← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 11201–11240 · переход к 11206.

стр. 11201

أهل اليمين أي الدين المرضي، ومن كان مردوداً أعطي كتابه بشماله لأنه كان في الدنيا مع أهل الشمال وهو الدين الباطل الذي يعمل من غير إذن المالك، فكأنه يفعل من ورائه، فترجم هذا الغرض بقوله مفصلاً للإنسان المراد به الجنس جامعاً للضمير بعد أن أفرده تنصيصاً على حشر كل فرد: ﴿فأما من أوتي﴾ بناه للمفعول إشارة إلى أن أمور الآخرة كلها قهر وفي غاية السهولة عليه ، وفي هذه الدار للأمر وإن كان كذلك إلا أن الفرق في انكشاف ستر الأسباب هناك فلا دعوى لأحد ﴿كتابه﴾ أي صحيفة حسابه التي كتبتها الملائكة وهو لا يدري ولا يشعر ﴿بيمينه﴾ من أمامه وهو المؤمن المطيع ﴿فسوف يحاسب﴾ أي يقع حسابه بوعد لا خلف فيه وإن طال الأمد لإظهار الجبروت والكبرياء والقهر ﴿حساباً يسيراً﴾ أي سهلاً لا يناقش فيه لأنه كان يحاسب نفسه فلا يقع له المخالفة إلا ذهولاً، فلأجل ذلك تعرض أعماله فيقبل حسنها ويعفو عن سيئها.

стр. 11202

ولما كان هذا دالاً على العفو، أتبعه ما يدل على الإكرام فقال: ﴿وينقلب﴾ أي يرجع من نفسه من غير مزعج برغبة وقبول ﴿إلى أهله﴾ أي الذين أهله الله بهم في الجنة فيكون أعرف بهم وبمنزله

стр. 11203

الذي أعد له منه بمنزله في الدنيا. ولما كانت السعادة في حصور السرور من غير قيد، بنى للمفعول قوله: ﴿مسروراً *﴾ أي قد أوتي جنة وحريراً، فإنه كان في الدنيا في أهله مشفقاً من العرض على الله مغموماً مضروراً يحاسب نفسه بكرة وعشياً حساباً عسيراً مع ما هو فيه من نكد الأهل وضيق العيش وشرور المخالفين، فذكر هنا الثمرة والمسبب لأنها المقصودة بالذات، وفي الشق الآخر السبب والأصل، وقد استشكلت الصديقة أم المؤمنين عائشة ﵂ هذه الآية بما «روي عنها في الصحيح بلفظين أحدهما» ليس أحد يحاسب إلا هلك «والثاني» من نوقش الحساب عذب «قالت عائشة ﵂: فقلت: يا رسول الله! أليس الله يقول ﴿فأما من أوتي كتابه﴾ [الانشقاق: ٨] الآية، فقال: ﷺ : إنما ذلك العرض» فإن كان اللفظ الأول هو الذي سمعته فالإشكال فيه واضح، وذلك أنه يرجع إلى كلية موجبة هي «كل من حوسب هلك» والآية مرجع إلى جزئية سالبة وهي «بعض من يحاسب لا يهلك» وهو نقيض، وحينئذ يكون اللفظ الثاني من تصرف الرواة، وإن كان الثاني هو الذي سمعته فطريق تقدير الإشكال فيه أن يقال: المناقشة في اللغة من الاستقصاء وهو بلوغ الغاية، وذلك في الحساب

стр. 11204

بذكر الجليل والحقير والمجازاة عليه، فرجع الأمر أيضاً إلى كلية موجبة هي «كل من حوسب بجميع أعماله عذب» وذلك شامل لكل حساب سواء كان يسيراً أو لا، لأن الأعم يشمل جميع أخصّياته، والآية مثبتة أن من أعطي كتابه بيمينه يحاسب عليه ولا يهلك، والصديقة ﵂ عالمة بأن الكتاب يثبت فيه جميع الأعمال من قوله تعالى: ﴿لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها﴾ [الكهف: ٤٩] ومن حديث الحافظين وغير ذلك، فرجع الأمر إلى أن بعض من يحاسب بجميع أعماله لا يهلك، وحينئذ فالظاهر التعارض فسألت، فأقرها ﷺ على الإشكال وأجابها بما حاصله أن المراد بالحساب في الحديث مدلوله المطابقي، وهو ذكر الأعمال كلها - والمقابلة على كل منها، وذلك هو معنى المناقشة، فمعنى «من نوقش الحساب» من حوسب حساباً حقيقياً بذكر جميع أعماله والمقابلة على كل منها، وأن المراد بالحساب في الآية جزء المعنى المطابقي وهو ذكر الأعمال فقط من غير مقابلة، وذلك بدلالة التضمن مجازاً مرسلاً لأنه إطلاق اسم الكل على الجزء، ولأجل هذا كانت الصديقة رضي الله تعالى عنها تقول بعد هذا في تفسير الآية: يقرر بذنوبه ثم يتجاوز عنها - كما نقله عنها أبو حيان، وعلى ذلك دل قوله ﷺ فيما رواه الشيخان عن ابن عمر ﵄:

стр. 11205

«إن الله تعالى يدني المؤمن يوم القيامة فيضع كنفه عليه ويستره ثم يقول له: أتعرف ذنب كذا - حتى يذكره بذنوبه كلها ويرى في نفسه أنه قد هلك، قال الرب سبحانه: سترتها عليك في الدنيا، وأنا إغفرها لك اليوم» ولفظ «كنفه» يدل على ذلك فإن كنف الطائر جناحه، وهو إذا وقع فرخه في كنفه عامله بغاية اللطف، فالله تعالى أرحم وألطف ﴿وأما من أوتي﴾ أي بغاية السهولة وإن أبى هو ذلك ﴿كتابه﴾ أي صحيفة حسابه ﴿وراء ظهره *﴾ أي في شماله إيتاء مستغرقاً لجميع جهة الوراء التي هي علم السوء لأنه كان يعمل ما لم يأذن به الله، فكأنه عمل من ورائه مما يظن أنه يخفى عليه سبحانه، فكان حقيقاً بأن تعل يمينه إلى عنقه، وتكون شماله إلى وراء ظهره، ويوضع كتابه فيها، وهذا احتباك: ذكر اليمين أولاً يدل على الشمال ثانياً، وذكر الوراء ثانياً يدل على الأمام أولاً، وسر ذلك أنه ذكر دليل المودة والرفق بالمصافحة ونحوها في السعيد، ودليل الغدر والاغتيال في الشقي ﴿فسوف يدعوا﴾ أي بوعد لا محالة في وقوعه أبداً ﴿ثبوراً *﴾ أي حسرة وندماً بنحو قوله: واثبوراه، وهو الهلاك الجامع لأنواع المكاره كلها لأن أعماله في الدنيا كانت أعمال الهالكين.

