← История

История · id 9091

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

اليافعي

Полный текст (1 334 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

المقتدي بهم الأنام، ووقع بينه وبين أبي محمد بن حزم المعروف بالظاهري مجالس ومناظرات، ولي القضاء بالأندلس، وقد قيل إنه ولي قضاء حلب أيضاً. وأخذ عنه أبو عمر بن عبد البر صاحب الاستيعاب، وكان يقول: سمعت أبا ذرعبد بن أحمد الهروي يقول: لو صحت الإجازة لبطلت الرحلة. وروى عنه الخطيب البغدادي قال: أنشدني أبو الوليد الباجي لنفسه: اذا كنت أعلم عماً يقيناً ... بأن جميع حياتي كساعة فلم لا أكون ضنيناً بها ... وأجعلها في صلاح وطاعة والباجي نسبة إلى باجة وهي مدينة بإفريقية، وهناك باجة أخرى وهي قرية من قرى أصبهان. وفيها توفي أبو بكر محمد بن المزكي النيسابوري المذكور المحدث. كتب عنه خمسمائة نفس، وأكثر عن أبيه وأبي عبد الرحمن السلمي والحاكم. وروى عنه الخطيب مع تقدمه. توفي في رجب. سنة خمس وسبعين واربع مائة فيها قدم الشريف أبو القاسم البكري الواعظ من عند نظام الملك إلى بغداد، فوعظ بالنظامية، ونبذا الحنابلة بالتجسيم، فسبوه وتعرضوا له، وكبس دور بني الفراء، وأخذ كتاب القاضي أبي يعلى في إبطال التأويل، وكان يقرأ بين يديه وهو على المنبر، فيشفع به ويشيع شأنه. وفيها توفى محدث أصبهان ومسندها عبد الوهاب ابن الحافظ أبي عبد الله العبدي الأصفهاني. وفيها أوفى حدودها توفي أبو الفضل المطهر بن عبد الواحد الأصفهاني. سنة. ست وسبعين واربع مائه فيها عزم أهل حران وقاضيهم على تسليم حران إلى أمير التركمان لكونه سنياً،

стр. 772

وغضبوا على صاحب الموصل لكونه رافضياً، ولكونه يساعد المصريين على محاصرة دمشق فأسرع إلى حران، ورماها بالمنجنيق، وأخذها وذبح القاضي وولديه. وفيها توفي الشيخ الإمام المتفق على جلالته وبراعته في الفقه والأصول وزهادته وورعه وعبادته وصلاحه وجميل صفاته السيد الجليل أبو إسحاق، المشهور فضله في الآفاق جمال الدين ابراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي الفيروزأبادي، وعمره ثلاث وثمانون سنة دخل شيراز، وقرأ بها الفقه على أبي عبد الله البيضاوي، وعلى عبد الوهاب بن رامين، ثم دخل البصرة، وقرأ فيها على بعض علمائها، ودخل بغداد سنة خمس عشرة وأربعمائة، تفقه على جماعة من الأعيان، وصحب القاضي أبا الطيب الطبري، ولازمه كثيراً، وانتفع به، وظهرفضله، وتميز على أصحابه، وناب عنه في مجلسه، ورتبه مفيداً في حلقته، وصنف التصانيف المباركة المفيدة المشهورة السعيدة، منها التنبيه والمهذب في الفقه واللمع وشرحه في أصول الفقه والنكت في الخلاف والمعونة في الجدل، وله شعر حسن، ومنه قوله: سألت الناس عن خل وفي ... فقالوا ما إلى هذا سبيل تمسك إن ظفرت ودحر ... فإن الحر في الدنيا قليل وقوله أيضاً فيما نقله بعضهم: أحب الكأس من غير المدام ... وأهوى للحسان بلا حرام وما حبي لفاحشة ولكن ... رأيت الحب أخلاق الكرام وقوله أيضاً فيما عزي إليه: حكيم يرى أن النجوم حقيقة، ويذهب في أحكامها كل مذهب يخبر عن أفلاكها وبروجها، وما عنده علم بما في المغيب. وسيأتي ذكر شيء مما قيل فيه وفي كتبه. وذكر الحافظ ابن عساكر أنه كان أنظر أهل زمانه وأفصحهم وأورعهم وأكثرهم تواضعاً وبشرى. انتهت إليه رئاسة المذهب، ورحل إليه الفقهاء من الأقطار، وتخرج به أئمة كبار، ولم يحج، ولا وجب عليه حج، لأنه فقيراً متعففاً قانعاً باليسير. سمع الحديث من أبي علي ابن شاذان وأبي بكر البرقاني وغيرهما، وتفقه على جماعة في شيراز والبصرة وبغداد. قلت وقد ذكر الشيخ أبو إسحاق المذكور في طبقات الفقهاء قريب عشرة من شيوخه، منهم من انتسب إليه، وأشهرهم في الانتساب إليه والاشتغال عليه والملازمة له والأخذ عنه: الإمام القاضي أيو الطيب الطبري. قال الحافظ ابن عساكر: وكان يظن ممن لا يفهم أنه مخالف للأشعري - لقوله في كتابه في أصول الفقه: وقالت الأشعرية الأمر، لا

стр. 773

صيغة له قال: وليس ذلك لأنه يعتقد اعتقاده، وإنما قال ذلك لأنه خالفه في هذه المسألة التي هي مما تفرد بها أبو الحسن. قال: وقد ذكرنا فتواه فيمن خالف الأشعرية واعتقد بتبديعهم، وذلك أوفى دليل على أنه منهم. انتهى كلام الحافظ ابن عساكر. قلت: والفتوى المذكورة عن الشيخ أبي إسحاق في هذه الألفاظ التي نقلها الإمام ابن عساكر الجواب، وبالله التوفيق. إن الأشعرية هم أعيان أهل السنة ونصار الشريعة، انتصبوا للرد على المبتدعين القدرية والروافض وغيرهم، فمن طعن فيهم فقد طعن على أهل السنة، وإذا رفع أمر من يفعل ذلك الى الناظر في أمر المسلمين وجب عليه تأديبه بما يرتدع كل أحد. وكتب ابراهيم بن علي الفيروزأبادي، وبعده جوابي مثله، وكتب محمد بن أحمد الشاشي، وذكر الحافظ ابن عساكر أيضاً أجوبة أخرى لقاضي القضاة الدامغاني وأصحاب الحديث، ولا نطول بذكر ذلك. وقال الحافظ محب الدين بن النخار: فاق أهل زمانه في العلم والزهد، وانتشر فضله في القرب والبعد، أو قال: في البلاد. وأكثر علماء الأمصار من تلامذته. وروى عنه الإمام الحافظ السمعاني بسنده في تذييله على تاريخ بغداد أنه قال: كنت نائما فرأيت رسول الله صلى عليه وآله وسلم ومعه أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فقلت: يا رسول الله، بلغني عنك أحاديث كثيرة، وأريد أن أسمع منك حديثاً بغير واسطة وروي بعضهم، أتشرف به في الدنيا، وأجعله ذخراً في الآخرة، فقال ﵌: يا شيخ، من أراد السلامة فليطلبها في سلامة غيره منه، وكان يفرح ويقول: سماني سول الله ﵌ شيخاً. قال الإمام السمعاني: وسمعت جماعة يقولون: لما قدم أبو إسحاق رسولاً إلى نيسابور يعني رسول الخليفة أمير المؤمنين المقتدي بأمر الله تلقاه الناس، وحمل الإمام أبو المعالي الخويني غاشية، ومشى بين يديه يعني بذلك إمام الحرمين. قلت: وسيأتي في ترجمة إمام الحرمين أن الشيخ أبا إسحاق عظمه أيضا فقال: تمتعوا بهذا الإمام، فإنه نزهة هذا الزمان. مشيراً إلى امام الحرمين. رواه السمعاني. وذكر بعض أهل الطبقات كلاماً معناه أنه حكي أن الشيخ أبا إسحاق تناظر هو وإمام الحرمين، فغلبه أبو إسحاق بقوة معرفته بطريق الجدل. قلت وقد سمعت من بعض المشتغلين بالعلم نحواً من هذا، وأن إمام الحرمين قال

стр. 774

له: والله اعلم ما غلبتني بفقهك، ولكن بصلاحك. هكذا حكي والله أعلم. وذكروا أنه لما شافهه أمير المؤمنين بالرسالة قال: وما يدريني أنك أمير المؤمنين ولم أرك قبل هذا قط؟! فتبسم الخليفة من ذلك، وأعجبه، فأحضر من عرفه به. وذكروا أيضاً أنه كان في طريق، فمر كلب، فزجره بعض أصحابه، فقال له أبو إسحاق: أما علمت أن الطريق مشتركة بيننا وبينه؟ وله في الورع حكايات شهيرة. ومن تواضعه أنه كان - مع جلالته وعلو منزلته - يحضر مجلس بعض تلامذة إمام الحرمين، أعني مجلس وعظه، وهو الشيخ الإمام البارع جامع المحاسن والفضائل بلا منازع أبو نصر عبد الرحيم ابن الإمام أبي القاسم القشيري كما سيأتي. وذكر الحافظ ابن النجار أنه لما ورد بلاد العجم، كان يخرج إليه أهلها بنسائهم، فيمسحون أردانهم يعني به أو قال: أردانهم به، ويأخذون تراب نعله، فيستشفون به. وذكر علماء التاريخ أنه لما فرغ نظام الملك من بناء المدرسة النظامية التي في بغداد سنة تسع وخمسين وأربع مائة قرر لتدريسها الشيخ أبا إسحاق. واجتمع الناس من سائر أعيان البلد وجوه الناس على اختلاف طبقاتهم، فلم يحضر الشيخ أبو إسحاق، وسبب ذلك أنه لقيه صبي قيل حمال من السوق فقال له: كيف تدرس في مكان مغصوب. فرجع واختفى، فلما أيسوا من حضوره قالوا: ما ينبغي أن ينصرف هذا الجمع إلا بعد تدريس، فدرس الإمام أبو نصر بن الصباغ - مصنف الشامل وقيل: لم يكن حاضراً، بل نفذ إليه عند ذلك، فحضر ودرس. فلما وصل الخبر إلى نظام الملك أقام القيامة على العميد أبي سعيد، فلم يزل يرفق بالشيخ أبي إسحاق حتى عرس بها. وذكر بعضهم أن الشيخ أبا إسحاق ظهر في مسجده بعد اختفائه، ولحق أصحابه من ذلك ما بان عليهم، وفتروا عن حضور درسه، وراسلوه أنه أن لم يدرس بها مضوا إلى ابن الصباغ، وتركوه، فأجاب إلى التدريس بها، وعزل ابن الصباغ، وكان مدة تدريسه بها عشرين يوماً. قلت لماذا كان الحامل للشيخ أبي إسحاق على التدريس بها قول طلبته المذكور، وفتورهم عن حضور درسه، فذلك يحمل على حرصه على نشر علمه، ونفع المسلمين به، ويكون ذلك من النصيحة للدين والاهتمام بالقيام لإظهار ما شرع من الأحكام، وتعليمها للراغبين فيها من الأنام، وكراهية أن يكون علمه مهجوراً، وتعطيل النفع بما سعى في تحصيله دهوراً.

стр. 775

قلت ومما يناسب ذلك ما جرى لبعض علماء اليمن، وهو الفقيه الإمام الكبير البارع الولي الشهير، قدوة الزمن، ومفتي اليمن: علي بن قاسم، وذلك أن سلطان اليمن لما ثبت عنده أنه أفضل أهل زمانه في نواحي مكانه، ندبه إلى التدريس في مدرسته، فامتنع، فراجعه في ذلك، فلم يوافق، فقالوا له: إما تدرس في مدرستي، وإما تخرج من بلادي، فقال: أنا أخرج، فخرج إلى بعض الأمكنة التي لا يجتمع فيها من الطلبة مثل ما يجتمع في المدن، فأخذ يدرس فيها، فلم يحضر عنده إلا نفر يسير، خلاف ما كانه يحضره عنده من الجمع الكثير، فأنكر في ذلك، وقال: أرجع أدرس في المكان الذي كنت فيه - والبلاد بلاد الرحمن، ما هي بلاد السلطان فرجع، فأعلم السلطان - برجوعه، فقال: لعله قبل التدريس، فاستحضره، وأمره بالذهاب إلى المدرسة، فامتنع من ذلك، فقال: اذهبوا به إلى الحبس، فذهبوا به، فلما بلغ ببعض الطريق، أمر برده، فلما رجع إليه قال له: المصلحة أن تدرس، فأبى ورأى المصلحة بخلاف ذلك، فقال: اذهبوا به إلى الحبس، فذهبوا به إلى أن بلغ ما شاء الله من الطريق، ثم استدعى برده فلما رجع تكلم عليه، وحذره من المخالفة، وبالغ في ذلك، فقال: لا سبيل إلى ذلك، فقال: اسجنوه، فسجنوه بعنف، وربما أخذوه بأطوار، فقال: يا قميص، اخنقه. أو كما قال من الكلام مشيراً بذلك إلى قميص السلطان، فخنق السلطان قميصه، ونزل عليه من البلاء ما لا يطيقه، فصاح: أطلقوه، أطلقوه. فما أطلقوه، فأطلقه السلطان لما أصابه من البلاء والامتحان. ومما وقع للفقيه المذكور مع السلطان أنه حضر شهر رمضان في وفد السلطان، فقال: انظروا أفضل الناس يصلي بنا في هذا الشهر. فقالوا: ما هنا أفضل من الفقيه علي بن قاسم، فاستدعى به السلطان، والتمس منه أن يؤمهم، فلما كان أول ليلة من رمضان، تقذم على أنه يصلي بهم، فطار شرار من الشماع التي في حضرة السلطان، فوقعت في ثياب الفقيه المذكور، فنفض ثيابه، وهج خارجاً من ذلك المكان وهو يقول: " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار "، - هود ١١٣ -. وكان من حدة ذكائه وقوة براعته في الفقه أنه التزم ان جميع ما يسأل عنه لا يجيب عنه إلا من كتاب التنبيه. رجعنا إلى ذكر صاحب التنبيه: أخبرني بعض الفقهاء الصلحاء، أفضل أهل الصنعاء، ممن يرد عليه أحوال الفقراء، قال: كنا جماعة نتدارس التنبيه، كما يتدارس القرآن، فبينا نحن في بعض الأيام نتدارسه، إذ كشف لي عن الشيخ أبي إسحاق حاضراً معنا في المجلس، وإذا به يقول ما معناه: حسبت في كتابي ما حسبته من خير الآمال، وما حسبت قط أنه بلغ إلى هذا الحال، أو نحو ذلك من المقال. يعني: أنه يتدارس كما يتدارس القرآن. وقال القاضي محمد بن محمد الماهاني: إمامان ما اتقق لهما الحج: الشيخ أبو إسحاق، والقاضي ابو عبد الله الدامغاني. اما أبو إسحاق، فكان فقيراً، ولكن لو اراده لحمل على الأعناق. وأما الدامغاني، فلو أراد الحج على السندس والاستبرق لأمكنه. وقال الفقيه أبو الحسن محمد بن عبد الملك الهمداني: حكى أبي قال: حضرت مع قاضي القضاة أبي الحسن الماوردي - سنة أربعين وأربعمائة - في عزاء إنسان سماه، فتكلم الشيخ أبو إسحاق، فلما خرجنا، قال الماوردي: ما رأيت كأبي إسحاق، لو رأه الشافعي لتجمل به، أو قال: لأعجب به. وقال الإمام أبو بكر الشاشي مصنف المستظهري: وشيخنا أبو إسحاق حجة على أئمة العصر. وقال الموفق الحنفي: الشيخ أبو إسحاق أمير المؤمنين فيما بين الفقهاء. وقال الإمام السمعاني: كان أبو إسحاق يوسوس في الطهارة. سمعت عبد الوهاب الأنماطي يقول: كان الشيخ أبو إسحاق يتوضأ في الشط، فغسلرني بعض الفقهاء الصلحاء، أفضل أهل الصنعاء، ممن يرد عليه أحوال الفقراء، قال: كنا جماعة نتدارس التنبيه، كما يتدارس القرآن، فبينا نحن في بعض الأيام نتدارسه، إذ كشف لي عن الشيخ أبي إسحاق حاضراً معنا في المجلس، وإذا به يقول ما معناه: حسبت في كتابي ما حسبته من خير الآمال، وما حسبت قط أنه بلغ إلى هذا الحال، أو نحو ذلك من المقال. يعني: أنه يتدارس كما يتدارس القرآن. وقال القاضي محمد بن محمد الماهاني: إمامان ما اتقق لهما الحج: الشيخ أبو

