Полный текст (11 765 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
ووارثه أيضاً كلالة لأنه ليس بوالد ولا ولد، فالمورث كلالة وارثه، والوارث كلالة مورثة؛ قال الأصبهاني: رجل كلالة، وامرأة كلالة، وقوم كلالة، لا يثنى ولا يجمع، لأنه مصدر كالدلالة والوكالة، وهو بمعنى الكلال، وهو ذهاب القوة من الإعياء، وقد تطلق الكلالة على القرابة من غير جهة الولد والوالد، ومنه قولهم: ما ورث المجد عن كلالة ﴿أو﴾ وجدت ﴿امرأة﴾ أي تورث كذلك، ويجوز أن يكون (يورث) صفة، و (كلالة) خبر كان ﴿وله﴾ خبر كان ﴿وله﴾ أي للمذكور وهو الموروث على أي الحالتين كان.
ولما كان الإدلاء بمحض الأنوثة يستوي بين الذكر والأنثى لضعفها قال ﴿أخ أو أخت﴾ أي من الأم - بإجماع المفسرين، وهي قراءة أبيّ وسعد بن مالك ﵄ ﴿فلكل واحد منهما السدس﴾ أي من تركته، من غير فضل للذكر على الأنثى.
ولما أفهم ذلك - أي بتحويل العبارة المذكورة من أن يقال: فله السدس - أنهما إن كانا معاً كان لهما الثلث، وكان ذلك قد يفهم أنه
стр. 2067
إن زاد وارثه زاد الإرث عن الثلث نفاه بقوله: ﴿فإن كانوا﴾ أي ما أفهمه (أخ أو أخت) من الوراث منهم ﴿أكثر من ذلك﴾ أي واحد، كيف كانوا ﴿فهم شركاء﴾ أي بالسوية ﴿في الثلث﴾ أي المجتمع من السدسين اللذين تقدم أنهما بينهما، لا يزادون على ذلك شيئاً، ثم كرر الحث على مصلحة الميت بياناً للاهتمام بها فقال: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ .
ولما كان الميت قد يضار ورثته، أو بعضهم بشيء يخرجه عنهم ظاهراً أو باطناً كأن يقر بماله لأجنبي، أو بدين لا حقيقة له، أو بدين كان له بأنه استوفاه؛ ختم الآية بالزجر عن ذلك بقوله: ﴿غير مضار﴾ مع ما تقدم من الإشارة إلى ذلك أول القصة بقوله ﴿لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً﴾ [النساء: ١١] ؛ قال الأصبهاني: والإضرار في الوصية من الكبائر، ثم أكد ذلك بقوله مصدراً ليوصيكم: ﴿وصية من الله﴾ أي الذي له الأمر كله مع تأكيده بجميع ما في الآيات تعظيماً للأمر باكتناف الوصية بأولها وأخرها، وهو دون الفريضة في حق الأولاد، لأن حقهم آكد.
ولما بين سبحانه الأصول وفصل النزاع، وكان ذلك خلاف مألوفهم
стр. 2068
وكان الفطام عن المألوف في الذروة من المشقة؛ اقتضى الحال الوعظ بالترغيب والترهيب، فختم القصة بقوله: ﴿والله﴾ أي الجامع لصفات الكمال من الجلال والجمال، وللإشارة إلى عظيم الوصية كرر هذا الاسم الأعظم في جميع القصة، ثم قال: ﴿عليم﴾ أي فلا يخفى عليه أمر من خالف بقول أو فعل، نية أو غيرها ﴿حليم *﴾ فهو من شأنه أن لا يعاجل بالعقوبة فلا يغتر بإمهاله، فإنه إذا أخذ بعد طول الأناة لم يفلت فاحذروا غضب الحليم! وفي الوصفين مع التهديد استجلاب للتوبة.
стр. 2069
ولما كان فطم أنفسهم عن منع الأطفال والنساء شديداً عليهم لمرونهم عليه بمرور الدهور الطويلة على إطباقهم على فعله واستحسانهم له أتبعه سبحانه الترغيب والترهيب لئلا يغتر بوصف الحليم، فقال معظماً للأمر بأداة البعد ومشيراً إلى جميع ما تقدم من أمر المواريث والنساء واليتامى وغيره: ﴿تلك﴾ أي هذه الحدود الجليلة النفع العظيمة الجدوى المذكورة من أول هذه السورة، بل من أول القرآن ﴿حدود الله﴾ أي الملك الأعظم، فمن راعاها - ولو لم يقصد
стр. 2070
طاعته، بل رفعاً لنفسه عن دناءة الإخلاد إلى الفاني ومعرة الاستئثار على الضعيف المنبىء عن البخل وسفول الهمة - نال خيراً كبيراً، فإنه يوشك أن يجره ذلك إلى أن يكون ممن يطيع الله ﴿ومن يطع الله﴾ الحائز لصفتي الجلال والإكرام ﴿ورسوله﴾ أي في جميع طاعاته هذه وغيرها، بالإقبال عليها وترك ما سواها لأجله سبحانه؛ قال الأصبهاني: «من» عام ووقوعه عقيب هذه التكاليف الخاصة لا يخصصه.
ولما تشوف السامع بكليته إلى الخبر التفت إليه تعظيماً للأمر - على قراءة نافع وابن عامر بالنون - فقال: ﴿ندخله جنات﴾ أي بساتين، وقراءة الجماعة بالياء عظيمة أيضاً لبنائها على الاسم الأعظم وإن كانت هذه أشد تنشيطاً بلذة الالتفات ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ أي لأن أرضها معدن المياه، ففي أي موضع أردت جرى نهر. فهي لا تزال يانعة غضة، وجمع الفائزين بدخول الجنة في قوله: ﴿خالدين فيها﴾ تبشيراً بكثرة الواقف عند هذه الحدود، ولأن منادمة الإخوان من أعلى نعيم الجنان.
стр. 2071
ولما كان اختصاصهم بالإرث عن النساء والأطفال من الفوز عندهم، بل لم يكن الفوز العظيم عندهم إلا الاحتواء على الأموال وبلوغ ما في البال منها من الآمال قال تعالى معظماً بأداة البعد: ﴿وذلك﴾ أي الأمر العالي المرتبة من الطاعة المندوب إليها ﴿الفوز العظيم *﴾ أي لا غيره من الاحتواء على ما لم يأذن به الله، وهذا أنسب شيء لتقديم الترغيب لتسمح نفوسهم بترك ما كانوا فيه مع ما فيه من التلطف بهذه الأمة والتبشير له ﷺ بأنها مطيعة راشدة.
