Полный текст (11 765 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
لأن الإنسان في حال الوصال لا يدري ما يكون حاله بعده ولا تفيده الأولى كمال التجربة فقد يحصل له نوع شك بعدها وفي الثانية يضعف ذلك جداً ويقرب الحال من التحقق فلا يحمل على الفراق بعدها إلا قلة التأمل ومحض الخرق بالعجلة المنهي عنها ﴿فإن طلقها﴾ أي الثاني وتعبيره بإن التي للشك للتنبيه على أنه متى شرط الطلاق على المحلل بطل العقد بخروجه عن دائرة الحدود المذكورة. لأن النكاح كما قال الحرالي عقد حرمة مؤبدة لا حد متعة مؤقتة فلذلك لم يكن الاستمتاع إلى أمد محللاً في السنة وعند الأئمة لما يفرق بين النكاح والمتعة من التأبيد والتحديد - انتهى.
﴿فلا جناح عليهما﴾ أي على المرأة ومطلقها الأول ﴿أن يتراجعا﴾ بعقد جديد بعد عدة طلاق الثاني المعلومة مما تقدم من قوله: ﴿والمطلقات يتربصن﴾ وهذه مطلقة إلى ما كانا فيه من النكاح ﴿إن ظنا﴾ أي وقع في ظن كل منهما ﴿أن يقيما حدود الله﴾ أي الذي له الكمال كله التي
стр. 1192
حدها لهما في العشرة. قال الحرالي: لما جعل الطلاق سراحاً جعل تجديد النكاح مراجعة كل ذلك إيذاناً بأن الرجعة للزوج أولى من تجديد الغير - انتهى.
ولما كان الدين مع سهولته ويسره شديداً لن يشاده أحد إلا غلبه وكانت الأحكام مع وضوحها قد تخفى لما في تنزيل الكليات على الجزئيات من الدقة لأن الجزئي الواحد قد يتجاذبه كليان فأكثر فلا تجردها من مواقع الشبه إلا من نور الله بصيرته عطف على تلك الماضية تعظيماً للحدود قوله: ﴿وتلك﴾ أي الأحكام المتناهية في مدارج العظم ومراتب الحكم ﴿حدود الله﴾ أي العظيمة بإضافتها إليه وبتعليقها بالاسم الأعظم ﴿يبينها﴾ أي يكشف اللبس عنها بتنوير القلب ﴿لقوم﴾ فيهم نهضة وجد في الاجتهاد وقيام وكفاية ﴿يعلمون *﴾ أي يجددون النظر والتأمل بغاية الاجتهاد في كل وقت فبذلك يعطيهم الله ملكة يميزون بها ما يلبس على غيرهم ﴿أن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً﴾ [الأنفال: ٢٩] ﴿واتقوا الله ويعلمكم الله﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
ولما ذكر الطلاق رجعية وبائنة عقبه ببيان وصف الرجعة من الحل والحرمة وبيان وقتها وتحديده والإشارة إلى تصوير بعض
стр. 1193
صور المضارة ترهيباً منها فليست الآية مكررة فقال: ﴿وإذا طلقتم النساء﴾ أي طلاقاً رجعياً والمراد من يملك نكاحها من هذا النوع الشامل للقليل والكثير ولم يقل: نساءكم، لئلا تفهم الإضافة أن لطلاقهم غير نسائهم حكماً مغائراً لهذا في بلوغ الأجل مثلاً ونحوه.
ولما كانت إباحة الرجعة في آخر العدة دالة على إباحتها فيما قبل ذلك بطريق الأولى وكان من المقطوع به عقلاً أن لما بعد الأجل حكماً غير الحكم الذي كان له قبله لم يكن التعبير بالبلوغ ملبساً وكان التعبير به مفيداً أقصى ما يمكن به المضارة فقال: ﴿فبلغن أجلهن﴾ أي شارفن انقضاء العدة، بدليل الأمر بالإمساك لأنه لا يتأتى بعد
стр. 1194
الأجل. وقال الحرالي: ولما كان للحد المحدود الفاصل بين أمرين متقابلين بلوغ وهو الانتهاء إلى أول حده وقرار وهو الثبات عليه ومجاوزة لحده ذكر البلوغ الذي هو الانتهاء إلى أول الحد دون المجاوزة والمحل، والأجل مشارفة انقضاء أمد الأمر حيث يكون منه ملجأ الذي هو مقلوبه كأنه مشارفة فراغ المدة - انتهى ﴿فأمسكوهن﴾ أي بالمراجعة إن أردتم ولو في أخر لحظة من العدة ﴿بمعروف﴾ أي بحال حسنة تحمد عاقبتها، ونكره إشعاراً بأنه لا يشترط فيه رضى المرأة ﴿أو سرحوهن بمعروف﴾ بأن تتركوهن حتى تنقضي العدة فيملكن أنفسهن من غير تلبيس بدعوى ولا تضييق في شيء من الأشياء.
стр. 1195
وقال الحرالي: هذا معروف الإمتاع والإحسان وهو غير معروف الإمساك، ولذلك فرقه الخطاب ولم يكن: فأمسكوهن أو سرحوهن بمعروف - انتهى.
