Полный текст (11 765 стр.). Показаны 11411–11450 · переход к 11416.
стр. 11411
﴿لك﴾ أي خاصة.
ولما عين المشروح له، فكان المشروح مبهماً، فزاد تشوف النفس إليه ليكون أضخم له، بينه ليكون بياناً بعد إبهام فيكون أعظم في التنويه به وأجل في التعريف بأمره فقال: ﴿صدرك *﴾ أي نسره ونفرحه بالهجرة، فإن هذه السورة مدنية عند ابن عباس ﵄، ونجله ونعظمه ونخرج منه قلبك ونشقه ونغسله ونملأه إيماناً وحكمة ورأفة وعلماً ورحمة، فانفسح جداً حتى وسع مناجاة الحق ودعوة الخلق، فكان مع الحق بعظمته وارتفاعه، ومع الخلق بفيض أنواره وشعاعه، وقد كان هذا الشرع حقيقة مراراً، وكان مجازاً أيضاً بإحلال جميع معانيه، وكل ذلك على ما لا يدخل تحت الوصف لا يعبر لكم عنه بأثر من أنه شق بعظمتنا، فالعلم الذي شق به معرفة الله والدار الآخرة والدين والدنيا، والحمة التي درّت فيه هي وضع الشيء في محله، وإعطاء كل ذي حق حقه، وقرأ أبو جعفر المنصور بفتح جاء «نشرح» وخرجها ابن عطية على التأكيد بالنون الخفيفة ثم أبدل ألف من النون، ثم حذف النون تخفيفاً، وقال أبو حيان بأن اللحياني حكى في نوادره عن بعض العرب النصب بلم والجزم بلن،
стр. 11412
وسره هنا أن الفتح في اللفظ مناسب غاية المناسب للشرح، ووجه قراءة الجمهور أنه لما دل على الفتح بالشرح دل بالجزم على أنه مع ذلك رابط لما أودعه من الحكم ضابط له، هاد بما فيه من رزانة العلم، ووقار التقى والحلم، قال ابن برجان: ففرق ما بين النبي والولي في ذلك أن النبي شرح صدره ظاهراً فأعلى ظاهراً، والولي شرح ذلك منه باطناً فعلى به باطناً، والكافر ضيق ذلك منه وأبقى بظلمته وحظوظ الشيطان منه فهو لا يستطيع قبول الهداية ولا الصعود في معارج العبرة إلا على مقدار ما يستطيع الصعود في السماء ﴿كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون﴾ [الأنعام: ١٢٥] .
ولما كانت سعة الصدر بالعلم والحكمة هي الجمال باجتماع المحاسن، وكان ذلك مع حمل ما يعني من أعظم النكد، وكان الجمال بجمع المحاسن لا يكمل إلا إذا جمع إلى الجمال الجلال بانتفاء الرذائل، وكان الاستفهام الإنكاري إذا اجتمع مع النفي صار إثباتاً، لأنه نفي للنفي، قال عاطفاً عليه ما لا يعطف إلا مع الإثبات ﴿ووضعنا﴾ أي حططنا وأسقطنا وأبطلنا حطاً لا رجعة له ولا فيه بوجه بما لنا من العظمة، مجاوزاً ﴿عنك وزرك *﴾ أي حملك الثقيل الذي لا يستطاع حمله، ولذلك
стр. 11413
وصفه بقوله: ﴿الذي أنقض ظهرك *﴾ أي جعله وهو عماد بدنك تصوت مفاصله من الثقل كما يصوت الرحل الجديد إذا لز بالحمل الثقيل، وذلك هو ما دهمه عندما أمر بإنذار قومه ومفاجأتهم بما يكرهون عن عيب دينهم وتضليل آبائهم وتسفيه حلومهم في التدين بدين لا يرضاه أدنى العقلاء إذا تأمل شيئاً من تأمل مع التجرد من حظ النفس مع ما عندهم من الأنفة والحمية وإلقاء الأنفس في المهالك لأدنى غضب، فقال:
«يا رب إذن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة» فخفف عنه ذلك بما أظهر له من الكرامات وأيده به من المعجزات، وضمن له من الحماية إلى أمور لا يحيط بها علماً إلا الذي أيده بها ﴿والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة: ٦٧] حتى خف ذلك عليه، فصار أشفق أهله عليه يمنعه من بعض الإبلاغ ويمسك بثوبه لئلا يخرج إلى النار فيقول لهم ذلك فيحصل له ما يكره فيجذب نفسه منه ويخرج إليهم فيخبرهم كما وقع في أمر الإسراء وغيره، وقال ابن عباس ﵄: هو أن جبريل ﵊ شق صدره فأخرج منه قلبه فشرحه وأخرج منه علقة سوداء فأنقاه وغسله ثم ملأه علماً وإيماناً وحكمة، يعني فصار يحتمل ما لا يحتمله غيره، وخف عليه ما يثقل على غيره،
стр. 11414
ولا شك أن ذلك وزر لغوي، وهو واضح، وشرعي بالمال على تقدير ترك الامتثال اللازم للاستثقال، وقد أعاذه الله من ذلك.
وقال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: معنى هذه السورة من معنى السورة قبلها، وحاصل السورتين تعداد نعمه عليه، فإن قلت: فلم فصلت سورة ألم نشرح ولم ينسق ذكر هذه النعم في سورة واحدة، قلت: من المعهود في البشر فيمن عدد على ولده أو عبده نعماً أن يذكر له أولاً ما شاهد الحصور عليه منها بسببه مما يمكن أن يتعلق في بعضها بأن ذلك وقع جزاء لا ابتداء، فإذا استوفى له ما قصده من هذا، أتبعه بذكر نعم ابتدائية قد كان ابتداؤه بها قبل وجوده كقول الأب مثلاً لابنه: ألم أختر لأجلك الأم والنفقة حيث استولدتك وأعددت من مصالحك كذا وكذا، ونظير ما أشرنا إليه بقوله سبحانه لزكريا ﵊ ﴿ولم تك شيئاً﴾ [مريم: ٩] وقد قدم له ﴿إنا نبشرك بيحيى﴾ [مريم: ٧] والية ﴿إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى﴾ وتوهم استبداد الكسبية في وجود الولد غير خافية في حق من قصر نظره ولم يوفق فابتدىء بذكرها ثم أعقب بما لا يمكن أن يتوهم فيه ذلك، وهو قوله:
﴿وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً﴾ [مريم: ٩] وله نظائر من الكتب وعليه جاء ما ورد في هاتين السورتين -
стр. 11415
والله أعلم - انتهى.
