Полный текст (11 765 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
من شيء آت من فقر أو غيره ترك كل شيء ينسب إلى الربا وكان بين أهل الإسلام وأهل الجاهلية وبين بعضهم وبعض معاملات في الجاهلية ربوية لم تتم بعد بين أمرها نفياً لما قد يتوهم من قوله سابقاً ﴿فله ما سلف﴾ من تحليل بقايا الربا وأن النهي خاص بما تجدد منه فقال مخاطباً لأقرب من ذكره ممن تلبس بالإيمان ولم يلتفت إلى غيرهم تشريفاً لهم: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي أقروا بالتصديق بألسنتهم. ولما كان الربا قد يكون مؤجلاً فيكون صاحبه قد مضت عليه مدد وهو موطن نفسه على أخذه فيصير الكف عنه يعدل الموت عنده أبلغ في التشديد في هذه المواعظ فقال: ﴿اتقوا الله﴾ أي الذي له جميع العظمة تصديقا لإقراركم ﴿وذروا﴾ أي اتركوا أي ترك كان ﴿ما بقي من الربا﴾ أي الذي كنتم تتعاملون به فلا تستحلوه ولا تأكلوه.
ولما لوح في أول الآية إلى أن من أصر فهو غير صادق
стр. 1472
في دعوى الإيمان صرح بذلك في آخرها فقال: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ أي متصفين بما ذكرتموه بألسنتكم. قال الحرالي: فبين أن الربا والإيمان لا يجتمعان وأكثر بلايا هذه الأمة حتى أصابها ما أصاب بني إسرائيل من البأس الشنيع والانتقام بالسنين إنما هو من عمل من عمل بالربا، وهذه الآية أصل عظيم في أحكام الكفار إذا أسلموا فما مضى منها لم ينقص وما لم يمض لم يفعل - نبه عليه الأصبهاني.
ولما كان من حق من عاند السيد الأخذ سبب عن ذلك قوله: ﴿فإن لم تفعلوا﴾ أي ترك الربا. قال الحرالي: في إشعاره أن طائقة منهم لا يذرونه بعد تحريمه بما أنهم ليسوا من الذين كانوا مؤمنين - انتهى. ﴿فأذنوا بحرب﴾ أي عظيمة. قال الحرالي: والحرب مدافعة بشدة عن اتساع، المدافع بما يطلب منه الخروج عنه فلا يسمح به ويدافع عنه بأشد مستطاع؛ ثم عظم أمرها بإيراد الاسم الأعظم فقال: ﴿من الله﴾ العظيم الجليل ﴿ورسوله﴾ ﷺ الذي هو أعظم الخلائق بتشريفه بالإضافة إليه. وقال
стр. 1473
الحرالي: الذي هيأه للرحمة، فكان نبي الرحمة محارباً له، فانقطعت وصلته من الرحيم والشفيع - انتهى. ﴿وإن تبتم﴾ أي فعلتم بعد الإذن بالقتال أو قبله ما أمركم الله به من ترك ما بقي منه ﴿فلكم رؤوس أموالكم﴾ أي كما هو حال البيع. ولما كان ذلك هو العدل لأنه الحق قال: ﴿لا تظلمون﴾ أي بأخذ شيء مما بقي من الربا ﴿ولا تظلمون﴾ بنقص من رأس المال أو دفع بمطال لأنه الحق. ولما كان الناس منقسمين إلى موسر ومعسر أي غني وفقير كان كأنه قيل: هذا حكم الموسر ﴿وإن كان﴾ أي وجد من المدينين ﴿ذو عسرة﴾ لا يقدر على الأداء في هذا الوقت ﴿فنظرة﴾ أي فعليكم نظرة له. قال الحرالي: وهو التأخير المرتقب نجازه ﴿إلى ميسرة﴾ إن لم ترضوا إلا بأخذ أموالكم؛ وقرأ نافع وحمزة بضم السين؛ قال الحرالي: إنباء عن استيلاء اليسر وهي أوسع النظرتين، والباقون بالفتح إنباء عن توسطها ليكون اليسر
стр. 1474
في مرتبتين، فمن انتظر إلى أوسع اليسرين كان أفضل توبة - انتهى. ﴿وأن تصدقوا﴾ أي وصدقتكم على المعسر بتركه له، ذلكم ﴿خير﴾ في الدنيا بما يبارك الله ﴿لكم﴾ ويعوضكم وفي الآخرة بما يجزل لكم من الأجر.
ولما كان كل أحد يدعي العلم ويأنف أشد أنفة من النسبة إلى الجهل قال: ﴿إن كنتم تعلمون﴾ أي إن كنتم من ذوي العلم فأنتم تعرفون صحة ما دعوتكم إليه مما يقتضي الإدبار عنه أو الإقبال عليه، فإذا تحققتم ذلك فامتثلوه فإنه يقبح على العلم بقبح الشيء الإصرار عليه وإلا فبينوا أنه ليس بخير وإلا فأنتم من أهل الاعوجاج بالجهل تقومون بالحرب والضرب والطعن كالسباع الضارية والذئاب العاوية. وقال الحرالي: فأعلم أن من وضع
стр. 1475
كيانه للعلم فكان ممن يدوم علمه؟ تنبه لأن خير الترك خير من خير الأخذ فأحسن بترك جميعه - انتهى.
وروى البخاري في التفسير عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «لما أنزلت الآيات الأواخر - وفي رواية: من آخر سورة البقرة في الربا - قرأهن النبي ﷺ وفي رواية: على الناس في المسجد - ثم حرم التجارة في الخمر» وله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «آخر آية نزلت على النبي ﷺ آية الربا» ولأبي عبيد عن ابن شهاب قال: آخر القرآن عهداً بالعرش آية الربا وآية الدين. وله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: آخر آية نزلت من القرآن ﴿واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله﴾ [البقرة: ٢٨١] قال: زعموا أن رسول الله ﷺ مكث بعدها تسع ليال وبدىء به يوم السبت ومات يوم الاثنين - انتهى. ولا مخالفة لأنها من آية الربا والدين. وروى الحديث أبو عمرو الداني في كتاب «البيان في عدد آي القرآن» وقال فيه: «قال الملك: اجعلها على
стр. 1476
رأس ثمانين ومائتين من البقرة» .
