← Фатава

Фатава · id 9087

فتاوى يسألونك

حسام الدين عفانة

Полный текст (3 492 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

الغربية الحديثة التي تهتم بالكلاب أكثر من اهتمامها بالإنسان ففي الوقت الذي يموت فيه الناس جوعاً ومرضاً في مناطق كثيرة من العالم نرى أن الدول الغربية تنفق الملايين على الكلاب وهذا من انحدار الحضارة الغربية وانحطاطها. وأخيراً يجب التنبيه أنه في حالة اقتناء الكلب لحاجة فيجب أن يعلم أنه نجس فإذا ولغ في إناء فيجب غسل الإناء سبعاً لما ثبت في الحديث من قول النبي ﷺ : (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب) رواه مسلم. كما يجب الإحسان إلى الكلب إذا اقتني لحاجة ولا يجوز إلحاق الأذى والضرر به فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (بينما رجل يمشي فاشتد عليه العطش فنزل بئراً فشرب منها ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال: قد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي فملأ خفه ثم أمسكه بفيه ثم رقي فسقى الكلب. قالوا: يا رسول الله إن لنا في البهائم أجراً؟ قال: في كل كبد رطبة أجر) رواه البخاري ومسلم. رسم الكاريكاتير يقول السائل: ما قولكم في الرسم المسمى - الكاريكاتير - وما يتضمنه من إشارات ساخرة واستعمال بعض النصوص الشرعية في الرمز والتعبير فيه؟ الجواب: الرسم الساخر المعروف بالكاريكاتير من الأمور المشهورة في الصحافة بحيث لا تكاد تخلو منه صحيفة أو مجلة ويقدم رسام الكاريكاتير الأحداث والأشخاص بقالب نقدي أو حالة هزلية مضحكة. وهو وسيلة من وسائل التعبير عن الرأي إن أحسن استخدامه ولكن الواقع والمشاهد في الصحافة المحلية والعربية أن بعض رسامي الكاريكاتير

стр. 877

يطلقون العنان لرسوماتهم فنراهم يسخرون من بعض الأمور الدينية ويستهزؤون ببعض الناس وبعضهم قد يرسم النساء في صور لا تقرها الشريعة الإسلامية كما أن بعضهم قد يستخدمون الآيات القرآنية بطريقة تنطوي على السخرية والاستهزاء. ولا بد من وضع الضوابط لرسم الكاريكاتير وأهمها عندي: أولاً: لا ينبغي أن يكون المقصد من الكاريكاتير السخرية والتشهير بل لا بد أن يكون المقصد منه هو النقد البناء والإصلاح. فالسخرية بالأشخاص من الأمور الممنوعة شرعاً يقول الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ ولا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ولا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) سورة الحجرات الآية ١١. وقال تعالى: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) سورة الهمزة الآية ١. وجاء في الحديث عن أبي هريرة أن الرسول ﷺ قال: (بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) رواه مسلم في صحيحه. ثانياً: لا يجوز أن يمس رسم الكاريكاتير بعقيدة الأمة وتحرم السخرية بأمور الدين وقد تؤدي إلى الكفر والعياذ بالله كالاستهزاء بالصلاة أو باللحية ونحوهما. قال الله تعالى: (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) سورة التوبة الآيتان ٦٥ - ٦٦. ثالثاً: لا يجوز استخدام النصوص الشرعية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في التعليقات الساخرة مع رسم الكاريكاتير لما في ذلك من التلاعب بها وخاصة كلام رب العالمين الذي يجب احترامه والتأدب معه وصيانته عن كل مالا يليق بل المطلوب من المسلم أن يقرأ كلام الله ﷻ بتدبر وتفكر. قال تعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) سورة القمر الآية ١٧.

стр. 878

رابعاً: ينبغي أن يكون رسم الكاريكاتير متفقاً في عرضه للأحداث والأشخاص مع الأحكام الشرعية والآداب المرعية فلا تستعمل فيه العبارات البذيئة والألفاظ الخسيسة ولا تستعمل فيه رسومات للأشخاص بأشكال وأوضاع لا يقرها الشرع الحنيف. انظر الشريعة الإسلامية والفنون ص ١٠٣ - ١٠٤. كتاب (الرحمة في الطب والحكمة) فيه دجل وأكاذيب أحضر لي أحد طلابي كتاباً بعنوان (الرحمة في الطب والحكمة) تأليف جلال الدين السيوطي وقال إنه قرأ فيه أموراً غريبة عجيبة، وطلب مني أن أبين رأيي في هذا الكتاب. الجواب: هذا الكتاب المنسوب للعلامة جلال الدين السيوطي كتاب مكذوب عليه ونسبته إلى السيوطي باطلة فهو من الكتب المنحولة حيث إن السيوطي لم يورده في ثبت كتبه ولا في (التحدث بنعمة الله). والسيوطي عالم جليل يصان عن مثل ما في هذا الكتاب من أباطيل وترهات وخزعبلات كما سأذكر أمثلة منها بعد قليل. وقد نسبه صاحب كتاب (كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون) لمهدي بن علي بن إبراهيم الصبنري اليمني المهجمي المتوفى سنة ٨١٥ هجرية. قال ابن الجزري في ترجمته [. وطبيب حاذق وهو مؤلف كتاب الرحمة في الطب والحكمة]. انظر كتب حذر منها العلماء ٢/ ٣٣٠. وهذا الكتاب مملوء بالدجل والخرافات والترهات والخزعبلات والأمور الساقطة التي لا يقرها شرع ولا عقل، وفيه وصفات لعلاج كثير من الأمراض التي لا يقول بها إلا جاهل أو دجال أو مخرف. وقد تصفحت الكتاب ورأيت فيه العجب العجاب وطلاسم وكلمات

стр. 879

غير مفهومات فمنها ما جاء في ص٣٢ [علاج وجع الرأس تكتب هذه الأحرف م ح أك ك ح ع ح أم ألصداع الرأس قال الرقيشي: من كتب في رق ظبي خشن عشرين دالاً كاملة وأضاف إليها ثلاث ياآت. الخ. لوجع الرأس تكتب البسملة. وبحرمة أنوش فريوش بربوش أنوش أحياش ترش تربوش. الخ هذه الطلاسم. وجاء في ص٩٩ من الكتاب [في علاج الطحال بالكتابة. وهذا ما تكتب ح أب فاح ناخ وديوح ع هرخ ماع ويروج وحاميا وطايرا ووع ع ع محا حا وسلوهم ليكطاع لح دلي أجيبوا يا خدام هذه الأسماء برفع الطحال عن هذا الآدمي بحق هذه الأحرف] إلى آخر هذا الدجل والخزعبلات. وخلاصة الأمر أن هذا الكتاب كتاب دجل وخرافة وأباطيل فلا يجوز اقتناؤه ولا القراءة فيه لما فيه من الأباطيل وينبغي إتلافه. ولا يصح الاعتماد على الوصفات الواردة فيه لعلاج الأمراض وإنما ينبغي مراجعة الأطباء أهل الاختصاص لتشخيص الداء ومن ثم وصف الدواء. والله الهادي إلى سواء السبيل تمَّ الكتاب بحمد الله تعالى

стр. 880

[الجزء الخامس] الطهارة المسح على الجوربين ثابت شرعاً يقول السائل: إنه سأل إمام المسجد عن المسح على الجوربين عند الوضوء فأجابه بأنه لا يجوز المسح على الجوارب التي اعتاد الناس لبسها ولا بد من غسل الرجلين، فما قولكم في ذلك؟ الجواب: بعض الناس يحجرون واسعاً على الأمة ويشددون عليهم ويظنون أن في هذا التشدد التزاماً تاماً بالدين. يقول الدكتور يوسف القرضاوي: [إن جمهور الناس في عصرنا أحوج ما يكونون إلى التيسير والرفق رعايةً لظروفهم وما غلب على أكثرهم من رقة الدين وضعف اليقين وما ابتلوا به من كثرة المغريات بالإثم والمعوقات عن الخير ولهذا كان على أهل الفقه والدعوة أن ييسروا عليهم في مسائل الفروع على حين لا يتساهلون في قضايا الأصول ومن كان يعمل بالأحوط فهذا حسن إذا كان ذلك لنفسه ولأولي العزم من المؤمنين أما من كان يفتي الناس عامة أو يكتب للجماهير كافة فينبغي أن يكون شعاره التيسير لا التعسير والتبشير لا التنفير اتباعاً لوصية النبي ﷺ لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن فقال: (يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا) وقال: (إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين). وهذا يجعل الفقيه يستحضر الرخص فإن الله يحب أن تؤتى رخصه

