Полный текст (11 765 стр.). Показаны 11726–11765 · переход к 11731.
стр. 11726
فيه، ونكّره لأنه ليس كل حاسد مذموماً، وأعظم الحسدة الشيطان الذي ليس له دأب إلا السعي في إزالة نعم العبادات عن الإنسان بالغفلات.
ولما كان الضار من الحسد إنما هو ما أظهر وعمل بمقتضاه بالإصابة بالعين أو غيرها قال مقيداً له: ﴿إذا حسد *﴾ أي حسد بالفعل بعينه الحاسدة، وأما - إذا لم يظهر الحسد فإنه لا يتأذى به إلا الحاسد لاغتمامه بنعمة غيره، وفي إشعار الآية الدعاء بما يحسد عليه من نعم الدارين لأن خير الناس من عاش محسوداً ومات محسوداً، ولمن لم يلق بالاً للدعاء بذلك ويهتم بتحصيل ما يحسد عليه ضحك منه إبليس إذا تلا هذه الآية لكونه ليس له فضيلة يحسد عليها، ولعله عبر بأداة التحقيق إشعاراً بأن من كان ثابت الحسد متمكناً من الاتصاف به بما أشعر به التعبير بالوصف تحقق منه إظهاره، ولم يقدر على مدافعته في الأغلب إلا من عصم الله تعالى، وقد علم بكون الحسد علة السحر - الموقع في القتل الذي هو أعظم المعاصي بعد الشرك وفي الشرك، لأنه لا يصح غاية الصحة إلا مع الشرك - أن الحسد شر ما انفلق عنه ظلام العدم، والشاهد لذلك غلبته على الأمم السالفة وتحذير الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس
стр. 11727
منه بشهادة هاديها ﷺ ، أخرج الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي عن الزبير بن العوام ﵁ أن النبي ﷺ :
«دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، ألا والبغضاء هي الحالقة، لا أقول: إنها تحلق الشعر ولكن تحلق الدين» وفي الباب عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وابن مسعود ﵁، وأعظم أسباب الحالقة أو كلها الحسد، فعلم بهذا رجوع آخر السورة على أولها، وانعطاف مفصلها على موصلها، ومن أعيذ من هذه المذكورات انفلق سماء قلبه عن شمس المعرفة بعد ظلام ليل الجهل، فأشرقت أرجاؤه بأنوار الحكم، إلى أن يضيق الوصف له عن بدائع الكشف:
هناك ترى ما يملأ العين قرة ... ويسلي عن الأوطان كل غريب
فينقطع التعلق عما سوى الله بمحض الاتباع والبعد عن الابتداع بمقتضى ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: ٣١] وقد بطل بالأمر بالاستعاذة قول الجبرية: إنا كالآلة لا فعل لنا أصلاً، وإنما نحن كالحجر لا يتحرك إلا بمحرك، لأنه لو كان هو المحرك لنا بغير اختيار لم يكن للأمر فائدة، وقول القدرية: إنا نخلق أفعالنا، وقول الفلاسفة: إنه -
стр. 11728
إذا وجد السبب والمسبب حصل التأثير من غير احتياج إلى ربط إلهي كالنار والحطب، لأنه لو كان ذلك لكانت هذه الأفعال المسببات إذا وجدت من فاعليها الذين هم الأسباب، أو الأفعال التي هي الأسباب، والمسببات التي هي الأبدان المراد تأثيرها أثرت ولم تنفع الاستعاذة، والشاهد خلافه، وثبت قول الأشاعرة أهل السنة والجماعة أنه إذا وجد السبب والمسبب توقف وجود الأثر على إيجاد الله تعالى، فإن أنفذ السبب وجد الأثر، وإن لم ينفذه لم يوجد، والسورتان معلمتان بأن البلايا كثيرة وهو قادر على دفعها، فهما حاملتان على الخوف والرجاء، وذلك هو لباب العبودية، وسبب نزول المعوذتين على ما نقل الواحدي عن المفسرين رحمة الله عليهم أجمعين والبغوي عن ابن عباس وعائشة ﵃ «أن غلاماً من اليهود كان يخدم النبي ﷺ فدبت إليه اليهود فلم يزالوا به حتى أخذه مشاطة رأس النبي ﷺ وعدة أسنان من مشطه فأعطاها اليهود فسحروه فيها، وتولى ذلك لبيد بن الأعصم اليهودي، فمرض رسول الله ﷺ وانتشر شعر رأسه، ويرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، يذوب ولا يدري ما عراه، فبينا هو نائم ذات يوم أتاه ملكان فقعد أحدهما عند رأسه
стр. 11729
والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما بال الرجل؟ قال: طب، قال: وما طب؟ قال: سحر، قال: ومن سحره؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي، قال: وبما طبه؟ قال: بمشط ومشاطة، قال: وأين هو؟ قال: في جف طلعة ذكر تحت راغوفة في بئر ذروان - بئر في بني زريق، والجف: قشر الطلع، والراغوفة: حجر في أسفل البئر يقوم عليه المائح، فانتبه النبي ﷺ وقال لعائشة ﵂:» يا عائشة! أما شعرت أن الله أخبرني بدائي! ثم بعث علياً والزبير وعمار بن ياسر ﵃ فنزحوا البئر كأنه نقاعة الحناء، ثم نزعوا الصخرة وأخرجوا الجف فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان مشطه، وإذا وتر معقد فيه إحدى عشرة عقدة مغروزة بالإبر «فأنزل الله سورتي المعوذتين، وهما إحدى عشرة آية: الفلق خمس والناس ست، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة، ووجد رسول الله ﷺ خفة حتى انحلت العقدة الأخيرة فقام كأنما نشط من عقال، وجعل جبرائيل ﵊ يقول:» بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ومن حاسد وعين والله يشفيك «فقالوا:
стр. 11730
يا رسول الله! أفلا نأخذه فنقتله؟ فقال:» أما أنا فقد شفاني الله، وأكره أن أثير على الناس شراً «وفي رواية أنه ﷺ أتى البئر بنفسه ثم رجع إلى عائشة ﵂ فقال:» والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، لكأن نخلها رؤوس الشياطين، فقلت له: يا رسول الله! «أهلا أخرجته؟ فقال:» أما أنا فقد شفاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شراً «ويجمع بأنه أتاها ﷺ بنفسه الشريفة فلم يخرجه ثم إنه وجد بعض الألم فأرسل إليه، فأخرجه فزال الألم كله، وروى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: سحر النبي ﷺ حتى أنه ليخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي دعا الله ودعاه، ثم قال:» أشعرت يا عائشة أن الله تعالى قد أفتاني فيما استفتيته فيه «، قلت: وما ذاك يا رسول الله، قال:» أتاني ملكان «
فذكره، وروى النسائي في المحاربة من سننه وأبو بكر بن أبي شيبة وأحمد بن منيع وعبد بن حميد وأبو يعلى الموصلي في مسانيدهم والبغوي في تفسيره كلهم عن زيد بن أرقم ﵁ قال: كان رجل يدخل على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 11731
