع السؤال التالي، إذا تأخر المدين عن سداد الدين في المدة المحددة، فهل للبنك الحق أن يفرض على المدين غرامة مالية، جزائية بنسبة معينة بسبب التأخر عن السداد في الموعد المحدد بينهما؟ الجواب: وبعد البحث والدراسة، قرر المجمع الفقهي بالإجماع ما يلي: إن الدائن إذا شرط على المدين أو فرض عليه أن يدفع له مبلغاً من المال غرامة مالية جزائية محددة أو بنسبة معينة، إذا تأخر عن السداد في الموعد المحدد بينهما، فهو شرط أو فرض باطل، ولا يجب الوفاء به، ولا يحل سواءً أكان الشارط هو المصرف أو غيره، لأن هذا بعينه هو ربا الجاهلية الذي نزل القرآن بتحريمه)). وفد يقول قائل: إن هذا الكلام يشجع المدينين على المماطلة وعدم الوفاء بالدين، ونقول يمكن للمقرض أن يشترط على المدين أنه في حالة تأخره عن سداد قسط من أقساط الدين تحلّ بقية الأقساط ويمكن اتخاذ أمور أخرى ضد المدين المماطل كمطالبة الكفلاء وغير ذلك. ثالثاً: لا يجوز شرعاً منع المقترض من بيع منزله الذي بناه بالقرض، لأن ذلك مخالف للقواعد المقررة شرعاً من حرية تصرف المالك في ملكه وغير ذلك.

стр. 552

ولا يصح إلزام المقترض بأية غرامة مالية في حال بيعه مسكنه لأن ذلك نوع من الربا المحرم شرعاً. رابعاً: لا يجوز شرعاً ربط الديون بمستوى الأسعار أو جدول غلاء المعيشة، فقد قرر مجمع الفقه الإسلامي في دورته الخامسة ما يلي: ((العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ما هي بالمثل وليس بالقيمة لأن الديون تقضى بأمثالها فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة أياً كان مصدرها بمستوى الأسعار)) مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد الخامس، الجزء الثالث / ص ٢٢٦١. لا يجوز فرض غرامة مالية على المدين المماطل يقول السائل: اشترى شخص مني عقاراً بالتقسيط، ودفع بعض الأقساط، ولم يكمل دفع بقية الأقساط، وقد استلم العقار، وهذا الشخص قادر على تسديد بقية الأقساط، إلا أنه يماطل وقد مضى على موعد تسديد آخر قسط ثلاث سنوات وما يزال يماطل فهل يحق لي أن أطالبه بتعويضٍ مالي مقابل العطل والضرر الذي ألحقه بي؟ الجواب: يجب أن يعلم أولاً أنه يحرم على الغني أن يماطل فيما وجب عليه من حقوق، كالدين مثلاً، وكذلك من وجد أداءً لحق عليه وإن كان فقيراً تحرم عليه المماطلة، وقد ثبت في الحديث الصحيح، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (مطل الغني ظلم) رواه البخاري ومسلم. قال الحافظ ابن حجر: " والمراد هنا تأخير ما استحق أداؤه بغير عذر، والغني مختلف في تعريفه ولكن المراد به هنا من قدر على الأداء فأخره ولو كان فقيراً " فتح الباري ٥/ ٣٧١. وقال الحافظ أيضاً: " وفي الحديث الزجر عن المطل، واختلف هل