ولما شرفه في نفسه بالكمال الجامع للجلال إلى الجلال، وكان ذلك لا يصفو إلا مع الشرف عند الناس قال: ﴿ورفعنا﴾ أي بما لنا من العظمة والقدرة الباهرة ﴿لك﴾ أي خاصة رفعة تتلاشى عندها رفعة غيرك من الخلق كلهم ﴿ذكرك *﴾ عند جميع العالمين العقلاء وغيرهم بالصدق والأمانة والحلم والرزانة ومكارم الأخلاق وطهارة الشيم وانتفاء شوائب النقص حتى ما كانت شهرتك عند قومك قبل النبوة إلا الأمين، وكانوا يضربون المثل بشمائلك الطاهرة، وأوصافك الزاهرة الباهرة، ثم بالنبوة ثم بالرسالة ثم بالهجرة، وبأن جعلنا اسمك مقروناً باسمنا في كلمة التوحيد والإيمان والأذان والإقامة والتشهد والخطبة، فلا أذكر إلا وذكرت معي، ومن الكرامة الظفر على أعدائك والكرامة لأوليائك، وجعل رضاك رضاي وطاعتك طاعتي، وأمر ملائكتي بالصلاة عليك، ومخاطبتي لك بالألقاب العلية والسمات المعزة المعلية من الرسول والنبي، ونحو ذلك على حسب الأساليب ومناسبات التراكيب إلى غير ذلك من فضائل ومناقب وشمائل لا تضبط بالوصف، قال الرازي: ثم جعل لأمته من ذلك أوفر الحظ، قيل: يا رسول الله،
стр. 11416
من أولياء الله؟ قال: «الذين إذا ذُكروا ذُكر الله» وفي حديث: «الذين إذا رُؤُوا ذُكر الله» وقال: «خياركم من تذكر الله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ويزهدكم في الدنيا عمله» فمنتهى قسمة الثناء أن خلط ذكره بذكره.
ولما ذكر هذه المآثر الشريفة التي هي الكمال، وكان الكمال لا يصفو إلا مع مساعدة الأقدار، فإن الهمم إذا عظمت اتسعت مجالاتها، فإذا حصل فيها تعطيل حصل فيها نكد حسبه، بين أنه أزال عنه العوائق في عبارة دالة على أن سبب المنحة بهذه الكمالات هو ما كان ﷺ فيه من الصبر على الأكدار، وتجرع مرارات الأقدار، فقال مؤكداً ترغيباً في حمل مثل ذلك رجاء في الإثابة بما يليق من هذه المعالي مبالغاً في الحث على تحمله بذكر المعية إشارة إلى تقارب الزمنين بحيث إنهما كانا كالمتلازمين مسبباً عما مضى ذكره من حاله من الضحى: ﴿فإن﴾ أي فعل بك سبحانه هذه الكمالات الكبار بسبب أنه قضى في الأزل قضاء لا مرد له ولا معقب لشيء منه أن ﴿مع العسر﴾ أي هذا النوع خاصة ﴿يسراً *﴾ أي عظيماً جداً يجلب به المصالح ويشرح به ما كان قيده من القرائح، فإن أهل البلاء ما زالوا ينتظرون الرخاء علماً منهم بالفطرة الأولى
стр. 11417
التي فطر الناس عليها أنه المتفرد بالكمال، وأنه الفاعل بالاختيار لنسمه الكوائن بأضدادها، وقد أجرى سنته القديمة بأن الفرج مع الكرب، فلما قاسى ﷺ مما ذكر في الضحى من اليتم الشديد وضلال قومه العرب خاصة كلهم الذين ألهمه الله تعالى مخالفتهم في أصل الدين بتجنب الأوثان، وفي فرعه بالوقوف مع الناس في الحج في عرفة موقف إبراهيم ﵊، ومن العيلة ما لم يحمله أحد حتى كان بحيث يمتن عليه بإنقاذه منه في كتابه القديم وذكره الحكيم، وكان مع تحمل ذلك قائماً بما يحق له من الصبر ويعلو إلى معالي الشكر «فيحمل» - كما قالت الصديقة الكبرى خديجة رضي الله تعالى عنها - «الكَلَّ، ويقري الضيف، ويصل الرحم، ويعين على نوائب الحق» .
ثم حمل أعباء النبوة فكان يلقى من قومه من الأذى والكرب والبلاء ما لم يحمله غيره، بشره الله تعالى بأنه ييسر له جميع ذلك ويلين قلوبهم فيظهر دينه على الدين كله، ويغني أصحابه ﵃ بعد عيلتهم، ويكثرهم بعد قلتهم، ويعزهم بعد ذلتهم، ويصير هؤلاء المخالفون له أعظم الأعضاد، وينقاد له المخالف أتم انقياد، ويفتح له أكثر البلاد، ليكون هذا العطاء في اليسر بحسب ما كان وقع
стр. 11418
من العسر، فإنه قضى قضاء لا يرتد أنه يخالف بين الأحوال، دليلاً قاطعاً على أنه تعالى وحده الفعال، وأن فعله بالاختيار، لا بالذات والإجبار.
ولما كان العسر مكروهاً إلى النفوس، وكان لله فيه حكماً عظيمة، وكانت الحكم لا تتراءى إلا للأفراد من العباد، كرره على طريق الاستئناف لجواب من يقول: وهل بعده من عسر؟ مؤكداً له ترغيباً في أمره ترقباً لما يتسبب عنه مبشراً بتكريره مع وحدة العسر وإن كان حمل كل واحد منهما على شيء غير ما قصد به الآخر ممكناً فقال: ﴿إن مع العسر﴾ أي المذكور فإنه معرفة، والمعرفة إذا أعيدت معرفة كانت غير الأولى سواء أريد العهد أو الجنس ﴿يسراً *﴾ أي آخر لدفع المضار والمكاره، فإن النكرة إذا أعيدت نكرة احتمل أن تكون غير الأولى، وقد قال النبي ﷺ : «إنها غيرُها» فقال الحسن البصري: إن الآية لما نزلت قال النبي ﷺ : «أتاكم اليسر لن يغلب عسر يسرين» وقد روى هذا من أوجه كثيرة، وروى عبد الرزاق عن ابن مسعود ﵁ قال: «لو كان العسر في جحر ضب لتبعه اليسر حتى يخرجه» وللطبراني عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لو كان
стр. 11419
العسر في جحر لدخل عليه اليسر حتى يخرجه» ثم قرأ رسول الله ﷺ الآية، قال الحافظ نور الدين الهيثمي: وفيه أبو مالك النخعي وهو ضعيف، ورواه الطبراني أيضاً في الأوسط والبزار عن أنس ﵁ بنحوه، قال الهيثمي: وفيه عائذ بن شريح وهو ضعيف، وروى الفراء عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ خرج ذات يوم وهو يضحك ويقول:
«لن يغلب عسر يسرين» وروى عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن الحسن به مرسلاً، ومن طريقه أخرجه الحاكم والبيهقي في الشعب ورواه الطبري من طريق ابن ثور عن معمر، ورواه ابن مردويه من طريق أخرى موصولاً وإسناده ضعيف، وفي الباب عن عمر ذكره مالك في الموطإ عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر ﵁ أنه بلغه أن أبا عبيدة ﵁ حضر بالشام فكتب إليه كتاباً فيه «ولن يغلب عسر يسرين» ومن طريقه رواه الحاكم، قال ذلك شيخنا ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف، وقال: وهذا أصح طرقه - انتهى، وهذا من جهة أن اليسر نكرة والعسر معرفة، وقد اشتهر أن النكرة إذا أعيدت نكرة فالثاني غير الأول، والمعرفة بالعكس، قال الشيخ سعد الدين التفتازاني في أول تلويحه في الكلام على المعرفة والنكرة:
стр. 11420