стр. 881

ويقدر الأعذار والضرورات ويبحث عن التيسير ورفع الحرج والتخفيف عن العامة (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) ... ويسرني أن أذكر هنا كلمة لإمام كبير انعقدت له الإمامة في ثلاثة مجالات في الفقه حيث كان له مذهب وأتباع لمدة من الزمن ثم انقرضوا، وفي الحديث والرواية، حيث كان يسمى أمير المؤمنين في الحديث وفي الورع والزهد حيث عد من أئمة التقوى وأعني به الإمام سفيان بن سعيد الثوري فقد روى عنه الإمام النووي في مقدمات المجموع هذه الكلمة المضيئة: إنما الفقه الرخصة من ثقة أما التشديد فيحسنه كل أحد!!] بيع المرابحة للآمر بالشراء ص ٢٢ - ٢٣. ومسألة المسح على الجوربين فيها تيسير وتسهيل على الناس وخاصة في أيام الشتاء الباردة حيث إن كثيراً من الناس وخاصة كبار السن يجدون صعوبة في غسل أرجلهم عند كل وضوء فيمسحون على جواربهم ولا حرج في ذلك إن شاء الله تعالى، والمسح على الجوربين ثابت بالسنة وبه عمل الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون ولا ينكره إلا جاهل لم يشم رائحة العلم الشرعي. وهذه بعض الأدلة والشواهد الشرعية على جواز المسح على الجوربين: ١. قال أبو داود صاحب السنن باب المسح على الجوربين ثم روى بإسناده عن المغيرة بن شعبة- ﵁: (أن رسول الله- ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين) رواه أحمد والترمذي وقال: حسن صحيح. ورواه ابن ماجة وابن حبان والبيهقي وابن خزيمة وابن أبي شيبة وغيرهم وصححه ابن حبان. قال العلامة أحمد محمد شاكر: [والحديث صحيح وإسناده كلهم ثقات] مقدمة رسالة المسح على الجوربين للقاسمي ص ٧، وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/ ٣٣. ٢. وعن ثوبان ﵁ قال: (بعث رسول الله ﷺ سرية

стр. 882

فأصابهم البرد فلما قدموا على النبي ﷺ شكوا إليه ما أصابهم من البرد فأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين) رواه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الشيخ الألباني والشيخ شعيب الأرناؤوط، وقال الشيخ أحمد محمد شاكر: [حديث متصل صحيح الإسناد] مقدمة رسالة المسح على الجوربين ص ٦. وانظر صحيح ابن حبان ٤/ ١٦٧، صحيح سنن أبي داود ١/ ٣٠. ٣. وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول ﷺ : (توضأ ومسح على الجوربين والنعلين) رواه ابن ماجة والطحاوي وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ١/ ٩١. وقد ثبت المسح على الجوربين عن جماعة كبيرة من الصحابة ﵃، قال الإمام النووي: [وحكى ابن المنذر إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من الصحابة علي وابن مسعود وابن عمر وأنس وعمار بن ياسر وبلال والبراء وأبي أمامة وسهل بن سعد] المجموع ١/ ٤٩٩. وقال العلامة ابن القيم: [قال ابن المنذر روي المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب النبي- ﷺ علي وعمار وأبي مسعود الأنصاري وأنس وابن عمر والبراء وبلال وعبد الله ابن أبي أوفى وسهل بن سعد. وزاد أبو داود - صاحب السنن - أبو أمامة وعمرو بن حريث وعمر وابن عباس فهؤلاء ثلاثة عشر صحابياً والعمدة في الجواز على هؤلاء ﵃ ... وقد نص أحمد على جواز المسح على الجوربين وعلل رواية أبي قيس. وهذا من إنصافه وعدله ﵀ وإنما عمدته هؤلاء الصحابة وصريح القياس فإنه لا يظهر بين الجوربين والخفين فرق مؤثر يصح أن يحال الحكم عليه ... ولا نعرف في الصحابة مخالفاً لمن سمينا] تهذيب سنن أبي داود ١/ ١٨٧ - ١٨٩. ومن الروايات المنقولة عن الصحابة في المسح على الجوربين: ١. ما رواه الدولابي في الكنى والأسماء من طريق أحمد بن شعيب عن عمرو بن علي أخبرني سهل بن زياد أبو زياد الطحان حدثنا الأزرق بن

стр. 883

قيس قال: [رأيت أنس بن مالك أحدث فغسل وجهه ويديه ومسح على جوربين من صوف، فقلت: أتمسح عليهما فقال: إنهما خفان ولكن من صوف]. قال العلامة أحمد شاكر: [وهذا إسناد صحيح ... وهذا الحديث موقوف على أنس من فعله وقوله ولكن وجه الحجة فيه أنه لم يكتف بالفعل بل صرح بأن الجوربين خفان ولكنهما من صوف) مقدمة رسالة المسح على الجوربين ص١٣. ٢. روى عبد الرزاق بإسناده عن كعب بن عبد الله قال: [رأيت علياً بال فمسح على جوربيه ونعليه ثم قام يصلي] مصنف عبد الرزاق ١/ ١٩٩، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه ١/ ١٨٨. ٣. وروى عبد الرزاق بإسناده عن خالد بن سعد قال: [كان أبو مسعود الأنصاري يمسح على جوربين له من شعر ونعليه] مصنف عبد الرزاق ١/ ١٩٩، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ١٨٨. ٤. وروى عبد الرزاق بإسناده عن ابن عمر أنه كان يمسح على جوربيه ونعليه. مصنف عبد الرزاق ١/ ١٩٩. ٥. وروى عبد الرزاق عن أبي مسعود أنه كان يمسح على الجوربين والنعلين. مصنف عبد الرزاق ١/ ٢٠٠. ٦. وروى عبد الرزاق بإسناده عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه قال: [رأيت البراء بن عازب يمسح على جوربيه ونعليه] مصنف عبد الرزاق ١/ ٢٠٠، ورواه أبن أبي شيبة في مصنفه ١/ ١٨٩. ٧. وروى عبد الرزاق بإسناده عن يحيى البكاء قال: سمعت ابن عمر يقول: المسح على الجوربين كالمسح على الخفين. مصنف عبد الرزاق ١/ ٢٠١. ٨. وروى ابن أبي شيبة بإسناده أن عمر توضأ يوم جمعة ومسح على جوربيه ونعليه. مصنف ابن أبي شيبة ١/ ١٨٨.

стр. 884

٩. وروى عبد الرزاق وابن أبي شيبة بإسناديهما عن أنس بن مالك: [أنه كان يمسح على الجوربين قال: نعم، يمسح عليهما مثل الخفين] مصنف عبد الرزاق ١/ ٢٠٠، مصنف ابن أبي شيبة ١/ ١٨٨. ١٠. وورى ابن أبي شيبة بإسناده عن أبي غالب قال: رأيت أبا أمامة يمسح على الجوربين. مصنف ابن أبي شيبة ١/ ١٨٨. وهنالك روايات أخرى كثيرة في المصنفين المذكورين والمحلى ١/ ٣٢٣ راجعها إن شئت. وقد قال بالمسح على الجوربين كبار الفقهاء من التابعين والأئمة المجتهدين وغيرهم كسعيد بن المسيب وعطاء والحسن وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والأعمش والثوري والحسن بن صالح وعبد الله بن المبارك وإسحاق وأبي ثور وهو قول الإمام أحمد وأهل الظاهر وأبي يوسف ومحمد وزفر أصحاب أبي حنيفة، ورجع إليه أبو حنيفة في آخر أيامه وهو قول الإمام الشافعي بشروط، ومالك في أحد القولين عنه كما في الاستذكار لابن عبد البر ٢/ ٢٥٣ .. وقد ذكر الإمام الكاساني: [أن أبا حنيفة كان يقول بعدم جواز المسح على الجوربين وكان أبو يوسف ومحمد يخالفانه في ذلك ويريان جواز المسح وأن الإمام رجع عن قوله إلى قولهما في آخر عمره وذلك أنه مسح على جوربيه في مرضه ثم قال لعواده: فعلت ما كنت أمنع الناس عنه، فاستدلوا به على رجوعه] بدائع الصنائع ١/ ٨٣. والقول بالمسح على الجوربين هو الذي عليه الفتوى عند الحنفية كما ذكره صاحب الهداية وشارحها ابن الهمام شرح فتح القدير١/ ١٣٩. وأما ما ذكره بعض الفقهاء من شروط للجوربين الذين يمسح عليهما بأن يكونا منعلين أو مجلدين أو ثخينين وغير ذلك من الشروط فلم يقم دليل صحيح على اعتبار هذه الشروط ولم يرد دليل على تقييد الجوربين بهذه الشروط. قال ابن حزم: [اشتراط التجليد خطأ لا معنى له لأنه لم يأت به قرآن ولا سنة ولا قياس صاحب. والمنع من المسح على الجوربين خطأ لأنه خلاف السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ وخلاف الآثار ولم يخص ﵊ في الأخبار التي ذكرنا خفين من غيرهما] المحلى ١/ ٣٢٤.