стр. 553

يعد فعله عمداً كبيرة أم لا؟ فالجمهور على أن فاعله يفسَّق " فتح الباري ٥/ ٣٧٢. وكما جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (ليُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته) رواه أبو داود والنسائي وأحمد بإسناد حسن كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٥/ ٤٥٩. وذكره الإمام البخاري تعليقاً فقال: " باب لصاحب الحق مقالاً، ويذكر عن النبي ﷺ : (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته). قال سفيان: عرضه تقول: مطلتني، وعقوبته الحبس، والمراد بقوله (ليّ الواجد) أي مماطلة من يجد أداء الحقوق التي عليه، وقوله (يحل عرضه وعقوبته) المراد به كما فسره سفيان أن يقول صاحب الحق، أو صاحب الدين: مطلني فلان، وعقوبته أن يسجن. إذا تبين لنا حرمة مماطلة المقتدر على سداد ديونه، فنقول: اتفق أهل العلم على أنه لا يجوز معاقبة المماطل بفرض غرامة مالية عليه، لأن ذلك يعتبر من باب الربا المحرم، وإنما يعاقب بالحبس فقط. ((وقد بحث مجمع الفقه الإسلامي هذه القضية بحثاً موسعاً، وخلص إلى ما يلي: ١ - إذا تأخر المشتري في دفع الأقساط عن الموعد المحدد فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدين بشرط أو بدون شرط، لأن ذلك رباً محرَّم. ٢ - يحرم على المدين المليء أن يماطل في أداء ما حل من الأقساط، ومع ذلك لا يجوز شرعاً اشتراط التعويض في حالة التأخر عن الأداء. ٣ - يجوز شرعاً أن يشترط البائع بالأجل حلول الأقساط قبل مواعيدها عند تأخر المدين عن أداء بعضها ما دام المدين قد رضي بهذا الشرط عند التعاقد)) مجلة المجمع الفقهي عدد ٦ جزء ١، ص٤٤٧ - ٤٤٨. وأخيراً ينبغي أن ننبه إلى أن هذا الحكم إنما هو في حق الغني المماطل

стр. 554

وأما إذا كان المدين معسراً فإن الله طلب إنظاره إلى ميسرة، كما قال تعالى: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) سورة البقرة /٢٨٠. لا يصح اشتراط عقدٍ آخر مع القرض يقول السائل: توفي شخص وترك ثلاث بنات وولد، وقد وزعت التركة حسب الشرع، فرغبت البنات في بيع حصتهن في قطعة أرض لشخص ما بسعر أقل من السعر المتعارف عليه والولد - أخو البنات - لا يملك ثمن الأرض ليتقدم بالشراء فعرض عليه أحد الأشخاص أن يقرضه ثمن الأرض، وشرط عليه أن يبيعه جزءاً من الأرض، فهل يجوز ذلك؟ الجواب: لا يجوز شرعاً للمقرض أن يشترط أي عقد آخر مع القرض، كالبيع أو الإجارة، أو يشترط أن يقرضه المقترض، وهذا مذهب جمهور أهل العلم لما ثبت في الحديث، أن النبي ﷺ قال: (لا يحل سلف وبيع) رواه أبو دلود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد وغيرهم، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال الشيخ الألباني: حسن، إرواء الغليل ٥/ ١٤٦. قال الشيخ ملا علي القاري: " لا يحل سلف وبيع، أي معه يعني مع السلف، بأن يكون أحدهما مشروطاً في الآخر. قال القاضي ﵀: " السلف يطلق على السلم والقرض والمراد هنا شرط القرض .... أي لا يحل بيع مع شرط سلف بأن يقول مثلاً: بعتك هذا الثوب بعشرة على أن تقرضني عشرة نفي الحل اللازم للصحة ليدل على الفساد من طريق الملازمة " مرقاة المفاتيح ٦/ ٨٩. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: " معنى الحديث أن لا يجمع بين معاوضته وتبرع لأن ذلك التبرع إنما كان لأجل المعاوضة لا تبرعاً مطلقاً