الكلام فيما إذا أعيد اللفظ الأول إما مع كيفيته من التنكير والتعريف أو بدونها، وحينئذ يكون طريق التعريف هو اللام أو الإضافة ليصح إعادة المعرفة نكرة وبالعكس، وتفصيل ذلك أن المذكور أولاً إما أن يكون نكرة أو معرفة، وعلى التقديرين إما أن يعاد نكرة أو معرفة فيصير أربعة أقسام، وحكمها أن ينظر إلى الثاني، فإن كان نكرة فهو مغاير للأول، وإلا لكان المناسب هو التعريف بناء على كونه معهوداً سابقاً بالذكر، إن كان معرفة فهو الأول حملاً له على المعهود الذي هو الأصل في اللام والإضافة، وذكر في الكشف أنه إذا أعيدت النكرة نكرة فالثاني مغاير للأول وإلا فعينه فإن المعرفة تستغرق الجنس، والنكرة تتناول البعض، فيكون داخلاً في الكل سواء قدم أو أخر، وفيه نظر، أما أولاً فلان التعريف لا يلزم أن تكون للاستغراق بل العهد هو الأصل، وعند تقدم المعهود لا يلزم أن تكون النكرة عينه، وأما ثانياً فلان معنى كون الثاني عين الأول أن يكون المراد به هو المراد بالأول، والجزء بالنسبة إلى الكل ليس كذلك، وأما ثالثاً فإن إعادة المعرفة نكرة مع مغايرة الثاني للأول كثير في
стр. 11421
الكلام، قال الله تعالى: ﴿ثم آتينا موسى الكتاب تماماً﴾ [الأنعام: ١٥٤] إلى قوله: ﴿وهذا كتاب أنزلناه﴾ [الأنعام: ١٥٥] وقال تعالى: «اهبطوا بعضكم لبعض عدو» [البقرة: ٣٦] وقال تعالى: ﴿ورفع بعضكم فوق بعض درجات﴾ [الأنعام: ١٦٥] إلى غير ذلك، وقال غيره: ﴿أيسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء﴾ [النساء: ١٥٣] ومنه قول الشاعر:
إذا الناس ناس والزمان زمان ... فإن الثاني لو كان عين الأول لم يكن في الإخبار به فائدة - انتهى.
قال: واعلم أن المراد أن هذا هو الأصل عند الإطلاق وخلو المقام عن القرائن وإلا فقد تعاد النكرة مع عدم المغايرة كقوله تعالى: ﴿وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله﴾ [الزخرف: ٨٤] ﴿وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية﴾ [الأنعام: ٣٧] ﴿ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبة﴾ [الروم: ٥٤] يعني قوة الشباب، ومنه باب التأكيد اللفظي، وقد تعاد النكرة معرفة مع المغايرة كقوله تعالى: ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك﴾ إلى قوله: ﴿أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا﴾ [الأنعام: ١٥٦] وقال غيره: ﴿فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير﴾ [النساء: ١٢٨] المراد
стр. 11422
بالنكرة خاص وهو الصلح بين الزوجين، وبالمعرفة عام في كل صلح جائز ﴿زدناهم عذاباً فوق العذاب﴾ [النحل: ٨٨] فإن الشيء لا يكون فوق نفسه - انتهى. قال: وقد تعاد المعرفة معرفة مع المغايرة كقوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب﴾ [المائدة: ٤٨] وقال غيره: ﴿قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء﴾ [آل عمران: ٢٦] الأول عام والثاني خاص، ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ [الرحمن: ٦٠] الأول العمل والثاني الثواب ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ [المائدة: ٤٥] الأولى القاتلة والثانية المقتولة - انتهى، قال: وقد تعاد المعرفة نكرة مع عدم المغايرة كقوله تعالى: ﴿أنما إلهكم إله واحد﴾ [الكهف: ١١٠] ومثله كثير، والمعرفة مثل النكرة في حالتي الإعادة معرفة والإعادة نكرة في أنها إن أعيدت معرفة كان الثاني هو الأول، وإن أعيدت نكرة كان غيره، ثم مثل بالآية التي هنا، وقال: وهذا مبني على أن تنكير ﴿يسراً﴾ للتفخيم وتعريف العسر للعهد، أي العسر الذي أنتم عليه أو الجنس أي الذي يعرفه كل أحد، فيكون اليسر الثاني مغايراً للأول بخلاف العسر - انتهى. وقال في الكشاف: وأما اليسر فمنكر متناول لبعض الجنس، فإذا كان الكلام الثاني مستأنفاً عن منكر تناول بعضاً غير البعض الأول بغير الإشكال.
стр. 11423
ولما علم من هذا أن المواد تكون بحسب الأوراد الشداد لما على الممدود من الشكر، ولما علم للشاكر من الوعد بالمزيد، قال مسبباً عما أعطاه من اليسر بعد ذلك العسر ندباً له إلى الشكر وإعلاماً بأنه لا ينفك عن تحمل أمر في الله: ﴿فإذا فرغت﴾ أي بما آتاك من اليسر يسر من جهادك الذي أنت فيه في وقت المخاطبة بهذا الكلام مما يوجب عسراً في المآل أو الحال، وعقبه العسر في أي موضع كان لا سيما عند دخول الناس في الدين أفواجاً، أو من العبادة الثقيلة العظيمة بسماع الوحي وتحمله، أو من الغرض بالتيسير الذي بشرناك به ﴿فانصب *﴾ أي بالغ في التعب بعبادة أخرى من التسبيح والاستغفار، أو النفل لمن أولاك هذا المعروف ﴿وإلى ربك﴾ أي المحسن إليك بما ذكر في هاتين السورتين خاصة ﴿فارغب *﴾ أي بالسؤال لأنه القادر وحده كما قدر على تربيتك فيما مضى وحده، لأنه المختص بالعظمة، فلا قدرة أصلاً إلا لمن يعطيه ما يريده منها، والرغب شعار العبد دائماً في كل حال أي افعل ذلك ﴿ألم نشرح لك صدرك؟﴾ فقد اتصل هذا الآخر بالأول اتصال المعلول بالعلة، ولاءم ما بعدها بذلك أيضاً بعينه
стр. 11424
ملاءمة الشمس بالأهلة، وآخر هذه السورة مشير إلى الاجتهاد في العبادة عند الفراغ من جهاد الكفار في جزيرة العرب بعد انقضاء ما يوازي عدد آي هذه السورة من السنين بعد الهجرة، وهي ثمان، رغبة في الأخرى التي هي خير من الأولى، إشارة إلى قرب الأجل بما أشارت إليه سورة النصر - كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
стр. 11425
(سورة التين)
مقصودها سر مقصود) ألم نشرح (وذلك هو إثبات القدرة الكاملة وهو المشار إليه باسمها، فإن في خلق التين والزيتون من الغرائب ما يدل على ذلك، وكذا فيما أشير إليه بذلك من النبوات، وضم القسم إلى المقسم عليه وهو الإنسان، الذي هو أعجب ما في الأكوان، واضح في ذلك) بسم الله (الملك الأعظم الذي لا نعبد إلا إياه) الرحمن (الذي عم بنعمته إيجاده وبيانه جميع خلقه أسفله وأعلاه وأدناه وأقصاه) الرحيم (الذي خص من بينهم أهل وده بما يرضاه، وأردى من عداهم وأشقاعه.
