Полный текст (11 765 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
ولما علل تعالى لعنهم بعصيانهم وغلوهم في الباطل، بينه مخصصاً للعلماء منهم بزيادة تهديد، لأنهم مع كونهم على المنكر لا ينهون غيرهم عنه، مع أنهم أجدر من غيرهم بالنهي، فصاروا عليّ منكرين شديدي الشناعة، وسكوتهم عن النهي مغوٍ لأهل الفساد ومغرٍ لهم ولغيرهم على الدخول فيه والاستكبار منه فقال تعالى: ﴿كانوا لا يتناهون﴾ أي لا ينهى بعضهم بعضاً، وبين إغراقهم في عدم المبالاة بالتنكير في سياق النفي فقال: ﴿عن منكر﴾ .
ولما كان الفعل ما كان من الأعمال عن داهية من الفاعل سواء كان عن علم أو لا، عبر به إشارة إلى أن لهم في المناكر غرام من غلبته الشهوة، ولم يبق لهم نوع علم، فقال: ﴿فعلوه﴾ ؛ ولما كان من طبع الإنسان النهي عن كل ما خالفه طبعاً أو اعتقاداً، لا سيما إن تأيد بالشرع، فكان لا يكف عن ذلك إلا بتدريب النفس عليه لغرض
стр. 2732
فاسد أداه إليه، أكد مقسماً معبراً بالفعل الذي يعبر به عما قد لا يصحبه علم ولا يكون إلا عن داهية عظيمة فقال: ﴿لبئس ما كانوا﴾ أي جبلة وطبعاً ﴿يفعلون *﴾ إشارة إلى أنهم لما تكررت فضائحهم وتواترت قبائحهم صاروا إلى حيز ما لا يتأتى منه العلم.
ولما أخبر بإقرارهم على المناكر، دل على ذلك بأمر ظاهر منهم لازم ثابت دائم مقوض لبنيان دينهم، فقال موجهاً بالخطاب لأصدق الناس فراسة وأوفرهم علماً وأثبتهم توسماً وفهماً: ﴿ترى كثيراً منهم﴾ أي من أهل الكتاب؛ ولما كان الإنسان لا ينحاز إلى حزب الشيطان إلا بمنازعة الفطرة الأولى السليمة، أشار إلى ذلك بالتفعل فقال: ﴿يتولون﴾ أي يتبعون بغاية جهدهم ﴿الذين كفروا﴾ أي المشركين مجتهدين في ذلك مواظبين عليه، وليس أحد منهم ينهاهم عن ذلك ولا يقبحه عليهم، مع شهادتهم عليهم بالضلال هم وأسلافهم إلى أن جاء هذا النبي الذي كانوا له في غاية الانتظار وبه في نهاية الاستبشار، وكانوا يدعون الإيمان به ثم خالفوه، فمنهم من استمر على المخالفة ظاهراً وباطناً، ومنهم من ادعى أنه تابع واستمر على المخالفة باطناً، فكانت موالاته للمشركين دليلاً على كذب دعواه ومظهرة لما أضمره من المخالفة وأخفاه.
ولما كان ذلك منهم ميلاً مع الهوى بغير دليل أصلاً قال:
стр. 2733
﴿لبئس ما قدمت﴾ أي تقديم النزل للضيف ﴿لهم أنفسهم﴾ أي التي من شأنها الميل مع الهوى ثم بين المخصوص بالذم - وهو ما قدمتُ - بقوله: ﴿إن سخط الله﴾ أي وقع سخطه بجميع ما له من العظمة ﴿عليهم﴾ ولما كان من وقع السخط عليه يمكن أن يزول عنه، قال مبيناً أن مجرد وقوعه جدير بكل هلاك: ﴿وفي العذاب﴾ أي الكامل من الأدنى في الدنيا والأكبر في الآخرة ﴿هم خالدون *﴾ .
ولما كان هذا دليلاً على كفرهم، دل عليه بقوله: ﴿ولو﴾ أي فعلوا ذلك مع دعواهم الإيمان والحال أنهم لو ﴿كانوا﴾ أي كلهم ﴿يؤمنون﴾ أي يوجد منهم إيمان ﴿بالله﴾ أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة بكل شيء ﴿والنبي﴾ أي الذي له الوصلة التامة بالله، ولذا أتبعه قوله: ﴿وما أنزل إليه﴾ أي من عند الله أعم من القرآن وغيره إيماناً خالصاً من غير نفاق ﴿ما اتخذوهم﴾ أي المشركين مجتهدين في ذلك ﴿أولياء﴾ لأن مخالفة الاعتقاد تمنع الوداد، فمن كان منهم باقياً على يهوديته ظاهراً وباطناً، فالألف في «النبي» لكشف سريرته للعهد، أي النبي الذي ينتظرونه ويقولون: إنه غير محمد ﷺ أو للحقيقة أي لو كانوا يؤمنون بهذه الحقيقة - أي حقيقة النبوة - ما والوهم، فإنه لم يأت نبي إلا بتكفير المشركين - كما أشار إلى ذلك ﷺ بقوله «الأنبياء أولاد علات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد»
стр. 2734
كما سيأتي قريباً في حديث أبي هريرة، يعني - والله أعلم - أن شرائعهم وإن اختلفت في الفروع فهي متفقة في الأصل وهو التوحيد، ومن كان منهم قد أظهر الإيمان فالمراد بالنبي في إظهار زيغه وميله وحيفه محمد ﷺ ، لأنه نهى عن موالاة المشركين، بل عن متاركتهم، ولم يرض إلا بمقارعتهم ومعاركتهم.