стр. 555

فيصير جزءاً من العوض" مجموع الفتاوى ٢٩/ ٦٢ - ٦٣. وقال الشيخ ابن القيم: " وأما السلف والبيع فلأنه إذا أقرضه مئة إلى سنة، ثم باعه ما يساوي خمسين بمئة، فقد جعل هذا البيع ذريعة إلى الزيادة في القرض الذي موجبه ردّ المثل ولولا هذا البيع لما أقرضه، ولولا عقد القرض لما اشترى ذلك " تهذيب سنن أبي داود ٩/ ٢٩٥ - ٢٩٦ وبناءً على ما تقدم، فإن اشتراط البيع المذكور في السؤال باطل شرعاً. سداد الدين بعملة أخرى يقول السائل: هل يجوز لمن أقرض شخصاً، مبلغ عشرة آلاف شيكل مثلاً أن يتفق مع المقرض على أن يسددها بما يعادلها من الدولارات عندما يحين موعد السداد؟ الجواب: لا يجوز لمن اقترض مبلغاً بعملة معينة أن يتفق مع المقترض على سداد القرض بعملة أخرى، فإذا استدان شخص ألف دينار أردني فإن الواجب عليه سداد ألف دينار أردني فقط، لأنها هي الثابتة في ذمته. وكذلك لا يجوز ربط قيمة الدين بالذهب عند الإستدانة ليتم السداد بالذهب يوم السداد لأن اختلاف العملة يفسح مجالاً للتفاضل مع التأجيل، فيصير قرضاً ربوياً كما تدل على ذلك الأحاديث النبوية على أن هذه المبادلة تصير بيعاً ممنوعاً، فالذهب بالفضة لا يجوز بالأجل لأنه يصير حينئذٍ صرفاً مؤجلاً، انظر الجامع في أصول الربا ص ٢٨٣. إلا أنه يجوز اتفاق الدائن والمدين في يوم سداد الدين على قضاء الدين بعملة أخرى بسعر صرفها في يوم السداد، فمثلاً استدان شخص من آخر مبلغ ألف دولار، على أن يسددها بعد سنة، ولما حان يوم السداد، اتفق الدائن والمدين على أن يسدد المدين الألف دولار بقيمتها بالدينار

стр. 556

الأردني، فيجوز ذلك بشرط أن لا يبقى شيء لأحدهما في ذمة الآخر. وهذا مذهب جماعة من أهل العلم، ويدل عليه ما ورد في الحديث عن ابن عمر- ﵁ قال: (كنت أبيع الإبل في البقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ بالدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ بالدنانير، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ بالدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ بالدنانير، فقال رسول الله ﷺ : لا بأس، إذا أخذتهما بسعر يومهما فافترقتما وليس بينكما شيء) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد وغيرهم، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال الشيخ الأرناؤوط: اسناده حسن على شرط مسلم. وعن يسار بن نمير قال: " كان لي على رجل دراهم، فعرض عليّ دنانير، فقلت: لا آخذها حتى أسأل عمر، فسألته فقال: إئت بها الصيارفة فاعرضها فإذا قامت على سعر فإن شئت فخذها، وإن شئت فخذ دراهمك " ذكره ابن حزم في المحلى. ((وقد قرر مجمع الفقه الإسلامي ما يلي بالنسبة إلى هذه المسألة: أولاً: الدين الحاصل بعملة معينة لا يجوز الاتفاق على تسجيله في ذمة المدين بما يعادل قيمة تلك العملة من الذهب أو من عملة أخرى على معنى أن يلتزم المدين بأداء الدين بالذهب أو العملة الأخرى المتفق على الأداء بها. ثانياً: يجوز أن يتفق الدائن والمدين يوم السداد لا قبله على أداء الدين بعملة مغايرة لعملة الدين إذا كان ذلك بسعر صرفها يوم السداد، وكذلك يجوز الدين على أقساط بعملة معينة الاتفاق يوم سداد أي قسط على أدائِه كاملاً بعملة مغايرة بسعر صرفها في ذلك اليوم ويشترط في جميع الأحوال أن لا يبقى في ذمة المدين شيء مما تمت عليه المصارفة في الذمة)).

стр. 557

يحرم أخذ الأجرة على عسب الفحل يقول السائل: ما حكم أخذ صاحب الثور أو التيس أجرة مقابل تلقيح الإناث من البقر أو المعز؟ الجواب: ثبت في الحديث الصحيح عن ابن عمر ﵄ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن عسب الفحل) رواه البخاري. قال الزبيدي: " العسب ضراب الفحل أو العسب ماؤه أي الفحل فرساً كان أو بعيراً .... والعسب إعطاء الكراء على الضراب " تاج العروس ٢/ ٢٣١. وثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال: (نهى رسول الله ﷺ عن بيع ضراب الجمل)، قال الإمام النووي: " معناه عن أجرة ضرابه وهو عسب الفحل المذكور في حديث آخر " شرح النووي على صحيح مسلم ٤/ ١٧٧. وقد أخذ جمهور الفقهاء من هذين الحديثين أنه لا يجوز شرعاً أخذ الأجرة على الفحل للتلقيح، وكذلك اتفق أهل العلم على حرمة بيع عسب الفحل. قال الحافظ ابن حجر: " .... وعلى كل تقدير، فبيعه وإجارته حرام لأنه غير متقوم ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه " فتح الباري ٥/ ٣٦٨. وأما إذا لم يكن هناك شرط مسبق على بيع ماء الفحل أو أخذ الأجرة عليه، فأهدى صاحب الإناث لصاحب الفحل شيئاً يكرمه به فلا بأس في ذلك، كما هو مذهب جماعة من أهل العلم، ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن أنس بن مالك (أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن عسب الفحل فنهاه فقال: يا رسول الله، إنا نطرق الفحل فنكرم، فرخص له في الكرامة) رواه الترمذي وقال: حسن غريب، تحفة الأحوذي ٤/ ٤١٢، وقال الشيخ الألباني: صحيح، انظر صحيح سنن الترمذي ٢/ ٢٢.