فأخذ له فسحر النبي ﷺ رجل من اليهود فاشتكى لذلك أياماً فأتاه جبريل ﵊ فقال:
«إن رجلاً من اليهود سحرك، عقد لك عقداً في بئر كذا وكذا، أو قال: فطرحه في بئر رجل من الأنصار، فأرسل رسول الله ﷺ فاستخرجوها فجيء بها فحلها رسول الله ﷺ ، فجعل كلما حل عقدة وجد لذلك خفة، فقام رسول الله ﷺ كأنما نشط من عقال» فما ذكر ذلك لذلك اليهودي ولا رآه في وجهه قط، وفي رواية: فأتاه ملكان يعوذانه فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجله فقال أحدهما: أتدري ما وجعه؟ قال: كأن الذي يدخل عليه عقد له وألقاه في بئر، فأرسل إليه رجلاً، وفي رواية: علياً ﵁، فأخذ العقد فوجد الماء قد اصفر، قال: فأخذ العقد فحلها فبرأ، فكان الرجل بعد ذلك يدخل على النبي ﷺ فلم يذكر له شيئاً ولم يعاتبه فيه، وهذا الفضل لمنفعة المعوذتين كما منح الله به رسوله ﷺ فكذا تفضل به على سائر أمته، وروى أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح - والنسائي مسنداً أو مرسلاً - قال النووي: بالأسانيد
стр. 11732
الصحيحة - عن عبد الله بن خبيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اقرأ قل هو الله أحد والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاثة مرات - يكفيك كل شيء» والأحاديث في فضل هذه السور الثلاث كثيرة جداً، وجعل التعويذ في سورتين إشارة إلى استحباب تكريره، وجعلتا إحدى عشرة آية ندباً إلى تكثيره في تكريره، وقدمت الفلق التي خمس آيات مع ما مضى المناسبات لأن اقترانها بسورة التوحيد أنسب، وشفعها بسورة الناس التي هي ست آيات أنسب، ليكون الشفع بالشفع، والابتداء بالوتر بعد سورة الوتر، وحاصل هذه السورة العظمى في معناها الأبدع الأسمى الاستعاذة بالله بذكر اسمه ﴿الرب﴾ المقتضي للإحسان والتربية بجلب النعم ودفع النقم من شر ما خلق ومن السحر والحسد، كما كان أكثر البقرة المناظرة لها في رد المقطع على المطلع لكونها ثانية من الأول كما أن هذه ثانية من الآخر في ذكر أعداء النبي ﷺ الحاسدين له على ما أوتي من النعم، وفي تذكيرهم بما منحهم من النعم التي كفروها، وأكثر ذلك في بني إسرائيل الذين كانوا أشد الناس حسداً له ﷺ ، وكان من أعظم ما ضلوا به السحر المشار إليه بقوله تعالى:
стр. 11733
﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾ [البقرة: ١٠٢] حتى قال: ﴿فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه﴾ إلى أن قال: ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم﴾ [البقرة: ١٠٩] وكان السحر من أعظم ما أثر في النبي ﷺ من كيدهم حتى أنزل فيه المعوذتان، وكان الساحر له منهم، وقد انقضى ما يسر الله من الكلام على انتظام معانيها بحسب تركيب كلماتها، وبقي الكلام على كلماتها من حيث العدد، فيما تشير إليه من البركات والمدد، هي ثلاث وعشرون كلمة إشارة إلى أنه ﷺ في السنة الثالثة والعشرين من النبوة يأمن من أذى حاسديه، وذلك بالوفاة عند تمام الدين ويأس الحاسدين من كل شيء من الأذى في الدين والدنيا، وخلاص النبي ﷺ من كل كدر، فإذا ضممت إليها الضمائر وهي خمسة كانت ثماني وعشرين، وهي توازي سنة خمس عشرة من الهجرة، وذلك عند استحكام أمر عمر ﵁ في السنة الثانية من خلافته ببث العساكر وإنفاذه إلى ملك الفرس والروم وتغلغل هيبته في قلوبهم وتضعضع الفرس بغلب العرب على رستم أكبر أمرائهم، والروم بغلبهم على ماهان أعظم رؤسائهم، فاضمحل أمر المنافقين والحاسدين، وأيسوا
стр. 11734
من تأثير أدنى كيد من أحد من الكائدين، فإذا ضم إليها أربع كلمات البسملة كانت اثنتين وثلاثين، إذا حسبت من أول النبوة وازتها السنة التاسعة عشرة من الهجرة، وفيها كان فتح قيسارية الروم من بلاد الشام، وبفتحها كان فتح جميع بلاد الشام، لم يبق بها بلد إلا وهي في أيدي المسلمين، فزالت عنها دولة الروم، وفيها أيضاً كان فتح جلولاء من بلاد فارس وكان فتحاً عظيماً جداً هدّ أجنادهم وملوكهم، ولذلك سمي فتح الفتوح، وحصل حينئذ أعظم الخزي للفرس والروم الذين هم أحسد الحسدة، لما كان لهم من العزة والقوة بالأموال والرجال، وإن حسبت من الهجرة وازتها سنة انقراض ملك أعظم الحسدة الأكاسرة الذين شقق ملكهم كتاب النبي ﷺ ، وأرسل إلى عامله باذان - الذي كان استخلفه على بلاد اليمن - يأمره أن يغزو النبي ﷺ ، فأخبر الله نبيه ﷺ بأنه يقتله سبحانه في ليلة سماها، فلما أتت تلك الليلة أخبر النبي ﷺ رسل باذان بذلك، فرجعوا إلى باذان فأخبروه فقال: إن كان صادقاً فسيأتي الخبر في يوم كذا، فأتى الخبر في ذلك اليوم بصدقه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 11735
فأسلم باذان ومن معه من الأبناء الذين كانوا في بلاد اليمن لم يتخلف منهم أحد، وأوفد منهم وفداً على النبي ﷺ بذلك، وتولى الله ورسوله ﷺ ﵃ والله أعلم.
стр. 11736
سورة الناس
مقصودها الاعتصام بالإله الحق من شر الخلق الباطن، واسمها دال على ذلك لأن الإنسان مطبوع على الشر، وأكثر شره بالمكر والخداع، وأحسن من هذا أنها للاستعاذة من الشر الباطن المأنوس به المستروح إليه، فإن الوسسة لا تكون إلا بما يشتهي، والناس مشتق من الأنس، فإن أصله أناس، وهو أيضا اضطراب الباطن المشير إليه الاشتقاق من النوس، فطابق حينئذ الاسم المسمى، ومقصود هذه السورة معلول لمقصود الفقاتحة الذي هو المراقبة، وهي شاملة لجميع علوم القرآن التي هي مصادقة الله ومعاداة الشيطان ببراعة الختام وفذلكة النظام، كما أن الفاتحة شاملة لذلك لأنها براعة الاستهلال، ورعاية الجلال والجمال، فقد اتصل الآخر بالأول اتصال العلة بالمعلول، والدليل بالمدلول، والمثل بالممثول، والله المسؤول في تيسير السؤل، ت وتحقيق المأمول، فإنه الجواد ذو الطول، وبه يستعان وعليه التكلان: (بسم الله (المحيط علما بكل
стр. 11737
باطن كإحاطته بكل ظاهر) الرحمن (الذي عمت نعمته كل باد وحاضر) الرحيم (الذي خص أولياءه بإتمام النعمة عليهم في جميع أمورهم الأول منها والأثناء والآخر.