стр. 885

وعقب الشيخ القاسمي على كلام ابن حزم المذكور بقوله: [يؤيده أن كل المروي في المسح على الجوربين مرفوعاً إلى النبي ﷺ ليس فيه قيد ولا شرط ولا يفهم ذلك لا من منطوقه ولا من مفهومه ولا من إشارته وجلي أن النصوص تحمل على عمومها إلى ورود مخصص وعلى إطلاقها حتى يأتي ما يقيدها ولم يأت هنا مخصص ولا مقيد لا في حديث ولا أثر. هذا أولاً وثانياً قدمنا أن الإمام أبا داود روى في سننه عن عدة من الصحابة المسح على الجوربين مطلقاً غير مقيد كما قدمناه وهكذا كل من نقل عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين المسح على الجوربين لم يروه بقيد ولا شرط مما يدل على أن تقييده لم يكن معروفاً في عصورهم التي هي خير القرون، وثالثاً الجورب بين بنفسه في اللغة والعرف كما نقلنا معناه عن أئمة اللغة والفقه ولم يشرط أحد في مفهومه ومسماه نعلاً ولا ثخانة وإذا كان موضوعه في الفقه واللغة مطلقاً فيصدق بالجورب الرقيق والغليظ والمنعل وغيره] رسالة المسح على الجوربين ٧٠ - ٧١. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [نعم يجوز المسح على الجوربين إذا كان يمشي فيهما سواء أكانت مجلدة أو لم تكن في أصح قولي العلماء ففي السنن: أن النبي ﷺ مسح على جوربيه ونعليه وهذا الحديث إذا لم يثبت فالقياس يقتضي ذلك فإن الفرق بين الجوربين والنعلين إنما هو كون هذا من صوف وهذا من جلود ومعلوم أن مثل هذا الفرق غير مؤثر في الشريعة فلا فرق بين أن يكون جلوداً أو قطناً أو كتاناً أو صوفاً كما لم يفرق بين سواد اللباس في الإحرام وبياضه ومحظوره ومباحه وغايته أن الجلد أبقى من الصوف فهذا لا تأثير له كما لا تأثير لكون الجلد قوياً بل يجوز المسح على ما يبقى وما لا يبقى. وأيضاً فمن المعلوم أن الحاجة إلى المسح على هذا كالحاجة إلى المسح على هذا سواء. ومع التساوي في الحكمة والحاجة يكون التفريق بينهما تفريقاً بين المتماثلين، وهذا خلاف العدل والاعتبار الصحيح الذي جاء به الكتاب والسنة، وما أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله. ومن فرق بكون هذا ينفذ الماء منه وهذا لا ينفذ منه: فقد ذكر فرقاً طردياً عديم التأثير] مجموع الفتاوى ٢١/ ٢١٤.

стр. 886

وسئل الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين عما اشترطه بعض العلماء من كون الجورب والخف ساترين لمحل الفرض فأجاب بقوله: [هذا الشرط ليس بصحيح لأنه لا دليل عليه فإن اسم الخف أو الجورب ما دام باقياً فإنه يجوز المسح عليه لأن السنة جاءت بالمسح على الخف على وجه مطلق وما أطلقه الشارع فإنه ليس لأحد أن يقيده إلا إذا كان لديه نص من الشارع أو إجماع أو قياس صحيح وبناءً على ذلك فإنه يجوز المسح على الخف المخرق ويجوز المسح على الخف الخفيف لأن كثيراً من الصحابة كانوا فقراء وغالب الفقراء لا تخلو خفافهم من خروق فإذا كان هذا غالباً أو كثيراً في قوم في عهد الرسول ﷺ ولم ينبه عليه الرسول ﷺ دل ذلك على أنه ليس بشرط، ولأنه ليس المقصود من الخف ستر البشرة، وإنما المقصود من الخف أن يكون مدفئاً للرجل ونافعاً لها، وإنما أجيز المسح على الخف لأن نزعه يشق وهذا لا فرق فيه بين الجورب الخفيف والجورب الثقيل ولا بين الجورب المخرق والجورب السليم والمهم أنه ما دام اسم الخف باقياً فإن المسح عليه جائز لما سبق من الدليل] مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ص ١٦٥ - ١٦٦. وخلاصة الأمر أن المسح على الجوربين جائز ولا حرج فيه أبداً، وأقول للقراء امسحوا على جواربكم مطمئنين. حكم عدم انتظام الحيض تقول السائلة: عند اقتراب المرأة من سن اليأس يختل انتظام العادة الشهرية فتزداد الأيام التي ينزل فيها الدم وقد تستمر إلى عشرين يوماً بل وأكثر وتكون الأيام التي لا ينزل فيها الدم قليلة فكيف تصلي المرأة وتصوم في هذه الحال؟ الجواب: قال الله : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) سورة البقرة الآية ٢٢٢.

стр. 887

فهذه الآية الكريمة ذكرت أن نهاية المنع من قربان الحائض هو الطهر وبالتالي ما دام أن هذا الدم الذي تراه المرأة هو دم حيض فهي حائض وإن زادت أيامه فلا تصلي ولا تصوم حتى تتطهر فإن الراجح من أقوال أهل العلم أن الحيض لا حد لأكثره ولا حد لأقله لأن علة الحكم المذكور في الآية السابقة هي الحيض وجوداً وعدماً فمتى وجد الحيض ثبت الحكم الشرعي ومتى عدم الحيض أي طهرت زال الحكم وانتفى. وقد اختار طائفة من أهل العلم هذا القول ورجحوه لأن الحيض أمر طبيعي خلقه الله في النساء ويختلف من امرأة إلى أخرى وللبيئة أثر في اختلاف عادات النساء. ومما يدل على ذلك ما ورد في الحديث عن عائشة ﵂ أنها قالت: (قدمت مكة وأنا حائض ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة. قالت: فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: إفعلي كما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) رواه البخاري. فبين النبي ﷺ أن غاية المنع من الطواف الطهر أي انقطاع الحيض. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: [فصل جامع نافع: الأسماء التي علق الله بها الأحكام في الكتاب والسنة منها ما يعرف حده ومسماه بالشرع فقد بينه الله ورسوله كاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج ... ومنه ما يرجع حده إلى عادة الناس وعرفهم فيتنوع بحسب عادتهم ... ومن ذلك اسم الحيض علق الله به أحكاماً متعددة في الكتاب والسنة ولم يقدر لا أقله ولا أكثره ولا الطهر بين الحيضتين مع عموم بلوى الأمة بذلك واحتياجهم إليه واللغة لا تفرق بين قدر وقدر فمن قدر في ذلك حداً فقد خالف الكتاب والسنة والعلماء منهم من يحد أكثره وأقله ثم يختلفون في التحديد ومنهم من يحد أكثره دون أقله والقول الثالث أصح: أنه لا حد لأقله ولا لأكثره بل ما رأته المرأة عادة مستمرة فهو حيض وإن قدر أنه أقل من يوم استمر بها على ذلك فهو حيض وإن قدر أن أكثره سبعة عشر استمر بها على

стр. 888

ذلك فهو حيض وأما إذا استمر الدم بها دائماً فهذا قد علم أنه ليس بحيض لأنه قد علم من الشرع واللغة أن المرأة تارة تكون طاهراً وتارة تكون حائضاً ولطهرها أحكام ولحيضها أحكام]. ثم قال شيخ الإسلام: [والأصل في كل ما يخرج من الرحم أنه حيض حتى يقوم دليل على أنه استحاضة لأن ذلك هو الدم الأصلي الجبلي وهو دم ترخية الرحم ودم الفساد دم عرق ينفجر وذلك كالمرض والأصل الصحة لا المرض فمتى رأت المرأة الدم جارياً من رحمها فهو حيض تترك لأجله الصلاة ... ] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٩/ ٢٣٥ - ٢٣٨. وبناءً على كل ما سبق فإن هذه المرأة تترك الصلاة والصوم ولا يأتيها زوجها ما دام أن الدم الذي ينزل عليها دم حيض وإن تجاوز مدة العادة الشهرية، وأما إن اختلف الدم كأن يكون دم فساد وعلة - أي نزيف - فهو استحاضة لما ثبت في الحديث أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت لرسول الله ﷺ : (يا رسول الله إني لا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله- ﷺ : إنما ذلك عرق وليس بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي) رواه البخاري. ففي هذا الحديث أن المرأة إذا ميزت دم الحيض من دم الاستحاضة تعتبر دم الحيض فإذا انقضى قدر دم الحيض اغتسلت منه وصلت وتتوضأ لوقت كل صلاة. فتح الباري ١/ ٤٢٥.

стр. 889

الصلاة

стр. 890

مسألة الفتح على الإمام في الصلاة يقول السائل: أرجو توضيح مسألة الفتح على الإمام في الصلاة لأننا نرى كثيراً من المصلين يفتحون على الإمام مما يؤدي إلى حصول تشويش في الصلاة؟ الجواب: الفتح على الإمام في الصلاة معناه إرشاد الإمام إلى الصواب في القراءة أو هو تلقين المأموم الإمام الآية عند التوقف فيها. والفتح على الإمام مشروع عند جمهور أهل العلم وحكاه ابن المنذر عن عثمان وعلي وابن عمر من الصحابة وحكاه أيضاً عن جماعة من التابعين كعطاء والحسن ومحمد بن سيرين وهو قول الأئمة الأربعة. انظر المجموع ٤/ ٢٤٠، المغني ٢/ ٤٢. ومما يدل على مشروعية الفتح على الإمام ما ورد في الحديث عن مسور بن يزيد المالكي قال: (صلى رسول الله ﷺ فترك آية فقال له رجل: يا رسول الله آية كذا وكذا. قال: فهلا ذكرتنيها) رواه أبو داود وقال الإمام النووي: إسناده جيد. المجموع ٤/ ٢٤١. وقال الشيخ الألباني: حديث حسن. صحيح سنن أبي داود ١/ ١٧١. وعن عبد الله بن عمر: (أن النبي ﷺ صلى صلاة فقرأ فيها فلبس عليه

