Полный текст (3 492 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
الحج
стр. 737
تكفير الحج للذنوب
يقول السائل: إنه يريد أداء فريضة الحج وقد قارف كثيراً من المعاصي والآثام في أيامه السابقة فهل الحج يكفر هذه الذنوب كما جاء في الحديث إن الحاج يرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه؟
الجواب: ينبغي أن يعلم أن على من أراد الحج المبادرة إلى التوبة النصوح من جميع الذنوب والخطايا لقوله تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) سورة النور الآية ٣١.
وحقيقة التوبة الإقلاع عن الذنوب وتركها والندم على ما مضى منها والعزيمة على عدم العودة إليها. وإن كان عنده مظالم للناس فعليه أن يردها وأن يتحلل منها قبل سفره لما صح في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من كانت عنده مظلمة لأخيه من مال أو عرض فليتحللها من صاحبه من قبل أن يؤخذ منه حين لا يكون دينار ولا درهم فإن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه) رواه البخاري.
وعليه أن يقضي ديونه فإن لم يتمكن من قضائها فعليه أن يوكل بقضائها وعليه أن يترك لأهله نفقة تكفيهم حال غيابه ويجب عليه أن يسعى لإرضاء والديه ومن يتوجه عليه بره وطاعته.
стр. 738
ويجب أن تكون نفقته للحج ولغيره حلالاً طيباً لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ) سورة البقرة الآية ٢٦٧.
ولقوله ﷺ : (إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً) رواه مسلم انظر التحقيق والإيضاح ص١٠ - ١١.
ومما تجب العناية به على من أراد الحج أن يتعلم الأحكام الشرعية اللازمة للحج وللسفر ونحوها.
قال الإمام النووي: [إذا أراد سفر حج أو غزو لزمه تعلم كيفيتهما إذ لا تصح العبادة ممن لا يعرفها ويستحب لمن يريد الحج أن يستصحب معه كتاباً واضحاً في المناسك جامعاً لمقاصدها ويديم مطالعته ويكررها في جميع طرقه لتصير محققة عنده. ومن أخل بهذا من العوام يخاف أن لا يصح حجه لإخلاله بشرط من شروط أركانه ونحو ذلك. وربما قلد بعضهم بعض عوام مكة وتوهم أنهم يعرفون المناسك محققة فاغتر بهم وذلك خطأ فاحش] المجموع ٤/ ٣٨٦.
وهناك أحكام وآداب أخرى ينبغي للمسلم أن يتحلى بها وليس هذا محل بحثها.
وأما جواب السؤال فأقول إن الحديث الذي أشار إليه السائل هو ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه] رواه البخاري ومسلم.
وهذا الحديث عام مخصوص على الصحيح من أقوال أهل العلم فإن الحج وغيره من الطاعات كالوضوء والصلاة والعمرة تكفر صغائر الذنوب دون كبائرها ولا أثر للطاعات في إسقاط حقوق العباد فلا بد من رد الحقوق لأصحابها ولا بد للمسلم من التوبة الصادقة من كبائر الذنوب.
قال الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا) سورة التحريم الآية ٨.
стр. 739
وقال تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) سورة النور الآية ٣١.
قال الحافظ ابن عبد البر: [ولو كانت الطهارة والصلاة وأعمال البر مكفرةً للكبائر والمتطهر المصلي غير ذاكر لذنبه الموبق ولا قاصد إليه ولا حضره في حينه ذلك أنه نادم عليه ولا خطرت خطيئته المحيطة به بباله لما كان لأمر الله بالتوبة معنى ولكان كل من توضأ وصلى يشهد له بالجنة بأثر سلامه من الصلاة وإن ارتكب قبلها ما شاء من الموبقات الكبائر وهذا لا يقوله أحد ممن له فهم صحيح وقد أجمع المسلمون أن التوبة على المذنب فرض والفروض لا يصح شيء منها إلا بقصد ونية واعتقاد أن لا عودة فأما أن يصلي وهو غير ذاكر لما ارتكب من الكبائر وغير نادم على ذلك فمحال فقد قال الرسول ﷺ : (الندم توبة) - رواه ابن ماجة وهو حديث صحيح قاله الشيخ الألباني - وقال الرسول ﷺ : (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة إلى ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر).
وفي رواية أخرى قال الرسول ﷺ : (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن من الخطايا ما لم تغش الكبائر) رواه مسلم.
وقال النبي ﷺ : (الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما لمن اجتنب الكبائر) رواه ابن ماجة وهو حديث صحيح.
ومما سبق يتضح لك أن الصغائر تكفر بالصلوات الخمس لمن اجتنب الكبائر فيكون على هذا معنى قول الله : (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) الصغائر بالصلاة والصوم والحج وأداء الفرائض وأعمال البر وإن لم تجتنبوا الكبائر ولم تتوبوا منها لم تنتفعوا بتكفير الصغائر إذا واقعتم الموبقات المهلكات والله أعلم.
وهذا كله قبل الموت فإن مات صاحب الكبيرة فمصيره إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه فإن عذبه فبجرمه وإن عفا عنه فهو أهل العفو وأهل المغفرة.
وإن تاب قبل الموت وقبل حضوره ومعاينته واعتقد أن لا يعود
стр. 740
واستغفر ووجل كان كمن لم يذنب وبهذا كله الآثار الصحاح عن السلف قد جاءت وعليه جماعة علماء المسلمين] فتح المالك بتبويب التمهيد لابن عبد البر على موطأ الإمام مالك ١/ ٥٥ - ٥٧ بتصرف.
وهذا الذي بينه الحافظ ابن عبد البر هو القول الصحيح الذي تؤيده الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وعلى ذلك يحمل قول النبي ﷺ : (اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن) رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وهو من أحاديث الأربعين نووية.
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [وقد حكى ابن عطية في تفسيره في معنى هذا الحديث قولين. الثاني: أنه تكفر الصغائر مطلقاً ولا يكفر الكبائر إن وجدت لكن يشترط التوبة من الصغائر وعدم الإصرار عليها.].
ثم قال الحافظ ابن رجب: [والصحيح قول الجمهور أن الكبائر لا تكفر بدون التوبة لأن التوبة فرض على العباد وقد قال : (وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) سورة الحجرات الآية ١١] جامع العلوم والحكم ٢١٤ - ٢١٦.
ولا يصح التمسك بظاهر قوله تعالى (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) سورة هود الآية ١١٤. على أن الحسنات تكفر كل سيئة كبيرة وصغيرة.
وعند جمهور أهل العلم لا بد من تقييد ذلك بما صح في الحديث من قول ﷺ :
[إن الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر﴾ وغيره من الأحاديث المقيدة لمطلق الآية. انظر فتح الباري ٩/ ٤٢٧.
وبناءاً على ما تقدم فإن الحج يكفر صغائر الذنوب مطلقاً وأما الكبائر المتعلقة بحقوق الناس فإن كانت مالية كدين عليه أكله ظلماً وعدواناً فلا يكفره الحج ولا بد من وفاء دينه.
وأما الكبائر المتعلقة بحق الله تعالى فإن كانت مثل الإفطار في رمضان بغير عذر فيجب عليه قضاؤه ولا يكفره الحج.
стр. 741
وإن كانت مثل تأخير الصلاة عن وقتها لغير عذر فإن الحج يكفره وعليه أن يتوب توبة صادقة.
قال الإمام الترمذي: [هو مخصوص - أي حديث أبي هريرة - بالمعاصي المتعلقة بحق الله تعالى خاصة دون العباد ولا تسقط الحقوق أنفسها فمن كان عليه صلاة أو كفارة ونحوها من حقوق الله تعالى لا تسقط عنه لأنها حقوق لا ذنوب وإنما الذنوب تأخيرها فنفس التأخير يسقط بالحج لا هي نفسها فلو أخرها بعده تجدد إثم آخر فالحج المبرور يسقط إثم المخالفة لا الحقوق] الفتح الرباني ١٩/ ٧.
لا يجوز الحج بالمال الحرام
يقول السائل: إنه فاز بمبلغ من المال في اللوتو " اليانصيب " ويريد أن يحج من ذلك المال ويتصدق ببعضه على الفقراء والمحتاجين فما الحكم في ذلك؟
الجواب: إن اليانصيب أو اللوتو شكل من أشكال القمار المحرم بنص كتاب الله تعالى حيث قال : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) سورة المائدة الآيات ٩٠ - ٩١.
وهذا المال الذي حصل عليه هذا الشخص من اللوتو مال حرام لأنه مكتسب بطريق محرم وهو القمار أو الميسر حيث إن اللوتو أو اليانصيب يعتمد على الحظ وقد ورد عن محمد بن سيرين ومجاهد وعطاء أنهم قالوا: [الميسر كل شيء فيه حظ] انظر الميسر والقمار ص ٢٨.
وينبغي على السائل أن يتخلص من هذا المال الحرام بصرفه كله إلى الفقراء والمساكين أو صرفه في مصالح المسلمين العامة كبناء مدرسة أو
стр. 742
مستشفى أو إصلاح طريق ونحو ذلك ولا يحل له أن ينتفع به هو وأهله وعياله ولا يحل له أن يحتفظ بهذا المال لأنه اكتسبه من طريق غير مشروع.