ولما أشربت القلوب الصافية ذوات الهمم العالية حب نيل هذا الفوز أتبعه الترهيب فطماً لها عن تلك الفوائد بالكلية فقال: ﴿ومن يعص الله﴾ أي الذي له العظمة كلها ﴿ورسوله﴾ أي في ذلك وغيره ﴿ويتعد حدوده﴾ أي التي حدها في هذه الأحكام وغيرها، وأفرد العاصي في النيران في قوله: ﴿يدخله ناراً خالداً فيها﴾ لأن الانفراد المقتضي للوحشة من العذاب والهوان، ولما كان منعهم للنساء والأطفال من الإرث استهانة بهم ختم الآية بقوله: ﴿وله عذاب مهين *﴾ .
ولما تقدم سبحانه في الإيصاء بالنساء، وكان الإحسان في الدنيا تارة يكون بالثواب، وتارة يكون بالزجر والعتاب، لأن مدار الشرائع على العدل والإنصاف، والاحتراز في كل باب عن طرفي الإفراط
стр. 2072
والتفريط، وختم سبحانه بإهانة العاصي إحساناً إليه بكفه عن الفساد، لئلا يلقيه ذلك إلى الهلاك أبد الآباد، وكان من أفحش العصيان الزنى، وكان الفساد في النساء أكثر، والفتنة بهن أكبر، والضرر منهن أخطر، وقد يدخلن على الرجال من يرث منهم من غير أولادهم؛ قدمهن فيه اهتماماً بزجرهن فقال: ﴿واللاتي﴾ وهو جمع «التي» ولعله عبر فيهن بالجمع إشارة إلى كثرتهن - كما أشار إلى ذلك
﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ [النساء: ٣] وإلى كثرة الفساد منهن ﴿يأتين﴾ أي يفعلن - من إطلاق السبب على المسبب، والتعبير به أبلغ ﴿الفاحشة﴾ أي الفعلة الشديدة الشناعة، وفي الآية - لأن من أعظم المرادات بنظمها عقب آيات الإرث وما تقدمها الاحتياط للنسب - إشارة بذكر عقوبة الزانية من غير تعرض لإرث الولد الآتي منها إلى أن الولد للفراش، وأنه لا ينفي بالمظنة، بل بعد التحقق على ما في سورة النور، لأنه لا يلزم من وجود الزنى نفيه، وكونه من الزنى، قال ابو حيان في النهر: والفاحشة هنا الزنى بإجماع المفسرين إلا ما ذهب إليه مجاهد وتبعه أبو مسلم الأصفهاني من أنها المساحقة، ومن الرجال اللواط، ثم بين الموصول بقوله:
стр. 2073
﴿من نسائكم﴾ أي الحرائر ﴿فاستشهدوا﴾ أي فاطلبوا أن تشهدوا ﴿عليهن أربعة﴾ من الرجال.
ولما كان تعالى قد جعل هذه الأمة وسطاً يقبلون على غيرهم ولا يقبل غيرهم عليهم قال: ﴿منكم﴾ أي من عدول المسلمين بأنهن فعلنها ﴿فإن شهدوا﴾ أي بذلك ﴿فأمسكوهن﴾ أي فاحبسوهن ﴿في البيوت﴾ أي وامنعوهن من الخروج، فإن ذلك أصون لهن، وليستمر هذا المنع ﴿حتى يتوفاهن الموت﴾ أي يأتيهن وهن وافيات الأعراض ﴿أو يجعل الله﴾ المحيط علمه وحكمته ﴿لهن سبيلاً *﴾ اي للخروج قبل الموت بتبين الحد أو بالنكاح، وإن لم يشهد الأربعة لم يفعل بهن ذلك وإن تحقق الفعل.
стр. 2074
ولما ذكر أمر النساء أتبعه حكم الرجال على وجه يعم النساء أيضاً فقال: ﴿والّذان﴾ وهو تثنية «الذي» وشدد نونه ابن كثير تقوية له ليقرب من الأسماء المتمكنة ﴿يأتيانها منكم﴾ أي من بكر أو ثيب، أو رجل أو امرأة، ويثبت ذلك بشهادة الأربعة - كما تقدم ﴿فآذوهما﴾ وقد بين مجمل الأذى الصادق باللسان وغيره آية الجلد وسنة الرجم ﴿فإن تابا﴾ أي بالندم والإقلاع والعزم على عدم العود ﴿وأصحا﴾
стр. 2075
أي بالاستمرار على ما عزما عليه، ومضت مدة علم فيها الصدق في ذلك ﴿فأعرضوا عنهما﴾ أي عن أذاهما، وهو يدل على أن الأذى باللسان يستمر حتى يحصل الاستبراء، ثم علل ذلك بقوله: ﴿إن الله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال ﴿كان تواباً﴾ أي رجاعاً بمن رجع عن عصيانه إلى ما كان فيه من المنزلة ﴿رحيماً *﴾ أي يخص من يشاء من عباده بالتوفيق لما يرضاه له، فتخلقوا بفعله سبحانه وارحموا المذنبين إذا تابوا، ولا يكن أذاكم لهم إلا لله ليرجعوا، وليكن أكثر كلامكم لهم الوعظ بما يقبل بقلوبهم إلى ما ترضاه الإلهية، ويؤيده أن المراد بهذا البكر والثيب من الرجال والنساء تفسير النبي ﷺ بقوله فيما رواه مسلم والأربعة والدارمي عن عبادة بن الصامت ﵁ «قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» فالحديث مبين لما أجمل في الآية من ذكر السبيل.
ولما ختم ذلك بذكر توبة الزناة، وكان الحامل على الزنى - على ما يقتضيه الطبع البشري - شدة الشبق وقلة النظر في العواقب، وكان
стр. 2076
ذلك إنما هو في الشباب؛ وصل بذلك قوله تعالى معرفاً بوقت التوبة وشرطها مرغباً في تعجيلها مرهباً من تأخيرها: ﴿إنما التوبة﴾ وهي رجوع العبد عن المعصية اعتذاراً إلى الله تعالى، والمراد هنا قبولها، سماه باسمها لأنها بدون القبول لا نفع لها، فكأنه لا حقيقة لها.