стр. 891

فلما انصرف قال لأبيّ بن كعب: أصليت معنا؟ قال: نعم. فقال: فما منعك؟) أي ما منعك أن تذكرنيها. رواه أبو داود، وقال الإمام النووي: رواه أبو داود بإسناد صحيح كامل الصحة وهو حديث صحيح. المجموع ٤/ ٢٤١. وصححه أيضاً الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/ ١٧١. وعن أنس ﵁ قال: (كنا نفتح على الأئمة على عهد رسول الله ﷺ ) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي. وعن علي بن أبي طالب- ﵁ قال: (إذا استطعمك الإمام فأطعمه) رواه البيهقي والحاكم وصححه الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ١/ ٢٨٤. فهذه الأحاديث والآثار تدل على مشروعية الفتح على الإمام في الجملة. ولكن ينبغي بيان بعض الأمور المتعلقة بالفتح على الإمام: ١. لا ينبغي للمأموم أن يبادر بالفتح على الإمام ما دام الإمام يتردد في القراءة فلعل الإمام يصلح قراءته وإنما إذا سكت الإمام فتح عليه المأموم. ٢. يكره للإمام أن يُلجىء المأمومين للفتح عليه فإذا كان الإمام قد قرأ ما تصح به الصلاة - آية طويلة أو ثلاث آيات قصار - فإنه يركع أو ينتقل إلى آية أخرى ولا يُلجىء المصلين للفتح عليه. ٣. لا ينبغي للمأمومين في الصفوف المتأخرة والبعيدة عن الإمام أن يفتحوا على الإمام بل يتركون ذلك للمأمومين الذين يقفون خلف الإمام لأن الإمام في الغالب لا يسمع صوت من كان في آخر المسجد. ٤. لا ينبغي أن يفتح على الإمام إلا من كان حافظاً للآيات التي وقف فيها الإمام حتى لا يلقن الإمام خطأ ولما في ذلك من التشويش على المصلين. ٥. ينبغي أن يفتح على الإمام شخص واحد فقط لا أن يفتح عليه جماعة من المصلين

стр. 892

٦. إذا فتحت المرأة على الإمام فلا بأس بذلك إن كانت الجماعة جماعة نساء، وإن كانت الجماعة جماعة رجال فالأولى أن لا تفتح المرأة على الإمام اللهم إلا إذا ألجأها إليه ولم يفتح عليه أحد من الرجال فيجوز ولا تفسد به صلاتها. انظر إعلاء السنن ٣/ ٥٩. ٧. ويجوز لغير المصلي أن يفتح على المصلي. قال الشيخ ابن قدامة: [ولا بأس أن يفتح على المصلي من ليس معه في الصلاة وقد روى النجاد بإسناده قال: كنت قاعداً بمكة فإذا رجل عند المقام يصلي وإذا رجل قاعد خلفه يلقنه فإذا هو عثمان ﵁] المغني ٢/ ٤٥. قضاء صلاة الصبح يقول السائل: قد فاتته صلاة الصبح لنومه عنها ثم لما استيقظ صلاها فهل يعتبر مؤدياً لها في وقتها؟ الجواب: الأصل في المسلم أن يحافظ على أداء الصلوات في أوقاتها لقوله تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) أي مؤقتاً. وإن من أفضل الأعمال أداء الصلاة في وقتها المقدّر لها شرعاً فقد سئل النبي ﷺ : (أي العمل أفضل؟ فقال: الصلاة على وقتها) رواه البخاري ومسلم. ولكن قد ينام المسلم عن الصلاة أو ينساها فالواجب عليه أن يصلي الصلاة الفائتة إذا استيقظ من نومه أو تذكر فقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁: (أن رسول الله ﷺ حين قفل من غزوة خيبر سار ليله حتى إذا أدركه الكرى عرَّس - التعريس نزول المسافر آخر الليل للنوم - وقال لبلال: إكلأ لنا الليل فصلى بلال ما قدر له ونام رسول الله وأصحابه

стр. 893

فلما تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر فغلبت بلالاً عيناه وهو مستند إلى راحلته فلم يستيقظ رسول الله- ﷺ ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس فكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظاً ففزع رسول الله- ﷺ فقال: أي بلال فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ بأبي أنت وأمي يا رسول الله ﷺ بنفسك. قال: اقتادوا، فاقتادوا رواحلهم شيئاً ثم توضأ رسول الله وأمر بلالاً فأقام الصلاة فصلى بهم الصبح فلما قضى الصلاة قال: من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)) رواه مسلم. وعن أنس أن النبي ﷺ قال: (من نسي صلاة فليصل إذا ذكر لا كفارة لها إلا ذاك) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أخرى أنه ﷺ قال: (من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها) رواه مسلم. وفي رواية ثالثة أنه ﷺ قال: (إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله يقول: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)) رواه مسلم. وهذه الأحاديث تدل على وجوب قضاء الصلاة الفائتة بمجرد أن يتذكر الناسي أو يستيقظ النائم. وكثير من الفقهاء يرون أن قضاء الفائتة واجب على الفور أي أن الناسي إذا تذكر والنائم إذا استيقظ وجب عليهما قضاء ما فات ولا يجوز لهما تأخير ذلك. وقوله ﷺ في الحديث: (لا كفارة لها إلا ذاك) قال الخطابي: [يحتمل وجهين أحدهما: أنه لا يكفرها غير قضائها والآخر أنه لا يلزمه في نسيانها غرامة ولا زيادة تضعيف ولا كفارة من صدقة ونحوها كما تلزم في ترك الصوم من رمضان من غير عذر الكفارة وكما تلزم المحرم إذا ترك شيئاً من نسكه فدية من دم أو إطعام إنما يصلي ما ترك سواء وليس هذا على العموم حتى يلزمه إن كان في صلاة أن يقطعها ولكن معناه: أن لا يغفل أمرها ويشتغل بغيرها فإن في حديث أبي قتادة أنهم لما ناموا عن صلاة الفجر ثم

стр. 894

انتبهوا بعد طلوع الشمس أمرهم النبي- ﷺ أن يقودوا رواحلهم ثم صلاها] شرح السنة ٢/ ٢٤٤. وأما قول هذا المصلي الذي فاتته الصلاة فصلاها بعدما استيقظ من نومه فهل يوصف فعله بالأداء أم القضاء فالذي عليه الأصوليون أن الأداء هو فعل الواجب في وقته المقيد به شرعاً والقضاء هو فعل الواجب خارج وقته المقيد به شرعاً. انظر تيسير التحرير ٢/ ١٩٨. فإذا نظرنا في صلاة هذا النائم وقد صلاها خارج وقتها أي بعد طلوع الشمس فإنه يكون قاضياً لها لا مؤدياً بناءً على هذا الاصطلاح ويؤيد ذلك ما ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) رواه البخاري ومسلم. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن صلاة النائم والناسي خارج الوقت تعتبر أداءً لما ورد في بعض روايات حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها). فهذا الحديث رواه البيهقي والدارقطني والطبراني وقد ضعفه البخاري والبيهقي والهيثمي وغيرهم. قال البيهقي بعد أن ذكر رواية أبي هريرة السابقة: [كذا رواه حفص بن عمر بن أبي العطاف عنه عن أبي الزناد عن القعقاع بن حكيم أو عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ وهو منكر الحديث. قال البخاري وغيره: الصحيح عن أبي هريرة وغيره عن النبي ﷺ ما ذكرنا ليس فيه: (فوقتها إذا ذكرها)] سنن البيهقي ٢/ ٢١٩. وقال الهيثمي: [وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها) رواه الطبراني في الأوسط وفيه حفص بن عمر بن أبي العطاف وهو ضعيف جداً] مجمع الزوائد ١/ ٣٢٢. وضعفه الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ١/ ١٥٥. وكذا ضعفه صاحب التعليق المغني على سنن الدارقطني ١/ ٤٣٣.

стр. 895

وأما ما قاله الإمام الشوكاني: [واعلم أن الصلاة المتروكة في وقتها لعذر النوم والنسيان لا يكون فعلها بعد خروج وقتها المقدر لها لهذا العذر قضاء وإن لزم ذلك باصطلاح الأصول لكن الظاهر من الأدلة أنها أداء لا قضاء فالواجب الوقوف عند مقتضى الأدلة حتى ينتهض دليل يدل على القضاء] نيل الأوطار ٢/ ٣٠. فهو أخذ منه بظاهر النصوص ولكن ورد في نصوص أخرى ما يوافق ما عليه أهل الأصول أن ذلك يعتبر قضاءً لا أداء وسواء قلنا إن الفعل في هذه الحالة يوصف بالأداء أو القضاء فلا يترتب عليه كبير أثر وإنما الواجب هو أن يصلي المصلي تلك الصلاة بمجرد انتباهه من نومه أو تذكره. ويجب أن يعلم أنه يجب الترتيب في قضاء الصلوات الفوائت كما هو مذهب جمهور الفقهاء ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (جاء عمر بن الخطاب ﵁ إلى النبي ﷺ يوم الخندق فجعل يسب كفار قريش ويقول: يا رسول الله: والله ما صليت صلاة العصر حتى كادت أن تغيب - أي الشمس - قال النبي ﷺ : وأنا والله ما صليتها بعد. قال فنزل إلى بُطحان - وهو واد بالمدينة - فتوضأ وصلى العصر بعد ما غابت الشمس ثم صلى المغرب بعدها) رواه البخاري ومسلم. وعن عبد الله بن مسعود ﵁: (أن المشركين شغلوا النبي ﷺ يوم الخندق عن أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء الله قال فأمر بلالاً فأذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ثم أقام فصلى المغرب ثم أقام فصلى العشاء) رواه الترمذي والنسائي ومالك وسنده جيد. الفتح الرباني ٢/ ٣٣. وكذلك فينبغي التنبيه على أن الصلوات التي تقضى هي الصلوات الخمس باتفاق الفقهاء لما سبق من الأدلة، وتقضى السنن الرواتب عند كثير من الفقهاء فقد ثبت في الحديث أنه ﷺ لما فاتته صلاة الفجر صلى سنتها قبلها. رواه مسلم.