لما ذكر في تلك السورة أكمل خلقه وما كمله به، وختمها بالأمر بتخصيصه سيحانه وتعالالى بالرغبة إليه، فكان ﷺ يقوم حتى تورم قدماه ويبذل الجهد لمولاه في كل ما يرضاه، ذكر في هذه أنه كما جعل ذاته
стр. 11426
أكمل ذوات المخلوقات خصه بأن جعل نوعه ﷺ أكمل الأنواع وهو الإنسان، وأصله أعظم الأصول هو إبراهيم ﷺ ، وبلده أفضل البلاد وهي مكة، وأن من عاداه بمنابذة شرعه أسفل الخلق، وأن له تمام القدرة، وهو فاعل بالاختيار، يعلي من يشاء ويسفل من يشاء، فمنزلتها من آخر تلك منزلة العلة من المعلول، وأقسم فيها بأشياء أشار بها إلى شرفها في أنفسها وفي عجيب صنعها وشرف البقاع التي يكون بها إيماء إلى ما شرفها به مما أظهر بها من الخير والبركاات بسكنى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين والصالحين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين فكانت مهاجر إبراهيم ومولد عيسى وأكثر الأنبياء عليهم الصلاة والسام ومنشأهم، وكان منها مظهر نبوة موسى، ومظهر نبوة اسماعيل عليهما الصلاة والسلام وولده خاتم الأنبياء الكرام، عليه أفضل الصلاة والسلام، ومكان البيت الذي هو قواتم للناس، وهدى للعالمين، إلى غير ذلك من الإشارات الظاهرات والدلالات الواضحات على تمام قدرته وفعله بالاختيار، لأنه يعلي من يشاء من العقلاء وغيرهم من البقاع وغيرها على أحسن تقويم، ويسفل من يشاء من ذلك كله إلى أسفل سافلين.
стр. 11427
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: هذه سورة موضحة ومتممة للمقصود في السورتين قبلها، فبان لك أن الصورة الإنسانية بظاهر الأمر - مما هي عليه من الترتيب والإتقان - قد كانت تقتضي الاتفاق بظاهر ارتباط الكمال بها من حيث إلها في أحسن تقويم، والافتراق يبعد في الظاهر، فكيف افترق الحكم واختلف السلوك، فمن صاعد بالاستيضاح والإمتثال، ونازل أسفل سافلين فضلا عن ترقي بعض درجات الكمال، فإذا ليس يرقى من خص بمزية التقريب إلا لأنه نودي من قريب فأسرع في إجابة مناديه وأصاخ، وما اعتل بحاديه فسل من واضحات السبيل ما رسم له، وبنى على ما كتب له من ذلك عمله) ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها) [السجدة: ١٣] فعلى العاقل المنصف في نفسه أن يعلم أن كلا ميسر لما خلق له فيضرع إلى خالقه في طلب الإخلاص " من وجد خيرا فليحمد الله " فأوضحت هذه السورة ان ما أعطى الله نبيه ﷺ وخصه به من ضروب الكرانمات وابتدأه من عظيم الآلاء مما تضمنته السورتان إلى ما منحه من خير الدارين وما تضمنه. قسمه له أنه ما ودعه ولا قلاه من الملاطفة والتأنيس ودلائل الحب والتقريب - كل ذلك فضلا منه وإحسانا لا لعمل
стр. 11428
تقدم يستوجب ذلك أو بعضه، ولو تقدم عمل لم يقع إلا بمشيئته، وتوفيقه وإرادته، ولا يستوجب أحد عليه شيئا، وإنما هو فضله يؤتيه من يشاء، فقال منبها على ما وقع الإيماء إلى بعضه) لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (ومع ذلك لا ينفعه وقوع صورته الظاهرة في عالم الشهادة على أكمل خلق ولأتم وضع بل إذا لم يصحبه توفيق وسبقته سعادة من خالقه ولم يجعل له نور يمشي به لم ير غير نفسه ولا عرف إلا أبناء جنسه، فقصر نظره على أول ما شاهد، ووقف عند ما عاين من غير اعتياد يحده إلى تحقق مآله وتبين جحاله أنه لم يكن شيئا مذكورا، فلما قصر وما أبصر اعتقد لنفسه الكمال، وعمي عن المبتدأ والمآل، فصار أسفل سافلين حيث لم ينتفع بالآيات نظره، ولا عرف حقيقة خبره) أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نظفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه) [يس: ٨٧ - ٨٧] ثم قال تعالى: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات (فهم الذين هداهم ربهم) بإيمانهم (فجروا بسببه من خلقه في أحسن تقويم ن واستوضحوا الصراط المستقيم، واستبصروا فأبصروا، ونظروات فاعتبروا. وقالوا: ربنا الله ثم استقاموا، فلهم أجر غير ممنون - انتهى.
стр. 11429
ولما كان التين أحسن الفواكه تقويماً فيما ذكروا من فضيلته، وهو مع كونه فاكهة شهية حلوة جداً - غذاء يقيم الصلب وقوت كالبر وسريع الهضم، ودواء كثير النفع يولد دماً صالحاً وينفع الرئة والكلى ويلين الطبع ويحلل البلغم ويزل رمل المثانة ويفتح سدد الكبد والطحال، فكان جامعاً لجميع منافع المتناولات من الغذاء والتفكه والتحلي والتداوي، فهو كامل في مجموع ما هو فيه من لذة طعمه وكثرة نفعه، وكونه كفاكهة الجنة بلا شائبة تعوق عن أكله من صنوان يتعب أو نوى يرمى، مع أنه ينتفع به رطباً ويابساً، وهو مع ذلك في سرعة فساده وسوء تغيره أسفلها رتبة وأردؤها مغبة، فهو كالفطرة الأولى في مبدئه سهولة وحسناً وقبولاً لكل من الإصلاح والتغير، كآخر الهرم عند نهايته في عظيم تغيره بحيث إنه لا ينتفع بشيء منه إذا تغير، وغيره من الفواكه إذا فسد جانب منه بقي آخر فكان في هذا كالقسم للسافل من الإنسان أقسم الله تعالى به فقال: ﴿والتين﴾ بادئاً به لأن القسم المشار به إليه أكثر، فالاهتمام به أكبر.
ولما كان الزيتون في عدم فساد يطرقه أو تغير يلحقه، وفيه الدسومة والحرافة والمرارة، وهو إدام ودواء مع تهيئه للنفع
стр. 11430
بكل حال في أكله بعد تزييته والتنوير بدهنه والادهان به لإزالة الشعث وتنعيم البشرة وتقوية العظم وشد العصب وغير ذلك من المنافع مع لدنه وما يتبع ذلك من فضائله الجمة كالمؤمن تلاه به فقال: ﴿والزيتون *﴾ ولما كان مع ذلك مشاراً بهما إلى مواضع نباتهما وهي الأرض المقدسة من جميع بلاد الشام إيماء إلى من كان بها من الأنبياء والتابعين لهم بإحسان لا سيما إبراهيم ﵊ الذي كانت مهاجره فأحياها الله تعالى بعباده وتردد الملائكة إليه بالوحي ومن بعده أولاده الذين طهرها الله بهم من الشرك وأنارها بهم بالتوحيد، وختمهم بعيسى ﵊ أحد أولي العزم المشرف بكونه من أمة محمد ﷺ وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، وكانت الكناية بالشجرتين عن البلد المراد به سكانه أبلغ من التصريح بالمراد من أول وهلة، ساقه على هذا المنهج العزيز، ولم يبق ممن لم يسكنها من أشرافهم إلا موسى وهارون وإسماعيل ومحمد عليهم الصلاة والسلام، فأشار إلى الأولين بقوله معبراً بما يدل على أحسن التقويم لأن الطور الجبل ذو النبت من النجم والشجر المثمر وغيره: ﴿وطور﴾ أي جبل المكان المسمى بهذا الاسم.