ولما كان المعروف يعم كل خير وكان الأمر به لا يفيد التكرار خص ترك الشر اهتماماً به معبراً بما يتناول جميع الأوقات فقال: ﴿ولا تمسكوهن﴾ أي بالمراجعة في آخر العدة ﴿ضراراً﴾ كما كان في الجاهلية ﴿لتعتدوا﴾ أي قاصدين بذلك التوصل إلى شيء من مجاوزة الحدود التي بينت لكم مثل أن يريد تطويل العدة عليها فإنه قد يفضي إلى اعتدادها تسعة أشهر.
ولما كان التقدير: فمن يفعل ذلك فقد ظلم زوجه عطف عليه زيادة في التنفير عنه قوله: ﴿ومن يفعل ذلك﴾ أي الفعل البعيد عن الخير، وفي التعبير بالمضارع إشعار بأن في الأمة من يتمادى على فعله ﴿فقد ظلم نفسه﴾ أي بتعريضها لسخط الله عليه ونفرة الناس منه.
ولما كان قد لا يقصد شيئاً من انتهاك الحرمات ولا من المصالح فكان مقدماً على ما لا يعلم أو يظن له عاقبة حميدة تهاوناً بالنظر وكان فاعل ذلك شبيهاً بالهازىء كما يقال لمن لا يجد فى أمر: هو لاعب، قال: ﴿ولا تتخذوا آيات الله﴾ أي مع ما تعلمون من عظمتها بعظمة
стр. 1196
ناصبها ﴿هزواً﴾ بإهمالها عن قصد المصالح الذي هو زوجها.
ولما كان على العبد أن يقتفي أثر السيد في جميع أفعاله قال: ﴿واذكروا نعمة الله﴾ أي الذي له الكمال كله ثم عبر بأداة الاستعلاء إشارة إلى عموم النعم وغلبتها فقال: ﴿عليكم﴾ هل ترون فيها شيئاً من وادي العبث بخلوه عن حكمة ظاهرة ﴿وما﴾ أي وخصوا بالذكر الذي ﴿أنزل عليكم من الكتاب﴾ الذي فاق جميع الكتب وعلا عن المعارضة فغلب جميع الخلق بما أفادته أداة الاستعلاء ﴿والحكمة﴾ التي بثها فيه وفي سنة نبيه ﷺ حال كونه ﴿يعظكم﴾ أي يذكر بما يرقق قلوبكم ﴿به﴾ أي بذلك كله ﴿واتقوا الله﴾ أي بالغوا في الخوف ممن له الإحاطة بجميع صفات الكمال باستحضار
стр. 1197
ما له من العظمة التي لا تتناهى ونبه على عظيم أمره بقوله: ﴿واعلموا﴾ وبتكرير الاسم الأعظم في قوله: ﴿أن الله﴾ فلم يبق وراء ذلك مرمى ﴿بكل شيء﴾ أي من أمور النكاح وغيرها ﴿عليم *﴾ أي بالغ العلم فاحذروه حذر من يعلم أنه بحضرته وكل ما يعمله من سر وعلن فبعينه. قال الحرالي: والتهديد بالعلم منتهى التحديد - انتهى.
ولما نهى عن الضرار في العصمة وفي أثرها الذي هو العدة أتبعه النهي عما كان منه بعد انقضائها بالعضل من كل من يتصور منه عضل لكن لما كان نهي الأولياء إذا كانوا أزواجاً نهياً لغيرهم بطريق الأولى أسنده إلى الأزواج وهم في غمارهم فقال: ﴿وإذا طلقتم﴾ أي أيها الأزواج، وأظهر ولم يضمر لأن المذكور هنا أعم من الأول فقال: ﴿النساء﴾ أيّ طلاق كان ﴿فبلغن أجلهن﴾ أي
стр. 1198
انقضت عدتهن فقد دل سياق الكلامين على اختلاف البلوغين - نقله الأصبهاني عن الشافعي يعني أن الأول دل على المشارفة للأمر بالإمساك وهذا على الحقيقة للنهي عن العضل ﴿فلا تعضلوهن﴾ أي تمنعوهن أيها الأولياء أزواجاً كنتم أو غير أزواج، والعضل قال الحرالي هو أسوأ المنع، من عضلت الدجاجة إذا نشبت بيضتها فيها حتى تهلك - انتهى.
стр. 1199
﴿أن ينكحن أزواجهن﴾ أي الذين طلقوهن وغيرهم، وسموا أزواجاً لمآل أمرهم إلى ذلك كما أن المطلقين سموا أزواجاً بما كان؛ واستدل الشافعي رضي الله تعالى عنه ورحمه بها على أنه لا نكاح إلا بولي، لأن التعبير بالعضل دال على المنع الشديد المعبر من الداء العضال، وإن عضل من غير كفوء جاز ولم تزوج منه ولو كانت المرأة تزوج نفسها لما كان إعياء ولا يثبت عضله الممنوع ليحصل عزله إلا إذا منع عند الحاكم وقد بينت ذلك السنة. وهذه الآية من عجائب أمر الاحتباك ﴿طلقتم﴾ يفهم الأزواج من ﴿تعضلوهن﴾
стр. 1200
و ﴿تعضلوهن﴾ يفهم الأولياء من ﴿طلقتم﴾ وقد بينت ذلك في كتابي الإدراك ﴿إذا تراضوا﴾ أي النساء والأزواج الأكفاء بما أفهمته الإضافة دون أن يقال: أزواجاً لهن مثلاً. ولما كان الرضى ينبغي أن يكون على العدل أشار إليه بقوله: ﴿بينهم﴾ ولما كانا قد يتراضيان على ما لا ينبغي قيده بقوله: ﴿بالمعروف﴾ فإن تراضوا على غيره كما لو كان الزوج غير كفوء فاعضلوهن، وعرفه كما قال الحرالي لاجتماع معروفين منهما فكان مجموعهما المعروف التام وأما المنكر فوصف أحدهما - انتهى.