ولما أفهمت الشرطية عدم إيمانهم، استثنى منها منبهاً بوضع الفسق موضع عدم الإيمان على أنه الحامل عليه فقال: ﴿ولكن كثيراً منهم فاسقون﴾ أي متمكنون في خلق المروق من دوائر الطاعات.
стр. 2735
ولما دل كالشمس ميلهُم إلى المشركين دون المؤمنين على أنهم في غاية العداوة لهم، صرح تعالى بذلك على طريق الاستنتاج، فقال دالاً على رسوخهم في الفسق: ﴿* لتجدن أشد الناس﴾ أي كلهم ﴿عداوة للذين آمنوا﴾ أي أظهروا الإقرار بالإيمان فكيف بالراسخين فيه ﴿اليهود﴾ قدمهم لأنهم أشد الفريقين لأنه لا أقبح من ضال على علم ﴿والذين أشركوا﴾ لما جمعهم من الاستهانة بالأنبياء هؤلاء جهلاً وأولئك عناداً وبغياً، فعرف أن من صدق في إيمانه لا يواليهم بقلبه ولا بلسانه، وأنهم ما اجتمعوا على الموالاة إلا لاجتماعهم في أشدّية العداوة لمن
стр. 2736
آمن، فهذه الآية تعليل لما قبلها، كأنه قيل: هب أنهم لا يؤمنون بالله والنبي، وذلك لا يقتضي موادة المشركين فلِمَ والوهم حينئذ؟ فقيل: لأن الفريقين اجتمعوا في أشدية العداوة للذين آمنوا.
ولما أخبر تعالى بأبعد الناس مودة لهم، أخبر بضدهم فقال: ﴿ولتجدن أقربهم﴾ أي الناس ﴿مودة للذين آمنوا﴾ أي أوجدوا الإيمان بالقلب واللسان ﴿الذين قالوا﴾ وفي التوريك على قولهم إشارة إلى أنهم ما كانوا على حقيقة النصرانية ﴿إنا نصارى﴾ أي لقلة اهتمامهم بالدنيا بمجرد قولهم ذلك ولو لم يكونوا عريقين في الدين وإقبالهم على علم الباطن، ولذلك علله بقوله: ﴿ذلك بأن منهم قسيسين﴾ أي مقبلين على العلم، من القس، وهو ملامة الشيء وتتبعه ﴿ورهباناً﴾ أي في غاية التخلي من الدنيا؛ ولما كان التخلي منها موجباً للبعد من الحسد، وهو سبب لمجانبة التكبر قال: ﴿وأنهم لا يستكبرون *﴾ أي لا يطلبون الرفعة على غيرهم ولا يوجدونها.
ولما كان ذلك علة في الظاهر ومعلولاً في الباطن لرقة القلب قال:
стр. 2737
﴿وإذا سمعوا﴾ أي أتباع النصرانية ﴿ما أنزل إلى الرسول﴾ أي الذي ثبتت رسالته بالمعجز، فكان من شأنه أن يبلغ ما أنزل إليه للناس ﴿ترى أعينهم﴾ ولما كان البكاء سبباً لامتلاء العين بالدمع وكان الامتلاء سبباً للفيض الذي حقيقته السيلان بعد الامتلاء، عبر بالمسبب عن السبب فقال: ﴿تفيض من الدمع﴾ أصله: يفيض دمعها ثم تفيض هي دمعاً، فهو من أنواع التمييز، ثم علل الفيض بقوله: ﴿مما عرفوا من الحق﴾ أي وليس لهم غرض دنيوي يمنعهم عن قبوله، ثم بين حالهم في مقالهم بقوله: ﴿يقولون ربنا﴾ أي أيها المحسن إلينا ﴿آمنا﴾ أي بما سمعنا ﴿فاكتبنا﴾ .