стр. 896

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من لم يصل ركعتي الفجر فليصلها بعدما تطلع الشمس) رواه الترمذي والبيهقي والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين. وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/ ١٣٣. وقال أكثر أهل العلم إن صلاة الوتر إذا فاتت تقضى فقد ورد في الحديث عنى أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: (من نام عن الوتر أو نسيه فليوتر إذا ذكره أو استيقظ) رواه أبو داود والترمذي وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/ ١٤٥. الأوقات المنهي عن الصلاة فيها يقول السائل: ما هي الأوقات المنهي عن الصلاة فيها وهل يجوز قضاء الفوائت فيها وصلاة تحية المسجد والاستخارة وكيف نستطيع معرفتها عن طريق الساعة؟ الجواب: وردت أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها وقد فصل الفقهاء الكلام عليها وذكروا الأحكام المتعلقة بها وأوجزها فيما يلي: عن عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: (ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر فيهن موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب) رواه مسلم. ففي هذا الحديث ثلاثة أوقات منهي عن الصلاة فيها: الأول: عند شروق الشمس. الثاني: عند استواء الشمس. الثالث: عندما تميل الشمس للغروب.

стр. 897

وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس) رواه مسلم. وهذا الحديث اشتمل على وقتين نهي عن الصلاة فيهما وهما: الرابع: بعد صلاة فريضة العصر. الخامس: بعد صلاة فريضة الفجر. فهذه الأوقات الخمسة لا يصح أن يتنفل فيها ولكن يجوز فيها قضاء الصلوات الفائتة لما ثبت في الحديث عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك) رواه البخاري ومسلم. فهذا الحديث وما في معناه مخصص لعموم النهي السابق. فمثلاً إذا استيقظ شخص وكادت الشمس أن تشرق فإنه يصلي الفجر وكذا إذا نام واستيقظ وقت الغروب فإنه يصلي العصر كما ويجوز أن يصلي في أوقات النهي تحية المسجد لقول النبي ﷺ : (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عمر ﵄ أن الرسول ﷺ قال: (لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين) رواه الترمذي وقال: ومعنى هذا الحديث إنما يقول: لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر. وقال الترمذي: [وهو ما اجتمع عليه أهل العلم: كرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر] سنن الترمذي مع شرحه عارضة الأحوذي ٢/ ١٧٩ - ١٨٠. وقال الشيخ الألباني: حديث صحيح. إرواء الغليل ٢/ ٢٣٢. وحديث ابن عمر متضمن النهي عن الصلاة في هذا الوقت وهو السادس وهو ما بين أذان الفجر وإقامة الصلاة للفجر فيكره التنفل في هذا الوقت ويستثنى من ذلك صلاة سنة الفجر وكذا تحية المسجد للداخل إلى المسجد.

стр. 898

ويؤيد ذلك ما جاء في الحديث عن حفصة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين) رواه البخاري ومسلم. وأما الوقت السابع من الأوقات المنهي عن الصلاة فيها فهو ما ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) رواه مسلم والترمذي وقال: [والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم إذا أقيمت الصلاة أن لا يصلي الرجل إلا الصلاة المكتوبة وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق] سنن الترمذي مع شرحه عارضة الأحوذي ٢/ ١٨٢. فإذا أقيمت الصلاة فلا ينبغي لأحد أن يشتغل بنافلة ولو كانت سنة الفجر وإنما عليه أن يدخل في صلاة الجماعة. وأما الوقت الثامن من الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها فهو قبل صلاة العيدين فقد ورد في الحديث عن ابن عباس ﵁: (أن النبي ﷺ خرج يوم عيد فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما) رواه البخاري ومسلم. وأما الوقت التاسع من الأوقات المنهي عن الصلاة فيها فهو عند صعود خطيب الجمعة إلى المنبر إلى أن ينهي خطبته لما ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت) رواه البخاري. ويستثنى من ذلك تحية المسجد لمن دخل المسجد والخطيب يخطب فإنه يصلي ركعتي التحية ويخففهما. لما ورد في الحديث عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (دخل رجل يوم الجمعة المسجد والنبي ﷺ يخطب. فقال له: أصليت ركعتين؟ قال: لا. قال: فصل ركعتين) رواه البخاري ومسلم.

стр. 899

وجاء في رواية أخرى عن جابر ﵁ قال: (جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب فجلس فقال رسول الله ﷺ : إذا جاء أحدكم الجمعة والإمام يخطب فليصل ركعتين خفيفتين ثم يجلس) رواه مسلم. وأوقات النهي يمكن معرفتها بالتوقيت فإذا كان لدى الشخص توقيت للصلوات فإنه يبين فيه أوقات شروق الشمس وغروبها وغير ذلك وأما بالنسبة للنهي عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر فإن النهي مرتبط بفعل الصلاة لا بالوقت فإذا صلى شخص العصر في أول وقتها فإنه يكون منهياً عن الصلاة بعدها. وإذا لم يصل العصر إلا بعد دخول الوقت بنصف ساعة مثلاً فإنه يجوز له أن يتنفل حتى يصلي العصر فإذا صلى العصر فلا نافلة ويدل على ذلك ما جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس) رواه مسلم. ما الذي يقطع الصلاة ؟ يقول السائل: إنه سمع حديثاً عن النبي- ﷺ فيه أن الصلاة يقطعها مرور المرأة والحمار والكلب فهل هذا الحديث وارد عن النبي ﷺ ، ولماذا تقطع المرأة الصلاة؟ الجواب: إن الحديث الذي ذكره السائل حديث صحيح رواه الإمام مسلم في صحيحه بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل) صحيح مسلم بشرح النووي ٣/ ١٦٩. وروى مسلم أيضاً بإسناده عن أبي ذر ﵁ قال:

стр. 900

قال رسول الله ﷺ : (إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود قلت: يا أبا ذر ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر، قال: يا ابن أخي سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فقال: الكلب الأسود شيطان) صحيح مسلم بشرح النووي ٣/ ١٦٩. وقد وردت أحاديث أخرى بمعنى الحديثين السابقين. وقد اختلف العلماء منذ عهد الصحابة ﵃ ومن جاء بعدهم من أهل العلم في هذه المسألة، هل هذه الأمور المذكورة في الحديث تقطع الصلاة أم لا؟ وقد قال بعض أهل العلم بأن مرور المرأة يقطع الصلاة فعلاً ويبطلها وهذا قول ابن حزم الظاهري والإمام أحمد في رواية عنه ونقل عن بعض الصحابة ولكن أكثر أهل العلم قالوا بخلاف ذلك فهم يرون أن مرور المرأة لا يقطع الصلاة وهذا قول الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في الرواية التي اختارها أكثر أصحاب أحمد وقد صح ذلك عن أكثر الصحابة وقد ذكر الإمام الترمذي أن أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من التابعين قالوا: لا يقطع الصلاة شيء. سنن الترمذي مع شرحه عارضة الأحوذي ٢/ ١١٥، وانظر المغني ٢/ ١٨٣، الذخيرة ٢/ ١٥٩. قال الإمام النووي: [وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي ﵃ وجمهور العلماء من السلف والخلف لا تبطل الصلاة بمرور شيء من هؤلاء ولا من غيرهم] شرح النووي على صحيح مسلم ٣/ ١٧٠ وقال الإمام ابن العربي المالكي: [وقالت طائفة لا يقطع الصلاة شيء وهم علماء الإسلام ومحققوه] عارضة الأحوذي ٢/ ١١٦. وقد أجاب هؤلاء العلماء على الحديثين السابقين بأنهما إما منسوخين أو أن المراد بالقطع هو قطع الخشوع وليس القطع حقيقة وهذا الجواب أقوى من الأول لأن النسخ لا يثبت بمجرد الاحتمال. قال الإمام النووي: [وأما الجواب عن الأحاديث الصحيحة التي

стр. 901

احتجوا بها فمن وجهين أصحهما وأحسنهما ما أجاب به الشافعي والخطابي والمحققون من الفقهاء والمحدثين أن المراد بالقطع القطع عن الخشوع والذكر للشغل بها والالتفات إليها لا أنها تفسد الصلاة ... فهذا الجواب هو الذي نعتمده وأما ما يدعيه أصحابنا وغيرهم من النسخ فليس بمقبول] المجموع ٣/ ٢٥١. وقال الحافظ القرطبي: [ ... لما كان الكلب الأسود أشد ضرراً من غيره وأشد ترويعاً كان المصلي إذا رآه اشتغل عن صلاته فانقطعت عليه لذلك وكذا تأول الجمهور قوله: (يقطع الصلاة المرأة والحمار) فإن ذلك مبالغة في الخوف على قطعها وإفسادها بالشغل بهذه المذكورات ذلك أن المرأة تفتن والحمار ينهق والكلب يروع فيتشوش المتفكر في ذلك حتى تنقطع عليه الصلاة وتفسد فلما كانت هذه الأمور تفيد آيلة إلى القطع جعلها قاطعة كما قال للمادح: قطعت عنق أخيك، أي فعلت به فعلاً يخاف هلاكه فيه كمن انقطع عنقه] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٢/ ١٠٩. وقد احتج جمهور أهل العلم على أن مرور المرأة لا يقطع الصلاة بما ثبت في الحديث عن عائشة أنها قالت: (كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ -ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجليَّ فإذا قام بسطتهما، قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح) رواه البخاري ومسلم. وكذلك احتجوا بما جاء في رواية أخرى عن عائشة أنه ذكر عندها ما يقطع الصلاة - الكلب والحمار والمرأة - فقالت عائشة: (شبهتمونا بالحمر والكلاب والله لقد رأيت النبي ﷺ -يصلي وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة فتبدو لي الحاجة فأكره أن أجلس فأؤذي النبي ﷺ فأنسل من عند رجليه) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عباس قال: (كنت رديف الفضل على أتان فجئنا والنبي ﷺ -يصلي بأصحابه بمنى فنزلنا عنها فوصلنا الصف فمرت بين أيديهم فلم تقطع صلاتهم) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/ ١٠٧.

