Полный текст (11 765 стр.). Показаны 11271–11310 · переход к 11276.
стр. 11271
أشرف ممن آمن بمن قبله من الرسل عليهم الصلاة والسلام.
ولما ذكر وصفه الذي أوجب له العمل السيىء، ذكر جزاءه فقال: ﴿الذي يصلى﴾ أي يباشر مباشرة الغموس بقلبه وقالبه مقاسياً ﴿النار الكبرى *﴾ أي التي هي أعظم الطبقات وهي السفلى لأنه ليس في طبعه أن يخشى، بل هو كالجلمود الأقسى لأنه جاهل مقلد أو متكبر معاند، أو المراد نار الأخرى فإنها أعظم من نار البرزخ وأعظم من نار الدنيا بسبعين جزءاً، فلهذا استحقت أن تتصف بأفعل التفضيل على الإطلاق، والآية من الاحتباك: ذكر الثمرة في الأول وهي الخشية دليلاً على حذف ضدها من الثاني، وهي القسوة الناشئة على الحكم بالشقاوة، وذكر الأصل والسبب في الثاني وهو الشقاوة دليلاً على حذف ضده في الأول وهو السعادة، فالإسعاد سبب والخشية ثمرة، والإشقاء سبب والقساوة ثمرة ومسبب، وكذا ما نبعه من النار وما نشأ عنه، وسر ذلك أنه ذكر مبدأ السعادة أولاً حثاً عليه، ومآل الشقاوة ثانياً تحذيراً منه، قال الملوي: ولا شك أن القرآن العظيم على أحسن ما يكون من البراعة في التركيب وبداعة الترتيب
стр. 11272
وكثرة العلوم مع الاختصار وعدم التكرار، فيكتفي في موضع بالثمرة بلا سبب وفي آخر بالسبب بلا ثمرة لدلالة الأول على الثاني والثاني على الأول، فيضم السبب إلى الثمرة والثمرة إلى السبب كما يطلق القضاء ويكتفى به عن القدر، ويطلق القدر ويكتفى به عن القضاء، وكذلك يذكر الحكم ويتركان فيدل عليهما فتذكر الثلاثة، ويظهر بمثال وهو أن من أراد إقامة دولاب يهندس أولاً موضع البئر بسهمه وترسه ومداره وحوضه الذي يصب فيه المار وجداوله التي ينساق منها، فهذا هندسة وتدبير وحكم وإرادة، فإذا صنع ذلك وأتمه سمي قضاء وإيجاداً وتأثيراً، فإذا ركب على الجبال قواديس تحمل مقداراً من الماء معيناً إذا نزلت إلى الماء أخذته، وإذا صعدت فانتهت وأرادت الهبوط فرغته فتصرف الماء من جداوله إلى ما صنع له كان ذلك قدراً فهو النهاية، فمتى ذكر واحد من الثلاثة: الحكم والقضاء والقدر، دل على الآخر.
ولما كان ما هذا شأنه يهلك على ما جرت به العادة في أسرع وقت، فإذا كان من شأنه مع هذا العظم أنه لا يهلك كان ذلك دليلاً واضحاً على أنه لا يعلم كنه عظمة مقدره إلا هو فأشار إلى ذلك بالتعبير بأداة التراخي إعلاماً بأن مراتب هذه الشدة في التردد
стр. 11273
بين الموت والحياة لا يعلم علوها عن شدة الصلى إلا الله تعالى فقال: ﴿ثم لا يموت فيها﴾ أي لا يتجدد له في هذه النار موت وإن طال المدى.
ولما كان من يدخل النار فلا تؤثر في موته قد يكون ذلك إكراماً له من باب خرق العوائد، احترز عنه بقوله: ﴿ولا يحيى *﴾ أي حياة تنفعه لأنه ما تزكى فلا صدق ولا صلى.
ولما ثبت بهذا أن لهذا هذا الشقاء الأعظم، فكان التقدير: لأنه لم يزك نفسه لأنه ما كان مطبوعاً على الخشية، أنتج ولا بد قوله تعالى دالاً على الدين التكليفي وهو اجتناب واجتلاب، فجمع الاجتناب والاجتلاب بالتزكية بالتبتل بالأبواب والملازمة للأعتاب بامتثال الأمر واجتناب النهي بالمجاهدات المقربات إليه ، المنجيات بعد ما حذر من المهلكات، للمسارعة في محابه ومراضيه اجتماعاً على العبادة الموصلة للخالق بعد حصول الكمال والتكميل فإنه لا بد في الحياة الطيبة بعد الانتماء إلى ذي الجاه العريض والاقتداء بمن لا يزيغ من الارتباط بطريقة مثلى يحصل بها الاغتباط ليصل بها إلى المقصود ويعمّر أوقاته بوظائفها لئلا يحصل له خلل ولا ضياع لنفائس الأوقات ولا غفلة
стр. 11274
يستهويه بها قطاع الطريق: ﴿قد أفلح﴾ أي فاز بكل مراد ﴿من تزكّى *﴾ أي أعمل نفسه في تطهيرها من فاسد الاعتقادات والأخلاق والأقوال والأفعال والأموال وتنمية أعمالها القلبية والقالبية وصدقة أموالها، وذلك هو التسبيح الذي أمر به أول السورة وما تأثر عنه، من عمل هذا فهو الأسعد.
ولما كان أعظم الأعمال المزكية الذكر والصلاة قال تعالى: ﴿وذكر﴾ أي بالقلب واللسان ذكر وذكر - بالكسر والضم ﴿اسم ربه﴾ أي صفات المحسن إليه فإنه إذا ذكر الصفة سر بها فأفاض باطنه على ظاهره ذكر اللفظ الدال عليها، وإذا ذكر اللفظ وهو الاسم الدال عليها انطبع في قلبه ذكر المسمى ﴿فصلّى *﴾ أي الصلاة الشرعية لأنها أعظم الذكر، فهي أعظم عبادات البدن كما أن الزكاة أعظم عبادات المال، ومن فعل ذلك استراح من داء الإعجاب وما يتبعه من النقائص الموجبة لسوء الانقلاب، وكان متخلقاً بما ذكر من أخلاق الله في أول السورة من التخلي عن النقائص بالتزكية، والتحلي بالكمالات بالذكر والصلاة لأنه لعظمته لا يتأهل لذكره إلا من واظب إلى ذكر اسمه فلا يشقى فلا يصلى النار الكبرى بوعد لا خلف فيه - فالآية من الاحتباك في
стр. 11275
الاحتباك: ذكر أولاً الصلى دليلاً على حذف ضده ثانياً، وثانياً التزكية دليلاً على حذف ضدها أولاً، وقد تكفل ذكر التزكية والذكر، والصلاة من أسباب التداوي بالإنضاج ثم الأشربة ثم الأغذية، والآية صالحة لإرادة زكاة الفطر وتكبيرات العيد وصلاته وإن كانت السورة مكية وفرض الصيام بالمدينة، لأن العبرة بعموم اللفظ لإحاطة علمه بالماضي والحال والاستقبال على حد سواء؛ قال الرازي في اللوامع: وتقدم زكاة الفطر على صلاة العيد، وكان ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يقول: رحم الله امرأً تصدق ثم صلى - ثم يقرأ هذه الآية، وإن كانت السورة مكية، فإنه يجوز أن يكون النزول سابقاً على الحكم كما قال تعالى:
﴿وأنت حل بهذا البلد﴾ [البلد: ٢] والسورة مكية، وظهر أثر الحل يوم الفتح - انتهى، وأخذه من البغوي، وزاد البغوي أن ابن عمر ﵄ كان يأمر نافعاً ﵁ بنحو ما قال ابن مسعود ﵁، ويقول: إنما نزلت هذه الآية في هذا. وروى البزار: «عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ أنه كان يأمر بزكاة الفطر قبل أن يصلي صلاة العيد ويتلو هذه الآية» وفي السند كثير بن
стр. 11276
عبد الله - حسّن له الترمذي وضعفه غيره - والله أعلم.