ولما كان من شأن الشاهد إحضار القلب وإلقاء السمع والقيام التام بما يتلى عليه ويندب إليه قال: ﴿مع الشاهدين *﴾ أي أمة محمد ﷺ الذين يشهدون على الأمم يوم القيامة، فإن تقويتنا على ذلك ليست إلا إليك ﴿وما﴾ أي ويقولون: ما، أي أيّ شيء حصل أو يحصل ﴿لنا﴾ حال كوننا ﴿لا نؤمن بالله﴾ أي الذي لا كفوء له ولا خير إلا منه ﴿وما﴾ أي وبما ﴿جاءنا من الحق﴾ أي الأمر الثابت الذي مهما عرض على الواقع طابقه الواقع سواء كان حالاً أو ماضياً أو آتياً.
ولما كانوا يهضمون أنفسهم، عبروا بالطمع الذي لا نظر معه لعمل
стр. 2738
فقالوا: ﴿ونطمع أن يدخلنا ربنا﴾ أي بمجرد إحسانه، لا بعمل منا، ولجريهم في هذا المضمار عبروا بمع دون «في» قولهم: ﴿مع القوم الصالحين *﴾ هضماً لأنفسهم وتعظيماً لرتبة الصلاح.
ولما ذكر قولهم الدال على حسن اعتقادهم وجميل استعدادهم، ذكر جزاءهم عليه فقال: ﴿فأثابهم الله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال ﴿بما قالوا﴾ أي جعل ثوابهم على هذا القول المستند إلى خلوص النية الناشئ عن حسن الطوية ﴿جنات تجري﴾ ولما كان الماء لو استغرق المكان أفسد، أثبت الجار فقال: ﴿من تحتها الأنهار﴾ ولما كانت اللذة لا تكمل إلا بالدوام قال: ﴿خالدين فيها﴾ .
ولما كان التقدير: لإحسانهم، طرد الأمر في غيرهم فقال: ﴿وذلك﴾ أي الجزاء العظيم ﴿جزاء المحسنين *﴾ أي كلهم، واختلفوا في هذه الواقعة بعد اتفاقهم على أنها في النجاشي وأصحابه، وذلك مبسوط في شرحي لنظمي للسيرة النبوية، فمن ذلك أنه لما قدم جعفر بن أبي طالب ﵁ من مهاجرة الحبشة مع أصحابه ﵃ قدم معهم سبعون رجلاً بعثهم النجاشي ﵁ وعن الجميع وفداً إلى رسول الله ﷺ ،
стр. 2739
عليهم ثياب الصوف، اثنان وستون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام، وهم بحيرا الراهب وأبرهة وإدريس وأشرف وثمامة وقثم ودريد وأيمن، فقرأ عليهم رسول الله ﷺ سورة يس إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى! فأنزل الله فيهم هذه الآية ﴿لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا﴾ [المائدة: ٨٢]- إلى آخرها، ذكر ذلك الواحدي في أسباب النزول بغير سند، ثم أسند عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً﴾ [المائدة: ٨٢] قال: بعث النجاشي إلى رسول الله ﷺ من خيار أصحابه ثلاثين رجلاً، فقرأ عليهم رسول الله ﷺ يس فبكوا، فنزلت فيهم هذه الآية. وإذا نظرت مكاتبات النبي ﷺ للملوك ازددت بصيرة في صدق هذه الآية، فإنه ما كاتب نصرانياً إلا آمن، أو كان ليناً ولو لم يسلم كهرقل والمقوقس وهوذة بن علي وغيرهم، وغايتهم أنهم ضنوا بملكهم، وأما غير النصارى فإنهم كانوا على غاية الفظاظة ككسرى فإنه مزق كتابه ﷺ ولم يجز رسوله بشيء، وأما اليهود فكانوا جيران الأنصار ومواليهم
стр. 2740
وأحبابهم، ومع ذلك فأحوالهم في العداوة غاية، كما هو واضح في السير، مبين جداً في شرحي لنظمي للسيرة، وكان السر في ذلك - مع ما تقدم من باعث الزهد - أنه لما كان عيسى ﵇ أقرب الأنبياء زمناً من زمن النبي ﷺ كان المنتمون إليه ولو كانوا كفرة أقرب الأمم مودة لاتباع النبي ﷺ ، وإلى ذلك يشير ما رواه الشيخان في الفضائل عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، الأنبياء أولاد علات - وفي رواية: أبناء، وفي رواية: إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وليس بيني وبينه، وفي رواية: وليس بيني وبين عيسى - نبي.
وفي رواية لمسلم: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة، قالوا: كيف يا رسول الله! قال: الأنبياء إخوة من علات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد، فليس بيننا نبي» .
стр. 2741
ولما ذكر جزاء المطيعين المبادرين إلى الإذعان ترغيباً، ذكر جزاء من لم يفعل فعلهم ترهيباً فقال: ﴿والذين كفروا﴾ أي ستروا ما أوضحته له عقولهم من الدلالة على صحة ما دعتهم إليه الرسل ﴿وكذبوا﴾ أي عناداً ﴿بآياتنا﴾ أي بالعلامات المضافة لعظمها إلينا ﴿أولئك﴾ أي البعداء من الرحمة ﴿أصحاب الجحيم *﴾ أي الذين لا ينفكون
стр. 2742
عنها، لا غيرهم من العصاة المؤمنين وإن كثرت كبائرهم.