стр. 902

وعن صهيب مولى ابن عباس قال: (تذاكرنا ما يقطع الصلاة عند ابن عباس فقال: جئت وغلام من بني عبد المطلب على حمار ورسول الله ﷺ يصلي فنزل ونزلت وتركنا الحمار أمام الصف فما بالاه وجاءت جاريتان من بني عبد المطلب فدخلتا بين الصف فما بالى ذلك) رواه أبو داود وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/ ١٣٨. وقد وردت بعض الآثار عن جماعة من الصحابة أنه لا يقطع الصلاة شيء فمن ذلك ما رواه مالك في الموطأ أن ابن عمر كان يقول: [لا يقطع الصلاة شيء مما يمر بين يدي المصلي]. قال الحافظ ابن عبد البر: [لا خلاف عن ابن عمر في ذلك] التمهيد ٦/ ١٧٩، وعن علي بن أبي طالب مثل ذلك رواه مالك وعبد الرزاق في المصنف ٢/ ٢٩ والبيهقي في السنن ٢/ ٢٧٨. وروى ابن أبي شيبة بإسناده أن ابن عمر قيل له: [إن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة يقول: يقطع الصلاة الحمار والكلب، قال: لا يقطع صلاة المسلم شيء] مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٢٨٠، وذكره الحافظ ابن عبد البر في التمهيد ٦/ ١٨٠. وقال سعيد ابن المسيب لما سئل عن ذلك: [لا يقطع الصلاة إلا الحدث]. وقال عروة بن الزبير: [لا يقطع الصلاة إلا الكفر] المصدران السابقان. وروى الإمام البخاري بإسناده: [أن ابن أخي ابن شهاب أنه سأل عمه عن الصلاة يقطعها شيء؟ فقال: لا يقطعها شيء] صحيح البخاري مع الفتح ٢/ ١٣٧. وبهذا يظهر لنا أن المراد بقطع الصلاة هو قطع الخشوع وليس القطع بمعنى الإبطال.

стр. 903

صفة سجود التلاوة يقول السائل: هل يشرع لمن أراد أن يسجد سجود التلاوة خارج الصلاة وهو جالس أن يقوم فيهوي إلى السجود من قيام؟ الجواب: صفة سجود التلاوة لمن كان خارج الصلاة وقرأ سورة فيها سجدة أن يكبر ويسجد سجدة واحدة بدون رفع يديه وبدون تشهد ولا تسليم، وهذا قول أكثر العلماء. ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن ابن عمر ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن فإذا مرّ بالسجدة كبر وسجد وسجدنا) رواه البخاري ومسلم. وقد قال بعض الفقهاء إنه يشرع في حق من أراد السجود للتلاوة أن يستوي قائماً ثم يكبر ويهوي للسجود. قال الشيخ المرداوي: [الأفضل أن يكون سجوده عن قيام جزم به المجد في شرحه ومجمع البحرين وغيره وقدمه في الفروع وغيره واختاره الشيخ تقي الدين، وقال: قاله طائفة من أصحاب الإمام أحمد] الإنصاف ٢/ ١٩٨. وقال ابن مفلح: [والأفضل سجوده عن قيام] الفروع ١/ ٥٠٤. وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية: [عن الرجل إذا كان يتلو الكتاب العزيز بين جماعة فقرأ سجدة فقام على قدميه وسجد فهل قيامه أفضل من سجوده وهو قاعد؟ أم لا؟ وهل فعله ذلك رياء ونفاق؟ فأجاب: بل سجود التلاوة قائماً أفضل منه قاعداً كما ذكر ذلك من ذكره من العلماء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما وكما نقل عن عائشة بل وكذلك سجود الشكر كما روى أبو داود في سننه عن النبي ﷺ من سجوده للشكر قائماً وهذا ظاهر في الاعتبار فإن صلاة القائم أفضل من صلاة القاعد.

стр. 904

وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان أحياناً يصلي قاعداً فإذا قرب من الركوع فإنه يركع ويسجد وهو قائم وأحياناً يركع ويسجد وهو قاعد فهذا قد يكون للعذر أو للجواز ولكن تحريه مع قعوده أن يقوم ليركع ويسجد وهو قائم دليل على أنه أفضل إذ هو أكمل وأعظم خشوعاً لما فيه من هبوط رأسه وأعضائه الساجدة لله من القيام ... ] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٣/ ١٧٣. واستحب القيام لسجدة التلاوة بعض متأخري الحنفية فقد جاء في الدرّ المختار وحاشية ابن عابدين عليه: [قوله بين قيامين مستحبين أي قيام قبل السجود ليكون خروراً وهو السقوط من القيام وقيام بعد رفع رأسه] رد المحتار ٢/ ١٠٧. وحجة هؤلاء الفقهاء القائلين باستحباب القيام لسجود التلاوة أن الله تعالى قال: (إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا) سورة الإسراء الآية ١٠٧. فالخرور سقوط من قيام. واحتجوا بما رواه ابن أبي شيبة عن وكيع قال: [حدثنا شعبة عن شمسية أم سلمة عن عائشة ﵂: (أنها كانت تقرأ في المصحف فإذا مرّت بالسجدة قامت فسجدت)] مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٤٩٩. وكل ما ذكره هؤلاء الفقهاء الأجلاء لا يصلح لإثبات مشروعية القيام لمن أراد سجود التلاوة فمن المعلوم أن سجدة التلاوة عبادة والأصل في العبادات التوقيف على رسول الله- ﷺ . أما الآية الكريمة فلا دلالة فيها على القيام لسجدة التلاوة وأما أثر عائشة فضعيف غير ثابت عنها فلا يصلح دليلاً، قال الإمام النووي: [وهل يستحب لمن أراد السجود أن يقوم فيستوي قائماً ثم يكبر للإحرام ثم يهوي للسجود بالتكبيرة الثانية فيه وجهان: أحدهما: يستحب، قاله الشيخ أبو محمد الجويني والقاضي حسين والبغوي والمتولي وتابعهم الرافعي.

стр. 905

والثاني: وهو الأصح لا يستحب، وهذا اختيار إمام الحرمين والمحققين، قال الإمام: ولم أر لهذا القيام ذكراً ولا أصلاً. قلت - أي النووي -: ولم يذكر الشافعي وجمهور الأصحاب هذا القيام ولا ثبت فيه شيء يعتمد مما يحتجّ به فالاختيار تركه لأنه من جملة المحدثات وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على النهي عن المحدثات. وأما ما رواه البيهقي بإسناده عن أم سلمة الأزدية قالت: (رأيت عائشة تقرأ في المصحف فإذا مرّت بسجدة قامت فسجدت) فهو ضعيف، أم سلمة هذه مجهولة. والله أعلم] المجموع ٤/ ٦٥. وقد سئل الإمام أحمد عن ذلك فقيل له: [يقوم ثم يسجد؟ فقال: يسجد وهو قاعد] الإنصاف ٢/ ١٩٨. وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية عن هذه المسألة: [إذا كان الإنسان يقرأ القرآن في المسجد أو غيره وهو جالس ووصل إلى سجدة من السجدات هل الأفضل أن يقوم قائماً ويسجد أم يسجد في مكانه وهو جالس، أيهما أفضل؟ الجواب: لا نعلم دليلاً على شرعية القيام من أجل سجود التلاوة] فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٧/ ٢٦٥. وأخيراً أنقل ما ذكره العلامة ابن القيم في هديه- ﷺ في سجود القرآن " التلاوة " حيث قال: [كان ﷺ إذا مرّ بسجدة كبّر وسجد وربما قال في سجوده: (سجد وجهي للذي خلقه وصوّره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته). وربما قال: (اللهم احطط عني بها وزراً واكتب لي بها أجراً واجعلها لي عندك ذخراً وتقبّلها مني كما تقبلتها من عبدك داود). ذكرهما أهل السنن. ولم يذكر عنه انه كان يكبر للرفع من هذا السجود ولذلك لم يذكره الخرقي ومتقدمو الأصحاب ولا نقل فيه عنه تشهد ولا سلام البتة. وأنكر أحمد والشافعي السلام فيه فالمنصوص عن الشافعي: أنه لا تشهد فيه ولا تسليم، وقال أحمد أما التسليم فلا أدري ما هو وهذا هو الصواب الذي لا ينبغي غيره] زاد المعاد في هدي خير العباد ١/ ٣٦٢ - ٣٦٣.