стр. 776

إسحاق، والقاضي ابو عبد الله الدامغاني. اما أبو إسحاق، فكان فقيراً، ولكن لو اراده لحمل على الأعناق. وأما الدامغاني، فلو أراد الحج على السندس والاستبرق لأمكنه. وقال الفقيه أبو الحسن محمد بن عبد الملك الهمداني: حكى أبي قال: حضرت مع قاضي القضاة أبي الحسن الماوردي - سنة أربعين وأربعمائة - في عزاء إنسان سماه، فتكلم الشيخ أبو إسحاق، فلما خرجنا، قال الماوردي: ما رأيت كأبي إسحاق، لو رأه الشافعي لتجمل به، أو قال: لأعجب به. وقال الإمام أبو بكر الشاشي مصنف المستظهري: وشيخنا أبو إسحاق حجة على أئمة العصر. وقال الموفق الحنفي: الشيخ أبو إسحاق أمير المؤمنين فيما بين الفقهاء. وقال الإمام السمعاني: كان أبو إسحاق يوسوس في الطهارة. سمعت عبد الوهاب الأنماطي يقول: كان الشيخ أبو إسحاق يتوضأ في الشط، فغسل وجهه مراراً، فقال له رجل: يا شيخ، أما تستحي تغسل وجهك كذا وكذا مرة؟! فقال أبو إسحاق: لو حصلت لي الثلاثة ما زدت عليها. يعني: لو حصل لي العلم أو الظن المولد بعموم الثلاث للوجه ما زدت عليها. انتهى. قلت: جميع هذا المذكور في الشيخ أبي إسحاق مما ذكره علماء الطبقات والتواريخ، ومما رويناه عن أهل العلم والخبر. ومن ذلك أيضاً ما ذكر بعضهم أنه رأى الشيخ الإمام أبا إسحاق المذكور بعد وفاته وعليه ثياب بيض، وعلى رأسه تاج - فقيل له: وما هذا البياض؟ فقال: شرف الطاعة. قال: والتاج؟ قال: عز العلم. وفيه قال عاصم بن الحسن: تراه من الذكاء نحيف جسم ... عليه من توقده دليل إذا كان الفتى ضخم المعالي ... فليس يضره الجسسم النحيل قال السلار العقيلي: كفاني إذا عز الحوادث صارم ... ينيلني المأمول في الإثر والأثر يقد ويفري في اللقاء كأنه ... لسان أبي إسحاق في مجلس النظر ومما قيل فيه: وكان قد استقر إجماع أهل بغداد بعد موت الخليفة على أن يعقد الخلافة لمن اختاره الشيخ أبو إسحاق، فاختار المقتدي بأمر الله فيما حكاه الإمام طاهر ابن الإمام العلامة يحيى بن أبي الخير العمراني فيما يغلب على ظنه.

стр. 777

ولقد رضيت عن الزمان وإن رمى ... قومي يخطب ضعضع الأركانا لما رآني طلبة الخبر الذي ... أحيى الإله بعلمه الأديانا أزكى الورى ديناً واكرم شيمة ... وأمد في طلق العلوم عنانا وأقل في الدنيا القصيرة رغبة ... ولطالما قد أنصف الرهبانا لله ابراهيم أي محقق ... صلب إذا رب البصيرة لانا فتخيله من زهده ومخافة ... لله قد نظر المعاد عيانا ومما قيل فيه وفي كتاب التنبيه ما رواه الحافظ ابن عساكر: سقياً لمن صنف التنبيه مختصراً ... ألفاظه العز واستقصى معانيه إن الإمام أبا إسحاق صنفه ... للة والدين لا للكبر والتنبيه رأى علوماً عن الأفهام شاردة ... فجازها ابن علي كلها فيه لا زلت للشرء ابراهيم منتصراً ... تذب عنه أعاديه وتحميه قلت: وفيه وفي كتاب المهذب، وما اشتمل عليه من الفقه والمسائل النفيسات، نظمت قصيدة من جملتها هذه الأبيات، بعدما طعن فيه بعض المتعصبين، وزعم أنه ليس فيه شيء من المسائل الفقهيات، وحلف على ذلك بعض إيمان الغليظات، فأرسل إلي من بعض البلاد البعيدة في السؤال عن ذلك، وعن اليمين المذكورة، فأجبت بجواب مشتمل علي التعنيف والإنكار الشديد على الطاعن في محاسنه المشهورة، وختمت الجواب بهذه الأبيات التي هي إلى فضائله مشيرات: إذا الغز عن غر المسائل سائل ... وقال: افتني أين استقرت فجاوب وقل غرها عن در فقه تبسمت ... ملاح الحلي حلت كتاب المذهب عذارى المعاني قد زهت في خدورها ... على غير كفو لازمات التحجب ذراري أبي إسحاق أكرم بسيد ... إمام نجيب للبعيد مقرب بمدح علاه لا أقوم وإنما ... أذب مقال الطاعن عن المتعصب قبولاً واقبالاً حظته سعادة ... وأضحى لطلاب كياقوت مطلب تصانيفه كم من إمام وطالب ... بها انتفعا في شرق أرض ومغرب وما ذاك إلاعن عطاء عناية ... وتخصيص فضل لاينال بمكسب ولما مات الشيخ أبو إسحاق رثاه أبو القاسم بن نافيا بالنون وبعد الالف فاء ثم المثناة من تحت هكذا هو في الاصل المنقول منه حيث قال: أجرى المدامع بالدم المهراق ... خصب أقام قيامه الآباق

стр. 778

ما لليالي لا تؤلف شملها ... بعد ابن نجدتها أبي إسحاق إن قيل مات فلم يمت من ذكره ... حي على مر الليالي باق ثم درس بعده في النظامية الإمام أبو سعيد المتولي مدة، ثم صرف بالإمام ابن الصباغ، ثم صرف ابن الصباغ أيضاً بأبي سعيد المذكور على ما نقل بعضهم - وذكر بعضهم أنه لما توفي الشيخ أبو إسحاق، جلس أصحابه للعزاء بالمدرسة النظامية، فلما انقضى العزاء رتب مؤيد الملك ابن نظام الملك علي سعيد المتولي، ولما بلغ الخبر نظام الملك كتب بإنكار ذلك، وقال: كان من الواجب أن تغلق المدرسة سنة لأجله. وأمر أن يدرس الشيخ أبو نصر بن الصباغ. قلت وممن درس في النظامية من الأئمة الكبار أبو حامد الغزالي، وأبو بكر الشاشي صاحب المستظهري، وأبو النجيب السهروردي، وجماعة كبار مترتبون على تعاقب الأعصار، وقد يتعجب من عدم ذكر التدريس بها إمام الحرمين، وليس بعجب، فإن إمام الحرمين كانت إقامته بنيسابور، وكان مدرساً هنالك بالمدرسة النظامية. قلت وهذا ما اقتصرت عليه من ذكر مناقب الشيخ أبي إسحاق، وله فضائل جليلة، ومحاسن جميلة، وسيرة حميدة طويلة. ثم أدبه وزهادته، وورعه وعبادته، وفضائله وبراعته، وتواضعه وقناعته، وصلاحه وكرامته وغير ذلك من مشهور المناقب ومشكور المواهب التي لا يحصرها عد حاسب. ومن ورعه ما حكوا أنه كان إذا حضر وقت الصلاة خرج من المدرسة النظامية، وصلى في بعض المساجد. وكان يقول رحمة الله عليه: بلغني أنه أكثر آلاتها غصب واصلة على مر الدهور بالنفحات الالهية. وفي السنة المذكورة توفي طاهر بن الحسين القواس الحنبلي، وكان إماماً في الفقه والورع ﵀. وفيها توفي الحافظ عبد الله بن العطار الهروي. وفيها توفي الواعظ البكري الأشعري أبو بكر المغربي. وفد على نظام الملك بخراسان، فكتب له سجلاً أن يجلس بجوامع بغداد، فقدم، وجلس، ووعظ، ونال من الحنابلة سباً وتكفيراً، ونالوا منه. وفيها توفي مقرىء الأندلس في زمانه أبو عبد الله محمد بن شريح الرعيني الأشبيلي، مصنف كتاب الكافي وكتاب التذكير سمع من أبي ذر الهروي وجماعة.

стр. 779

سنة سبع وسبعين واربع مائة فيها سار صاحب قونية سليمان السلجوقي إلى الشام بجيوشه، فأخذ أنطاكية، وكانت بيد النصارى منذ مائة وعشرين سنة، وكان ملكها قد سار عنها إلى بلاد الروم، ورتب بها نائباً، فأساء إلى أهلها وإلى الجند في إقامته بها. فلما دخل بلاد الروم، واتفق ولده والنائب المذكور على تسليمها إلى صاحب قونية، وكاتبوه، فأسرع في البحر، ثم طلع، وسار إليها في جبال وعرة، فأتاها بغتة، فنصب السلالم ودخلها، وقتل جماعة، وعفا عن الرعية، وأخذ منها أموالاً لا تحصى، ثم بعث إلى السلطان ملك شاه، يبشره بالفتح. وكان صاحب الموصل يأخذ الوظيفة من أنطاكية، فطلب العادة من سليمان، فقال له ذلك المال جزية، وأنا بحمد الله مؤمن. وفيها توفي ذو الوزارتين محمد بن عمار الأندلسي الشاعر المشهور. كانت ملوك الأندلس تخافه لبذاءة لسانه وبراعة جنانه. وكان جليساً وشهيراً ووزيراً ومشيراً لصاحب الأندلس في زمانه، ثم خلع عليه خاتم الملك، ووجهه أميراً، فتبعته المواكب والمضارب والنجائب والكتائب والجنود، وضربت خلفه الطبول، ونشرت على رأسه الرايات، فملك مدينة تدمير بضم المثناة من فوق وكسر الميم وسكون الدال المهملة بينهما وقبل الراء مثناة من تحت ساكنة وأصبح راقي منبر وسرير، مع ما كان فيه من عدم السياسة وسوء التدبير، ثم بادر إلى عقوق من قربه، فانقلبت الدائرة عليه خوفاً، وخاف فيما طلبه، وحصل في القبصة قبيصاً، وأصبح لا يجد له محيصاً، إلى أن قتل في قصره، وأضحى مدفوناً في قبره، وله أشعار جميلة، ومن جملة قصيدة له طويلة في المعتضد بن عباد: ملوك العز في عرصاتهم ... ومثوى المعالي بين تلك المعالم هو البيت يا عز الضنى لبنائه ... بأس وما عز القنا لدعائم وفيها توفي العالم النبيل اسماعيل بن معبد بن اسماعيل ابن الإمام أبي بكر الإشبيلي الجرجاني. كان وافر الحشمة، له يد في النظم والنثر. وفيها قيل في التي قبلها توفيت أم الفضل بنت عبد الصمد الهروية. لها جزء مشهور بها، يرويه عن عبد الرحمن بن أبي شريح. عاشت تسعين سنة. وفيها توفي أبو سعيد عبد الله ابن الإمام عبد الكريم بن هوازن القشيري، أكبر الإخوة،

