Полный текст (11 765 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.
стр. 2556
ثم ذكر امتثالهم لأمر الله وفتحهم لإريحا على ما قال الله، وأما البلدة التي ردَّت فيها الشمس فهي جبعون، وذلك أنه ذكر بعد فتح إريحا هذه أن سكون جعبون وهم الحاوانيون صالحوا يوشع بحيلة فعلوها، ثم قال: وهذه أسماء قراهم: جبعون والكفيرة وبيروت ويعاريم، فلما سمع بذلك أدونصداق ملك أورشليم فرق فرقاً شديداً، لأن جبعون كانت مدينة عظيمة كمثل مدن الملك، وكان أهلها رجالاً جبابرة، فأرسل إلى هوهم ملك حبران -
стр. 2557
وفي موضع آخر: حبرون - وإلى فرآم ملك يرموث، وإلى يافع ملك لخيس، وإلى دابير ملك عقلون - وقال لي بعض اليهود: إن المراد بهذه عجلون - وقال لهم: اصعدوا لتعينوني على محاربة أهل جبعون، لأنهم قد صالحوا يشوع، فاجتمع الخمسة من ملوك الأمورانيين وجميع عساكرهم فنزلوا على جبعون، فأرسل أهل جبعون إلى يشوع فصعد يشوع من الجلجال هو وجميع أبطال الشعب، فأوحى الرب إلى يشوع: لا تخف ولا تفزع منهم، لأني قد أسلمتهم في يدك، فأتاهم بغتة، لأنه صعد من الجلجال الليل أجمع، فهزمهم الرب بين يدي آل إسرائيل وجرحوا منهم جرحى كثيرة في جبعون التي بحوران، وهربوا في طريق عقبة حوران ولم يزالوا يقتلون منهم إلى عزيقة ومقيدة، فلما هرب الذين بقوا منهم ونزلوا عقبة حوران أمطر الرب عليهم حجارة برد كبار من السماء إلى عزيقة وماتوا كلهم، فكان الذين ماتوا بحجارة البرد أكثر من الذين قتلوا، ثم قام يشوع أمام الرب مصلياً في اليوم الذي دفع الرب الأمورانيين في يدي بني إسرائيل وقال: أيتها الشمس! امكثي في جبعون ولا تسيري، وأنت أيها القمر! لا تبرح قاعَ أيلون،
стр. 2558
فثبتت الشمس وقام القمر حتى انتقم الشعب من أعدائهم؛ فكتبت هذه الأعجوبة في سفر التسابيح، لأن الشمس وقفت في وسط السماء ولم تزل إلى الغروب، وصار النهار يوماً تاماً، ولم يكن مثل ذلك اليوم قبله ولا بعده - انتهى. وقد ذكر النبي ﷺ هذه القصة، روى الشيخان: البخاري في الخمس والنكاح، ومسلم في المغازي عن أبي هريرة ﵁ قالك «قال النبي ﷺ :» غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولمّا يبن بها، ولا أحد بنى بيوتاً ولم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنماً أو خلفات وهو ينتظر ولادها، فغزا فدنا من القرية صلاةَ العصر أو قريباً من ذلك فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا! فحبست حتى فتح الله عليه فجمع الغنائم، فجاءت - يعني النار - لتأكلها فلم تطعمها، فقال: إن فيكم غلولاً، فليبايعني من كل قبيلة رجل، فلزقت يد رجل بيده، فقال: فيكم الغلول فلتبايعني قبيلتك، فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده، فقال: فيكم الغلول، فجاؤوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب فوضعوها، فجاءت النار فأكلتها ثم أحل الله لنا الغنائم، رأى بعض ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا «
وفي
стр. 2559
رواية المسند للحافظ نور الدين الهيثمي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الشمس لم يحبس على بشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس» ، قال: وهو في الصحيح ولم أر فيه حصراً كما هنا؛ وفي سيرة ابن إسحاق ما ينقضه، قال: حدثنا يونس عن الأسباط بن نصر الهمداني عن إسماعيل بن عبد الرحمن القرشي قال: لما أسري برسول الله ﷺ وأخبر قومه بالرفعة والعلامة عما في العير قالوا: فمتى تجيء؟ قال: يوم الأربعاء، فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينتظرون وقد ولى النهار ولم تجىء، فدعا النبي ﷺ فزيد له في النهار ساعة وحبست عليه الشمس، ولم ترد الشمس على أحد إلا على رسول الله ﷺ وعلى يوشع بن نون حين قاتل الجبارين يوم الجمعة.
стр. 2560
ولما كانت قصتهم هذه - في أمرهم بالدخول إلى الأرض المقدسة لما فيها من نقض العهود والتبرؤ من الله والحكم عليهم بالفسق والتعذيب - ناقضة لما ادعاه اليهود من البنوة، كان ذلك كافياً في إبطال مدعى النصارى لذلك، لأنهم أبناء اليهود، وإذا بطل كون أبيك ابانً لأحد بطل أن تكون أنت ابنه، لما كان ذلك كذلك ناسب أن تعقب بقصة ابني آدم لما يذكر، فقال تعالى عاطفاً على قوله: ﴿وإذ قال موسى﴾ [المائدة: ٢٠] ﴿واتل عليهم﴾
стр. 2561
أي على المدعوّين الذين من جملتهم اليهود تلاوة، وهي من أعظم الأدلة على نبوتك، لأن ذلك لا علم لك ولا لقومك به إلا من جهة الوحي ﴿نبأ ابني آدم﴾ أي خبرهما الجليل العظيم، تلاوة ملتبسة ﴿بالحق﴾ أي الخبر الذي يطابقه الواقع إذا تُعُرَّفَ من كتب الأولين وأخبار الماضين كائناً ذلك النبأ ﴿إذ﴾ أي حين ﴿قربا﴾ أي ابنا آدم؛ ولما لم يتعلق الغرض في هذا المقام ببيان أيّ نوع قربا منه، قال: ﴿قرباناً﴾ أي بأن قرب كل واحد منهما شيئاً من شأنه أن يقرِّبَ إلى المطلوب مقاربتُه غاية القرب.