وقد نص كثير من أهل العلم على أن التخلص من المال الحرام يكون بالتصدق به فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية: [عن رجل مرابٍ خلَّف مالاً وولداً وهو يعلم بحاله فهل يكون المال حلالاً للولد بالميراث؟ أم لا؟
فأجاب: أما القدر الذي يعلم الولد أنه ربا فيخرجه إما أن يرده إلى أصحابه إن أمكن وإلا تصدق به. والباقي لا يحرم عليه.] مجموع الفتاوى ٢٩/ ٣٠٧.
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: [عن امرأة كانت مغنية واكتسبت في جهلها مالاً كثيراً وقد تابت. فهل هذا المال الذي اكتسبته. إذا أكلت وتصدقت منه تؤجر عليه؟
فأجاب بأن هذا المال لا يحل للمغنية التائبة ولكن يصرف في مصالح المسلمين. إلخ) انظر مجموع الفتاوى ٢٩/ ٣٠٨ - ٣٠٩.
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: [عن الرجل يختلط ماله الحلال بالحرام؟
فأجاب بأنه يخرج قدر المال الحرام فيرده إلى صاحبه وإن تعذر عليه ذلك تصدق
به] مجموع الفتاوى ٢٩/ ٣٠٨.
وقال الشيخ القرطبي عند تفسير قوله تعالى: (فَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) سورة البقرة الآية ٢٩٧.
ما نصه: [قال علماؤنا إن سبيل التوبة مما بيده من الأموال الحرام إن كانت رباً فليردها على من أربى عليه ويطلبه إن لم يكن حاضراً فإن أيس من وجوده فليتصدق بذلك.
стр. 743
وإن أخذ بظلم فليفعل كذلك في أمر من ظلمه فإن التبس عليه الأمر ولم يدر كم الحرام من الحلال مما بيده فإنه يتحرى قدر ما بيده مما يجب رده حتى لا يشك أن ما يبقى قد خلص له فيرده من ذلك الذي أزال عن يده إلى من عٌرف ممن ظلمه أو أربى عليه فإن أيس من وجوده تصدق به عنه، فإن أحاطت المظالم بذمته وعلم أنه وجب عليه من ذلك ما لا يطيق أداءه أبداً لكثرته فتوبته أن يزيل ما بيده أجمع إما إلى المساكين وإما إلى ما فيه صلاح المسلمين.] تفسير القرطبي ٣/ ٣٦٦.
ومما يدل على ذلك ما رواه أبو داود بإسناده عن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فرأيت رسول الله ﷺ وهو على القبر يوصي الحافر أوسع من قبل رجليه أوسع من قبل رأسه.
فلما رجع استقبله داعي امرأة فجاء وجيء بطعام فوضع يده ثم وضع القوم فأكلوا فنظر آباؤنا رسول الله ﷺ يلوك لقمة في فمه ثم قال: أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها.
فأرسلت المرأة فقالت: يا رسول الله إني أرسلت إلى البقيع يشتري لي شاة فلم أجد فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة أن أرسل إليَّ بها بثمنها فلم يوجد فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إليَّ بها. فقال: أطعميه الأسارى] وسكت عليه أبو داود والمنذري وقال الشيخ الألباني: رواه ابن منده في المعرفه ثم قال: وهذا سند صحيح.
سلسلة الأحاديث الصحيحة ٢/ ٣٩٤ وانظر المشكاة ٣/ ١٦٧٢.
فالرسول ﷺ أمر بالتصدق بالشاة المطبوخة التي قدمت له ولأصحابه لما علم أن الشاة أخذت بغير إذن صاحبها.
قال العلامة علي القاري: [فظهر أن شراءها غير صحيح لأن إذن جارها ورضاه غير صحيح] مرقاة المفاتيح ١٠/ ٢٩٧.
ومما يدل على ذلك أيضاً ما تعددت به الروايات في قصة رهان
стр. 744
أبي بكر ﵁ لبعض الكفار عندما نزل قوله تعالى: (الم، غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ في بضع سنين) سورة الروم الآيات ١ - ٣.
وجاء في بعض روايات هذه الحادثة: [أن النبي ﷺ قال لأبي بكر: (هذا سحت فتصدق به) وكان هذا قبل تحريم القمار كما قال القرطبي، وقد ذكر ابن كثير والقرطبي عدة روايات لهذه الحادثة. تفسير القرطبي ١٤/ ٢ - ٤، تفسير ابن كثير ٣/ ٤٢٢ - ٤٢٤.
وقال الإمام ابن كثير بعد أن ساق عدداً من روايات هذه الحادثة: [وقد روي نحو هذا مرسلاً عن جماعة من التابعين مثل عكرمة والشعبي ومجاهد وقتادة والسدي والزهري وغيرهم] تفسير ابن كثير ٣/ ٤٢٣.
وقد قاس بعض أهل العلم التخلص من المال الحرام بالتصدق به قاسوه على اللقطة إن تعذر ردها إلى مالكها فإن الملتقط يتصدق بها. انظر أحكام المال الحرام ص ٣٦٢.
وينبغي أن يعلم أن إخراج المال الحرام والتحلل منه ودفعه إلى الفقراء والمساكين ويسمى هذا الدفع صدقة بالنظر إلى الفقير لا بالنظر إلى المعطي ذلك أن التائب من المال الحرام بإخراجه إلى الفقراء والمساكين لأجل أن تقبل توبته لا لأجل الأجر والثواب فهذا الإخراج من مكملات التوبة وشروطها ولا أجر لهذا الشخص في تخلصه من المال الحرام. أحكام المال الحرام ص ٤١١ - ٤١٢.
ولا ينبغي لك أيها السائل أن تحج من هذا المال الحرام فالحج من أعظم الطاعات فينبغي أن يكون المال الذي ينفق فيه من أطيب المال وأحله.
يقول الله تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) سورة البقرة الآية ١١٧.
ويقول الله تعالى: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) سورة المائدة الآية ٢٧.
ويقول الرسول ﷺ (إن الله تبارك وتعال يقبل الصدقات ولا يقبل
стр. 745
منها إلا الطيب) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح وقال الإمام البغوي: هذا حديث صحيح.
شرح السنة ٦/ ١٣٠.
وفي حديث آخر قال النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده ما من عبد يتصدق بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيباً ولا يصعد إلى السماء إلا الطيب كأنما يضعها في يد الرحمن.) رواه الشافعي وإسناده حسن.
وفي حديث آخر قال الرسول ﷺ : (ما تصدق أحد من صدقة من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه. الحديث) متفق عليه.
الخاطب ليس محرماً لخطيبته في الحج
يقول السائل: رجل خاطب وأرادت خطيبته وأم خطيبته الذهاب إلى الحج أو العمرة فهل يكون هذا الرجل محرماً لها ولأمها؟
الجواب: من المعلوم عند أهل العلم أن الخطبة مقدمة للزواج وهي مجرد وعد بالزواج وليست زواجاً.
وبناءاً على ذلك فيعتبر كل من الخاطب والمخطوبة أجنبياً عن الآخر فلا يحل لهما الاختلاط دون وجود محرم وما يفعله كثير من الخاطبين اليوم من الذهاب إلى الأماكن العامة والجلوس على انفراد والذهاب والإياب معاً مخالف للشرع لأن الخاطب ما زال أجنبياً عن المخطوبة ولا يحل له من المخطوبة سوى ما أباحه الشرع الحكيم ألا وهو النظر عند الخطبة فقد جاء في الحديث عن جابر أن الرسول ﷺ قال:
(إذا خطب أحدكم المرأة فاستطاع أن ينظر منها ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل)
رواه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ووافقهما الألباني.
وعن المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة فقال النبي ﷺ : (انظر إليها فإنه
стр. 746
أحرى أن يؤدم بينكما) رواه النسائي والترمذي وابن ماجة وغيرهم وهو حديث صحيح.
ومعنى يؤدم بينكما: أن تقع الألفة والملائمة بينكما.
والخاطب لا يكون محرماً لمخطوبته ولا لأمها في السفر سواء كان لحج أو عمرة أو لغيرهما لأنه أجنبي عنهما ولا يجوز له السفر بهما فقد جاء في الحديث عن ابن عمر أن الرسول ﷺ قال: (لا تسافر المرأة ثلاثاً إلا ومعها ذو محرم) رواه مسلم.
وجاء في حديث آخر أن النبي ﷺ قال: (لا يخلونَّ رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم. فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجةً وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا. قال: انطلق فحج مع امرأتك) رواه البخاري ومسلم.
وأخيراً ينبغي التنبيه على أن كثيراً من عامة الناس في بلادنا يطلقون لفظ الخاطب على من كان قد عقد الزواج ولم يدخل بزوجته فإن كان الأمر كذلك فمن عقد على امرأته ولم يدخل بها فهي زوجته شرعاً فيجوز له أن يسافر بها وهو محرم على أمها فيجوز لها أن تسافر معه.