ولما ذكر الأحكام مبيناً لحكمها فكان ﴿ذلك﴾ وعظاً وكان أكثر الناس يظن أن الوعظ مغائر للأحكام أقبل على المختار للكمال فقال: ذلك الأمر العظيم يا أيها الرسول ﴿يوعظ﴾ أي يرقق ﴿به﴾ قلوب ﴿من كان﴾ والوعظ قال الحرالي إهزاز النفس بموعود الجزاء ووعيده - انتهى. فهو تهديد لمن تشق عليه الأحكام وهم الأكثر.
ولما كان من أتباعه ﷺ من جاهد نفسه حتى صار أهلاً لفهم الدقائق وإدراك الإشارات والرقائق فألقى كليته للسماع
стр. 1201
لحظه بقوله: ﴿منكم﴾ معلماً أن الخطاب في الحقيقة لكل فاهم، وإنما قيد بهم لأنهم المنتفعون به الفاهمون له لما لهم من رقة القلوب الناشئة عن الإذعان لأن الخطاب وإن كان بالأحكام فهو وعظ يتضمن الترهيب كما يتضمن الترغيب ولما كان من الحكمة أن من لا ينتفع بشيء لا يقصد به أشار إلى ذلك بقوله: ﴿يؤمن بالله﴾ أي لما له من العظمة ﴿واليوم الآخر﴾ خوفاً من الفضيحة فيه، وفي تسميته وعظاً إفهام بأن من تجاوز حداً في غيره سلط عليه من يتجاوز فيه حداً.
قال الحرالي: لأن من فعل شيئاً فعل به نحوه كأنه من عضل عن زوج عضل ولي آخر عنه حين يكون هو زوجاً، ومن زنى زنى به ﴿سيجزيهم وصفهم﴾ [الأنعام: ١٣٩] .
فلما وقع ما هيجوا إليه من كمال الإصغاء قال مقبلاً عليهم: ﴿ذلكم﴾ أي الأمر العظيم الشأن ﴿أزكى لكم﴾ أي أشد تنمية
стр. 1202
وتكثيراً وتنقية وتطهيراً بما يحصل منه بينكم من المودة والبركة من الله ﴿وأطهر﴾ للقلوب. ولما كان وصف المتكلم بالعلم أدعى لقبول من دونه منه قال مظهراً ومعيداً للاسم الأعظم تعظيماً للأمر: ﴿والله﴾ أي أشير إليكم بهذا والحال أن الملك الأعظم ﴿يعلم﴾ أي له هذا الوصف ﴿وأنتم لا تعلمون*﴾ أي ليس لكم هذا الوصف بالذات لا في الحال ولا في الاستقبال لما أفهمه النفي بكلمة لا وصيغة الدوام.
стр. 1203
ولما كان النكاح قد يكون عنه ولادة فيكون عنها رضاع وقد تكون المرضعة زوجة وقد تكون أجنبية والزوجة قد تكون متصلة وقد تكون منفصلة وكان الفراق بالطلاق أكثر منه بالموت وسّطه بين عدتي الطلاق والوفاة لإدلائه إلى كل بسبب واهتماماً بشأنه وحثاً على الشفقة على الصغير وشدة العناية بأمره لأن الأم ربما كانت مطلقة فاستهانت بالولد إيذاء للزوج إن كان الطلاق عن شقاق أو رغبة في زوج آخر، وكذا الأب فقال تعالى عاطفاً على ما تقديره مثلاً: فالنساء لهن أحكام كثيرة وقد علمتم منها هنا أصولاً تفهم من بصره الله كثيراً من الفروع، والمطلقات إن لم يكن بينكم وبينهن علقة بولادة أو نحوها فلا سبيل لكم عليهن. وقال الحرالي: لما ذكر أحكام الاشتجار بين الأزواج التي عظم متنزل الكتاب لأجلها وكان من حكم تواشج الأزواج وقوع الولد وأحكام الرضاع
стр. 1204
نظم به عطفاً أيضاً على معاني ما يتجاوزه الإفصاح ويتضمنه الإفهام لما قد علم من أن إفهام القرآن أضعاف إفصاحه بما لا يكاد ينتهي عده فلذلك يكثر فيه الخطاب عطفاً أي على غير مذكور ليكون الإفصاح أبداً مشعراً بإفهام يناله من وهب روح العقل من الفهم كما ينال فقه الإفصاح من وهبه الله نفس العقل الذي هو العلم؛ انتهى - فقال تعالى: ﴿والوالدات﴾ أي من المطلقات وغيرهن، وأمرهن بالإرضاع في صيغة الخبر الذي من شأنه أن يكون قد فعل وتم تنبيهاً على تأكيده وإن كان الندب بما أفهمه إيجاب الأجرة لهن هنا وفي سورة الطلاق وما يأتي من الاسترضاع فقال: ﴿يرضعن أولادهن﴾ قال الحرالي: جعل تعالى
стр. 1205
الأم أرض النسل الذي يغتذي من غذائها في البطن دماً كما يغتذي أعضاؤها من دمها فكان لذلك لبنها أولى بولدها من غيرها ليكون مغذاه وليداً من مغذاه جنيناً فكان الأحق أن يرضعن أولادهن، وذكره بالأولاد ليعم الذكور والإناث؛ وقال: الرضاعة التغذية بما يذهب الضراعة وهو الضعف والنحول بالرزق الجامع الذي هو طعام وشراب وهو اللبن الذي مكانه الثدي من المرأة والضرع من ذات الظلف - انتهى.