ولما كان من المعلوم أنه لا يدفعه حجة كان التقدير: فامتثلوا ما أمرتم به واجتنبوا ما نهيتم عنه، فعطف عليه تخويفاً من يوم العرض عليه والمجازاة بين يديه فقال - وقال الحرالي: لما أنهي الخطاب بأمر الدين وعلنه وأمر الآخرة على وجوهها وإظهار حكمتها المرتبطة بأمر الدنيا وبين أمر الإنفاق والربا الذي هو غاية أمر الدين والدنيا في صلاحهما وأنهى ذلك إلى الموعظة بموعود جزائه في الدنيا والآخرة أجمل الموعظة بتقوى يوم الرجعة إلى إحاطة أمره ليقع الختم بأجمل موعظة وأشملها ليكون انتهاء الخطاب على ترهيب الأنفس لتجتمع عزائمها على ما هو ملاك أمرها من قبول صلاح دينها ودنياها ومعادها من خطاب الله لها فختم ذلك بكمال معناه بهذه الآية كما أنها هي الآية التي ختم بها التنزيل أنزلت على النبي ﷺ هو في الشكاية وهي آخر آية أنزلت على النبي ﷺ في مقابلة ﴿اقرأ باسم ربك﴾ [العلق: ١] الذي هو أول منزل النبوة
стр. 1477
و ﴿يا أيها المدثر﴾ [المدثر: ١] الذي هو أول منزل الرسالة فكان أول الأمر نذارة وآخره موعظة تبعث النفس على الخوف وتبعث القلب على الشوق من معنى ما انختم به أمر خطاب الله في آية ﴿مالك يوم الدين﴾ [الفاتحة: ٤] انتهى - فقال تعالى: ﴿واتقوا يوماً﴾ أي في غاية العظم ﴿ترجعون فيه﴾ حساً بذواتكم كما أنتم في الدنيا ومعنى بجميع أموركم رجوعاً ظاهراً لا يحجبه شيء من الأسباب ولا يحول دونه عارض ارتياب ﴿إلى الله﴾ الذي لا يحصر عظمته وصف ولا يحيط بها حد، فيكون حالكم بعد النقلة من الدنيا كحالكم قبل البروز إليها من البطن لا تصرف لكم أصلاً ولا متصرف فيكم إلا الله ويكون حالكم في ذلك اليوم الإعسار، لأنه لا يمكن أحد أن يكافىء ما لله عليه من نعمه، فمن نوقش الحساب عذب؛ فإن كنتم تحبون المجاوزة عنكم هنالك
стр. 1478
فتجاوزوا أنتم عن إخوانكم اليوم، وتصدقوا ما دمتم قادرين على الصدقة، واتقوا النار في ذلك اليوم ولو بشق تمرة؛ وأشار إلى طول وقوفهم ذلك الموقف في مقام الهيبة وتمادي حبسهم في مشهد الجلال والعظمة بأداة التراخي في قوله ﴿ثم﴾ قال الحرالي وقيل:
«يا رسول الله! أين يكون الناس ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات﴾ [إبراهيم: ٤٨] ؟ قال: في الظلمة دون الجسر» وقال ﷺ : «يقيمون في الظلمة ألف سنة» وورد عن علي رضي الله تعالى عنه في تفصيل مواقف يوم الجزاء أن الخلق يوقفون على قبورهم ألف سنة ويساقون إلى المحشر ألف سنة، ويوقفون في الظلمة ألف سنة؛ ثم يكون انشقاق السماوات السبع وتبديل الأرض وما شاء الله من أمره انتظاراً لمجيئه؛ ففي عبرة مقاله والله أعلم أن ذلك يكون ستة آلاف
стр. 1479
سنة وأنها كما بنيت في ستة أيام تهدم في ستة أيام ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده﴾ [الأنبياء: ١٠٤] ، فيكون ذلك تسعة أيام؛ ويكون مجيئه في اليوم العاشر الذي هو يوم عاشوراء ذلك اليوم الذي تكرر مجيء أمره فيه في يوم الدنيا - ثم وصف ﷺ المواقف إلى منتهاها - انتهى.
ولما كان إيقاف الإنسان على كل ما عمل من سر وعلن في غاية الكراهة إليه فضلاً عن جزائه على كل شيء منه لا بالنسبة إلى موقف معين بني للمفعول قوله: ﴿توفى﴾ أي تعطى على سبيل الوفاء ﴿كل نفس ما كسبت﴾ من خير وشر. قال الحرالي: جاء بصيغة فعل المشعر بجري العمل على غير تكلف وتحمل، ففي إشعاره أنها توفى ما كسبت من الخير وما كونت له من الشر وأن ما تكلفته من الشر وفي دخلتها كراهية ربما غفر لها حيث لم تكن توفى ما كسبت وما اكتسبت كما قال في الآية التي بعدها ﴿لها
стр. 1480
ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ [البقرة: ٢٨٦] فكان مكتسبها عليها وربما غفر لها فإنها وفيت ما كسبته من الشر واشتمل عليه ظاهرها وباطنها حتى يسرت له - انتهى.
ولما كانت عادة الناس أنه إذا بقي شيء يسير وقع في محل المسامحة وكان اليسير يختلف باختلاف الأصل فالألف مثلاً يتسامح فيه بمائة مثلاً بيّن أن الأمر عنده على غير ذلك فقال: ﴿وهم لا يظلمون *﴾ شيئاً من الأشياء ولو قلّ، وهذا إشارة إلى العدل بين عباده قال الحرالي: وهذه الآية ختم للتنزيل وختم لتمام المعنى في هذه السورة التي هي سنام القرآن وفسطاطه وختم لكل موعظة وكل ختم، فهو من خواص المحمدية الجامعة المفصلة من سورة الحمد المشيرة إلى تفاصيل عظيم أمر الله في حقه وفي خلقه وفيما بينه وبين خلقه - انتهى.