ولما شبه قبوله لها بالواجب من حيث إنه بها، لأنه لا يبدل القول لديه؛ عبر بحرف الاستعلاء المؤذن بالوجوب حثاً عليها وترغيباً فيها فقال: ﴿على الله﴾ أي الجامع بصفات الكمال ﴿للذين يعملون السوء﴾ أيَّ سوء كان من فسق أو كفر، وقال: ﴿بجهالة﴾ إشارة إلى شدة قبح العصيان، لا سيما الزنى من المشايخ، لإشعار السياق ترهيباً بأن الأمر فيهم ليس كذلك - كما صرح به النبي ﷺ فيما رواه البزار بإسناد جيد عن سلمان ﵁ «ثلاثة لا يدخلون الجنة: الشيخ الزاني، والإمام الكذاب، والعائل المزهو» وهو في مسلم وغيره عن أبي هريرة ﵁
«ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر» وهو عن كثير من الصحابة من طرق كثيرة، وذلك لأن حضور الموت بالقوة القريبة من الفعل
стр. 2077
وإضعاف القوى الموهنة لداعية الشهوة قريب من حضوره بالفعل، وذلك ينبغي أن يكون مذهباً لداعية الجهل، ماحقاً لعرامة الشباب، سواء قلنا: إن المراد بالجهالة ضد الحلم، أو ضد العلم؛ قال الإمام عبد الحق في كتابه الواعي: قال أبو عبد الله - يعني القزاز: والجاهلية الجهلاء اسم وقع على أهل الشرك يكون مأخوذاً من الجهل الذي هو ضد العلم والذي هو ضد الحلم قال وأصل الجهل من قولهم: استجهلت الريح الغصن - إذا حركته، فكأن الجهل إنما هو حركة تخرج عن الحق والعلم - انتهى. فالمعنى حينئذ: يعملون السوء ملتبسين بسفه أو بحركة وخفة أخرجتهم عن الحق والعلم فكانوا كأنهم لا يعلمون - بعملهم عمل أهل الجاهلية الذين لا يعلمون، وزاد في التنفير من مواقعة السوء والتحذير بقوله: ﴿ثم يتوبون﴾ أي يجددون التوبة.
ولما كان المراد الترغيب فيها ولو قصر زمنها بمعاودة الذنب أثبت الجار فقال: ﴿من﴾ أي من بعض زمان ﴿قريب﴾ أي من زمن المعصية وهم في فسحة من الأجل، وذلك كناية عن
стр. 2078
عدم الإصرار إلى الموت، ولعله عبر بثم إشارة إلى بُعد التوبة ولا سيما مع القرب ممن واقع المعصية، لأن الغالب أن الإنسان إذا ارتبك في حبائلها لا يخلص إلا بعد عسر، ولذلك أشار إلى تعظيمهم بأداة البعد في قوله - مسبباً عن توبتهم واعداً أنه فاعل ما أوجبه على نفس لا محالة من غير خلف وإن كان لا يجب عليه شيء، ولا يقبح منه شيء: ﴿فأولئك﴾ أي العظيمو الرتبة الصادقو الإيمان ﴿يتوب الله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال ﴿عليهم﴾ أي يردهم إلى ما كانوا فيه عندهم من مكانة القرب قبل مواقعة الذنب ﴿وكان الله﴾ أي المحيط علماً وقدرة ﴿عليماً﴾ أي بالصادقين في التوبة والكاذبين وبنياتهم، فهو يعاملهم بحسب ما يقتضيه حالهم ﴿حكيماً﴾ فهو يضع الأشياء في أحكم محل لها، فمهما فعله لم يمكن نقضه.
ولما بين سبحانه المقبول أتبعه المطرود فقال: ﴿وليست التوبة﴾ أي قبولها ﴿للذين يعملون السيئات﴾ أي واحدة بعد أخرى مصرين عليها فسقة كانوا أو كفرة، غير راجعين من قريب، بل يمهلون ﴿حتى إذا حضر﴾ ولما كان تقديم المفعول - على وجه يجوّز كل سامع وقوعه عليه - أهول، لكونه يصير مرتقباً حال فاعله، خائفاً من عاقبته قال: ﴿أحدهم الموت﴾ أي بأن وصل إلى حد الغرغرة، وهي
стр. 2079
حالة المعاينة ﴿قال﴾ أي بلسانه كفرعون، أو قلبه ﴿إني تبت الآن﴾ فبين أن ما قبل الاحتضار قريب مع الترغيب في المسارعة جداً بالتعبير بقريب ﴿ولا الذين﴾ أي وليست التوبة للذين ﴿يموتون وهم كفار﴾ حقيقة أو مجازاً، من غير أن يتوبوا، ولا عند الغرغرة، فسوى بين الفسق والكفر تنفيراً من الفسق لصعوبة النزع عنه بعد مواقعته، ولذلك جمعهما في العذاب بقوله - جواباً لمن كأنه قال: فما جزاء هذين الصنفين: ﴿أولئك﴾ أي البعداء من الرحمة، الذين لم يتوبوا إلا حال الغرغرة، والذين ماتوا مصرين ﴿أعتدنا﴾ أي هيأنا وأحضرنا ﴿لهم عذاباً﴾ ولما كان تأخير التوبة لذة نفسانية ختم بقوله: ﴿أليماً *﴾ أي نعذب به الكافرين ومن شئنا من عصاة المؤمنين، لأن توبتهم في تلك الحالة عدم، والميت من غير توبة من المؤمنين في المشيئة.