стр. 11206

ولما كان ذلك لا يكون إلا لبلاء كبير، أتبعه ما يمكن أن يكون علة له فقال: ﴿ويصلى سعيراً *﴾ أي ويغمس في النار التي هي في غاية الاتقاد ويقاسي حرها وهي عاطفة عليه ومحطية به لأنه كان تابعاً لشهواته التي هي محفوفة بها فأوصلته إليها وأحاطت به. ولما ذكر هذا العذاب الذي لا يطاق، أتبعه سببه ترهيباً منه واستعطافاً إلى التوبة وتحذيراً من السرور في دار الحزن، فقال مؤكداً تنبيهاً على أنه لا ينبغي أن يصدق أن عاقلاً يثبت له سرور في الدنيا: ﴿إنه كان﴾ أي بما هو له كالجبلة والطبع ﴿في أهله﴾ أي في دار العمل ﴿مسروراً *﴾ أي ثابتاً له السرور بطراً بالمال والجاه فرحاً به مخلداً إليه مترفاً مع الفراغ والفرار عن ذكر حساب الآخرة كما قال في التي قبلها ﴿وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فاكهين﴾ [المطففين: ٣١] ، لا يحزن أحدهم لذنب عمله ولا لقبيح ارتكبه، بل يسر بكونه يأتي له ذلك فهو يحاسب في الآخرة حساباً عسيراً، وينقلب إلى أعدائه مغموماً كسيراً، وقد بان أن الكلام من الاحتباك: ذكر الحساب اليسير الذي هو الثمرة والمسبب أولاً يدل على حذف ضده ثانياً، وذكر السرور في الأهل الذي هو السبب في الثاني يدل على حذف ضده وهو سبب السعادة وهو

стр. 11207

الغم ومحاسبة النفس في الأول، فهو احتباك في احتباك، ثم علل ثبات سروره فقال مؤكداً تنبيهاً أيضاً على أنه لا يصدق أن أحداً ينكر البعث مع ما له من الدلائل التي تفوت الحصر: ﴿إنه ظن﴾ لضعف نظره ﴿أن﴾ أي أنه ﴿لن يحور *﴾ أي يرجع إلى ربه أو ينقص أو يهلك ﴿وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلاّ الدهر﴾ [الجاثية: ٢٤] فلهذا كان يعمل عمل من لا يخاف عاقبة ﴿بلى﴾ ليرجعن صاغراً ناقصاً هالكاً، ثم علل ذلك بقوله مؤكداً لأجل من ينكر: ﴿إن ربه﴾ أي الذي ابتدأ إنشاءه ورباه ﴿كان﴾ أزلاً وأبداً ﴿به﴾ أي هذا الشقي في إعادته كما كان في ابتدائه وفي جميع أعماله وأحواله التي لا يجوز في عدل عادل ترك الحساب عليها ﴿بصيراً *﴾ أي ناظراً له وعالماً به أبلغ نظر وأكمل علم، فتركه مهملاً مع العلم بأعماله مناف للحكمة والعدل والملك، فهو شيء لا يمكن في العقل بوجه.

стр. 11208

ولما أخبر سبحانه بإنكاره لما أتاه به الرسل من الحشر على وجه موضح للدليل على بطلان إنكاره ولم يرجع، سبب عنه الإقسام على صحة ذلك لأنه ليس عند النذير الناصح الشفوق بعد إقامة الأدلة إلاّ

стр. 11209

بالإيمان على صحة ما قال نظراً منه للمنصوح وشفقة عليه، وكان ترك الحلف على ما هو ظاهر أبلغ من الحلف لما في ذلك الترك من تنبيه المخاطب على النظر والتأمل فقال: ﴿فلا أقسم﴾ أي أحلف حلفاً عظيماً هو كقاموس البحر بهذه الأمور التي سأذكرها لما لها من الدلالة على القدرة على الإبداء والإعادة، لا أقسم بها وإن كانت في غاية العظم بما لها من الدلالات الواضحة لأن المقسم عليه أجل منها وأظهر فهو غني عن الإقسام ﴿بالشفق *﴾ أي الضياء الذي يكون في المغرب عقب غروب الشمس أطباقاً حمرة ثم صفرة ثم كدرة إلى بياض ثم سواد، وكذلك الليل أوله بياض بغبرة ثم تتزايد غبرته قليلاً إلى أن يسود مرباداً فيوسق كل شيء ظلاماً، سمي شفقاً لرقته ومنه الشفقة لرقة القلب ﴿والّيل﴾ أي الذي يغلبه فيذهبه ﴿وما وسق *﴾ أي جمع في بطنه وطرد وساق من ذلك الشفق ومن النهار الذي كان قبله والنجوم التي أظهرها وغير ذلك من الغرائب التي تدل على أن موجده بعد أن لم يكن ومذهب ما كان به قادر على الإبداء والإعادة وكل ما يريد ﴿والقمر﴾ أي الذي هو آيته ﴿إذا اتسق *﴾ أي انتظم واستوى واجتمع كماله وتم أمره ليلة إبداره بعد أن كان قد غاب أصلاً ثم بدأ هلالاً خفياً ضئيلاً دقيقاً ولم يزل يزداد حتى يتم ثم ينقص إلى أن يخفى

стр. 11210

ثم يعود إلى حاله دليلاً أظهر من الشمس على قدرة موجده كذلك على كل أمر من الإبداء والإعادة. ولما كانت هذه الأمور عظيمة جداً لا يقدر عليها إلا الله تعالى ولها من المنافع ما لا يعلمه حق علمه إلا هو ، وكل منها مع ذلك دال على تمام قدرته تعالى على الذي يراد تقريره في العقول وإيضاحه من القدرة التامة على إعادة الشيء كما كان سواء، ونفي الإقسام بها دليلاً على أن ذلك في غاية الظهور، فالأمر فيه غني عن الإقسام، قال في موضع جواب القسم مقروناً باللام الدالة على القسم ذاكراً ما هو في الظهور والبداهة بحيث لا يحتاج إلى تنبيه عليه بغيره ذكره: ﴿لتركبن﴾ أي أيها المكلفون - هذا على قراءة الجماعة بضم الباء دلالة على حذف واو الجمع، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بفتحها على أن الخطاب للانسان باعتبار اللفظ ﴿طبقاً﴾ مجاوزاً ﴿عن طبق *﴾ أي حالاً بعد حال من أطوار الحياة وأدوار العيش وغمرات الموت ثم من أمور البرزخ وشؤون البعث ودواهي الحشر بدليل ما كان لكم قبل ذلك سواء بتلك القدرة التي كونت تلك الكوائن وأوجدت تلك العجائب سواء، فتكونون في تمكن الوجود في