ولما نهى عن الربا وكان أحد مدايناتهم وكان غيره من الدين مأذوناً فيه وهو من أنواع الإنفاق مع دخوله في المطالبة برؤوس الأموال عقب ذلك بآية الدين. وأيضاً فإنه سبحانه
стр. 1481
وتعالى لما ذكر في المال أمرين ينقصانه ظاهراً ويزكيانه باطناً: الصدقة وترك الربا، وأذن في رؤوس الأموال وأمر بالإنظار في الإعسار وختم بالتهديد فكان ذلك ربما أطمع المدين في شيء من الدين ولو بدعوى الإعسار اقتضى حال الإنسان لما له من النقصان الإرشاد إلى حفظ المال الحلال وصونه عن الفساد والتنبيه على كيفية التوثق فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ كالذي تقدمه ﴿إذا تداينتم﴾ من التداين تفاعل بين اثنين من الدين، والدين في الأمر الظاهر معاملة على تأخير كما أن الدين بالكسر فيما بين العبد وبين الله معاملة على تأخير - قاله الحرالي. أي أوقعتم بينكم ذلك. والدين مال مرسل في الذمة سواء كان مؤجلاً أو لا، وهو خلاف الحاضر والعين، وقال: ﴿بدين﴾ مع دلالة الفعل عليه ليخرج بيع الدين بالدين، لأنه مداينة بدينين. قال الحرالي: فكان
стр. 1482
في إعلامه أي بالإتيان بصيغة إذا أنهم لا بد أن يتداينوا لأنها حين منتظر في أغلب معناها - انتهى. وأرشد إلى ضبطه بالوقت إشارة إلى أنه يجوز كونه حالاً وإلى أن الأجل وهو الوقت المحدود وأصله التأخير إن كان مجهولاً كان باطلاً بقوله: ﴿إلى أجل مسمى﴾ قال الحرالي: من التسمية وهي إبداء الشيء باسمه للسمع في معنى المصور - وهو إبداء الشيء بصورته في العين.
ولما كان الله وهو العليم الخبير قد أجرى سنته في دينه بالكتابة فأمر ملائكته وهم الأمناء العدول بإثبات أعمال الخلق لحكم ومصالح لا تخفى وأنزل كتابه الشريف شهادة لهم وعليهم بما يوفونه في يوم الدين من ثواب وعقاب قطعاً لحججهم أمرهم أن يكون عملهم في الدين كما كان فعله في الدين فأرشدهم إلى إثبات ما يكون دينهم من المعاملات لئلا يجر ذلك إلى المخاصمات
стр. 1483
فقال أمراً للإرشاد لا للإيجاب ﴿فاكتبوه﴾ وفي ذكر الأجل إشارة إلى البعث الذي وقع الوعد بالوفاء فيه ﴿أفحسبتم إنما خلقناكم عبثاً وإنكم إلينا لا ترجعون *﴾ [المؤمنون: ١١٥] ﴿ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده﴾ [الأنعام: ٢] ولما أمر بالكتابة وكان المراد تحصيلها في الجملة لا من أحد بعينه لأن أغلب الناس لا يحسنها أتبعها الإرشاد إلى تخير الكاتب بقوله: ﴿وليكتب بينكم﴾ أي الدين المذكور ﴿كاتب﴾ وإن كان صبياً أو عبداً كتابة مصحوبة ﴿بالعدل﴾ استناناً به في ملائكته
﴿وإن عليكم لحافظين * كراماً كاتبين *﴾ [الانفطار: ١٠] ﴿بأيدي سفرة * كرام بررة *﴾ [عبس: ١٥] .
ولما أرشد إلى تخير الكاتب تقدم إليه بالنهي تقديماً لدرء المفاسد ثم الأمر فقال: ﴿ولا يأب كاتب أن يكتب﴾ أي ما ندب إليه من ذلك ﴿كما علمه الله﴾ أي لأجل الذي هو غني عنه وعن غيره
стр. 1484
من خلقه شكراً له على تلك النعمة وكتابة مثل الكتابة التي علمها الله لا ينقص عنها شيئاً ﴿فليكتب﴾ وفي ذلك تنبيه على ما في بذل الجهد في النصيحة من المشقة.
ولما كان ذلك وكان لا بد فيه من ممل بين من يصح إملاؤه للمكتوب فقال: ﴿وليملل﴾ من الإملال وهو إلقاء ما تشتمل عليه الضمائر على اللسان قولاً وعلى الكتاب رسماً - قاله الحرالي ﴿الذي عليه الحق﴾ ليشهد عليه المستملي ومن يحضره.
ولما كانت الأنفس مجبولة على محبة الاستئثار على الغير حذرها مما لا يحل من ذلك فقال: ﴿وليتق الله﴾ فعبر بالاسم الأعظم ليكون أزجر للمأمور ثم قال: ﴿ربه﴾ تذكيراً بأنه لإحسانه لا يأمر إلا بخير، وترجية للعوض في ذلك إذا أدى فيه الأمانة في الكم والكيف من الأجل وغيره؛ وأكد ذلك بقوله: ﴿ولا يبخس﴾ من البخس وهو أسوأ النقص الذي لا تسمح به الأنفس لبعده عن
стр. 1485
محل السماح إلى وقوعه في حد الضيم ﴿منه شيئاً﴾ .
ولما كان هذا المملي قد يكون لاغي العبارة وكان الإملاء لا يقدر عليه كل أحد قال : ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً﴾ فلا يعتبر إقراره لضعف رأيه ونظره ونقص حظه من حكمة الدنيا ﴿أو ضعيفاً﴾ عن الإملاء في ذلك الوقت لمرض أو غيره من صبا أو جنون أو هرم من الضعف وهو وهن القوى حساً أو معنى ﴿أو لا يستطيع أن يمل هو﴾ كعيّ أو حياء أو عجمة ونحوه ﴿فليملل وليه﴾ القائم لمصالحه من أب أو وصي أو حاكم أو ترجمان أو وكيل ﴿بالعدل﴾ فلا يحيف عليه ولا على ذي الحق. قال الحرالي: فجعل لسان الولي لسان المولى عليه، فكان فيه مثل لما نزل به الكتاب من إجراء كلام الله على ألسنة خلقه في نحو ما تقدم من قوله: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥] وما تفصل منها ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ [البقرة: ٢٥٧] أمل ما عليهم من الحقوق له فجعل كلاماً من كلامه يتلونه، فكان الإملال منه لهم لتقاصرهم عن واجب حقه تقاصر السفيه ومن معه عن إملال وليه عنه لرشده وقوته وتمكن
стр. 1486
استطاعته - انتهى.