ولما كان المؤثر للحسد إنما هو عدم التقبل، لا بالنسبة إلى متقبل خاص، بناه للمفعول فقال: ﴿فتُقبِّل﴾ أي قبل قبولاً عظيماً ظاهراً لكل أحد ﴿من أحدهما﴾ أبهمه أيضاً لعدم الاحتياج في هذا السياق إلى تعيينه ﴿ولم يتقبل من الآخر﴾ عَلِمَا ذلك بعلامة كانت لهم في ذلك، إما أكل النار للمقبول كما قالوه أو غير ذلك؛ ومناسبتها لما قبلها من حيث إنها أيضاً ناقضة لدعواهم البنوة، لأن قابيل ممن ولد في الجنة على ما قيل، ومع ذلك فقد عذب لما نقض العهد، فانتفى أن يكون ابناً وكان هو وغيره شرعاً واحداً دائراً أمرهم في
стр. 2562
العذاب والثواب على الوفاء والنقض، من وفى كان حبيباً ولياً، ومن نقض كان بغيضاً عدواً، وإذا انتفت البنوة عن ولد لآدم صفي الله مع كونه لصلبه لا واسطة بينهما ومع كونه وُلِدَ في الجنة دار الكرامة، فانتفاؤها عمن هو أسفل منه من باب الأولى، وكذا المحبة؛ ومن المناسبات أيضاً أن كفر بني إسرائيل بمحمد ﷺ إنما هو للحسد، فنبهوا بقضة ابني آدم على أن الحسد يجر إلى ما لا يرضي الله وإلى ما لا يرضاه عاقل ويكب في النار؛ ومنها أن في قصة بني إسرائيل إحجامهم عن قتال أعداء الله البعداء منهم المأمورين بقتالهم الموعودين عليه بخيري الدارين، وأن الله معهم فيه، وفي قصة ابني آدم إقبال قابيل على قتل أخيه حبيب الله المنهي عن قتله المتوعد بأن الله يتبرأ منه إن قتله، ففي ذلك تأديب لهذه الأمة عند كل إقدام وإحجام، وتذكير بالنعمة في حفظهم من مثل ذلك، وأن فيها أن موسى وهارون ﵉ أخوان في غاية الطواعية في أنفسهما، ورحمة كل منهما للآخر والطاعة لله، وقصة ابني آدم بخلاف ذلك، وفي ذلك تحذير مما جر إليه وهو الحسد، وأن في قصة بني إسرائيل أنهم لما قدموا الغنائم للنار فلم تأكلها، عَلِمَ نبيهم ﷺ أنها لم تقبل لغلول غَلّوه، فاستخرجه ووضعه فيها فأكلتها، ففي ذلك الاستدلال بعدم أكل النار على عدم القبول - كما
стр. 2563
في قصة ابني آدم، وأن بني إسرائيل عذبوا بالمنع من بيت المقدس بالتيه.
وقابيل نفي من الأرض التي كان فيها مقتل أخيه، وأن بني إسرائيل تاهوا أربعين سنة على عدد الأيام التي غاب فيها نقباؤهم في جسّ أخبار الجبابرة، وأن قابيل حمل هابيل بعد أن قتله أربعين يوماً - ذكره البغوي عن ابن عباس ﵄ قال: وقصده السباع فحمله على ظهره أربعين يوماً، وكل هذه محسنات والعمدة هو الوجه الأول وأحسن منه أن يكون الأمر لموسى ﵇ عطفاً على النهي في لاتاس، والمعنى أن الأرض المقدسة مكتوبة لهم كما قَدمته أنت أول القصة في قولك: ﴿التي كتب الله لكم﴾ [المائدة: ٢١] فأنا مورثها لا محالة لأبنائهم وأنت متوفٍ قبل دخولها، وقد أجريت سنتي في ابني آدم بأنهم إذا توطنوا واستراحوا تحاسدوا، وإذا تحاسدوا تدابروا فقتل بعضهم بعضاً، فاتل عليهم هذه القصة لتكون زاجرة لهم من أن يفعلوا ذلك إذا فرغوا من الجبابرة وأبادوهم وصفت لهم البلاد فتوطنوها، وأخرجت لهم بركاتها فأبطرتهم النعم، ونسوا غوائل النقم؛ ويكون ذلك وعظاً لهذه الأمة ومانعاً من فعل مثل ذلك بعد إكمال دينهم ووفاة نبيهم وإظهارهم على الدين كله، كما تقدم به الوعد لهم فقهروا العباد وفتحوا البلاد وانتثلوا كنوزها
стр. 2564
وتحكموا في أموالها، فنسوا ما كانوا فيه من القلة والحاجة والذلة فأبطرتهم النعم، وارتكبوا أفعال الأمم، وأعرضوا عن غوائل النقم - كما قال النبي ﷺ : «دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، الا والبغضاء هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين» أخرجه الترمذي والإمام أحمد وأبو داود الطيالسي في مسنديهما والبزار - قال المندري: بإسناد جيد - والبيهقي وقال: «لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا» رواه الطبراني ورواته ثقات، وذكر الحافظ أبو الربيع بن سالم الكلاعي في القسم الثاني من سيرته في فتح جلولاء من بلاد فارس أن سعد بن أبي وقاص ﵁ لما أرسل الغنيمة إلى عمر ﵁ أقسم عمر ﵁: لا يخبأها سقف بيت حتى تقسم! فوضعت في صحن المسجد، فبات عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن أرقم ﵄ يحرسانه، فلما جاء الناس كشف عنه فنظر عمر ﵁ إلى ياقوتة وزبرجدة وجوهرة فبكى، فقال عبد الرحمن ﵁: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فوالله إن هذا إلا موطن شكر! فقال عمر: والله ما ذاك يبكيني، وتالله ما أعطى الله هذا قوماً إلا تحاسدوا وتباغضوا، ولا تحاسدوا إلا ألقى بأسهم بينهم.
شرحُ قصة ابني آدم من التوراة، قال المترجم في أولها بعد قصة أكل آدم
стр. 2565
عليه السلام من الشجرة ما نصه: فدعا آدم اسم امرأته حواء من أجل أنها كانت أم كل حيّ، وصنع الرب لآدم وامرأته سرابيل من الجلود وألبسهما، فأرسله الله من جنة عدن ليحرث الأرض التي منها أخذ، فأخرجه الله ربنا، فجامع آدم امرأته حواء فحبلت وولدت قايين وقالت: لقد استفدت لله رجلاً، وعادت فولدت أخاه هابيل، فكان هابيل راعي غنم، وكان قايين يحرث الأرض، فلما كان بعد أيام جاء قايين من ثمر أرضه بقربان لله، وجاء هابيل أيضاً من أبكار غنمه بقربان، فسر الله بهابيل وقربانه ولم يسر بقايين وقربانه، فساء ذلك قايين جداً وهمَّ أن يسوءه وعبس وجهه، فقال الرب لقايين: ما ساءك؟ ولِمَ كسف وجهك؟ إن أحسنت تقبلت منك، وإن لم تحسن فإن الخطيئة رابضة على الباب وأنت تقبل إليها وهي تتسلط عليك، فقال قايين لهابيل أخيه: تتمشى بنا في البقعة، فبينما هما يتمشيان في الحرث وثب قايين على أخيه هابيل فقتله، فقال الله لقايين: أين هابيل أخوك؟ فقال: لا أدري، أرقيب أنا على أخي؟ قال الله: ماذا فعلت! فإن دم أخيك ينادي لي من الأرض، من الآن ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها
стр. 2566
فقبلت دم أخيك من يدك، فإذا أنت عملت في الأرض فإنها لا تعود تعطيك حراثها، وتكون فزعاً تائهاً في الأرض، فقال قايين للرب: عظمت خطيئتي من أن تغفرها، وقد أخرجتني اليوم عن وجه الأرض، وأتوارى من قدامك وأكون فزعاً تائها في الأرض، وكل من وجدني يقتلني، فقال الله ربنا: كلا! ولكن كذلك كل قاتل، وأما قايين فإنه يجزى بدل الواحد سبعة، فخرج قايين من قدام الله فجلس في الأرض نود شرقي عدن - انتهى. قال البغوي عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: إن آدم كان يغشى حواء في الجنة قبل أن يصيب الخطيئة فحملت فيها بقابيل وتوأمته - فذكر قصته في النكاح وقتله لأخيه وشرب الأرض لدمه قولو قابيل لله - حين قال له: إنه قتله -: إن كنت قتلته فأين دمه؟ فحرم الله على الأرض يومئذ أن تشرب دماً بعده أبداً - انتهى.