ولما ذكر الرضاع ذكر مدته ولما كان المقصود مجرد تحول الزمان بفصوله الأربعة ورجوع الشمس بعد قطع البروج الاثني عشر إلى البرج الذي كانت فيه عند الولادة وليس المراد الإشعار بمدح الزمان ولا ذمه ولا وصفه بضيق ولا سعة عبر بما يدل على مطلق التحول فقال: ﴿حولين﴾ والحول تمام القوة في الشيء الذي ينتهي لدورة
стр. 1206
الشمس وهو العام الذي يجمع كمال النبات الذي يتم فيه قواه - قاله الحرالي. وكأنه مأخوذ مما له قوة التحويل. ولما كان الشيء قد يطلق على معظمه مجازاً فيصح أن يراد حول وبعض الثاني بين أن المراد الحقيقة قطعاً لتنازع الزوجين في مدة الرضاع وإعلاماً بالوقت المقيد للتحريم كما قال ﷺ «إنما الرضاعة من المجاعة» بقوله: ﴿كاملين﴾ ولما كان ذلك ربما أفهم وجوب الكمال نفاه بقوله: ﴿لمن﴾ أي هذا الحكم لمن ﴿أراد أن يتم
стр. 1207
الرضاعة﴾ فأفهم أنه يجوز الفطام للمصلحة قبل ذلك وأنه لا رضاع بعد التمام. وقال الحرالي: وهو أي الذي يكتفى به دون التمام هو ما جمعه قوله تعالى: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهراً﴾ [الأحقاف: ١٥] فإذا كان الحمل تسعاً كان الرضاع أحداً وعشرين شهراً، وإذا كان حولين كان المجموع ثلاثاً وثلاثين شهراً فيكون ثلاثة آحاد وثلاثة عقود فيكون ذلك تمام الحمل والرضاع ليجتمع في الثلاثين تمام الرضاع وكفاية الحمل - انتهى.
ولما أوهم أن ذلك يكون مجاناً نفاه بقوله: ﴿وعلى﴾ ولما كانت الوالدية لا تتحقق في الرجل كما تتحقق في المرأة وكان النسب يكتفى فيه بالفراش وكان للرجل دون المرأة فقال: ﴿المولود له﴾ أي على فراشه ﴿رزقهن﴾ أي المرضعات لأجل الرضاع سواء كن
стр. 1208
متصلات أو منفصلات فلو نشزت المتصلة لم يسقط وإن سقط ما يخص الزوجية. فلما كان اشتغالها بالرضاع عن كل ما يريده الزوج من الاستمتاع ربما أوهم سقوط الكسوة ذكرها فقال: ﴿وكسوتهن﴾ أجرة لهن. قال الحرالي: الكسوة رياش الآدمي الذي يستر ما ينبغي ستره من الذكر والأنثى وقال: فأشعرت إضافة الرزق والكسوة إليهن باعتبار حال المرأة فيه وعادتها بالسنة لا بالبدعة - انتهى.
ولما كان الحال مختلفاً في النفقة والكسوة باختلاف أحوال الرجال والنساء قال: ﴿بالمعروف﴾ أي - من حال كل منهما. قال الحرالي: فأكد ما أفهمته الإضافة وصرح الخطاب بإجماله - انتهى. ثم علله أو فسره بالحنيفية التي منَّ علينا بها فقال: ﴿لا تكلف﴾ قال الحرالي: من التكليف وهو أن يحمل المرء على أن يكلف بالأمر كلفة بالأشياء التي يدعوه إليها طبعه ﴿نفس﴾ أي لا يقع تكليفها وإن كان له أن يفعل ما يشاء ﴿إلا وسعها﴾ أي ما تسعه وتطيقه لا كما فعل سبحانه بمن قبل،
стр. 1209
كان أحدهم يقرض ما أصاب البول من جلده بالمقراض والوسع قال الحرالي ما يتأتى بمنة وكمال قوة.
ولما كانت نتيجة ذلك حصول النفع ودفع الضر قال: ﴿لا تضآر والدة بولدها﴾ أي لا تضر المنفق به ولا يضرها، وضم الراء ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب على الخير وهو آكد، وفتح الباقون على النهي، ويحتمل فيها البناء للفاعل والمفعول ﴿ولا مولود له
стр. 1210
بولده﴾ أي المولود على فراشه ليس له أن يضر الوالدة به وليس لها أن تضره به ولا أن تضر الولد بتفريط ونحوه حملاً للمفاعلة على الفعل المجرد، وكل من أسند المضارة إليه أضاف إليه الولد استعطافاً له عليه وتحريكاً لطبعه إلى مزيد نفعه. قال الحرالي: ففيه إيذان بأن لا يمنع الوالد الأم أن ترضع ولدها فيضرها في فقدها له ولا يسيء معاملتها في رزقها وكسوتها بسبب ولدها، فكما لم يصلح أن يمسكها زوجة إلا بمعروف لم يصلح أن يسترضعها إلا بالمعروف ولا يتم المعروف إلا بالبراءة من المضارة. وفي إشعاره تحذير الوالدات من ترك أولادهن لقصد الإضرار مع ميل الطبع إلى القيام بهم وكذلك في إشعاره أن لا تضره في سرف رزق ولا كسوة - انتهى.