ولما لم يكن بين الكتابة والشهادة ملازمة نص عليها وبين أهلها فقال: ﴿واستشهدوا﴾ أي اطلبوا الشهادة وأوجدوها مع الكتابة ودونها ﴿شهيدين﴾ قال الحرالي فجعل شهادة الدين باثنين كما جعل الشاهد في الدين اثنين: شاهد التفكر في الآيات المرئية وشاهد التدبر للآيات المسموعة، وفي صيغة فعيل مبالغة في المعنى في تحقق الوصف بالاستبصار والخبرة - انتهى.
ولما بيّن عدد الشاهد بيّن نوعه فقال: ﴿من رجالكم﴾ وأعلم بالإضافة اشتراط كونه مسلماً وإطلاق هذا الذي ينصرف إلى الكامل مع ما يؤيده في الآية يفهم الحريّة كقوله ﴿ولا يأب الشهداء﴾ والإتيان بصيغة المبالغة في الشاهد وتقييده مع ذلك بالرضى وتعريف الشهداء ونحوه. قال الحرالي: ولكثرة المداينة وعمومها وسع فيها الشهادة
стр. 1487
فقال: ﴿فإن لم يكونا﴾ أي الشاهدان ﴿رجلين﴾ أي على صفة الرجولية كلاهما ﴿فرجل وامرأتان﴾ وفي عموم معنى الكون إشعار بتطرق شهادة المرأتين مع إمكان طلب الرجل بوجه ما من حيث لم يكن، فإن لم تجدوا ففيه تهدف للخلاف بوجه ما من حيث إن شمول الكتاب توسعة في العلم سواء كان على تساو أو على ترتب؛ ولما كنّ ناقصات عقل ودين جعل ثنتان منهن مكان رجل - انتهى. ولما بيّن العدد بيّن الوصف فقال: ﴿ممن ترضون﴾ أي في العدالة ﴿من الشهداء﴾ هذا في الديون ونحوها. قال الحرالي: وفي مفهوم الشهادة استبصار نظر الشاهد لما في الشهود من إدراك معنى خفي في صورة ظاهر يهدي إليها النظر النافذ - انتهى.
ولما شرط في القيام مقام الواحد من الرجال العدد من النساء علله بما يشير إلى نقص الضبط فيهن فقال: ﴿أن تضل إحداهما﴾ أي تغيب عنها الشهادة فتنساها أو شيئاً منها ﴿فتذكر إحداهما الأخرى﴾ فتهتدي إلى ما ضلت عنه بواسطة الذاكرة. قال الحرالي: بما هي أعرف بمداخل الضلال عليها، لأن المتقاربين أقرب في التعاون، وفي قراءتي التخفيف والتثقيل إشعار بتصنيف النساء صنفين في رتبة هذه الشهادة من يلحقها الضلال عن بعض ما شهدت فيه حتى تذكر بالتخفيف
стр. 1488
ولا يتكرر عليها ذلك ومن شأنها أن يتكرر عليها ذلك، وفي إبهامه بلفظ إحدى أي من غير اقتصار على الضمير الذي يعين ما يرجع إليه إشعار أن ذلك يقع بينهما متناوباً حتى ربما ضلت هذه عن وجه وضلت تلك عن وجه آخر فأذكرت كل واحدة منهما صاحبتها فلذلك يقوم بهما معاً شاهد واحد حافظ - انتهى. وفي ذكر الإذكار منع من الشهادة بدون الذكر، والآية من الاحتباك. ولما أفهم ذلك الحث على الشهادة صرح به في قوله: ﴿ولا يأب الشهداء﴾ أي تحمل الشهادة وأدائها بعد التحمل ﴿إذا ما دعوا﴾ دعاء جازماً بما أفهمته زيادة ما.
ولما تمّ ذلك وكان صغير الحق وكبيره ربما تُركت تهاوناً بالصغير ومللاً للكبير حذر من ذلك ولم يجعله في صلب الأمر قبل الإشهاد بل أفرده بالذكر تعظيماً لشأنه فقال: ﴿ولا تسئموا﴾ من السآمة. قال الحرالي: بناء مبالغة وهو أشد الملالة ﴿أن تكتبوه﴾ أي لا تفعلوا فعل السئيم فتتركوا كتابته ﴿صغيراً﴾ كان الدين ﴿أو كبيراً﴾ طالت الكتابة أو قصرت.
قال الحرالي: ولم يكن قليلاً أو كثيراً، لأن الكثرة والقلة واقعة بالنسبة إلى الشيء المعدود في ذاته، والصغير والكبير يقع بالنسبة إلى المداين، فربما كان الكثير في العدد صغير القدر عند الرجل الجليل المقدار، وربما كان القليل العدد كثيراً بالنسبة إلى الرجل المشاحح فيه، فكان الصغر والكبر
стр. 1489
أشمل وأرجع إلى حال المداين الذي هو المخاطب بأن يكتب انتهى. ﴿إلى أجله﴾ أي الذي توافقتم وتواثقتم عليه.
ولما كان كأنه قيل: ما فائدة ذلك؟ فقيل: ﴿ذلكم﴾ إشارة بأداة البعد وميم الجمع إلى عظم جدواه. قال الحرالي: ولبيانه ووضوحه عندهم لم يكن إقبالاً على النبي ﷺ الذي يقبل عليه في الأمور الخفية - انتهى. ﴿أقسط﴾ أي أعدل فقد نقل عن ابن السيد أنه قال في كتابه الاقتضاب: إن قسط بمعنى جار وبمعنى عدل. وقال الحرالي: ﴿أقسط﴾ من الإقساط وهو وضع القسط وهو حفظ الموازنة حتى لا تخرج إلى تطفيف. ثم زاد تعظيمه بقوله: ﴿عند الله﴾ أي الذي هو محيط بصفات الكمال بالنسبة إلى كل صفة من صفاته، لأنه يحمل على العدل بمنع المغالطة والتلون في شيء من أحوال ذلك الدين ﴿وأقوم للشهادة﴾ أي وأعدل في قيام الشهادة إذا طلب من الشاهد أن يقيمها بما هو مضبوط له وعليه ﴿وأدنى﴾ أي أقرب في ﴿ألاّ ترتابوا﴾ أي تشكوا في شيء من الأمر الذي
стр. 1490
وقع. قال الحرالي: ففي إشعاره أنه ربما داخل الرجل والرجلين نحو ما داخل المرأتين فيكون الكتاب مقيماً لشهادتهما، فنفى عن الرجال الريبة بالكتاب كما نفى عن النساء الضلال بالذكر - انتهى.