ولما كان التقدير: وأنتم لا تفعلون ذلك، أو وهم لا يفعلونه - على القراءتين، عطف عليه قوله بالخطاب في قراءة الجماعة على الالتفات الدال على تناهي الغضب، منبهاً على المعاملات بسبب التداوي الرابع وهو الاستفراغ بنفي الرذائل والخبائث بالذم على ما ينبغي البراءة منه والحث على ما يتعين تحصيله تحصيلاً لحسن الرعاية: ﴿بل تؤثرون﴾ أي تختارون وتخصون بذلك على وجه الاستبداد، أيها الأشقياء، وبالغيب على الأصل عند أبي عمرو ﴿الحياة الدنيا *﴾ أي الدنية بالفناء الحاضرة، مع أنها شر وفانية، اشتغالاً بها لأجل حضورها كالحيوانات التي هي مقيدة بالمحسوسات، فاستغرق اشتغالكم بها أوقاتكم ومنعكم عن ذكر اسم الله المنهي إلى ذكر الله والمهيىء له، وعن تزكية نفوسكم، فأوقعكم ذلك في داء القبقب وهو البطن، والدبدب وهو الفرج، وحب المال المؤدي إلى شر الأعمال، وتتركون الآخرة ﴿والآخرة﴾ أي والحال أن الدار التي هي غاية الخلق ومقصود الأمر، العالية
стр. 11277
المبرئة عن العبث، المنزهة عن الخروج عن الحكمة ﴿خير﴾ أي من الدنيا على تقدير التسليم لأن فيها خيراً لأن نعيمها خالص لا كدر فيه بوجه ﴿وأبقى *﴾ أي منها على تقدير المحال في الدنيا من أن تماديها إلى وقت زوالها تسمى بقاء، لأن نعيم الآخرة دائم لا انقطاع له أصلاً، وما كان باقياً لا يعادل بما يغني بوجه من الوجوه، فمن علم ذلك - وهو أمر لا يجهل - اشتغل بما يحصل الآخرة وينفي الدنيا بقسميها من الأعيان الحسية والشهوات المعنوية من الرعونات النفسانية والمستلذات الوهمية، والآية من الاحتباك: ذكر الإيثار والدنو أولاً يدل على الترك والعلو ثانياً، وذكر الخير والبقاء ثانياً يدل على ضدهما أولاً، وسر ذلك أنه لا يؤثر الدنيء إلا دنيء فذكره أولاً لأنه أشد في التنفير، وذكر الخير والبقاء ثانياً لأنه أشد في الترغيب.
ولما كانت هذه النتيجة - التي هي الفلاح بالتزكية وما تبعها - خالصة الكتب المنزلة التي بها تدبير البقاء الأول، وصفها ترغيباً فيها بوصف جمع القدم المستلزم للصحة بتوارد الأفكار على تعاقب الأعصار، لأن ما مضت عليه السنون ومرت على قبوله الدهور تكون النفس أقبل للإذعان له وأدعى إلى إلزامه، وأفاد مع القدم أن المنزل عليه ﷺ ليس بدعاً من الرسل عليهم الصلاة والسلام بل هو على
стр. 11278
منهاجهم، فرد رسالته من بينهم لا يقول به منصف لا سيما وقد زاد عليهم في المعجزات وسائر الكرامات بقوله مؤكداً لأجل من يكذب: ﴿إن هذا﴾ أي الوعظ العظيم بالتسبيح الذي ذكر في هذه السور وما تأثر عنه من التزكية بالذكر الموجب للصلاة والإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة، لأنه جامع لكل خير، وهو ثابت في كل شريعة لأنه المقصود بالحكم فهو لا يقبل النسخ ﴿لفي الصحف الأولى *﴾ فمن تبع هذا القرآن الذي هو في هذه الصحف الربانية فقد تحلى من زينة اللسان بما ينقله من البيان الذي هو في غاية التحرير وعظم الشأن وما يعلمه من المغيبات مما يكون أو كان، ونسيه أهل هذه الأزمان، فاستراح من ضلال الشعراء والكهان، الموقعين في الإثم والعدوان، فإن القرآن جمع المديح الفائق والنسيب الرقيق في وصف الحور والرحيق والفخر الحماسي والهجاء البليغ لأعداء الله، والترغيب الجاذب للقلوب والترهيب والملح الخبرية والحدود الشرعية - إلى غير ذلك من أمور لا تصل إليها الشعراء، ولا ينتهي إلى أدنى جنابها بلاغات البلغاء.
ولما كان ذلك عاماً خص من بينه تعظيماً لقدر هذه الموعظة
стр. 11279
أعظم الأنبياء الأقدمين، فقال مبدلاً مشيراً إلى الاستدلال بالتجربة: ﴿صحف إبراهيم﴾ قدمه لأن صحفه أقرب إلى الوعظ كما نطق به حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه ﴿وموسى *﴾ ختم به لأن الغالب على كتابه الأحكام، والمواعظ فيه قليلة، ومنها الزواجر البليغة كاللعن لمن خالف أوامر التوراة التي أعظمها البشارة بمحمد ﷺ ، والإخبار بأنهم يخالفونها كما هو مذكور في أواخرها مع أن ذكر النبيين عليهما الصلاة والسلام على الأصل في ترتيب الوجود والأفضلية، وقد حث آخرها على التزكي وهو التطهر من الأدناس الذي هو معنى التنزه والتخلق بأخلاق الله بحسب الطاقة، وكان في إتيانه والتذكير به إعلام بأن الله تعالى لم يهمل الخلق من البيان بعد أن خلقهم لأنه لم يخلقهم سدى، لأن ذلك من العبث الذي هو من أكبر النقائص وهو سبحانه منزه عن جميع شوائب النقص - فقد رجع آخرها على أولها، وكان تنزيه الرب وتنزيه النفس أيضاً غاية معولها - والله الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 11280
سورة الغاشية
مقصودها شرح ما في آخر " سبح " من تنزيه الله عن العبث بإثبات الدار الآخرة التي الغاشية مبدؤها، وذكر ما فيها للأتقى والأشقى، والدلالة على القدرة عليها، وأدل ما فيها على هذا المقصود الغاشية - نعوذ بالله من القلب الغاشي والبصيرة الغاشية، بئلا تكون الغاشية علينا بسوء الأعمال ناشية) بسم الله (الذي له العظمة البالغة والحكمة الباهرة) الرحمنْ (الذي له الفيض الأعلى والنعم الظاهرة) الرحيم (الذي اصطفى أولياء فأصلح بواطن نعمهم حتى عادت ظاهرة طاهرة.