стр. 11738
لما جاءت سورة الفلق للاستعاذة من شر ما خلق من جميع المضار البدنية وغيرها العامة للإنسان وغيره، وذلك هو جملة الشر الموجود في جميع الأكوان والأزمان، ثم وقع فيها التخصيص بشرور بأعيانها من الفاسق والساحر والحاسد، فكانت الاستعاذة فيها عامة للمصائب الخارجة التي ترجع إلى ظلم الغير، والمعايب الداخلة التي ترجع إلى ظلم النفس ولكنها في المصائب أظهر، وختمت بالحسد فعلم أنه أضر المصائب، وكان أصل ما بين الجن والإنس من العداوة الحسد، جاءت سورة الناس متضمنة للاستعاذة من شر خاص، وهو الوسواس، وهو أخص من مطلق الحاسد، ويرجع إلى المعايب الداخلة اللاحقة للنفوس البشرية التي أصلها كلها الوسوسة، وهي سبب الذنوب والمعاصي كلها، وهي من الجن أمكن وأضر، والشر كله يرجع إلى المصائب والمعايب، فقد تضمنت السورة كالفلق استعاذة ومستعاذاً به ومستعاذاً منه وأمراً بإيجاد ذلك، فالأمر: ﴿قل﴾ والاسعتاذة ﴿أعوذ﴾ والمستعاذ به هو
стр. 11739
الله ، لكن لما كانت صفة الربوبية من صفات كماله سبحان أليق بالحماية والإعانة والرعاية والخلق والتدبير والتربية والإصلاح، المتضمن للقدرة التامة والرحمة الواسعة، والإحسان الشامل والعلم الكامل، قال تعالى: ﴿برب الناس *﴾ أي أعتصم به أي أسأله أن يكون عاصماً لي من العدو أن يوقعني في المهالك، قال الملوي: والرب من له ملك الرق وجلب الخيرات من السماء والأرض وإبقاؤها، ودفع الشرور ورفعها، والنقل من النقص إلى الكمال، والتدبير العام العائد بالحفظ والتتميم على المربوب، وخص الإضافة بالمزلزلين المضطربين في الأبدان والأديان من الإنس والجان لخصوص المستعاذ منه، وهو الأضرار التي تعرض للنفوس العاقلة وتخصها، بخلاف ما في الفلق فإنه المضار البدنية التي تعم الإنسان وغيره.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: وجه تأخرها عن شقيقتها عموم الأولى وخصوص الثانية، ألا ترى عموم قوله ﴿من شر ما خلق﴾ وإبهام
стр. 11740
﴿ما﴾ وتنكير ﴿غاسق﴾ و ﴿حاسد﴾ والعهد فيها استعيذ من شره في سورة الناس وتعريفه ونعته، فبدأ بالعموم ثم أتبع بالخصوص ليكون أبلغ في تحصيل ما قصدت الاستعاذة منه، وأوفى بالمقصود، ونظير هذا في تقديم المعنى الأعم ثم إتباعه بالأخص بتناول الدقائق والجلائل قوله ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ في معنى الرحمن ومعنى الرحيم واحد لا في عموم الصفة الأولى وكونها للمبالغة، وقد تعرض لبيان ذلك المفسرون ولذلك نظائر - انتهى.
ولما كان الرب الملك متقاربين في المفهوم، وكان الرب أقرب في المفهوم إلى اللطف والتربية، وكان الملك للقهر والاستيلاء وإظهار العدل ألزم، وكان الرب قد لا يكون ملكاً فلا يكون كامل التصرف، اقتضت البلاغة تقديم الأول وإتباعه الثاني، فقال تعالى: ﴿ملك الناس *﴾ إشارة إلى أن له كمال التصرف ونفوذ القدرة وتمام السلطان، وإليه المفزع وهو المستعان، والمستغاث والملجأ والمعاد.
ولما كان الملك قد لا يكون إلهاً، وكانت الإلهية خاصة لا تقبل شركاً أصلاً بخلاف غيرها، أنهي الأمر إليها وجعلت غاية البيان فقال:
стр. 11741
﴿إله الناس *﴾ إشارة إلى أنه كما انفرد بربوبيتهم وملكهم لم يشركه في ذلك أحد، فكذلك هو وحده إلههم لا يشركه في إلهيته أحد، وهذه دائماً طريقة القرآن يحتج عليهم بإقرارهم بتوحيدهم له في الربوبية والملك على ما أنكروه من توحيد الإلهية والعبادة، فمن كان ربهم وملكهم فهم جديرون بأن لا يتألهوا سواه ولا يستعيذوا بغيره كما أن أحدهم إذا دهمه أمر استعاذ بوليه من أبناء جنسه واستغاث به، والإله من ظهر بلطيف صنائعه التي أفادها مفهوم الرب والملك في قلوب العباد فأحبوه واستأنسوا به ولجؤوا إليه في جميع أمورهم، وبطن احتجاباً بكبريائه عن أن يحاط به أو بصفة من صفاته أو شيء من أمره، فهابته العباد ودعاهم الحب إلى الوله شوقاً إلى لقائه، وزجرتهم الهيبة فجزعوا خوفاً من طرده لهم عن فنائه، وكرر الاسم الظاهر دون أن يضمر فيقول مثلاً: ﴿ملكهم﴾ ﴿إلههم﴾ تحقيقاً لهذا المعنى وتقوية له بإعادة اسمهم الدال على شدة الاضطراب المقتضي للحاجة عند كل اسم من أسمائه الدال على الكمال المقتضي للغنى المطلق، ودلالة على أنه حقيق بالإعادة قادر عليها لبيان أنه المتصرف فيهم من جميع الجهات وبياناً لشرف الإنسان ومزيد الاعتماد بمزيد البيان، ولئلا يظن أن شيئاً من هذه الأسماء يتقيد بما أضيف إليه الذي قبله من ذلك الوجه،
стр. 11742
لأن الضمير إذا أعيد كان المراد به عين ما عاد إليه، فأشير بالإظهار إلى أن كل صفة منها عامة غير مقيدة بشيء أصلاً، واندرج في هذه الاستعاذة جميع وجوه الاستعاذات من جميع وجوه التربية وجميع الوجوه المنسوبة إلى المستعيذ من جهة أنه في قهر الملك بالضم، وجميع الوجوه المنسوبة إلى الإلهية لئلا يقع خلل في وجه من تلك الوجوه تنزيلاً لاختلاف الصفات منزلة اختلاف الذات إشعاراً بعظم الآفة المستعاذ منها، ولم يعطف بالواو لما فيها من الإيذان بالمغايرة، والمقصود الاستعاذة بمجموع هذه الصفات الواقعة على ذات واحدة حتى كأنها صفة واحدة، وقدم الربوبية لعمومها وشمولها لكل مربوب على حد سواء، فلا فعل لأحد إلا وهو خلقه وهو الباعث عليه، وأخر الإلهية لخصوصها لأن من لم يتقيد بأوامره ونواهيه فقد أخرج نفسه من أن يجعله إلهه وإن كان في الحقيقة لا إله سواه، ووسط صفة الملك لأن الملك هو المتصرف بالأمر والنهي، وملكه لهم تابع لخلقه إياهم فملكه من كمال ربوبيته، وكونه إلههم الحق من كمال ملكه، فربوبيته تستلزم ملكه وتقتضيه، وملكه يستلزم إلهيته وتقتضيها، وقد اشتملت هذه الإضافات الثلاث على جميع قواعد الإيمان، وتضمنت معاني أسمائه الحسنى، فإن