стр. 780

وعاشت أمه فاطمة بنت الشيخ أبي علي الدقاق بعد أربعة أعوام، وعمره أربع وستون سنة. وفيها توفي الفقيه الإمام مفيد الطلاب، ومفتي الأنام: عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد البغدادي أبو نصر المعروف بابن الصباغ. كان فقيه العراقين، وكان يضاهي الشيخ أبا إسحاق الشيرازي. وبعضهم يرجحه عليه في معرفة المذهب. قلت: يعنون في معرفة الفروع، وأما معرفة الأصول أو المباحث العقلية فأبو إسحاق مرجح عليه وعلى عامة الفقهاء، إلا ما شاء الله تعالى. وكان يرحل إليه من البلدان، وكان تقياً صالحاً حجة. ومن مصنفاته كتاب الشامل في الفقه، وهو من أجود كتب الشافعية وأصحها نقلاً وأثبتها أدلة. وله كتاب تذكرة العالم والطريق السالم والعدة في أصول الفقه وولي التدريس في النظامية، على ما تقدم إيضاحه في ترجمة الشيخ أبي إسحاق، وقيل إنه كف بصره في آخر عمره. وفي السنة المذكورة توفي الشيخ الجليل الكبير الشأن الفضل بن محمد المرشد شيخ خراسان، أبو علي المعروف بالفارمدي. قال الشيخ عبد الغافر: هو شيخ الشيوخ في عصره، المنفرد بطريقته في التذكير التي لم يسبق إليها في حسن عبارته وتهذيبه، وحسن آدابه، ومليح استعارته، ودقة إلطافه، دخل نيسابور، وصحب الأستاذ أبا القاسم القشيري، وأخذ في الاجتهاد البالغ إلى أن نال، وحصل له عند نظام الملك قبول خارج عن الحد روى عن جماعة، وعاش سبعين سنة. وفيها توفي الحافظ أبو سعيد مسعود بن ناصر السجزي، رحل، وصنف، وحدث عن جماعة، وقال الدقاق: لم أر أجود إتقاناً ولا أحسن ضبطاً منه. ؟ سنة ثمان وسبعين واربع مائة فيها صارت الفتنة بين الرافضة والسنية، اقتتلوا، وأحرقت أماكن. وفيها توفي الحافظ المتقن أبو العباس أحمد بن عمر الأندلسي. روى عن أبي الحسن بن جهضم وطائفة، ومن جلالته أنه روى عنه إماما الأندلس: ابن عبد البز وابن حزم. وله كتاب دلائل النبوة. وفيها ليلة الجمعة ثامن عشر شوالها توفي الإمام الكبير الفقيه البارع المجيد ذو الوصف الحميد، والمنهج السديد أبو سعد على القول الأصح وقيل: أبو سعيد المتولي: عبد الرحمن ابن محمد المعروف بالمتولي النيسابوري، شيخ الشافعية، وتلميذ القاضي حسين. كان جامعاً بين العلم والدين، وحسن السيرة وتحقيق المناظرة، له يد قوية في الأصول والفقه، والخلاف

стр. 781

والتدريس. وصنف كتاب التتمة، تمم به كتاب الإبانة تصنيف شيخه أبي القاسم الفوراني بالنون قبل ياء النسبة والفاء المضمومة قبل الواو والراء بعدها ودرس بالنظامية بعد الشيخ أبي إسحاق عشرين يوماً، ثم صرف بابن الصباغ، ثم صرف ابن الصباغ به، واستمر بها أبو سعد إلى أن توفي، وتخرج به جماعة من الأئمة، وسمع الحديث، وصنف في الفقه، وعجلته المنية قبل إتمامه التتمة، وأتمه من بعده جماعة، ولم يأتوا بالمقصد، ولا سلكوا طريقه، فإنه جمع في كتابه الغرائب من المسائل، والوجوه الغريبة التى لا تكاد توجد في كتاب غيره. وله في الفرائض مختصر صغير مفيد جداً، وله في الخلاف طريقة جامعة لأنواع المسائل، وله في أصول الدين تصنيف صغير، وكل تصانيفه نافعة. قال بعض المؤرخين: ولم أعلم لأي معنى دعي المتولي. وفيها توفي أبو معشر عبد الكريم بن عبد الصمد الطبري المصري، نزيل مكة، وصاحب كتاب التلخيص. وفيها توفي شيخ المعتزلة محمد بن أحمد الكرخي، وقاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني محمد بن علي الحنفي. تفقه بخراسان ثم ببغداد على القدوري، وسمع من الصوري وجماعة، وكان نظير القاضي أبي يوسف في الجاه والحشمة والسؤدد، بقي في القضاء دهراً دفن في القبة إلى جنب الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه. وفيها توفي الإمام الحفيل السيد الجليل، المجمع على إمامته، المتفق على غزارة مادته وتفننه في العلوم من الأصول والفروع والأدب وغير ذلك، الإمام الناقد المحقق البارع النجيب المدقق، أستاذ الفقهاء المتكلمين، وفحل النجباء والمناظرين، المقر له بالنجابة والبراعة، وتحقيق التصانيف وملاحتها، وحسن العبارة وفصاحتها، والتقدم في الفقه، ذو الأصلين: النجيب ابن النجيب، إمام الحرمين، حامل راية المفاخر وعلم العلماء الأكابر: أبو المعالي عبد الملك ابن ركن الإسلام أبي محمد، فخر الإسلام والأئمة، ومفتي الإمام المجمع على إمامته شرقاً وغرباً، المقر بفضله السراة والحراة، عجماً وعرباً، رباه حجر الإمامة، وحرك ساعد السعادة مهده، وأرضعه ثدي العلم والورع، إلى أن ترعرع فيه ونفع، أخذ العربية وما يتعلق بها أوفر حظ ونصيب، وزاد فيها على كل أدب، ورزق من التوسع في العبارة بعلوها ما لم يعهد من غيره، حتى أنسى ذكر سبحان، وفاق فيها الأقران، وحمل القرآن، وأعجز الفصحاء اللد، وجاوز الوصف والحد، وكان يذكر دروساً، يقع كل واحد منها في أطباق وأوراق، يتلعثم في كلمة، ولا يحتاج فيها إلى استدراك غيره، يمر فيها كالبرق الخاطف بصوت مطابق كالرعد القاصف، لا يلحقه المبرزون، ولا يدرك شأوه المتشدقون المتفيهقون،

стр. 782

وما يوجد في كثير من العبارات البالغة كنه الفصاحة، غيض من فيض ما كان على لسانه، وغرفه من أمواج ما كان يعهد من بيانه. تففه في صباه على والده ركن الاسلام، وكان يزهى بطبعه وتحصيله، وجودة قريحته، وكياسة غريزته، لما يرى فيه من المخائل، ثم خلفه من بعد وفاته، وأتى على جميع مصنفاته، فقلبها ظهر البطن، وتصرف فيها، وخرج المسائل بعضها على بعض، ودرس سنين، ولم يرض في شبابه وتقليد والده وأصحابه، حتى أخذ في التحقيق، وجد، واجتهد في المذهب والخلاف ومجالس النظر، حتى ظهرت نجابته، ولاح على أيامه همه أبيه وفراسته، وسلك طريق المباحثة، وجمع الطرف بالمطالعة والمناظرة، حتى أربى على المتقدمين، وأنسى مصنفات الأولين، وسعى في دين الله سعياً يبقى أثره إلى يوم الدين. ومن ابتداء أمره أنه لما توفي أبوه، كان سنه دون العشرين أو قريباً منها، فأقعد مكانه للتدريس، وكان يقيم الرسم في درسه، ويقوم منه، ويخرج إلى مدرسة الإمام البيهقي، حتى حصل الأصول وأصول الفقه على الأستاذ الإمام أبي القاسم الإسكاف، وكان يواظب على مجلسه. قال الراوي: وسمعته يقول في أثناء كلامه: كتبت عليه في الأصول أجزاء معدودة، وطالعت في نفسي مائة مجلدة، وكان يصل الليل بالنهار في التحصيل، حتى فرغ منه، وكان يبكر قبل الاشتغال بالتدريس إلى مسجد الأستاذ أبي عبد الله الخبازي، يقرأ عليه القرآن، ويقتبس من كل نوع من العلوم ما يمكن، مع مواظبته على التدريس، ويجتهد في ذلك، ويواظب على المناظرة، إلى أن ظهر التعضب بين الفريقين: الأشعرية والمبتدعة، واضطربت الأحوال والأمور، واضطر إلى السفر والخروج عن البلاد والوطن، فخرج مع المشايخ إلى العسكر، ثم خرج إلى بغداد، يطوف ويلتقي الأكابر من العلماء ويدارسهم، ويناظرهم، حتى تهذب في النظر، وشاع ذكره، واشتهر. ثم خرج إلى الحجاز وجاور بمكة أربع سنين، يدرس ويفتي، ويجمع طرق المذهب، صول الفقه على الأستاذ الإمام أبي القاسم الإسكاف، وكان يواظب على مجلسه. قال الراوي: وسمعته يقول في أثناء كلامه: كتبت عليه في الأصول أجزاء معدودة، وطالعت في نفسي مائة مجلدة، وكان يصل الليل بالنهار في التحصيل، حتى فرغ منه، وكان يبكر قبل الاشتغال بالتدريس إلى مسجد الأستاذ أبي عبد الله الخبازي، يقرأ عليه القرآن، ويقتبس من كل نوع من العلوم ما يمكن، مع مواظبته على التدريس، ويجتهد في ذلك، ويواظب على المناظرة، إلى أن ظهر التعضب بين الفريقين: الأشعرية والمبتدعة، واضطربت الأحوال والأمور، واضطر إلى السفر والخروج عن البلاد والوطن، فخرج مع المشايخ إلى العسكر، ثم خرج إلى بغداد، يطوف ويلتقي الأكابر من العلماء ويدارسهم، ويناظرهم، حتى تهذب في النظر، وشاع ذكره، واشتهر. ثم خرج إلى الحجاز وجاور بمكة أربع سنين، يدرس ويفتي، ويجمع طرق المذهب ويقلل على تحصيل، وبهذا قيل له إمام الحرمين، قلت: هكذا قيل إنه لقب بهذا اللقب بهذا السبب، وكأنه صار متعيناً في الحرمين، متقدماً على علمائهما، مفتياً فيهما، ويحتمل أنه على وجه التفخيم له كما هو العادة في أقوالهم ملك البحرين وقاضي الخافقين. ونسبة إمامته في الحرمين لشرفهما، توصلا إلى الإشارة إلى شرفه وفضله، وبراعته ونبله، وتحقيقه وفهمه وعند الله في ذلك حقيقة علمه. ثم رجع بعد مضي نوبة التعصب، فعاد إلى نيسابور، وقد ظهرت نوبة السلطان ألب أرسلان، وتزين وجه الملك بإشارة نظام الملك، واستقرت أمور الفريقين، وانقطع

стр. 783

التعصب، فعاد إلى التدريس، وكان بالغاً في العلم نهاية، مستجمعاً أسبابه، فبنيت المدرسة الميمون النظامية، وأقعد للتدريس فيها، واستقامت أمور الطلبة، وبقي ذلك قريباً من ثلاثين سنة من غير مزاحم ولا مدافع، فسلم له المحراب والمنبر، والخطابة والتدريس، ومجلس التذكير يوم الجمعة والمناظرة، وهجرت له المجالس، فانغمز غيره من الفقهاء بعلمه وتسلطه. قلت: يعني اقتداره على العلوم والتصرف فيها وكسدت الأسواق في جنبه، ونفق سوق المحققين من خواصه وتلامذته، وظهرت تصانيفه، وحضر درسه الأكابر والجمع العظيم من الطلبة، وكان يقعد بين يديه كل يوم نحو ثلاثمائة رجل من الأئمة والطلبة، وتخرج به جماعة من الأئمة الفحول وأولاد الصدور، حتى بلغوا محل التدريس في زمانه، وانتظم بإقباله على العلم، ومواظبته على التدريس والمناظرة، والمباحثة أسباب ومحافل، ومجامع وإمعان في طلب العلم، وسوق نافقة لأهله، لم تعهد قبله. واتصل به ما يليق بنصبه من القبول عند السلطان والوزير والأركان، ووفور الحشمة عندهم، بحيث لا يذكر من غيره، وكان المخاطب والمشار إليه، والمقبول من قبله، والمهجور من هجره، المصدر في المجالس، من ينتهي إلى خدمته، والمنظور إليه، من يعترف في الأصول والفروع من طريقته، واتفق منه تصانيف، مثل النظامي والغياتي حصل بسببها موقع القبول، بما يليق بها من الشكر والرضاء، والخلع الفائقة والمراكب الثمينه، والهدايا والموسومات، كذلك إلى أن قلد زعامة الأصحاب، ورئاسة الطائفة، وفوض اليه أمور الأوقاف، وصارت حشمة وزراء العلماء والأئمة والقضاة، وقوله في الفتوى مرجع العظماء والأكابر والولاة، واتققت له نهضة في أول ما كان من أيامه إلى اصبهان، بسبب مخالفة بعض الأصحاب، فلقي بها من المجلس النظامي ما كان اللائق بمنصبه من الاستيشار والإعزاز والإكرام بأنواع المبار، وأجيب بما كان فوق مطلوبه، وعاد مكرماً إلى نيسابور، وصار أكثر عنايته مصروفاً إلى تصنيف الكتاب الكبير في المذاهب، المسمى بنهاية المطلب في دراية المذهب، حتى حرره، وأملاه، وأتى فيه من البحث والتقرير، والسبك والتنقير، والتدقيق والتحقيق، بما شفى العليل، وأوضح السبيل، ونبه على قدره ومحله في علم الشريعة، ودرس ذلك للخواص والتلامذة، وفرغ منه ومن إتمامه، فعقد مجلساً لتتمة الكتاب، حضره الأئمة والكبار، وختم الكتاب على رسم الإملاء والاستملاء، وتبجح الجماعة بذلك، ودعوا له، وأثنوا عليه، وكانوا من المعتدين بإتمام ذلك، شاكرين عليه، فما صنف في الإسلام قبله مثله، ولا اتفق لأحد ما اتفق له، ومن قاس طريقته وطريقة المتقدمين في الأصول والفروع، وأنصف، أقر بعلو منصبه ووفور تعبه ونصبه في الدين، وكثرة شهرته في استنباط الغوامض، وتحقيق المسائل، وترتيب الدلائل.