стр. 11211

كل طبق بحال التمكن على الشيء بالركوب، وكل حال منها مطابق للآخر في ذلك فإن الطبق ما يطابق غيره، ومنه قيل للغطاء: طبق - لمطابقته المغطى، والطبق كل ما ساوى شيئاً ووجه الأرض والقرن من الزمان أو عشرون سنة، وكلها واضح الإرادة هنا وهو بديهي الكون، فأول أطباق الإنسان جنين، ثم وليد، ثم رضيع ثم فطيم، ثم يافع، ثم رجل، ثم شاب، ثم كهل، ثم شيخ، ثم ميت، وبعده نشر ثم حشر ثم حساب ثم وزن ثم صراط ثم مقرّ، ومثل هذه الأطباق المحسوسة أطباق معنوية من الفضائل والرذائل.

стр. 11212

ولما ظهر المراد ولم يبق إلا العناد، سبب عن ذلك الإنكار عليهم والتوبيخ والتقريع والتهديد، فقال معرضاً عن خطابهم إلى الغيبة إيذاناً باستحقاقهم للأخذ إن لم يرجعوا: ﴿فما لهم﴾ أي وأي شيء لهؤلاء الذين أنزلنا عليهم هذا الكتاب المعجز في أنهم ﴿لا يؤمنون *﴾ أي يوقعون الإيمان ويجددونه كل وقت على الاستمرار بكل ما دعا إليه هذا الكتاب الذي خصهم بهم ملك الملوك وقد وضحت الدلالة وقامت البراهين لا سيما دلائل القيامة هل هي إلا واحدة من هذه الأطباق المنتقل إليها لأن من كان اليوم على حالة وغداً على أخرى جدير

стр. 11213

بأن يعلم أن تدبيره إلى سواه، ومن لم يعلم ذلك فليس لجنونه دواء، ومن علم أن تدبيره إلى سواء علم أن المشيئة في التدبير - إليه لا إلى نفسه، وقيل لأبي بكر الوراق: ما الدليل على الصانع؟ قال: تحويل الحالات وعجز القوة وضعف الأركان وقهر المشيئة، وفسخ العزيمة. ﴿وإذا قرىء﴾ أي من أي قارىء كان ﴿عليهم القرآن﴾ أي الجامع لكل ما ينفعهم في دنياهم وأخراهم الفارق بين كل ملتبس من الحرام والحلال وغير ذلك ﴿لا يسجدون *﴾ أي يخضعون بالقلب ويتذللون للحق بالسجود اللغوي فيسجدون بالقالب السجود الشرعي لتلاوته لأنه ملك الكلام، قد أبان عن معارف لا تحصر، مع الشهادة لنفسه بإعجازه أنه من عند الله، ليس لهم في ذلك عذر إلا الجهل أو العجز، ولا جهل مع القرآن ولا عجز مع القوة والاختيار. ولما كان هذا استفهاماً إنكارياً معناه النفي، فكان التقدير: إنهم لا يؤمنون ولا عذر لهم في ذلك أصلاً، أضرب عنه بقوله: ﴿بل﴾ ووضع الظاهر موضع المضمر تعميماً وتنبيهاً على الوصف الذي حملهم على التكذيب فقال: ﴿الذين كفروا﴾ أي ستروا مرائي عقولهم الدالة على الحق ﴿يكذبون *﴾ أي بالقرآن وبما دل عليه من

стр. 11214

حقائق العرفان المعلية إلى أوج الإيمان بالواحد الديان ﴿والله﴾ أي والحال أن الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿أعلم﴾ أي منهم أنفسهم ﴿بما يوعون *﴾ أي يضعون في أوعية صدورهم من الكفر والعداوة بسبب الشهوات الشاغلة لهم وهي حب الرئاسة وادعاء الألوهية الشاغلة لهم عن التدبر لهذا القرآن وعن شواهد الموجودات. ولما كان هذا موجباً لشديد الإنذار، وضع موضعه تهكماً بهم وإعلاماً بأن الغضب قد بلغ منتهاه قوله: ﴿فبشرهم﴾ أي أخبرهم يا أفضل الخلق وأكملهم وأعدلهم خبراً يغير إبشارهم ﴿بعذاب أليم *﴾ أي شديد الألم لشدة إيلامه، إن كان لهم يوماً من الأيام بشارة فهي هذه. ولما أخبر عنهم بهذا الهوان، وكان قد عبر عنهم بأدنى الأسنان إشارة إلى أن منهم من يقبل الإيمان، استثنى منهم فقال: ﴿إلا الذين آمنوا﴾ أي أقروا بالإيمان ﴿وعملوا﴾ دلالة على صدق إيمانهم ﴿الصالحات﴾ . ولما تقدم أن من حوسب عذب، وأن الناجي إنما يكون حسابه عرضاً، علم أنه ليس للأعمال دخل في الحقيقة في الأجر، وإنما المدار كما قال النبي ﷺ على التغمد بالرحمة حتى في تسمية النعيم أجراً،

стр. 11215

أسقط الفاء المؤذنة بالسبب تنبيهاً على ذلك بخلاف ما في سورة التين لما يأتي من اقتضاء سياقها للفاء فقال: ﴿لهم أجر﴾ أي عظيم وثواب جزيل يعلمه الله تعالى وهو التجاوز عن صغائرهم وسترها ﴿غير ممنون *﴾ أي مقطوع أو منقوص أو يمتن عليهم به في الدنيا والآخرة يؤتون ذلك في يوم الدين يوم تنشق السماء وتمد الأرض ويثوب الكفار ما كانوا يفعلون، فقد رجع آخرها على أولها، واعتلق مفصلها حق الاعتلاق بموصلها.