стр. 11743
الرب هو القادر الخالق إلى غير ذلك مما يتوقف الإصلاح والرحمة والقدرة التي هي معنى الربوبية عليه من أوصاف الجمال، والملك هو الآمر الناهي المعز المذل - إلى غير ذلك من الأسماء العائدة إلى العظمة والجلال، وأما الإله فهو الجامع لجميع صفات الكمال ونعوت الجلال، فيدخل فيه جميع الأسماء الحسنى، فلتضمنها جميع معاني الأسماء كان المستعيذ جديراً بأن يعوذ، وقد وقع ترتيبها على الوجه الأكمل الدال على الوحدانية، لأن من رأى ما عليه من النعم الظاهرة والباطنة، علم أن له مربياً، فإذا تغلغل في العروج في درج معارفه علم أنه غني عن الكل، والكل إليه محتاج، وعن أمره تجري أمورهم، فيعلم أنه ملكهم، ثم يعلم بانفراد بتدبيرهم بعد إبداعهم أنه المستحق للإلهية بلا مشارك له فيها، فقد أجمع القراء في هذه السورة على إسقاط الألف من ﴿ملك﴾ بخلاف الفاتحة كما مضى لأن الملك إذا أضيف إلى ﴿اليوم﴾ أفهم اختصاصه بجميع ما فيه من جوهر وعرض، وأنه لا أمر لأحد معه ولا مشاركة في شيء من ذلك، وهو معنى الملك - بالضم، وأما إضافة المالك إلى الناس فإنها تستلزم أن يكون ملكهم، فلو قرىء به هنا لنقص المعنى، وأطبقوا في آل عمران على إثبات الألف في المضاف وحذفها من المضاف
стр. 11744
إليه لأن المقصود بالسياق أنه يعطي الملك من يشاء ويمنعه من يشاء، والملك - بكسر الميم - أليق بهذا المعنى، وأسرار كلام الله أعظم من أن تحيط بها العقول، وإنما غاية أولي العلم الاستدلال بما ظهر منها على ما وراءه، وأن باديه إلى الخافي يشير.
ولما أكمل الاستعاذة من جميع وجوهها التي مدارها الإحسان أو العظمة أو القهر أو الإذعان والتذلل، ذكر المستعاذ منه فقال: ﴿من شر الوسواس *﴾ هو اسم بمعنى الوسوسة كالزلزال بمعنى الزلزلة، والمراد بالموسوس، سمي بفعله مبالغة لأنه صفته التي هو غاية الضراوة عليها كما بولغ في العادل بتسميته بالعدل، والوسوسة الكلام الخفي: إلقاء المعاني إلى القلب في خفاء وتكرير، كما أن الكلمة الدالة عليها «وس» مكررة، وأصلها صوت الحلي، وحديث النفس، وهمس الكلاب، ضوعف لفظه مناسبة لمعناه لأن الموسوس يكرر ما ينفثه في القلب ويؤكده في خفاء ليقبل، ومصدره بالكسر كالزلزال كما قال تعالى: ﴿وزلزلوا زلزالاً شديداً﴾ [الأحزاب: ١١] وكل مضاعف من الزلزلة والرضرضة معناه متكرر، والموسوس من
стр. 11745
الجن يجري من ابن آدم مجرى الدم - كما في الصحيح، فهو يوسوس بالذنب سراً ليكون أجلى، ولا يزال يزينه ويثير الشهوة الداعية إليه حتى يواقعه الإنسان، فإذا واقعه وسوس لغيره أن فلاناً فعل كذا حتى يفضحه بذلك، فإذا افتضح ازداد جرأة على أمثال ذلك لأنه يقول: قد وقع ما كنت أحذره من القالة، فلا يكون شيء غير الذي كان، وشره التحبيب إلى الإنسان بما يميل إليه طبعه حتى يشاكله في رذيلة الطبع وظلمة النفس، فينشأ من ذلك شرور لازمة ومتعدية أضرها الكبر والإعجاب اللذان أهلكا الشيطان، فيوقع الإنسان بها فيما أوقع نفسه فيه، وينشأ من الكبر الحقد والحسد يترشح منه بطر الحق - وهو عدم قبوله، ومنه الكفر والفسوق والعصيان، وغمص الناس - وهو احتقارهم المعلوم من قول الشيطان
﴿أنا خير منه﴾ [الأعراف: ١٢] ومنه تنشأ الاستهانة بأولياء الله تعالى بترك احترامهم ومنع حقوقهم والاعتداء عليهم والظلم لهم، ويترشح من الحقد الذي هو العداوة العظيمة إمساك الخير والإحسان وبسط اللسان واليد بكل سوء وإيذاء، ويترشح من الحسد إفساد ذات البين كما يشير إليه ﴿ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة﴾ [الأعراف: ٢٠] الآية والكذب والمخادعة كما عرف به ﴿وقاسمهما إني لكما لمن
стр. 11746
الناصحين فدلاهما بغرور﴾ [الأعراف: ٢١] ويترشح عن الإعجاب التسخط للقضاء والقدر كما آذن به ﴿قال أأسجد لمن خلقت طيناً﴾ [الإسراء: ٦١] ومقابلة الأمر بالعلم بما أشعر به ﴿لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال﴾ [الحجر: ٣٣] ، واستعمال القياس في مقابلة النص بما هدى إليه ﴿أنا خير منه﴾ [الأعراف: ١٢] الآية، واستعمال التحسين والتقبيح بما أفهمه ﴿لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون﴾ والإذلال وهو الجرأة على المخالفات فينشأ عن ذلك شرور متعدية، وهي السعي في إفساد العقائد والأخلاق والأعمال والأبدان والأرزاق، ثم لا يزال يتحبب إلى الإنسان بما يميل إليه طبعه من هذه الخبائث وهو يوافقه فيها حتى يصير له أخلاقاً راسخة، فيصير رديء الطبع فلا ينفع فيه العلاج، بل لا يزيده إلا خبثاً كإبليس، ومن كان أصله طيباً واكتسب ما يخالفه بسبب عارض كان ممكن الإزالة كالعلاج كما وقع لآدم ﵊.