стр. 11431
ولما كان الكلام في التقويم، كان المناسب له صورة جمع السلامة فقال تعالى: ﴿سينين *﴾ أي وما كان بالجبل ذي النبت الحسن الذي كلم الله فيه موسى ﵊ من لذيذ المناجاة وعجائب المواعدة وحكم الكلام مع أن فيه من الأشجار والأماكن ما يكنّ من الحر والبرد، وفيه لخلوه وحسنه وعلوه جمع الخاطر للمتفرد وطمأنينة النفس للتخلي للعبادة والتحصن مما يخشى لعلوه وصعوبته، وفيه ما يصلح للزرع من غير كلفة، وفيه ما يأكله الناس والدواب مع الماء العذب والفناء الرحب والمنظر الأنيق، وسنين وسيناء - اسم للموضع الذي هذا الجبل به، وأشار إلى الأخيرين من أولاد إبراهيم ﵊ ختاماً للقسم بأكمل المقسم به كما جعل المنزل عليه ذلك الذي هو ختام الرسل أكمل النوع المقسم لأجله ليكون في البدء بما يرد بعد حسن التقويم الى الفساد والختم بما هو أشرف المذكورين بكل اعتبار طباق حاز أعلى الأسرار: ﴿وهذا البلد﴾ أي مكة، صرح هنا بهذين المكانين ترشيحاً لأن المراد
стр. 11432
بالأولين مواضع نبتهما مع تلك الإشارة اللطيفة بذكر اسميهما إلى مناسبتهما للمقسم من أجله ﴿الأمين *﴾ أي الذي يأمن فيه من حل به من البشر والطير والوحش، فكان بذلك كالرجل الأمين الذي يأتمنه آخر على نفسه وما يعز عليه فيؤديه إليه ويوقره عليه، وأمانته شاملة لكل ما يخشى حتى الفقر والعيلة والجوع وتغير الدين بعد تقرره مع أن به البيت الذي جعله الله هدى للعالمين وقياماً للناس فهو مدار الدين والدنيا، وكان به من الأسرار بالوحي وآثاره ما لم يكن في بلد من البلاد، وذلك إشارة إلى أنه تعالى كما جعل النبي المبعوث منه في آخر الزمان في أحسن تقويم جعله في أحسن تقويم البلدان إذ كان آمنا من غير ملك مرهوب - والناس يتخطفون من حوله، وهو محل الأنس بالناس كما أن الذي قبله محل الأنس بالانفراد، وهو مجمع المرافق ومعدن المنافع ومحل ذوي الوجاهة ديناً ودنيا، ومحل الرفعة والمناصب مع ما حازه المكانان من تنزل الكتب السماوية وإشراق الأنوار الإلهية الدينية فيهما، وفي ذلك تخويف لهم بأنهم إن لم يرجعوا عن غيهم أخافه إخافة لم يخفها بلداً من بلاد العرب
стр. 11433
فيكونون بذلك قد ردوا أسفل سافلين في البلد، كما ردوا في الأخلاق بالشقاق واللداد.
ولما كان هذا القسم مع كونه جامعاً لبدائع المصنوعات التي هي لما ذكر من حكمها دالة على كمال علم خالقها وتمام قدرته جامعاً لأكثر الذين آمنوا، وكان إبراهيم ﵊ لكونه أباهم مذكراً مرتين بالأرض المقدسة من القدس ومكة، فتوقع أكمل الخلق وأفطنهم المخاطب بهذا الذكر المقسم عليه علماً منه ببلوغ القسم إلى غايته واستوائه على نهايته، أجيب بقوله تعالى محققاً: ﴿لقد خلقنا﴾ أي قدرنا وأوجدنا بما لنا من العظمة الباهرة والعزة الغالبة القاهرة ﴿الإنسان﴾ أي هذا النوع الذي جمع فيه الشهوة والعقل وفيه الأنس بنفسه ما ينسيه أكثر مهمه، ولهذا قالت الملائكة عليهم الصلاة والسلام
﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ [البقرة: ٣٠] لأنهم علموا أنه إذا جمع الغضب والشهوة إلى العقل جاءت المنازعة فيتولد الفساد من الشهوة والسفك من الغضب ﴿في أحسن تقويم *﴾ أي كائن منا روحاً وعقلاً أو أعم من ذلك بما جعلنا له من حسن الخلق
стр. 11434
والخلق بما خص به من انتصاب القامة وحسن الصورة واجتماع خواص الكائنات ونظائر سائر الممكنات بعد ما شارك فيه غيره من السمع والبصرة والذوق واللمس والشم الجوارح التي هيأته لما خلق له حتى قيل إنه العالم الأصغر كما مضى بسط ذلك في سورة الشمس ثم ميزناه بما أودعناه فيه بما جعلناه عليه من الفطرة الأولى التي لا تبديل لها من الطبع الأول السليم الذي هيأناه به وقويناه بقدرتنا لقبول الحق، وبمثل ما قلته في حمل الآية على الفطرة الأولى قال الأصفهاني في تفسير ﴿كان الناس أمة واحدة﴾ [البقرة: ٢١٣] في البقرة، وقال ابن برجان هنا: مفطور على فطرة الإسلام الدين القيم، ثم لما منحناه به من العقل المدرك القويم، فكما جعلنا له شكلاً يميزه عن سائر الحيوان منحناه عقلاً يهديه إلى العروج عن درك النيران إلى درج الجنان بالإيمان والأعمال الصالحة البالغة نهاية الإحسان، بدليل من فيه من الأنبياء الذين أكملهم محمد على جميعهم أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام والتابعين له بإحسان الذين ملؤوا الأرض علماً وحكمةً ونوراً، قال البغوي: خلقه مديد القامة يتناول مأكوله بيده مزيناً
стр. 11435
بالعقل والتمييز - انتهى، والعقل هو المقصود في الحقيقة من الإنسان لأن من أسمائه اللب، ومن المعلوم أن المقصود من كل شيء لبه وهو الشرع كما مضى في آخر النساء، والظاهر أن عقول الناس بحسب الخلق متقاربة وأنها إنما تفاوتت بحسب الجبلة فبعضهم جعل عنصره وجبلته في غاية الفساد فلا تزال جبلته تردي على عقله فيتناقص إلى أن يصير إلى أسوأ الأحوال، فكل ميسر لما خلق له، وبعضهم يصرف عقله بحسب ما هيأه الله له إلى ما ينجيه، وبعضهم يصرفه لذلك إلى ما يرديه، لأنك تجد أعقل الناس في شيء وأعرفهم به أشدهم بلادة في شيء آخر، وأغباهم في شيء أذكاهم في شيء آخر - فاعتبر ذلك، وبذلك انتظم أمر الخلق في أمر معاشهم بالعلوم والصنائع والأحوال - والله الهادي، وهذه الآية تدل على أن الله منزه عن التركيب والصورة لأنه لو كان في شيء منهما لكان هو الأحسن لأن كل صفة يشترك فيها الخلق والحق فالمبالغة للحق كالعالم والأعلم والكريم والأكرم - قاله الأستاذ أبو القاسم القشيري في تفسيره، وصيغة «أفعل» لا تدل على ما قاله الزنادقة، وإن عزي ذلك