стр. 558

وقال الإمام البغوي: " أما إعارة الفحل للإنزاء وإطراقه فلا بأس به، ثم لو أكرمه المستعير بشيء يجوز له قبول كرامته " شرح السنة ٨/ ١٣٩. سماح صاحب الأرض لجاره بالمرور من الأرض لا يعطي الجار الحق في الطريق يقول السائل: إنه اشترى أرضاً من آخر بموجب عقد صحيح، وكان البائع يسمح لجار له بالمرور من أرضه التي باعها للمشتري، ولم يذكر في عقد البيع أي شيء عن الطريق، واستمر المشتري بالسماح للجار بالمرور من الأرض مدة من الزمن، ثم ادعى الجار أن له حقاً شرعياً في الطريق بالتقادم، وصاحب الأرض ينفي ذلك، فما قولكم في المسألة؟ الجواب: لا يحق لجار الأرض المذكور أن يطالب بالمرور من أرض جاره، وإن مضى على مروره فيها سنوات طويلة، لأن مالك الأرض أذن له بالمرور تفضلاً وإحساناً أو سكت عن ذلك، ثم إنه لما باع الأرض كاملة بحدودها المعروفة، ولم يبين للمشتري وجود حق للجار في الطريق، وبناءً على ذلك لا يثبت له حق المرور بالتقادم، فلا يعتبر التقادم في الشريعة الإسلامية سبباً صحيحاً من أسباب كسب الحقوق أو إسقاطها ديانة لأنه لا يجوز شرعاً أن يأخذ أحد مال آخر إلا بسبب شرعي، لقوله ﵊: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس) رواه أحمد والبيهقي والطبراني وقال الشيخ الألباني: صحيح، إرواء الغليل ٥/ ٢٧٩. ولأن الحق في الإسلام أبدي لا يزول إلا بمسوغ شرعي ولا مسوغ شرعي في هذه المسألة. وعليه لا يصح ادعاء جار الأرض بحقه في المرور عبر أرض جاره إلابإذن الجار ورضاه.

стр. 559

مضاربة فاسدة يقول السائل: إنه يملك سيارة أجرة، واتفق مع سائق ليشتغل عليها، على أن يدفع السائق خمسين ديناراً في اليوم لصاحبها، فما الحكم في ذلك؟ الجواب: إن هذه المسألة من صور شركة المضاربة على قول بعض الفقهاء الذين يجيزون أن يكون رأس مال المضاربة، أدوات يمتلكها صاحب المال، وبهذا قال الشيخ ابن قدامة في المغني ٥/ ٨: " وإن دفع الرجل دابته إلى آخر ليعمل عليها وما يرزق الله بينهما نصفين أو أثلاثاً أو كيفما شرطا صح نص عليه في رواية الأثرم ومحمد بن أبي حرب وأحمد بن سعيد، ونقل الأوزاعي ما يدل على صحة هذا .... ". وقاس ابن قدامة جواز هذه المسألة على المزارعة لما ثبت في حديث جابر: (أن النبي ﷺ أعطى خيبر على الشطر -أي النصف-) رواه البخاري. هذا ما يتعلق بأصل السؤال، وأما الشرط المذكور، وهو أن يدفع السائق خمسين ديناراً لصاحب السيارة فهو شرط باطل يؤدي إلى بطلان العقد، إذ لا يصح في عقد المضاربة أن يكون نصيب أحد الشريكين مبلغاً معيناً من المال ولا بد أن يكون جزءاً مشاعاً كأن يتفقا على أن لكل واحد منهما النصف أو لأحدهما الثلث وللآخر الثلثان ونحو ذلك، كما يصح إذا اتفقا على أن يكون نصيب أحدهما نسبة مئوية مثل ١٥% أو ٣٠% وهكذا. وبناءً على ما سبق فإن صورة التعاقد المذكورة في السؤال باطلة لا تصح. حقوق الناس لا تسقط بالشهادة يقول السائل: إذا كان من قُتل في سبيل الله يُكفَّر عنه كل شيء إلا الدين، فما الحال إذا كان هذا الشخص سارقاً أو آخذاً لحقوق الناس بغير الحق فهل تكفر هذه عنه، أفيدونا؟