ولما مدح سبحانه الرهبان، وكان ذلك داعياً إلى الترهب، وكانت الرهبانية حسنة بالذات قبيحة بالعرض، شريفة في المبدأ دنية في المآل، فإنها مبنية على الشدة والاجتهاد في الطاعات والتورع عن أكثر المباحات، والإنسان مبني على الضعف مطبوع على النقائص، فيدعوه طبعه ويساعده ضعفه إلى عدم الوفاء بما عاقد عليه، ويسرع بما له من صفة العجلة إليه، فيقع في الخيانة كما قال تعالى: ﴿فما رعوها حق رعايتها﴾ [الحديد: ٢٧] عقب ذلك بالنهي عنها في هذا الدين والإخبار عنه بأنه بناه على التوسط رحمة منه لأهله ولطفاً بهم تشريفاً لنبيهم ﷺ ، ونهاهم عن الإفراط فيه والتفريط فقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي وجد منهم الإقرار بذلك ﴿لا تحرموا﴾ أي تمنعوا أنفسكم بنذر أو يمين أو غيرهما تصديقاً لما أقررتم به، ورغبهم في امتثال أمره بأن جعله موافقاً لطباعهم ملائماً لشهواتهم فقال: ﴿طيبات ما﴾ أي المطيبات وهي اللذائذ التي ﴿أحل الله﴾ وذكر هذا الاسم الأعظم مرغب في ذلك، فإن الإقبال على المنحة يكون على مقدار المعطي، وأكد ذلك بقوله: ﴿لكم﴾ أي وأما هو سبحانه فهو منزه عن الأغراض، لا ضر يلحقه ولا نفع، لأن له الغنى المطلق.
ولما أطلق لهم ذلك، حثهم على الاقتصاد، وحذرهم من مجاوزة الحد
стр. 2743
إفراطاً وتفريطاً فقال: ﴿ولا تعتدوا﴾ فدل بصيغة الافتعال على أن الفطرة الأولى مبنية على العدل، فعدولها عنه لا يكون إلا بتكلف، ثم علل ذلك بقوله مؤكداً لاستبعاد أن ينهى عن الإمعان في العبادة: ﴿إن الله﴾ أي وهو الملك الأعظم ﴿لا يحب المعتدين *﴾ أي لا يفعل فعل المحب من الإكرام للمفرطين في الورع بحيث يحرمون ما أحللت، ولا للمفرطين فيه الذين يحللون ما حرمت، أي يفعلون فعل المحرم من المنع وفعل المحلل من التناول، وما ذكر من سبب نزول الآية واضح في ذلك؛ روى الواحدي في أسباب النزول بسنده عن ابن عباس ﵄ «أن رجلاً أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إني إذا أكلت من هذا اللحم انتشرت إلى النساء وإني حرمت عليّ اللحم، فنزلت: ﴿لا تحرموا ما أحل الله لكم﴾ ونزلت: ﴿وكلوا مما رزقكم الله﴾
[المائدة: ٨٨] «. وأخرجه الترمذي في التفسير من جامعه وقال: حسن غريب، ورواه خالد الحذاء عن عكرمة مرسلاً. وقال الواحدي: وتبعه عليه البغوي: قال المفسرون:» جلس رسول الله ﷺ فذكر الناس ووصف القيامة ولم يزدهم على التخويف فرق الناس وبكوا، فاجتمع عشرة من الصحابة ﵃ في بيت عثمان بن مظعون
стр. 2744
الجمحي، وهم أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ومعقل بن مقرن، واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم ولا الودك ولا يقربوا النساء والطيب ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا ويسيحوا في الأرض ويترهبوا ويجبّوا المذاكير؛ فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال لهم: «ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا وكذا؟ قالوا: بلى يا رسول الله! وما أردنا إلا الخير، فقال: إني لم أومر بذلك، إن لأنفسكم عليكم حقاً، فصوموا وأفطروا. وقوموا وناموا، فإني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدسم، ومن رغب عن سنتي فليس مني؛ ثم جمع الناس فخطبهم فقال: ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا! أما! إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً، فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي الصوم، ورهبانيتهم الجهاد، واعبدوا الله
стр. 2745
ولا تشركوا به شيئاً وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان، فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا فشدد الله عليهم، فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع» ، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقالوا: يا رسول الله! فكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ وكانوا حلفوا على ما عليه اتفقوا، فأنزل الله قوله تعالى ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ [المائدة: ٨٩، والبقرة: ٢٢٥] ، ولا تعارض بين الخبرين لإمكان الجمع بأن يكون الرجل لما سمع تذكير النبي ﷺ سأل، ولو لم يجمع صح أن يكون كل منهما سبباً، فالشيء الواحد قد يكون له أسباب جمة، بعضها أقرب من بعض، فمن الأحاديث الواردة في ذلك ما روى البغوي بسنده من طريق ابن المبارك في كتاب الزهد عن سعد بن مسعود «أن عثمان بن مظعون ﵁ أتى النبي ﷺ فقال: ائذن لنا في الاختصاء، فقال رسول الله ﷺ : ليس منا من خصي ولا اختصى، إن خصاء أمتي الصيام، فقال: يا رسول الله! ائذن لنا في السياحة، فقال: إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله. فقال: يا رسول الله! ائذن لنا في الترهب، فقال: إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد انتظاراً لصلاة»