стр. 11281
لما ختمت «سبح» بالحث على تطهير النفوس عن وضر الدنيا، ورغب في ذلك بخيرية الآخرة تارة والاقتداء بأولي العزم من الأنبياء أخرى، رهب أول هذه من الإعراض عن ذلك مرة، ومن التزكي بغير منهاج الرسل أخرى، فقال تعالى مذكراً بالآخرة التي حث عليها آخر
стр. 11282
تلك مقرراً لأشرف خلقه ﷺ لأن ذلك أعظم في تقدير اتباعه وأقعد في تحريك النفوس إلى تلقي الخبر بالقبول: ﴿هل أتاك﴾ أي جاءك وكان لك وواجهك على وجه الوضوح يا أعظم خلقنا ﴿حديث الغاشية *﴾ أي القيامة التي تغشي الناس بدواهيها وشدائدها العظمى وزواجرها ونواهيها، فإن الغشي لا يكون إلا فيما يكره.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم تنزيهه سبحانه عما توهم الظالمون، واستمرت آي السورة على ما يوضح تقدس الخالق ﷻ عن عظيم مقالهم، أتبع ذلك بذكر الغاشية بعد افتتاح السورة بصورة الاستفهام تعظيماً لأمرها، فقال لنبيه ﷺ : «هل أتاك» يا محمد «حديث الغاشية» وهي القيامة، فكأنه يقول: في ذلك اليوم يشاهدون جزاءهم ويشتد تحسرهم حين لا يغني عنهم، ثم عرف بعظيم امتحانهم في قوله: ﴿ليس لهم طعام إلا من ضريع﴾ مع ما بعد ذلك وما قبله، ثم عرف بذكر حال من كان في نقيض حالهم إذ ذلك أزيد في الفرح وأدهى، ثم أردف بذكر ما نصب من الدلائل وكيف لم يغن فقال: ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾ - الآيات، أي أفلا يعتبرون بكل ذلك ويستدلون بالصنعة على الصانع ثم أمره بالتذكار - انتهى.
ولما هول أمرها بانبهامها وعمومها، زاد في التهويل بما ذكر من
стр. 11283
أحوالها في تفصيل الناس إلى شقي وسعيد، وبدأ بالشقي لأن المقام لإنذار المؤثرين للحياة الدنيا، وسوّغ الابتداء بالنكرة التفصيل فقال: ﴿وجوه﴾ أي كثيرة جداً كائنة ﴿يومئذ﴾ أي إذ تغشى الناس ﴿خاشعة *﴾ أي ذليلة مخبتة من الخجل والفضيحة والخوف والحسرة التي لا تنفع في مثل هذا الوقت ﴿عاملة﴾ أي مجتهدة في الأعمال التي تبتغي بها النجاة حيث لا نجاة بفوات دار العمل فتراها جاهدة فيما كلفتها به الزبانية من جر السلاسل والأغلال وخوض الغمرات من النيران ونحو ذلك كأن يقال له: أدّ الأمانة ثم تمثل له أمانته في قعر جهنم، فتكلف النزول إليها ثم يحملها على عنقه ويصعد في جبال النيران حنى إذا كاد أن يصل إلى أعلاها سقطت منه فيتكلف النزول إليها وهكذا، وهذا بما كان يهمل العمل في الدنيا ﴿ناصبة *﴾ أي هي في ذلك في غاية التعب والدؤوب في العمل والاجتهاد - هذه رواية العوفي عن ابن عباس ﵄، وذلك لأنهم لم يخشوا الله في الدنيا فلم يعملوا له فلم ينصبوا في طاعته أجسادهم فاضطرهم في ذلك اليوم إلى أعظم مما أبوه في الدنيا مع المضرة دون المنفعة، ويجوز أن يراد بها الذين تعبوا ونصبوا في الدنيا أجسامهم وهم على غير
стр. 11284
دين الإسلام كالرهبان من النصارى بعد النسخ وزنادقة المتصوفة من الفلاسفة وأتباعهم، بأن يكون (وجوه) مبتدأ و (يومئذ) خبره أي كائنة يومئذ، ثم يقدر ما بعده في جواب سؤال سائل يقول: ما شأنها؟ فأجيب بقوله خاشعة، أي في الدنيا - إلى آخره، وهذا قول ابن عباس ﵄ في رواية عطاء عنه.
ولما كان العذاب لا يكون إلا على ما يكرهه المعذب، دل على ذلك وعلى أنه على أنهى ما يكون ببناء الفعل للمفعول في قراءة أبي عمرو ويعقوب وأبي بكر عن عاصم فقال: ﴿تصلى﴾ أي يصليها مصل على أيسر وجه وأسهله بأمر من له الأمر بأن يغمسها قهراً على وجه الإحاطة بها، والمعنى على قراءة الجماعة بالبناء للفاعل: تدخل وتباشر بأن يدسها فيها أصحابها فيحيط بها من كل جانب وهو يدل على غاية الذل لأن من فعل بنفسه هذا لا يكون إلا كذلك ﴿ناراً حامية *﴾ متناهية في الحر لأنها عملت بالجهل على خلاف ما حده لها نبيها فأخلت بركن للعمل أو شرط لما استولى عليها من الغفلة التي أحاطت بها، فلم تدع لها موضعاً يصلح لدخول الرحمة منه.
ولما كان من في الحر أحوج شيء إلى ما يبرد باطنه، قال بانياً عند الكل للمفعول جرياً على قراءة أبي عمرو في الذي قبله: ﴿تسقى﴾
стр. 11285
أي يسقى كل من أذن له الملك في ذلك على أهون وجه وأيسره ﴿من عين آنية *﴾ أي بلغت غايتها في الحر فنضجت غاية النضج فصارت إذا قربوها منهم سقط لحم وجوههم، وإذا شربوا قطعت أمعاءهم مما شربوا في الدنيا من كاسات الهوى التي قطعوا باستلذاذهم لها قلوب الأولياء.