ولما كان الملك الأعظم سبحانه لم ينزل داء إلا أنزل له دواء، وكان قد جعل دواء الوسوسة ذكره ، فإنه يطرد الشيطان وينير القلب ويصفيه، وصف فعل الموسوس عند استعمال الدواء إعلاماً بأنه شديد العداوة للإنسان ليشتد حذره منه وبعده عنه فقال: ﴿الخناس *﴾ أي الذي عادته أن يخنس أي يتوارى ويتأخر
стр. 11747
ويختفي بعد ظهوره مرة بعد مرة، كلما كان الذكر خنس، وكلما بطل عاد إلى وسواسه، فالذكر له كالمقامع التي تقمع المفسد، فهو شديد النفور منه، ولهذا يكون شيطان المؤمن هزيلاً كما ورد عن بعض السلف أن المؤمن ينفي شيطانه كما ينفي الرجل بعيره في السقر، قال البغوي: له خرطوم كخرطوم الكلب في صدر الإنسان، ويقال: رأسه كرأس الحية واضع رأسه على يمين القلب يحدثه، فإذا ذكر الله خنس، وإذا لم يذكر الله رجع ووضع رأسه - خزاه الله تعالى.
ولما ذكر صفة المستعاذ منه، ذكر إبرازه لصفته بالفعل فقال: ﴿الذي يوسوس﴾ أي يلقي المعاني الضارة على وجه الخفاء والتكرير بحيث تصل مفاهيمها من غير سماع، وأشار إلى كثرة وسوسته بذكر الصدر الذي هو ساحة القلب ومسكنه فقال: ﴿في صدور الناس *﴾ أي المضطربين إذا غفلوا عن ذكر ربهم، فإنها دهاليز القلوب منها تدخل الواردات إليها، وذلك كالقوة الوهمية فإن العقل يساعد في المقدمات الحقة المنتجة للأمر المقطوع به، فإذا وصل الأمر إلى ذلك خنست الواهمة ريثما يفتر العقل عن النتيجة فترة ما، فتأخذ الواهمة
стр. 11748
في الوسوسة وتقبل منها الطبيعة بما لها بها من مجانسة الظلمة الوهمية، والناس - قال في القاموس: يكون من الإنس ومن الجن، جمع إنس أصله أناس جمع عزيز أدخل عليه أل - انتهى، ولعل إطلاقه على هذين المتقابلين بالنظر إلى النوس الذي أصله الاضطراب والتذبذب فيكون منحوتاً من الأصلين: الانس والنوس، ومن ثالث وهو النسيان.
ولما كان الذي يعلّم الإنسان الشر تارة من الجن وأخرى من الإنس، قال مبيناً للوسواس تحذيراً من شياطين الإنس كالتحذير من شياطين الجن، مقدماً الأهم الأضر، ويجوز أن يكون بياناً ل «الناس» ولا تعسف فيه لما علم من نقل القاموس: ﴿من الجنة﴾ أي الجن الذين في غاية الشر والتمرد والخفاء ﴿والناس *﴾ أي أهل الاضطراب والذبذبة سواء كانوا من الإنس أو الجن، فيكون المعنى أن الجن مسلط بعضهم على بعض كما هم مسلطون على الإنس أو الجن، فيكون المعنى أن الجن مسلط بعضهم على بعض كما هم مسلطون على الإنس، فيدخل شيطان الجن في الجني كما يدخل في الإنسي ويوسوس له - قاله البغوي عن الكلبي، وقال: ذكر عن بعض العرب أنه قال: جاء قوم من الجن فوقفوا فقيل: من أنتم؟ قالوا: أناس من الجن، قال: وهذا معنى قول الفراء.
стр. 11749
وقد ختمت السورة بما بدئت به، والمعنى الثاني أوفق برد آخرها على أولها فإنه يكون شرحاً للناس الذين أضيفت لهم الصفات العلى، والخواطر الواردة على الإنسان قد تكون وسوسة، وقد تكون إلهاماً، والإلهام تارة يكون من الله بلا واسطة، وتارة يكون بواسطة الملك، ويكون كل منهما في القلب، والوسوسة تارة من الشيطان، وأخرى من النفس، وكلاهما يكون في الصدر، فإن كان الإنسان مراقباً دفع عن نفسه الضار، وإلا هجمت الواردات عليه وتمكنت منه ويتميز خير الخواطر من شرها بقانون الشرع على أن الأمر مشكل، فإن الشيطان يجتهد في التلبيس، فإن وافق الشرع فلينظر، فإن كان فعله ذلك الحين أولى من غير تفويت لفضيلة أخرى هي أولى منه بادر إليه وإن كان الخاطر دنيوياً وأدى الفكر إلى أنه نافع من غير مخالفة للشرع زاد على شدة تأمله الاستشارة لمن يثق بدينه وعقله، ثم الاستخارة لاحتمال أن تتوافق عليه العقول، ويكون فيه خلل لتقصير وقع في النظر، وقد جعل بعضهم قانون الخاطر الرحماني أن ينشرح له الصدر ويطمئن
стр. 11750
إليه النفس، والشيطاني والنفسي أن ينقبض عنده الصدر وتقلق النفس بشهادة الحديث النبوي في البر والإثم، ويعرف الشيطاني بالحمل على مطلق المخالفة، فإن الشيطان لا غرض له في مخالفة بعينها، فإن حصل الذكر زال ذلك، والنفساني ملزوم شيء بعينه سواء كان نفعاً أو ضراً، ولا ينصرف عنه بالذكر، وقد يكون الشيطان إنسياً من أزواج وأولاد ومعارف، وربما كان أضر من شيطان الجن، فدواؤه المقاطعة والمجانبة بحسب القدرة، ومن أراد قانوناً عظيماً لمن يصاحب ومن يجانب فعليه بآية الكهف
﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً﴾ [الكهف: ٢٨] وكما رجع مقطعها على مطلعها كذلك كان من المناسبات العظيمة مناسبة معناها للفاتحة ليرجع مقطع القرآن على مطلعه، ويلتحم مبدؤه بمرجعه على أحسن وجه، كما تقدم بيان ذلك من سورة قريش إلى هنا سورة سورة، فنظر هذه السورة إلى الفاتحة والتحامها بها من جهة أن الفاتحة اشتملت على ثلاثة أسماء: الله والرب والملك، وزادت بكونها أم القرآن بالرحمن الرحيم، لاشتمالهما على جميع النعم الظاهرة والباطنة التي تضمنتها
стр. 11751