تجوز العمرة قبل أن يحج حجة الفرض
يقول السائل: إنه يريد أن يسافر إلى مكة المكرمة لأداء العمرة وينوي أن يعتمر بعد ذلك عن أبيه الميت فقال له بعض الناس لا يجوز لك أن تعتمر عن أبيك حتى تحج عن نفسك والسائل لم يحج عن نفسه حتى الآن فما قولكم في ذلك؟
الجواب: إن فضل العمرة عظيم وثوابها كبير فقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (العمرة إلى العمرة
стр. 747
كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) رواه البخاري مسلم.
ويجوز للمسلم أن يعتمر قبل أن يحج وقد فعله رسول الله ﷺ قال الإمام البخاري في صحيحه: [باب من اعتمر قبل الحج] ثم روى بإسناده عن ابن جريح
أن عكرمة بن خالد سأل ابن عمر ﵄ عن العمرة قبل الحج فقال: لا بأس.
قال عكرمة قال ابن عمر: اعتمر الرسول ﷺ قبل أن يحج. صحيح البخاري مع فتح الباري ٨/ ٣٤٨.
وقد أجاز العلماء أن يحج المسلم وأن يعتمر عن غيره كأمه وأبيه وزوجته وإخوته وغيرهم.
فقد جاء في الحديث عن ابن عباس أن امرأة من خثعم قالت: (يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الله في الحج شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره. قال: فحجي عنه) رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي رزين العقيلي أنه أتى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن فقال الرسول ﷺ : حج عن أبيك واعتمر) رواه أبو داود والترمذي وقال الترمذي: [هذا حديث حسن صحيح وإنما ذكرت العمرة عن النبي ﷺ في هذا الحديث أن يعتمر الرجل عن غيره] سنن الترمذي مع شرحه عارضة الأحوذي لابن العربي المالكي ٣/ ١٢٧.
فقد دل الحديث السابق على جواز أن يعتمر الشخص عن غيره ولا أعلم أحداً من أهل العلم يشترط فيمن يعتمر عن غيره أن يكون قد حج عن نفسه فإن هذا الاشتراط هو في الحج فقط فمن أراد أن يحج عن غيره فينبغي أن يكون قد حج عن نفسه كما هو مذهب جمهور أهل العلم لما ورد في الحديث عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: لبيك اللهم عن شبرمة. قال: من شبرمة؟ قال: أخ لي أو قريب. قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا. قال: حج عن نفسك ثم حج عن
стр. 748
شبرمة) رواه أبو داود وابن ماجة وابن حبان والبيهقي وقال: هذا إسناد صحيح ليس في هذا الباب أصح منه. ومال إلى تصحيحه الحافظ ابن حجر وصححه الشيخ الألباني أيضاً.
وما دام السائل يريد أن يعتمر عن نفسه أولاً فلا بأس أن يعتمر عن أبيه بعد ذلك وإن لم يكن قد حج عن نفسه ولا ارتباط بين الأمرين في هذا.
وإن قلنا بقياس العمرة على الحج في أنه يشترط فيمن يحج عن غيره أن يكون قد حج عن نفسه فنقول ينبغي لمن أراد أن يعتمر عن غيره أن يكون قد اعتمر عن نفسه وهذا هو الغالب من حال المعتمرين إذ المعهود أن يعتمر الإنسان عن نفسه أولاً ثم يعتمر عن غيره ثانياً.
стр. 749
الأضحية
стр. 750
كيفية توزيع الأضحية
يقول السائل: كيف توزع الأضحية؟
الجواب: قال أهل العلم يكون التصرف بالأضحية بالأكل والصدقة والهدية وتفصيل ذلك كما يلي: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الأكل من الأضحية مندوب.
وقد استدلوا بما ورد في الحديث عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال:
(. فكلوا وادخروا وتصدقوا) متفق عليه.
وما ورد في حديث جابر ﵁ أنه ﵊ قال: (. كلوا وتزودوا) رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية أخرى عند مسلم: (. كلوا وتزودوا وادخروا).
وقد حمل الجمهور الأوامر في هذه الأحاديث على الندب، لأن الأمر فيها جاء بعد الحظر فيحمل على الندب أو الإباحة.
قال الحافظ ابن عبد البر: [وأما قوله: (فكلوا وتصدقوا وادخروا) فكلام خرج بلفظ الأمر، ومعناه الإباحة لأنه أمر ورد بعد نهي، وهكذا شأن كل أمر يرد بعد حظر أنه إباحة لا إيجاب] الاستذكار ١٥/ ١٧٣.
стр. 751
وأما مقدار الأكل فقال الحنفية والحنابلة: يأكل ثلثها ويهدي ثلثها ويتصدق بثلثها.
ولو أكل أكثر من الثلث جاز. بدائع الصنائع ٤/ ٢٢٣، المغني ٩/ ٤٤٨.
وجاء عن الشافعي أنه يستحب قسمتها أثلاثاً لقوله ﷺ : (كلوا وتصدقوا وأطعموا) فتح الباري ١٢/ ١٢٣.
واحتج ابن قدامة المقدسي بما ورد عن ابن عباس ﵁ في صفة أضحية النبي ﷺ قال: [ويطعم أهل بيته الثلث ويطعم فقراء جيرانه الثلث ويتصدق على السؤَّال بالثلث] رواه الحافظ أبو موسى الأصفهاني في الوظائف وقال: حديث حسن. المغني ٩/ ٤٤٨ - ٤٤٩.
وقالوا لأنه قول ابن مسعود وابن عمر ﵄ ولم نعرف لهما مخالفاً من الصحابة فكان إجماعاً كما قال ابن قدامة في المغني ٩/ ٤٤٩.
ومن أهل العلم من استحب أن يأكل نصفاً ويطعم نصفاً لقول الله تعالى في الهدايا: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ) سورة الحج الآية ٣٦.
وأما الإمام مالك فلم يحدد في ذلك شيئاً ويقول: يأكل ويتصدق.
والدليل على أنه لا تحديد في المسألة بل الأمر على الاستحباب حديث ثوبان ﵁ قال: (ذبح رسول الله ﷺ ضحيته ثم قال: يا ثوبان أصلح لحم هذه الأضحية. قال: فلم أزل أطعمه منها حتى قدم المدينة) رواه مسلم.
ويستحب لمن أراد أن يضحي في يوم الأضحى أن يخرج إلى صلاة العيد ولا يأكل شيئاً حتى يصلي ثم يذبح أضحيته فيأكل منها وهذا قول أكثر العلماء.
قال الشيخ ابن قدامة: [. ولا يأكل في الأضحى حتى يصلي وهذا قول أكثر أهل العلم منهم علي وابن عباس ومالك والشافعي وغيرهم لا نعلم فيه خلافاً].
المغني ٢/ ٢٧٥.
стр. 752
ومما يدل على ذلك ما جاء في الحديث عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: (كان النبي ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي) رواه الترمذي، ثم قال: [وقد استحب قوم من أهل العلم أن لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم شيئاً ويستحب له أن يفطر على تمر ولا يطعم يوم الأضحى حتى يرجع]. والحديث رواه أيضاً ابن ماجة وابن حبان وقال الشيخ الألباني: صحيح. سنن الترمذي مع شرحه التحفة ٣/ ٨٠، صحيح سنن الترمذي ١/ ١٦٨
والحكمة في امتناع النبي ﷺ عن الأكل قبل الصلاة يوم الأضحى هي: [ليكون أول ما يطعم من لحم أضحيته فيكون مبنياً على امتثال الأمر] المرقاة ٣/ ٥٤٤ - ٥٤٥.
وقال الإمام أحمد: [والأضحى لا يأكل فيها حتى يرجع إذا كان له ذبح لأن النبي ﷺ أكل من ذبيحته وإذا لم يكن له ذبح لم يبالِ أن يأكل] المغني ٢/ ٢٧٥.
وقال الشعبي: [إن من السنة أن تطعم يوم الفطر قبل أن تغدو، وأن تؤخر الطعام يوم النحر حتى ترجع].
وقال سعيد بن المسيب: [كان المسلمون يأكلون يوم الفطر قبل المصلى ولا يفعلون ذلك يوم النحر] الاستذكار ٧/ ٤٠.
وأما التصدق منها فقال الحنفية والمالكية إن التصدق من الأضحية مندوب وليس بواجب.
وحجتهم ما سبق في الأكل من الأضحية وهو أرجح أقوال العلماء في المسألة.
ويتصدق منها على المسلمين من الفقراء والمحتاجين ويهدي إلى الأقارب والأصدقاء والجيران وإن كانوا أغنياء.
ونقل النووي عن ابن المنذر قوله: [أجمعت الأمة على جواز إطعام
стр. 753
فقراء المسلمين من الأضحية واختلفوا في إطعام فقراء أهل الذمة فرخص فيه الحسن البصري
وأبو حنيفة وأبو ثور. وقال مالك: غيرهم أحب إلينا.