стр. 784

ومن تصانيفه المشهورة المفيدة النافعة الحميدة الشامل في أصول الدين، والإرشاد والعقيدة النظامية وغياث الأمم في الإمانة ومغيث الخلق في اختيار الحق والبرهان في أصول الفقه وتلخيص التقريب وكتاب تلخيص نهاية المطلب، ولم يتمه وغنية المسترشدين في الخلاف، وغير ذلك من الكتب. وقال الراوي: ولقد قرأت فصلاً ذكر علي بن حسن بن أبي الطيب في كتاب دمية القصر مشتملاً على حاله. قلت: وقد وقفت على ما ذكره فيه، وبالغ في مدحه، وشكره بمحاسن يطول ذكرها، ويعظم شكرها، منها قوله: فالفقه فقه الشافعي، والأدب أدب الأصمعي، وحسن بصيرة بالمواعظ الحسن البصري، وكيفما كان فهو إمام كل إمام، المستعلي بهمته على كل همام، والفائز بالظفر على إرغام كل ضرغام. وقال الشيخ أبو الحسن بن أبي عبد الله الأديب في كتابه: كم له من فضل مشتمل على العبارة الفصيحة العالية، والنكت البديعة والنادرة، في المحافل منه سمعناه، وكم من مسائل في النظر شهدناه، ورأينا منه في إقحام الخصوم وعهدناه، وكم من مجلس في التذكير للعوام مسلسل المسائل، مشحون بالنكت المستنبطة من مسائل الفقه، مشتملة على حقائق الأصول، مبكية في التحذير، مفرحة في التبشير، مختومة بالدعوات وفنون المناجاة، حضرناه وكم من مجمع للتدريس جاء، وللكبار من الأئمة وإلقاء المسائل عليهم والمباحث في غورها رأيناه، وحصلنا بعض ما أمكننا منه وعقلناه، ولم نقدر ما كنا فيه من نصرة أيامه وزهرة شهوره وأعوامه حق قدره، ولم نشكر الله عليه حق شكره حتى فقدناه وسلبناه. قال: وسمعته يقول في أثناء كلامه: أنا لا أنام، ولا آكل عادة، وإنما أنام إذ غلبني النوم ليلاً كان أو نهاراً، آكل إذا اشتهيت أي وقت كان. وكانت لذته ولهوه ونزهته في مذاكرة العلم وطلب الفائدة من أي نوع كان. وقال: لقد سمعت الشيخ أبا الحسن المجاشعي النحوي القادم علينا سنة تسع وستين وأربع مائة يقول: وقد قبله الإمام فخر الإسلام وقابله بالإكرام، وأخذ قي قراءة النحو عليه وتلمذ له بعد أن كان إمام الأئمة في وقته، وكان يحمله كل يوم إلى داره، ويقرأ عليه كتاب أكسير الذهب في صنعة الأدب من تصنيفه. وكان يحكي ويقول: ما رأيت عاشقاً للعلم أي نوع كان كمثل هذا الإمام، فإنه يطلب العلم للعلم، هذا بعض كلامه. قال بعض الأئمة: وكان كذلك.

стр. 785

ومما له من الجلالة والمفاخر ما أتى عليه الجلة الأكابر المشهورون بجلالة القدر والتقدم من علماء العصر، كجمال العلماء المجمع على فضله وجلالته، وعلو منزلته وإمامته، الشيخ أبي إسحاق الشيرازي. قال الإمام أبو سعد السمعاني: قرأت بخط أبي جعفر محمد بن علي الهمداني: سمعت الشيخ أبا إسحاق الفيروزأبادي يقول: تمتعوا بهذا لإمام، فإنه نزهة هذا الزمان، يعني أبا المعالي الجويني. وقال ابن خلكان في تاريخه: قاد أبو حامد: سمعت الشيخ أبا إسحاق الشيرازي يقول لإمام الحرمين: يا مفيد أهل المشرق والمغرب؛ نلت اليوم إمام الأئمة. قلت: وكذلك الإمام أبو المعالي المذكور، عظم الإمام أبا إسحاق المذكور، كما تقدم من حمله الغاشية بين يديه. ومن حميد سيرة أبي المعالي أنه كان ما يستصغر أحداً حتى يسمع كلامه مبتدئاً كان، أو منتهياً صغيراً كان، أو كبيراً ولا يستنكف من أن يعزي الفائدة المستفادة إلى قائلها، ويقول: إن هذه الفائدة مما استفدته من فلان، ولا يحتال أحداً أيضاً في التزييف إذا لم يرض كلامه ولو كان أباه أو احداً من الأئمة المشهورين. قلت: ومن ذلك قوله في بعض المسائل بعد ذكره مقال والده فيها: وهذه زلة من الشيخ يعني والده. وكان من التواضع لكل أحد بمحل، ويتحمل منه الاستهزاء لمبالغة فيه، ومن رقة القلب بحيث يبكي إن سمع بيتاً، أو تفكر في نفسه ساعة، وإذا شرع في حكاية لأحوال، وخاض في علوم الصوفية في فصول مجالسه للغدوات، حتى أبكى الحاضرين ببكائه، وتقطر الدماء من الجفون لزعقاته وإشاراته واحتراقه في نفسه، وتحققه بما يجري من دقائق الأسرار. هذه الجملة نبذ مما عهدناه منه إلى انتهاء أجله. ولما توفي ﵀ صاح الصائح من كل جانب، وجزع الخلق عليه جزعاً لم يعهد مثله، ولم تفتح الأبواب في البلد، ووضعت المناديل عن الرؤوس عاماً، بحيث ما اجترأ احد على ستر رأسه من الرؤوس والأكابر، وصلي عليه بعد جهد وشدة زحمة، ودفن في داره، ثم نقل بعد سنين إلى مقبرة الحسين، وكسر منبره في الجامع، وقعد الناس للعزاء أياماً. وكان طلبته قريباً من أربعمائة، يتفزقون في البلد نائحين عليه، وكان عمره تسعاً وخمسين سنة. وسمع الحديث من جماعة كثيرة، وله إجازة من الحافظ أبي نعيم الأصبهاني، صاحب حلية الأولياء، وقد سمع سنن الدارقطني من أبي سعيد بن عليك، وكان يعتمد تلك الأحاديث في مسائل الخلاف، ويذكر الجرح والتعديل منها في الرواية، وظني أن آثار جده واجتهاده في دين الله تعالى يدوم إلى قيام الساعة وإن انقطع نسله من جهة الذكور ظاهراً

стр. 786

فنشر علمه يقوم مقام كل نسب، ويغني عن كل سبب مكتسب. قلت: ومن المشهور المذكور في بعض التواريخ وغيرها أن والده الشيخ أبا محمد كان في أول أمره ينسخ بالأجرة، فاجتمع له من كسب يده شيء اشترى به جارية موصوفة بالخير والصلاح، ولم يزل يطعمها من كسب يده أيضاً إلى أن حبلت بإمام الحرمين وهو مستمر على تربيتها بمكتسب الحلال فلما وضعته، أوصاها أن لا تمكن أحداً من إرضاعه، فاتفق أنه دخل عليها يوماً وهي متألمة، والصغير يبكي، وقد أخذته امرأة من جيرانهم، وشاغلته بثديها فرضع منها قليلاً فلما رآه شق عليه، وأخذه إليه، ونكس رأسه، ومسح على بطنه، وأدخل إصبعه في فيه، ولم يزل يفعل ذلك حتى قاء جميع ما شربه، وهو يقول: يسهل علي أن يموت، ولا يفسد طبعه بشرب لبن غير أمه. ويحكى عن إمام الحرمين أنه كان يلحقه في بعض الأحيان فترة في مجلس المناظرة، فيقول: هذا من بقايا تلك الرضاعة، ومولده في ثاني عشر المحرم، سنة تسع عشرة وأربع مائة، ولما مرض حمل إلى قرية من أعمال نيسابور، موصوفة باعتدال الهواء وخفة الماء، فمات بها، ونقل إلى نيسابور، ودفن في داره، ثم نقل بعد سنين إلى مقبرة الحسين كما تقدم ودفن بجنب أبيه، وصلي عليه ولده أبو القاسم، وأكثر الشعراء المراثي، ومما رثي به: قلوب العالمين على المعالي ... وأيام الورى شبه الليالي أيثمر غصن أهل الفضل يوماً ... وقد مات الإمام أبو المعالي؟ سنة تسع وسبعين واربع مائة فيها نزل تتش حلب، ثم أخذها. وساق السلطان ملك شاه من أصبهان فقدم حلب، وخافه أخوه تتش، فهرب. وفيها وقعة الزلاقة، وذلك أن ملك الإفرنج جمع الجيوش، فاجتمع المعتمد يوسف بن تاشقين أمير المسلمين والمطوعة، فأتوا الزلاقة من عمل بطليو، فالتقى الجمعان، فوقعت الهزيمة على أعداء الله تعالى، وكانت ملحمة عظيمة في أول جمعة من رمضان، وجرح المعتمد عدة جراحات شديدة، وطابت الأندلس، فعمل الأمير ابن تاشقين

стр. 787

على تملكها. ولما افتتح ملك شاه حلب والجزيرة، قدم بغداد وهو أول قدومه إليها ثم خرج يصيد، وعمل منارة القرون من كثرة وحش صاده، ثم رد إلى أصبهان. وفيها أعيدت الخطبة العباسية بالحرمين، وقطعت خطبة العبيديين. وفيها توفي شيخ الشيوخ ببغداد: أبو سعد أحمد بن محمد النيسابوري، وكان منظما عند نظام الملث وأهل الدولة، وله رباط مشهور ومريدون. وفيها توفي طاهر بن محمد بن محمد أبو عبد الرحمن المستملي، والد زاهر. روى عن أبي بكر الحيري وطائفة. وكان فقيهاً صالحاً ومحدثاً عارفاً، له بصر تام بالشروط. وفيها توفي أبو الحسن علي بن فضال المجاشعي القيرواني، صاحب المصنفات في العربية والتفسير، وكان من أوعيه العلم. وفيها توفي أبو الفضل محمد بن عبد الله النيسابوري الرجل الصالح. روى عن أبي نعيم الاسفرائيني، وأبي الحسن العلوي، وطبقتهما. وفيها توفي مسند العراق أبو نصر محمد بن علي الهاشمي العباسي ﵀. سنة ثمانين واربع مائة فيها عرس المقتدي بالله على ابنة السلطان، وكان وقتاً مشهوداً، أنفق فيه الخليفة أموالاً كثيرة، وخلع على سائر الأمراء، ومد سماطاً هائلاً. وفيها توفي مقرىء الأندلس عبد الله بن شميل الأنصاري المرسي ﵀. وفيها توفيت فاطمة بنت الشيخ أبي علي الدقاق، الزاهدة العابدة، زوجة الأستاذ أبي القاسم القشيري. كانت كبيرة القدر عالية الاسناد. روت عن أبي نعيم الاسفرائيني والحاكم والعلوي وطائفة. وفيها توفيت فاطمة بنت الحسن بن علي الأقرع، أم الفضل البغدادية، الكاتبة التي جودوا على خطها، وكانت تنقل طريقة ابن البواب. حكت أنها كتبت ورقة للوزير الكندي فأعطاها ألف دينار. روت عن أبي عمر الفارسي.

стр. 788

وفيها توفي السيد المرتضى ذو الشرفين: أبو المعالي محمد بن محمد بن زيد العلوي الحسيني الحافظ، قتله الخاقان بما وراء النهر مظلوماً. روى عن أبي علي بن شاذان وخلق، وتخرج بالخطيب، ولازمه، وصنف التصانيف، وحدث بسمرقند وأصبهان وبغداد وكان مقبولاً معظماً وافر الحشمة، يفرق في العام نحو عشرة آلاف درهم زكاة ماله. سنة احدى وثمانين واربع مائة فيها توفي أبو بكر الغورجي أحمد بن عبد الصمد الهروي، راوي جامع الترمذي عن الجرجاني. وفيها توفي شيخ الإسلام، أحد الأعلام، القدوة الحافظ: عبد الله بن محمد الهروي الصوفي شيخ: خراسان في زمانه غير منازع، له عدة تصانيف. وفيها توفي ابن ماجة الأبهري - محمد بن أحمد الأصبهاني، عاش خمساً وتسعين سنة. سنة اثنتين وثمانين وأربع مائة فيها سار السلطان ملك شاه بجيوشه من أصبهان، وعبر النهر، وملك بخارى وسمرقند مع قتال وحصار، وسار نحو كاشغر، فدخل ملكها في الطاعة، فرجع الى خراسان، ونكث أهل سمرقند، فكر راجعاً إلى سمرقند، وجرت أمور طويلة. وفيها توفي أحمد بن محمد بن صاعد، أبو نضر الحنفي، رئيس نيسابور وقاضيها، وكان يقال له شيخ الاسلام، وقيل: كان مبالغاً في التعصب في المذهب، فأغرى بعضاً ببعض، حتى لعنت الخطباء اكثر الطوائف. وفيها توفي الحافظ أبو اسحاق ابراهيم بن سعيد النعماني مولاهم المصري، عن تسعين سنة، وكان ثقة حجة، صالحاً ورعاً، كبير القدر. وفيها توفي القاضي أبو منصور بن شكرويه محمد بن أحمد الأصبهاني. وفيها توفي مؤلف بستان العارفين محمد بن أبي جعفر المحدث. كان صوفياً عابداً صاحب حديث. روى عن الحاكم وطائفة.

стр. 789

سنة ثلاث وثمانين وأربع مائة فيها كانت فتنة هائلة لم يسمع بمثلها بين السنية والرافضة، قتل فيها عدد كثير، وعجز والي البلد، واستظهر أهل السنة بكثرة من معهم من أعوان الخليفة، واستكانت الشيعة، وذلوا، ولزموا التقية، وأجابوا إلى أن كتبوا على مساجد الكرخ: خير الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه - فاشتد الناس على غوغائهم، وخرجوا عن عقولهم، واشتدوا، فنهبوا شارع ابن أبي عون، ثم جرت أمور مزعجة، وعاد القتال حتى بعث صدقة بن مزبل عسكراً، يتتبع المفسدين إلى أن فتر الشر قليلاً. وفيها توفي أبو الحسين عاصم بن الحسن العاصمي الكرخي، الشاعر المشهور. كان ظريفاً، صاحب ملح ونوادر، مع الصلاح والعفة والصدق. مرض في أواخر عمره، فغسل ديوان شعره. وفيها توفي العلامة الواعظ نزيل أصفهان، ومدرس نظاميتها، وشيخ الشافعية بها، ورئيسها: محمد بن ثابت الشافعي الواعظ. وفيها توفي أبو نصر محمد بن سهل السراج، آخر أصحاب أبي نعيم الاسفرائيني. كان ظريفاً نظيفاً لطيفاً. سنة اربع وثمانين واربع مائة فيها استولى يوسف بن تاشفين أمير المسلمين على الأندلس، وقبض على المعتمد بن عباد، وأخذ كل شيء يملكه، وترك أولاده فقراء. وفيها استولت الفرنج على جزر صقلية. وفيها توفي الحافظ المعافري الشاطبي، تلميذ ابن عبد البر ظاهر، وكان من أئمة هذا الشأن، مع الورع والتقوى. وفيها توفي الحافظ الزاهد أبو القاسم عبد الله بن علي الانصاري البصري، استشهد بالبصرة، وكان من العبادة والخشوع بمحل، وفيها توفي أبو نصر محمد بن أحمد شيخ المقرئين بمرو.