стр. 11436
إلى بعض الأكابر من قولهم: ليس في الإمكان أبدع مما كان، لأن الدرجة الواحدة تتفاوت إلى ما لا يدخل تحت حصر كتفاوت أفراد الإنسان في صوره وألوانه، وغير ذلك من أكوانه وبديع شأنه، وقد بينت ذلك في تصنيف مفرد لهذه الكلمة سميته: تهديم الأركان من «ليس في الإمكان أبدع مما كان» ، وأوضحته غاية الإيضاح والبيان، وجرت فيه فتن تصم الآذان، ونصر الله الحق بموافقة الأعيان، وقهر أهل الطغيان، ثم أردفته بكتاب «دلالة البرهان على أن في الإمكان أبدع مما كان ثم شفيت الأسقام، ودمغت الأخصام، وخسأت الأوهام، بالقول الفارق بين الصادق والمنافق، وهو نحو ورقتين في غاية الإبداع في قطع النزاع، ويمكن أن تكون صيغة أفعل مفيدة بالنسبة إلى شيء أراده الله بحيث إن نتفطن له نحن لأن من المجمع عليه عند أهل السنة وصرح به الأشعري وغيره في غير موضع من كتبهم أن الله تعالى لا تتناهى مقدوراته، وممن صرح بما صرح به الأشعري وأكثر في الإمام حجة الإسلام الغزالي في كتبه الإحياء وغيره ولا سيما كتابه» تهافت الفلاسفة «وبين أن هذا من قواعدهم لنفيهم صفة الإرادة وقولهم بأن فعله بالذات، وبين فساد ذلك،
стр. 11437
وأنه قادر على اختراع عالم آخر وثالث متفاوتة بالصغر والكبر، وعلى كل ممكن، وعرف أن الممكن هو المقدور عليه، وأنه يرجع إلى المقدور عليه أيضاً ممكن، وعرف الممتنع بانه إثبات الشيء مع نفيه، وإثبات الأخص مع نفي الأعم، وإثبات الاثنين مع نفي الواحد، وقال: وما لا يرجع إلى ذلك فهو ممكن، فدخل فيه عالم أبدع من هذا العالم - والله الموفق لما يريد.
ولما كان الإنسان مع هذه المحاسن قد سلط الله عليه شهوات وهيأ طبعه لرذائل وأخلاق دنيئات، وأهوية وحظوظ للأنفس مميلات، وكان أكثر الخلق بها هالكاً لتتبين قدرة الله ، لم يستثن بل حكم على الجنس كله بها كما حكم عليه بالتقويم، فقال تعالى دالاً بأداة التراخي على أن اعوجاجه بعد ذلك العقل الرصين والذهن الصافي المستنير في غاية البعد لولا القدرة الباهرة والقوة القاسرة القاهرة: ﴿ثم رددناه﴾ أي بما لنا من القدرة الكاملة والعلم الشامل، فعطل منافع ما خلقناه له فضيع نفسه وفوّت أساب سعادته ونكسناه نحن في خلقه، فصار بالأمرين في خلقه وخلقه نفساً وهوى أو أعم
стр. 11438
من ذلك بالنكس ﴿أسفل سافلين *﴾ أي إلى ما تحت رتبة الجمادات المستقذرات، فصار يعمل الأعمال السيئات المقتضية بعد حسن الجمع لغاية الشتات، أما رده في خلقه فبأن سلطنا عليه الشهوات التي ركبناها في النفوس، وجعلناها داعية إلى كل بؤس، فغلبت على عقله فأعمته حتى أوردته الموارد، وأوقعته في المهاوي والمعاطب، حتى أنه ليركب كثيراً من أموره وهو قاطع بأنه باطل شنيع، لا يقدم على مثله عاقل، فصار يعبد من دون الله ما هو دون البشر بل ومطلق الحيوان مما لا ضر فيه ولا نفع، وصار يركب الظلم والعدوان والإفك والبهتان، وما لا يحصى بالعد من أنواع الفواحش والعصيان، ويظلم أبناء جنسه وغيرهم، ويجتهد في الفجور، ويتصرف بما لا يشك هو في أنه لا يقره عليه من له أدنى نظر ممن يلزمه أمره ويعنيه شأنه، فصار بذلك أحط رتبة من البهائم بل من أدنى الحشرات المستقذرات لأنها وإن كانت لها شهوات إلا أنها ليس لها عقل تغطيه بها وتطمس نوره بظلامها، فلا تنسب إلى أنها فوّتت شيئاً لعدم تكليفها لعدم العقل الموجب للشرف، وأما هو فاستعمل ما خلقناه له من الآلات، وما فضلناه به من الكمالات،
стр. 11439
في غير ما خلقناه له فاستحق العذاب المهين، ثم يموت من غير مجازاة على شيء من ذلك أو على كثير منه، فلا بد في الحكمة حينئذ من بعثه، وله بعد البعث عند ربه على ذلك عذاب مقيم، وأما في خلقه فبالهرم حتى صار بعد تلك القوى ضعيفاً، وبعد ذلك العز ذليلاً مهيناً، وبعد ذلك العلم الغزير والفكر المنير لا يعلم شيئاً، وصار يستقذره وينكره من كان يألفه ويستعطره، وقال ابن برجان: أما رده في طريق الديانة فبالكفر والتكذيب، وأما فيما سبيله الجزاء فبالمسخ في دار البرزخ وتحويل صورته إلى ما غلب عليه خلقته وعمله في الدنيا من الدواب والهوام والبهائم، وفي الآخرة تزرق عيناه ويشوه خلقه، وقال الإمام أبو العباس الأقليشي في شرح «المقدم المؤخر» من شرحه للاسماء الحسنى: إن الله تعالى خلقه.
أي الإنسان - أولاً في أحسن تقويم، ثم ركبه في هذا الجسم الذي يجذبه إلى أسفل سافلين، فإن قدم عقله على هواه صعد إلى أعلى عليين، وكان من المقربين المقدمين، وإن قدم هواه هبط إلى إدراك الجحيم، وكان من المبعدين المؤخرين.