стр. 2746
وللشيخين والترمذي والنسائي والدارمي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أيضاً قال: «أراد عثمان بن مظعون أن يتبتل فنهاه رسول الله ﷺ ، ولو أذن له - وفي رواية: ولو أجاز له - التبتل لاختصينا» وللدارمي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أيضاً قال: «لما كان من أمر عثمان بن مظعون ﵁ الذي كان ممن ترك النساء بعث إليه رسول الله ﷺ فقال: يا عثمان! إني لم أومر بالرهبانية، أرغبت عن سنتي؟ قال: لا يا رسول الله! قال: إن من سنتي أن أصلي وأنام وأصوم وأطعم وأنكح وأطلق، فمن رغب عن سنتي فليس مني، يا عثمان! إن لأهلك عليك حقاً، ولعينك عليك حقاً، قال سعد: فوالله لقد كان أجمع رجال من المؤمنين على أن رسول الله ﷺ إن هو أقر عثمان على ما هو عليه أن نختصي فنتبتل» وقال شيخنا ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف: وروى الطبراني من طريق ابن جريج عن مجاهد قال: «أراد رجال منهم عثمان بن مظعون وعبد الله بن عمرو أن يتبتلوا ويخصوا أنفسهم ويلبسوا المسوح» ومن طريق ابن جريج عن عكرمة «أن عثمان بن مظعون وعلي
стр. 2747
بن أبي طالب وابن مسعود والمقداد بن الأسود وسالماً مولى أبي حذيفة في جماعة ﵃ تبتلوا فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء ولبسوا المسوح، وحرموا طيبات الطعام واللباس، وهموا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار، فنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ - الآية، فبعث إليهم رسول الله ﷺ فقال: إن لأنفسكم عليكم حقاً، فصوموا وأفطروا وصلوا وناموا، فليس منا من ترك سنتنا» وللترمذي عن سمرة ﵁ ان النبي ﷺ نهى عن التبتل.
وقرأ قتادة: ﴿ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية﴾ وللنسائي عن عائشة ﵂ نحوه وأشار إليه الترمذي. وللطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يأمر بالباءة وينهى عن التبتل نهياً شديداً. يقول: «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» ومنها ما روى الشيخان عن عبد الله
стр. 2748
رضي الله عنه أنه قال: «كنا نغزو مع رسول الله ﷺ وليس لنا شيء - وفي رواية: نساء، وفي رواية: كنا ونحن شباب - فقلنا: يا رسول الله! ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب، ثم قرأ علينا عبد الله ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ » الآية.
ومنها ما روى البخاري وغيره عن أبي هريرة ﵁ قال: «قلت: يا رسول الله! إني رجل شاب، وإني أخاف على نفسي العنت ولا أجد ما أتزوج به النساء - قال النسائي: أفاختصي - فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك، فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك فقال النبي ﷺ : يا أبا هريرة! جف القلم بما أنت لاق، فاختص على ذلك أو ذر- وقال النسائي: أو دع» ومنها ما روى الشيخان وغيرهما عن أنس بن مالك ﵁ قال: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ ورضي الله عنهن يسألون عن عبادة النبي ﷺ وفي رواية مسلم والنسائي أن نفراً من أصحاب النبي ﷺ سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله
стр. 2749
في السر - فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً؛ وفي رواية: وقال بعضهم لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش؛ فبلغ ذلك النبي ﷺ فحمد الله وأثنى عليه وقال: ما بال أقوام كذا وكذا! وفي رواية: فجاء رسول الله ﷺ إليهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا! أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له! لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» والمبهمون في الحديث - قال شيخنا في مقدمة شرحه للبخاري - هم ابن مسعود وأبو هريرة وعثمان بن مظعون، وسيأتي مفرّقاً ما يشير إلى ذلك، يعني ما قدمته أنا، قال: وقيل: هم سعد بن أبي وقاص وعثمان بن مظعون وعلي بن أبي طالب، وفي مصنف عبد الرزاق من طريق سعيد بن المسيب أن منهم علياً وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃، وقال شيخنا في تخريج أحاديث الكشاف: إن هذا أصلُ ما رواه الواحدي عن المفسرين، وللشيخين والترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما
стр. 2750
أهلك الذين من قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم» ، وفي رواية: «ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم» ولأبي داود عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال:
«لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم» وللإمام أحمد في المسند عن أنس ﵁ والحاكم في علوم الحديث في فن الغريب - وهذا لفظه - عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق، ولا تبغض عبادة الله إليك، فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى» المتين: الصلب الشديد، والإيغال: المبالغة، والمنبت - بنون وموحدة وفوقانية مشددة هو الذي انقطع ظهره، وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا؛ وفي بعض الروايات: والقصد القصد تبلغوا» ولمسلم وابن ماجه - وهذا لفظه - عن حنظلة الكاتب التميمي الأسيدي ﵁ قال: «كنا
стр. 2751
عند رسول الله ﷺ فذكرنا الجنة والنار حتى كانا رأي العين، فقمت إلى أهلي وولدي فضحكت ولعبت، قال: فذكرت الذي كنا فيه، فخرجت فلقيت أبا بكر ﵁ فقلت: نافقت نافقت! فقال أبو بكر: إنا لنفعله، فذهب حنظلة فذكره للنبي ﷺ فقال: يا حنظلة! لو كنتم كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم أو على طرقكم، يا حنظلة! ساعة وساعة» ولفظ مسلم من طرق جمعت متفرقها عن حنظلة - وكان من كتاب النبي ﷺ قال: «لقيني أبو بكر ﵁ فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة! قال: سبحان الله! ما تقول؟ قلت: نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالنار والجنة كانا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيراً، قال أبو بكر ﵁: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ ، قلت: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ :» وما ذاك «؟ قلت: يا رسول الله! نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كانا رأي
стр. 2752
عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيراً، فقال رسول الله ﷺ :» والذي نفسي بيده! أن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة وساعة - ثلاث مرات «» وفي رواية: قال: «كنا عند رسول الله ﷺ فوعظنا فذكرنا النار - وفي رواية: الجنة والنار - ثم جئت إلى البيت فضاحكت الصبيان ولاعبت المرأة، فخرجت فلقيت أبا بكر فذكرت ذلك له فقال: وأنا قد فعلت مثل ما تذكر، فلقينا رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! نافق حنظلة! فقال: مه؟ فحدثته بالحديث، فقال أبو بكر: وأنا قد فعلت مثل ما فعل، فقال: يا حنظلة! ساعة وساعة، فلو كانت تكون قلوبكم كما تكون عند الذكر لصافحتكم الملائكة حتى تسلم عليكم في الطرق»
ومن هنا تبين لك مناسبة أول المجادلة لآخر الحديد التي كاع في معرفتها الأفاضل، وكع عن تطلبها لغموضها الأكابر الأماثل، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان ذلك وإيضاح ما فيه من لطيف المسالك، ومن هذه الآية وقع الالتفات إلى قوله تعالى: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾ [الأنعام: ١] وقوله تعالى: ﴿قل أحل لكم الطيبات﴾ [المائدة: ٤] وما أحسن تصديرها
стр. 2753
بيا أيها الذين آمنوا - كما صدر أول السورة به، وقد مضى بيان جميع ما مضى في الوفاء بالعقود، فكان كأنه تعالى قال: أوفوا بالعقود، فلا تتهاونوا بها فتنقضوها، ولا تبالغوا فيها فتكونوا معتدين فتضعفوا، فإنه لن يشاد الدين أحد إلا غلبه، بل سددوا وقاربوا، والقصد القصد تبلغوا، وقال ابن الزبير بعد قوله: ﴿ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم﴾ [المائدة: ١٤] ثم فصل للمؤمنين أفعال الفريقين - أي اليهود والنصارى - ليتبين لهم فيما نقضوا، ثم بين تفاوتهم في البعد عن الاستجابة فقال تعالى: ﴿لتجدن أشد الناس عداوة﴾ [المائدة: ٨٢] . ثم نصح عباده وبين لهم أبواباً منها دخول الامتحان، وهي سبب في كل الابتلاء، فقال: ﴿لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا﴾ [المائدة: ٨٧] فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم شارعين لأنفسكم وظالمين - انتهى. و ﴿ما أحل﴾ شامل لكل ما كانوا أرادوا أن يتورعوا عنه من المآكل والملابس والمناكح والنوم وغير ذلك.
стр. 2754
ولما كان الحال لما ألزموا به أنفسهم مقتضياً للتأكيد، أمر بالأكل بعد أن نهى عن الترك ليجتمع على إباحة ذلك الأمر والنهيُ فقال: ﴿وكلوا﴾ ورغبهم فيه بقوله: ﴿مما رزقكم الله﴾ أي الملك الأعظم الذي لا يرد عطاؤه.