стр. 790

وفيها توفي مسند الآفاق، كان إماماً في علوم القرآن، كثير التصانيف، - مبين الديانة. عالي الإسناد، وقاضي القضاة أبو بكر الناصحي محمد بن عبد الله بن الحسين النيسابوري. قال الشيخ عبد الغافر: هو في عصره أفضل أصحاب أبي حنيفة، وأعرفهم بالمذهب، وأوجههم في المناظرة، مع حظ وافر من الأدب والطب، ولم تحمد سيرته في القضاء. وفيها توفي المعتصم محمد بن معن الأندلسي التجيبي صاحب المرية ومحاوية والصمارحية من بلاد الأندلس، وتوفي وجيش ابن تاشفين محاصرون. سنة خمس وثمانين واربع مائة فيها أخذت ركب العراق خفاجة بالخاء المعجمة والفاء والجيم بين الالف والهاء، وكان الحريق ببغداد، احترق فيه من الناس عدد كثير وأسواق كبار من الظهر إلى العص. وفي عاشر رمضان فيها، قتل الوزير الكبير الحميد الشهير، نظام الملك، قوام الدين: أبو علي الحسين بن علي بن إسحاق الطوسي، كان من جلة الوزراء. قلت: وهذا أول ما بلغناه من التلقيب بفلان الدين، ثم استمر ذلك إلى يومنا، وإنما كانوا يلقبون بفلان الدولة والملك من يعظم شأنه عندهم، ثم عموا التلقيب بالدين فيما بعد، حتى في السوقية والفجرة، لقبوهم بنور الدين وشمس الدين وزين الدين وكمال الدين وأشباه ذلك - ممن هم ظلام الدين وشين الدين ونقص الدين وأشباه ذلك من أضداد الدين، وإلى ذلك أشرت بقولي في بعض القصائد: يسمى فلان الدين من هو عكس ما يسمى به حاوي الصفات الدنيه، فالنور ظلامة، والكمال نقيصة، ومحيي مميت، ثم عكس التقية سوى السيد الحبر النواوي، وشبهه إمام الهدى محيي الدين. وما أحسن ما قال الشيخ بركة الزمن وزين اليمن ذو المجد الأثيل: أحمد بن موسى بن عجيل، قال ﵁: تتبعت هذه الألقاب فلم أجد منها صادقاً إلا صارم الدين، يعني: قاطع الدين. رجعنا إلى ذكر الوزير نظام الملك، ذكره أبو سعد السمعاني فقال: كعبة المجد ومنبع الجود، كان مجلسه عامراً بالقراء والفقهاء، أنشأ المدارس بالأمصار، ورغب في العلم،

стр. 791

وأملى، وحدث، وعاش ثمانياً وسبعين سنة، اشتغل في ابتداء أمره بالحديث والفقه، ثم اتصل بخدمة علي بن شاذان المعتمد عليه بمدينة بلخ، وكان يكتب له، ثم خلاه وقصد داود بن مكائيل السلجوقي بالسين المهملة والجيم والقاف والد السلطان ألب أرسلان - فطهر له منه النصح والمحبة، فسلمه إلى ولده المذكور، وقال له: أتخذه والداً، ولا تخالفه فيما يشير به. ثم لما توفي داود، وملك ولده المذكور، دبر نظام الملك أمره، فأحسن التدبير، وبقي في خدمته عشرين سنة، ثم توفي السلطان المذكور، فازدحم أولاده على الملك، ثم آل أمر المملكة لولده ملك شاه، فصار الأمر كله للنظام، وليس للسلطان إلا التخت والصيد، وأقام على هذا عشرين سنة، ودخل على الإمام المقتدي بالله، فأذن له بالجلوس بين يديه، وقال له: يا حسن، رضي الله عنك برضى المؤمنين عنك. وكان مجلسه عامراً بالفقهاء والصوفية، وكان كثير الإنعام على الصوفية، فسئل عن سبب ذلك فقال: أتاني صوفي وأنا في خدمة بعض الأمراء، فوعظني، وقال: اخدم من تنفعك خدمته، ولا تشتغل بما يأكله الكلاب غداً. فلم أعلم معنى قوله، فشرب ذلك الأمير من الغد - وكانت له كلاب كالسباع، تفترس الغرباء - فغلبه السكر، فخرج وحده، فلم تعرفه الكلاب، فمزقته، فعلمت أن الرجل كوشف بذلك. فأنا أخدم الصوفية لعلي أظفر بمثل ذلك، وكان إذا سمع الأذان أمسك عن جميع ما هو فيه، وكان إذا قدم عليه أبو المعالي إمام الحرمين، وأبو القاسم القشيري صاحب الرسالة بالغ في إكرامهما، وأجلسهما في مسند. وبنى المدارس والربط والمساجد في البلاد، فاقتدى به الناس، وشرع في عمارة مدرسته ببغداد سنة سبع وخمسين وأربع مائة. وفي سنة تسع وخمسين جمع الناس على طبقاتهم ليدرس بها الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، فلم يحضر، ودرس أبو نصر بن الصباغ بها عشرين يوماً، ثم درس بها الشيخ أبو إسحاق قلت: وقد تقدم إيضاح ذلك، وبيان سبب تغيب الشيخ أبي إسحاق عن التدريس في أول الأمر، وتدريسه بها فيما بعد، في ترجمته في سنة ست وسبعين وأربع مائة، واسمع نظام الملك الحديث بعدما سمعه، وكان يقول: إني لأعلم أني لست أهلاً لذلك، ولكني أريد أن أربط نفسي في قطار النقلة لحديث رسول الله ﵌. ويروى له من الشعر قوله: بعد ثمانين ليس قوه ... ذهبت نشوة الصبوه كأنني والعصا بكفي ... موسى، ولكن بلا نبوه

стр. 792

وقيل إن هذين البيتين لأبي الحسن محمد بن أبي الصقر الواسطي. كانت ولادة نظام الملك يوم الجمعة الحادي والعشرين من ذي القعدة سنة ثمان وأربع مائة في طوس، وتوجه في صحبة ملك شاه إلى أصبهان، فلما كانت ليلة عاشر رمضان من السنة المذكورة أفطر، وركب في محفته، فلما بلغ إلى قرية قريبة من نهاوند قال: هذا الموضع قتل فيه خلق كثير من الصحابة في زمن عمر بن الخطاب ﵁ وطوبى لمن كان منهم فاعترضه صبي ديلمي على هيئة الصوفية معه قصعة، فدعا له، وسأل بتناولها، فمد يده ليأخذها، فضربه بسكين في فؤاده، فحمل إلى مضربه، فمات، وقتل القاتل في الحال، وركب السلطان إلى معسكره، فسكنهم، وحمل إلى أصبهان، ودفن بها. وقيل إن السلطان دس عليه من قتله، فإنه سئم من طول حياته، واستكثر ما بيده من الاقطاعات، ولم يعش السلطان بعده إلا خمسة وثلاثين يوماً. وقيل إنه قتل بسبب تاج الملك أبي الغنائم المرزباني، فإنه كان عدو نظام الملك، وكان كثير المنزلة عند مخدومه ملك شاه، فلما قتل رتبه موضعه في الوزارة، ثم إن غلمان نظام الملك وثبو عليه، فقتلوه، وقطعوه إرباً إرباً بعد قتل نظام الملك بدون أربعة اشهر. وقد كان نظام الملك من حسنات الدهر. ورثاه شبل الدولة أبو الهيجاء: مقاتل بن عطية البكري، فقال: كان الوزير نظام الملك لؤلؤة ... نفيسة صاغها الرحمن من شرف عزت فلم تعرف الأيام قيمتها ... فردها غيرة منه إلى الصدف وفي السنة المذكورة توفي محدث مكة أبو الفضل جعفر بن يحيى الحكاك، كان متقياً حجة صالحاً. روى عن أبي ذر الهروي وطائفة، وعاش سبعين سنة. وفيها توفي الإمام الكبير العالم الشهير أبو بكر الشاشي محمد بن علي بن حامد الفقيه شيخ الشافعية، صاحب الطريقة المشهورة والمصنفات المشكورة، درس مدة بغزنة ثم بهراة ونيسابور، وحدث عن منصور الكاغذي، وتفقه في بلاده على أبي بكر السبخي، وعاش نيفاً وتسعين سنة. وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن عيسى التجيبي مقرىء الأندلس، أخذ عن أبي عمر والداني ومكي بن أبي طالب وجماعة. وفيها توفي السلطان ملك شا، أبو الفتح جلال الدولة، ابن السلطان ألب أرسلان

стр. 793

محمد بن داود السلجوقي التركي. تملك ما وراء النهر وبلاد الهياطلة، وبلاد الروم والجزيرة، والشام والعراق، وخراسان وغير ذلك. قال بعض المؤرخين: ملك من مدينة كاشغر الترك إلى بيت المقدس طولاً، ومن قسطنطينية وبلاد الجرت إلى نهر الهند عرضاً، وكان حسن السيرة محسناً إلى الرعية، وكانوا يلقبونه بالملك العادل، وكان ذا عزم بالعمائر وبالصيد، فحفر كثيراً من الأنهار، وصنع بطريق مكة مصانع، وغرم عليها أموالاً كثيرة خارجة عن الحصر، وأبطل المكوس في جميع البلاد، وكان لهجاً بالصيد حتى قيل: إنه ضبط ما اصطاده بيده، فكان عشرة آلاف، فتصذق بعشرة آلاف دينار، وقال: إني خائف من الله - سبحانه - من إزهاق الأرواح من غير مأكلة، وصار بعد ذلك كلما قتل صيداً تصدق بدينار. وخرج من الكوفة لتوديع الحاج، فجاوز العذي، وشيعهم بالقرب من الواقصة، وصاد في طريقه وحشاً كثيراً، فبنى هناك منارة في حوافر الحمر الوحشية وقرون الظباء التي صادها في ذلك الطريق، وذلك في سنة ثمانين وأربع مائة. قالى ابن خلكان: والمنارة باقية إلى الآن، وتعرف بمنارة القرون. انتهى قوله. قلت وكثير من الناس يسمونها أم القرون، وكانت السبل في أيامه ساكنة، والمخاوف آمنة، تسير القوافل من ما وراء النهر إلى الشام، وليس معها خفير، ويسافر الواحد والاثنان من غير خوف. ولما توجه لحرب مر بمشهد علي، فدخل هو ووزيره نظام الملك، ودعوا، ثم سأل نظام الملك: بأي شيء دعوت؟ فقال: بنصرك على أخيك. فقال: أما أنا، فقلت: اللهم انصرنا، وأصلحنا للمسلمين. ودخل عليه واعظ فوعظه، وحكى له أن بعض الأكاسرة اجتاز منفرداً من عسكره على باب بستان، فتقدم إلى الباب، وطلب ما يشربه، فأخرجت له صبية إناء فيه ماء والسكر والثلج، فشربه، واستطابه، فقال: هذا، كيف يعمل؟ فقالت: إن قصب السكر يزكو عندنا حتى نعصره بأيدينا، فيخرج منه هذا الماء، فقال: ارجعي وأحضري شيئاً آخر. وكانت الصبية غير عارفة به، ففعلت، فقال في نفسه: الصواب أن أعوضهم عن هذا المكان، وأصطفيه لنفسي. فما كان بأسرع من خروجها باكية، وقالت: إن نتة سلطاننا قد تغيرت، فقال: ومن أين علمت ذلك؟ قالت: كنت آخذ من هذا ما أريد من غير تعسف، والآن قد اجتهدت من عصر القصب، فلم يسمح ببعض ما كان يأتي. فعلم صدقها، فرجع عن تلك

стр. 794

النية، ثم قال: ارجعي الآن، فإتك تبلغين الغرض. وعقد على نفسه أن لا يفعل ما نواه، فخرجت الصبية ومعها ما شاءت من ماء السكر، وهي مستبشرة، فقال السلطان للواعظ: لم لا تذكر للرعية أن كسرى اجتاز على بستان فقال للناطور: ناولني عنقوداً من الحصرم؟ فقال له: ما يمكنني ذلك، فإن السلطان لم يأخذ حقه، ولا يجوز خيانته، فتعجب الحاضرون من مقابلته بمثلها، ومعارضته بما أوجب الحق له ما أوجب الحق عليه. وحكي أن مغنية أحضرت إليه - وهو بالري فأعجب بها، واستطاب غناها، فهم بها، فقالت: يا سلطان، إني أغار على هذا الوجه الجميل أن يعذب بالنار، وإن الحلال أيسر، وبينه وبين الحرام كلمة، فقال: صدقت، واستدعى القاضي، فزوجها منه، وابتنى بها، وتوفي عنها، وعيون محاسنه أكثر من أن تحصى. وحكى الهمداني أن نظام الملك - الوزير - دفع للملاحين الذين عبروا بالسلطان والعسكر نهر جيحون على العامل بأنطاكية، وكان مبلغ أجرة المعابو أحد عشر ألف دينار، وذلك لسعة المملكة. وتزوج الإمام المقتدي بأمر الله - أمير المؤمنين - ابنة السلطان المذكور، وكان السفير في الخطبة الشيخ أبا إسحاق الشيرازي، المهذب والتنبيه ﵀ وأنفذه الخليفة إلى نيسابور لهذا السبب - فإن السلطان كان هناك - فلما وصل إليه أدى الرسالة، ونجز الشغل. قال الهمداني: وعاد الشيخ أبو إسحاق إلى بغداد في أقل من أربعة أشهر، وناظر إمام الحرمين بنيسابور، فلما أراد الانصراف من نيسابور، خرج إمام الحرمين للوداع، وأخذ بركابه حتى ركب أبو إسحاق. وظهر له في خراسان منزلة عظيمة. وكانوا يأخذون التراب الذي وطأته بغلته، فيتبركون به، كما تقدم. وكان زفاف ابنة السلطان إلى الخليفة في سنة ثمانين وأربع مائة، وفي صبيحة دخولها عليه أحضر الخليفة المقتدي عسكر السلطان على سماط صنعه لهم، كان فيه أربعون ألف من عسكر. وفي بقية هذه السنة رزق الخليفة ولداً من ابنة السلطان، سماه أبا الفضل جعفر، زينت بغداد لأجله، وكان السلطان قد دخل بغداد دفعتين، فهي من جملة بلاده التي تحتوي عليها مملكته، وليس للخليفة فيها سوى الاسم، وخرج منها في الدفعة الثانية على الفور إلى نحو دجيل لأجل الصيد، فاصطاد وحشاً وأكل من لحمه، فابتدأت به العلة، وافتصد، فلم يكثر من إخراج الدم، فعاد إلى بغداد مريضاً، ولم يصل إليه أحد من خاصته، فلما دخلها توفي ثاني يوم دخوله، وحمل في تابوت إلى خراسان، ولم يفعل له كغيره من السلاطين، فلم يشهد له جنازة، ولا صلى عليه أحد ظاهراً، ولا جر ذنب فرس من أجل موته. ني: وعاد الشيخ أبو إسحاق إلى بغداد في أقل من أربعة أشهر، وناظر إمام الحرمين بنيسابور، فلما أراد الانصراف من نيسابور، خرج إمام الحرمين للوداع، وأخذ بركابه حتى ركب أبو إسحاق. وظهر له في خراسان منزلة عظيمة. وكانوا يأخذون التراب الذي وطأته بغلته، فيتبركون به، كما تقدم. وكان زفاف ابنة السلطان إلى الخليفة في سنة ثمانين وأربع مائة، وفي صبيحة دخولها عليه أحضر الخليفة المقتدي عسكر السلطان على سماط صنعه لهم، كان فيه أربعون ألف من عسكر. وفي بقية هذه السنة رزق الخليفة ولداً من ابنة السلطان، سماه أبا الفضل جعفر، زينت بغداد لأجله، وكان السلطان قد دخل بغداد دفعتين، فهي من جملة بلاده التي تحتوي عليها مملكته، وليس للخليفة فيها سوى الاسم، وخرج منها في الدفعة الثانية على الفور إلى نحو دجيل لأجل الصيد، فاصطاد وحشاً وأكل من لحمه، فابتدأت به العلة، وافتصد، فلم يكثر من إخراج الدم، فعاد إلى بغداد مريضاً، ولم يصل إليه أحد من خاصته، فلما دخلها توفي ثاني يوم دخوله، وحمل في تابوت إلى خراسان، ولم يفعل له كغيره من السلاطين،