ولما أخبر الله تعالى بأن أحدهما فعل معه من عدم القبول ما غاظه، كان كأنه قيل: فما فعل حين غضب؟ فقيل: ﴿قال﴾ أي لأخيه الذي قبل قربانه حسداً له ﴿لأقتلنك﴾ فكأنه قيل: بما أجابه؟
стр. 2567
فقيل: نبهه أولاً على ما يصل به إلى رتبته ليزول حسده بأن ﴿قال إنما يتقبل الله﴾ أي يقبل قبولاً عظيماً المحيط لكل شيء قدرة وعلماً الملك الذي له الكمال كله، فليس هو محتاجاً إلى شيء، وكل شيء محتاج إليه ﴿من المتقين *﴾ أي العريقين في وصف التقوى، فلا معصية لهم يصرون عليها بشرك ولا غيره، فعدمُ تقبل قربانك من نفسك لا مني، فلم تقتلني؟ فقتلك لي مبعد لك عما حسدتني عليه.
ولما وعظه بما يمنعه من قتله ويقبل به على خلاص نفسه، أعلمه ثانياً أن الخوف من الله مَنَعَه من أن يمانعه عن نفسه مليناً لقلبه بما هو جدير أن يرده عنه خشية أن تجره الممانعة إلى تعدي الحد المأذون فيه، لأن أخاه كان عاصياً لا مشركاً، فقال مؤكداً بالقسم لأن مثل ما يخبر به عظيم لا يكاد يصدق: ﴿لئن بسطت إليّ﴾ أي خاصة ﴿يدك لتقتلني﴾ أي لتوجد ذلك بأيّ وجه كان، ثم بالغ في إعلامه بامتناعه من الممانعة فقال: ﴿ما أنا﴾ وأغرق في النفي فقال: ﴿بباسط﴾ أي أصلاً، وقدم المفعول به تعميماً، ثم خص المتعلق لمناسبة الحال فقال: ﴿يدي إليك لأقتلك﴾ أي في أيّ وقت من الأوقات، ولعله أتى بالجملة الاسمية المفيدة لنفي الثبات والدوام أدباً مع الله في عدم الحكم على
стр. 2568
المستقبل، ثم علله بقوله: ﴿إني أخاف الله﴾ أي أستحضر جميع ما أقدر على استحضاره من كماله، ثم وصفه بالإحسان إلى خلقه ليكون ذلك مانعاً له من الإساءة إلى أحد منهم فقال: ﴿رب العالمين *﴾ أي الذي أنعم عليهم بنعمة الإيجاد ثم التربية، فأنا لا أريد أن أخرب ما بنى، وهذا كما فعل عثمان ﵁.
ولما كان من النهايات للواصلين إلى حضرات القدس ومواطن الأنس بالله، المتمكنين في درجة الغناء عن غير الفاعل المختار أن لا يراد إلا ما يريد سبحانه، فإن كان طاعة أراده العبد ورضيه، وإن كان معصية أراده من حيث إنه مراد الله ولم يرضه لكونه معصية، فيرضى بالقضاء دون المقضي، وكأنه من الممكن القريب أن يكون هابيل قد كشف له عن أنه سبق في علم الله أن أخاه يقتله، قال مرهباً له معللاً بتعليل آخر صاد له أيضاً عن الإقدام على القتل: ﴿إني أريد﴾ أي بعدم الممانعة لك ﴿أن تبوأ﴾ أي ترجع من قتلي إن قتلتني ﴿بإثمي﴾ أي الإثم الذي ينالك من أجل قتلك لي، وبعقوبته الذي من جملته أنه يطرح عليك من سيئاتي بمقدار ما عليك من حقي إذا لم تجد ما ترضيني به من الحسنات ﴿وإثمك﴾ أي الذي لا سبب لي فيه، وهو الذي كان سبباً لرد قربانك واجترائك عليّ وعدوانك، وأفوز أنا بأجري وأجرك، أي
стр. 2569
أجري الذي لا سبب لك فيه والأجر الذي أثمره استسلامي لك وكفُّ يدي عنك ﴿فتكون﴾ أي أنت بسبب ذلك ﴿من أصحاب النار﴾ أي الخالدين فيها جزاءً لك لظلمك بوضعك القتل في غير موضعه، ثم بين أن هذا يعم كل من فعل هذا الفعل فقال: ﴿وذلك جزاء الظالمين *﴾ أي الراسخين في وصف الظلم كلهم، وأكون أنا من أصحاب الجنة جزاءً لي بإحساني في إيثار حياتك لإرادة المعصية من حيث كونها معصية بإرادة ظهور الكفار، لما علم من أن النصر بيد الله، فهو قادر على نصر الباقي بعد استشهاد الشهيد.
стр. 2570
ولما كان هذا الوعظ جديراً بأن يكون سبباً لطاعته وزاجراً له عن معصيته، بين تعالى أنه قسا قلبه فجعله سبباً لإقدامه، فقال - مبيناً بصيغة التفعيل، إذ القتل لما جعل الله له من الحرمة وكساه من الهيبة لا يقدم عليه إلا بمعالجة كبيرة من النفس -: ﴿فطوعت له﴾ أي الذي لم يتقبل منه ﴿نفسه قتل أخيه﴾ أي فعالجته معالجة كبيرة وشجعته، وسهلت له بما عندها من النفاسة على زعمها حتى غلبت على عقله فانطاع لها وانقاد فأقدم عليه؛ وتحقيق المعنى أن من تصور النهي عن الذنب والعقاب عليه امتنع منه فكان فعله كالعاصي عليه، ومن استولت عليه نفسه بأنواع الشبه في تزيينه صار فعله له وإقدامه عليه كالمطيع له
стр. 2571
الممكن من نفسه بعد أن كان عاصياً عليه نافراً عنه، ثم سبب عن هذا التطويع قوله: ﴿فقتله﴾ وسبب عن القتل قوله: ﴿فأصبح﴾ أي فكان في كل زمن ﴿من الخاسرين *﴾ أي العريقين في صفة الخسران بغضب الله عليه لاجترائه على إفساده مصنوعَه، وغضب أبناء جنسه عليه لاجترائه على أحدهم، وعبر بالإصباح والمراد جميع الأوقات، لأن الصباح محل توقع الارتياح، قيل: إنه لم يدر كيف يقتله، فتصور له إبليس في يده طائر فشدخ رأسه بحجر فقتله، فاقتدى به قابيل، فأتى هابيل وهو نائمٌ فشدخ رأسه بحجر.
ولما كان التقدير: ثم إنه لم يدر ما يصنع به، إذ كان أول ميت فلم يكن الدفن معروفاً، سبب عنه قولَه: ﴿فبعث الله﴾ أي الذي له كمال القدرة والعظمة والحكمة؛ ولما كان المعنى يحصل بالغراب الباحث فقط قال: ﴿غراباً يبحث﴾ أي يوجد البحث وهو التفتيش في التراب بتليين ما تراصّ منه وإزاحته من مكانه ليبقى مكانه حوزة خالية.