стр. 906

صلاة الجمعة

стр. 907

حكم ترك صلاة الجمعة يقول السائل: إن كثيراً من الناس يظن أنه إذا ترك صلاة الجمعة مرة أو مرتين لا بأس عليه وإنما الإثم أن يترك ثلاث جمع متواليات فما قولكم؟ الجواب: صلاة الجمعة فريضة ثابتة بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ . يقول الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) سورة الجمعة الآية ٩. فأمر الله بالسعي إليها والأصل أن الأمر يفيد الوجوب كما أنه أمر بترك البيع وهو في معنى النهي عن البيع والنهي يفيد التحريم وهذا يدل دلالة واضحة على وجوبها. وثبت في الحديث عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الخاسرين) رواه مسلم. وهذا الحديث يدل على أن الجمعة فرض عين كما قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم ٢/ ٤٦٣. ولا شك أن من ترك صلاة جمعة واحدة بغير عذر فهو آثم وتارك لفريضة من فرائض الله .

стр. 908

وأما ما يستدل به بعض الناس على أنه يجوز ترك جمعة أو جمعتين ولا يأثم الإنسان إلا إذا ترك ثلاث جمع متواليات وهو قول النبي ﷺ : (من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه) رواه أصحاب السنن وأحمد وهو حديث صحيح صححه الحاكم ووافقه الذهبي وحسنه الإمام الترمذي والبغوي والحافظ ابن حجر، وجاء في رواية أخرى: (من ترك الجمعة ثلاثاً من غير عذر فهو منافق) رواه ابن خزيمة والحاكم. فهذا الحديث بروايتيه لا يدل على جواز ترك جمعة أو جمعتين وأن المسلم لا يأثم إلا بترك الجمعة ثلاثاً فهذا الفهم غير صحيح. وإنما يدل الحديث على أن من ترك ثلاث جمع من غير عذر فإن الله يطبع على قلبه أو أنه يصير منافقاً والعياذ بالله. والطبع على القلب هو الختم عليه كما في قوله تعالى: (وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ) ومعنى ذلك أن الإنسان إذا استمر على ارتكاب المحظورات ولا يكون منه رجوع إلى الحق يورثه ذلك هيئة تمرنه على استحسان المعاصي وكأنما يختم بذلك على قلبه. انظر المفردات في غريب القرآن ص ١٤٣. فمن يترك ثلاث جمع بغير عذر يختم الله على قلبه ويصل به الأمر إلى حد النفاق. ويدل على ذلك ما جاء في الحديث عن كعب بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: (لينتهين أقوام يسمعون النداء يوم الجمعة ثم لا يأتونها أو ليطبعن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين) رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن قاله الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ١٩٤. حكم قراءة خطبة الجمعة من ورقة مكتوبة يقول السائل: ما حكم قراءة خطبة الجمعة من ورقة مكتوبة؟ الجواب: لا مانع أن تكون خطبة الجمعة مكتوبة بل إنه من الأفضل في هذا الزمان أن يكتب الخطيب خطبته وأن لا يرتجلها نظراً لأن كثيراً

стр. 909

من الخطباء هم خطباء بحكم الوظيفة ولا يملكون مقومات الخطابة الحقيقية فعندما يرتجل أمثال هؤلاء خطبة الجمعة فإنهم لا يحسنونها أبداً وترى العجب العجاب منهم فأخطاء في الآيات القرآنية وخلط للأحكام الشرعية وأفكار ينقصها الترتيب والتنسيق ولا أبالغ إن قلت إن الواحد منا يخرج يوم الجمعة من المسجد ولم يستفد شيئاً من الخطبة. فيجب على الخطباء أن يتقوا الله في المسلمين وأن يعدوا جيداً لخطبة الجمعة فجمهور المصلين فيهم المعلمون والمثقفون وطلاب الجامعات وغيرهم فلا يصح أن يستهين الخطيب بعقول الناس فيقول كلاماً صار ممجوجاً لدى السامعين. لذا أؤكد مرةً أخرى أن تكون الخطبة مكتوبة ومعدة مسبقاً على أن تعالج قضايا الناس الشرعية والعامة. رفع اليدين عند الدعاء في خطبة الجمعة يقول السائل: نرى كثيراً من الخطباء حين يدعون في خطبة الجمعة يرفعون أيديهم فهل هذا من السنة؟ الجواب: إن الدعاء خلال خطبة الجمعة من السنة فيدعو الخطيب للمسلمين والمسلمات ويستغفر لهم فقد ورد في الحديث عن سمرة بن جندب: (أن رسول الله ﷺ كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات كل جمعة) رواه الطبراني في الكبير والبزار بإسناد ضعيف كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ١٩١. ولكن رفع الخطيب يديه أثناء الدعاء ليس من السنة بل هو بدعة عند كثير من أهل العلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ويكره للإمام رفع يديه حال الدعاء في الخطبة لأن النبي ﷺ إنما كان يشير بإصبعه إذا دعا] الاختيارات العلمية ص ٤٨.

стр. 910

وقال العلامة ابن القيم: [وكان ﷺ يشير بإصبعه السبابة في خطبته عند ذكر الله ودعائه] زاد المعاد ١/ ٤٢٨. ويؤيد ذلك ما جاء في الحديث أن عمارة بن رؤيبة رأى بشر بن مروان رفع يديه في الخطبة فقال: [قبح الله هاتين اليدين لقد رأيت رسول الله ﷺ ما يزيد أن يقول بيده هكذا وأشار بإصبعه المسبِّحة] رواه مسلم. قال الإمام النووي: [هذا فيه أن السنة أن لا يرفع اليد في الخطبة] شرح النووي على صحيح مسلم ٦/ ١٦٢. وقد اعتبر كثير من العلماء رفع الخطيب يديه أثناء الدعاء بدعة ومنهم الشيخ جلال الدين السيوطي في كتابه الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع ص ٢٤٧. والعلامة أبو شامة في الباعث على إنكار البدع والحوادث ص ٨٤. الخطبة على المنبر يقول السائل: إن الخطيب في مسجدهم يرفض أن يخطب على المنبر ويخطب واقفاً على الأرض فما قولكم؟ الجواب: من السنة أن يخطب الخطيب على المنبر ويدل على ذلك ما جاء في الحديث عن عبد العزيز بن حازم عن أبيه: (أن نفراً جاؤوا إلى سهل بن سعد قد تماروا في المنبر من أي عود هو؟ فقال: أما والله إني لأعرف من أي عود هو ومن عمله ورأيت رسول الله ﷺ أول يوم جلس عليه قال: فقلت له: يا أبا عباس فحدثنا قال: أرسل رسول الله ﷺ إلى امرأة قال أبو حازم: إنه ليسميها يومئذ انظري غلامك النجار يعمل لي أعواداً أكلم الناس عليها فعمل هذه الثلاث درجات ثم أمر بها رسول الله ﷺ فوضعت هذا الموضع فهي من طرفاء الغابة ولقد رأيت رسول الله ﷺ قام عليه فكبر وكبر الناس وراءه وهو على المنبر ثم رفع

стр. 911

فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته ثم أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس إني إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي) رواه البخاري ومسلم. قال الإمام النووي: [فيه صلاته ﷺ على المنبر ونزوله القهقرى حتى سجد في أصل المنبر ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته. قال العلماء: كان المنبر الكريم ثلاث درجات كما صرّح به مسلم في روايته فنزل النبي ﷺ بخطوتين إلى أصل المنبر ثم سجد في جنبه ففيه فوائد منها استحباب اتخاذ المنبر واستحباب كون الخطيب ونحوه على مرتفع كمنبر أو غيره] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/ ٢٠٠. فعلى هذا الخطيب أن يقتدي بالرسول الله فيرقى المنبر لخطبة الجمعة فإذا كان المنبر على خلاف السنة كما هو الحال في كثير من المساجد رقي الخطيب ثلاث درجات فقط من المنبر ليخطب. حكم صلاة الظهر بعد الجمعة السؤال: أحضر لي أحد طلبة العلم نشرة وزعت في بعض المساجد حول صلاة الظهر بعد الجمعة ذكر فيها كاتبها كلاماً كثيراً في المسألة وذكر عنواناً يقول: تاريخ صلاة الظهر بعد الجمعة في الإسلام، وما جاء بشيء يشير إلى العنوان السابق ثم ذكر أقوال المذاهب الأربعة في حكم تعدد الجمعة في البلد الواحد ثم خلص إلى القول [أخيراً أخي المسلم ينبغي أن نعلمك أن صلاة الظهر بعد الجمعة استنبطت من السنة المطهرة باحتياط المرء لدينه من قبل الأئمة الأربعة وهي مدونة في كتبهم جميعاً وكتب التاريخ وهي دائرة بينهم في فلك الواجب والمندوب حيث إنها لم تصل في زمنه ﷺ وعصر الخلفاء الراشدين والتابعين من بعدهم إلا في مسجد واحد] وسألني طالب العلم عن صحة هذا الكلام. الجواب: إن مما ابتلي به المسلمون في هذا الزمان أن يتسور على العلم الشرعي من ليس له بأهل حتى صارت الفتوى في أمور الدين حمىً