стр. 795

فلم يشهد له جنازة، ولا صلى عليه أحد ظاهراً، ولا جر ذنب فرس من أجل موته. سنة ست وثمانين واربع مائة فيها لما علم تتش في دمشق بموت أخيه أنفق الأموال، وتوجه ليأخذ السلطنة، فسار معه من حلب قسيم الدولة مولى السلطان ملك شاه، ودخل في طاعته صاحب أنطاكية وصاحب الرها وحران. ثم سار، وأخذ الرحبة في أول سنة ست، ثم نازل نصيبين، فأخذها عنوة، وقتل بها خلقاً كثيراً، ونهبها، ثم سار إلى الموصل، فالتقاه ابراهيم العقيلي في ثلاثين ألفاً، وتعرف بوقعة المصن، فانهزموا، وأسر ابراهيم، فقتله صبراً، فأقر أخاه علياً على الموصل لأنه ابن عمه. ولم يحج ركب العراق في السنة المذكورة، وحج ركب الشام، فنهبهم صاحب مكة محمد بن أبي هشا، ونهبتهم العربان، توصل من سلم في حالة عجيبة. وفيها توفي أبو الفضل الأصبهاني الحداد. روى ببغداد وأصبهان، وروى الحلية ببغداد. وفيها توفي الحافظ أبو مسعود سليمان بن ابراهيم الأصبهاني. قال السمعاني: جمع وصنف وخرج على الصحيحين. وروى عن محمد بن ابراهيم الجرجاني وأبي بكر بن مردويه وخلق. ولقي ببغداد أبا بكر المتقي وطبقته. وفيها توفي الشيخ أبو الفرج الشيرازي الحنبلي عبد الواحد بن محمد الفقيه القدوة. وفيها توفي شيخ الإسلام الهكاري أبو الحسن علي بن أحمد الأموي من ذرية عتبة بن أبي سفيان بن حرب. وكان صالحاً زاهداً ربانياً ذا وقار وهيبة وأتباع ومريدين. رحل في الحديث، وسمع من أبي عبد الله الفراء وأبي القاسم بن بشران وطائفة. وفيها توفي مسند خراسان أبو المظفر موسى بن عمران الأنصاري. وفيها توفي أبو الفتح نصر بن الحسين الشاشي نزيل سمرقند. روى صحيح مسلم عن عبد الغافر، وسمع بمصر من جماعة، ودخل الأندلس، فحدث بها. وفيها توفي الحافظ أبو القاسم هبة الله بن عبد الوارث الشيرازي. سمع بخراسان والعراق وفارس واليمن ومصر والشام، ومات كهلاً، وكان صوفياً صالحاً متقشفاً.

стр. 796

سنة سبع وثمانين واربع مائة في أولها عزم المقتدي بأمر الله على تقليد السلطان بركيا روق بالموحدة والمثناة من تحت بين الكاف والألف فالتقاه، وخطب له ببغداد، ولقب ركن الدولة، ومات الخليفة من الغد فجأة، وحاصر تتش حلب، فافتتحها، ثم سار فأخذ الجزيرة وأذربيجان، وكثرت جيوشه، واستفحل شأنه. وفيها توفي مسند نيسابور أبو بكر بن خلف الشيرازي أحمد بن علي. روى عن الحاكم وعبد الله بن يوسف وطائفة. قال الشيخ عبد الغافر: هو شيخنا الأديب المحدث المتقن الصحيح السماع، ما رأينا شيخاً أورع منه ولا أشد إتقاناً. نيف على التسعين. وفيها توفي قسيم الدولة لما افتتح ملك شاه حلب استنابه عليها، فأحسن السياسة، وضبط الأمور، وتتنع المفسدين حتى صار دخله كل يوم من البلد ألفاً وخمسمائة دينار، وكانت وفاته بالقتل بعد أسره في المصاف. وفيها توفي أبو نصر الحسن بن أسد الفارقي، الأديب صاحب النظم والنثر والكتاب المعروف في الألغاز. وفيها توفي المقتدي بالله أبو القاسم عبد الله ابن الأمير ذخيرة الدين محمد بن القائم بأمر الله العباسي. بويع بالخلافة بعد جده في شعبان سنة سبع وستين وأربع مائة، وعمره تسع عشرة سنة وثلاثة اشهر، ومات فجأة في المحرم عن تسع وثلاثين سنة، وقيل: سمته جارية. وكان ديناً خيراً، أمر بنفي الخواطي والمغنيات من بغداد، وكانت الخلافة في أيامه زاهرة، وحرمتها وافرة. وبويع بعده للمستظهر بالله أحمد. وفي السنة المذكورة توفي الحافظ الكبير الأمير أبو نصر علي بن هبة الله العجلي البغدادي المعروف بابن ماكول، النسابة صاحب التصانيف النافعة، لم يكن ببغداد بعد الخطيب أحفظ منه. قال الحميدي: ما راجعت الخطيب في شيء إلا وأجابني عن الكتاب، وقال حتى اكشفه، وما راجعت ابن ماكولا إلا وأجابني حافظاً كأنه يقرأ من كتاب. وقال أبو سعد السمعاني: وكان لبيباً عارفاً ونحوياً مجوداً وشاعراً مبرزاً. سمع الحديث الكثير، وأخذ

стр. 797

عن مشايخ العراق وخراسان والشام وغير ذلك، وكان أحد الفضلاء المشهورين، تتبع الألفاظ المشتبهة في الأسماء الأعلام، وجمع شيئاً كثيراً. وكان الخطيب البغدادي قد جمع بين كتاب المؤتلف والمختلف الذي للدارقطني، والذي لعبد الغني الموسوم بمشتبه النسبة وزاد عليهما، وجعله كتاباً مستقلاً سماه المؤتلف تكملة المختلف. وجاء ابن ماكولا فزاد على هذا المؤتلف، وضم إليه الأسماء التي وقعت له، وجعله كتابا سماه الإكمال، أجاد فيه وأفاد، حتى صار اعتماد المحدثين عليه، أحسن فيه إحساناً بالغاً، وحلاه حسناً فائقاً، ولم يصنع مثله في بابه، ثم جاء ابن نقطة وذيله، وما أقصر فيه. وفي كتاب الأمير ابن ماكولا دلالة على كثرة اطلاعه وضبطه وإتقانه. ومن الشعر المنسوب إليه قوله: قرض خيامك عن أرض تهان بها ... وجانب الذل إن الذل يجتنب وارحل إذا كان في الأوطان منقصة ... فالمندل الرطب في أوطانه الحطب قال الحميدي خرج إلى خراسان ومعه غلمان له ترك، فقتلوه بجرجان، فأخذوا ماله، وهربوا، وهو من ذرية الأمير أبي دلف العجلي. وفي السنة المذكورة توفي أبو عامر الأزدي القاضي محمود الهروي، الفقيه الشافعي، كان عديم النظير زهداً وصلاحاً وعفة. وفيها توفي المستنصر بالله أبو تميم معد ابن الظاهرعلي بن الحاكم العبيدي صاحب مصر. لما عظم أمره وكبر شأنه خطب له ببغداد أرسلان البساسيري، وقطع خطبة الإمام القائم. وقد جرى في أيامه أشياء لم يجر شيء منها في أيام آبائه، منها قطع الخطبة المذكورة، ومنها ملك ابن الصليحي بلاد اليمن، ودعاؤه له على منابرها، ومنها أن المستنصر المذكور أقام في الأمر ستين سنة، وهذا شيء لم يبلغه أحد من العبيديين، ولا من بني العباس. ومنها أنه ولي وهو ابن سبع سنين، وفي سنة تسع قطع اسمه واسم آبائه من الحرمين. ومنها أنه حدث في أيامه الغلاء العظيم الذي ما عهد مثله منذ زمان يوسف ﵇، وأقام سبع سنين، وأكل الناس بعضهم بعضاً، حتى قيل إنه بلغ رغيف واحد بجمسين ديناراً، وكان في هذه المدة يركب وحده، وكل من معه من الخواص مترجلون، ليس لهم دواب يركبونها، وكانوا إذا مشوا تساقطوا في الطرقات من الجوع، وكان المستنصر يركب بغلة عارية، وآخر الأمر توجهت أمه وبناته إلى بغداد من فرط الجوع في سنة اثنتين وستين وأربع مائة.

стр. 798

سنة ثمان وثمانين واربع مائة فيها قامت الدولة على أحمد خان صاحب سمرقند، وأشهدوا عليه بالزندقة والإقلال، فأفتى الأئمة بقتله، فخنقوه، وملكوا ابن عمه. وفيها التقى تتش وابن أخيه بركيا روق بنواحي الري، فانكسر عسكر تتش، وقاتل هو حتى قتل. وكان رضوان بن تتش قد صار إلى بغداد لينزل بها، فلما قارب هيت جاءه نعي أبيه، ودخل حلب، ثم قدم عليه من الوقعة أخوه دقاق، فراسله متولي قلعة دمشق فسار سراً من أخيه، وتملك دمشق. وفيها قدم الإمام أبو حامد الغزالي دمشق زاهداً في الدنيا، وما كان فيه من رئاستها والإقبال والقبول من الخليفة وكبراء الدولة، وصنف الإحياء وأسمعه بدمشق، وأقام بها سنتين، ثم حج ورجع إلى وطنه. قلت: هكذا ذكر بعض المؤرخين أنه قدم في السنة المذكورة إلى دمشق، وذكر بعضهم أن توجهه فيها كان إلى بيت المقدس لابساً الثياب الخشنة، وناب عنه أخوه في التدريس، وذكر أنه بعد ذلك توجه من القدس إلى دمشق، فأقام بها مدة يذكر الدروس في زاوية الجامع في الجانب الغربي منه، ثم ذكر أنه انتقل منها إلى بيت المقدس، واجتهد في العبادة وزيارة المشاهد والمواضع المعظمة وأشياء أخرى سيأتي ذكرها. قلت وأما قول الذهبي أنه صنف الإحياء وأسمعه بدمشق، فمخالف لما ذكر الإمام أبو حامد المذكور في كتابه المنقذ من الضلال أنه أقام في الشام قريباً من سنتين، مختلياً بنفسه، ولم يذكر إسماعه الإحياء ولا تصنيفه إياه، ولو كان لذكره، كما ذكر علوماًُ أخرى صنف فيها قبل السفر أيضاً. فتصنيف الإحياء مع ما اشتمل عليه من العلوم الواسعة المحاكية للبحر الذي أمواجه متدافعة، لا يمكن وضعه في سنتين ولا ثالثة ولا رابعة، وأما ما ذكره ابن كثير وغيرهم من كونه حج قبل سفره إلى الشام، وأنه أقام في الشام عشر سنين وأنه دخل مصر والاسكندرية، ورام الاجتماع بملك المغرب، فكل ذلك مخالف تصريح ما نص عليه أبو حامد في كتابه المذكور، فإنه ذكر أنه توجه إلى الشام قبل توجهه إلى مكة، ثم توجه إلى الحج بعد السنتين المذكورتين، ثم كر راجعاً إلى وطنه وأولاده، وهذا يدل عل بطلان القول المذكور وفساده، والعجب كل العجب من قوله أنه قصد السلطان المغرب بقضاء أرب، وهو من ملاقاة السلاطين قد هرب، وسيأتي ذكر ذلك في ترجمته.