ولما كان الرزق يقع على الحرام، قيده بعد القيد بالتبعيض بقوله: ﴿حلالاً﴾ ولما كان سبحانه قد جعل الرزق شهياً، وصفه
стр. 2755
امتناناً وترغيباً فقال: ﴿طيباً﴾ ويجوز أن يكون قيداً محذراً مما فيه شبهة تنبيهاً على الورع، ويكون معنى طيبه تيقن حله، فيكون بحيث تتوفر الدواعي على تناوله ديناً توفّرها على تناول ما هو نهاية في اللذة شهوة وطبعاً، وأن يكون مخرجاً لما تعافه النفس مما أخذ في الفساد من الأطعمة لئلا يضر، قال ابن المبارك: الحلال ما أخذ من جهته، والطيب ما غذّي ونميّ، فأما الطين والجوامد وما لا يغذي فمكروه إلا على جهة التداوي، وأن يكون مخرجاً لما فوق سد الرمق في حالة الضرورة، ولهذا وأمثاله قال: ﴿واتقوا الله﴾ أي الملك الذي له الجلال والإكرام من أن تحلوا حراماً أو تحرموا حلالاً، ثم وصفه بما يوجب رعي عهوده والوقوف عند حدوده فقال: ﴿الذي أنتم به مؤمنون *﴾ أي ثابتون على الإيمان به، فإن هذا الوصف يقتضي رعي العهود، وخص سبحانه الأكل، والمراد جميع ما نهي عن تحريمه من الطيبات، لأنه سبب لغيره من المتمتعات، فلما نزلت - كما نقل البغوي وغيره عن ابن عباس ﵄ هذه الآية قالوا: يا رسول الله! وكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ وكانوا حلفوا على ما اتفقوا عليه - كما تقدم، فأنزل الله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله﴾ أي على ما له من تمام الجلال ﴿باللغو﴾ وهو ما يسبق إليه اللفظ من غير قصد ﴿في أيمانكم﴾ على أني لم أعتمد على
стр. 2756
سبب النزول في المناسبة إلا لدخوله في المعنى، لا لكونه سبباً، فإنه ليس كل سبب يدخل في المناسبة - كما بينته في أول غزوة أحد في آل عمران، وإنما كان السبب هنا داخلاً في مناسبة النظم، لأن تحريم ما أحل يكون تارة بنذر وتارة بيمين، والنذر في المباح - وهو مسألتنا - لا ينعقد وكفارته كفارة يمين، فحينئذ لم تدع الحاجة إلا إلى التعريف بالأيمان وأحكامها، فقسمها سبحانه إلى قسمين: مقصود وغير مقصود، فأما غير المقصود فلا اعتبار به، وأما المقصود فقسمان: حلف على ماض، وحلف على آت، فأما الحلف على الماضي فهو اليمين الغموس التي لا كفارة لها عند بعض العلماء، وسيأتي في آية الوصية، وأما الحلف على الآتي - وهو الذي يمكن التحريم به - فذكر حكمه هنا بقوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم﴾ .
ولما كان مطلق الحلف الذي منه اللغو يطلق عليه عقد لليمين، أعلم أن المؤاخذة إنما هي بتعمد القلب، وهو المراد بالكسب في الآية الأخرى، فعبر بالتفعيل في قراءة الجماعة، والمفاعلة على قراءة ابن عامر تنبيهاً على أن ذلك هو المراد من قراءة حمزة والكسائي بالتخفيف فقال ﴿بما عقدتم الأيمان﴾ أي بسبب توثيقها وتوكيدها وإحكامها بالجمع
стр. 2757
بين اللسان والقلب، سواء كان على أدنى الوجوه كما تشير إليه قراءة التخفيف، أو على أعلاها كما تشير إليه قراءة التشديد، فلا يحل لكم الحنث فيها إلا بالكفارة بخلاف اللغو فإنه باللسان فقط، فلا عقد فيه فضلاً عن تعقيد، و «ما» مصدرية.
ولما أثبت المؤاخذة سبب عنها قوله: ﴿فكفارته﴾ أي الأمر الذي يستر النكث والحنث عن هذا التعقيد، ويزيل أثره بحيث تصيرون كأنكم ما حلفتم ﴿إطعام عشرة مساكين﴾ أي أحرار مساكين، لكل مسكين ربع صاع، وهو مدمن طعام، وهو رطل وثلث ﴿من أوسط ما﴾ كان عادة لكم أنكم ﴿تطعمون أهليكم﴾ أي من أعدله في الجودة والقدر كمية وكيفية، فهو مد جيد من غالب القوت، سواء كان من الحنطة أو من التمر أو غيرهما.