ولما ذكر ما يسقونه على وجه علم منه أنه لا يلذذ ولا يروي من عطش، أتبعه ما يطعمونه فقال حاصراً له: ﴿ليس لهم﴾ أي هؤلاء الذين أذابوا أنفسهم في عبادة لم يأذن الله فيها ﴿طعام﴾ أصلاً ﴿إلا من ضريع *﴾ أي يبيس الشبرق، وهو شوك ترعاه الإبل ما دام رطباً، فإذا يبس تحامته، وهو سم، وقال في القاموس: والضريع كأمير: الشبرق أو يبيسه أو نبات رطبه يسمى شبرقاً، ويابسه يسمى ضريعاً، لا تقربه دابة لخبثه، أو شيء في جهنم أمرّ من الصبر وأنتن من الجيفة وأحرّ من النار، ونبات منتن يرمى به البحر، وقال الهروي في الغريبين وعبد الحق في الواعي: الضريع: الشبرق، وهو نبات معروف بالحجاز ذو شوك، ويقال شبرق ما دام رطباً، فإذا جف فهو ضريع، وقال القزاز في ديوانه: الضريع: يبيس من يبيس الشجر، وقيل: هو يبيس الشبرق خاصة، وقيل: هو نبات أخضر يرمى به البحر وهو منتن.
أبو حنيفة رحمه الله
стр. 11286
تعالى: وهو مرعى لا تعقد عليه السائمة شحماً ولا لحماً وإن لم تفارقه إلى غيره ساءت حالها. وقال ابن الأثير في النهاية: الضريع هو نبت بالحجاز له شوك كبار، وقال: الشبرق نبات حجازي يؤكل وله شوك، وإذا يبس سمي الضريع. وهذا ثوب مشبرق وهو الذي أفسد، وفي نسجه سخافة، وشبرقت الثوب أيضاً: حرقته، وقال في القاموس: الشبرق كزبرج: رطب الضريع واحده بهاء، قال البغوي رحمه الله تعالى: قال مجاهد وقتادة وعكرمة: هو نبت ذو شوك لاطىء بالأرض، تسميه قريش الشبرق، فإذا هاج سموه الضريع، وهو أخبث طعام وأبشعه، وهو رواية العوفي عن ابن عباس ﵄. ولا يمتنع في قدرة الله أن يكون الغسلين إذا انفصل عن أبدان أهل النار صار على هيئة الشبرق المسمى ضريعاً، فيكون طعامهم الغسلين الذي هو الضريع، ويمكن أن يكون ذلك كناية عن أقبح العيش ولا يراد به شيء بعينه - والله تعالى أعلم، قال الملوي: وسمي ضريعاً لأن الإنسان يتضرع عند أكله من خشونته ومرارته ونتنه.
стр. 11287
ولما حصر أكلهم في هذا، وكان الضريع المعروف عند العرب قد يتصور متصور أنه لو أكره شيء على أكله أسمنه أو سد جوعته، وكان الضريع المأكول لهم في القيامة شوكاً من نار كما ورد تفسيره عن ابن عباس ﵄ مرفوعاً إلى النبي ﷺ نفى عند فائدة الطعام، فقال واصفاً الضريع أو الطعام المقدر بعد «إلا» بما يفهمه تحامي الإبل التي ترعى كل نابت وهي أعظم الحيوانات إقبالاً على أنواع الشوك له من أنه ضر بلا نفع ﴿لا يسمن﴾ أي فلا يشبع ولا يقوي لأنه يلزم ما يسمن، فعدمه يلازم عدمه.
ولما نفى عنه ما هو مقصود أهل الرفاهية وبدأ به لأن المقام له نفي ما يقصد للكفاف فقال تعالى: ﴿ولا يغني﴾ أي يكفي كفاية مبتدئة ﴿من جوع *﴾ فلا يحفظ الصحة ولا يمنع الهزال، والمقصود من الطعام أحد الأمرين، وذلك لأنهم كانوا يأكلون الحرام الذي تنبت عليه لحومهم فيفسدها بفساده وتنمو به نفوسهم فيخبثها بخبثه ويتغذون بالشبه أيضاً ويباشرونها في جميع أوقاتهم ويباشرون العلوم التي تظلم
стр. 11288
القلوب كالفلسفة والشعر والسحر ونحو ذلك مما يجر إلى البدع. والآية من الاحتباك: نفي السمن أولاً يدل على إثبات الهزال ثانياً، ونفي الإغناء من الجزع ثانياً يدل على نفي الشبع أولاً، ومن جعل ذلك صفة الطعام أفسد المعنى لأنه يؤول إلى: ليس لهم طعام منفي عنه الإسمان والإغناء، بل لهم طعام لا ينفي عنه ذلك.
ولما ذكر الأعداء وقدمهم لما تقدم، أتبعه الأولياء فقال مستأنفاً ذكر ما لهم من ضد ما ذكر للأعداء: ﴿وجوه يومئذ﴾ أي إذ كان ما ذكر ﴿ناعمة *﴾ أي ذات بهجة وسرور تظهر عليها النعمة والنضرة والراحة والرفاهية بضد تلك الناصبة، لأن هؤلاء أتبعوا أنفسهم في دار العمل الدنيا وصبروا على التقشف وشظف العيش ﴿لسعيها﴾ أي عملها للآخرة الذي كأنه لا سعي غيره خاصة لعلمها أنه منج ﴿راضية *﴾ لما رأت من ثوابه تود أن جميع سعيها
стр. 11289
في الدنيا كان لذلك بعد أن كان ذلك السعي الذي هو للآخرة كريهاً إليها في الدنيا لا تباشره إلا بشق الأنفس. ولما ذكر السعي أتبعه ثوابه فقال: ﴿في جنة عالية *﴾ أي في المكان العالي والمكانة العالية والأشجار والغرف وغير ذلك بما صرفوا أنفسهم عن الدنايا ورفعوا هممهم إلى النفائس.
ولما كان ما كان من هذا لا يصفو، وفيه ما يكره من الكلام قال منزهاً لها عن كل سوء: ﴿لا تسمع﴾ أي أيها الداخل إليها - على قراءة الجماعة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ورويس عن يعقوب بالبناء للمفعول وهو أبلغ في النفي ﴿فيها لاغية *﴾ أي لغو ما أو نفس تلغو أو كلمة ذات لغو على الإسناد المجازي، بل المسموع فيها الذكر من التحميد والتمجيد والتنزيه لحمل ما يرى فيها من البدائع على ذلك مع نزع الحظوظ الحاملة على غيره من القلوب بما كانوا يكرهون من لغو أهل الدنيا المنافي للحكمة.
ولما وصف الجنة بأول ما يعتبر فيها وهو عدم المنغص، أتبعه ما يطلب بعده وهو تناول الملتذات، وكان الأكل قد فهم من ذكر لفظ الجنة، ذكر المشروب لذلك ولدلالته إذا كان جارياً على
стр. 11290
زيادة حسن الجنة وكثرة ما فيها من النباتات المقيتة والمفكهة من النجم والأشجار والري والأطيار، فقال لأنه ليس كل جنة مما نعرفه فيه ماء جارٍ بنفسه: ﴿فيها﴾ أي الجنة. ولما كان الماء الجاري صالحاً لأن يقسم إلى أماكن كثيرة، وحد قوله المراد به الجنس الشامل للكثير مقابلة لعين أهل النار في دار البوار: ﴿عين جارية *﴾ أي عظيمة الجري جداً، فهي بحيث لا تنقطع أصلاً لما لأرضها من الزكاء والكرم وما لمائها من الغزارة وطيب العنصر، فهو صالح لأن يعم جميع نواحيها أقاصيها وأدانيها وإن عظم اتساعها وتناءت أقطارها وبقاعها، كما نراه يجري من ساق الشجرة الكبيرة جداً فيسقي جميع أغصانها وأوراقها وثمارها، ويزيد على ذلك بأن جريه من أسفل إلى فوق، يجدبه جادب الشوق ويسوقه أي سوق يقدره الخلاق العليم، والذي قدر على هذا كما هو مشاهد لنا لا نشك فيه قادر على أن يجعل هذه العين - الصالحة للجنس ولو كانت واحدة بالشخص - عامة لجميع مرافق الجنة تجري إلى خيامها ورياضها وبساتينها ومصانعها ومجالسها ويصعدها إلى أعالي غرفها وإن علت، مقسمة بحسب المصالح، موزعة على قدر المنافع، بغاية الإحكام بما كان لداخلها من الخضوع الذي يجري منهم الدموع ويقل الهجوع ويكثر الظمأ والجوع.