ولما تم الأمر بالمعروف وما تبعه من تفسيره وكان ذلك على تقدير وجود الوالد إذ ذاك بين الحال بعده فقال: ﴿وعلى الوارث﴾ أي
стр. 1211
وارث الوالد وهو الرضيع ﴿مثل ذلك﴾ أي المأمور به من المعروف على ما فسره به في ماله إن مات والده والوارث. قال الحرالي: المتلقى من الأحياء عن الموتى ما كان لهم من حق أو مال - انتهى. وقيل في الوارث غير ذلك لأنه تقدم ذكر الوالدات والولد والمولود له فاحتمل أن يضاف الوارث إلى كل منهم.
ولما بين أمد الرضاع وأمر النفقة صرح بما أفهمه الكلام من جواز الفطام قبل التمام فقال مسبباً عما أفهمته العبارة: ﴿فإن أرادا﴾ أي الوالدان ﴿فصالاً﴾ أي فطاماً قبل تمام الحولين للصغير عن الرضاع. قال الحرالي: وهو من الفصل وهو عود المتواصلين إلى بين سابق - انتهى. وهو أعم من الفطم فلذا عبر به. ولما بين ذلك نبه على أنه لا يجوز إلا مع المصلحة فقال: ﴿عن تراض منهما﴾
стр. 1212
ثم بين أن الأمر خطر يحتاج إلى تمام النظر بقوله: ﴿وتشاور﴾ أي إدارة للكلام في ذلك ليستخرج الرأي الذي ينبغي أن يعمل به. قال الحرالي: فأفصح بإشعار ما في قوله: ﴿أن يتم﴾ وأن الكفاية قد تقع بدون الحولين فجعل ذلك لا يكون برياً من المضارة إلا باجتماع إرادتهما وتراضيهما وتشاورهما لمن له تبصرة لئلا تجتمعا على نقص الرأي، قال ﵊
«ما خاب من استخار ولا ندم من استشار» والمشورة أن تستخلص حلاوة الرأي وخالصه من خلايا الصدور كما يشور العسل جانيه - انتهى. ﴿فلا جناح عليهما﴾ فيما نقصاه عن
стр. 1213
الحولين لأنهما غير متهمين في أمره واجتماع رأيهما فيه ورأي من يستشيرانه قلّ ما يخطىء. قال الحرالي: فيه إشعار بأنها ثلاث رتب: رتبة تمام فيها الخير والبركة، ورتبة كفاية فيها رفع الجناح، وحالة مضارة فيها الجناح - انتهى. وقد أفهم تمام هذه العناية أن الإنسان كلما كان أضعف كانت رحمة الله له أكثر وعنايته به أشد.
ولما بين رضاع الوالدات وقدمه دليلاً على أولويته أتبعه ما يدل على جواز غيره فقال: ﴿وإن أردتم﴾ أي أيّها الرجال ﴿أن تسترضعوا﴾ أي أن تطلبوا من يرضع ﴿أولادكم﴾ من غير الأمهات ﴿فلا جناح﴾ أي ميل بإثم ﴿عليكم إذا سلمتم﴾ أي إلى المراضع ﴿ما آتيتم﴾ أي ما جعلتم لهن من العطاء ﴿بالمعروف﴾ موفراً طيبة به أنفسكم من غير تشاحح ولا تعاسر لأن ذلك أقطع لمعاذير لمراضع
стр. 1214
فهو أجدر بالاجتهاد في النصيحة وعدم التفريط في حق الصغير.
ولما كان التقدير: فافعلوا جميع ما أمرتكم به وانتهوا عن جميع ما نهيتكم عنه فقد جمعت لكم مصالح الدارين في هذا الكتاب الذي هو هدى للمتقين، عطف عليه قوله: ﴿واتقوا الله﴾ أي الذي له القدرة الشاملة والعلم الكامل ثم خوفهم سطواته بقوله منبهاً على عظم هذه الأحكام ﴿واعلموا﴾ وعلق الأمر بالاسم الأعظم الجامع لجميع الأسماء الحسنى فقال: ﴿أن الله﴾ أي المحيط بصفات الكمال تعظيماً للمقام ولذلك أكد علمه هنا على نحو ما مضى في ﴿وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم﴾ [البقرة: ٢١٥] بتقديم قوله للإعلام بمزيد الاهتمام ﴿بما تعملون﴾ أي من سر وعلن.
ولما كانت هذه الأحكام أدق مما في الآية التي بعدها وكثير
стр. 1215
منها منوط بأفعال القلوب ختمها بما يدل على البصر والعلم فقال: ﴿بصير *﴾ أي بالغ العلم به فاعملوا بحسب ذلك.