ولما كان الدين المؤجل أعم من أن يكون قرضاً أو تجارة ينمي بها المال المأمور بالإنفاق منه في وجوه الخير النافعة يوم الدين وكان قد أكد في أمر الكتابة تأكيداً ربما ظن معه الحث عليها ولو لم يكن أجل نبه على أن العلة فيها الأجل الذي هو مظنة النسيان المستولي على الإنسان بقوله: ﴿إلا أن تكون﴾ أي المداينة ﴿تجارة حاضرة﴾ هذا على قراءة عاصم، وكان في قراءة غيره تامة ﴿تديرونها بينكم﴾ أي يداً بيد، من الإدارة. قال الحرالي: من أصل الدور وهو رجوع الشيء عوداً على بدئه ﴿فليس عليكم﴾ حينئذ ﴿جناح﴾ أي اعتراض في ﴿ألاّ تكتبوها﴾ أي لأنها مناجزة وهي عرض زائل لا يكاد يستقر في يد أحد لأن القصد به المتجر لا الاستبقاء
стр. 1491
فبعد ما يخشى من التجاحد.
ولما كان البيع أعم من أن يقصد به المتجر أو غير ذلك من وجوه الانتفاع قال: ﴿وأشهدوا﴾ سواء كانت كتابة أو لا ﴿إذا تبايعتم﴾ أي على وجه المتجر عاجلاً أو آجلاً أو لا للمتجر، لأن الإشهاد أبعد من الخلاف وأقرب إلى التصادق بما فيه من الإنصاف، والأمر للإرشاد فلا يجب.
ولما ألزم في صدر الخطاب الكاتب أن يكتب والشهيد أن يجيب ولا يأبى وأكد ذلك بصيغة تشمل المستكتب والمستشهد فقال ناهياً: ﴿ولا يضار﴾ يصح أن يكون للفاعل والمفعول وهو صحيح المعنى على كل منهما ﴿كاتب ولا شهيد﴾ أي لا يحصل ضرر منهم ولا عليهم. قال الحرالي: ففي إلاحته تعريض بالإحسان منه للشهيد والكاتب ليجيبه لمراده ويعينه على الائتمار لأمر ربه بما يدفع عنه من ضرر عطلته واستعماله في أمر من أمور دنياه، ففي تعريضه إجازة لما يأخذه الكاتب ومن يدعي لإقامة معونة في نحوه ممن يعرض
стр. 1492
له فيما يضره التخلي عنه - انتهى. ﴿وإن تفعلوا﴾ أي ما نهيتم عنه من الضرار وغيره ﴿فإنه فسوق﴾ أي خروج ﴿بكم﴾ عن الشرع الذي نهجه الله لكم. قال الحرالي: وفي صيغة فعول تأكيد فيه وتشديد في النذارة - انتهى.
وختم آيات هذه المعاملات بصفة العلم بعد الأمر بالتقوى في غاية المناسبة لما يفعله المتعاملون من الحيل التي يجتلب كل منهم بها الحظ لنفسه، والترغيب في امتثال ما أمرهم به في هذه الجمل بأنه من علمه وتعليمه فقال تعالى - عاطفاً على ما تقدم من أمر ونهي، أو على ما تقديره: فافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه-: ﴿واتقوا الله﴾ أي خافوا الذي له العظمة كلها فيما أمركم به ونهاكم من هذا وغيره. ولما كان التقدير استئنافاً لبيان فخامة هذه التنبيهات يرشدكم الله إلى مثل هذه المراشد لإصلاح ذات بينكم، عطف عليه قوله: ﴿ويعلمكم الله﴾ أي يدريكم الذي له الكمال كله بذلك على العلم. وقال الحرالي: وفي قوله: ﴿يعلم﴾ بصيغة الدوام إيذان بما
стр. 1493
يستمر به التعليم من دون هذا المنال انتهى.
وأظهر الاسم الشريف هنا وفي الذي بعده تعظيماً للمقام وتعميماً للتعليم فقال: ﴿والله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة ﴿بكل شيء عليم *﴾ وهذا الختم جامع لبشرى التعليم ونذارة التهديد.
стр. 1494
ولما كان التقدير: هذا إذا كنتم حضوراً يسهل عليكم إحضار الكاتب والشاهد، عطف عليه قوله: ﴿وإن كنتم﴾ ولما كان الإنسان في السفر يكون مستجمع القوى كامل الآلات تام الأهبة عبر بأداة الاستعلاء فقال: ﴿على سفر﴾ يعوز مثله إحضار كاتب ﴿ولم تجدوا كاتباً فرهان﴾ أي فيغنيكم عن الكتب رهن يكون بدلاً عنه، وقرىء: فرهان، وكلاهما جمع رهن - بالفتح والإسكان، وهو التوثقة بالشيء مما يعادله بوجه ما. وأشار بأن بدليتها لا تفيد إلا بما وصفها من قوله: ﴿مقبوضة﴾ أي بيد رب الدين وثيقة لدينه.
стр. 1495
ولما كان التقدير: هذا إن تخوفتم من المداين، عطف عليه قوله: ﴿فإن أمن﴾ ولما كان الائتمان تارة يكون من الدائن وتارة يكون من الراهن قال: ﴿بعضكم بعضاً﴾ أي فلم تفعلوا شيئاً من ذلك ﴿فليؤد﴾ أي يعط، من الأداء وهو الإتيان بالشيء لميقاته. ولما كان المراد التذكير بالإحسان بالائتمان ليشكر ولم يتعلق غرض بكونه من محسن معين بني للمفعول قوله: ﴿الذي اؤتمن﴾ من الائتمان وهو طلب الأمانة وهو إيداع الشيء لحفيظته حتى يعاد إلى المؤتمن - قاله الحرالي: ﴿أمانته﴾ وهو الدين الذي ترك المؤتمن التوثق به من المدين إحساناً إليه وحسن ظن به، وكذا إن كان الائتمان من جهة الراهن ﴿وليتق الله﴾ المستجمع لصفات العظمة ﴿ربه﴾ أي الذي رباه في نعمه وصانه من بأسه ونقمه وعطّف عليه قلب من أعطاه وائتمنه ليؤدي الحق على الصفة التي أخذه بها فلا يخن في شيء مما اؤتمن عليه.