стр. 11291
ولما لم يبق بعد الأكل والشرب إلا الاتكاء، قال مفهماً أنهم ملوك: ﴿فيها﴾ معيداً الخبر قطعاً للكلام عن الأول تنبيهاً على شرف العين لأن الماء مما لا حياة بدونه ﴿سرر﴾ أي زائدة الحد في العكثرة، جمع سرير وهو مقعد عال يجلس عليه الملك ينقل إلى الموضع الذي يشتهيه، سمي بذلك لأنه يسر النفس، والمادة كلها للسرور والطيب والكرم، ولذلك يطلق على الملك والنعمة وخفض العيش ﴿مرفوعة *﴾ أي رفعها رافع عظيم في السمك وهو جهة العلو ليرى الجالس عليها جميع ملكه وما نعم به وما شاء الله من غيره وفي القدر، لا كما تعهدونه في الدنيا، بل ارتفاعها نمط جليل من مقدار عظمة رافعها الذي رفع السماء، فالتنكير للتعظيم، وبنى الاسم للمفعول للدلالة على أنه ليس له من ذاتها إلا الانخفاض، وأما ارتفاعها فبقسر القادر على كل شيء، وهذا يدل على أنها كسماء لا عمد لها، قال البغوي: قال ابن عباس ﵄: ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت مرتفعة ما لم يجىء أهلها، فإذا أراد أن يجلس عليها تواضعت له حتى يجلس عليها - ثم ترتفع إلى مواضعها - انتهى. وذلك بما كانوا يتواضعون ويباشرون من مشاق العبادات على التراب ورث الأثواب.
стр. 11292
ولما كان المستريح يحتاج إلى تكرار الشرب وما يشرب فيه قال: ﴿وأكواب﴾ جمع كوب وهو إناء لا عروة له، فهو صالح للمناولة والشرب من كل جهة ﴿موضوعة *﴾ أي ملآى وهي بحيث يسهل عليهم تناولها.
ولما كان من هو بهذه المثابة يحتاج إلى المساند والفرش الزائدة قال تعالى: ﴿ونمارق﴾ أي مساند يستندون إليها، جمع نمرقة بالفتح والضم وهي الوسادة ﴿مصفوفة *﴾ أي بعضها إلى بعض فهي في غاية الكثرة كأنها الروابي المنضدة على بساط الأرض ﴿وزرابيّ﴾ أي بسط عريضة كثيرة الوبر كأنها الرياض فاخرة ناضرة زائدة عن مواضع استراحاتهم، وهي جمع زربية ﴿مبثوية *﴾ أي مبسوطة على وجه التفرق في المواضع التي لا يراد التنزه بها من مواضع الرياحين النابتة والأشجار المتشابكة كما بسط أديم الأرض ورصعه بأنواع النبات الفاخرة بما بسطوا أنفسهم في الدنيا للحق وألانوها له.
ولما أنهى سبحانه ما أراد من تصوير تلك الدار على ما يليق بهذه السور القصار، وكانوا ينكرون غاية الإنكار فوبخهم بما يعصمهم
стр. 11293
من الزيغ عن العقائد الحقة في استفهام إنكاري مذكراً لهم بأمورهم في غاية الوضوح في نفسها، لأن نزول هذه السور كان في أول الأمر قبل أن يتمرنوا على المعارف تدل على قدرته على البعث وعلى قدرته على ما ذكر ما هذه الأمور التي أودعها الجنان للذة الإنسان، وذلك لما في هذه الأمور التي ذكر بها سبحانه من عجائب الصنع مع تفاوته في جعل بعضها ذا اختيار في الخفض والرفع، وبعضها على كيفية واحدة لا قدرة له على الانفكاك عنها من علو أو سفول مع التمهد أو التوعر، فقال مسبباً عما مضى من الإخبار عن أحوال الفريقين في الآخرة وعن قدرته على ما ذكر: ﴿أفلا ينظرون﴾ أي المنكرون من هذه الأمة لقدرته على الجنة وما ذكر فيها والنار وما ذكر فيها - نظر اعتبار.
ولما كان لهم من ملابسة الإبل ما ليس لهم من ملابسة غيرها، وكانت فردة في المخلوقات لا شبيه لها مع ما لها من كثرة المنافع كما قال الحسن رحمه الله تعالى - مع أكلها لكل مرعى واجتزائها بأيسر
стр. 11294
شيء لا سيما في الماء وطول صبرها عنه مع عظم خلقها وكبر جرمها وشدة قوتها، فكانت أدل على تمام القدرة والفعل بالاختيار، قال منبهاً بذكرها على التدبر في الآيات المنبثة في الحيوانات التي هي أشرف المركبات وأكثرها صنعاً بعد ما أشار إلى دلالتها على البعث في البروج بذكر ثمود بعد أن صرح به في سورة سبحانه كما مضى بيانه في الموضعين ويأتي إن شاء الله تعالى في الفجر والشمس، وأوضح التعبير عنها هنا بما يدل على الخلطة المميلة المحيلة المناسبة لمعنى الغاشية بخلاف التعبير في سورة النحل بالأنعام لأنها سورة النعم ﴿إلى الإبل﴾ ونبه على أن عجيب خلقها مما ينبغي أن تتوفر الدواعي على الاستفهام والسؤال عنه بأداة الاستفهام، فقال بانياً للمفعول إشارة إلى أن الدال هو التأمل في مجرد خلقها الدال على إحاطة علم الله وعظيم إحسانه وقدرته تعالى وفعله بالاختيار وحسن تدبيره حيث خلقها لجر الأثقال إلى البلاد النائية فجعلها عظيمة باركة للحمل ناهضة به من غير معين، منقادة لمن اقتادها طوال الأعناق لتنوء بالأوقار الثقال ترعى كل نبات وتحتمل العطش إلى عشر فصاعداً ليتأتى بها قطع المفاوز، فهي سفن البر مع ما لها من منافع أخر، قال البيضاوي: ولذلك خصت بالذكر لبيان الآيات
стр. 11295
المنبثة في الحيوانات التي هي أشرف المركبات وأكثرها صنعاً ولأنها أعجب ما عند العرب - انتهى، وتنفعل للبسط وتجد في سيرها فتتأثر بالصوت الحسن جداً، ومن عجائبها أنها لا تكذب أصلاً فإنها لا تبرك عجزاً عن الحمل - إلا وليس فيها من القوى شيء، وليس فيها ما تعم كراهته إلا كثرة رغائها فلعله سبحانه نفى عن الجنة اللغو لذلك، ولعله مثل العين الجارية وقربها بدرها، والسرر المرفوعة التي حكى أنها تنخفض حتى يتمكن المنتفع بها من ظهورها ثم ترتفع به بالسماء في علوها مع ما يعهدون من بروك الإبل للحمل والركوب ثم ارتفاعها لتمام الانتفاع، وقرب نصب الأكواب بسنامها والنمارق ببقيتها حال بروكها، ثم فصل ما دلت عليه الإبل من الأكواب بالجبال التي لا ترتقى مثل جبل السد، والنمارق بالتي ترتقى، وبسط الزرابي بمهد الأرض، قال أبو حيان رحمه الله تعالى: و ﴿كيف﴾ سؤال عن حال والعامل فيه ﴿خلقت *﴾ وإذا علق الفعل عما فيه الاستفهام لم يبق الاستفهام على حقيقته.