وكره مالك أيضاً إعطاء النصراني جلد الأضحية أو شيئاً من لحمها.
وكرهه الليث قال: فإن طبخ لحماً فلا بأس بأكل الذمي مع المسلمين منه].
ثم قال النووي: [ومقتضى المذهب أنه يجوز إطعامهم من ضحية التطوع دون الواجبة] المجموع ٨/ ٤٢٥.
وقال الشيخ ابن قدامة: [ويجوز أن يطعم منها كافراً وبهذا قال الحسن وأبو ثور وأصحاب الرأي. لأنه طعام له أكله فجاز إطعامه للذمي كسائر الأطعمة ولأنه صدقة تطوع فجاز إطعامها للذمي والأسير كسائر صدقة التطوع] المغني ٩/ ٤٥٠.
والراجح من أقوال العلماء أنه يجوز إطعام أهل الذمة منها، وخاصةً إن كانوا فقراء أو جيراناً للمضحي أو قرابته أو تأليفاً لقلوبهم.
وأما الهدية من الأضحية فقد اتفق أهل العلم على أن الهدية من الأضحية مندوبة. وكثير من العلماء يرون أن يهدي ثلثاً منها كما مرَّ في حديث ابن عباس فإنه يجعل الأضحية أثلاثاً ثلث لأهل البيت وثلث صدقة وثلث هدية.
ونقل هذا عن ابن مسعود وابن عمر وعطاء وإسحاق وأحمد وهو أحد قولي الشافعي.
ويسن أن يجمع بين الأكل والتصدق والإهداء وأن يجعل ذلك أثلاثاً وإذا أكل البعض وتصدق بالبعض فله ثواب الأضحية بالكل والتصدق بالبعض.
стр. 754
لا يجوز إعطاء الجزار أجرته من الأضحية
يقول السائل: هل يجوز أن يعطى الجزَّار الذي يتولى ذبح الأضحية أجرته من لحمها؟
الجواب: قال جمهور أهل العلم لا يجوز أن يُعطى الجزَّار شيئاً من الأضحية مقابل ذبحها وسلخها واحتجوا على ذلك بما جاء في الحديث عن علي ﵁ قال: (أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه أي الإبل وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجلتها وأن لا أعطي الجزَّار منها. وقال: نحن نعطيه من عندنا) رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية أخرى عند مسلم: (ولا يعطي في جزارتها منها شيئاً).
فهذا الحديث يدل على عدم جواز إعطاء الجزَّار منها لأن عطيته عوض عن عمله فيكون في معنى بيع جزء منها وذلك لا يجوز.
وأما إن كان الجزَّار فقيراً أو صديقاً فأعطاه منها لفقره أو على سبيل الهدية فلا بأس لأنه مستحق للأخذ فهو كغيره بل هو أولى لأنه باشرها وتاقت نفسه إليها.
المغني ٩/ ٤٥٠.
ولا يجوز بيع شيء من الأضحية لا لحمها ولا جلدها ولا أطرافها واجبة كانت أو تطوعاً.
قال الإمام أحمد: [لا يبيعها ولا يبيع شيئاً منها].
وقال أيضاً: [سبحان الله كيف يبيعها وقد جعلها لله ﵎؟].
ويجوز أن ينتفع بالجلد بأن يجعله سقاءً أو فرواً أو نعلاً أو غير ذلك.
فقد ورد عن عائشة ﵂ قالت: [يجعل من جلد الأضحية سقاء ينبذ فيه]
ويدل على أنه لا يجوز بيع شيء من الأضحية، بما في ذلك جلدها
стр. 755
وأطرافها.
ما ورد في حديث علي ﵁ قال: (أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجلتها وأن لا أعطي الجزَّار منها. وقال نحن نعطيه من عندنا) رواه البخاري ومسلم. فقد أمره الرسول ﷺ أن يتصدق بلحومها وجلودها وجلالها كما أنه قد جعلها قربة لله تعالى فلم يجز بيع شيء منها كالوقف.
وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (من باع جلد أضحيته فلا أضحية له) رواه الحاكم وقال: حديث صحيح. ورواه البيهقي وقال الشيخ الألباني: حسن.
حكم الجمع بين الأضحية والعقيقة
يقول السائل: إنه رزق مولوداً ويريد أن يعق عنه عقيقة وسيذبحها يوم عيد الأضحى وينوي بها الأضحية والعقيقة فهل يجوز ذلك؟ وهل تقع الذبيحة عن العقيقة وعن الأضحية؟
الجواب: إذا اجتمعت الأضحية والعقيقة كأن أراد شخصٌ أن يعقَ عن ولده يوم عيد الأضحى كما ورد في السؤال أو في أيام التشريق فلا تجزئ الأضحية عن العقيقة على الراجح من أقوال أهل العلم.
وهذا قول المالكية والشافعية ورواية عن الإمام أحمد فقد روى الخلال عن عبد الله بن أحمد قال: [سألت أبي عن العقيقة يوم الأضحى تجزئ أن تكون أضحية
وعقيقة؟ قال: إما أضحية وإما عقيقة على ما سمّى] وعلى هذه الرواية أكثر الحنابلة. انظر تصحيح الفروع ٣/ ٥٦٥، تحفة المودود ص ٦٨ والذخيرة ٤/ ١٦٦.
وحجة هؤلاء العلماء أن كلاً من الأضحية والعقيقة ذبحان بسببين مختلفين فلا يقوم الواحد عنهما كدم التمتع ودم الفدية.
стр. 756
وقالوا أيضاً إن المقصود بالأضحية إراقة الدم في كل منهما ولا تقوم إراقة مقام
إراقتين.
وسئل الشيخ ابن حجر المكي عن ذبح شاة أيام الأضحية بنيتها ونية العقيقة فهل يحصلان أو لا؟
فأجاب: [الذي دل عليه كلام الأصحاب وجرينا عليه منذ سنين أنه لا تداخل في ذلك لأن كلاً من الأضحية والعقيقة سنةٌ مقصودةٌ لذاتها ولها سبب يخالف سبب الأخرى والمقصود منها غير المقصود من الأخرى إذ الأضحيةُ فداءٌ عن النفس والعقيقةُ فداءٌ عن الولد إذ بها نُمُّوهُ وصلاحهُ ورجاءُ بِرِّهِ وشفاعته وبالقول بالتداخل يبطل المقصود من كلٍ منهما فلم يمكن القول به نظير ما قالوه في سنة غسل الجمعة وغسل العيد وسنة الظهر وسنة العصر وأما تحية المسجد ونحوها فهي ليست مقصودة لذاتها بل لعدم هتك حرمة المسجد وذلك حاصلٌ بصلاة غيرها وكذا صوم نحو الاثنين لأن القصد منه إحياء هذا اليوم بعبادة الصوم المخصوصة وذلك حاصلٌ بأي صومٍ وقع فيه.
وأما الأضحية والعقيقة فليستا كذلك كما ظهر مما قررته وهو واضح والكلام حيث اقتصر على نحو شاة أو سبع بدنة أو بقرة أما لو ذبح بدنة أو بقرة عن سبعة أسباب منها ضحية وعقيقة والباقي كفارات كنحو الحلق في النسك فيجزي ذلك وليس هو من باب التداخل في شيء لأن كل سبع يقع مجزياً عما نوى به.
وفي شرح العباب: لو ولد له ولدان ولو في بطن واحدة فذبح عنهما شاة لم يتأدى بها أصل السنة كما في المجموع وغيره. وقال ابن عبد البر: لا أعلم فيه خلافاً أ. هـ.
وبهذا يعلم أنه لا يجزي التداخل في الأضحية والعقيقة من باب أولى لأنه إذا امتنع مع اتحاد الجنس فأولى مع اختلافه والله أعلم بالصواب] الفتاوى الكبرى الفقهية ٤/ ٢٥٦.
وذهب بعض العلماء إلى القول بالإجزاء وقد نقل ذلك عن جماعة من فقهاء السلف. فتح الباري ١٢/ ١٣ وشرح السنة ١١/ ٢٦٧ والفروع ٣/ ٥٦٧.
стр. 757
ورأوا أنه يجوز أن يصلي المصلي ركعتين ينوي بهما تحية المسجد وسنة المكتوبة ويجوز أن يصلي بعد الطواف فرضاً أوسنة مكتوبة ويقع ذلك عنه وعن ركعتي الطواف وقالوا لو ذبح المتمتع والقارن شاة يوم النحر أجزأ عن دم المتعة وعن الأضحية. تحفة المودود ص ٦٩.
والذي أراه راجحاً هو عدم إجزاء الأضحية عن العقيقة وعدم إجزاء العقيقة عن الأضحية لأن كلاً منهما لها سببها الخاص في إراقة الدم ولا تقوم إحداهما مقام الأخرى.