стр. 1216
ولما ذكر الرضاع وكان من تقاديره ما إذا مات الأب ذكر عدة الوفاة لذلك وتتميماً لأنواع العدد فقال. وقال الحرالي: لما ذكر عدة الطلاق الذي هو فرقة الحياة انتظم برأس آيته ذكر عدة الوفاة الذي هو فراق الموت واتصل بالآية السابقة لما انجر في ذكر الرضاع من موت الوالد وأمر الوارث وكذلك كل آية تكون رأساً لها متصلان متصل بالرأس النظير لها المنتظمة به ومتصل بالآية السابقة قبلها بوجه ما- انتهى. فقال: ﴿والذين﴾ أي وأزواج الذين ﴿يتوفون منكم﴾ أي يحصل وفاتهم بأن يستوفي أنفسهم التي كانت عارية في أبدانهم الذي أعارهم إياها. قال الحرالي: من الوفاة وهو استخلاص الحق
стр. 1217
من حيث وضع، إن الله نفخ الروح وأودع النفس ليستوفيها بعد أجل من حيث أودعها فكان ذلك توفياً تفعلاً من الوفاء وهو أداء الحق ﴿ويذرون﴾ من الوذر وهو أن يؤخذ المرء عما شأنه إمساكه ﴿أزواجاً﴾ بعدهم. ولما أريد تأكيد التربص مراعاة لحق الأزواج وحفظاً لقلوب الأقارب واحتياطاً للنكاح أتى به في صيغة الخبر الذي من شأنه أن يكون قد وجد وتمّ فقال: ﴿يتربصن﴾ أي ينتظرن أزواجهن لانقضاء العدة. ولما كان الممنوع إنما هو العقد والتعرض له بالأفعال دون طلبه بالتعريض قال معبراً بالنفس لذلك وللتنبيه على أن العجلة عن ذلك إنما تكون شهوة نفسانية بهيمية ليكون ذلك حاوياً على البعد عنها: ﴿بأنفسهن﴾ فلا يبذلنها لزوج ولا يخرجن من منزل الوفاة ويتركن الزينة وكل ما للنفس فيه شهوة تدعو إلى النكاح كما بينت ذلك السنّة ﴿أربعة أشهر وعشراً﴾
стр. 1218
إن كن حرائر ولم يكن حمل سواء كانت صغيرة أو كبيرة تحيض أو لا، ابتداؤها من حين الوفاة لأنها السبب وغلب الليالي فأسقط التاء لأن أول الشهر الليل ﴿فإذا بلغن أجلهن﴾ ولما كان الله قد جعل المسلمين كالجسد الواحد وكان الكلام في أزواج الموتى أعلم بأنه يجب على إخوانهم المسلمين من حفظ حقوقهم ما كانوا يحفظونه لو كانوا أحياء بقوله: ﴿فلا جناح
стр. 1219
عليكم﴾ أي يا أهل الدين ﴿فيما﴾ ولما كان لا بد من إذن المرأة وقد تأذن للقاضي على رغم الولي عند عضله مثلا أسند الفعل إليهن فقال: ﴿فعلن في أنفسهن﴾ أي من النكاح ومقدماته التي كانت ممنوعة منها بالإحداد، ولا يحمل هذا على المباشرة ليكون دليلاً على - إنكاح المرأة نفسها لمعارضة آية ﴿ولا تعضلوهن﴾ المتأيدة بالسنّة. ولما كان ذلك قد لا يكون على وجه شرعي قال: ﴿بالمعروف﴾ لينصرف إلى الكامل فلا يكون في ذلك شوب نكارة، فإن فعلن ما ينكر كان على الناس الجناح بترك الأمر كما عليهن بالفعل؛ وأجمع الفقهاء غير أبي مسلم الأصفهاني على أن هذه الآية ناسخة لآية العدة بالحول، والتقدم في التلاوة لا يمنع التأخر في النزول لأن الترتيب ليس على ترتيب النزول - نقل ذلك الشمس الأصفهاني، ويرد عليه ما سيأتي نقله له عن مجاهد.
ولما كان التقدير: فالله حد لكم هذه الحدود فاحفظوها عطف
стр. 1220
عليه قوله محذراً من التهاون في شيء منها في أنفسهم أو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حق غيرهم: ﴿والله﴾ أي الذي له صفات الكمال ﴿بما تعملون﴾ من سر وعلانية. ولما كان هنا من أمر العدة ما لم تعرفه العرب قبل فربما أنكرته القلوب لكونها لم تفهم سره وكان أمر النكاح إن قيد بالمعروف باطناً ختم بقوله ﴿خبير *﴾ أي يعلم خفايا البواطن كما يعلم ظواهرها فاحذروا مخالفته وأطيعوا أمره.
ولما حد هذه المدة لمنعهن عن الرجال بين أن التعريض بالخطبة ليس داخلاً في المنع فقال: ﴿ولا جناح عليكم﴾ أي إثم يميل ﴿فيما عرضتم به﴾ أي قلتموه وأنتم تقصدون ما هو بعيد عنه كأنه في جانب وهو في جانب آخر لا يتأدى إليه إلا بدورة كأنت جميلة أو نافعة، وأنا عازم على أن أتزوج، وعسى أن ييسر الله لي قرينة صالحة وقال الحرالي: من التعريض وهو تفعيل من
стр. 1221
العرض والعرض وهو إلقاء القول عرضاً أي ناحية على غير قصد إليه وصمد نحوه - انتهى. والفرق بينه وبين الكناية أنه كلام ظاهر في معنى يقصد به غير معناه الظاهر فلا يفهم المراد إلا بالقرائن، كقول المحتاج: جئت لأسلم عليك وأنظر وجهك الكريم، ويسمى التلويح أيضاً، والكناية ذكر اللازم وإرادة الملزوم، وقد أفهم نوط الحل بالتعريض تحريم التصريح المقابل له وللكناية، والصريح اسم لما هو ظاهر المراد عند السامع بحيث يسبق إلى فهمه المراد ولا يسبق غيره عند الإطلاق ﴿من خطبة﴾ وهي الخطاب في قصد التزوج. وقال الحرالي: هي هيئة الحال فيما بين الخاطب والمخطوبة التي النطق عنها هو الخطبة بالضم ﴿النساء﴾ المتوفى عنهن أزواجهن ومن أشبههن في طلاق بائن بالثلاث أو غيرها.