стр. 799

وفيها توفي الحافظ أبو الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون البغدادي. روى عن علي بن شاذان والبرقاني، وكتب كثيراً. قال بعضهم: كتب عن ابن شاذان ألف جزء. وفيها توفي شيخ المعتزلة أبو يوسف القزويني، صاحب التفسير الكبير، الذي هو أزيد من ثلاثمائة مجلد. درس الكلام على القاضي عبد الجبار بالري، وسمع منه ومن أبي عمرو بن مهدي الفارسي، وتنقل في البلاد، ودخل مصر، وكان صاحب كتب كثيرة وذكاء مفرط، وتبخر في المعارف، وكان داعية إلى الاعتزال، وعاش خمساً وتسعين سنة. وفيها توفي المعتمد على الله أبو القاسم محمد بن المعتضد اللخمي، صاحب الأندلس. كان ملكاً جليلاً، عالماً ذكياً، وشاعراً محسناً، وبطلاً شجاعاً، وجواداً ممدوحاً. كان بابه محط الرحال وكعبة الآمال، وشعره في الذروة العليا، ملك من الأندلس من المدائن والحصون والمعاقل مائة وثلاثين مسوراً، وبقي في المملكة نيفاً وعشرين سنة. وهو من ذرية النعمان بن المنذر آخر ملوك الحيرة وقبض عليه أمير المسلمين ابن تاشفين لما قهره، وغلب على ممالكه، وسجنه بأغمات حتى مات بعد أربع سنين من زوال مملكته. وخلف عن ثمانمائة سرية، ومائة وثلاثة وسبعين ولداً. قلت أما كثرة الأولاد فقد نقل أن غيره كان أكثر منه أولاداً، وأما السراري فما سمعت أن أحداً من الخلفاء بلغ من كثرتهن إلى هذا العدد المذكور. وكان راتبه في اليوم ثمانمائة رطل لحم، ومما قيل فيه لما قص عليه قول الشاعر: لكل شيء من الأشياء ميقات ... وللمنى من منايا هن غايات وقال آخر بعد لزومه وقتل ولديه: تبكي السماء بدمع رائح غاد ... على البهاليل من أبناء عباد ومما قيل فيه لما حبس: تنشق رياحين السلام فإنها ... أفض بها مسكاً عليك مختما أنكر في عصر مضي لك مشرقاً ... فيرجع ضوء الصبح عندي مظلما وأعجب من أفق المجرة إذ رأى ... كسوفك شمساً، كيف أطلع أنجما ولما دخلت عليه بناته السجن - وكان يوم عيد، وقد صرن يغزلن للناس بالأجرة،

стр. 800

وهن في أطمار - أنشده: فيما مضى كنت بالأعياد مسروراً ... فساءك العيد في أغمات مأسورا ترى بناتك بالأطمار جائعةيغزلن للناس لا يملكن قطميرا يطأن في الطين والأقدام حافية ... كأنها لم تطأ مسكاً وكافورا قد كان دهرك إن تأمره ممتثلاً ... فردك الدهر منهياً ومأمورا ومن شعر المعتمد أيضاً: لولا عيون من الواشين ترمقني ... وما أحاذره من قول حراس لزرتكم لأكافيكم لجفونكم ... شيئاً على الوجه أو سعياً على الرأس ومما مدح به قول الشاعر: بغيتك في محل ينجيك من ردى ... يروعك في ذرع بروقك في برد جمال واجمال وسبق وصولة ... كشمس الضحى، كالمزن كالبرق والرعد بمهجته شاد العلى ثم زادها ... بنى مايتا حجاجه أسد وفيها توفي قاضي القضاة الشامي أبو بكر بن محمد الحموي الشافعي، كان من أزهد القضاة وأروعهم وأتقاهم لله وأعرفهم بالمذهب. سمع ببغداد من طائفة، وولي القضاء بعد أبي عبد الله الدامغاني، وكان من أصحاب القاضي أبي الطيب الطبري، ولم يأخذ على القضاء رزقاً، ولا غير ملبسه. قال أبو علي بن سكرة: كان يقال لو رفع المذهب أمكنه أن يملأه من صدره. وفيها توفي الإمام الحافظ العلامة أبو عبد الله الحميد: محمد بن أبي نصر الأندلسي، مؤلف الجمع بين الصحيحين. كان أحد أوعية العلم، صحب ابن حزم الظاهري بالأندلس، وابن عبد البر، ورحل، وسمع بالقيروان والحجاز ومصر والشام والعراق، وكتب عن خلق كثير، وكان كثير الاطلاع، ذكياً فطناً، صيتاً ورعاً، أخبارياً متقناً، مغرماً في تحصيل العلم، كثير التصانيف، حجة ثقة، ظاهري المذهب، وله جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس

стр. 801

وكان يقول: ثلاثة أشياء من علوم الحديث يجب تقديم الاهتمام بها: كتاب العلل: وأحسن كتاب وضع فيه كتاب الدارقطني، وكتاب المؤتلف والمختلف: وأحسن كتاب وضع فيه كتاب الأمير أبي نصر بن ماكول (، وكتاب وفيات الشيوخ: وليس فيه كتاب. قال: وقد كنت أردت أن أجمع فيه كتاباً، فقيل لي: رتبه على حروف المعجم، بعد أن رتبته على السنين، قال أبو بكر بن طرخان: فشغله عنه صحيحان إلى أن مات. وقال ابن طرخان المذكور: أنشدنا أبو عبد الله الحميدي المذكور لنفسه: لقاء الناس ليس يفيد شيئاً ... سوى الهذيان من قيل وقال فأقلل من لقاء الناس إلا ... لأخذ العلم أو إصلاح حال ؟؟؟؟؟؟؟؟ سنة تسع وثمانين وأربعمائة ؟؟ فيها توفي أبو طاهر أحمد بن الحسن بن أحمد الباقلاني الكرخي ثم البغدادي، وكان صالحاً زاهداً منقبضاً عن الناس، ثقة حسن السيرة. وفيها توفي عبد الملك بن سراج الأموي مولاهم القرطبي، لغوي الأندلس. وفيها توفي أبو أحمد القاسم بن المظفر الهشرزاري، والد قاضي الخافقين، كان حاكماً بمدينة إربل مدة، وبمدينة سنجار أيضاً مدة. وكان من أولاده وحفدته علماء نجباء كرماء، نالوا المراتب العالية، وتقدموا عند الملوك، وتحكموا وقضوا، ونفقت أسواقهم. ومما أنشد: همتي دونها السها والزبانا ... قد علمت جهدها، فما ابتدانا ونسب الإمام السمعاني في ذيل تاريخ بغداد هذا القول إلى ولده المعروف بقاضي الخافقين خلاف ما ذكره أبو البركات بن المستوفي في تاريخ إربل من نسبه إلى والده القاسم المذكور. وذكر السمعاني أن قاضي الخافقين اشتغل بالعلم على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي ﵀ ولي القضاء بعدة بلاد، ورحل إلى العراق وخراسان والجبال، وسمع الحديث الكثير، وسمع منه السمعاني، وإنما قيل له قاضي الخافقين لكثرة البلاد التي وليها

стр. 802

، والشهرزوري نسبة إلى شهرزور: بلدة كبيرة من أعمال إربل، قيل: فيها مات الإسكندر ذو القرنين عند عوده من بلاد المشرق. وحكى الخطيب في تاريخ بغداد أن الإسكندر جعل مدائن كسرى دار إقامته، ولم يزل بها إلى أن توفي، فحمل تابوته إلى الإسكندرية، لأن أمه كانت مقيمة هناك، فدفن عندها والله أعلم. قلت: يعني أن موضع إقامته كان في الموضع الذي خلقه فيه كسرى. وفي السنة المذكورة توفي الحافظ مفيد بغداد: محمد بن أحمد المعروف بابن الخاضبة. روى عن أبي بكر الخطيب وغيره، ورحل إلى الشام، وسمع من طائفة، وكان محبباً إلى الناس كلهم، لدينه وتواضعه، ومروءته، ومسارعته في قضاء حوائج الناس، مع الصدق والورع، والصيانة التامة وطيب القراءة قال ابن طاهر: ما كان في الدنيا أحد أحسن قراءة منه، وقال غيره: ما رأيت في المحدثين أقوم باللغة من ابن الخاضبة. وفيها توفي الإمام العلامة أبو المظفر السمعاني: منصور بن محمد التميمي المروزي الحنفي ثم الشافعي، شرع على والده منصور في المذهب، وسمع أبا غانم الكراعي وطائفة، وكان إمام عصره بلا مدافعة، أقر له بذلك الموافق والمخالف، وكان حنفي المذهب، متعيناً عند أئمتهم، فلما حج ظهر له بالحجاز ما اقتضى انتقاله إلى مذهب الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه فلما عاد إلى مرو، لقي بسبب انتقاله محناً وتعصباً عظيماً، فعبر على ذلك، فصار إماماً للشافعية بعد ذلك، يدرس ويفتي. وصنف في مذهب الشافعي وغيره من العلوم تصانيف كثيرة، منها منهاج أهل السنة والانتصار والرد على القدرية وغيرها، وصنف في الأصول والقواطع. وفي الخلاف والبرهان يشتمل على قريب من ألف مسألة خلافية. والأوسط والاصطلام رد فيه على أبي زيد الدبوسي، وأجابه من الأسرار التي جمعها، وله تفسير القرآن العزيز كتاب نفيس. وجمع في الحديث ألف حديث عن مائة شيخ، وتكلم عليها فأحسن، وله وعظ مشهور بالجودة. والسمعاني نسبة إلى سمعان بفتح السين المهملة وهو بطن من تميم، وقيل: يجوز بكسر السين أيضاً. سنة تسعين واربع مائة فيها قتل الأرسلان ابن السلطان وألب أرسلان السلجوقي. وفيها التقى الأخوان

стр. 803

دقاق ورضوان ابنا تتش بقنسرين، فانكسر دقاق، ونهب عسكره، ثم تصالحا على أن يقدم أخاه في الخطبة بدمشق. وفيها أقام رضوان بحلب دعوة العبيديين، وخطب للمستعلي الباطني، ثم بعد أشهر أنكر عليه صاحب أنطاكية وغيره، فأعاد الخطبة العباسية. وفيها توفي أبو يعلى أحمد بن محمد البصري الفقيه المعروف بابن الصواف شيخ مالكية العراق، وله تسعون سنة، وكان علامة زاهداً مجداً في العبادة، عارفاً بالحديث. قال بعضهم: كان إماماً في عشرة أنواع من العلوم. توفي في رمضان. وفيها توفي أبو الفتح عبدوس بن عبد الله بن عبدوس، رئيس همدان ومحدثها. سمع من محمد بن أحمد بن حمدويه الطوسي، وروى عنه الإمام أبو زرعة. وفيها توفي الفقيه الإمام، العالي المقام، الصالح المشهور، مفتي الأنام، الفقيه الزاهد، الورع العابد، ذو المناقب العديدة، والسيرة الحميدة أبو الفتح شيخ الشافعية بالشام نصر بن ابراهيم المقدسي النابلسي، صاحب التصانيف، قال علماء التاريخ: كان إماماً علامة، مفتياً محدثاً، حافظاً زاهداً، متبتلاً ورعاً، كثير القدر عديم النظير. قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: درس العلم ببيت المقدس، ثم انتقل إلى صور، فأقام بها عشر سنين ينشر العلم، مع كثرة المخالفين له من الرافضة، ثم انتقل منها إلى دمشق، فأقام بها سبع سنين يحدث، ويدرس، ويفتي على طريقة واحدة من الزهد في الدنيا والتنزه عن الدنايا، والجري على منهاج السلف من التقشف وتجنب السلاطين، ورفض الطمع، والاجتزاء باليسير، مما يصل إليه من غلة أرض كانت له، يأتيه منها ما يقتاته، فيخبز له كل ليلة قرصة بجانب الكانون، ولا يقبل من أحد شيئاً. قال وسمعت من يحكي أن تاج الدولة ابن ألب أرسلان زاره يوماً، فلم يقم له، وسأله عن أجل الأموال التي يتصرف بها السلطان، فقال: أجلها أموال الجزية، وخرج من عنده فأرسل إليه بمبلغ من المال، وقال: هذا من مال الجزية، ففرقه على الأصحاب، فلم يقبله، وقال: لا حاجة بنا إليه. فلما ذهب الرسول لامه بعض الفقهاء، وقال: قد علمت حاجتنا إليه، فلو كنت قبلته، وفرقته فينا، فقال له: لا تجزع من فوته، فسوف يأتيك من الدنيا ما

стр. 804

يكفيك. فكان كما تفرس فيه. قال وسمعت بعض من صحبه يقول: لو كان الفقيه أبو الفتح في السلف لم يقصر درجته عن واحد منهم، لكنهم فاقوه بالسبق. وكانت أوقاته كلها مستغرقة في عمل الخير، إما في نشر علم، وإما في إصلاح عمل. قال: وحكى بعض أهل العلم أنه قال: صحبت إمام الحرمين أبا المعالي الجويني بخراسان، ثم قدمت العراق، وصحبت الشيخ أبا إسحاق الشيرازي، فكانت طريقته عندي أفضل من طريقة أبي المعالي، ثم قدمت الشام فرأيت الفقيه أبا الفتح، فكانت طريقته أحسن من طريقيتهما جميعاً. توفي بدمشق في السنة المذكورة يوم عاشوراء، وكان عمره نيف علي ثمانين سنة رحمة الله عليه. سنة إحدى وتسعين وأربع مائة في جمادى الأولى: فيها ملكت الفرنج أنطاكية بالسيف، ونجا صاحبها في ثلاثين فارساً، ثم ندم حتى غشي عليه من الغم، فأركبوه، فلم يتماسك، فتركوه وتنحوا فعرفه أرمني حطاب، فقطع رأسه، وحمله إلى ملك الفرنج، وعظم المصاب على المسلمين برواح أنطاكية، وأخذت الفرنج المعرة بالسيف، ثم تجامع عساكر الجزيرة والشام فعملوا مع الفرنج مصافاً، فتجادلوا، وهزمتهم الفرنج. وفيها توفي أبو العباس أحمد بن عبد الغفار الأصبهاني ﵀. وفيها توفي أبو الفوارس طراد بن محمد بن علي النقيب الهاشمي العباسي، نقيب النقباء ومسند العراق. روى عن جماعة، وأملى مجالس كثيرة، وازدحموا عليه، ورحلوا إليه. وكان أعلى الناس منزلة عند الخليفة. وفيها توفي أبو الحسن الكرخي مكي بن منصور، الرئيس السلار نائب الكرخ معتمدها، وكان محمود السيرة وافر الحشمة. سنة اثنتين وتسعين واربع مائة فيها انتشرت دعوة الباطنية بأصبهان وأعمالها، وقويت شوكتهم، وأخذت الفرنج

стр. 805

الملاعين فيها بيت المقدس بكرة الجمعة لسبع بقين من شعبان بعد حصار شهر ونصف. قال ابن الأثير: قتلت الفرنج في المسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفاً. وفيها ابتداء دولة محمد بن السلطان ملك شاه، طلع شهماً شجاعاً مهيباً، فتسارعت إليه العساكر، فسار إلى الري فتملكها. وفيها توفي أبو الحسن أحمد بن عبد القادر بن محمد البغدادي اليوسفي. كان جليل القدر، روى عن ابن شاذان وطبقته. وفيها توفي أبو القاسم الخليلي أحمد بن محمد الدهقان ﵀. وفيها توفي أبو تراب المراغي عبد الباقي بن يوسف. قال السمعاني: كان عديم النظير في فنه، بهي المنظر، سليم النفس، عاملاً بعلمه نفاعاً للخلق، فقيه النفس، قوي الحفظ، تفقه ببغداد على أبي الطيب الطبري، وسمع أبا علي بن شاذان. وفيها توفي الخلعي القاضي أبو الحسين المصري الفقيه الشافعي. سمع من طائفة، وانتهى إليه علم الاسناد بمصر. قال ابن سكرة: فقيه له تصانيف، ولي القضاء، وحكم يوماً، واستعفى، وانزوى في القرافة. وفيها توفي الحافظ أبو القاسم مكي بن عبد السلام المقدسي، أحد من استشهد بالقدس، رحل، وجمع، واجتهد في هذا الشأن. سنة ثلاث وتسعين واربع مائة فيها التقى المسلمون مع الفرنج بقرب ملطية وانكسر الفرنج، وأسر ملكه، ولم يفلت منهم سوى ثلاثة آلاف، هربوا في الليل، وكانوا ثلاثمائة ألف. وفيها توفي الشيخ الحافظ المحدث عبد الملك بن محمد اليمني اليافعي. رحل وسمع من جماعة كبار في مكة وعدن وجبال اليمن. وروى كتاب الرسالة للشافعي، ومختصر المزني، والدقائق لابن المبارك، وكان شيخاً فاضلاً ورعاً زاهداً، يقال إنه سأله بعض أهل بغداد الانتقال إليه ليقرأ عليه، وبذل له في ذلك مالاً، فامتنع، وكتب إليه بقصيدة مفتتحها.