والمسائل التي ذكروها ليست مسلَّمةً عند جميع العلماء فحصول عبادتين بنية واحدة أجازه من أجازه من أهل العلم لأنهم عدُّوها من قبيل الوسائل لا المقاصد كما لو نوى بغسله رفع الحدث الأصغر والأكبر أو نوى بالغسل الجمعة والجنابة وخالف في ذلك ابن حزم، وأمَّا حصول تحية المسجد وسنَّة المكتوبة، فلأن تحية المسجد تحصل وإن لم يقصدها وأمَّا ما صححوه من تجويز عبادتين بنيَّةٍ واحدةٍ فالذي يظهر أنَّ الشارع قد اعتبر فيه الأمرين المقصودين ولو لم يقصدهما الفاعل كمن يتصدق على ذي رحمه ينال أجرين: أجر الصدقة وأجر صلة الرحم.
انظر مقاصد المكلفين ص ٢٥٥ - ٢٥٦.
الأضحية أفضل من التصدق بثمنها
يقول السائل: أيهما أفضل الأضحية أم التصدق بثمنها؟
الجواب: إن الأضحية شعيرة من شعائر الله وسنة مؤكدة من سنن المصطفى ﷺ .
والمطلوب من المسلم أن يعظم شعائر الله وأن يقتدي برسول الله ﷺ كما قال تعالى: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) سورة الحج الآية ٣٢.
стр. 758
وقال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) سورة الأحزاب الآية ٢١.
لذا كانت الأضحية أفضل من التصدق بثمنها كما هو مذهب جمهور أهل العلم بما فيهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وربيعة وأبو الزناد وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم. المجموع ٨/ ٤٢٥ والمغني ٩/ ٤٣٦ ومجموع الفتاوى ٢٦/ ٣٠٤.
روى عبد الرزاق بإسناده عن سعيد بن المسيب قال: [لأن أضحي بشاة أحب إليَّ من أن أتصدق بمئة درهم] المصنف ٤/ ٣٣٨.
قال الحافظ ابن عبد البر: [الضحية عندنا أفضل من الصدقة] وذكر أن هذا هو الصحيح من مذهب مالك وأصحابه. فتح المالك ٧/ ١٧ - ١٨.
وقال ابن قدامة: [والأضحية أفضل من الصدقة بقيمتها نص عليه أحمد].
المغني ٩/ ٤٣٦.
ونقل عن جماعة من أهل العلم أن التصدق بقيمة الأضحية أفضل فروي عن بلال ﵁ قال: [ما أبالي أن لا أضحي إلا بديك ولأن أضعها في يتيم قد ترب فوه أحبُ إليَّ من أن أضحي] وبهذا قال الشعبي وأبو ثور.
والقول الأول هو الراجح، لأن النبي ﷺ ضحى والخلفاء من بعده ولو علموا أن الصدقة أفضل من الأضحية لعدلوا إليها.
ولأن إيثار الصدقة على الأضحية يفضي إلى ترك سنة سنها رسول الله ﷺ ولأن فضل الأضحية لا يخفى وما يترتب عليها من منافع شيء عظيم.
قال الحافظ ابن عبد البر: [الضحية عندنا أفضل من الصدقة لأن الأضحية سنة وكيدة كصلاة العيد ومعلوم أن صلاة العيد أفضل من سائر النوافل وكذلك صلوات السنن أفضل من التطوع كله] فتح المالك ٧/ ١٨.
стр. 759
وقال الإمام النووي: [مذهبنا أن الأضحية أفضل من صدقة التطوع للأحاديث الصحيحة المشهورة في فضل الأضحية ولأنها مختلف في وجوبها بخلاف صدقة التطوع، ولأن الأضحية شعار ظاهر] المجموع ٨/ ٤٢٥.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [والأضحية والعقيقة والهدي أفضل من الصدقة بثمن ذلك فإذا كان معه مال يريد التقرب إلى الله كان له أن يضحي به والأكل من الأضحية أفضل من الصدقة] مجموع الفتاوى ٢٦/ ٣٠٤.
ولا ينبغي لأحد أن يؤثر الصدقة على الأضحية لكون الصدقة أخف مئونة ولما في الأضحية من المشقة من حيث شراؤها والعناية بها وحفظها إلى أن يذبحها ولما في ذبحها وتوزيع بعضها من العناء والتعب فالمسلم له الأجر والثواب على كل ذلك إن أخلص نيته لله تعالى.
منْ تشرع في حقه الأضحية
يقول السائل: في حق من تشرع الأضحية؟
الجواب: يرى الحنفية أنه يشترط في المضحي أن يكون غنياً أي مالكاً لنصاب الزكاة فاضلاً عن حوائجه الأصلية، ودليلهم على ذلك ما ورد في الحديث: (من وجد سعةً فلم يضح فلا يقربنَّ مصلانا) فالرسول ﷺ شرط عليه السعة وهي الغنى وهو أن يكون في ملكه مئتا درهم أو عشرون ديناراً أو شيء تبلغ قيمته ذلك سوى مسكنه وما يتأثث به وكسوته وكسوة من يمونهم .. تبيين الحقائق ٦/ ٣.
وقال المالكية إن الأضحية لا تسن في حق الفقير الذي لا يملك قوت عامه وتشرع بحيث لا تجحف بمال المضحي بأن لا يحتاج لثمنها في ضرورياته في عامه فإن احتاج فهو فقير وقالوا إن من ليس معه ثمن الأضحية فلا يتسلف ليضحي. الذخيرة ٤/ ١٤٢، شرح الخرشي ٣/ ٣٣.
وقال الشافعية تشرع الأضحية في حق من ملك ثمنها فاضلاً عن
стр. 760
حاجته وحاجة من يمونه في يومه وليلته وكسوة فصله أي ينبغي أن تكون فاضلة عن يوم العيد وأيام التشريق. مغني المحتاج ٦/ ١٢٣.
وأما الحنابلة فقالوا تشرع الأضحية في حق القادر عليها الذي يمكنه الحصول على ثمنها ولو بالدَّين إذا كان يقدر على وفاء دينه. كشاف القناع ٣/ ١٨.
والذي أرجحه أن الأضحية مشروعة في حق الغني الذي يملك نصاب الزكاة فاضلاً عن حوائجه الأصلية ومقداره في وقتنا الحالي (سنة ١٤٢٠هجرية وفق ١٩٩٩ م) حوالي خمسمائة وخمسون ديناراً أردنياً وثمن ما يصح أضحية لا يقل عن مائة وخمسين ديناراً تقريباً ومن لا يملك النصاب فهو فقير.
تجوز الاستعانة في ذبح الأضحية
يقول السائل: ما حكم الاستعانة في ذبح الأضحية والإنابة في ذبحها؟
الجواب: يجوز لمن أراد أن يذبح أضحيته أن يستعين بغيره ويدل على ذلك ما جاء في الحديث عن أبي الخير: (أن رجلاً من الأنصار حدثه أن رسول الله ﷺ أضجع أضحيته ليذبحها، فقال رسول الله ﷺ : للرجل أعنِّي على أضحيتي فأعانه) رواه أحمد وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
وقال الحافظ ابن حجر: ورجاله ثقات. مجمع الزوائد ٤/ ٢٥ وفتح الباري ١٢/ ١١٥
وذكر الإمام البخاري تعليقاً: [وأعان رجل ابن عمر في بدنته].
وقال الحافظ ابن حجر: [أي عند ذبحها وهذا وصله عبد الرزاق عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال: رأيت ابن عمر ينحر بدنة بمنى وهي باركة معقولة ورجلٌ يمسك بحبل في رأسها وابن عمر يطعن] فتح الباري ١٢/ ١١٥.
стр. 761
وأما الإنابة في ذبح الأضحية فجائزة وينبغي أن يوكل في ذبحها صاحب دين له معرفة بالذبح وأحكامه.
قال القرافي: [كان الناس يتخيرون لضحاياهم أهل الدين لأنهم أولى بالتقرب فإن وكَّل تارك صلاة استحب له الإعادة للخلاف في حل ذكاته] الذخيرة ٤/ ١٥٥.
ولا ينبغي أن يوكل فاسقاً في ذبحها ولا ذمياً فإن فعل جاز مع الكراهة على قول جمهور أهل العلم.
وينبغي أن يعلم أن بعض المسلمين من الموسرين من دول الخليج العربي وأوروبا وأمريكا يوكلون لجان الزكاة في بلادنا في التضحية عنهم ويدفعون أثمان الأضاحي لدى بعض الجمعيات الخيرية في بلادهم ثم تنقل هذه المبالغ إلى لجان الزكاة في فلسطين والتي تتولى شرائها ومن ثم ذبحها وتوزيعها على الناس ولا بد هنا من بيان بعض الأمور التي يجب أن تتنبه لها لجان الزكاة:
أولاً: يجب أن تكون الأضحية مستكملة للشروط الشرعية ولذا يجب إعلام أمثال هؤلاء الناس قبل وقت الأضحية بثمن الضحايا في بلادنا لأن أسعارها تختلف من بلد إلى آخر فيمكن أن نشتري أضحية مجزئة بثمانين ديناراً في عمان ونحتاج إلى ضعف هذا المبلغ في فلسطين لشراء أضحية مجزئة ولا يصح أن نشتري أضاحي غير مستكملة للشروط الشرعية بحجة أن المبلغ الذي دفع لا يشترى به أضحية مستكملة للشروط ولا يجوز جمع المبالغ القليلة لشراء شاة واحدة لأن الاشتراك في الشاة لا يصح.