стр. 1496
ولما كانت الكتابة لأجل إقامة الشهادة وكانت الأنفس مجبولة على الشح مؤسسة على حب الاستئثار فيحصل بسبب ذلك مخاصمات ويشتد عنها المشاحنات وربما كان بعض المخاصمين ممن يخشى أمره ويرجى بره فيحمل ذلك الشهود على السكوت قال : ﴿ولا تكتموا الشهادة﴾ أي سواء كان صاحب الحق يعلمها أو لا. ولما نهى أتبع النهي التهديد فقال: ﴿ومن يكتمها فإنه آثم﴾ ولما كان محلها القلب الذي هو عمدة البدن قال: ﴿قلبه﴾ ومن أثم قلبه فسد، ومن فسد قلبه فسد كله، لأن القلب قوام البدن، إذا فسد فسد سائر الجسد.
ولما كان التقدير: فإن الله عالم بأنه كتم وكان للشهداء جهات تنصرف بها الشهادة عن وجه الإقامة عطف عليه قوله - ليشمل التهديد تلك الأعمال بإحاطة العلم: ﴿والله﴾ أي
стр. 1497
المحيط بجميع صفات الكمال. ولما كان الإنسان هو المقصود الأعظم من سائر الأكوان فكانت أحواله مضبوطة بأنواع من الضبط كأن العلم البليغ مقصور عليه فلذلك قدم قوله: ﴿بما تعملون﴾ أي كله وإن دق سواء كان فعل القلب وحده أو لا ﴿عليم *﴾ قال الحرالي: فأنهى أمر ما بين الحق والخلق ممثولاً وأمر ما بين الخلق والخلق مثلاً - انتهى.
ولما أخبر عن سعة علمه دل عليه بسعة ملكه المستلزم لسعة قدرته ليدل ذلك على جميع الكمال لأنه قد ثبت كما قال الأصبهاني إن الصفات التي هي كمالات حقيقة ليست إلا القدرة والعلم المحيط فقال واعداً للمطيع متوعداً للعاصي مصرحاً بأن أفعال العباد وغيرها مخلوق له: - وقال الحرالي: ولما كان أول السورة إظهار كتاب التقدير في الذكر الأول كان ختمها إبداء أثر ذلك الكتاب الأول في الأعمال والجزاء التي هي الغاية في ابتداء أمر التقدير فوقع الختم بأنه سلب الخلق ما في أيديهم مما أبدوه وما أخفوه من أهل السماوات والأرض؛ انتهى - فقال: ﴿لله﴾ أي الملك الأعظم. ولما
стр. 1498
كانت ما ترد لمن يغفل وكان أغلب الموجودات والجمادات عبر بها فقال: ﴿ما في السماوات﴾ أي كله على علوها واتساعها من ملك وغيره ﴿وما في الأرض﴾ مما تنفقونه وغيره من عاقل وغيره، يأمر فيهما ومنهما بما يشاء وينهى عما يشاء ويعطي من يشاء ويمنع من يشاء ويضاعف لمن يشاء.
ولما كان التقدير: فهو يعلم جميع ما فيهما من كتمانكم وغيره ويتصرف فيه بما يريد، عطف عليه محذراً من يكتم الشهادة أو يضمر سوءاً غيرها أو يظهره قوله تعالى: ﴿وإن تبدوا﴾ أي تظهروا
стр. 1499
﴿ما في أنفسكم﴾ من شهادة أو غيرها ﴿أو تخفوه﴾ مما وطنتموه في النفس وعزمتم عليه وليس هو من الخواطر التي كرهتموها ولم تعزموا عليها. قال الحرالي: من الإخفاء وهو تغييب الشيء وأن لا يجعل عليه علم يهتدي إليه من جهته ﴿يحاسبكم﴾ من المحاسبة مفاعلة من الحساب والحسب، وهو استيفاء الأعداد فيما للمرء وعليه من الأعمال الظاهرة والباطنة يعني ليجازي بها ﴿به الله﴾ أي بذكره لكم وأنتم تعلمون ما له من صفات الكمال. قال الحرالي: وفي ضمن هذا الخطاب لأولي الفهم إنباء بأن الله إذا عاجل العبد بالحساب بحكم ما يفهمه ترتيب الحساب على وقوع العمل حيث لم يكن فيحاسبكم مثلاً فقد أعظم اللطف به، لأن من حوسب بعمله عاجلاً في الدنيا خف جزاؤه عليه حيث يكفر عنه بالشوكة يشاكها حتى بالقلم يسقط من يد الكاتب، فيكفر عن المؤمن بكل ما يلحقه في دنياه حتى يموت على طهارة من ذنوبه وفراغ من حسابه كالذي يتعاهد بدنه وثوبه بالتنظيف فلا يتسخ ولا يدرن ولا يزال
стр. 1500
نظيفاً - انتهى وفيه تصرف.
ولما كان حقيقة المحاسبة ذكر الشيء والجزاء عليه وكان المراد بها هنا العرض وهو الذكر فقط بدلالة التضمن دل عليه بقوله مقدماً الترجئة معادلة لما أفهمه صدر الآية من التخويف: ﴿فيغفر لمن يشاء﴾ أي فلا يجازيه على ذلك كبيرة كان أو لا ﴿ويعذب من يشاء﴾ بتكفير أو جزاء.
ولما أخبر بهذا أنه مطلق التصرف ختم الكلام دلالة على ذلك بقوله مصرحاً بما لزم تمام علمه من كمال قدرته: ﴿والله﴾ أي الذي لا أمر لأحد معه ﴿على كل شيء قدير *﴾ أي ليس هو كملوك الدنيا يحال بينهم وبين بعض ما يريدون بالشفاعة وغيرها. قال الحرالي: فسلب بهذه الآية القدرة عن جميع الخلق - انتهى. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الآية خاصة بأمر الشهادة، وقال الأكثرون: هي عامة كما فهمها الصحابة رضوان الله عليهم في الوسوسة وحديث النفس المعزوم عليه وغيره ثم خففت بما بعدها، روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله
стр. 1501
تعالى عنه قال: «لما نزلت على رسول الله ﷺ ﴿لله ما في السماوات﴾ الآية إلى ﴿قدير﴾ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ثم بركوا على الركب فقالوا: يا رسول الله! كُلّفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، فقال رسول الله ﷺ : أترون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: ﴿سمعنا وعصينا﴾ [البقرة: ٩٣] ، قولوا: ﴿سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ قالوا: ﴿سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ .
فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه﴾ إلى ﴿المصير﴾ فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى وأنزل ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ إلى ﴿أو أخطأنا﴾ قال: نعم» قال البغوي: وفي رواية عن ابن عباس ﵄: قد فعلت، واستمر إلى آخر السورة كلما قرؤوا جملة قال: نعم. فقد تبين
стр. 1502
من هذا تناسب هذه الآيات، وأما مناسبتها لأول السورة رداً للمقطع على المطلع فهو أنه لما ابتدأ السورة بوصف المؤمنين بالكتاب الذي لا ريب فيه على الوجه الذي تقدم ختمها بذلك بعد تفصيل الإنفاق الذي وصفهم به أولها على وجه يتصل بما قبله من الأوامر والنواهي والاتصاف بأوصاف الكمال أشد اتصال، وجعل رأسهم الرسول عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام تعظيماً للمدح وترغيباً في ذلك الوصف فأخبر بإيمانهم بما أنزل إليه بخصوصه وبجميع الكتب وجميع الرسل وبقولهم الدال على كمال الرغبة وغاية الضراعة والخضوع فقال استئنافاً لجواب من كأنه قال: ما فعل من أنزلت عليه هذه الأوامر والنواهي وغيرها؟ ﴿آمن الرسول﴾ أي بما ظهر له من المعجزة القائمة على أن الآتي إليه بهذا الوحي ملك من عند الله كما آمن الملك به بما ظهر له من المعجزة الدالة على أن الذي أتى به كلام الله أمره الله بإنزاله فعرفه إشارة إلى أنه أكمل الرسل في هذا الوصف باعتبار إرساله إلى جميع الخلائق
стр. 1503
الذين هم لله ، وأنه الجامع لما تفرق فيهم من الكمال، وأنه المخصوص بما لم يعطه أحد منهم من المزايا والأفضال ﴿بما أنزل إليه﴾ أي من أن الله يحاسب بما ذكر وغير ذلك مما أمر بتبليغه ومما اختص هو به ورغب في الإيمان بما آمن به بقوله: ﴿من ربه﴾ أي المحسن إليه بجليل التربية المزكي له بجميل التزكية فهو لا ينزل إليه إلا ما هو غاية في الخير ومنه ما حصل له في دنياه من المشقة.
قال الحرالي: فقبل الرسول هذا الحساب الأول العاجل الميسر ليستوفي أمره منه وحظه في دنياه، قال ﷺ لما قالت له فاطمة رضي الله تعالى عنها عند موته: واكرباه! : «لا كرب على أبيك بعد اليوم» وقال ﷺ فيما رواه أبو نعيم في الحلية عن أنس رضي الله تعالى عنه «ما أوذي أحد في الله ما أوذيت» فنال حظه من حكمة ربه في دنياه حتى كان يوعك كما يوعك عشرة رجال، وما شبع من خبز بر ثلاثاً تباعاً عاجلاً حتى لقي الله؛ وكذلك المؤمن لا راحة له دون لقاء ربه ولا سجن
стр. 1504
عليه بعد خروجه من دنياه، «الحمى حظ كل مؤمن من النار» انتهى. ولما أخبر عن الرأس أخبر عمن يليه فقال: ﴿والمؤمنون﴾ معبراً بالوصف الدال على الرسوخ أي آمنوا بما ظهر لهم من المعجزة التي أثبتت أنه كلام الله بما دلت على أن الآتي به رسول الله ﷺ .
ولما أجمل فصل فقال مبتدئاً: ﴿كل﴾ أي منهم. قال الحرالي: فجمعهم في كلية كأن قلوبهم قلب واحد لم يختلفوا، لأن القبول واحد والرد يقع مختلفاً - انتهى. ثم أخبر عن ذلك المبتدأ بقوله: ﴿آمن بالله﴾ أي لما يستحقه من ذلك لذاته لما له من الإحاطة بالكمال ﴿وملائكته﴾ الذين منهم النازلون بالكتب، لأن الإيمان بالمنزل يستلزم ذلك ﴿وكتبه﴾ أي كلها ﴿ورسله﴾ كلهم، من البشر كانوا أو من الملائكة، فإن فيما أنزل إليه ﷺ الإخبار
стр. 1505
بذلك. قال الحرالي: انقياداً لامتثال من البشر.
ولما كان في الناس من يؤمن ببعض الأنبياء ويكفر ببعض قال مؤكداً لما أفهمته صيغة الجمع المضاف من الاستغراق أي قالوا: ﴿لا نفرق﴾ كما فعل أهل الكتاب وعبر بما يشمل الاثنين فما فوقهما فقال: ﴿بين أحد﴾ أي واحد وغيره ﴿من رسله﴾ أي لا نجعل أحداً منهم على صفة الفرقة البليغة من صاحبه في ذلك بل نؤمن بكل واحد منهم، والذي دل على تقدير «قالوا» دون غيره أنه لما أكمل قولهم في القوة النظرية الكفيلة باعتقاد المبدأ أتبعه قولهم في القوة العملية الكائنة في الوسط عطفاً عليها: ﴿وقالوا سمعنا﴾ أي بآذان عقولنا كل ما يمكن أن يسمع عنك وعلمناه وأذعنا له ﴿وأطعنا﴾ أي لكل ما فيه من أمرك.
قال الحرالي: فشاركوا أهل الكتاب في طليعة الإباء وخالفوهم في معاجلة التوبة والإقرار بالسمع والطاعة فكان لهؤلاء ما للتائب وعلى أولئك ما على المصر - انتهى.