стр. 2080
ولما انقضى ما تخلل ذكر النساء الوالدات للوراث، وختمه بهذا التهديد الهائل لمن فعل ما لا يحل له؛ وصل الكلام فيهن بأمر من فعله، فهو زان مصر على الزنى إلى الموت إن اعتقد حرمته، أو كافر
стр. 2081
إن اعتقد حله، فقال مشيراً بتخصيص المؤمنين عقب ﴿ولا الذين يموتون وهم كفار﴾ [النساء: ١٨] إلى أنه لا يرث كافر من مسلم، وإلا لقال: يا أيها الناس - مثلاً، منفراً من ذلك بالتقييد بما هو لأدنى الإيمان: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي فوقف بهم الإيمان عند زواجرنا ﴿لا يحل لكم أن ترثوا النساء﴾ أي مالهن ﴿كرهاً﴾ أي كارهين لهن، لا حامل لكم على نكاحهن إلا رجاء الإرث، وذلك أنهم كانوا ينكحون اليتامى لمالهن، وليس لهم فيهن رغبة إلا تربص الموت لأخذ مالهن ميراثاً - كما سيأتي في تفسير ﴿ويستفتونك في النساء﴾ [النساء: ١٢٧] أو يكون الفعل واقعاً على نفس النساء، ويكون (كرهاً) على هذا حالاً مؤكدة، أي كارهات، أو ذوات كره، وذلك لأن الرجل كان إذا مات وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو قريبه من عصبته فيلقي ثوبه عليها، فيصير أحق بها من نفسها ومن غيرها، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الأول الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها غيره وأخذ صداقها، وإن شاء عضلها ومنعها من الأزواج، يضارها لتفتدي منه بما ورثت من الميت، أو تموت هي فيرثها، وكان أهل المدينة على هذا حتى توفي
стр. 2082
أبو قيس بن الأسلت، ففعل ابنه حصن هذا مع زوجة له، فشكت ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فأنزل الله هذه الآية، روى البخاري في التفسير عن ابن عباس ﵄ قال؛ «كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها، وهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك ﴿لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً﴾ » ولهذا أتبعه سبحانه قوله: ﴿ولا تعضلوهنَّ﴾ أي تمنعوهن من التزوج بعد طلاقكم لهن أو بعد موت أزواجهن، أوتشددوا عليهن بالمضارة وهن في حبائلكم؛ قال البيضاوي: وأصل العضل: التضييق، يقال عضلت الدجاجة بيضها - انتهى. والظاهر أن مدار مادته إنما هو على الاشتداد، من عضلة الساق، وهي اللحمة التي في باطنه، ونقل عبد الحق أنها كل لحم اجتمع، قال: وقال الخليل: كل لحمة اشتملت على عصبة - انتهى. وتارة يكون الاشتداد ناظراً إلى المنع، وتارة إلى الغلبة والضيق، ثم علل ذلك بقوله: ﴿لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن﴾ أي أنتم إن كن أزواجاً لكم، أو مورثوكم إن كن أزواجاً لهم وعضلتموهن بعدهم، ليذهب ذلك بسبب إنفاقهن له على أنفسهن في زمن العضل،
стр. 2083
أو بسبب افتدائهن لأنفسهن به منكم، ثم استثنى من تحريم العضل في جميع الحالات فقال: ﴿إلا أن﴾ أي لا تفعلوا ذلك لعلة من العلل إلا لعلة أن ﴿يأتين بفاحشة﴾ أي فعلة زائدة القبح ﴿مبينة﴾ أي بالشهود الأربعة إن كانت زنى فاعضلوهن بالإمساك في البيوت - كما مضى - لأن من تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه، أو بمن يقبل من الشهود إن كانت نشوزاً وسوء عشرة، فلكم العضل حينئذ إلى الصلاح أو الافتداء بما تطيب به النفس، والأنسب لسياق الأمر في ﴿وعاشروهن﴾ أن يكون ﴿تعضلوهن﴾ منهياً، لا معطوفاً على «أن ترثوا» ﴿بالمعروف﴾ أي من القول والفعل بالمبيت والنفقة والموادة قبل الإتيان بالفاحشة ﴿فإن﴾ أي إن كنتم لا تكرهونهن فالأمر واضح، وإن ﴿كرهتموهن﴾ فلا تبادروا إلى المضاجرة أو المفارقة، واصبروا عليهن نظراً لما هو الأصلح، لا لمجرد الميل النفسي، فإن الهوى شأنه أن لا يدعو إلى خير ثم دل على هذه العلة بقوله: ﴿فعسى﴾ ولوضوح دلالتها على ذلك صح جعلها جواباً للشرط ﴿أن تكرهوا شيئاً﴾ أي من الأزواج أو غيرها، لم يقيده سبحانه تعميماً تتميماً للفائدة ﴿ويجعل الله﴾ أي المحيط علماً وقدرة، وغيَّب بحكمته علمكم العواقب
стр. 2084
لئلا تسكنوا إلى مألوف، أو تنفروا من مكروه ﴿فيه خيراً كثيراً *﴾ .
ولما نهى عن العضل تسبباً إلى إذهاب بعض ما أعطيته المرأة أتبعه التصريح بالنهي عن أخذ شيء منه في غير الحالة التي أذن فيها في المضارة فقال: ﴿وإن﴾ أي إن لم تعضلوا المرأة، بل ﴿أردتم استبدال زوج﴾ أي تنكحونها ﴿مكان زوج﴾ أي فارقتموها أو لا، ولم يكن من قبلنا ما يبيح الضرار.
ولما كان المراد بزوج الجنس جمع في قوله: ﴿وآتيتم إحداهن﴾ أي إحدى النساء اللاتي وقع الإذن لكم في جمعهن في النكاح سواء كانت بدلاً أو مستبدلاً بها ﴿قنطاراً﴾ أي مالاً جماً ﴿فلا تأخذوا منه شيئاً﴾ أي بالمضارة عن غير طيب نفس منها، ولا سبب مباح، ثم عظم أخذه باستفهام إنكار وتوبيخ فقال: ﴿أتأخذونه﴾ أي على ذلك الوجه، ولما تقدم أن من صور الغصب على الافتداء حال الإتيان بالفاحشة شبه الأخذ في هذه الحالة التي لا سبب لها بالأخذ في تلك الحالة، فجعل الأخذ على هذه الصورة قائماً
стр. 2085
مقام القذف بما لا حقيقة له فلذلك قال: ﴿بهتاناً وإثماً مبيناً *﴾ أي كذوي بهتان في أخذه وإثم مبين - لكونه لا سبب له - يورث شبهة فيه، ثم غلظ ذلك باستفهام آخر كذلك فقال: ﴿وكيف تأخذونه وقد﴾ أي والحال أنه قد ﴿أفضى﴾ أي بالملامسة ﴿بعضكم إلى بعض﴾ أي فكدتم أن تصيروا جسداً واحداً ﴿وأخذن﴾ أي النساء ﴿منكم﴾ أي بالإفضاء والاتحاد ﴿ميثاقاً غليظاً *﴾ قوياً عظيماً، أي بتقوى الله في المعاشرة بالإحسان وعدم الإساءة، لأن مبنى النكاح على ذلك وإن لم يصرح به فيه.
стр. 2086
ولما كرر ذكر الإذن في نكاحهن وما تضمنه منطوقاً مفهوماً، وكان قد تقدم الإذن في نكاح ما طاب من النساء، وكان الطيب شرعاً قد يحمل على الحل؛ مست الحاجة إلى ما يحل منهن لذلك وما يحرم فقال: ﴿ولا تنكحوا﴾ أي تتزوجوا وتجامعوا ﴿ما نكح﴾ أي بمجرد العقد في الحرة، وبالوطء في ملك اليمين ﴿آبآؤكم﴾ وبين ﴿ما﴾ بقوله: ﴿من النساء﴾ أي سواء كانت إماء أو لا، بنكاح أو ملك يمين، وعبر بما دون «من» لما في النساء غالباً من السفه المدني لما لا يعقل.