стр. 2572
ولما كان البحث مطلق التفتيش، دل على ما ذكرته بقوله: ﴿في الأرض﴾ ليواري غراباً آخر مات؛ ولما كان الغراب سبب علم ابن آدم القاتل للدفن، كان كأنه بحث لأجل تعليمه فقال تعالى: ﴿ليريه﴾ أي الغراب يُرى ابن آدم، ويجوز أن يكون الضمير المستتر لله تعالى، والأول أولى لتوقيفه على عجزه وجهله بأن الغراب أعلم منه وأقرب إلى الخير ﴿كيف يواري﴾ .
ولما كانت السوءة واجبة الستر، وكان الميت يصير بعد موته كله سوءة، قال منبهاً على ذلك وعلى أنها السبب في الدفن بالقصد الأول: ﴿سوءة﴾ أي فضيحة ﴿أخيه﴾ أي أخي قابيل وهو هابيل المقتول، وصيغة المفاعلة تفيد أن الجثة تريد أن يكو القاتل وراءها، والقاتل يريد كون الجثة وراءه، فيكونان بحيث لا يرى واحد منهما الآخر، ولعل بعث الغراب إشارة إلى غربة القاتل باستيحاش الناس منه وجعله ما ينفر عنه ويقتله كل من يقدر عليه، ومن ثَمَّ سمى الغراب البين، وتشاءم به من يراه.
ولما كان كأنه قيل: إن هذا لعجب، فما قال؟ قيل: ﴿قال﴾ الكلمة التي تستعمل عند الداهية العظيمة لما نبهه ذلك، متعجباً متحيراً متلهفاً عالماً أن الغراب أعلم منه وأشفق، منكراً على نفسه ﴿يا ويلتي﴾
стр. 2573
أي احضُرْني يا ويل! هذا أوانك أن لا يكون لي نديم غيرك؛ ولما تفجع غاية الفجيعة وتأسف كل الأسف، أنكر على نفسه فقال: ﴿أعجزت﴾ أي مع ما جعل لي من القوة القاطعة ﴿أن أكون﴾ مع ما لي من الجوارح الصالحة لأعظم من ذلك ﴿مثل هذا الغراب﴾ وقوله مسبباً عن ذلك: ﴿فأواري سوءة﴾ أي عورة وفضيحة ﴿أخي﴾ نصِبَ عطفاً على أكون لا على جواب الاستفهام، لأنه إنكاري فمعناه النفي، لأنه لم تكن وقعت منه مواراة لينكر على نفسه ويوبخها بسببها، ولو كانت وقعت لم يصح إنكارها على تقدير عدم العجز الذي أفادته الهمزة ﴿فأصبح﴾ بسبب قتله ﴿من النادمين *﴾ أي على ما فعل، لأنه فقد أخاه وأغضب ربه وأباه، ولم يفده ذلك ما كان سبب غيظه، بل زاده بعداً، وذكر أن آدم ﵇ لما علم قتله رثاه بشعر، وعن ابن عباس ﵄ ردُّ ذلك، وأن الأنبياء ﵈ كلهم في النهي عن الشعر سواء، وقال صاحب الكشاف: وقد صح أن الأنبياء معصومون من الشعر، «ولا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم هذا كفل من دمها بما سن» رواه مسلم وغيره عن عبد الله، وكذا «كل من سن سنة سيئة» ولهذا قال ﵇ «إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون» ، وهذا لأن الآدمي
стр. 2574
لنقصانه أسرع شيء إلى الاقتداء في النقائص، وهذا ما لم يتب الفاعل، فإذا تاب أو كان غير متعمد للفعل كآدم ﵇ لم يكن ساناً لذلك فلا شيء عليه ممن عمل بذلك.
ولما علم بهذا أن الإنسان موضع العجلة الإقدام على الموبقات من غير تأمل، فكان أحوج شيء إلى نصب الزواجر، أتبعه تعالى قوله: ﴿من أجل ذلك﴾ أي من غاية الأمر الفاحش جداً ومدته وعظم الأمر وشدة قبحه في نفسه وعند الله وصغره عند القاتل وحبسه ومنعه وجنايته وإثارته وتهييجه وجرأة الإنسان على العظائم بغير تأمل ﴿كتبنا﴾ أي بما لنا من العظمة ليفيد ذلك عظمة المكتوب والتنبيه على ما فيه من العجز ليفيد الانزجار ﴿على بني إسرائيل﴾ أي أعلمناهم بما لنا من العناية بهم في التوراة التي كتبناها لهم، ويفهم ذلك أيضاً أنهم أشد الناس جرأة على القتل، ولذلك كانوا يقتلون الأنيباء، فأعلمهم الله بما فيهم من التشديد، ولِمَا علم من الأدميين - لا سيما هم - من الجرأة عليه، ليقيم عليهم بذلك الحجة على ما يتعارفونه بينهم، ويكف عن القتل من سبقت له منه العناية بما يتصور من فظاعة القتل، وقبح صورته وفحش أمره، وعبر بأداة الاستعلاء التي هي للحتم من الوجوب والحرمة، لأن السياق للزجر، فهي تفهم المنع عن الإقدام على القتل في هذا المقام
стр. 2575
﴿أنه من قتل نفساً﴾ أي من ابني آدم، وكأنه أطلق تعظيماً لهم إشارة إلى أن غيرهم جماد ﴿بغير نفس﴾ أي بغير أن تكون قتلت نفساً تستحق أن تقاد بها فاستباح قتلها لتلك النفس التي قتلتها ﴿أو﴾ قتلها بغير ﴿فساد﴾ وقع منها.
ولما كانت الأرض - مع أنها فراشنا فهي محل التوليد والتربية والتنمية - دار الكدر، وكان فساد من أفسد فراشه الموصوف - لا سيما وهو في كدر - دالاً على سوء جبلته، وكان سوء الجبلة موجباً للقتل، قال: ﴿في الأرض﴾ أي يبيح ذلك الفساد دمها كالشرك والزنا بعد الإحصان وكل ما يبيح إراقة الدم، وقد علم بهذا أن قصة ابني آدم مع شدة التحامها بما قبل توطئة لما بعد، وتغليظُ أمر القتل تقدم عن التوراة في سورة البقرة، وقوله: ﴿فكأنما قتل الناس جميعاً﴾ من جملة الأدلة المبطلة لما ادعوا من البنوة، إذ معناه أن الناس شرع واحد من جهة نفوسهم متساوون فيها. كلهم أولاد آدم، لا فضل لأحد منهم على آخر في أصل تحريم القتل بغير ما ذكر من الموجب من قصاص أو فساد لا من بني إسرائيل ولا من غيرهم، وذلك كما قال تعالى في ثاني النقوض ﴿بل أنتم بشر ممن خلق﴾ [المائدة: ١٨] فصار من قتل نفساً واحدة بغير ما ذكر
стр. 2576
فكأنما حمل إثم من قتل الناس جميعاً، لأن اجتراءه على ذلك أوجب اجتراء غيره، ومن سن سنة كان كفاعلها ﴿ومن أحياها﴾ أي بسبب من الأسباب كعفو، أو إنقاذ من هلكة كغرق، أو مدافعة لمن يريد أن يقتلها ظلماً ﴿فكأنما أحيا﴾ أي بذلك الفعل الذي كان سبباً للأحياء ﴿الناس جميعاً﴾ أي بمثل ما تقدم في القتل، والآية دالة على تعليمه سبحانه لعباده الحكمة، لما يعلم من طباعهم التي خلقهم عليها ومن عواقب الأمور - لا على أنه يجب عليه - رعاية المصلحة، ومما يحسن إيراده هاهنا ما ينسب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، ورأيت من ينسبه للشافعي رحمه الله تعالى:
الناس من جهة التمثال أكفاء ... أبوهمُ آدم والأم حواء
نفس كنفس وأرواح مشاكلة ... وأعظمُ خلقت فيهم وأعضاء
فإن يكن لهمُ في أصلهم حسب ... يفاخرون به فالطين والماء
ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم ... على الهدى لمن استهدى أدلاء
وقدر كل امرىء ما كان يحسنه ... وللرجال علىلأفعال أسماء
وضد كل امرىء ما كان يجهله ... والجاهلون لأهل العلم أعداء
ففز بعلم تعش حياً به أبداً ... فالناس موتى وأهل العلم أحياء
стр. 2577
ولما أخبر سبحانه أنه كتب عليهم ذلك، أتبعه حالاً منهم دالة على أنهم بعيدون من أن يكونوا أبناء وأحباء فقال: ﴿ولقد﴾ أي والحال أنهم قد ﴿جاءتهم رسلنا﴾ أي على ما لهم من العظمة بإضافتهم إلينا واختيارنا لهم لأن يأتوا عنا، فهم لذلك أنصح الناس وأبعدهم عن الغرض وأجلّهم وأجمعهم للكمالات وأرفعهم عن النقائص، لأن كل رسول دال على مرسله ﴿بالبينات﴾ أي الآيات الواضحة للعقل أنها من عندنا، آمره لهم بكل خير، زاجرة عن كل ضير، لم نقتصر في التغليظ في ذلك على الكتاب بل وأرسلنا الرسل إليهم متواترة.