стр. 1222
ولما أحل له التعريض وكان قد يعزم على التصريح إذا حل له ذلك نفى عنه الحرج فيه بقوله ﴿أو أكننتم﴾ أي أضمرتم ﴿في أنفسكم﴾ من تصريح وغيره سواء كان من شهوات النفس أو لا. قال الحرالي: من الكن - بالفتح - وهو الذي من معناه الكن - بالكسر - وهو ما وارى بحيث لا يوصل به إلى شيء.
ولما كان لله بهذه الأمة عناية عظيمة في التخفيف عنها أعلمها بذلك بقوله على سبيل التعليل: ﴿علم الله﴾ أي بما له من صفات الكمال ﴿أنكم ستذكرونهن﴾ أي في العدة فأذن لكم في ذلك على ما حد لكم.
قال الحرالي: ففيه إجراء الشرعة على الحيلة الخاص
стр. 1223
بهذه الأمة انتهى.
ولما كان التقدير: فاذكروهن، استثنى منه قوله: ﴿ولكن لا تواعدوهن﴾ أي في ذكركم إياهن ﴿سراً﴾ ولما كان السر يطلق على ما أسر بالفعل وما هو أهل أن يسر به وإن جهر بين أن المراد الثاني وهو السر بالقوة فقال: ﴿إلا أن تقولوا﴾ أي في الذكر لهن ﴿قولاً معروفاً﴾ لا يستحيي منه عند أحد من الناس، فآل الأمر إلى أن المعنى لا تواعدوهن إلا ما لا يستحيي من ذكره فيسر وهو التعريض؛ فنصت هذه الآية على تحريم التصريح بعد إفهام الآية الأولى لذلك اهتماماً به لما للنفس من الداعية إليه.
ولما كانت عدة الوفاة طويلة فكان حبس النفس فيها عن النكاح شديداً وكانت إباحة التعريض قريبة من الرتع حول الحمى وكان من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه خصها باتباعها النهي عن العقد قبل الانقضاء حملاً على التحري ومنعاً من التجري فقال: ﴿ولا تعزموا﴾ أي تبتّوا أي تفعلوا فعلاً بتاً مقطوعاً به غير متردد فيه
стр. 1224
﴿عقدة النكاح﴾ أي النكاح الذي يصير معقوداً للمعتدة عدة هي فيها بائن فضمن العزم البتة ولذلك أسقط «على» وأوقعه على العقدة التي هي من آثاره ولا تتحقق بدونه فكأنه قال: ولا تعزموا على النكاح باقين عقدته، وهو أبلغ مما لو قيل: ولا تعقدوا النكاح، فإن النهي عن العزم الذي هو سبب العقد نهي عن العقد بطريق الأولى. قال الحرالي: والعقدة توثيق جمع الطرفين المفترقين بحيث يشق حلها
стр. 1225
وهو معنى دون الكتب الذي هو وصلة وخرز ﴿حتى يبلغ الكتاب﴾ أي الذي تقدم فيما أنزلت عليكم منه بيان عدة من زالت عصمتها من رجل بوفاه أو طلاق، أو ما كتب وفرض من العدة ﴿أجله﴾ أي أخر مدته التي ضربها للعدة.
ولما أباح التعريض وحظر عزم العقدة وغلظ الأمر بتعليقه بالكتاب وبقي بين الطرفين أمور كانت الشهوة في مثلها غالبة والهوى مميلاً غلظ الزواجر لتقاوم تلك الدواعي فتولى تلك الأمور تهديد قوله تعالى: ﴿واعلموا﴾ أي أيها الراغبون في شيء من ذلك ﴿أن الله﴾ وله جميع الكمال ﴿يعلم ما في أنفسكم﴾ كله ﴿فاحذروه﴾ ولا تعزموا على شر فإنه يلزم من إحاطة العلم إحاطة القدرة.