стр. 560

الجواب: ثبت في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن الرسول ﷺ قال: (يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين) رواه مسلم. قال الإمام النووي: " وأما قوله ﷺ : (إلا الدين) ففيه تنبيه على جميع حقوق الآدميين، وأن الجهاد والشهادة وغيرهما من أعمال البر لا يكفر حقوق الآدميين، وإنما يكفر حقوق الله تعالى " شرح صحيح مسلم للنووي ٥/ ٢٨. وقال التوربشتي: " أراد بالدين هنا ما يتعلق بذمته من حقوق المسلمين إذ ليس الدائن أحق بالوعيد والمطالبة منه من الجاني والغاصب والخائن والسارق " تحفة الأحوذي ٥/ ٣٠٢. ويؤخذ من هذا الحديث أن من كان في ذمته حقوق للعباد فلا تسقط عنه ولا تكفر، وأن التكفير خاص بما بين العبد وبين ربه من كبيرة أو صغيرة، وحقوق العباد لا تدخل ضمن ذلك، وذكر الدين لينبه على غيره من حقوق العباد، ويؤيد ذلك ما جاء في الحديث، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من كانت عنده مظلمة لأحد فليتحلله، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم، من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئاته وطرح عليه) رواه البخاري. حكم الرجوع في الهبة يقول السائل: هل يجوز لمن وهب آخر هبة، أن يعود ويرجع عن تلك الهبة؟ الجواب: الهبة مشروعة ومستحبة، ومن الأمور التي تقوي المودة بين الناس، وينبغي أن تكون الهبة بطيب نفس ورضاً تام، وتتم الهبة بالإيجاب والقبول والقبض، فإذا قبض الموهوب الهبة فلا يحل للواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد فيما يهبه لولده لورود الأدلة المخصصة للوالد من

стр. 561

هذا الحكم، وهو حرمة الرجوع في الهبة ويدل على ذلك أحاديث منها: - عن قتادة قال: سمعت سعيد بن المسيب يحدث عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (العائد في هبته كالعائد في قيئه) رواه البخاري ومسلم. - عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : (ليس لنا مثل السوء، الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه) رواه البخاري. - وعن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال: (مثل الذي يرجع في صدقته كمثل الكلب، يقيء ثم يعود في قيئه فيأكله) رواه مسلم. فهذه الأحاديث وغيرها تدل على تحريم الرجوع في الهبة، وهذا مذهب جمهور الفقهاء وأهل الحديث. قال الإمام البخاري: " باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته ثم ذكر حديثي ابن عباس، الأول والثاني "، أنظر فتح الباري ٦/ ١٦٢ - ١٦٣. وقال الإمام النووي: " باب تحريم الرجوع في الصدقة والهبة بعد القبض إلا ما وهبه لولده، وإن سفل " شرح صحيح مسلم ٤/ ٢٣٦. ويبغي للواهب أن يعلم أن العائد في هبته قد شبهه الرسول ﷺ بالكلب الذي يقيء، ثم يعود فيأكل منه، وهذا مثل سوء فلا ينبغي للمسلم أن يتمثل بالكلب، وقد جاء في الحديث أنه ينبغي تعريف الواهب الذي يريد الرجوع في هبته بهذا المثل حتى يرتدع فلا يعود في هبته، فقد روى أبو داود بسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ قال: (مثل الذي يسترد ما وهب كمثل الكلب، يقيء فيأكل قيئه، فإذا استرد الواهب فليتوقف فليعرف بما استرد ثم ليدفع إليه ما وهب) رواه ابن ماجة، وقال الشيخ الألباني: حسن صحيح، انظر صحيح سنن ابي داود ٢/ ٦٧٦.