ولما كان وقوع الإسراف - وهو الإبعاد عن حد الاعتدال في الأمر منهم بعد ذلك - بعيداً - عبر بأداة التراخي مؤكداً بأنواع التأكيد فقال: ﴿ثم إن كثيراً منهم﴾ أي بني إسرائيل، وبيَّنَ شدة عتوّهم بإصرارهم خلفاً بعد سلف فلم يثبت الجار فقال: ﴿بعد ذلك﴾ أي البيان العظيم والزجر البليغ بالرسل والكتاب ﴿في الأرض﴾ أي التي هي مع كونها فراشاً لهم - ويقبح على الإنسان أن يفسد فراشه - شاغلة - لما فيها من عظائم الكدورات وترادف القاذورات - عن الكفاف فضلاً عن الإسراف ﴿لمسرفون *﴾ أي عريقون في الإسراف بالقتل وغيره.
стр. 2578
ولما كان هذا الإسراف بعد هذه الموانع محاربة للناهي عنه، وكان تارة يكون بالقتل وتارة بغيره، وكان ربما ظن أن عذاب القاتل يكون بأكثر من القتل لكونه كمن قتل الناس جميعاً، وصل به سبحانه قوله على طريق الحصر: ﴿إنما جزاؤا﴾ وكان الأصل: جزاؤهم، ولكن أريد تعليق الحكم بالوصف والتعميم فقال: ﴿الذين يحاربون الله﴾ أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له ﴿ورسوله﴾ أي بمحاربة من نَهَيَا عن محاربته بقطع الطريق وهم مسلمون، ولهم منعة ممن أرادهم، ويقصدون المسلمين في دمائهم وأموالهم سواء كانوا في البلد أو خارجها.
ولما كان عباد الرحمن يمشون على الأرض هوناً، أعلم أن هؤلاء عماد الشيطان بقوله: ﴿ويسعون في الأرض﴾ ولما كان هذا ظاهراً في الفساد، صرح به في قوله: ﴿فساداً﴾ أي حال كونهم ذوي فساد، أو للفساد، ويجوز أن يكون مصدراً ليسعون - على المعنى، ولما كانت أفعالهم مختلفة، فسم عقوبتهم بحسبها فقال: ﴿أن يقتلوا﴾ أي إن كانت جريمتهم القتل فقط، لأن القتل جزاؤه القتل، وزاد - لكونه في قطع الطريق - صيرورته حتماً لا يصح العفو عنه ﴿أو يصلّبوه﴾ أي مع القتل إن ضموا إلى القتل أحد المال، بأن يرفع المصلوب على جذع، ومنهم من قال: يكون ذلك وهو حيّ، فحينئذٍ تمد يداه مع الجذع، والأصح عند الشافعية أنه يقتل ويصلى عليه ثم يرفع على الجذع زمناً يشيع خبره فيه لينزجر غيره، ولا يزاد على ثلاثة أيام ﴿أو تقطّع أيديهم﴾
стр. 2579
أي اليمنى بأخذهم المال من غير قتل ﴿وأرجلهم﴾ أي اليسرى لإخافة السبيل، وهذا معنى قوله: ﴿من خلاف﴾ أي إن كانت الجريمة أخذ المال فقط ﴿أو ينفوا من الأرض﴾ أي بالإخافة والإزعاج إن لم يقعوا في قبضة الإمام ليكونوا منتقلين من بلد إلى آخر ذعراً وخوفاً، وبالحبس إن وقعوا في القبضة، وكانوا قد كثروا سواد المحاربين وما قتلوا ولا أخذوا مالاً ﴿ذلك﴾ أي النكل الشديد المفصّل إلى ما ذكر ﴿لهم﴾ أي خاصاً بهم ﴿خزي﴾ أي إهانة وذل بإيقاعه بهم ﴿في الدنيا﴾ أي ليرتدع بهم غيرهم ﴿ولهم﴾ أي إن لم يتوبوا ﴿في الآخرة﴾ أي التي هي موطن الفصل بإظهار العدل ﴿عذاب عظيم﴾ أي هو بحيث لا يدخل تحت مَعارِفِكم أكثر من وصفه بالعظم.
ولما كان التعبير ب «إنما» يدل بختم الجزاء على هذا الوجه، استثنى من المعاقبين هذه العقوبة بقوله: ﴿إلا الذين تابوا﴾ أي رجعوا عما كانوا عليه من المحاربة خوفاً من الله تعالى، ولذا قال: ﴿من قبل﴾ وأثبت الجار إشارة إلى القبول وإن طال زمن المعصية وقصر زمن التوبة ﴿أن تقدروا عليهم﴾ أي فإن تحتم الجزاء المذكور يسقط، فلا يجازون على ما يتعلق بحقوق الآدمي إلاّ إذا طلب صاحب الحق،
стр. 2580
فإن عفا كان له ذلك، وأما حق الله تعالى فإنه يسقط، وإلى هذا الإشارة أيضاً بقوله تعالى: ﴿فاعلموا أن الله﴾ أي على ما له من صفات العظمة ﴿غفور رحيم *﴾ أي صفته ذلك أزلاًَ وأبداً، فهو يفعل منه ما يشاء لمن يشاء، وأفهمت الآية أن التوبة بعد القدرة لا تسقط شيئاً من الحدود.
ولما ذكر تعالى حكمهم عند التوبة، وختم الآية بما يناسب من الغفران والرحمة، وكان ذلك ربما كان جزاء من لم يرسخ قدمه في الدين على جنابه المتعالي، أتبع ذلك الأمر بالتقوى وجهاد كل من أفسد بقطع الطريق أو الكفر أو غيره فقال على وجه الاستنتاج مما قبله: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي وجد منهم الإقرار بالإيمان ﴿اتقوا الله﴾ أي اجعلوا بينكم وبين ما سمعتم من وعيده للمفسدين وقاية تصديقاً لما أقررتم به، لما له سبحانه من العظمة التي هي جديرة بأن تخشى وترجى لجمعها الجلال والإكرام.