ولما نهى عن ذلك فنزعت النفوس عما كان قد ألف بهاؤه
стр. 2087
فلاح أنه في غاية القباحة وأن الميل إليه إنما هو شهوة بهيمية لا شيء فيها من عقل ولا مروة، وكانت عادتهم في مثل ذلك مع التأسف على ارتكابه السؤال عما مضى منه - كما وقع في استقبال بيت المقدس وشرب الخمر؛ أتبعه الاستثناء من لازم الحكم وهو: فإنه موجب لمقت من ارتكبه وعقابه فقال: ﴿إلا ما قد سلف﴾ أي لكم من فعل ذلك في أيام الجاهلية كما قال الشافعي ﵀ في الأم، قال السهيلي في روضه: وكان ذلك مباحاً في الجاهلية لشرع متقدم، ولم يكن من الحرمات التي انتهكوها. ثم علل النهي بقوله: ﴿إنه﴾ اي هذا النكاح ﴿كان﴾ أي الآن وما بعده كوناً راسخاً ﴿فاحشة﴾ أي والفاحشة لا يقدم عليها تام العقل ﴿ومقتاً﴾ أي أشر ما يكون بينكم وبين ذوي الهمم لما انتهكتم من حرمة آبائكم ﴿وساء سبيلاً *﴾ أي قبح طريقاً طريقه.
ولما ابتدأ بتعظيم الآباء واحترامهم في أن ينكح الأبناء أزواجهم على العموم ثنى بخصوص الأم بقوله: ﴿حرمت عليكم﴾ ولما كان أعظم مقصود من النساء النكاح، فكان إضافة التحريم إلى أعيانهن إفادة التأكيد غير قادح في فهمه، وكان مع ذلك قد تقدم ما يدل
стр. 2088
على أن المراد النكاح؛ أسند التحريم إلى الذات تأكيداً للتحريم فقال: ﴿أمهاتكم﴾ أي التمتع بهن بنكاح أو ملك يمين، فكان تحريمها مذكوراً مرتين تأكيداً له وتغليظاً لأمره في نفسه واحتراماً للأب وتعظيماً لقدره ﴿وبناتكم﴾ أي وإن سفلن لما في ذلك من ضرار أمهاتهن، وهذان الصنفان لم يحللن في دين من الأديان ﴿وأخواتكم﴾ أي أشقاء أو لا ﴿وعمّاتكم﴾ كذلك ﴿وخالاتكم﴾ أيضاً، والضابط لهما أن كل ذكر رجع نسبك إليه فأخته عمتك، وقد تكون من جهة الأم وهي أخت أبي أمك؛ وكل أنثى رجع نسبك إليها بالولادة فأختها خالتك، وقد تكون الخالة من جهة الأب وهي أخت أم أبيك ﴿وبنات الأخ﴾ شقيقاً كان أو لا ﴿وبنات الأخت﴾ أي كذلك، وفروعهن وإن سفلن.
ولما انقضى أمر النسب وهو سبعة أصناف أتبعه أمر السبب وهو ثمانية: أوله أزواج الآباء، أفردها وقدمها تعظيماً لحرمتها، لما كانوا استهانوا من ذلك، وآخره المحصنات، وبدأ من هذا القسم بالأم من الرضاع كما بدأ النسب بالأم فقال: ﴿وأمهاتكم اللاَّتي أرضعنكم﴾ تنزيلاً له منزلة النسب، ولذلك سماها أمّاً، فكل أنثى انتسب باللبن
стр. 2089
إليها فهي أمك، وهي من أرضعتك، أو أرضعت امرأة أرضعتك، أو رجلاً أرضعك بلبانه من زوجته أو أم ولده، وكل امرأة ولدت امرأة أرضعتك أو رجلاً أرضعك فهي أمك من الرضاعة والمراضعة أختك، وزوج المرضعة الذي أرضعت هي بلبانه أبوك وأبواه جداك، وأخته عمتك، وكل ولد ولد له من غير المرضعة قبل الرضاع وبعده إخوة الأب، وأم المرضعة جدتك، وأختها خالتك، وكل من ولد لها من هذا الزوج إخوة لأب وأم، ومن ولد لها من غيره فهم إخوته وأخواته لأم، فعلى ذلك ينزل قوله: ﴿وأخواتكم من الرضاعة﴾ كما في النسب بشرط أن يكون خمس رضعات وفي الحولين، وبتسمية المرضعة أمّاً والمشاركة في الرضاع أختاً عُلِم أن الرضاع كالنسب. كما بينه النبي ﷺ بقوله «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» فالصورتان منبهتان على بقية السبع؛ الأم منبهة على البنت بجامع الولادة، والأخوات على العمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت بجامع الأخوة.
ولما انقضى ما هو كلحمة النسب أتبعه أمر بالمصاهرة فقال:
стр. 2090
﴿وأمهات نسائكم﴾ أي دخلتم بهن أو لا - لما في ذلك من إفساد ذات البين غالباً ﴿وربائبكم﴾ وذكر سبب الحرمة فقال: ﴿اللاَّتي في حجوركم﴾ أي بالفعل أو بالقوة - لما فيهن من شبه الأولاد ﴿من نسائكم﴾ ولما كانت الإضافة تسوغ في اللغة بأدنى ملابسة بين سبحانه أنه لا بد من الجماع الذي كنى عنه بالدخول لأنه ممكن لحكم الأزواج الذي يصير به أولادها كأولاده فقال: ﴿اللاَّتي دخلتم بهن﴾ قيد بالدخول لأن غيرة الأم من ابنتها دون غيرة البنت من أمها.
ولما أشعر هذا القيد بحل بنت من عقد عليها ولم يدخل بها أفصح به تنبيهاً على عظيم حرمة الإرضاع فقال: ﴿فإن لم تكونوا دخلتم بهن﴾ أي الأمهات ﴿فلا جناح عليكم﴾ أي في نكاحهن؛ ولما افتتح المحرمات على التأبيد بزوجة الأب ختمها بزوجة الولد فقال: ﴿وحلائل أبنائكم﴾ أي زوجة كانت أو موطوءة بملك يمين؛ ولما لم يكن المتبنى مراداً قيد بقوله: ﴿الذين من أصلابكم﴾ أي وإن سفلوا، ودخل ما بالرضاع لأنه كلحمة النسب فلم يخرجه القيد.