стр. 562

ويستثنى من حكم الرجوع في الهبة، الوالد فيما وهبه لولده، فيصح للوالد أن يرجع فيما وهبه لولده، وقد دلت السنة الثابتة على ذلك، فقد ورد في الحديث عن طاووس، عن ابن عمر وابن عباس عن النبي ﷺ قال: (لا يحل للرجل أن يعطي عطية أو يهب هبةً فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب، يأكل فإذا شبع قاء، ثم عاد في قيئه) رواه أصحاب السنن، وأحمد، وقال الترمذي حسن صحيح، ورواه ابن حبان والحاكم وصححاه، وصححه الشيخ الألباني أيضاً. ويؤيد ذلك ما ورد في الحديث، عن النعمان بن بشير أنه قال: إن أباه أتى به رسول الله ﷺ فقال: (إني نحلت ابني هذا غلاماً كان لي، فقال رسول الله ﷺ : أكلَّ ولدك نحلته مثل هذا، فقال: لا، فقال: رسول الله ﷺ : فأرجعه) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية عند مسلم أن النبي ﷺ قال لبشير: (فاردده). قال الحافظ ابن حجر: " وحجة الجمهور في استثناء الأب أن الولد وماله لأبيه فليس في الحقيقة رجوعاً وعلى تقدير كونه رجوعاً فربما اقتضته مصلحة التأديب ونحو ذلك " فتح الباري ٦/ ١٤٣. وقد ألحق أكثر الفقهاء الأم بالأب في جواز الرجوع في الهبة. حق التقادم يقول السائل: يدّعي بعض الناس ملكيتهم بعض الأراضي عن طريق ما يسمّى حق التقادم، مع أن تلك الأراضي ليست من أملاكهم فعلاً، وإنما استعملوها لسنوات طويلة ثم اَدعوا ملكيتها، فما هو قولكم في هذه القضية؟ الجواب: حق التقادم، هو انقضاء زمان معين كخمسة عشر عاماً أو أكثر أو أقل على حق في ذمّة إنسان أو مرور تلك المدة على عين لغيره في

стр. 563

يده، دون أن يطالب صاحبها، وهو قادر على المطالبة، المدخل الفقهي العام ١/ ٢٤٣. ويسمّى حق التقادم أيضاً مرور الزمان أو مضي المدة أو وضع اليد. ومن المقرر عند أهل العلم، أن أسباب الملكية في الشريعة الإسلامية أربعة وهي: ١ - إحراز المباحات. ٢ - العقود، كالبيع والشراء. ٣ - الخلفية، كالميراث. ٤ - التولد من المملوك. وحق التقادم ليس سبباً من أسباب التملك الصحيحة في الشريعة الإسلامية، فلا يعتبر حق التقادم سبباً صحيحاً من أسباب كسب الحقوق أو إسقاطها ديانة، فلا يجوز شرعاً لأي إنسان أن يأخذ مال غيره بلا سبب شرعي، ويدل على ذلك قول الرسول ﷺ : (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس) رواه أحمد والبيهقي والطبراني، وقال الشيخ الألباني: صحيح، إرواء الغليل ٥/ ٢٧٩. ولأن الحق في الإسلام أبدي لا يزول إلا بمسوغ شرعي، ولكن المجتهدين من فقهاء الإسلام بيّنوا أن حق التقادم يكون سبباً في منع الاستماع للدعوى بعد مضيّ مدة معينة كست وثلاثين سنة أو ثلاثين سنة أو خمسة عشرة سنة أو غير ذلك، لأن إهمال صاحب الحق لحقه هذه السنوات الطويلة بلا عذر، مع تمكنه من التقاضي يدل على عدم الحق غالباً فلو كان الحق لشخص ومضى عليه زمن طويل، ولم يطالب به فلا يعني هذا زوال حقه وضياعه، ولكن العلماء اجتهدوا، فمنعوا ذلك الشخص أن يترافع أمام القضاء بعد مضي تلك السنوات الطويلة وذلك تجنباً لإثارة المشكلات في الإثبات وما يتعلق بالقضاء من أمور أخرى، فمرور الزمان أو التقادم لا يسقط الحقوق مطلقاً بل الحق يبقى لصاحبه فمن وضع يده على