ولما ذكر هذا المخلوق المفرد الذي هو أدل ما يكون
стр. 11296
على هذا القول بالطبيعة، أتبعه ذكر السماء ليتذكر السامع ذلك فيباعد من يقول به فقال: ﴿وإلى السماء﴾ أي التي هي من جملة مخلوقاتنا ﴿كيف رفعت *﴾ أي حصل بأيسر أمر رفعها من الذي خلقها بلا عمد على ما لها من السعة والكبر والثقل والإحكام وما فيها من جبال الكواكب والغرائب والعجائب، فذلك دال على القدرة التامة التي لا يشارك تعالى فيها أحد قل ولا جل على إيجاد الجنة العالية وعلى رفع السرر فيها لأنه دل على الفعل بالاختيار ونفي حكم الطبيعة حكماً وحتماً، وذلك دال على كمال قدرته تعالى على كل شيء.
ولما ذكر العالي من الحيوان الملابس للانسان والعالي من الأكوان، أتبعه أعلى الأرض فقال تعالى: ﴿وإلى الجبال﴾ أي الشامخة وهي أشد الأرض ﴿كيف نصبت *﴾ أي كان نصبها من ناصبها عالية جداً على بقية الأرض بلا موجب فيها لذلك من طبيعة ولا غيرها بل بفعل الفاعل المختار فهي راسخة لا تميل، فوضعها كذلك على ما فيها من المنافع من المياه الجارية والأشجار المختلفة أعجب من وضع الأكواب
стр. 11297
والنمارق المزينة، وبها مع ذلك ثبتت الأرض وحفظت من الميد، واعتدل أمر الكواكب في تقدير الليل والنهار باعتدال البلاد بالطلق بإعلاء بعضها قبل بعض حتى كانت المطالع والمغارب على ترتيب مطرد ونظام محكم غير منخرم تقدر به الأزمان والفصول والسنون والأيام والشهور - إلى غير ذلك من الأمور، ولا يكون ذلك لها إلا بقاهر قادر مختار لا شريك له.
ولما كان الخفض لا يكون إلا بخافض قاهر كما أن الرفع كذلك قال تعالى: ﴿وإلى الأرض﴾ أي مع سعتها ﴿كيف سطحت *﴾ أي اتفق بسطها من باسطها حتى صارت مهاداً موضوعاً يمشي عليه بغاية السهولة، والقدرة على جعلها كذلك على ما هي فيه من الزينة بناضر النبات وغير ذلك من الاختلافات دالة على الفعل بالاختيار، وليست بدون القدرة على بث الزرابي في الجنة على اختلاف أشكالها وصورها وألوانها.
ولما دل ما ذكر من عجائب صنعه في أنواع المخلوقات من البسائط والمركبات العلويات والسفليات على كمال قدرته على كل شيء، فدل على كمال قدرته - على البعث وعلى كل ما ذكر أنه
стр. 11298
يفعله في الجنة والنار، وكان الحث على النظر في هذه الأشياء باستفهام إنكاري، وكان ذلك مفيداً لانتفاء النظر، قال سبحانه مسبباً عنه: ﴿فذكر﴾ كل من يرجى تذكره وانتفاعه بالتذكير يا أشرف خلقنا بما في غرائزهم وفطرهم من العلم الأولى بما في هذه الأشياء وأمثالها مما يدل على صحة ما نزلنا عليك ليدلهم على كمال قدرة الذي بعثك فينقادوا لك أتم انقياد لا سيما في اعتقاد حقية البعث، ولا يهمنك كونهم لا ينظرون ولا يتطرفون، ولعل التذكير يوصل المتذكر إذا أقبل عليه بحسن رغبة إلى أن يعرف أن الإبل تشبه الأنفس المطمئنة الذلولة المطيعة المناقدة، والسماء تشبه الأرواح القدسية النورانية، والجبال تشبه العقول والمعارف الثابتة الراسخة، والأرض تشبه البدن المشتمل على الأعضاء والأركان.
ولما كانت هذه السورة مكية من أوائل ما أنزل، وكان مأموراً إذ ذاك بالصفح قال: ﴿إنما أنت مذكر *﴾ أي لا مقاتل قاهر
стр. 11299
قاسر لهم على التذكر والرجوع، فلا عليك إن لم ينظروا ولم يتذكروا لأنه ما عليك إلا البلاغ، ولذلك قال ﴿لست﴾ وأشار إلى القهر بأداة الاستعلاء فقال: ﴿عليهم﴾ أي خاصة ﴿بمصيطر *﴾ أي بمتسلط، وأما غيرهم فسنسلطك عليهم عن قريب، وقرأها الكسائي بالسين على الأصل.
стр. 11300
ولما نفى عنهم تسلط الدنيا، وكان التقدير: فمن أقبل وآمن فإن الله ينعمه النعيم الأكبر، قال مستدركاً قسيمهم في صورة الاستثناء: ﴿إلا﴾ أي لكن ﴿من تولى﴾ أي كلف نفسه المطمئنة وفطرته الأولى المستقيمة للإعراض ﴿وكفر *﴾ أي وأصر على كفره، وأجاب الشرط بقوله مسبباً عنه: ﴿فيعذبه﴾ أشد العذاب الذي لا يطيقه أصلب الحديد ولا أشد الجبال ﴿الله﴾ أي الملك الأعظم بسبب تكبره على الحق ومخالفته لأمرك المطاع ومرادك الذي كله الحسن الجميل، ولعله صوره وهو منقطع بصورة المتصل بالتعبير بأداته إشارة إلى أن العذاب من الله عذاب منه ﷺ ، لأن سببه تكذيبهم له، وقرأ ابن عباس ﵄ «ألا» بالفتح والتخفيف على أنها استفتاحية ﴿العذاب الأكبر *﴾ يعني عذاب الآخرة، ويجوز أن يكون الاستثناء
стр. 11301
متصلاً فيكون المعنى: أن من أصر على الكفر يسلطه الله عليه فيقتله فيعذبه الله في الدار الآخرة، ثم علل إخباره عنه عذابه في الآخرة بقوله مؤكداً لما لهم من التكذيب: ﴿إن إلينا﴾ أي خاصة بما لنا من العظمة والكبرياء ﴿إيابهم *﴾ أي رجوعهم وإن أبوا بالموت ثم بالبعث ثم بالحشر.