стр. 912

مستباحاً للذين ليس بينهم وبين العلم نسب ولا علاقة مودة أو قربى، إن ما جاء في هذه النشرة في جعل صلاة الظهر بعد الجمعة إما واجبة وإما مندوبة كلام باطل لم يقم عليه دليل والزعم بأن صلاة الظهر بعد الجمعة استنبطت من السنة المطهرة باحتياط المرء لدينه فرية عظيمة على السنة النبوية ولم يذكر الكاتب دليلاً واحداً من السنة يثبت صحة زعمه وأقول في رد هذه الفرية: يجب أن يعلم أن هذه المسألة وهي صلاة الظهر بعد الجمعة قد بنيت على مسألة أخرى وهي حكم تعدد الجمعة في البلد الواحد فأقول إن تعدد صلاة الجمعة في البلد الواحد جائز عند أهل العلم نظراً للحاجة الداعية إلى تعدد الجمعة فإذا كان البلد كبيراً وأهله كثير لا يسعهم مسجد واحد فلا مانع من تعدد الجمعة. وبهذا قال المحققون من العلماء من أتباع المذاهب الأربعة وغيرهم قال السرخسي: [والصحيح من قول أبي حنيفة في هذه المسالة أنه يجوز إقامة الجمعة في مصر واحد في موضعين وأكثر] المبسوط ٢/ ١٠٢. وقال الزيلعي شارحاً ومحللاً لقول النسفي: [وتؤدى في مصر في مواضع أي تؤدى الجمعة في مصر واحد في مواضع كثيرة وهو قول أبي حنيفة ومحمد وهو الأصح لأن في الاجتماع في موضع واحد في مدينة كبيرة حرجاً بيناً وهو مدفوع] تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ١/ ٢١٨. وأجاز فقهاء المالكية تعدد الجمعة للضرورة كما في شرح الخرشي وحاشية العدوي عليه ٢/ ٧٤ - ٧٥. وذكر الإمام النووي أن الصحيح من مذهب الشافعية جواز تعدد الجمعة في موضعين وأكثر وقال: [وقد دخل الشافعي بغداد وهم يقيمون الجمعة في موضعين وقيل في ثلاثة فلم ينكر ذلك واختلف أصحابنا في الجواب عن ذلك وفي حكم بغداد في الجمعة على أربعة أوجه ذكر المصنف الثلاثة الأولى منها هنا وكلامه في التنبيه يقتضي الجزم بالرابع، أحدها أن الزيادة على جمعة في بغداد جائزة وإنما جازت لأنه بلد كبير يشق اجتماعهم في موضع منه قال أصحابنا فعلى هذا تجوز الزيادة على جمعة

стр. 913

في جميع البلاد التي يكثر الناس فيها ويعسر اجتماعهم في موضع وهذا الوجه هو الصحيح وبه قال أبو العباس بن سريج وأبو إسحاق المروزي، قال الرافعي: واختاره أكثر أصحابنا تصريحاً وتعريضاً وممن رجحه ابن كج والحناطي بالحاء المهملة والقاضي أبو الطيب في كتابه المجرد والروياني والغزالي وآخرون، قال الماوردي وهو اختيار المزني ودليله قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)] المجموع ٤/ ٥٨٥ - ٥٨٦. وقال الخرقي من الحنابلة: [وإذا كان البلد كبيراً يحتاج إلى جوامع فصلاة الجمعة في جميعها جائزة] وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي شارحاً كلام الخرقي السابق: [وجملته: أن البلد متى كان يشق على أهله الاجتماع في مسجد واحد ويتعذر ذلك لتباعد أقطاره أو ضيق مسجده عن أهله كبغداد وأصبهان ونحوهما من الأمصار الكبيرة جازت إقامة الجمعة فيما يحتاج إليه من جوامعهما وهذا قول عطاء وأجازه أبو يوسف في بغداد دون غيرها، لأن الحدود تقام فيها في موضعين والجمعة حيث تقام الحدود، ومقتضى قوله: أنه لو وجد بلد آخر تقام فيه الحدود في موضعين جازت إقامة الجمعة في موضعين منه. لأن الجمعة حيث تقام الحدود وهذا قول ابن المبارك ... ولنا: أنها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة فجازت فيما يحتاج إليه من المواضع كصلاة العيد. وقد ثبت أن علياً ﵁ كان يخرج يوم العيد إلى المصلى ويستخلف على ضَعَفَةِ الناس أبا مسعود البدري فيصلي بهم. فأما ترك النبي ﷺ إقامة جمعتين فلغناهم عن إحداهما ولأن أصحابه كانوا يرون سماع خطبته وشهود جمعته وإن بعدت منازلهم. لأنه المبلغ عن الله تعالى وشارع الأحكام ولما دعت الحاجة إلى ذلك في الأمصار صليت في أماكن ولم ينكر فصار إجماعاً] المغني ٢/ ٢٤٨. وبهذا يظهر لنا أن المعتمد في المذاهب الأربعة جواز تعدد الجمعة للحاجة وهذا القول هو الصواب الموافق لقواعد الشرع المطهر ولعمل المسلمين فيما مضى من الأعصار في جميع الأمصار.

стр. 914

وكيف يصنع المسلمون في المدن الكبيرة التي تغص بالسكان وقد يبلغ سكانها الملايين وكيف يجتمعون في مسجد واحد فمدينة كالقاهرة مثلاً فيها أكثر من عشرة ملايين نسمة، كيف يصلون في مكان واحد؟! إن نصوص الشريعة وقواعدها القاضية برفع الحرج ودفع المشقة تجيز تعدد الجمعة في مساجد كثيرة مهما بلغ عددها ما دامت الحاجة تدعو لذلك. إذا تقرر هذا نعود إلى مسألة صلاة الظهر بعد الجمعة فأقول إن إقامة صلاة الظهر بعد الجمعة بدعة منكرة ليس لها أصل في الدين وهي تشريع لما لم يأذن به الله. ولم تثبت عن الرسول ﷺ ولا عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن الأئمة المهديين وزعم كاتب النشرة أنها ثبتت بالسنة المطهرة زعم باطل ليس عليه أدنى دليل بل هو لم يقدم أي دليل على ذلك. وهذه البدعة وإن قال بها بعض متأخري أتباع المذاهب ليس عليها دليل صحيح فقد صح في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ) رواه مسلم. وقد ثبت أن الإمام الشافعي ﵀ قد دخل بغداد وأقام بها مدة من الزمن وكانت الجمعة تقام بأكثر من موضع ولم ينقل عنه أنه كان يصلي الظهر بعد الجمعة. القول المبين ص ٣٨٤. قال الشيخ القاسمي: [والذي اعتمده الإمام ابن نجيم والعلامة ابن عبد الحق الأخير ووافقه غيره من أن لا وجوب للظهر - أي بعد الجمعة - هو الحق لما فيه من رفع الحرج وهل يطالب مكلف بفريضتين في وقت واحد مع ما في أدائه جماعة من صورة نقض الجمعة وإيقاع العامة في اعتقاد أن ليوم الجمعة بعد زواله فرضين صلاة الجمعة وصلاة الظهر بل هو الذي لا يرتابون فيه ويزيدون عليه أنه لا يصح إلا جماعة بل تنطع بعض الغلاة المتصولحين مرة فقال لي: كيف السبيل إلى سنة الظهر القبلية قبل فرض يوم الجمعة وهي تفوتني بعجلة أداء الظهر. فتأمل كيف رحم الله العباد ففرض عليهم ركعتين في ذلك اليوم وأمرهم إذا قضوهما أن ينتشروا في الأرض ويبتغوا من فضله تيسيراً عليهم

стр. 915

إذ يحتاجون لصرف حصة في سماع الخطبة، وانظر كيف شددوا على أنفسهم وربما المتنطع منهم يطالب بأداء اثنتين وعشرين ركعة بعد الزوال إذا يصلي قبل الجمعة أربعاً وبعدها أربعاً كالظهر وكلاهما مع الجمعة عشر، ثم يتطوع بأربع قبل الظهر وأربع بعدها وكلاهما مع الظهر اثنا عشر أيضاً، فالجملة ما ذكرنا ولا يخفى أن محو اعتقاد غير الصواب من صدور العامة لتمحيص الحق باب عظيم من أبواب الدعوة إلى سبيل الله وهدى نبيه ﵇، وقد اتفق في عهد حسين باشا والي مصر المذاكرة لديه في بدعة الظهر جماعة بعد الجمعة فمنع أهل الأزهر منها، نقله الشبراملسي في رسالته التي ألفها في سبب صلاة الظهر يومئذ فرحمه الله على منعه من هذه البدعة وأثابه خيراً ووفق من تنبه لمنعها بمنّه وكرمه] إصلاح المساجد ص ٥٠ - ٥١. وقال الشيخ الغلايني: [ومن الأدلة على عدم طلب الظهر بعد الجمعة بل على عدم مشروعيتها يوم الجمعة مطلقاً صليت الجمعة أم لم تصل ما ورد من اجتماع عيد وجمعة في عهد الرسول الأكرم فصلى العيد ورخص في الجمعة ولم يرد أنه أمرهم بالظهر لأنه لم يثبت ذلك وهاك النصوص: عن زيد بن أرقم ﵁ وسأله معاوية: (هل شهدت مع رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا؟ قال: نعم، صلى العيد أول النهار ثم رخص في الجمعة فقال: من شاء أن يجمع فليجمع) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزئه من الجمعة وإنا مجمعون) رواه أبو داود وابن ماجة. وعن وهب بن كيسان قال: (اجتمع عيدان على عهد ابن الزبير فأخر الخروج حتى تعالى النهار ثم خرج فخطب ثم نزل ثم صلى ولم يصل للناس بوم الجمعة فذكرت ذلك لابن عباس فقال: أصاب السنة) رواه النسائي وأبو داود بنحوه لكن من رواية عطاء. ولأبي داود عن عطاء قال:
следующие страницы →