стр. 806

منزلي منزل رحيب أنيق ... فيه لي من فواكه الصيف سويق قلت يحتمل أنه أراد الفواكه المعنوية، إشارة إلى أنواع العلوم ونشرها في بلده على وجه الاستعارة، كما قلت في استعارة الفاكهات للأحوال والمقامات. ويثمر خوخ الخوف في روضة الرضا ... وإجاص إخلاص وتين التوكل وأرطاب حب قد جنتها يد الهوى ... وأعناب السواق بها القلب ممتل ورمان إجلال وتفاح هيبة ... وموز الحيامبدي رجاء السفرجل جنان جنان عارف لمعارف ... جنى من جناها كل دان مذلل فيا طرف قلب عش برؤياك طرفة ... ويا نفس أحلى نفيس له كلي واليافعي نسبة إلى يافع بن زيد بن مالك بن زيد بن مالك بن رعين، بطن من حمير. قال الإمام أبو سعد السمعاني في كتاب الأنساب: ومنهم راشد بن جندل اليافعي، روى عن حبيب بن أوس، روى عنه يزيد بن أبي حبيب. وفيها توفي الإمام النحوي اللغوي صاحب التصانيف سليمان بن عبد الله بن الفتى النهرواني. صنف كتاب القانون في اللغة عشر مجلدات، وكتاباً في التفسير، وتخرج به أهل أصبهان، ودرس ولده الحسن في النظامية. وفيها توفي أبو الفضل عبد القاهر بن عبد السلام العباسي النقيب المقرىء المالكي. سنة أربع وتسعين وأربعمائة فيها كثرت الباطنية بالعراق والجبل وزعيمهم الحسن بن صباح تملكوا القلاع وقطعوا السبيل، وأهم الناس شأنهم لاشتغال أولاد ملك شاه بنفوسهم ومقاتلة بعضهم بعضاً. وفيها أخذت الفرنج بلداناً بالشام، منها سروج وقيسارية بالسيف وأرسوف بالأمان. وفيها توفي أبو الفضل أحمد بن علي بن الفضل بن طاهر بن الفرات الدمشقي. وفيها توفي الفقيه الإمام شيخ الشافعية بخراسان أبو الفرج البزاز بالزاي المكررة قبل الألف وبعدها عبد الرحمن السرخسي ثم المروزي، تلميذ القاضي حسين. وكان يضرب به المثل في حفظ المذهب والورع.

стр. 807

وعبد الواحد ابن الأستاذ أبي القاسم القشيري، وكان صالحاً عالماً كثير الفضل. روى عن جماعة، وسماعه من الطرازي حضوراً. وفيها توفي القاضي أبو المعالي شيخ الوعاظ بالعراق، مؤلف كتاب مصارع العشاق عزيز بن عبد الملك شيذلة الجيلي. كان فقيهاً شافعياً، فاضلاً واعظاً ماهراً، فصيح اللسان حلو العبارة، كثير المحفوظات صنف في الفقه وأصول الدين والوعظ والمحبة، وجمع كثيراً من أشعار العرب، وتولى القضاء ببغداد، وسمع الحديث الكثير من جماعة كثيرة، كان أشعري المذهب وناصراً له. قال ابن خلكان: ومن كلامه يعني في المحبة: إنما قيل لموسى ﵇: لن تراني، لأنه لما قيل له: انظر إلى الجبل، نظر إليه فقيل: يا طالب؛ انظر إلينا لما تنظر إلى ما سوانا. ثم أنشد. يا مدع بمقالة صدق المودة والإخا ... لوكنت تصدق في المحبة مانظرت إلى سوى انتهى قلت وكلامه هذا الذي حكاه ابن خلكان لا يليق بالكليم الوجيه ابن عمران. إنما يليق بغيره ممن في محبته نقصان، كما في حكاية الجارية المشهورة التي قالت لمدعي محبتها: ورائي من هو أحسن مني، فلما التفت قالت: لوكنت صادقاً في هوانا ... لما التفت إلى سوانا وأما الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فلا يحسن هذا في حقهم، بل لايجوز، فإن منصب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أرفع من أن يناله شين ولا ملام، وأنما يحسن في غيرهم إذا ادعى الحب والغرام. وعجبت من ابن خلكان كيف يحكي مثل هذا في حق موسى ﵇، ولا ينكره على قائله. وقال أبو المعالي المذكور: أنشدني والدي عند خروجه من بغداد للحج. مددت إلى التوديع كفاً ضعيفة ... وأخرى على الرمضاء فوق فؤادي فلا كان هذا العهد آخر عهدنا ... ولا كان ذا التوديع آخر زادي توفي ﵀ يوم الجمعة، ودفن محاذياً للشيخ أبي إسحاق الشيرازي وعزيز: بفتح العين المهملة وزايان بينهما مثناة من تحت ساكنة. وشيذلة بفتح الشين والذال المعجمتين، وبينهما مثناة من تحت ساكنة. قال ابن خلكان: ولا أعرف معنى هذا اللقب مع كثرة كشفي عنه.

стр. 808

سنة خمس وتسعين واربع مائة فيها توفي المستعلي بالله أبو القاسم أحمد بن المستنصر بالله العبيدي، صاحب مصر، وفي أيامه انقطعت، دولته من الشام، واستولى عليه أتراك وفرنج، فأخذوا البيت المقدس وقتل فيه من المسلمين خلق كثير، وقتل في المسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفاً وأخذوا من عند الصخرة من أواني الذهب والفضة ما لا يضبطه الوصف، ولم يكن للمستعلي مع الأفضل حل ولا ربط، بل كان الأفضل أمير الجيوش هو الكل. وفي أيامه هرب أخوه نزار الذي تنسب إليه الدعوة النزارية بقلعة الألموت، فدخل الإسكندرية، وبايعه أهلها، وساعده القاضي ابن عمار ومتوليها، فنازلهم الأفضل مرة بعد أخرى، حتى ظفر بهم، ورجع، فذبح متولي الإسكندرية، وبنى على نزار حائطاً، فهلك. وفيها توفي شيخ الأطباء بالعراق سعيد بن هبة الله، صاحب التصانيف في الفلسفة والطب والمنطق. وفيها توفي عبد الواحد بن عبد الرحمن الزبيري الفقيه. قال السمعاني: عمر مائة وثلاثين سنة. سنة ست وتسعين واربع مائة فيها سار دقاق صاحب دمشق، فأخذ الرحبة، وتسلم حمص بعد موت صاحبها. وفيها توفي مقرىء العراق أبو طاهر أحمد بن علي، صنف المستنير في القراءات، كان ثقة محموداً، أقرأ خلقاً. وسمع الكثير عن ابن غيلان وطبقته. وفيها توفي مقرىء الأندلس أبو داود سليمان بن نجاح الأندلسي، مولى المؤيد بالله الأموي، وفيها توفي أبو البركات محمد بن المنكدر الكرخي المؤدب. روى عن عبد الملك ابن بشران. وفيها توفي أبو الحجاج يوسف بن سليمان، المعروف بالأعلم النحوي، رحل إلى قرطبة، وأقام بها مدة، وأخذ الأدب عن جماعة، وكان عالماً بالعربية واللغة ومعاني

стр. 809

الأشعار، حافظاً لها، كثير العناية بها، حسن الضبط لها، مشهوراً بمعرفتها وإتقانها، أخذ الناس عنه كثيراً، وكانت الرحلة في وقته إليه، وقد أخذ عنه أبو علي الحسين بن محمد الغساني الجياني. وشرح كتاب الجمل للزجاجي، وشرح أبياته في كتاب مفرد، وكف بصره في آخر عمره، وإنما قيل له: الأعلم لأنه كان مشقوق الشفة العليا، ومن كان هكذا يقال له أعلم، فإن كان مشقوق الشفة السفلى قيل له: أفلح بالفاء والحاء المهملة بينهما لام وكان غيره: العباسي الفارسي المشهور بالشجاعة، يلقب الفلحاء لفلحة كانت به. وإنما ذهبوا به إلى تأنيث الشفة، كأنهم يعنون به صاحب الشفة الفلحاء، وكان سهيل بن عمرو القرشي رضي الله تعالى عنه أعلم، فلما أسر يوم بدر قال عمر رضي الله تعالى عنه للنبي ﵌: دعني أنزع ثنيته، فلا يقوم عليك خطيباً أبداً، فقال ﵇: دعه، فعسى أن يقوم مقاماً تحمده، وكان من الخطباء الفصحاء، وهو الذي أبرم صلح الحديبية على يديه، ثم أسلم، وحسن إسلامه، ثم قام هو لما قبض النبي ﵌ خطيباً بمكة، وسكن الناس، ومنعهم من الاختلاف بعد تشتت أمر الإسلام، وارتداد جماعة من العرب، وكان مقامه حينئذ لتثبيت الناس هو المقام المحمود، وإنما قال عمر ﵁ فلا يقوم عليك خطيباً: لأنه إذا كان مشقوق الشفة العليا، ونزعت ثنيته تعذر عليه الكلام إلا بمشقة سبع وتسعين واربع مائة فيها نازلت الفرنج حران، فالتقاهم سقمان، ومعه عشرة آلاف، فانهزموا، وتبعهم الفرنج فرسخين، ثم نزل النصر وكر المسلمون، فقتلوهم كيف شاؤوا. وكان فتحاً عظيماً. وفيها توفي أحمد بن علي المعروف بابن زهر الصوفي البغدادي وفيها توفي القدوة الواعظ الزاهد اسماعيل بن علي النيسابوري، وفيها توفي شمس الملك ابن تاج الدولة السلجوقي. وكان مسجوناً ببعلبك، فذهب بجهله إلى صاحب القدس لكي ينصره، فلم يلو عليه، فتوجه إلى الشرق، فهلك. وفيها توفي أبو مكتوم عيسى ابن الحافظ أبي ذر عبد الله بن أحمد الهروي، ثم السروي الحجازي. روى عن أبيه صحيح البخاري. وفيها توفي مفتي الأندلس ومسندها محمد بن الفرج القرطبي المالكي، كان رأساً في العلم والعمل، قوالاً بالحق، رحل إليه الناس من الأقطار لسماع الموطأ والمدونة.

стр. 810

؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ سنة ثمان وتسعين واربع مائة فيها توفي الحافظ أبو علي أحمد بن محمد البغدادي البوارني، كان بصيراً بالحديث محققاً حجة. وفيها توفي أبو عبد الله الطبري الحسين بن علي، الفقيه الشافعي محدث مكة. روى صحيح مسلم عن عبد الغافر، وكان فقيهاً مفتياً. تفقه على ناصر بن الحسين العمري. قال الذهبي: وجرت له فتن وخطوب مع هياج بن عبيد وأهل السنة بمكة، وكان عارفاً بمذهب الأشعري، انتهى كلامه. قلت: اسمعوا هذا الكلام العجيب، كيف جعل أهل السنة هم المخالفون لمذهب الأشعري؟ وهذا مما يدلك على اعتقاده لمذهب الظاهرية الحشوية، مع دلائل أخرى متفرقة في كتابه. وفيها توفي الحافظ أبو علي الحسين بن محمد الجياني بالجيم والمثناة من تحت وبعد الألف نون الغساني الأندلسي، أحد أركان الحديث بقرطبة. روى عن ابن عبد البر وجماعة من طبقته. وكان كامل الأدوات في الحديث، علامة في اللغة ولشعر والنسب، وحسن التصنيف. وفيها توفي سقمان التركماني، صاحب ماردين وجد ملوكها. كان أميراً جليلاً، صالحاً فارساً موصوفاً، حضر عدة حروب. وفيها توفي محمد بن عبد السلام أبو الفضل الأنصاري البزاز البغدادي. كان جليلاً صالحاً. روى عن البرقاني وابن شاذان. سنة تسع وتسعين واربع مائة فيها ظهر بنهاوند رجل ادعى النبوة، وكان ساحراً صاحب مخاريق، فتبعه: خلق كثير، وكثرت عليهم الأموال، وكان لا يدخر شيئاً، فأخذ، وقتل قاتلة الله تعالى. وفيها توفي أخو نظام الملك، عبد الله بن علي بن إسحاق الطوسي. والعبد الصالح الزاهد القانت لله، أحد القراء ببغداد أبو منصور الخياط: محمد بن أحمد البغدادي قال ابن ناصر: كانت له كرامات. وفيها توفي أبو البقاء الحبال المعمر بن محمد الكوفي.
следующие страницы →