ولما كان الحساب متأخراً عن ذلك كله، وعظيماً كماً وكيفاً، عظمه بأداة التراخي فقال: ﴿ثم إن﴾ أكده لإنكارهم، وأتى بأداة دالة على أنه كالواجب في أنه لا بد منه فقال: ﴿علينا﴾ أي خاصة بما لنا من القدرة والتنزه عن نقص العبث والجور وكل نقص، لا على غيرنا، لأن غيرنا لا قدرة له فقد تقدمنا فيه بالوعود الصادقة، وأكدناها غاية التأكيد ﴿حسابهم *﴾ أي يوم القيامة على النقير والقطمير، وغير ذلك من كل صغير وكبير، وذلك يكون في الغاشية يوم ينقسم الناس قسمين: في دار هوان، ودار أمان، فقد التف آخرها بأولها، وتعانق مفصلها بموصلها - والله الهادي للصواب وإليه المآب.
стр. 11302
سورة الفجر
مقصودها الاستدلال على آخر الغاشية الإياب والحساب، وأدل ما فيها على هذا المقصود الفجر بانفجار الصبح عن النهار الماضي بالأمس من غير فرق في شيء من الذات وانبعاث النيام من الموت الأصغر وهو النوم بالانتشار يفي ضياء النهار لطلب المعايش للمجازاة في الحساب بالثواب والعقاب) بسم الله (جامع العباد بعد تمزيقهم بما له من العظمة) الرحمن (الذي عمهم بعد العموم بالإيجاد بالبيان المهيئ من شاء للإيمان) الرحيم (الذي خص أولياءه بالرضوان المبيح الجنان.
стр. 11303
لما ختمت تلك بأنه لا بد من الإياب والحساب، وكان تغيير الليل والنهار وتجديد كل منهما بعد إعدامه دالاًّ على القدرة على البعث، وكان الحج قد جعله الله في شرعه له على وجه التجرد عن المخيط ولزوم التلبية والسير إلى الأماكن المخصوصة آية مذكرة بذلك قال: ﴿و الفجر *﴾ أي الكامل في هذا الوصف لما له من العظمة حتى كأنه لا فجر غيره، وهو فجر يوم النحر الذي هو أول الأيام الآخذة في الإياب إلى
стр. 11304
بيت الله الحرام بدخول حرمه والتحلل من محارمه وأكل ضيافته.
ولما ذكر هذا اليوم بما العبارة به عنه أدل على البعث لأنه ينفجر عن صبح قد أضاء، ونهار قد انبرم، وانقضى، لا فرق بينه وبين ما مضى، عم فقال معبراً بالمقابل: ﴿وليال عشر *﴾ هي أعظم ليالي العام. وهي آية الله على البعث بالقيام إلى إجابة داعي الله تعالى على هيئة الأموات ﴿والشفع﴾ أي لمن تعجل في يومين ﴿والوتر *﴾ أي لمن أتم - قاله ابن الزبير، وروى أحمد والبزار برجال الصحيح عن عياش بن عقبة وهو ثقة عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «العشر الأضحى، والشفع يوم الأضحى، والوتر يوم عرفة» .
ولما كان تعاقب الليل والنهار أدل على القدرة وأظهر في النعمة، قال رادّاً لآخر القسم على أوله، ومذكراً بالنعمة وكمال القدرة، لأن الليل أخفاهما سُرى وسراً، فهو أعظمهما في ذلك أمراً، لأن سير النهار ظاهر لسرايته بخلاف الليل فإنه محوى صرفه فكان أدل على القدرة ﴿والّيل﴾ أي من ليلة النفر ﴿إذا يسر *﴾ أي ينقضي كما
стр. 11305
ينقضي ليل الدنيا وظلام ظلمها فيخلفه الفجر ويسرى فيه الذين آبوا إلى الله راجعين إلى ديارهم بعد حط أوزارهم، وقد رجع آخر القسم على أوله - وأثبت الياء في يسري ابن كثير ويعقوب وحذفها الباقون، وعلة حذفها قد سأل عنها المؤرج الأخفش فقال: اخدمني سنة، فسأله بعد سنة فقال: الليل يسرى فيه ولا يسري، فعدل به عن معناه فوجب أن يعدل عن لفظه كقوله تعالى: ﴿وما كانت أمك بغيّاً﴾ [مريم: ٢٨] لما عدل عن «باغية» عدل لفظه فلم يقل: بغية - انتهى، وهو يرجع إلى اللفظ مع أنه يلزم منه رد روايات الإثبات، والحكمة المعنوية فيه - والله أعلم - من جهة الساري وما يقع السرى فيه، فأما من جهة الساري فانقسامهم ليلة النفر إلى مجاور وراجع إلى بلاده، فأشير إلى المجاورين بالحذف حثاً على ذلك لما فيه من جلالة المسالك، فكان ليل وصالهم ما انقضى كله، فهم يغتنمون حلوله ويلتذون طوله من تلك المشاهد والمشاعر والمعاهد، وإلى الراجعين بالإثبات لما سرى الليل بحذافيره عنهم آبوا راجعين إلى ديارهم فيما انكشف من نهارهم، وأما من جهة ما وقع فيه السرى فللاشارة إلى طوله تارة وقصره أخرى، فالحذف إشارة إلى القصير والإثبات إشارة إلى الطويل بما وقع من تمام سراه وما
стр. 11306
وقع للسارين فيه من قيام وصف الأقدم بين يدي الملك العلام كما قال الإمام تقي الدين بن دقيق العيد رحمه الله تعالى حيث قال مشيراً لذلك:
كم ليلة فيك وصلنا السرى ... لا نعرف الغمض ولا نستريح
الأبيات المذكورة عنه في المزمل، فقد انقسم الليل إلى ذي طول وقصر، والساري فيه إلى ذي حضر وسفر، فدلت المفاوتة في ذلك وفي جميع أفراد القسم على أن فاعلها قادر مختار واحد قهار، ولذلك أتبعه الدلالة بقهر القهارين وإبارة الجبارين، وأما «بغي» فذكرت حكمته في مريم.