стр. 11440
ولما حكم بهذا الرد على جميع النوع إشارة إلى كثرة المتصف به منهم، وكان الصالح قليلاً جداً، جعله محط الاستثناء فقال: ﴿إلا الذين آمنوا﴾ أي بالله ورسله فكانوا من ذوي البصائر والمعارف، فغلبنا بلطفنا عقولهم بما دعت إليه وأعانت عليه الفطرة الأولى على شهواتهم، وحميناهم من أرذل العمر، فكانوا كلما زدناهم سناً زدنا أنوار عقولهم ونقصنا نار شهواتهم بما أضعفنا من إحكام طبائعهم وتعلقهم بهذا العالم، وأحكمنا من مدارك أنوار الحق وإشراقاته منهم، وأعظمنا من قوى أرواحهم.
ولما كان الإنسان قد يدعي الإيمان كاذباً قال: ﴿وعملوا﴾ أي تصديقاً لدعواهم الإيمان ﴿الصالحات﴾ أي من محاسن الأعمال من الأقوال والأفعال ثابتة الأركان على أساس الإيمان، محكمة بما آتيناهم من العلم غاية الإحكام، متقنة غاية الإتقان، فإنا حفظناهم - وقليل ما هم - بما كملناهم به وشرفناهم على جميع الحيوانات وسائر من سواهم فلم نمكن منهم الشهوات ولا غيرها، وأقمناهم على ما اقتضاه منهاج العقل، فتبعوا الرسل بسبب إبقائنا لهم على الفطرة الأولى في أحسن تقويم، لم يدنس محياها بشهوة ولا حظ ولا هوى، فسهل انقيادهم، فأداهم ذلك إلى العدل
стр. 11441
والنصفة والإحسان، وجميع مكارم الأخلاق ومعالي الأمور، ولم يزيغوا عن منهاج الرسل في قول ولا عمل، فالآية كما ترى من الاحتباك: حذف أولاً بما أفهمته الآية عمل السيئات، وثانياً الإبقاء على أصل الخلق في أحسن تقويم على الفطرة الأولى، ليكون نظمها في الأصل ﴿ثم رددناه أسفل سافلين﴾ بعمل السيئات فله على ذلك عذاب مهين ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ فإنا أبقيناهم على الفطرة الأولى في أحسن تقويم.
ولما كان السياق لمدح المؤمنين، حسن أن يعد أعمالهم التي تفضل عليهم بها سبباً كما منّ عليهم به من الثواب فقال: ﴿فلهم﴾ أي فتسبب عن ذلك أن كان لهم في الدارين على ما وفقوا له مما يرضيه ﴿أجر﴾ أي عظيم جداً وهو مع ذلك ﴿غير ممنون *﴾ أي مقطوع أو يمن عليهم به حتى في حالة المرض والهرم لكونهم سعوا في مرضاة الله وعزموا عزماً صادقاً أنهم لا ينقصون من أعمال البر ذرة ولو عاشوا مدى الدهر، وذلك الأجر جزاء لأعمالهم فضلاً منه بالأصل والفرع حتى أنهم إذا عجزوا بالهرم كتب لهم أجر ما كانوا يعملون في حال الصحة، ولمن تابع هواه في السفول عذاب عظيم لأنه رد أسفل سافلين.
стр. 11442
ولما ثبت بهذا أنه لا يجوز في الحكمة تركهم بغير جزاء مع ما يشاهد من ظلم بعضهم لبعض معاندة لما يقتضيه قويم العقل الذي لا شك فيه، فكان ذلك بحيث لا يرضاه أحد منهم ولا يقر مخلوق عبيداً في ملكه على مثله بأن يبغي بعضهم على بعض فيهملهم بل لا بد أن يحجز بينهم أو يأخذ للمظلوم من الظالم، ولو كان ذلك المالك أقل الناس وأجهلهم فكيف إن كان عاقلاً فكيف إن كان حاكماً فكيف إن كان لا يخاف أحداً فكيف إن كان عدلاً مقسطاً قد ثبتت إحاطة علمه وقدرته ، حسن كل الحسن أن يكون ذلك سبباً للإنكار على من يظن أن الله يهمل عباده من الحكم بينهم لمجازاة كل من المطيع والعاصي بما عمل مع ما ترى من ظلم بعضهم لبعض، وأن الظالم قد يموت قبل القصاص، فقال مسبباً عن الوعد بما أفصح به الكتاب من إثابة المؤمنين الذي طالما بغى عليهم الظلمة، وانتقصهم حقوقهم الفسقة، والوعيد بما أفهمه الخطاب لعتاب المجرمين الذين طالما بغوا على غيرهم: ﴿فما﴾ أي فتسبب عن إقامة الدليل على تمام القدرة وعلى بغي العبيد بعضهم على بعض أنه يقال لك تصديقاً لك فيما أخبرت به من أن
стр. 11443
الله يبعث الخلائق بعد موتهم ليجازي كلاًّ بما عمل وإنكاراً على من كذبك: ما ﴿يكذبك﴾ أي أيّ شيء ينسبك إلى الكذب يا أشرف الخلق وأكملهم نفساً وأتقاهم عرضاً وأطهرهم خلقاً وخلقاً، وعبر ب «ما» إشارة إلى أن الكذب بهذا مع هذا الدليل القطعي الذي تضمنته هذه السورة في عداد ما لا يعقل بل دونه ﴿بعد﴾ أي بعد مشاهدة بغي بعض الناس على بعض استعمالاً لحال النكس، وأعراه من الجار إشارة إلى أن من آمن قبل الغرغرة واتصل إيمانه ذلك بموته كان ممن له أجر غير ممنون ﴿بالدين *﴾ أي الجزاء لكل أحد بما يستحقه على سبيل العدل والإنصاف لأجل تلك الأعمال التي غلبت فيها الحظوظ على العقول، فوقع بها من الظلم والأذى ما لا يسع عاقلاً من العباد أن يحسن عنده ترك فاعلها من غير جزاء حتى كان أكثر أفعال العباد ظلماً، ومن شأن الملوك الإنصاف بين عبيدهم ورعاياهم، فكيف بالله الذي شرع لعباده ذلك، وقد ثبت بما له من هذا الخلق العظيم، على هذا النظام المحكم والمنهاج الأقوم أنه الحكيم، الذي لا حكيم غيره، العليم الذي لا عليم سواه.