صفة الربوبية، وسورة الناس على الرب والملك والإله الذي هو الأصل في اسم الجلالة، واختصت الفاتحة بالاسم الذي لم يقع فيه شركة أصلاً، فلما تقرر في جميع القرآن أنه الإله الحق، وأنه لا شركة لغيره في الإلهية يحق بوجه من الوجوه كما أنه لا شركة في الاسم الأعظم الذي افتتح به القرآن أصلاً بحق ولا بباطل، ختم القرآن الكريم به معبراً عنه بالإله لوضوح الأمر وانتفاء اللبس بالكلية، وصار الاختتام مما كان به الافتتاح على الوجه الأجلى والترتيب الأولي، وبقي الاسمان الآخران على نظمهما، فيصير النظم إذا ألصقت آخر الناس بأول الفاتحة «إله ملك رب الله رب - رحمن رحيم ملك» إعلاماً بأن مسمى الأسم الأعظم هو الإله الحق، وهو الملك الأعظم لأنه له الإبداع وحسن التربية والرحمة والعامة والخاصة، وحاصل سورة الناس الاستعاذة بهذا الرب الموصوف من وسوسة الصدر المثمرة للمراقبة كما أن حاصل سورة الفاتحة فراغ السر من الشواغل المقتضي لقصر الهمم عليه والبقاء في حضرته الشماء بقصر البقاء عليه والحكم بالفناء على ما سواه، وذلك هو أعلى درجات المراقبة، فإذا أراد الحق إعانة عبد حمله على الاستعانة بالاستعاذة فيسر عليه صدق التوكل، فحينئذ يصير
стр. 11752
عابداً صادقاً في العبودية فيكون إلهه سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وينبغي أنه كلما زاده تقريباً ازداد له عبادة حتى ينفك من مكر الشيطان بالموت كما قال تعالى لأقرب خلقه إليه محمد ﷺ
﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ [الحجر: ٩٩] ومن نقص من الأعمال شيئاً اعتماداً على أنه وصل فقد تزندق، وكان مثله مثل شخص في بيت مظلم أسرج فيه سراجاً فأضاء، فقال: ما أوقدت السراج إلا ليضيء البيت فقد أضاء، فلا حاجة لي الآن إلى السراج، فأطفأه فعاد الظلام كما كان، وقد ندب النبي ﷺ إلى افتتاح القرآن بعد ختمه كما أشار إليه اتصال المعنى بما بينته، وسمي ذلك الحال المرتحل، وكأن القارىء ذكر بالأمر بالاستعاذة إرادة افتتاح قراءته، فكأنه قيل: استعذ يا من ختم القرآن العظيم لتفتتحه، وكأنه لما استعاذ بما أمر به في هذه السورة قيل له: ثم ماذا تفعل؟ فقال: أفتتح، أو أنه لما أمر بالاستعاذة قال: ماذا أفعل؟ فقيل: افتتح بسم الله الرحمن الرحيم الذي تجب مراقبته عند خواتم الأمور وفواتحها، لأنه لا يكون أمر إلا به، أو أن البسملة مقول القول في ﴿قل﴾ على سبيل من ﴿أعوذ﴾ أو بدل من ﴿برب الناس﴾ وكأنه أمر بالتعوذ، والتسمية أمر بالدفع
стр. 11753
والجلب، وذلك لأنه لما أمر بهذا التعوذ - وكان قد قال سبحانه ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ [النحل: ٩٨] علم أن المراد ابتداؤه بالقرآن فنسبتها إلى الفاتحة نسبة المعلول إلى علته، فكأنه قيل: استعذ بهذا الرب الأعظم الذي لا ملك ولا إله غيره لأن له الحمد، وهو الإحاطة بكل شيء، فهو القادر على كل شيء، فهو القاهر لكل شيء في المعاد وهو الملجأ والمفزع لا إله إلا هو، فإن الاسم هو الوصف والمراد به الجنس، فمعنى بسم الله أي بوصفه أو بأوصافه الحسنى، والحمد هو الثناء بالوصف الجميل، فكأنه قيل: أعوذ برب الناس بأوصافه الحسنى لأن له الحمد وهو جميع الأوصاف الحسنى فإن البدء فيه يحتاج إلى قدرة، فله القدرة التامة، أو إلى علم فالعلم صفته، أو كرم فكذلك، والحاصل أنه كأنه قيل: تعوذ به من الشيطان بما له من الاسم الذي لم يسامه فيه أحد لكونه جامعاً لجميع الأسماء الحسنى أي الصفات التي لا يشوبها نقص خصوصاً صفة الرحمة العامة التي شملتني أكنافها، وأقامني إسعافها، ثم الرحمة الخاصة التي أنا أجدر الناس باستمطارها
стр. 11754
لما عندي من النقص المانع لي منها والمبعد لمن اتبع الحظوظ عنها، فأسأله أن يجعلني من أهلها، ويحملني في الدارين بوصلها، لأكون من أهل رضاه، فلا أعبد إلا إياه، ولك أن تقرر الاتصال والالتحام بوجه آخر ظاهر الكمال بديع النظام فتقول: لما قرب التقاء نهاية الدائرة السورية آخرها بأولها ومفصلها بموصلها اشتد تشاكل الرأسين، فكانت هذه السور الثلاثة الأخيرة مشاكلة للثلاث الأول في المقاصد، وكثرة الفضائل والفوائد: الإخلاص بسورة التوحيد آل عمران، وهو واحد، والفلق للبقرة طباقاً ووفاقاً، فإن الكتاب الذي هو مقصود سورة البقرة خير الأمر، فهي للعون بخير الأمر، والفلق للعوذ من شر الخلق المحصي لكل خير، وفي البقرة
﴿أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين﴾ [البقرة: ٦٧] ﴿يعلمون الناس السحر﴾ [البقرة: ١٠٢]- الآيات، ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم﴾ [البقرة: ١٠٩] الآية، والناس للفاتحة، فإنه إذا فرغ الصدر الذي هو مسكن القلب الذي هو مركب الروح الذي هو معدن العقل كانت المراقبة، فكان ذلك بمنزلة تقديس النفس بالتوحيد والإخلاص، ثم الاستعاذة من كل شر ظاهر ومن كل سوء باطن للتأهل لتلاوة سورة المراقبة بما دعا إليه الحال المرتحل وما بعدها
стр. 11755
من الكتاب، على غاية من السداد والصواب، وكأنه اكتفى أولاً بالاستعاذة المعروفة كما يكتفي في أوائل الأمور بأيسر مأمور، فلما ختم الختمة جوزي بتعوذ من القرآن، ترقية إلى مقام الإحسان، فاتصل الآخر بالأول أيّ اتصال بلا ارتياب، واتحد به كل اتحاد - إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب، هذا ما يسره الله من مدلولات نظومها وجملها، بالنسبة إلى مفهوماتها وعللها، وبقي النظر إلى ما يشير إليه أعداد كلماتها، بلطائف رموزها وإشاراتها، فهي عشرون كلمة توازيها إذا حسبت من أول النبوة سنة عمرة القضاء وهي السابعة من الهجرة، بها تبين الأمن مما وسوس به الشيطان سنة عمرة الحديبية من أجل رؤيا النبي ﷺ لدخول البيت والطواف به، فإذا ضممت إليها الضمائر الثلاث كانت ثلاثاً وعشرين فوازت السنة العاشرة من الهجرة وهي سنة حجة الوداع وهي القاطعة لتأثير وسواس الشيطان الذي كان في أول السنة الحادية عشرة عند موت النبي ﷺ إلى العرب بأمر الردة، فأعاذ الله من شره بهمة الصديق رضي الله تعالى عنه حتى رد الناس إلى الدين وأنزل به وسواس الشياطين المفسدين، فانتظمت كلمة المسلمين