ولما انقضى التحريم المؤبد أتبعه الموقت فقال: ﴿وأن﴾ أي وحرم عليكم أن ﴿تجمعوا﴾ بعقد نكاح لأن مقصوده الوطء،
стр. 2091
أو بوطء في ملك يمين ﴿بين الأختين﴾ فإن كانت إحداهما منكوحة والأخرى مملوكة حلت المنكوحة وحرمت المملوكة ما دام الحل، لأن النكاح أقوى، فإذا زال الحل حلت الأخرة ولو في عدة التي كانت حلالاً.
ولما كان الجمع بين الأختين شرعاً قديماً قال: ﴿إلا ما قد سلف﴾ أي فإنه لا إثم عليكم فيه رحمة من الله لكم، ثم علل رفع حرجه فقال: ﴿إن الله﴾ أي المحيط بصفات الكمال ﴿كان غفوراً﴾ أي ساتراً لما يريد من أعيان الزلل وآثاره ﴿رحيماً *﴾ أي معاملاً بغاية الإكرام الذي ترضاه الإلهية.
стр. 2092
ولما ذكر مضارة الجمع أتبعه مضارة الإغارة على الحق والأول جمع بين المنكوحين وهذا جمع بين الناكحين فقال - عاطفاً على النائب عن فاعل ﴿حرمت﴾ :
стр. 2093
﴿والمحصنات﴾ أي الحرائر المزوجات لأنهن منعت فروجهن بالنكاح عن غير الأزواج ﴿من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ أي من أزواج أهل الحرب، فإن الملك بالأسر يقطع النكاح.
ولما أتم ذلك قال مؤكداً له ومبيناً عظمته: ﴿كتاب الله﴾ أي خذوا فرض الملك الأعظم الذي أوجبه عليكم إيجاب ما هو موصول في الشيء بقطعه منه، والزموه غير ملتفتين إلى غيره، وزاد في تأكيده بأداة الوجوب فقال: ﴿عليكم﴾ ولما أفهم ذلك حل ما سواه أفصح به احتياطاً للإيضاح وتعظيماً لحرمتها في قوله: ﴿وأحل لكم﴾ وبين عظمة هذا التحريم بأداة البعد فقال: ﴿ما وراء ذلكم﴾ أي الذي ذكر لكم من المحرمات العظيمة.
ولما كان الكلام في المنع لمن يصرح بالفاعل بل قال؛ «حرمت» - ترفقاً في الخطاب حثاً على الآداب، فلما وصل الأمر إلى الحل أظهره تطييباً للقلوب وتأنيساً للنفوس في قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر بفتح الهمزة والحاء، وأبهمه في قراءة الباقين على نسق ﴿حرمت﴾ لأن فاعل الحل والحرمة عند أهل هذا الكتاب معروف أنه الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه أصلاً، ثم أتبع التحليل علته فقال: ﴿أن﴾ أي إرادة أن ﴿تبتغوا﴾ أي تطلبوا متبعين من شئتم مما أحل لكم ﴿بأموالكم﴾ اللاتي تدفعونها مهوراً
стр. 2094
حال كونكم ﴿محصنين﴾ أي قاصدين بذلك العفة لأنفسكم ولهن ﴿غير مسافحين﴾ أي قاصدين قضاء الشهوة وصب الماء الدافق لذلك فقط، وهو على هذا الوجه لا يكون إلا زنًى سراً وجهراً، فيكون فيه حينئذ إضاعة المال وإهلاك الدين، ولا مفسدة أعظم مما يجمع هذين الخسرانين.
ولما تقدم أول السورة وأثناءهها الأمر بدفع الصداق والنهي عن أخذ شيء مما دفع إلى المرأة، وكان ذلك أعم من أن يكون بعد الدخول أو قبله، مسمى أو لا قال هنا مسبباً عن الابتغاء المذكور: ﴿فما استمتعتم﴾ أي أوجدتم المتاع وهو الانتفاع ﴿به منهن﴾ بالبناء بها، متطلبين لذلك من وجوهه الصحيحة راغبين فيه ﴿فآتوهن أجورهن﴾ أي عليه كاملة، وهي المهور ﴿فريضة﴾ أي حال كونها واجبة من الله ومسماة مقدرة قدرتموها على أنفسكم، ويجوز كونه تأكيداً لآتوا بمصدر من معناه ﴿ولا جناح﴾ أي حرج وميل ﴿عليكم فيما تراضيتم به﴾ أي أنتم والأزواج ﴿من بعد الفريضة﴾ أي من طلاق أو فراق أو زيادة أو نقص إن كانت موجودة مقدرة، أو من مهر المثل من بعد تقديره إن لم تكن مسماة فيمن عقد عليها من غير تسمية صداق.
ولما ذكر في هذه الآيات أنواعاً من التكاليف هي في غاية الحكمة، والتعبير عنها في الذروة العليا من العظمة، وختمها بإسقاط الجناح عند الرضى وكان الرضى أمراً باطناً لا يطلع عليه حقيقة إلا الله تعالى،
стр. 2095
حث على الورع في شأنه بنوط الحكم بغلبة الظن فقال مرغباً في امتثال أوامره ونواهيه: ﴿إن الله﴾ أي الذي له الإحاطة التامة علماً وقدرة ﴿كان عليماً﴾ أي بمن يقدم متحرياً لرضى صاحبه أو غير متحرٍّ لذلك ﴿حكيماَ *﴾ أي يضع الأشياء في أمكن مواضعها من الجزاء على الذنوب وغيره.