ولما كان هذا قسماً عظيماً في ذكر تلك الليالي المتضمن لذكر المشاعر وما فيها من الجموع والبكاء كما قال أبو طالب في قصيدته اللامية المشهورة:
وليلة جمع والمنازل من منى ... وهل فوقها من حرمة ومنازل
وفي تذكيره بالبعث ودلالته عليه دلالة عقلية واضحة بالإيجاد بعد الإعدام مع ما لهذه الأشياء في أنفسها وفي نفوس المخاطبين بها من الجلالة، نبه على ذلك بقوله: ﴿هل في ذلك﴾ أي المذكور مع ما له من عليّ الأمر وواضح القدر ﴿قسم﴾ أي كاف مقنع ﴿لذي﴾ أي صاحب ﴿حجر *﴾ أي عقل فيحجره ويمنعه عن الهوى في
стр. 11307
درك الهوى، فيعليه إلى أوج الهدى، في درج العلا، حتى يعلم أن الذي فعل ما تضمنه هذا القسم لا يتركه سدى، وأنه قادر على أن يحيى الموتى، قال ابن جرير: يقال للرجل إذا كان مالكاً نفسه قاهراً لها ضابطاً: إنه لذو حجر - انتهى، فمن بلغ أن يحجره عقله عن المآثم ويحمله على المكارم فهو ذو حجر.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: ابتدأ سبحانه لمن تقدم ذكره وجهاً آخر من الاعتبار، وهو أن يتذكروا حال من تقدمهم من الأمم وما أعقبهم تكذيبهم واجترامهم فقال: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بعاد﴾ إلى قوله: ﴿إرم ذات العماد﴾ إلى قوله: ﴿إن ربك لبالمرصاد﴾ أي لا يخفى عليه شيء من مرتكبات الخلائق ولا يغيب عنه ما أكنوه ﴿سواء منكم من أسر القول ومن جهر به﴾ [الرعد: ١٠] فهلا اعتبر هؤلاء بما يعاينونه ويشاهدونه من خلق الإبل ورفع السماء ونصب الجبال وسطح الأرض، وكل ذلك لمصالحهم ومنافعهم، فالإبل لأثقالهم وانتقالهم، والسماء لسقيهم وإظلالهم، والجبال لاختزان مياههم وأقلالهم، والأرض لحلهم وترحالهم، فلا بهذه الأمور كلها استبصروا، ولا بمن خلا من القرون اعتبروا، ﴿ألم تر كيف فعل ربك بعاد﴾ على عظيم طغيانها وصميم بهتانها ﴿إن ربك لبالمرصاد﴾ فيتذكرون
стр. 11308
حين لا ينفع التذكر ﴿إذا دكت الأرض دكاً وجاء ربك والملك صفاً صفاً وجيء يومئذ بجهنم، يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى﴾ - انتهى.
ولما كان التقدير كما هدى إليه السياق: ليبعثن كلهم صاغرين ثم ليحشرن ثم ليحاسبن فيجازى كل أحد بما عمل، فإن آمنوا بذلك نجوا وإلا عذبهم الذي ثبتت قدرته على العذاب الأكبر بعد العذاب الأدنى بسبب قدرته على البعث بسبب قدرته على ما رأيتم من خلق الإبل والسماء والجبال والأرض على ما في كل من العجائب بسبب قدرته على كل شيء، وهذا هو المقصود بالذات، حذف زيادة في تعظيمه واعتماداً على معرفته بما هدى إليه من السياق في جميع السورة وما قبلها. ولما طوى جواب القسم لإرشاد السياق إليه وتعويل المعنى عليه، وتهويلاً له مع العلم بأنه لا يكون قسم بغير مقسم عليه، وكان قد علمت القدرة عليه مما أشير إليه بالمقسم به، أوضح تلك القدرة بأمر العذاب الأدنى - للأمم الماضية، فقال مخاطباً لمن قال له في آخر تلك ﴿فذكر إنما أنت مذكر﴾ [الغاشية: ٢١] تسلية له ﷺ وإشعاراً بأنه لا يتدبره حق تدبره غيره، وتهديداً لمن كذب من قومه: ﴿ألم تر﴾ أي تنظر بعين الفكر يا أشرف رسلنا فتعلم علماً هو في التيقن به كالمحسوس بالبصر، وعبر
стр. 11309
بالاستفهام إشارة إلى أن ما ندبه إلى رؤيته مما يستحق أن يسأل عنه: ﴿كيف فعل ربك﴾ أي المحسن إليك بإرسالك ختاماً لجميع الأنبياء بالأمم الماضية بما شاركوا به هؤلاء من تكذيب الرسل وجعل محط نظرهم الدنيا، وعملوا أعمال من يظن الخلود، وبدأ بأشدهم في ذلك وأعتاهم الذين قالوا: من أشد منا قوة؟ فقال: ﴿بعاد *﴾ أي الذين بلغوا في الشدة أن قالوا: من أشد منا قوة؟ وقال لهم نبيهم هود ﷺ : ﴿وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون﴾ [الشعراء: ١٢٩] ودل على ذلك بناؤهم جنة في هذه الدنيا الفانية التي هي دار الزوال، والقلعة والارتحال، والنكد والبلاء والكدر، والمرض والبؤس والضرر، فقال مبيناً لهم على حذف مضاف: ﴿إرم﴾ أي أهلها وعمدتها، وأطلقها عليهم لشدة الملابسة لما لها من البناء العجيب والشأن الغريب، ثم بينها بقوله: ﴿ذات﴾ أي صاحبة ﴿العماد *﴾ أي البناء العالي الثابت بالأعمدة التي لم يكن في هذه الدار مثلها، ولذا قال: ﴿التي لم يخلق﴾ أي يقدر ويصنع - بناه للمفعول إرادة للتعميم ﴿مثلها﴾ يصح أن يعود الضمير على «عاد» باعتبار القبيلة، على «إرم» باعتبار البلدة، وأوضح هذا بقوله معمماً للأرض كلها: ﴿في البلاد *﴾ أي في بنائها ومرافقها
стр. 11310
وثمارها، وتقسيم مياهها وأنهارها، وطيب أرضها وحسن أطيارها، وما اجتمع بها مما يفوت الحصر ويعجز القوى، ولا مثل أهلها الذين بنوها في قوة أبدانهم وعظيم شأنهم وغير ذلك من أمورهم، وكان صاحبها شداد قد ملك المعمورة كلها فتحيزها فبناها في برية عدن في ثلاثمائة سنة يضاهي بها الجنة على ما زعم - قلوب ضلت وأضلت وأضلها باريها - قال أبو حيان: على أوصاف بعيد أو مستحيل عادة أن يكون في الأرض مثلها، فلما تمت على ما أراد قصدها للسكن وعمره إذ ذاك تسعمائة سنة، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فأهلكهم فكانوا كأمس الذاهب، وأخفى مدينتهم فلم يرها أحد إلا عبد الله بن قلابة، خرج في طلب إبل ضلت له على زمن معاوية ﵁ فوقع عليها، ولما خرج منها وانفصل عنها خفيت عنه، وكان قد حمل معه بعض ما رأى فيها من اللؤلؤ والمسك والزعفران فباعه، وسمع به معاوية ﵁ فأرسل إليه فحدثه، فأرسل، معاوية ﵁ إلى كعب الأحبار فسأله عن ذلك فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أشقر أحمر قصير، على حاجبيه خال، وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له، ثم
следующие страницы →