стр. 564

قطعة أرض ليست له واستعملها سنوات طويلة لا يعني ذلك أن ملكيتها انتقلت إليه، فلا تبرأ ذمته إلا إذا أعادها إلى صاحبها، لأن الحقوق الثابتة لا يؤثر فيها مرور الزمن أو تقادم العهد. وحق التقادم المانع من سماع الدعوى أمام القضاء يكون مقبولاً إذا لم يكن هنالك عذر شرعي في عدم رفع الدعوى، وأما إذا وجد عذر شرعي في عدم رفع الدعوى فإن الدعوى تسمع ولا يعتبر حق التقادم حينئذ مانعاً من سماع الدعوى. جاء في المادة ١٦٦٣ من مجلة الأحكام العدلية: " والمعتبر في هذا الباب، أي في مرور الزمن المانع لاستماع الدعوى هو مرور الزمن الواقع بلا عذر فقط، وأما في الزمن الحاصل بأحد الأعذار الشرعية ككون المدعي صغيراً أو مجنوناُ أو معتوهاً، سواء كان له وصيٌ، أو لم يكن له، أو كونه في ديار أخرى مدة السفر، أو كان خصمه من المتغلبة فلا اعتبار له، فلذلك يعتبر مبدأ مرور الزمن، من تاريخ زوال واندفاع العذر، مثلاً لا يعتبر الزمن الذي مرّ حال جنون أو عته أو صغر المدّعي، بل يعتبر مرور الزمن من تاريخ وصوله حد البلوغ، كذلك إذا كان لأحد مع أحد المتغلبة دعوى، ولم يمكنه الإدعاء لامتداد الزمن زمن تغلب خصمه وحصل مرور زمن لا يكون مانعاُ لاستماع الدعوى وإنما يعتبر مرور الزمن من تاريخ زوال التغلب ". وأخيراً يجب أن يعلم، أن القضاء في الإسلام مظهر للحق لا مثبت له، وأن حكم القاضي لا يغير حقيقة الأشياء، لأن القاضي يحكم حسب الظاهر وبحسب اجتهاده. ضمان صاحب الدابة لما تسببه من أضرار يقول السائل: دهس سائق سيارة دابة لرجل، فانحرفت السيارة فأصيب السائق بجروح، وتضررت السيارة، ونفقت الدابة، فعلى من الضمان؟

стр. 565

الجواب: إن الضمان في هذه المسألة على صاحب الدابة لأنه قصّر في حفظ دابته فإن لم يربطها ولم يتخذ الوسائل الكفيلة بعدم وصولها إلى الطريق الذي تسير فيه السيارات فهو ضامن، وعليه أن يعوض السائق عن جروحه التي أصيب بها، وكذلك عليه أن يعوضه بدل الأضرار التي لحقت بسيارته، ولا يضمن السائق الدابة. والأصل في هذه المسألة ما رواه مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن حرام بن سعد بن محيصة، أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائط -أي بستان- رجل فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ : (أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدته المواشي بالليل ضامن على أهلها) رواه أبو داود والنسائي، وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني. وقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي المتعلق بحوادث السيارات ما يلي: ((ما تسببه البهائم من حوادث السير في الطرقات يضمن أربابها الأضرار التي تنجم عن فعلها إن كانوا مقصرين في ضبطها والفصل في ذلك للقضاء)). لا ضمان على صاحب البيت إن مات العامل بدون تقصير من صاحب البيت يقول السائل: سقط عامل عن سقالة أثناء عمله في بيت أحد الأشخاص، فأصيب العامل بكسور، والعامل يطالب صاحب البيت بالتعويض عن الضرر الذي لحق به، فما قولكم في ذلك؟ الجواب: إذا كان صاحب البيت ليس له علاقة بسقوط العامل لا من قريب ولا من بعيد كأن يكون العامل هو الذي نصب السقالة، فلا ضمان على صاحب البيت حتى لو أن العامل توفي، فلا شيء على صاحب
следующие страницы →