ولما كانت مجامع التكليف منحصرة في تخلٍّ من فضائح المنهيات وتحلٍّ بملابس المأمورات، وقدم الأول لأنه من درء المفاسد، أتبعه الثاني فقال: ﴿وابتغوا﴾ أي اطلبوا طلباً شديداً ﴿إليه﴾ أي خاصة ﴿الوسيلة﴾ أي التقريب بكل ما يوصل إليه من طاعته، ولا تيأسوا وإن عظمت ذنوبكم لأنه غفور رحيم.
ولما كان سببحانه قد قدم أوامر ونواهي، وكان الاستقراء
стр. 2581
قد أبان الناس عند الأمر والنهي بين مقبل ومعرض، وكان قد أمر المقبل بجهاد المعرض، وكان للجهاد. بما له من عظيم النفع وفيه من المشقة - مزيدُ خصوصية، أفرد بالذكر تأكيداً لما مضى منه وإعلاماً بأنه للعاصي مطلقاً سواء كان بالكفر أو بغيره فقال: ﴿وجاهدوا في سبيله﴾ أي لتكون كلمته هي العليا ﴿لعلكم تفلحون *﴾ أي لتكون حالكم حال من يرجى نيله لكل ما يطلبه، وهذا شامل لكل أمر بمعروف ونهي عن منكر في أعلى درجاته وأدناها.
стр. 2582
ولما كان ترك هذه الأوصاف الثلاثة: التقوى وطلب الوسيلة والجهاد مزيلاً للوصف الأول وهو الإيمان، ناسب كل المناسبة تحذيراً من تركها ذكرُ حال الكفار وأنه لا تنفعهم وسيلة في تلك الدار فقال معللاً لما قبله: ﴿إن الذين كفروا﴾ أي بترك ما في الآية السابقة، ورتب الجزاء عن الماضي زيادة في التحذير ﴿لو أن لهم ما في الأرض﴾ وأكد ما أفهمه الكلام من استغراق الظرف والمظروف فقال: ﴿جميعاً﴾ أي مما كان يطلب منهم شيء يسير جداً منه، وهو الإذعان بتصديق الجنان إنفاق الفضل من المال، وزاد الأمر هولاً بقوله: ﴿ومثله﴾ ولما كان لدفع الفداء جملة ما ليس له مفرَّقاً قال ﴿معه﴾ .
ولما كان المقصود تحقير ذلك بالنسبة إلى عظمة يوم التغابن وإن كان
стр. 2583
عند الكفار الذين جعلوا غاية أمرهم الحياة الدنيا أعظم ما يكون، والإفهام بأن المراد بالمثل الجنس ليشمل ما عساه أن يفرض من الأمثال، أعاد الضمير على هذين الشيئين على كثرتهما وعظمتهما مفرداً، فقال معبراً بالمضارع الدال على تجديد الرغبة في المسألة على سبيل الاستمرار ولأن السياق للمتصفين بالكفر والمحاربة لله ولرسوله ﷺ والسعي في الأرض بالفساد، ولذلك صرح بنفي القبول على الهيئة الآتية: ﴿ليفتدوا به﴾ أي يجددوا الافتداء في كل لحظة، أي بما ذكر ﴿من عذاب يوم القيامة﴾ .
ولما كان المراد تهويل الأمر بردّه، وكان ذلك يحصل بغير تعيين الرادّ، قال: ﴿ما تقبل منهم﴾ بالبناء للمفعول، أي على حالة من الحالات وعلى يد من كان، لأن المدفوع إليه ذلك تام القدرة وله الغنى المطلق.
ولما كان من النفوس ما هو سافل لا ينكّبه الرد، وكان الرد لأجل إمضاء المُعَدِّ من العذاب، قال مصرحاً بالمقصود: ﴿ولهم﴾ أي بعد ذلك ﴿عذاب أليم *﴾ أي بالغ الإيجاع بما أوجعوا أولياء الله بسترهم لما أظهروا من شموس البيان، وانتهكوا من حرمات الملك الديان. ثم علل
стр. 2584
شدة إيلامه بدوامه فقال: ﴿يريدون أن يخرجوا﴾ أي يكون لهم خروج في وقت ما إذا رفعهم اللهب إلى أن يكاد أن يلقيهم خارجاً ﴿من النار﴾ ثم نفى خروجهم على وجه التأكيد الشديد فقال: ﴿وما هم﴾ وأغرق في النفي بالجار واسم الفاعل فقال: ﴿بخارجين منها﴾ أي ما يثبت لهم خروج أصلاً، ولعله عبر في النفي بالاسمية إشارة إلى أنه يتجدد لهم الخروج من الحرور إلى الزمهرير، فإن سمى أحد ذلك خروجاً فهو غير مرادهم.
ولما كان المعذبون في دار ربما دام لهم المكث فيها وانقطع عنهم العذاب قال: ﴿ولهم﴾ أي خاصة دون عصاة المؤمنين ﴿عذاب﴾ أي تارة بالحر وتارة بالبرد وتارة بغيرهما، دائم الإقامة لا يبرح ولا يتغير ﴿مقيم *﴾ .
ولما كانت السرقة من جملة المحاربة والسعي بالفساد، وكان فاعلها غير متقٍ ولا متوسل، عقب بها فقال: ﴿والسارق﴾ الآخذ لما هو في حرز خفيةً لكونه لا يستحقه ﴿والسارقة﴾ أي كذلك؛ ولما كان التقدير: وهما مفسدان، أو حكمهما فيما يتلى عليكم، سبب عنه قوله: ﴿فاقطعوا﴾ وال - قال المبرد - للتعريف بمعنى: الذي، والفاء للسبب كقولك:
стр. 2585
الذي يأتيني فله كذا كذا درهم ﴿أيديهما﴾ أي الأيامن من الكوع إذا كان المأخوذ ربع دينار فصاعداً من حرز مثله من غير شبهة له فيه - كما بين جميع ذلك النبي ﷺ ويرد مع القطع ما سرقه؛ ثم علل ذلك بقوله: ﴿جزاء بما كسبا﴾ أي فعلا من ذلك، وإدالته على أدنى وجوه السرقة وقاية للمال وهواناً لها للخيانة، وديتها إذا قطعت في غير حقها خمسمائة دينار وقاية للنفس من غير أن ترخصها الخيانة، ثم علل هذا الجزاء بقوله: ﴿نكالاً﴾ أي منعاً لهما كما يمنع القيد ﴿من الله﴾ أي الذي له جميع العظمة فهو المرهوب لكل مربوب، وأعاد الاسم الأعظم تعظيماً للأمر فقال: ﴿والله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال ﴿عزيز﴾ أي في انتقامه فلا يغالبه شيء ﴿حكيم *﴾ أي بالغ الحكم والحكمة في شرائعه، فلا يستطاع الامتناع من سطوته ولا نقض شيء يفعله، لأنه يضعه في أتقن مواضعه.