стр. 11756
تصديقاً لقول النبي ﷺ في حجة الوداع «إن الشيطان قد أيس أن يعبد في جزيرة العرب بعد اليوم» فإذا ضممت إليها كلمات البسملة صارت سبعاً وعشرين توازي سنة استحكام أمر عمر بن الخطاب الفاروق ﵁ الذي ما سلك فجاً إلا سلك الشيطان فجاً غيره، وذلك سنة أربع عشرة من الهجرة، هذا بالنظر إلى كلماتها، فإن نظرت إليها من جهة الحروف كانت لها أسرار كبرى من جهة أخرى، منها أن كلماتها مع كلمات الفاتحة انتظمت من ستة وعشرين حرفاً وهي ما عدا الثاء المثلثة والزاء الظاء المعجة من حروف المعجم التسعة والعشرين كل واحدة منهما من اثنين وعشرين حرفاً اشتركتا في ثمانية عشر منها، واختصت كل واحدة منهما بأربعة: الفاتحة بالحاء والطاء المهملتين، والضاد والغين المعجمتين، والناس بالجيم والخاء والشين المعجمتين والفاء، وقال ابن ميلق: سقط من الفاتحة سبعة أحرف «ثج خز شظف» ، انتهى، فلعل في ذلك - والله أعلم - إشارة إلى أن - تكامل نزول القرآن من أوله إلى آخره في عدد الحروف التي اشتمل عليها كل من سورتي أوله وآخره من السنين وذلك اثنان وعشرون، والثالثة والعشرون سنة القدوم على منزله
стр. 11757
الحي القيوم ما أعظم شأنه، وأعز سلطانه، وأقوم برهانه.
وقال مؤلفه رحمه الله تعالى: وهذا تمام ما أردته من نظم الدرر من تناسب الآي والسور، ترجمان القرآن مبدي مناسبات الفرقان، التفسير الذي لم تسمع الأعصار بمثله، ولا فاض عليها من التفاسير على كثرة أعدادها كصيب وبله، فرغته في المسودة يوم الثلاثاء سابع شعبان سنة خمس وسبعين وثمانمائة، بمسجدي من رحبة باب العيد بالقاهرة المغرية، وكان ابتدائي فيه في شعبان سنة إحدى وستين، فتلك أربع عشرة سنة كاملة، وفرغته في هذه المبيضة عصر يوم الأحد عاشر شعبان سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة، بمنزلي الملاصق للمدرسة البادرائية من دمشق، فتلك اثنتان وعشرون سنة بعدد سني النبوة الزاهرة الأنيسة العلية الطاهرة المباركة الزكية، ولولا معونة الله أضحى معدوماً، أو ناقصاً مخروماً، فإني بعد ما توغلت فيه واستقامت لي مبانيه، فوصلت إلى قريب من نصفه، فبالغ الفضلاء في وصفه
стр. 11758
بحسن سبكه وغزارة معانيه وإحكام رصفه، دب داء الحسد في جماعة أولي النكد، والمكر واللدد، يريدون الرئاسة بالباطل، وكل منهم من جوهر العلم عاطل، مدّ ليل الجهل فيهم ظلامه، وأثار نقع السفه على رؤوسهم سواده وقتامه، صوبوا سهام الشرور، والأباطيل وأنواع الزور، فأكثروا التشييع بالتشنيع، والتقبيح والتبشيع، والتخطئة والتضليل، بالنقل من التوراة والإنجيل، فصنفت في ذلك الأقوال القويمة، في حكم النقل من الكتب القديمة، بينت فيه أن ذلك سنة مستقيمة، لتأييد الملة الحنيفية العظيمة، وأخرجت بذلك نص الشافعي، وكلام النووي والرافعي، واستكتبت على الكتاب: العلماء الأنجاب، فكتبوا ما أودعته «مصاعد النظر للاشراف على مقاصد السور» فأطفأ الله نارهم، وأظهر عوارهم، وشهر خزيهم وعارهم، ثم قاموا في بدعة دائم المعروف، فصنفت فيها القول المعروف، وبينت مخالفتهم للكتاب والسنة، ووقوعهم في عين الفتنة، وخرقهم لأعظم الجنة، وصريح نص الشافعي ونقول العلماء، فكانوا كمن ألقم الحجر أو ملىء فمه بالماء، ثم قاموا في فتنة ابن الفارض، وكلهم معاند معارض،
стр. 11759
وألبوا عليّ رعاع الناس، فاشتد شعاع البأس، فكادوا أن يطبقوا على الانعكاس، وصوبّوا طريق الإلحاد، وبالغوا في الرفع من أهل الاتحاد، ولجوا بالخصام في العناد، وأفتوا بمحض الباطل، وبثوا السم القاتل، إلا ناساً قليلاً كان الله بنصرهم على ضعفهم كفيلاً، فسألتهم سؤالاً، جعلهم ضلالاً جهالاً، فتداولوه فيما بينهم وتناقلوه وعجزوا عن جوابه بعد أن راموه أشد الروم، وحاولوه فظهر لأكثر الناس حالهم، واشتهر بينهم ضلالهم، وغيهم الواضح ومحالهم، وصنفت في ذلك عدة مصنفات، بانت فيها مخازيهم وظهرت المخبآت، منها «صواب الجواب للسائل المرتاب» ومنها «القارض لتكفير ابن الفارض» ومنها «تدمير المعارض في تكفير ابن الفارض» ومنها «تنبيه الغبي على تكفير ابن عربي» ومنها «تحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد» أنفقت فيها عمراً مديداً، وبددوا فيها أوقاتي - بددهم الله تبديداً، وهدد أركانهم وأعضادهم تهديداً، وقرعتهم بالعجز عن الجواب، الكاشف للارتياب، صباحاً ومساءً، وإعادة وإبداء، فحملهم التقريع، والتوبيخ والتبخيع، على كتابة جواب، لم يخل من ارتجاج واضطراب، وشك
стр. 11760
وارتياب، بينت أن جامعه أخطأ في جميعه الصواب، وكفر في أربعة مواضع كفراً صريحاً، وكذب في ثمانية فصار بذلك جريحاً، بل هالكاً طريحاً، فأطلت بذلك التقريع، والتوبيخ والتبشيع، فذلت أعناقهم، وضعف شقاقهم، وخفي نفاقهم، غير أنه حصل في كل واحدة من هذه الوقائع، من الشرور وعجائب المقدور، ما غطى ظلامه الشموس الطوالع.