стр. 11444
ولما صح أن تارك الظالم بغير انتقام والمحسن بلا إكرام ليس على منهاج العدل الذي شرعه الله تعالى، حسن جداً تكرير الإنكار بقوله : ﴿أليس الله﴾ أي على ما له من صفات الكمال، وأكده بالجار في قوله: ﴿بأحكم الحاكمين *﴾ أي حتى يدع الخلق يهلك بعضهم بعضاً من غير جزاء، فيكون خلقهم عبثاً، بل هو أحكم الحاكمين علماً وقدرة وعدلاً وحكمة بما شوهد من إبداعه الخلق ومفاوتته بينهم، وجعل الإنسان من بينهم على أحسن تقويم، فلا بد أن يقيم الجزاء ويضع الموازين القسط ليوم القيامة فيظهر عدله وحكمته وفضله، وهذا الآخر هو أولها قسماً من جهة النبوات التي ظهر بها حكمه وحكمته، ومقسماً عليه من حيث إن الخلق في أحسن تقويم يقتضي العدل لا محالة، والرد أسفل سافلين يتقاضى الحكم حتماً لأجل ما يقع من الظلم والتشاجر بين من استمر على الفطرة القويمة ومن رد لأسفل سافلين، وقد اشتملت هذه السورة على وجازتها على جميع مقاصد التوراة إجمالاً، وزادت الدلالة على الآخرة، وذلك أن قسمها هو قوله في التوراة «أتانا ربنا من سيناء وشرق بنا من جبل ساعر، وظهر لنا من جبال فاران» والخلق في أحسن تقويم هو خلق آدم عليه الصلاة والسلام
стр. 11445
المذكور في أولها وخلق زوجه وما يحتاجان إليه من السماء والأرض، وخلق الأصفياء من أولادهما وما جاؤوا به من الخير، والذين آمنوا وعملوا الصالحات هو ما فيها من الشرائع والأحكام، وقوله بعد ما تقدم من المعبر بالمقسم عنه «معه ربوات الأطهار عن يمينه أعطاهم وحببهم إلى الشعوب، وبارك على جميع أطهاره» والرد أسفل سافلين هو ما ذكر أولها من العصاة من قابيل ومن بعده إلى آخرها، على ما أشار إليه من عصيان بني إسرائيل الموجب للعنهم، فقد اكتنفت بأول التوراة وآخرها وأوسطها، وابتدأ بآخرها لأنه في النبوات، وهي أهم المهم لأنها المنجية من شر قطاع الطريق، وآخرها أدل ما فيها على النبوات لا سيما الثلاث العظام - المشار إليه بقسم هذه السورة - والله أعلم بالغيب.
стр. 11446
سورة العلق
وتسمى إقرأ.
مقصودها الأمر لا سيما للمقصود بالتفضيل في سورة التين بعبادة من له الخلق والأمر، شكرا لأحسانه واجتنابا لكفرانه ن طمعا في جنانه وخوفا من نيرانه، لما ثبت أنه يدين العباد يوم المعاد، وكل من اسميها دال على ذلك لأن المربي يجب شكره، ويحرم غاية التحريم كفره، على أن " اقرأ " يشير إلى الأمر، " والعلق " يشير غلى الخلق، و" اقرأ " يدل على البداية وهي العبادة بالمطابقة، وعلى النهاية وهي النمجاة يوم الدين باللازم، والعلق يدل على كل من النهاية ثم البداية بالالتزام، لأن من عرف أنه مخلوق من دم عرف أن خالقه قادر على إعادته من تراب، فإن التراب أقبل للحياة من الدم، ومن صدق بالإعادة عمل لها، وخص العلق لأنه مركب الحياة، ولذلك سمي نفسا) بسم الله (الذي له صفات الكمال فاستحق التفرد بالإلهية) الرحمن (الذي عمت نعمته فاستوج بالشكر من سائر البرية) الرحيم (الذي وفق من شاء
стр. 11447
من خواصه لما أنالهم به المواهب السنية والعطايا الوفية.
стр. 11448
لما أمره في الضحى بالتحديث بنعمته، وذكره بمجامعها في ﴿ألم نشرح﴾ فأنتج ذلك إفراده بما أمره به في ختمها من تخصيصه بالرغبة إليه، فدل في الزيتون على أنه أهل لذلك لتمام قدرته الذي يلزم منه أنه لا قدرة لغيره إلا به، فأنتج ذلك تمام الحكمة فأثمر قطعاً البعث للجزاء فتشوف السامع إلى ما يوجب حسن الجزاء في ذلك اليوم وبأيّ وسيلة يقف بين يدي الملك الأعلى في يوم الجمع الأكبر من خصال الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فأرشد إلى ذلك في هذه السورة، فقال بادئاً بالتعريف بالعلم الأصلي ذاكراً أصل من خلقه في أحسن تقويم وبعض أطواره الحسنة والقبيحة تعجيباً من تمام قدرته وتنبيهاً على تعرفها وإنعام النظر فيها، وقدم الفعل العامل في الجار والمجرور هنا لأنه أوقع في النفس لكونها أول ما نزل فكان الأمر بالقراءة أهم: ﴿اقرأ﴾ وحذف مفعوله إشارة إلى انه لا قراءة إلا بما أمره به، وهي الجمع الأعظم، فالمعنى: أوجد القراءة لما لا مقروء غيره، وهو القرآن الجامع لكل خير، وأفصح له بأنه لا يقدر
стр. 11449
على ذلك إلا مبعونة الله الذي أدبه فأحسن تأديبه، ورباه فأحسن تربيته، فقال ما أرشد المعنى إلى أن تقديره: حال كونك مفتتحاً القراءة ﴿باسم ربك﴾ أي بأن تبسمل، أو مستعيناً بالمحسن إليك لما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى بما خصك به في ﴿ألم نشرح﴾ أو بذكر اسمه، والمراد على هذا بالاسم الصفات العلى، وعبر به لأنه يلزم من حسن الاسم حسن مدلوله، ومن تعظيم الاسم تعظيم المسمى وجميع ما يتصف به وينسب إليه، قالوا: وهذا يدل على أن القراءة لا تكون تامة إلا بالتسمية، ولكونه في سياق الأمر بالطاعة الداعي إليها تذكر النعم لم يذكر الاسم الأعظم الجامع، وذكر صفة الإحسان بالتربية الجامع لما عداه وتأنيساً له ﷺ لكونه أول ما نزل حين حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بنفسه يتعبد بربه في غار حراء، فجاءه جبرائيل ﵊ بخمس آيات من أول هذه السورة إلى قوله «ما لم يعلم» ولهذا السر ساقه مساق البسملة بعبارة هي أكثر تأنيساً في أول الأمر وأبسط منها، فأشار إلى الاسم الأعظم بما في مجموع الكلام من صفات الكمال، وأشار إلى عموم منة الرحمن بصفة الخلق المشار إلى تعميمها بحذف المفعول، وإلى خصوص صفة الرحيم بالأكرمية التي من شأنها
стр. 11450
بلوغ النهاية، وذلك لا يكون بدون إفاضة العمل بما يرضي، فيكون سبباً للكرامة الدائمة، وبالتعليم الذي من شأنه أن يهدي إلى الرضوان، وأشار إلى الاستعاذة بالأمر بالقرآن لما أفهمه قوله :
﴿وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ [الإسراء: ٤٥]- أي من شياطين الإنس والجن- ﴿حجاباً مستوراً﴾ [الإسراء: ٤٥] وقوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ [النحل: ٩٨] .
ولما خصه تشريفاً بإضافة هذا الوصف الشريف إليه، وصفه على جهة العموم بالخلق والأمر إعلاماً بأن له التدبير والتأثير، وبدأ بالخلق لأنه محسوس بالعين، فهو أعلق بالفهم، وأقرب إلى التصور، وأدل على الوجود وعظيم القدرة وكمال الحكمة، فكانت البداءة به في هذه السورة التي هي أول ما نزل أنسب الأمور لأن أول الواجبات معرفة الله، وهي بالنظر إلى أفعاله في غاية الوضوح فقال: ﴿الذي خلق *﴾ وحذف مفعوله إشارة إلى أنه له هذا الوصف وهو التقدير والإيجاد على وفق التقدير الآن وفيما يكون، فكل شيء يدخل في الوجود فهو من صنعه ومتردد بين إذنه ومنعه وضره ونفعه.
следующие страницы →