ولما ختم بوصفي العزة والحكمة، سبب عنهما قوله: ﴿فمن تاب﴾ أي ندم وأقلع، ودل على كرمه بالقبول في أيّ وقت وقعت التوبة فيه ولو طال زمن المعصية بإثبات الجار فقال: ﴿من بعد﴾ وعدل عن أن يقول «سرقته» إلى ﴿ظلمه﴾ تعميماً للحكم في كل ظلم، فشمل ذلك فعل طعمة وما ذكر بعده مما تقدم في النساء وغير ذلك
стр. 2586
من كل ما يسمى ظلماً ﴿وأصلح﴾ أي أوجد الإصلاح وأوقعه بردّ الظلامة والثبات على الإقلاع ﴿فإن الله﴾ أي بما له من كمال العظمة ﴿يتوب عليه﴾ أي يقبل توبته ويرجع به إلى أتم ما كان عليه قبل الظلم من سقوط عذاب الآخرة دون عقاب الدنيا، رحمة من الله له ورفقاً به وبمن ظلمه وعدلاً بينهما، لا يقدر أحد أن يمنعه من ذلك ولا يحول بينه وبينه لحظة ما؛ ثم علل ذلك بقوله: ﴿إن الله﴾ أي الذي له الكمال كله أزلاً وأبداً ﴿غفور رحيم *﴾ أي بالغ المغفرة والرحمة، لا مانع له من ذلك ولا من شيء منه ولا من شيء يريد فعله، بل هو فعال لما يريد، والآية معطوفة على آية المحاربين وإنما فصل بينهما بما تقدم لما ذكر من العلة الطالبة لمزيد العناية به.
стр. 2587
ولما كان معنى ذلك أنه لا اعتراض عليه سبحانه في شيء من ذلك ولا مانع، لأن قدرته تامة، ليس هو كمن يشاهد من الملوك الذين ربما يعجزون من اعتراض أتباعهم ورعاياهم عن تقريب بعض ما لم يباشر إساءة، وإبعاد بعض من لم يباشر إحساناً، فكيف بغير ذلك! قال تعالى مقرراً لذلك بتفرده في الملك: ﴿ألم تعلم أن الله﴾ أي الذي له جميع العز ﴿له ملك السماوات﴾ أي على علوها وارتفاع سمكها وانقطاع أسباب ما دونها منها ﴿والأرض﴾ أي أن الملك خالص له عن جميع الشوائب.
стр. 2588
ولما كان إيقاع النقمة أدل على القدرة، وكان السياق لها لما تقدم من خيانة أهل الكتاب وكفرهم وقصة ابنيّ آدم والسرقة والمحاربة وغير ذلك، قدم قوله معللاً لفعل ما يشاء بتمام الملك لا بغيره من رعاية لمصالح أو غيرها: ﴿يعذب من يشاء﴾ أي من بني إسرائيل الذين ادعوا النبوة والمحبة وغيرهم وإن كان مطيعاً أي له فعل ذلك لآنه لا يقبح منه شيء ﴿ويغفر لمن يشاء﴾ أي وإن كان عمله موبقاً، لأنه لا يتصور منه ظلم ولا يسوغ عليه اعتراض.
ولما كان التقدير: لأنه قادر على ذلك، عطف عليه قوله: ﴿والله﴾ أي الذي له الإحاطة بكل كمال ﴿على كل شيء﴾ أي شيء ﴿قدير *﴾ أي ليس هو كغيره من الملوك الذين قد يعجز أحدهم عن تقريب ابنه وتبعيد أعدى عدوه، وهذه القضية الضرورية ختم بها ما دعت المناسبة إلى ذكره من الأحكام، وكرَّ بها على أتم انتظام إلى أوائل نقوض دعواهم في قوله ﴿بل أنتم بشر ممن خلق﴾ [المائدة: ١٨]-.
ولما تقرر ذلك، كان من غير شك علةً لعدم الحزن على شيء من أمرهم ولا من أمر غيرهم ممن عصى شيئاً من هذه الأحكام، كما قال تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها﴾ [الحديد: ٢٢] إلى أن قال: ﴿لكيلا تأسوا على ما فاتكم﴾ [الحديد: ٢٣] ، فقوله: ﴿يا أيها الرسول﴾ أي المبلغ لما أرسل به - معلول لما قبله. وأدل دليل
стр. 2589
على ذلك قوله تعالى ﴿ومن يرد اله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً﴾ ﴿ولا يحزنك﴾ أي لا يوقع عندك شيئاً من الحزن صنعُ ﴿الذين يسارعون في الكفر﴾ أي يفعلون في إسراعهم يف الوقوع فيه غاية الإسراع فعلَ من يسابق غيره، وفي تبيينهم بالمنافقين وأهل الكتاب بشارة بإتمام النعمة على العرب بدوام إسلامهم ونصرهم عليهم، وقدم أسوأ القسمين فقال: ﴿من الذين قالوا آمنا﴾ .
ولما كان الكلام هو النفسي، أخرجه بتقييده بقوله: ﴿بأفواههم﴾ معبراً لكونهم منافقين بما منه ما هو أبعد عن القلب من اللسان، فهم إلى الحيوان أقرب منهم إلى الإنسان، وزاد ذلك بياناً بقوله: ﴿ولم تؤمن قلوبهم﴾ .
ولما بين المسارعين بالمنافقين، عطف عليهم قسماً آخر هم أشد الناس مؤاخاة لهم فقال: ﴿ومن الذين هادوا﴾ أي الذين عرفت قلوبهم وكفرت ألسنتهم تبعاً لمخالفة قلوبهم لما تعرف عناداً وطغياناً، ثم أخبر عنهم بقوله: ﴿سمّاعون﴾ أي متقبلون غاية التقبل بغاية الرغبة ﴿للكذب﴾ أي من قوم من المنافقين يأتونك فينقلون عنك الكذب ﴿سمّاعون لقوم آخرين﴾ أي الصدق، ثم وصفهم بقوله: ﴿لم يأتوك﴾ أي لعلة، وذكر الضمير لإرادة الكلام، لأن المقصود البغض على
стр. 2590
نفاقهم ﴿يحرفون الكلم﴾ أي الذي يسمعونه عنك على وجهة فيبالغون في تغييره وإمالته بعد أن يقيسوا المعنيين: المغير والمغير إليه، واللفظين فلا يبعدوا به، بل يأخذون بالكلم عن حده وطرفه إلى حد آخر قريب منه جداً، ولذلك، أثبت الجار فقال: ﴿من بعد﴾ أي يثبتون الإمالة من مكان قريب من ﴿مواضعه﴾ أي النازلة عن رتبته بأن يتأولوه على غير تأويله، أو يثبتوا ألفاظاً غير ألفاظه قريبة منها فلا يبعد منها المعنى جداً وهذا أدق مكراً مما في النساء وهو من الحرف وهو الحد والطرف، وانحرف عن الشيء: مال عنه، قال الصغاني: وتحريف الكلام عن مواضعه: تغييره، وقال أبو عبد الله القزاز: والتحريف التفعيل، من: انحرف عن الشيء - إذا مال، فمعنى حرفت الكلام: أزلته عن حقيقة ما كان عليه في المعنى، وأبقيت له شبه اللفظ، ومنه قوله تعالى ﴿يحرفون الكلم﴾ ، وذلك أن اليهود كانت تغير معاني التوراة بالأشباه، وفي الحديث «يسلط عليهم طاعون يحرف القلوب» أي يغيرها عن التوكل ويدعوهم إلى الانتقال عن تلك البلاد، وحكي: حرفته عن جهته - أي بالتخفيف - مثل: حرّفته، والمحارفة: المقايسة، من المحراف وهو
стр. 2591
الميل الذي يقاس به الجراح - انتهى. فالآية من الاحتباك: حذف منها أولاً الإتيان وأثبت عدمه ثانياً للدلالة عليه، وحذف منها ثانياً الصدق ودل عليه بإثبات ضده - الكذب - في الأولى.