стр. 1506
ولما كان الإنسان محل الزلل والنقصان أشاروا إلى ذلك تواضعاً منهم كما هو الأولى بهم لمقام الألوهية فقالوا مع طاعتهم معترفين بالمعاد: ﴿غفرانك﴾ أي اغفر لنا أو نسألك غفرانك الذي يليق إضافته إليك لما له من الكمال والشرف والجلال ما قصرنا فيه ولا تؤاخذنا به فإنك إن فعلت ذلك هلكنا، والحاصل أنهم طلبوا أن يعاملهم بما هو أهله لا بما هم أهله فجرى بما جراهم عليه في قوله: ﴿فيغفر لمن يشاء﴾ . قال الحرالي: فهذا القول من الرسول ﷺ كشف عيان، ومن المؤمنين نشء إيمان، ومن القائلين للسمع والطاعة قول إذعان، فهو شامل للجميع كل على رتبته - انتهى. وزادوا تملقاً بقولهم: ﴿ربنا﴾ ذاكرين وصف الإحسان في مقام طلب الغفران. قال الحرالي: وهو خطاب قرب من حيث لم يظهر فيه أداة نداء، ولم يجر الله على ألسنة المؤمنين في كتابه العزيز نداء بُعد قط؛ والغفران فعلان صيغة مبالغة تعطي الملء ليكون غفراً للظاهر والباطن وهو مصدر محيط المعنى نازل
стр. 1507
منزلة الاستغفار الجامع لما أحاط به الظاهر والباطن مما أودعته الأنفس التي هي مظهر حكمة الله التي وقع فيها مجموع الغفران والعذاب ﴿فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾ ففي ضمنه بشرى بتعيين القائلين المذعنين ومن تبعهم بالقول لحال المغفرة، لأن هذه الخواتيم مقبولة من العبد بمنزلة الفاتحة لاجتماعهما في كونهما من الكنز الذي تحت العرش، وعلى ما ورد من قوله: «حمدني عبدي - إلى أن قال: ولعبدي ما سأل» وعلى ما ورد في دعاء هذا الختم في قوله: «قد فعلت قد فعلت» وبما ابتدأ تعالى به آية هذا الحساب وختمها به من سلب الأمر أولاً وسلب القدرة عما سواه آخراً، وكان في الابتداء والختم إقامة عذر القائلين، فوجب لهم تحقق الغفران كما كان لأبيهم آدم حيث تلقى الكلمات من ربه - انتهى.
ولما كان التقدير بما أرشد إليه ﴿ربنا﴾ : فإنه منك مبدأنا، عطف عليه قوله حثاً على الاجتهاد في كل ما أمر به ونهى عنه على وجه الإخلاص: ﴿وإليك﴾ أي لا إلى غيرك ﴿المصير﴾ أي مطلقاً لنا ولغيرنا. وقال ابن الزبير: ولما بين أن الكتاب هو الصراط المستقيم ذكر افتراق الأمم كما يشاء وأحوال الزائغين والمتنكبين تحذيراً من حالهم ونهياً عن مرتكبهم وحصل
стр. 1508
قبيل النزول بجملته وانحصار التاركين وأعقب بذكر ملتزمات المتقين وما ينبغي لهم امتثاله والأخذ به من الأوامر والأحكام والحدود وأعقب ذلك بأن المرء يجب أن ينطوي على ذلك ويسلم الأمر لمالكه فقال : ﴿آمن الرسول بما أنزل﴾ فأعلم أن هذا إيمان الرسول ومن كان معه على إيمانه وأنهم قالوا: ﴿سمعنا وأطعنا﴾ لا كقول بني إسرائيل.
﴿سمعنا وعصينا﴾ [البقرة: ٩٣] وأنه أثابهم على إيمانهم رفع الإصر والمشقة والمؤاخذة بالخطأ والنسيان فقال: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ ، فحصل من هذه السورة بأسرها بيان الصراط المستقيم على الاستيفاء والكمال أخذاً وتركاً وبيان شرف من أخذ به وسوء حال من تنكب عنه. وكان العباد لما علموا ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة: ٦]- إلى آخر السورة قيل لهم: عليكم بالكتاب - إجابة لسؤالهم؛ ثم بين لهم حال من سلك ما طلبوا فكان قيل لهم: أهل الصراط المستقيم وسالكوه هم الذين بيّن شأنهم وأمرهم، والمغضوب عليهم من المتنكبين هم اليهود الذين بين أمرهم وشأنهم، والضالون هم النصارى الذين بيّن
стр. 1509
أمرهم وشأنهم؛ فيجب على من رغب في سلوك الصراط المستقيم أن يحذر ما أصاب هؤلاء مما نبه عليه وأن يأخذ نفسه بكذا وكذا وأن ينسحب إيمانه على كل ذلك، وأن يسلم الأمر لله الذي تطلب منه الهداية، ويتضرع إليه بأن لا يؤاخذه بما يثمره الخطأ والنسيان، وأن لا يحمله ما ليس في وسعه، وأن يعفو عنه - إلى آخر السورة؛ انتهى.
ولما مُنّوا بالإيمان في سؤال الغفران عللوا السؤال بقولهم: ﴿لا يكلف الله﴾ أي الملك الأعظم الرحيم الأكرم الذي له جميع صفات الكمال ﴿نفساً إلا وسعها﴾ أي ما تسعه وتطيقه ولا تعجز عنه، وذلك هو الممكن لذاته الذي يتعلق اختيار العبد بفعله، ولم يخبر الله تعالى بأنه لا يقع لا المحال لذاته ولا الممكن لذاته سواء كان مما لا مدخل للإنسان في اختياره كالنوم أو كان له مدخل فيه وقد تعلق العلم
стр. 1510
الأزلي بعدم وقوعه وأخبر بعدم وقوعه معيناً لصاحبه، فهذا لا يقع التكليف به ويجوز التكليف به؛ وهذا الكلام من جملة دعائهم على وجه الثناء طلباً للوفاء بما أخبرهم به الرسول ﷺ عنه خوفاً من أن يكلفوا بما لله كما دلت عليه الآية وقول المؤمنين عند نزولها وجواب النبي ﷺ لهم أن يكلف به من المؤاخذة بالوساوس التي لا يقع العزم عليها لأنه مما تخفيه النفوس ولا طاقة على دفعه فهو من باب:
إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرضه الثناء
ولعل العدول عن الخطاب إلى الغيبة بذكر الاسم الأعظم من باب التملق بأن له من صفات العظمة ما يقتضي العفو عن ضعفهم ومن صفات الحلم والرحمة والرأفة ما يرفه عنهم ويحتمل أن يكون ذلك من قول الله جزاء لهم على قولهم ﴿سمعنا وأطعنا﴾ - الآية،
следующие страницы →