стр. 11216

سورة البروج مقصودها الدلالة على القدرة على مقصود الانشقاق الذي هو صريح آخرها من تنعيم الولي وتعذيب الشقي بمن عذبه في الدنيا ممن لا يمكن في العادة أن يكون عذابه ذلك إلا من الله وحده تسلية لقلوب المؤمنين وتثبيتا لهم على أذى الكافرين، وعلى ذلك الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما) الرحمن (الذي عم الخلائق عدلا وحلما) الرحيم (الذي خص أولياءه بإتمام النعمة عليهم عينا كما أظهره رسما.

стр. 11217

لما ختم تلك بثواب المؤمن وعقاب الكافر والاستهزاء به بعد أن ذكر أنه سبحانه أعلم بما يضمر الأعداء من المكر وما يرومون من الأنكاد للأولياء وتوعدهم بما لا يطيقون، وكانوا قد عذبوا المؤمنين بأنواع العذاب واجتهدوا في فتنة من قدروا عليه منهم، وبالغوا في التضييق عليهم حتى ألجؤوهم إلى شعب أبي طالب وغيره من البروج في البلاد، ومفارقة الأهل والأولاد، ابتدأ هذه بما أوقع بأهل الجبروت

стр. 11218

ممن تقدمهم على وجه معلم أن ذلك الإيقاع منه سبحانه قطعاً، ومعلم أن الماضين تجاوزوا ما فعل هؤلاء إلى القذف في النار، وأن أهل الإيمان ثبتوا، وذلك لتسلية المؤمنين وتثبيتهم، وتوعيد الكافرين وتوهيتهم وتفتيتهم، فقال مقسماً لأجل إنكارهم وفعلهم في التمادي في عداوة حزب الله فعل المنكر أن الله ينتقم لهم بما يدل على تمام القدرة على القيامة: ﴿والسماء﴾ أي العالية غاية العلو المحكمة غاية الإحكام ﴿ذات البروج *﴾ أي المنازل للكواكب السيارة التي ركبها الله تعالى على أوضاع جعل في بعضها قوة التسبب للإبداء والإعادة بالإنبات وفي بعضها قوة التربية كذلك، وفي الأخرى قوة الاستحصاد بأسباب خفية أقامها سبحانه لا ترونها، غير أنكم لكثرة إلفكم لذلك صرتم تدركون منه بالتجارب أموراً تدلكم على تمام القدرة، فنسبها بعضكم إلى الطبيعة لقصور النظر في أسباب الأسباب وكلال الفكر عن النفوذ إلى نهاية ما تصل إليه الألباب، فاستبدل بالشكر الكفر، واستدل بالآيات على ضد ما تدل عليه لجمود الذهن وانعكاس الفكر، والمراد بها المنازل الاثنا عشر:

стр. 11219

الحمل - والثور - والجوزاء - والسرطان - والأسد - والسنبلة - والميزان - والعقرب - والقوس - والجدي - والدلو - والحوت - وهي تقطعها الشمس في السنة، أو هي الثمانية والعشرون التي يقطعها القمر في الشهر، وهي منازل الشمس هذه الاثنا عشر بسير القمر في كل واحد منها يومين وثلثاً، فذلك ثمانية وعشرون يوماً ويستسر ليلتين، فذلك شهر، وهو إشارة إلى أن الذي فصل السماء هذا التفصيل وسخر فيها هذه الكواكب لمصالح الإنسان لا يتركه سدىً، بل لا بد من دينونته على ما يفعله من خير وشر شبهت بالقصور لأنها تنزلها السيارة وتكون فيها الثوابت وعظام الكواكب، سميت بروجاً لظهورها، أو أبواب السماء فإن النوازل تخرج منها، وأصل التركيب للظهور. ولما كانت هذه الجملة من القسم دالة على البعث قال تصريحاً: ﴿واليوم الموعود *﴾ أي يوم القيامة الذي تحقق الوعد به وثبت ثبوتاً لا بد منه بما دل عليه من قدرتنا في مخلوقاتنا وأنا سببنا له أسباباً هي عتيدة لديكم وأنتم لا ترونها ولا تحسون شيئاً منها ولم تبينها لكم الرسل لقصور عقولكم عنها بأكثر من الدلالة بالأسباب التي ألفتموها

стр. 11220

على مثلها من غير فرق غير أنه وإن كان العقل لا يستقل به ولا يفقه منه غير السماء للوعد به من الرسل فهو لا يحيله بعد سماعه. ولما كان الجمع لأجل العرض، وكان العرض لا بد فيه من شهود ومشهود عليهم وجدال على عهود، قال منكّراً للإبهام للتعظيم والتعميم مثل ﴿علمت نفس ما أحضرت﴾ [التكوير: ١٤] : ﴿وشاهد﴾ أي كريم من الأولياء ﴿ومشهود *﴾ أي في نفسه من الأعيان والآثار الهائلة، أو عليه فإنه يوم تشهده جميع الخلائق، ويحضر فيه من العجائب أمور يكل عنها الوصف، ويحضره الأنبياء الشاهدون وأممهم المشهود عليهم، ولا تبقى صغيرة من الأعمال ولا كبيرة إلاّ أحصيت، وفي ذلك أشد وعيد لجميع العبيد. ولما كان جواب القسم على ما دل عليه مقصود السورة وسوابقها ولواحقها: لنثوبن الفريقين الأولياء والأعداء، ولندينن كلاًّ بما عمل، دل عليه بأفعاله في الدنيا ببعض الجبابرة فيما مضى، وفيما يفعل بجبابرة من كذب النبي ﷺ ، فقال بادئاً بمن عذب بعذاب الله في القيامة للبداءة في آخر الانشقاق بقسم المكذبين وهم المحدث عنهم، معبراً بما يصلح للدعاء والحقيقة تسلية للمؤمنين وتثبيتاً لهم بما وقع لأمثالهم، وتحذيراً مما كان لأشكالهم: ﴿قتل﴾ أي لعن بأيسر أمر