وطال الأمر في ذلك سنين، وعم الكرب حتى كثر الأنين، والتضرع في الدعاء والحنين، وثبّت الله ورزق الصبر والأناة حتى أكمل هذا الكتاب، على ماتراه من الحسن والصواب.
وقد قلت مادحاً للكتاب المذكور، بماابان عنه من عجائب المقدور، وغرائب الأمور، شارحاً لحالي، وحالهم وظفر آمالي، وخيبة آمالهم من مجزوء الرجز، وضربه مقطوع، والقافية متواتر مطلق مجرد، مسمياً له ب (كتاب لمّا) لأن جل مقصوده بيان ارتباط الجمل بعضها ببعض حتى أن كل جملة تكون آخذة بحجزة ما أمامها متصلة بها، وذلك هو المظهر المقصود من الكلام وسره ولبابه، الذي هو للكلام بمنزلة الروح وبيان معاني المفردات، وكل جملة على حيالها بمنزلة الجسد، فالوح هو المقصود الأعظم يدرك ذلك من يذوق
стр. 11761
ويفهم، ويسري ذهنه في ميادين التراكيب ويعلم، و (لما) طرف يراد بها ثبوت الثاني مما دخل عليه بثوبت الأول على غاية المكنة بمعنى أنها كالشروط تطلب جملتين يلزم لذلك الملزوم، فتم الكتاب في هذا النظم ب (لما) لأني أكثرت من استعمالها فيه لهذا الغرض:
هذا كتاب لما لم المعاني لماغدت بحور علمه تمد مداً جما بشرت من يحسده بأن يموت غما فإن قصدي صالح جاهدت فيه الهما فربنا يقبله كيفية وكما فبالذي أردته لقد أحاط علما كابدت فيه زمناً من حاسدي ما غما عدوا سنين عددا يسقون قلبي السما وكم دهوني مرة وكم رموني سهما وأوسقوا قلبي أذى وأوسعوني ذما وكم بغوني عثرة فما رأوا لي جرما وفتروا من قاصدي همهمة وعزما
стр. 11762
وأوعدوهم بالأذى وأوهنوهم رجما ألقى إذا اشتد لظى أذى إذا هم رجما ألقى إذا الليل دجا وبالبلا ادلهما أذاهم وظلمهم بدعوة في الظلما أستصرخ الله بهم أقول يا اللهما يا رب إني جاهد فارفرج إلهي الغما لا ذنب لي عندهم إلا الكتاب لما جرت ينابيع الهدى منه فصارت يما صنعته وفي بحو رعلمه ما طما وقد علا تركيبه وعاد يحلو نظما عملته نصيحة لمن يحب العلما أودعته فرائداً يرقص منه الفهما تجلو العمى من لطفها وتسمع الأصماخص نفيس علمها وللأناسي عما تنطق من تغنى بها ... وإن يكونوا بكما
أفعالها جليلة ... أعيذها بالأسما
سهل ربي أمره ... عليّ حتى تما
стр. 11763
في أربع وعشرة من السنين صما قال لسان عدها دونك بدراً تما وليس يلغي ناقصاً يا صاحبي يوما أعيذه بالمصطفى من شر وغد ذما ومن حسود قد غدا من أجله مهتما فليس يبغي ذمه إلا بغيضاً أعما كفاه ربي شرهم وزان منه الأسما وردّ في تدبيرهم تدميرهم والغرما وردّهم بغيظهم لما ينالوا غلما وزاده سعادة ولازمته النعما
قال ذلك منشبه أحوج الخلائق إلى عفو الخالق أبو الحسن إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي الشافعي رحمه الله تعالى قائلاً: الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً دائماً أبداً إلى يوم الدين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وكان الفراغ من هذا الجزء على يد أقل عبيد الله وأحوجهم إلى لطف الله وعفوه عبد الكريم بن علي بن محمد المحولي الشافعي نزيل بلد الله الحرام - غفر الله له ولوالديه ولمشايخه وللمسلمين -. . .
بمكة المشرفة في يوم السبت المبارك الساجس والعشرين من شهر صفر الخير سنة أربع وأربعين وتسعمائة، وقد تجاوز سني الآن خمسة وسبعين عاماً - أسأل الله حسن الخاتمة والثبات على دين الإسلام والوفاة بأحد حرميه بمنه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً دائماً أبداً إلى يوم الدين وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العي العظيم.
قال ذلك منشبه أحوج الخلائق إلى عفو الخالق أبو الحسن إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي الشافعي رحمه الله تعالى قائلاً: الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً دائماً أبداً إلى يوم الدين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وكان الفراغ من هذا الجزء على يد أقل عبيد الله وأحوجهم إلى لطف الله وعفوه عبد الكريم بن علي بن محمد المحولي الشافعي نزيل بلد
стр. 11764
الله الحرام - غفر الله له ولوالديه ولمشايخه وللمسلمين -. . . بمكة المشرفة في يوم السبت المبارك السادس والعشرين من شهر صفر الخير سنة أربع وأربعين وتسعمائة، وقد تجاوز سني الآن خمسة وسبعين عاماً - أسأل الله حسن الخاتمة والثبات على دين الإسلام والوفاة بأحد حرميه بمنه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً دائماً أبداً إلى يوم الدين وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وقال بعض تلامذة المصنف وهو العرس خليل بن موسى المقرىء مادحاً للكتاب المذكور المسمى ب «لما» :
برهان دين الله أضحى موضحاً ... أسرار قول الله في القرآن
وأتى بما ترك الورى من بعده ... تمشي الورا أبداً مدى الأزمان
فمن ادعى نسجاً على منواله ... فقد ادعى ما ليس في الإمكان
وإذا المفسر رام يوماً أنه ... بمثاله يأتي بلا إذعان
قلنا له فسر وقايس بعد ذا ... ولنا الدليل عليك بالبرهان
وكان الفراغ من نسخ هذا النصف الأخير من الكتاب المسمى ب «لما» مناسبات القرآن العظيم على من أنزل عليه أفضل الصلاة والسلام في
стр. 11765
الليلة الثالثة عشرة من شهر جمادى الأولى من شهور سنة سبع وتسعين وألف على يد أحقر العباد، وأحوجهم إلى مغفرة ربه الجواد، محمد بن أحمد البدرشيني بلداً، الشافعي مذهباً، مصلياً ومسلماً على أفضل وأكمل وأجمل خلق الله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته وأهل بيته الطيبين الطاهرين صلاة وسلاماً دائمين متلازمين بدوام ملك الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل آمين آمين.
إن تلق عيباً فلا تعجل بسبك لي ... إني امرؤ لست معصوماً من الزلل