ثانياً: لا بد من الالتزام بذبح هذه الأضاحي في الوقت المقرر شرعاً وإن تأخر وصول أثمان الأضاحي من الخارج لا يعتبر عذراً في ذبح الأضاحي بعد مضي وقتها المقرر شرعاً فإن حصل ذلك فلا تعد أضحية.
وإن لم يتم ذبحها في الوقت المقرر شرعاً فيجب إعلام الذين دفعوا ثمنها أنه لم يتم التضحية عنهم.
стр. 762
ثالثاً: يجب الالتزام بتوزيع تلك الأضاحي على الفقراء والمحتاجين أولاً لأن الغالب في الناس الذين يبعثون بأثمان الأضاحي أنهم يقصدون التصدق بها على الفقراء والمحتاجين فلذلك فإني أكره أن يُعطى الأغنياء منها.
حكم تخدير الدجاج قبل ذبحه
يقول السائل: إنه صاحب مسلخ للدواجن ويقوم بذبح الدجاج حسب أحكام الشريعة الإسلامية ويكون الدجاج معلقاً على خط الإنتاج إلا أن الدجاجة وبعد ذبحها تقوم بالرفرفة الشديدة مما يعرّض أجنحتها للتكسير وتصبح غير قابلة للتسويق نتيجة تكسر الأجنحة وحدوث احمرار تحت الجناح وحتى يتم التغلب على هذه المشكلة يمرر الدجاج وهو معلق على حوض ماء به كهرباء بقوة خفيفة فيلامس منقار الدجاجة حوض الماء المكهرب فتصبح الدجاجة في حالة تخدير إلا أنها بوعيها وعلى قيد الحياة وتتحرك عيناها حركة طبيعية إلا أن حركتها تكون ضعيفة وتبقى الدجاجة على هذا الحال عدة دقائق وتعود إلى طبيعتها فيما لو لم تذبح أرجو بيان الحكم الشرعي في مشروعية هذا الذبح؟
الجواب: إذا كانت الصعقة الكهربائية لم تؤد إلى قتل الدجاجة وتم بعد ذلك ذبحها بالطريقة الشرعية فإن هذه الطريقة جائزة شرعاً ولا بأس بها ولكن يجب التأكيد على أن الصعقة الكهربائية لم تقتل الدجاجة فإن قتلت الدجاجة من الصعقة الكهربائية فهي حينئذ ميتة كما ويجب الانتباه إلى أن تكون هنالك مدة من الوقت بعد ذبح الدجاجة وقبل إدخالها في الماء حتى لا تموت الدجاجة خنقاً ولكي يسيل الدم منها.
стр. 763
المعاملات
стр. 764
تقضى الديون بأمثالها لا بقيمتها
يقول السائل: إنه اشترى سيارة بمبلغ تسعين ألف شيكل ودفع بعض ثمنها للبائع واتفقا على أن يسدد الباقي بعد شهر ثم هبطت قيمة الشيكل ويطالبه البائع الآن بتسديد الثمن حسب سعر صرف الشيكل بالنسبة للدينار في يوم الشراء فما قولكم في ذلك؟
الجواب: لا يجوز للبائع أن يطالب بتسديد ثمن السيارة حسب سعر صرف الشيكل بالنسبة للدينار في يوم شراء السيارة لأن الدين قد استقر في ذمة المشتري وهو تسعون ألف شيكل فعلى المشتري أن يسدد الثمن الذي استقر في ذمته عدداً لا قيمةً أي تسعون ألف شيكل فقط.
وهذا مذهب أكثر الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وكثير من الفقهاء والعلماء المعاصرين حيث إنهم يرون أن الدين إذا استقر في ذمة المشتري بمقدار محدد فالواجب هو تسديد ذلك المقدار بدون زيادة أو نقصان فالديون تقضى بأمثالها في حالة الرخص والغلاء ولا تقضى بقيمتها جاء في المدونة: [كل شيء أعطيته إلى أجل فرد إليك مثله وزيادة فهو ربا] المدونة ٤/ ٢٥.
وقال أبو إسحاق الشيرازي: [ويجب على المستقرض رد المثل فيما له مثل لأن مقتضى القرض رد المثل] المهذب مع المجموع ١٢/ ١٨٥.
стр. 765
وقال الكاساني: [ولو لم تكسد - النقود - ولكنها رخصت قيمتها أو غلت لا ينفسخ البيع بالإجماع وعلى المشتري أن ينقد مثلها عدداً ولا يلتفت إلى القيمة هاهنا] بدائع الصنائع ٥/ ٥٤٢.
وقال الشيخ ابن عابدين في رسالته عن النقود: [. لأن الإمام الإسبيجاني في شرح الطحاوي قال: وأجمعوا على أن الفلوس إذا لم تكسد ولكن غلت قيمتها أو رخصت فعليه مثل ما قبض من العدد] رسالة تنبيه الرقود على مسائل النقود ٢/ ٦٠ ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين.
ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً وجوب رد المثل بلا زيادة. مجموع الفتاوى ٢٩/ ٥٣٥.
وقد بحث مجمع الفقه الإسلامي هذه المسألة بحثاً مستفيضاً وتوصل العلماء المشاركون في المجمع إلى القرار التالي: [العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ما هي بالمثل وليس بالقيمة لأن الديون تقضى بأمثالها فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة أياً كان مصدرها بمستوى الأسعار] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد ٥
ج ٣/ ٢٢٦١.
وقد يقول بعض الناس إن رد المثل في القرض والديون فيه ضررٌ للمقرض والبائع فنقول لهم: إن الضرر لا يزال بضرر مثله كما قرر ذلك الفقهاء.
تغير قيمة العملة
يقول السائل: هل صاحب العمل ملزم شرعاً بتعويض عمّاله في حالة نقص قيمة العملة كما حصل مؤخراً؟
الجواب: إن صاحب العمل غير ملزم شرعاً بتعويض العامل عن النقص الحاصل بسبب رخص العملة كما أن العامل غير ملزم برد أي شيء من أجره إذا ارتفعت قيمة العملة.
стр. 766
ولكن لما كان الطابع العام هو انخفاض قيمة العملة المستعملة حالياً وهي الشيكل فلا مانع شرعاً من أن يكون هنالك اتفاقٌ بين صاحب العمل والعامل على تعديل أجر العامل دورياً مثلاً كل شهر أو شهرين بنسبة تعادل انخفاض قيمة العملة.
كأن يتفق العامل مع صاحب العمل على أن يعطيه زيادة على أجره كل آخر شهر بنسبة ٢% أو ٣% أو نحو ذلك من أجل المحافظة على أجر العامل من انخفاض قوته الشرائية.
وسبق لمجمع الفقه الإسلامي أن ناقش هذه القضية وأصدر القرار التالي:
[يجوز أن تتضمن أنظمة العمل واللوائح والترتيبات الخاصة بعقود العمل التي تتحدد فيها الأجور بالنقود شرط الربط القياسي للأجور على أن لا ينشأ عن ذلك ضرر للاقتصاد العام.
والمقصود هنا بالربط القياسي للأجور تعديل الأجور بصورة دورية تبعاً للتغير في مستوى الأسعار وفقاً لما تقدره جهة الخبرة والاختصاص والغرض من هذا التعديل حماية الأجر النقدي للعاملين من انخفاض القدرة الشرائية لمقدار الأجر بفعل التضخم النقدي وما ينتج عنه من الارتفاع المتزايد في المستوى العام لأسعار السلع والخدمات.
وذلك لأن الأصل في الشروط الجواز إلا الشرط الذي يحل حراماً أو يحرم حلالاً] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد ٨ ج ٣ ص ٧٨٧.
بيع المزايدة
يقول السائل: ما حكم بيع المزايدة وما الفرق بينه وبين البيع على بيع أخيه؟
الجواب: بيع المزايدة هو أن ينادى على السلعة ويزيد فيها بعضهم
стр. 767
على بعض حتى تقف على آخر زائد فيها فيأخذها. القوانين الفقهية ص ١٧٥.
وبيع المزايدة مشروع وجائز ويدخل في عموم قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) ومما يدل على مشروعيته ما يلي:
١. قال الإمام البخاري في صحيحه: (باب بيع المزايدة) ثم ذكر قول عطاء بن أبي رباح من أئمة التابعين: [أدركت الناس لا يرون بأساً في بيع المغانم فيمن يزيد].
ثم ذكر بإسناده عن جابر بن عبد الله ﵁ أن رجلاً أعتق غلاماً له عن دبر - أي بعد وفاته يكون العبد حراً - فاحتاج فأخذه النبي ﷺ فقال: (من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا وكذا فدفعه إليه).
وذكر الحافظ ابن حجر عن مجاهد قال: لا بأس ببيع من يزيد.
والشاهد في الحديث قول الرسول ﷺ : (من يشتريه مني) فعرضه للزيادة. صحيح البخاري مع الفتح ٥/ ٢٥٧ - ٢٥٨.