стр. 11221

وأسهله من كل لاعن لعناً لا فلاح معه، ووقع في الدنيا أنه قتل حقيقة ﴿أصحاب الأخدود *﴾ أي الخد العظيم، وهو الشق المستطيل في الأرض كالنهر، روي أن ملكاً من الكفار - وروي عن ابن عباس ﵄ أنه كان من حمير - من ملوك اليمن، وكان قبل مولد النبي ﷺ بسبعين سنة، آمن في زمانه ناس كثير، فخدّ لهم أخدوداً في الأرض وسجره ناراً وعرض من آمن عليه، فمن رجع عن دينه تركه، ومن ثبت - وهم الأغلب - قذفه في ذلك الأخدود فأحرقه. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: وردت هذه السورة في معرض الالتفات والعدول إلى إخبار نبي الله ﷺ بما تضمنته هذه السورة من قصة أصحاب الأخدود، وقد تقدم هذا الضرب في سورة المجادلة وسورة النبأ، وبينا وقوعه في أنفس السور ومتونها وهو أقرب فيما بين السورتين وأوضح - أنتهى. ولما ذمهم ، بين وجه ذمهم ببدل اشتمال من أخدودهم فقال: ﴿النار﴾ أي العظيمة التي صنعوها لعذاب أوليائنا، وزاد في تعظيمها بقوله: ﴿ذات الوقود *﴾ أي الشيء الذي نوقد به من كل ما يصلح لذلك من الحطب وغيره، وعلق ب «قتل» قوله: ﴿إذ هم﴾ أي بظواهرهم وضمائرهم ﴿عليها﴾ أي على جوانب أخدودها

стр. 11222

﴿قعود *﴾ أي يحفظونها ويفعلون مما يأمرهم ملكهم في أمرها من إلقاء الناس وغيره فعل القاعد المطمئن الذي ليس له شغل غيرها ﴿وهم على ما يفعلون﴾ أي خاصة بقوة دواعيهم إلى فعله ورغبتهم فيه من الفتنة بالعرض على النار وغيره مكررين ذلك الفعل ﴿بالمؤمنين﴾ أي الراسخين في الإيمان الذي لم يثنهم العذاب عنه ﴿شهود *﴾ أي يشهد بعضهم لبعض عند الملك أنه لم يقصر فيما أمره به ويشهدون يوم القيامة بما تشهد به عليهم أيديهم وأرجلهم على أنفسهم بهذا الظلم، ويشهد بعضهم على بعض ويعادي بعضهم بعضاً، ويحيل كل على الآخر طمعاً في النجاة.

стр. 11223

ولما كان هذا الفعل العظيم لا يكون من عاقل إلا لسبب يليق به، بين أنه إنما هو لسبب يبعد منه، فقال على طريقة: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب ﴿وما نقموا﴾ أي أنكروا وكرهوا ﴿منهم﴾ من الحالات وكان ديناً لهم ونقصاً فيهم ﴿إلا أن يؤمنوا﴾ أي يجددوا الإيمان مستمرين عليه ﴿بالله﴾ أي الملك الأعلى الذي له جميع صفات الكمال.

стр. 11224

ولما كان ربما أوهم ترك معالجته سبحانه لهم لكونهم يعذبون من آمن به لأجل الإيمان به ما لا يليق، نفى ذلك بقوله واصفاً له بما يحقق وجوب العبادة له وتفرده بها: ﴿العزيز﴾ أي الذي يغلب من أراد ولا يغلبه شيء، فلا يظن إمكانه من أهل ولايته لعجز، بل هو يبتليهم ليعظم أجورهم ويعظم عقاب أعدائهم ويعظم الانتقام منهم ﴿الحميد *﴾ أي المحيط بجميع صفات الكمال، فهو يثيب من أصيب فيه أعظم ثواب، وينتقم ممن آذاه بأشد العذاب، وقرر ذلك بقوله: ﴿الذي له﴾ أي خاصة ﴿ملك السماوات والأرض﴾ أي على جهة العموم مطلقاً، فكل ما فيهما جدير بأن يعبده وحده ولا يشرك به شيئاً. ولما قدم سبحانه التحذير بالشاهد والمشهود، وأن الكافرين شهود على أنفسهم، زاد في التحذير بأنه سبحانه أعظم شهيد في ذلك اليوم وغيره فهو لا يحتاج إلى غيره، ولكنه أجرى ذلك على ما نتعارفه فقال: ﴿والله﴾ أي الملك الأعظم الذي له الإحاطة الكاملة ﴿على كل شيء﴾ أي هذا الفعل وغيره ﴿شهيد *﴾ أي أتم شهادة لا يغيب عنه شيء أصلاً، ولا يكون شيء ولا يبقى إلا بتدبيره، ومن هو بهذه الصفات العظيمة لا يهمل أولياءه أصلاً، بل لا بد أن

стр. 11225

ينتقم لهم من أعدائه ويعليهم بعلائه، ولذلك قال مستأنفاً جواباً لمن يقول: فما فعل بهم؟ مؤكداً لإنكار الكفار ذلك: ﴿إن الذين فتنوا﴾ أي خالطوا من الأذى بما لا تحتمله القوى فلا بد أن يميل أو يحيل في أي زمان كان ومن أي قوم كانوا ﴿المؤمنين والمؤمنات﴾ أي ذوي الرسوخ في وصف الإيمان. ولما كانت التوبة مقبولة قبل الغرغرة ولو طال الزمان، عبر بأداة التراخي فقال: ﴿ثم لم يتوبوا﴾ أي عن ذنوبهم وكفرهم. ولما كان سبحانه لا يعذب أحداً إلا بسبب، سبب عن ذنبهم وعدم توبتهم قوله: ﴿فلهم﴾ أي خاصة لأجل كفرهم ﴿عذاب جهنم﴾ أي الطبقة التي تلقى داخلها بغاية الكراهة والتجهم، هذا في الآخرة ﴿ولهم﴾ أي مع ذلك في الدارين لأجل فتنتهم لأولياء الله ﴿عذاب الحريق *﴾ أي العذاب الذي من شأنه المبالغة في الإحراق بما أحرقوا من قلوب الأولياء، وقد صدق سبحانه قوله هذا فيمن كذب النبي ﷺ بإهلاكهم شر إهلاك مغلوبين مقهورين مع أنهم كانوا قاطعين بأنهم غالبون كما فعل بمن كان قبلهم، فدل ذلك على أنه على كل شيء قدير، فدل على أنه يبدىء ويعيد.