ولما هددهم بعلمه وكان ذلك النهاية في التهديد وكان كل أحد يعلم من نفسه في النقائص ما يجل عن الوصف أخبرهم بما أوجب الإمهال على ذلك من منه بغفرانه وحلمه حثاً على التوبة وإقامة بين الرجاء والهيبة فقال: ﴿واعلموا أن الله﴾ أي كما اقتضى جلاله العقوبة
стр. 1226
اقتضى جماله العفو فهو لذلك ﴿غفور﴾ أي ستور لذنوب الخطائين إن تابوا ﴿حليم *﴾ لا يعاجل أحد العقوبة فبادروا بالتوبة رجاء غفرانه ولا تغتروا بإمهاله فإن غضب الحليم لكونه بعد طول الأناة لا يطاق، ويجوز أن يكون التقدير: ولا تصرحوا للنساء المعتدات بعقدة النكاح في عدة من العدد؛ والسر في تفاوتها أن عدة الوفاة طولت مراعاة للورثة إلى حد هو أقصى دال على براءة الرحم، لأن الماء يكون فيه أربعين يوماً نطفة ومثلها علقة ومثلها مضغة ثم ينفخ فيه الروح فتلك أربعة أشهر، وقد تنقص الأشهر أربعة أيام فزيدت عليها وجبرت بما أتم أقرب العقود إليها؛ وفي صحيح مسلم رضي الله تعالى عنه تقدير المدة الأولى «باثنين وأربعين يوماً» وفي رواية: «خمس وأربعين» وفي رواية: «بضع وأربعين» فإذا حمل البضع على ست وزيد
стр. 1227
ما قد تنقصه الأشهر صارت أربعة أشهر وعشراً؛ ولم تزد على ذلك مراعاة للمرأة لما قيل: إنه يقل صبر النساء بعد ذلك، واقتصر في الاستبراء على قرء وهو أقل دال على براءة الرحم لأن السيد يكون مخالطاً للأمة غالباً فيشق الصبر، وثلثت عدة الحرة جرياً على سنة الشارع في الاستظهار بالتثليث مع زوال علة الإسراع من المخالطة، ولأن أكثر الطلاق رجعي فربما كان عن غيظ فمدت ليزول فيتروى، وكانت عدة الأمة من الطلاق بين الاستبراء وعدة الحرة لما تنازعها من حق السيد المقتضي للقصر وحق الزوج المقتضي للطول مع عدم إمكان التصنيف - والله أعلم.
ولما تمت أحكام العدد وما يتبعها مما حق الرجال فيه أغلب أتبعها أحكام الأصدقة، ولما كان الكلام قد طال في أحكام الطلاق
стр. 1228
والموت ولم يذكر الصداق وكان قد ختم تلك الأحكام بصفتي الغفر والحلم وكان الصداق معلوماً عندهم قبل الإسلام اقتضى ذلك السؤال: هل يجب للمفارقة صداق أو هو مما دخل تحت المغفرة والحلم فلا يجب؟ فقيل: ﴿لا جناح عليكم﴾ أي لا تبعة من مهر ولا غيره إلا ما يأتي من المتعة، وأصل الجناح الميل من الثقل ﴿إن طلقتم النساء﴾ أي إن طلق أحد منكم ما يملك عصمته منهن ﴿ما لم تمسوهن﴾ أي تجامعوهن. من المس ومن المماسة في القراءة الأخرى وهو ملاقاة الجرمين بغير حائل بينهما - قاله الحرالي ﴿أو تفرضوا لهن فريضة﴾ أي تسموا لهن مهراً معلوماً. أي لا جناح عليكم ما لم يقع أحد الأمرين أي مدة انتفائه ولا ينتفي الأحد المبهم إلا بانتفاء الأمرين معاً فإذا انتفيا انتفى الجناح وإن وجدا أو أحدهما وجد، فإن وجد المسيس وجب المسمى أو مهر المثل. وإن وجد الفرض وجب نصفه إن خلا عن مسيس. قال الحرالي: ففي إنبائه صحة عقد النكاح مع إهمال ذكر الصداق
стр. 1229
لا مع إبطاله، ففيه صحة نكاح التفويض ونكاح التأخير لذكر الصداق، فبان به أن الصداق ليس ركناً فيه وأن إبطاله مانع من بنائه، فيكون له ثلاثة أحوال من رفع الجناح فيه عن المهمل الذي لم يمس فيه كأنه كان يستحق فرضاً ما فرفع عنه جناحه من حيث إن على الماس كلية النحلة وعلى الفارض شطر النحلة فرفع عنه جناح الفرض وجبر موضع الفرض بالإمتاع، ولذلك ألزمت المتعة طائفة من العلماء - انتهى.
ولما كان التقدير: وطلقوهن إن أردتم وراعوا فيهن ما أوجبت من الحقوق لكم وعليكم عطف عليه قوله: ﴿ومتعوهن﴾ أي جبراً لما وقع من الكسر بالطلاق على حسب حال المطلقين، والمطلقة من غير مس ولا فرض تستحقه للمتعة بالإجماع - نقله الأصبهاني. و ﴿على الموسع﴾ منهم أي الذي له في حاله سعة. وقال الحرالي: هو من الإيساع وهو المكنة في السعة التي هي أكثر من
стр. 1230
الكفاية ﴿قدره﴾ من القدر وهو الحد المحدود في الشيء حساً أو معنى ﴿وعلى المقتر﴾ أي الذي في حاله ضيق. قال الحرالي: هو من الإقتار وهو النقص من القدر الكافي - انتهى ﴿قدره﴾ أي ما يقدر عليه ويطيقه، وقراءة فتح الدال كقراءة إسكانها فإنهما لغتان أو أن الفتح مشير إلى التفضل بتحمل شيء ما فوق القدرة ﴿متاعاً﴾ أي تمتيعاً ﴿بالمعروف﴾ وهو ما ليس فيه في الشرع نكارة ﴿حقاً على المحسنين *﴾ أي الذين صار الإحسان لهم وصفاً لازماً، والإحسان غاية رتب الدين كأنه كما قال الحرالي إسلام ظاهر يقيمه إيمان باطن يكمله إحسان شهودي - انتهى. فالكلام على هذا النظام إلهاب وتهييج لا قيد، وإنما كانت إحساناً لأن ملاك القصد فيها كما قال الحرالي ما تطيب به نفس المرأة ويبقى باطنها وباطن أهلها سلماً أو ذا مودة
следующие страницы →