٢. قال الإمام الترمذي: (ما جاء في بيع من يزيد) ثم روى بإسناده عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ باع حلساً وقدحاً وقال: (من يشتري هذا الحلس والقدح؟ فقال رجل: أخذتهما بدرهم. فقال النبي ﷺ : من يزيد على درهم؟ من يزيد على درهم؟ فأعطاه رجل درهمين فباعهما منه) وقال الترمذي: حديث حسن. تحفة الأحوذي ٤/ ٣٤٣.
وجمهور الفقهاء على جواز بيع المزايدة. نيل الأوطار ٥/ ١٩١.
وبيع المزايدة ليس من باب البيع على بيع أخيه الذي ورد النهي عنه في حديث ابن عمر أن الرسول ﷺ قال: (لا يبع بعضكم على بيع أخيه) رواه البخاري ومسلم.
والمراد بالبيع على بيع أخيه: قال العلماء البيع على البيع حرام وكذلك الشراء على الشراء وهو أن يقول لمن اشترى سلعة في زمن الخيار افسخ لأبيعك بأنقص أو يقول للبائع افسخ لأشتري منك بأزيد وهو مجمع عليه.
стр. 768
وأما السوم فصورته أن يأخذ شيئاً يشتريه فيقول له: رده لأبيعك خيراً منه بثمنه أو مثله بأرخص.
أو يقول للمالك استرده لأشتريه منك بأكثر ومحله بعد استقرار الثمن وركون أحدهما للآخر. فتح الباري ٥/ ٢٥٧.
وقال الحافظ ابن عبد البر في بيانه: [هو أن يستحسن المشتري السلعة ويهواها ويركن إلى البائع ويميل إليه ويتذاكرن الثمن ولم يبق إلا العقد والرضا الذي يتم به البيع فإذا كان البائع والمشتري على مثل هذه الحال لم يجز لأحد أن يعترضه فيعرض على أحدهما ما به يفسد به ما هما عليه من التبايع فإن فعل أحد ذلك فقد أساء وبئس ما فعل فإن كان عالماً بالنهي عن ذلك فهو عاص لله] فتح المالك ٨/ ١٨٠.
وبهذا يظهر لنا الفرق بين بيع المزايدة والبيع على بيع أخيه ففي بيع المزايدة البائع
يعرض سلعته لمن يزيد فإن عرض أحد الناس عليه مبلغاً فلم يرض به البائع فيطلب أكثر منه فيزيده شخص آخر وهكذا، وهذا كله قبل أن يستقر البيع وقبل أن يرضى البائع بالثمن.
ومن الأمور التي تصاحب بيع المزايدة وخاصة المزادات العلنية ما يسمى عند العلماء بالنجش وهو أن يزيد شخص في ثمن السلعة وهو لا يريد شرائها ولكن ليغر غيره وغالباً ما يكون النجش باتفاق بين صاحب السلعة والناجش وهو حرام شرعاً لما فيه من الخديعة فقد ثبت في الحديث الصحيح عن ابن عمر ﵄ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن النجش) رواه البخاري.
وقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي المتعلق بعقد المزايدة ما يلي:
[وحيث إن عقد المزايدة من العقود الشائعة في الوقت الحاضر وقد صاحب تنفيذه في بعض الحالات تجاوزات دعت لضبط طريقة التعامل به ضبطاً يحفظ حقوق المتعاقدين طبقاً لأحكام الشريعة الإسلامية كما اعتمدته
стр. 769
المؤسسات والحكومات وضبطته بتراتيب إدارية ومن أجل بيان الأحكام الشرعية لهذا العقد قرر ما يلي:
١. عقد المزايدة: عقد معاوضة يعتمد دعوة الراغبين نداء أو كتابة للمشاركة في المزاد ويتم عند رضا البائع.
٢. يتنوع عقد المزايدة بحسب موضوعه إلى بيع وإجارة وغير ذلك وبحسب طبيعته إلى اختياري كالمزادات العادية بين الأفراد وإلى إجباري كالمزادات التي يوجبها القضاء وتحتاج إليه المؤسسات العامة والخاصة والهيئات الحكومية والأفراد.
٣. إن الإجراءات المتبعة في عقود المزايدات من تحرير كتابي وتنظيم وضوابط وشروط إدارية أو قانونية يجب ألا تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية.
٤. طلب الضمان ممن يريد دخول الشراء في المزايدة جائز شرعاً ويجب أن يرد لكل مشارك لم يرس عليه العطاء ويحتسب الضمان المالي من الثمن لمن فاز في الصفقة.
٥. لا مانع شرعاً من استيفاء رسم الدخول (قيمة دفتر الشروط بما لا يزيد عن القيمة الفعلية) لكونه ثمنا له.
٦. يجوز أن يعرض المصرف الإسلامي أو غيره مشاريع استثمارية ليحقق لنفسه نسبة أعلى من الربح سواء أكان المستثمر عاملاً في عقد مضاربة مع المصرف أم لا.
٧. النجش حرام ومن صوره:
أ. أن يزيد في ثمن السلعة من لا يريد شرائها ليغري المشتري بالزيادة.
ب. أن يتظاهر من لا يريد الشراء بإعجابه بالسلعة وخبرته بها ويمدحها ليغر المشتري فيرفع ثمنها.
стр. 770
ج. أن يدعي صاحب السلعة أو الوكيل أو السمسار ادعاءاً كاذباً أنه دُفعَ فيها ثمنٌ معينٌ ليدلس على من يسوم.
د. ومن الصور الحديثة للنجش المحظورة شرعاً اعتماد الوسائل السمعية والمرئية والمقروءة التي تذكر أوصافاً رفيعة لا تمثل الحقيقة أو ترفع الثمن لتغر المشتري وتحمله على التعاقد] مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد ٨ ج ٢/ ١٦٩ - ١٧٠.
حكم الإعلانات التجارية
يقول السائل: ما قولكم في الإعلانات التجارية عن السلع والبضائع والتي يذكر فيها أوصاف السلعة بالثناء والمدح وعندما نشتري تلك السلعة لا نجدها حسب الأوصاف التي وردت في الإعلان وإنما هي على خلاف ذلك؟
الجواب: الإعلانات التجارية عن السلع أمر جائز ومشروع بضوابط سأذكرها لاحقاً لأن الإعلانات تعرف الناس بأنواع السلع والبضائع وتعرفهم على أماكن بيعها وتسهل عليهم أموراً كثيرة.
ومن المعروف اليوم أن الإعلان صار فناً قائماً بذاته وله طرقه ووسائله المتقدمة والمتعددة.
ولكن يجب على التاجر المسلم ومن يرغب في الإعلان عن سلعه وبضائعه وغير ذلك أن يلتزم بالضوابط التالية حتى يكون إعلانه مشروعاً:
١. أن يكون الإعلان سالماً وخالياً من المحظورات الشرعية فلا يجوز الإعلان عن السلع والأمور المحرمة كالخمور والمخدرات ونوادي القمار وأفلام الجنس ونحوها.
كما لا يجوز أن تستعمل في الإعلان وسائل محرمة كظهور النساء العاريات أو يظهر في الإعلان أناس يشربون الخمر ونحو ذلك.
стр. 771
٢. أن يكون الإعلان صادقاً في التعبير عن حقيقة السلعة لأننا نلاحظ أن كثيراً من الإعلانات التجارية فيها مبالغة واضحة في وصف السلع وغالباً ما تكون هذه الأوصاف كاذبة وغير حقيقية ويعرف صدق هذا الكلام بالتجربة.
إن الإعلان الكاذب عن السلع والذي يظهرها على غير حقيقتها يعتبر تغريراً وغشاً وخداعاً وكل ذلك محرم شرعاً في شريعتنا الإسلامية ويؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل.
يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) سورة النساء الآية ٢٩.
وقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة- ﵁ أن الرسول ﷺ : (مرََّ على صُبرة طعام - كومة - فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً فقال ﷺ : ما هذا يا صاحب الطعام؟
قال: أصابته السماء يا رسول الله، أي المطر. قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غشنا فليس مني) رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية أخرى عند مسلم: (من غشنا فليس منا).
ويدخل ضمن الغش والخداع أن يذكر في الإعلان أوصاف للسلعة ولا تكون فيها حقيقة.
وكذلك إذا كان في السلعة عيب أخفاه المعلن ولم يذكره وباع السلعة مع علمه أنها معيبة.
فقد جاء في الحديث أن الرسول ﷺ قال: (المسلم أخو المسلم ولا يحل لمسلم إذا باع من أخيه بيعاً فيه عيب أن لا يبينه) رواه أحمد وابن ماجة والحاكم وصححه وقال الشيخ الألباني: صحيح. إرواء الغليل ٥/ ١٦٥.