стр. 11226

ولما ذكر عقاب المعاندين بادئاً به لأن المقام له، أتبعه ثواب العابدين، فقال مؤكداً لما لأعدائهم من إنكار ذلك: ﴿إن الذين آمنوا﴾ أي أقروا بالإيمان ولو على أدنى الوجوه من المقذوفين في النار وغيرهم من كل طائفة في كل زمان ﴿وعملوا الصالحات﴾ تصديقاً لإيمانهم وتحقيقاً له. ولما كان الله سبحانه من رحمته قد تغمد أولياءه بعنايته ولم يكلهم إلى أعمالهم لم يجعلها سبب سعادتهم فلم يقرن بالفاء قوله: ﴿لهم﴾ أي جزاء مقاساتهم لنيران الدنيا من نار الأخدود الحسية التي ذكرت، ومن نيران الغموم والأحزان المعنوية التي يكون المباشر لأسبابها غيره سبحانه فيكون المقاسي لها مع حفظه للدين كالقابض على الجمر ﴿جنّات﴾ أي فضلاً منه ﴿تجري﴾ وقرب منالها بالجار فقال: ﴿من تحتها﴾ أي تحت غرفها وأسرتها وجميع أماكنها ﴿الأنهار﴾ يتلذذون ببردها في نظير ذلك الحر الذي صبروا عليه في الدنيا ويروقهم النظر إليها مع خضرة الجنان والوجوه الحسان الجالبة للسرور الجالية للأحزان. ولما ذكر هذا الذي يسر النفوس ويذهب البؤس، فذلكه بقوله: ﴿ذلك﴾ أي الأمر العالي الدرجة العظيم البركة ﴿الفوز﴾

стр. 11227

أي الظفر بجميع المطالب لا غيره ﴿الكبير *﴾ كبراً لا تفهمون منه أكثر من ذكره بهذا الوصف على سبيل الإجمال، وذلك أن من كبره أن هذا الوجود كله يصغر عن أصغر شيء منه.

стр. 11228

ولما كان لا يثيب ويعذب على هذا الوجه إلا من كان في غاية العظمة، قال معللاً لفعله ذلك دالاً بذلك التعلل على ما له من العظمة التي تتقاصر الأفكار دون عليائها، مؤكداً لما للأعداء من الإنكار: ﴿إن بطش ربك﴾ أي أخذ المحسن إليك المدبر لأمرك أعداء الدين بالعنف والسطوة وغاية الشدة ﴿لشديد *﴾ أي شدة يزيد عنفها على ما في البطش من العنف المشورط في تسميته، فهو عنف مضاعف. ولما كان هذا البطش لا يتأتى إلا لكامل القدرة، دل على كمال قدرته واختصاصه بذلك بقوله مؤكداً لما لهم من الإنكار: ﴿إنه﴾ وزاد التأكيد بمبتدأ آخر ليدل على الاختصاص فقال: ﴿هو﴾ أي وحده ﴿يبدىء﴾ أي يوجد ابتداء أي خلق أراد على أي هيئة أراد ﴿ويعيد *﴾ أي ذلك المخلوق بعد إفنائه في أي وقت أراده، وغيره لا يقدر على شيء من ذلك، وليس هذا الضمير بفصل لأنه لا يكون إلا والخبر لا يكون إلا معرفة، أو شبيه بها في أنه لا يلحقه «أل» المعرفة مثل خير منك، وأجاز المازني وقوعه قبل المضارع لمشابهته الاسم وامتناع دخول «أل» عليه

стр. 11229

فأشبه المعرفة، وقال: ولا يكون قبل الماضي لأن الماضي لا يشبه الاسم، قال الرضي: وما قاله دعوى بلا حجة ومثل «ومكر أولئك هو يبور» ليس بنص في كونه فصلاً لجواز كونه مبتدأ بما بعده خبره، ونقض قوله في الماضي بقوله تعالى: ﴿وإنه هو أضحك وأبكى﴾ [النجم: ٤٣] . ولما ذكر سبحانه بطشه، وكان القادر على العنف قد لا يقدر على اللطف، وإن قدر فربما لم يقدر على الإبلاغ في ذلك، وكان لا يقدر على محو الذنوب أعيانها وآثارها على كل أحد بحيث لا يحصل لصاحبها عقاب ولا عتاب من أحد أصلاً إلا من كان قادراً على كل شيء، قال مبيناً لجميع ذلك دليلاً على أنه الفاعل المختار، ومؤكداً لخروجه عن العوائد: ﴿وهو﴾ أي وحده ﴿الغفور﴾ أي المحاء لأعيان الذنوب وآثارها إذا أراد بحيث لا يحصل لمن محا ذنبه كدر من جهة ذلك الذنب أصلاً ﴿الودود *﴾ أي الذي يفعل بمن أراد فعل المحب الكثير المحبة فيجيبه إلى ما شاء ويلقي على صاحب الذنب الذي محاه عنه وداً أي محبة كبيرة واسعة ويجعل له في قلوب الخلق رحمة، ومادة «ود» تدور على الاتساع كما بينته في سورة الروم، وزاد الأمر تأكيداً بذكر ما

стр. 11230

لا ينازع أصلاً في اختصاصه به تشريفاً له وتنبيهاً على أنه أعظم المخلوقات: ﴿ذو العرش﴾ أي العز الأعظم أو السرير الدال على اختصاصه الملك بالملك وانفراده بالتدبير والسيادة والسياسة، الذي به قوام الأمور ﴿المجيد *﴾ أي الشريف الكريم العظيم في ذاته وصفاته الحسن الجميل الرفيع العالي الكثير العطاء - هذا إذا رفع على أنه صفة ل «ذو» وكذا إن جر على أنه صفة للعرش في قراءة حمزة والكسائي. ولما كان الاختصاص يدل قطعاً على كمال القدرة، أنتج ذكر هذه الاختصاصات قوله: ﴿فعّال﴾ أي على سبيل التكرار والمبالغة ﴿لما يريد *﴾ لا يؤده شيء من الأفعال سواء كانت منسوبة إليه من غير واسطة أو نسبت في الظاهر إلى غيره. ولما تمت الدلالة على أن بطشه شديد، قرره بما وجد من ذلك وذكره به تخويفاً وتسلية له لأن النظر في المحسوسات أمكن في النفوس فقال: ﴿هل أتاك﴾ أي يا أعظم خلقنا ﴿حديث الجنود *﴾ أي اذكر ما أتاك مما حدث لهم من بطشنا وما وقع بهم من سطواتنا لتكذيبهم رسلنا عليهم أفضل الصلاة والسلام بحيث صار حديثاً يتلى، وذكراً بين الخلق لعظمته لا يبلى، والجنود جمع جند بالضم وهو العسكر المعد للقتال والأعوان والمدينة، والكل ناظر إلى النجدة العظيمة والغلبة الزائدة. ولما كان المعلوم من السياق أن المراد من حديثهم ما حصل لهم