стр. 2096
ولما مضى ذلك على هذا الوجه الجليل عرف أنه كله في الحرائر لأنه الوجه الأحكم في النكاح، وأتبعه تعليم الحكمة في نكاح الإماء؛ فقال عاطفاً على ما تقديره: هذا حكم من استطاع نكاح حرة: ﴿ومن لم يستطع منكم﴾ أي أيها المؤمنون ﴿طولاً﴾ أي سعة وزيادة عبر فيما قبله بالمال تهويناً لبذله بأنه ميال، لا ثبات له، وهنا بالطول الذي معناه: التي قل من يجدها ﴿أن﴾ أي لأن ﴿ينكح المحصنات﴾ أي الحرائر، فإن الحرة مظنة العفة الجاعلة لها فيما هو كالحصن على مريد الفساد، لأن العرب كانوا يصونونهنَّ وهنَّ أنفسهن عن أن يكن كالإماء ﴿المؤمنات﴾ بسبب كثرة المؤنة وغلاء المهر ﴿فمن﴾ أي فلينكح إن أراد من ﴿ما ملكت أيمانكم﴾ أي مما ملك غيركم من المؤمنين ﴿من فتياتكم﴾ أي إمائكم، وأطلقت الفتوة -
стр. 2097
وهي الشباب - على الرقيق لأنه يفعل ما يفعل الشاب لتكليف السيد له إلى الخدمة وعدم توقيره وإن كان شيخاً، ثم وضح المراد بالإضافة فقال: ﴿المؤمنات﴾ أي لا من الحرائر الكافرات ولا مما ملكتم من الإماء الكافرات ولا مما ملك الكفار حذراً من مخالطة كافرة خوفاً من الفتنة - كما مضى في البقرة، ولئلا يكون الولد المسلم بحكم تبعية أمه في الرق ملكاً لكافر، هذا ما تفهمه العبارة ولكنهم قالوا: إن تقييد المحصنات بالمؤمنات لا مفهوم له، وإلا لصار نكاح الحرة الكتابية المباح بآية المائدة مشروطاً بعقد مسلمة، حرة كانت أو أمة، ولم يشترط ذلك؛ ومذهب الشافعي أنه لا يجوز نكاح الأمة مع القدرة على حرة كتابية، والظاهر أن فائدة التقييد الندب إلى مباعدة الكفار فلا ينكح منهن إلا لضرورة، فكأن هذه سورة المواصلة، أسقط فيها أهل المباعدة، والمائدة سورة تمام الدين، فذكر فيها ما يجوز لأهله فلا ضرر في القيد، لأن المفهوم لا يقوى لمعارضة المنطوق مع ما فيه من فائدة الندب إلى الترك، وهذا كما أن قيد الإحصان هنا للندب إلى عدم نكاح الزواني مع جوازه بآية النور ﴿وانكحوا الأيامى منكم﴾ [النور: ٣٢] كما يأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى.
стр. 2098
ولما شرط في هذا النكاح الإيمان، وعبر فيه بالوصف، وكان أمراً قلبياً، لا يطلع على حقيقته إلا الله؛ أعقبه ببيان أنه يكتفى فيه بالظاهر فقال: ﴿والله﴾ أي الذي له الإحاطة التامة بالمعلومات والمقدورات ﴿أعلم بإيمانكم﴾ فربما ظهر ضعف إيمان أحد والباطن بخلافه، لكن في التعبير به وبالوصف لا بالفعل إرشاد إلى مزيد التحري من جهة الدين «فاظفر بذات الدين، تربت يداك!» . ولما اشترط الدين كان كأنه قيل: فالنسب؟ فأشير إلى عدم اشتراطه بقوله: ﴿بعضكم من بعض﴾ أي كلكم من آدم وإن تشعبتم بعده ﴿فانكحوهن﴾ أي بشرط العجز ﴿بإذن أهلهن﴾ أي من مواليهن، ولا يجوز نكاحهن من غير إذنهم.
ولما كان مما لا يخفى أن السيد المالك للرقبة مالك للمنفعة من باب الأولى كان الأمر بدفع المهور إليهن مفيداً لندب السيد إلى جبرها به من غير أن يوهم أنها تملكه وهي لا تملك نفسها، فلذلك قال تعالى: ﴿وآتوهن أجورهن﴾ وهي المهور ﴿بالمعروف﴾ أي من غير ضرار، لا عليكم ولا عليهن ولا على أهلهن، حال كونهن ﴿محصنات﴾ أي عفائف بانفسهن أو بصون الموالي لهن ﴿غير مسافحات﴾
стр. 2099
أي مجاهرات بالزنى لمن أراد، لا لشخص معين ﴿ولا متخذات أخدان﴾ أي أخلاء في السر للزنى معينين، لا تعدو ذات الخدن خدنها إلى غيره؛ قال الأصبهاني: وهو - أي الخدن - الذي يكون معك في كل ظاهر وباطن.
ولما لم يتقدم بيان حد الإماء قال مبنياً له: ﴿فإذا أحصن﴾ مبنياً للفاعل في قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم، والمفعول في قراءة الباقين، أي انتقلن من حيز التعريض للزنى بالإكراه إلى حيز الحرائر بأن حفظن فروجهن بكراهتهن للزنى، أو حفظهن الموالي بالرضى لهن بالعفة؛ وقال الشافعي في أوائل الرسالة في آخر الناسخ والمنسوخ الذي يدل الكتاب على بعضه والسنة على بعضه: إن معنى (أحصن) هنا: أسلمن، لا نكحن فاصبن بالنكاح، ولا أعتقن وإن لم يصبن، وقال: فإن قال قائل: أراك توقع الإحصان على معان مختلفة؟ قيل: نعم، جماع الإحصان أن يكون دون التحصين مانع من تناول المحرم، فالإسلام مانع، وكذلك الحرية مانعة، وكذلك التزوج والإصابة مانع وكذلك الحبس في البيوت
стр. 2100
مانع، وكل ما منع أحصن، وقد قال الله ﴿وعلمناه صنعة لبؤس لكم لتحصنكم من بأسكم﴾ [الأنبياء: ٨٠] وقال: ﴿لا يقاتلونكم جميعاً إلى في قرى محصنة﴾ [الحشر: ٤١] يعني ممنوعة، قال: وآخر الكلام وأوله يدلان على أن معنى الإحصان المذكور عام في موضع دون غيره، إذ الإحصان ها هنا الإسلام دون النكاح والحرية والتحصين بالحبس والعفاف، وهذه الأسماء التي يجمعها اسم الإحصان - انتهى. ﴿فإن أتين بفاحشة﴾ ولا تكون حينئذ إلا عن رضى من غير إكراه.
ولما كان من شأن النكاح تغليظ الحد، فغلظ في الحرائر بالرجم؛ بين تعالى أنه لا تغليظ على الإماء، بل حدهن بعده هو حدهن قبله، فقال ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات﴾ أي الحرائر لأنهن في مظنة العفة وإن كن بغير أزواج ﴿من العذاب﴾ أي الحد - كما كان ذلك عذابهن قبل الإحصان، وهذا يفهمه بطريق الأولى، والمراد هنا الجلد، لأن الرجم لا ينتصف.