وعن أبي سباع قال: [اشتريت ناقة من دار واثلة بن الأسفع ﵁ فلما خرجت بها أدركني رجل فقال: اشتريت؟ قلت: نعم. قال: وبين
стр. 772
لك ما فيها. قلت: وما فيها؟ إنها لسمينة ظاهرة الصحة. قال: أردت بها سفراً أو أردت بها لحماً؟
قلت: أردت بها الحج. قال: ارتجعها. فقال صاحبها: ما أردت إلى هذا أصلحك الله تفسد عليَّ. قال: إني سمعت رسول ﷺ يقول: لا يحل لأحد أن يبيع شيئاً إلا بين ما فيه ولا يحل لمن علم ذلك إلا بينه) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من غشنا فليس منا والمكر والخداع في النار) رواه ابن حبان والطبراني وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني، إرواء الغليل ٥/ ١٦٤.
٣. أن لا يترتب على الإعلان عن السلعة إلحاق الضرر بسلع الناس الآخرين كأن يذم الأصناف المشابهة. انظر الإعلان ص ٩٦ - ٩٨.
لأن هذا من الضرر الممنوع شرعاً وقد صح عن الرسول ﷺ أنه قال: (لا ضرر ولا ضرار) رواه أحمد وابن ماجة والطبراني وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني، السلسلة الصحيحة حديث رقم ٢٥٠.
كما لا يجوز استغلال التشابه في الاسم التجاري أو العلامة التجارية من أجل التغرير بالمستهلكين وإيهامهم بأن سلعته مماثلة لتلك السلع المشهورة والمعروفة.
وينبغي أن يعلم أن النصح واجب في المعاملة وقد ثبت في الحديث أن الرسول ﷺ قال: (الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) رواه مسلم.
وقد بين الإمام الغزالي ضوابط النصح المأمور به في المعاملة وهي:
١. أن لا يثني على السلعة بما ليس فيها لأن ذلك يعد كذباً ولا بأس أن يذكر الصفات الحقيقية الموجودة في السلعة من غير مبالغة.
٢. أن يظهر جميع عيوب المبيع ولا يكتم منها شيئاً فذلك واجب
стр. 773
فإن أخفى شيئاً من العيوب كان ظالماً غاشاً والغش حرام وكان تاركاً للنصح في المعاملة والنصح واجب.
٣. أن لا يكتم من مقدار السلعة شيئاً وذلك بتعديل الميزان والمكيال والاحتياط في ذلك.
قال الله تعالى: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) سورة المطففين الآيات ١ - ٣.
٤. أن يصدق في سعر الوقت ولا يخفي منه شيئاً.
ثم قال الغزالي بعد ذلك: [فليس له أن يغتنم فرصة وينتهز غفلة صاحب المتاع ويخفي من البائع غلاء السعر أو من المشتري تراجع الأسعار فإن فعل ذلك كان ظالماً تاركاً للعدل والنصح للمسلمين] انظر إحياء علوم الدين ٤/ ٧٦ - ٨٠
حكم شراء أسهم الشركات التي تتعامل بالربا أحياناً
يقول السائل: ما حكم شراء أسهم الشركات التي يكون مجال عملها مباحاً ولكن تلك الشركات قد تقرض وتقترض بالربا؟ وما حكم من له أسهم في تلك الشركات وماذا يصنع بأرباح تلك الأسهم والربا يشكل جزءاً من تلك الأرباح؟
الجواب: لا يجوز للمسلم أن يساهم في شركات تتعامل بالربا أخذاً وإعطاءً كما هو حال كثير من الشركات المساهمة التي ينص في أنظمتها على أن من موارد الشركة الإقراض والاقتراض بالربا.
والنصوص الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ صريحة في تحريم الربا تحريماً قاطعاً لا شك فيه.
ومن المسلّم به عند أهل العلم أن فوائد البنوك هي من الربا المحرم.
стр. 774
وإن في طرق الاستثمار الشرعية غنىً عن الاستثمار بالطرق المحرمة كالمساهمة في شركات تتعامل بالحرام أو تتعامل بالربا أخذاً وإعطاءً وهذا القول هو أصح قولي العلماء في هذه المسألة وأقربها للتقوى إن شاء الله.
ولكن بعض أهل العلم المعاصرين لهم رأي آخر في المسألة ولا بأس من ذكره وهو أنه قد تكون الشركة المساهمة ذات أغراض مشروعة وموضع نشاطها حلالاً وتؤدي خدمات عامة للاقتصاد لكنها تتعامل مع البنوك الربوية بالفائدة فتضع أموالها في تلك البنوك وتتقاضى عليها فوائد ربوية تدخل في مواردها وأرباحها كما تقترض في بعض الحالات ما تحتاج إليه من تلك البنوك لقاء فائدة تدفعها وتدخل تلك القروض في إنتاج ما تنتجه والربح الذي تحققه، فالربا يدخل في بعض أعمالها أخذاً وإعطاءً فلا ينبغي أن نُحرِّم على الناس اقتناء أسهم هذه الشركات بصورة مطلقة ولا أن نبيحها لهم بصورة مطلقة بل نراعي ضرورة قيام هذه المؤسسات في المجتمعات ومنها المجتمعات الإسلامية وحاجة كثير من الناس إلى اقتناء أسهمها ولا سيما الذين لا يجدون طريقاً آخر لاستثمار مدخراتهم الصغيرة دون أن يجمدوها حتى تتآكل وفي الوقت نفسه يجب استبعاد العنصر الحرام من أرباح هذه الأسهم. وذلك بأن يحسب مالك الأسهم بصورة دقيقة أو تقريبية جداً عند تعذر الحساب الدقيق ما دخل على عائدات كل سهم من العنصر الحرام في ربحه فيقرر مقداره من عائدات الأسهم ويوزعه على الفقراء دون أن ينتفع به أية منفعة ولا أن يحتسبه من زكاته ولا يعتبره صدقة من خالص ماله ولا أن يدفع به ضريبة حكومية ولو كانت من الضرائب الجائرة الظالمة لأن كل ذلك انتفاع بذلك العنصر الحرام من عائدات أسهمه.
وإن حساب هذا العنصر ولا سيما بصورة تقريبية جداً قد أصبح ميسوراً بالوسائل والأجهزة الحديثة والاستعانة بأهل الخبرة. وهذا يدخل في عموم البلوى وبهذا نيسر على الناس ونجنبهم الحرام دون أن نحرمهم من طريق استثماري لا يجدون بديلاً له بسب صغر مدخراتهم مع ملاحظة أن طريق المشاركات الصغيرة التجارية والمضاربة قد أصبح شديد الخطورة بسب ندرة الأمانة - مع الأسف - في هذا الزمان حيث أصبح الذي يضع
стр. 775
ماله في يد غيره لاستثماره يدخل في مخاطرة كبيرة لفساد الذمم ويعرضه للتبخر ولا سيما أيضاً أن كثيراً من المدخرين الصغار أيتام وأرامل لا يستطيعون العمل بأنفسهم لأنفسهم. ولكل زمان حكمه وقد قرر الفقهاء في مناسبات كثيرة أموراً استثنائية عللوها بفساد الزمان.
هذا وفي حالة توافر شركات مساهمة تسد الحاجة وتلتزم بعدم التعامل بالربا أخذاً وإعطاءً يجب على المسلمين عدم التعامل مع الشركات المساهمة التي تقترض بالربا عند الحاجة وتودع أموالها بفائدة. المعاملات المالية المعاصرة ص ١٧٠.
ويعلق صاحب الكتاب السابق على الفتوى المذكورة بقوله: نستخلص من هذه الفتوى عدة أمور:
١. إن هذه الفتوى خاصة بالشركات الحيوية التي تؤدي خدمات عامة للناس ويقع الناس في حرج ومشقة نتيجة انهيارها ولا تعم جميع الشركات ويؤكد هذا الدكتور عبد الله الكيلاني في رسالته حيث يقول: [سألت الأستاذ الزرقاء حول موضوع الشركات المساهمة هل هي على إطلاقها أو لا؟ فأجاب: بأن الشركة التي لا تؤمِّن مرفقاً حيوياً ضرورياً أو حاجياً للمجتمع وكانت تتعامل بالربا في ادخار أموالها فأفتي بحرمة الاكتتاب بأسهمها لأنه لا يضر المجتمع انهيارها].
٢. إن هذه الفتوى تستند إلى عدة أمور وهي:
أ. سد حاجة حيوية عامة للمسلمين لا تستطيع رؤوس الأموال الفردية ولا رؤوس أموال الدولة أن تقوم بها فتعين وجودها من خلال شركات المساهمة التي قد تتعامل بالربا في إيداع أموالها والإقتراض من المصارف.
ب. تخريج المسألة على قاعدة (عموم البلوى ورفع الحرج عن الناس) ففي حالة فساد الزمان وخراب الذمم يمكن أن يفتى الناس بالأحكام الاستثنائية، فقد قرر الفقهاء عند فساد الزمان وشيوع الفسق وندرة العدالة قبول شهادة غير العدل فتقبل شهادة الأمثل فالأمثل لعموم البلوى كيلا يتعطل القضاء إذا طلبت العدالة الكاملة في الشاهد.
ج. سد حاجة فردية لصغار المساهمين الذين لا يجدون بديلاً
следующие страницы →