стр. 11231

من البطش لتكذيب الرسل لا سيما في البعث الذي السياق له، وكان الواقع من بيانه بآيات موسى وصالح عليهما الصلاة والسلام أبين مما وقع بآيات غيرهم ممن تقدم زمنه على هذه الأزمنة، وكانت أمة كل نبي من النبيين وأتباع فرعون تحوي أصنافاً من الخلق كثيرة، حكي أن طليعته يوم تبع بني إسرائيل وغرق كانت ستمائة ألف، أبدل من «الجنود» إعلاماً بأنهم أعداء الله قوله: ﴿فرعون﴾ وكذا أتباعه الذين كانوا أشد أهل زمانهم وأعتاهم وأكثرهم رعونة في دعوى الإلهية منه والتصديق منهم وكان هذا من عماوة قلوبهم مع ظهور علامات الربوبية السماوية والأرضية، والرسوخ في التكذيب والسفه والخفة والطيش مع رؤية تلك الآيات العظيمة على كثرتها وطول زمنها حتى دخل البحر على أمان من الغرق مع أن خطر الغرق به في تلك الحالة لم يكن يخفى على من له أدنى مسكة من عقله فأغرقه الله ومن معه أجمعين ولم يبق منهم أحداً، فلعنة الله عليه وعلى من كان معه من أتباعه وأتباعهم الطائفة الاتحادية العربية الفارضية الذين يكفي في ظهور كفرهم تصويبهم فرعون الذي أجمع على كفره جميع الفرق ﴿وثمود *﴾ الذين حملتهم الخفة

стр. 11232

على أن عقروا الناقة بعد رؤيتهم إياها تتكون من الصخرة الصماء غير مجوزين أن الذي خرق العادة بإخراجها ذلك يهلكهم في شأنها، وقد جمع سبحانه بهما بين العرب والعجم والإهلاك بالماء الذي هو حياة كل شيء والصيحة التي هي أمارة الساعة، وإنما كانت آياتهما أبين لأن آية ثمود ناقة خرجت من صخرة صماء، ومن آيات موسى ﵊ إبداع القمل الذي لا يحصى كثرة من الكثبان، وإبداع الضفادع كذلك والجراد وإحياء العصا مرة أخرى، ولا شك عند عاقل أن من قدر على ذلك ابتداء من شيء لا أصل في الحياة فهو على إعادة ما كان قبل ذلك حياً أشد قدرة. ولما كان التقدير: نعم قد أتاني ذلك وعلمت من خبرهما وغيره أنك قادر على ما تريد، ولكن الكفار لا يصدقونني، عطف عليه قوله: ﴿بل الذين كفروا﴾ أي جاهروا بالكفر من هؤلاء القوم وغيرهم وإن كانوا في أدنى رتبة ﴿في تكذيب *﴾ أي لما رأوا من الآيات لا مستند لهم فيه وهو شديد محيط بهم لاتباعهم أهواءهم وتقليدهم آباءهم، فهم لا يقدرون على الخروج من ذلك التكذيب الذي صار ظرفاً لهم بعد سماعهم لأخبار هؤلاء المهلكين ورؤية بعض آثارهم، وبعد ما أقمت لهم من الأدلة على البعث في هذا القرآن المعجز، ولم يعتبروا

стр. 11233

بشيء من ذلك لما عندهم من داء الحسد، فحالهم أعجب من حالهم فحذرهم مثل مآلهم. ولما كان هذا ربما أوهم أن تكذيبهم على غير مراده ، قال دافعاً لذلك مؤكداً قدرته على أخذهم تحذيراً لهم وتسلية لمن كذبوه: ﴿والله﴾ أي والحال أن الملك الذي اختص بالجلال والإكرام ﴿من ورائهم﴾ أي من كل جهة يوارونها أو تواريهم، وذلك كل جهة ﴿محيط *﴾ فهو محيط بهم من كل جهة بعلمه وقدرته، فهو كناية عن أنهم في قبضته لا يفوتونه بوجه كما أنه لا يفوت من صار في القبضة بإحاطة العدو به من غير مانع، فهو سبحانه قادر على أن يحل بهم ما أحل بأولئك، ولعله خص الوراء لأن الإنسان يحمي ما وراءه ولأنه جهة الفرار من المصائب. ولما كان من تكذيبهم، وهو أعظم تكذيبهم، طعنهم في أعظم آيات القرآن بأن يقولوا: هو كذب مختلق، إنما هو أساطير الأولين، أي أكذوباتهم لا حقائق لما يخبر به مع أنه قد أقام الدليل الأعظم لنفسه بنفسه بما له من الإعجاز على أنه حق، قال معبراً بالضمير إيذاناً بأنه

стр. 11234

لعظمه في كل قلب لا غيبة له أصلاً، ليس لأحد حديث إلا فيه، بانياً على ما تقديره: ليس الأمر كما يزعم الكفار في القرآن: ﴿بل هو﴾ أي هذا القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ﴿قرآن﴾ أي جامع لكل منقبة جليلة بالغ الذروة العليا في كل شرف ﴿مجيد *﴾ أي شريف كريم ليس فيه شيء من شوائب الذم عزيز عظيم شريف عال جواد حسن الخلال وحيد في نظمه ومعانيه المغيبة والمشاهدة حاو لمجامع الحمد ليس بقول مخلوق ولا هو مخلوق بل هو صفة الخالق بل هو جواد بكل ما يراد منه من المحاسن لمن صدقت نيته وطهرت طويته، وعلت همته وكرمت سجيته، فهو يأبي له مجده أن يلم بساحته طعن بوجه من الوجوه، ومجده تجريب أحكامه من بين عاجل ما شهد وآخل ما علم بعالم ما شهد، فكان معلوماً بالتجربة المتيقنة بما تواتر من القصص الماضي وما شهد له من الأثر الحاضر وما يتجدد مع الأوقات من أمثاله وأشباهه وأشكاله، فكذب من قال إنه شعر أو كهانة أو سحر - أو غير ذلك من الأباطيل. ولما وصفه في نفسه مما يأبي له لحاق شيء من شبهة، وصف محله في الملأ الأعلى إعلاماً بأنه لا يطرأ عليه ما يغيره فقال: ﴿في لوح﴾