ولما كان كأنه قيل: ما غرضهم بإثبات الكذب وتحريف الصدق؟ قال: ﴿يقولون﴾ أي لمن يوافقهم ﴿إن أوتيتم﴾ أي من أيّ مؤت كان ﴿هذا﴾ أي المكذوب والمحرف ﴿فخذوه﴾ أي اعملوا به ﴿وإن لم تؤتوه﴾ أي بأن أوتيتم غيره أو سكت عنكم ﴿فاحذروا﴾ أي بأن تؤتوا غيره فتقبلوه.
ولما كان التقدير: فأولئك الذين أراد الله فتنتهم، عطف عليه قوله: ﴿ومن يرد الله﴾ أي الذي له الأمر كله ﴿فتنته﴾ أي أن يحل به ما يميله عن وجه سعادته بالكفر حقيقة أو مجازاً ﴿فلن تملك له من الله﴾ أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له ﴿شيئاً﴾ أي من الإسعاد، وإذا لم تملك ذلك أنت وأنت أقرب الخلق إلى الله فمن يمكله.
ولما كان هذا، أنتج لا محالة قوله: ﴿أولئك﴾ أي البعداء من الهدى ﴿الذين لم يرد الله﴾ أي وهو الذي لا راد لما يريده، ولا فاعل لما يرده، فهذه أشد الآيات على المعتزلة ﴿أن يطهر قلوبهم﴾ أي بالإيمان، والجملة كالعلة لقوله ﴿فلن تملك له من الله شيئاً﴾ ، ولما ثبت
стр. 2592
أن قلوبهم نجسة، أنتج ذلك قوله: ﴿لهم في الدنيا خزي﴾ أي بالذل والهوان، أما المنافقون فبإظهار الأسرار والفضائح الكبار وخوفهم من الدمار، وأما اليهود فببيان أنهم حرفوا وبدلوا وضرب الجزية عليهم وغير ذلك من الصغار ﴿ولهم في الآخرة﴾ التي من خسرها فلا ربح له بوجه ما ﴿عذاب عظيم *﴾ أي لعظيم ما ارتكبوه من هذه المعاصي المتضاعفة.
стр. 2593
ولما ذكر التحريف، ذكر أثره وهو الحكم به فقال مكرراً لوصفهم زيادة في توبيخهم وتقبيح شأنهم: ﴿سمّاعون﴾ أي هم في غاية الشهوة والانهماك في سماعهم ذلك ﴿للكذب أكّالون﴾ أي على وجه المبالغة ﴿للسحت﴾ أي الحرام الذي يسحت البركة أي يستأصلها، وهو كل ما لا يحل كسبه، وذلك أخذهم الرشى ليحكموا بالباطل على نحو ما حرفوه وغيره من كلام الله، قال الشيخ أبو العباس المرسي: ومن آثر من الفقراء السماع لهواه، وأكل ما حرمه مولاه، فقد استهوته نزعة يهودية، فإن القوال يذكر العشق والمحبة والوجد وما عنده منها شيء.
ولما كانوا قد يأخذون الرشوة ولا يقدرون على إبرام الحكم بما أرادوه، فيطمعون في أن يفعلوا ذلك بواسطة ترافعهم إلى النبي ﷺ فيترافعون إليه، فإن حكم بينهم بما أرادوا قبلوه واحتجوا به على
стр. 2594
من لعله يخالفهم، وإن حكم بما لم يريدوه قالوا: ليس هذا في ديننا - طمعاً في أن يخليهم فلا يلزمهم بما حكم، أعلمه الله تعالى بما يفعل في أمرهم، وحذره غوائل مكرهم، فقال مفوضاً الخيرة إليه في أمر المعاهدين إلى مدة - وأما أهل الجزية فيجب الحكم بينهم إذا ترافعوا إلى حاكمنا - مسبباً عن أكلهم الحرام وسماعهم الكذب: ﴿فإن جاءوك﴾ أي طمعاً في أن تؤتيهم ما حرفوا إليه الكلم ﴿فاحكم بينهم﴾ أي إن شئت بما أنزل الله عليك من الحق ﴿أو أرض عنهم﴾ أي كذلك.
ولما كان قوله: ﴿وإن﴾ دالاً بعطفه على غير معطوف عليه أن التقدير: فإن حكمت بينهم لم ينفعوك شيئاً لإقبالك عليهم، قال: وإن ﴿تعرض عنهم﴾ أي الكفرة كلهم من المصارحين والمنافقين ﴿فلن يضروك شيئاً﴾ أي إعراضك عنهم واستهانتك بهم.
ولما كان التخيير غير مراد الظاهر في جواز الحكم بينهم عند الترافع إلينا وعدمه، بل معناه عدم المبالاة بهم، أعرض عنهم أولاً، فحقيقته بيان العاقبة على تقديري الفعل والترك، علَّمه كيف يحكم بينهم، فقال عاطفاً على ما قدرته: ﴿وإن حكمت﴾ أي فيهم ﴿فاحكم﴾ أي أوقع الحكم ﴿بينهم بالقسط﴾ أي العدل الذي أراكه الله - على أن
стр. 2595
الآية ليست في أهل الذمة، والحكم في ترافع الكفار إلينا أنه كان منهم أو من أحدهم التزام لأحكامنا أم منا التزام للذب عنهم وجب، لقوله تعالى ﴿فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم﴾ وإلا لم يجب، ثم علل ذلك بقوله: ﴿إن الله﴾ أي الذي له صفات الكمال ﴿يحب المقسطين﴾ أي الفاعلين للعدل السوي من غير حيف أصلاً.
ولما كان التقدير: فكيف يحكمونك وهم يكذبونك ويدعون أنك مبطل، عطف عليه قوله معجباً منهم موبخاً لهم: ﴿وكيف يحكمونك﴾ أي في شيء من الأشياء ﴿وعندهم﴾ أي والحال أنه عندهم ﴿التوراة﴾ ثم استأنف قوله: ﴿فيها حكم الله﴾ أي الذي لا يداني عظمته عظمة وهو الذي كان مقرراً في شرعهم أنه لا يسوغ خلافه، فإن كانوا يعتقدون ذلك إلى الآن لم يجز لهم العدول إليك على زعمهم، وإن كانوا لا يعتقدونه ويعتقدون أن حكمك هو الحق ولم يؤمنوا بك كانوا قد آمنوا ببعض وكفروا ببعض.
ولما كان الإعراض عن حكمه سبحانه عظيماً، وكان وقوعه ممن يدعي أنه مؤمن به بعيداً عظيماً شديداً، قال: ﴿ثم يتولون﴾ أي يكلفون أنفسهم الإعراض عنه سواء تأيد بحكمك به أو لا لأجل الأعراض الدنيوية، ولما كان المراد بالحكم الجنس، وكانوا يفعلون بعض أحكامها
следующие страницы →