ولما كان كأنه قيل: هل هذا لكل عاجز عن الحرة؟ استؤنف جواب هذا السؤال بقوله تعالى مشيراً بأداة البعد إلى أنه مما لا يحسن قربه: ﴿ذلك﴾ أي حل نكاح الإماء الذي ينبغي البعد منه ﴿لمن خشي العنت﴾ أي الوقوع في الزنا الموجب للإثم المقتضي للهلاك
стр. 2101
بالعذاب في الدنيا والآخرة بما عنده من عظيم الداعية إلى النكاح ومشقة الصبر عنه؛ قالوا: وأصل العنت انكسار العظم بعد الجبر، فاستعير لكل مشقة وضرر؛ قال الأصبهاني: وقيل: إن الشبق الشديد والغلمة العظيمة قد يؤدي بالإنسان إلى الأمراض الشدية، أما في حق النساء فقد يؤدي إلى اختناق الرحم، وأما في حق الرجال فقد يؤدي إلى أوجاع الوركين والظهر.
ولما كان هذا التخفيف والتيسير خاصاً بالمؤمنين منا قيد بقوله: ﴿منكم﴾ .
ولما بين إباحته وأشار إلى البعد عنه لما فيه من استرقاق الولد صرح بالندب إلى حبس النفس عنه فقال: ﴿وإن تصبروا﴾ أي عن نكاحهن متعففين ﴿خير لكم﴾ أي لئلا تعيروا بهن، أو تسترق أولادكم منهن، ثم أتبع ذلك بتأكيده لذوي البصائر والهمم في سياق دال على رفع الحرج فقال: ﴿والله﴾ أي الذي له الجلال والإكرام ﴿غفور﴾ أي لمن لم يصبر، والمغفرة تشير إلى نوع تقصير ﴿رحيم *﴾ أي فاعل به فعل الراحم منكم بالإذن في قضاء وطره واللطف فيما يتبع ذلك من المحذور.
стр. 2102
ولما أتم سبحانه الحلال والحرام من هذه الحدود والأحكام،
стр. 2103
وختمها بصفة الرحمة بين ما أراد بها من موجبات الرحمة تذكيراً بالنعمة لتشكر، وتحذيراً من أن تنسى فتكفر فقال تعالى: ﴿يريد الله﴾ أي الملك الأعظم إنزال هذه الأحكام على هذا النظام ﴿ليبين لكم﴾ أي ليوقع لكم البيان الشافي فيما لكم وعليكم من شرائع الدين ﴿ويهديكم﴾ أي يعرفكم ﴿سنن﴾ أي طرق ﴿الذين﴾ ولما كان المراد بعض الماضين قال: ﴿من قبلكم﴾ أي من أهل الكتاب: الأنبياء وأتباعهم ﴿ويتوب عليكم﴾ أي يرجع بكم عن كل ما لا يرضيه، لا سيما ما يجر إلى المقاطعة - مثل منع النساء والأطفال الإرث، ومثل نكاح ما يحرم نكاحه وغير ذلك، فأعلمهم بهذا أنهم لم يخصهم بهذه التكاليف، بل يسلك بهم فيها صراط الذين أنعم عليهم ليكون ذلك أدعى لهم إلى القبول وأعون على الامتثال، وليتحققوا أن إلقاء أهل الكتاب الشبه إليهم وتذكيرهم بالأضغان لإرادة إلقاء العداوة محض حسد لمشاركتهم لهم في مننهم إذ هدوا لسننهم، وما أحسن ختم ذلك بقوله: ﴿والله﴾ أي المحيط بأوصاف الكمال ﴿عليم حكيم *﴾ فلا يشرع لكم شيئاً إلا وهو في غاية الإحكام. فاعملوا به يوصلكم إلى دار السلام.
بيان ذلك أن ما في هذه السورة الأمر بالتقوى والحث عليها،
стр. 2104
وبيان الفرائض وأمر الزناة، وما يحل ويحرم من النساء، والتحري في الأموال، والإحسان إلى الناس، لا سيما الأيتام والوالدين، والإذعان للأحكام، وتحريم القتل، والأمر بالعدل في الشهادة وغيرها، وكل ذلك مبين أصوله في التوراة كما هو مبثوث في هذا الديوان عن نصوصها في المواضع اللائقة به، لكن القرآن أحسن بياناً وأبلغ تبياناً وأبدع شأناً وألطف عبارة وأدق إشارة، وأعجب ذلك أن سبب إنزال فرائض الميراث في شريعتنا النساء، ففي الصحيحين وغيرهما عن جابر ﵁ قال: «مرضت فعادني رسول الله ﷺ ، فأتاني وقد أغمي عليّ» وفي رواية البخاري في التفسير: «عادني النبي ﷺ وأبو بكر في بني سلمة ماشيين، فوجدني النبي ﷺ لا أعقل، فدعا بماء فتوضأ فصب عليّ وضوءه فأفقت، فقلت: يا رسول الله! كيف أصنع في مالي؟» وفي رواية لمسلم: «إنما يرثني كلالة فلم يجبني بشيء» وفي رواية الترمذي: «وكانت لي تسع أخوات حتى نزلت آية الميراث» وفي رواية للبخاري: «فنزلت» وفي رواية للترمذي: «حتى نزلت (يوصيكم الله في أولادكم) » وفي رواية للترمذي: حتى نزلت آية الميراث ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ الآية، وقال: حديث صحيح. ولأبي داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني عن جابر بن عبد الله ﵄ قال:
«جاءت
стр. 2105
امرأة سعد بن ربيع بابنتيها من سعد ﵃ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك يوم أحد شهيداً، وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالاً، ولا تنكحان إلا ولهما مال، قال: يقضي الله في ذلك، فنزلت آية الميراث» وفي رواية أبي داود: ونزلت الآية في سورة النساء، ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ وفي رواية الدارقطني: «فنزلت سورة النساء، وفيها ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ إلى آخر الآية - فبعث رسول الله ﷺ إلى عمهما فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك» وفي رواية للدارقطني: «إن امرأة سعد بن الربيع قالت: يا رسول الله! إن سعداً هلك وترك ابنتين وأخاه فعمد أخوه فقبض ما ترك سعد، وإنما تنكح النساء على أموالهن، فلم يجبها رسول الله ﷺ في مجلسه ذلك، ثم جاءته فقالت: يا رسول الله! ابنتا سعد؟ فقال رسول الله ﷺ : ادعي لي أخاه! فجاء فقال: ادفع إلى ابنتيه الثلثين، وإلى امرأته الثمن،
следующие страницы →