стр. 11235

وهو كل صفيحة عريضة من خشب أو عظم أو غيرهما ﴿محفوظ *﴾ أي له الحفظ دائماً على أتم الوجوه من كل خلل ومن أن يصل إليه إلا الملائكة الكرام، قال حجة الإسلام الغزالي رحمه الله تعالى في كتاب الموت من الأحياء: يعبر عنه تارة باللوح، وتارة بالكتاب المبين، وتارة بإمام مبين، فجمع ما جرى في العالم وما سيجري مكتوب فيه كتباً لا يشاهد بهذه العين، وليس مما نعهده من الألواح، فلوحه تعالى لا يشبه ألواح خلقه كما أن ذاته تعالى لا تشبه ذوات خلقه، ومثاله مثال قلب الإنسان في حفظ القرآن مثلاً كلماته وحروفه، ولو فتش قلبه لم يوجد فيه شيء ولا ينظر ذلك إلا نبي أو ولي يقرب من درجته - هذا معنى كلام الإمام رحمه الله تعالى، وقرأ نافع بالرفع صفة للقرآن فحفظه من التغيير والتبديل والتحريف وكل شبهة وريب في نظمه أو معناه كما أن البروج محفوظة في لوح السماء المحفوظ، بل القرآن بذلك أولى لأنه صفة الخالق في بيان وصفه لما خلق على الوجه الأتم الأعدل لأنه ترجمة ما أوجده الله سبحانه في الوجود، فصح قطعاً أنه لا بد أن يصدق في كل ما أخبر به، ومن أعظمه أنه سبحانه يحشر الناس للدينونة بالثواب والعقاب كما دان من كذب أولياءه في الدنيا

стр. 11236

بمثل ذلك فأخذ أعداءه وأنجى أولياءه، فرجع الختام منها على المبتدأ، وتعانق الافتتاح بالمنتهى، فاقتضى ذلك تنزيه المتكلم به عن أن يترك شيئاً فضلاً عن الأنفس بغير حفظ وعن كل ما لا يليق، وإثبات الكمالات له والأكمليات بكل طريق - والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وإليه المهرب والمتاب.

стр. 11237

سورة الطارق مقصودها بيان مجد القرآن فيب ضصدقه فيب الإخبار بتنعيم أهل الإيمان، وتعذيب أهل الكفران، في يوم القيامة حين تبلى السرائر وتكشف المخبات الضمائر عن مثقال الذر وما دون المثقال، مما دونته الحفطة الكرام في صحائف الأ " مال، بعد استيفاء الآجال، كما قدر في أزل الآزال، من غير استعجال، ولا تأخير عن الوقت المضروب ولا إهمال، واسمها الطارق أدل ما فيها على هذا الموعود الصادق بتأمل القسم والمقسم عليه حسب ما اتسق الكلام إليه) بسم الله (الذي له الكمال كله) الرحمن (الذي وسع الخلائق فضله وعدله) الرحيم (الذي خص أولياءه بتوفيقه فظهر عليهم جوده وإحسانه وكرمهع وفضله.

стр. 11238

لما تقدم في آخر البروج أن القرآن في لوح محفوظ لأن منزله محيط بالجنود من المعاندين وبكل شيء، أخبر أن من إحاطته حفظ كل فرد من جميع الخلائق المخالفين والموافقين والمؤالفين،

стр. 11239

ليجازى على أعماله يوم إحقاق الحقائق وقطع العلائق، فقال مقسماً على ذلك لإنكارهم له: ﴿والسماء﴾ أي ذات الأنجم الموضوعة لحفظها من المردة لأجل حفظ القرآن المجيد الحافظ لطريق الحق، قال الملوي: والمراد بها هنا ذات الأفلاك الدائرة لا السماوات العلى بما جعل فيها من ليل ونهار ودورتهما ثلاثمائة وستين درجة لا تتغير أبداً في هذه الدار بنقص ولا زيادة بنصف درجة ولا دقيقة ولا ثانية ولا ما دون ذلك، بل كلما زاد أحدهما شيئاً نقص من الآخر بحسابه عرف ذلك من العقل والنقل والتجربة فعرف أنه يحفظ حفيظ حي لا يموت، قيوم لا يغفل ولا ينام - انتهى. ولما أقسم بالسماء لما لها من الشرف والمجد تنبيهاً على ما فيها من بدائع الصنع الدالة على القدرة الباهرة. أقسم بأعجب ما فيها وهو جنس النجوم ثم بأعربه وهو المعد للحراسة تنبيهاً على ما في ذلك من غرائب القدرة فقال: ﴿والطارق﴾ أي جنس الكواكب الذي يبدو ليلاً ويخفى نهاراً، ويطرق مسترقي السمع فيبدد شملهم ويهلك من أراد الله منهم لأجل هداية الناس بالقرآن في الطرق المعنوية وظهوره وإشراقه في السماء لهدايتهم في الطرق الحسية وهو في الأصل

стр. 11240

لسالك الطريق، واختص عرفاً بالآتي ليلاً لأنه يجد الأبواب مغلقة فيحتاج إلى طرقها، ثم استعمل للبادي فيه كالنجم. ولما كان الطارق يطلق على غير النجم أبهمه أولاً ثم عظم المقسم به بقوله: ﴿وما أدراك﴾ أي عرفك يا أشرف خلقنا ﵊ وإن حاولت معرفة ذلك وبالغت في الفحص عنه ﴿ما الطارق *﴾ ثم زاده تهويلاً بتفسيره بعد إبهامه مرة أخرى بقوله تعالى: ﴿النجم الثاقب *﴾ أي المتوهج العالي المضيء كأنه يثقب الظلام بنوره فينفذ فيه، يقال: أثقب نارك للموقد، أو يثقب بضوئه الأفلاك فتشف عنه، أو يثقب الشيطان بناره إذا استرق السمع، والمراد الجنس أو معهود بالثقب وهو زحل، عبر عنه أولاً بوصف عام ثم فسره بما يخصه تفخيماً لشأنه لعلو مكانه. ولما ذكر الذي دل به على حفظ القرآن عن التلبيس وعلى حفظ الإنسان، ذكر جوابه في حفظ النفوس التي جعل فيها قابلية لحفظ القرآن في الصدور، ودل على حفظ ما خلق لأجلها من هذه الأشياء المقسم بها على حفظ الإنسان لأنها إذا كانت محفوظة عن أدنى زيغ وهي مخلوقة لتدبير مصالحه فما الظن به؟ فقال مؤكداً غاية التأكيد لما للكفرة من إنكار ذلك والطعن فيه
следующие страницы →