ولما بدأ بأقل ما يكفي تخفيفاً ورحمة، عطف على الإطعام ترقياً قوله: ﴿أو كسوتهم﴾ أي بثوب يغطي العورة من قميص أو إزار أو غيرهما مما يطلق عليه اسم الكسوة ﴿أو تحرير﴾ أي إعتاق ﴿رقبة﴾ أي مؤمنة سليمة عما يخل بالعمل - كما تقدم في كفارة القتل - حملاً لمطلق الكفارات على ذلك المقيد، ولأن النبي ﷺ ما استأذنه أحد في إعتاق رقبة في كفارة إلا اختبر إيمانها، هذا ما على المكلف على
стр. 2758
سبيل التخيير من غير تعيين. والتعيين إليه إذا كان واجداً للثلاثة أو لأحدها، والإتيان بأحدها مبرئ من العهدة، لأن كل واحد من الثلاثة بعينه أخص من أحدها على الإبهام، والإتيان بالخاص يستلزم الإتيان بالعام ﴿فمن لم يجد﴾ أي واحداً منها فاضلاً عن قوته وقوت من تلزمه مؤنته ﴿فصيام﴾ أي فالكفارة صيام ﴿ثلاثة أيام﴾ ولو متفرقة.
ولما تم ذلك. أكده في النفوس وقرره بقوله: ﴿ذلك﴾ أي الأمر العدل الحسن الذي ذكر ﴿كفارة أيمانكم﴾ أي المعقدة ﴿إذا حلفتم﴾ وأردتم نكثها سواء كان ذلك قبل الحنث أو بعده.
ولما كان التقدير: فافعلوا ما قدرتم عليه منه، عطف عليه لئلا تمتهن الأيمان لسهولة الكفارة قوله: ﴿واحفظوا أيمانكم﴾ أي فلا تحلفوا ما وجدتم إلى ذلك سبيلاً، ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم، فإنه سبحانه عظيم، ومن أكثر الحلف وقع في المحذور ولا بد، وإذا حلفتم فلا تحنثوا دون تكفير، ويجوز للمكفر الجمع بين هذه الخصال كلها واستشكل، وحلُّه بما قال الشيخ سعد الدين التفتازاني في التلويح في بحث أو: والمشهور في الفرق بين التخيير والإباحة أنه يمنتع في التخيير الجمع ولا يمتنع في الإباحة، لكن الفرق هاهنا أنه لا يجب في الإباحة الإتيان بواحد وفي التخيير يجب، وحينئذ إن كان الأصل فيه الحظر وثبت
стр. 2759
الجواز بعارض الأمر - كما إذا قال: بع من عبيدي هذا أو ذاك - يمتنع الجمع ويجب الاقتصار على الواحد.
لأنه المأمور به. وإن كان الأصل فيه الإباحة ووجب بالأمر واحد - كما في خصال الكفارة - يجوز الجمع بحكم الإباحة الأصلية، وهذا يسمى التخيير على سبيل الإباحة - انتهى.
ولما اشتملت هذه الآيات من البيان على ما يدهش الإنسان كان كأنه قيل: هل يبين كل ما يحتاج إليه هكذا؟ فنبه من هذه الغفلة بقوله: ﴿كذلك﴾ أي مثل هذا البيان العظيم الشأن ﴿يبين الله﴾ أي على ما له من العظمة ﴿لكم آياته﴾ أي أعلام شريعته وأحكامه على ما لها من العلو بإضافتها إليه.
ولما اشتمل ما تقدم من الأحكام والحِكَم والتنبيه والإرشاد والإخبار بما فيها من الاعتبار على نِعَم جسيمة وسنن جليلة عظيمة، ناسب ختمُها بالشكر المُربى لها في قوله على سبيل التعليل المؤذن بقطعها إن لم توجد العلة: ﴿لعلكم تشكرون *﴾ أي يحصل منكم الشكر بحفظ جميع الحدود الآمرة والناهية.
стр. 2760
ولما تم بيان حال المأكل وكان داعية إلى المشرب، احتيج إلى بيانه، فبين تعالى المحرم منه. فعلم أن ما عداه مأذون في التمتع به،
стр. 2761
وذلك محاذٍ في تحريم شيء مقترن باللازم بعد إحلال آخر لما في أول السورة من تحريم الميتة وما ذكر معها بعد إحلال بهيمة الأنعام وما معها، فقال تعالى مذكراً لهم بما أقروا به من الإيمان الذي معناه الإذعان: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي أقروا به. ونبههم على ما يريد العدو بهم من الشر بقوله تعالى: ﴿إنما الخمر﴾ وهي كل ما أسكر سواء فيه قليله وكثيره، وأضاف إليها ما واخاها في الضرر ديناً ودنيا وفي كونه سبباً للخصام وكثرة اللغط المقتضي للحلف والإقسام تأكيداً لتحريم الخمر بالتنبيه على أن الكل من أفعال الجاهلية، فلا فرق بين شاربها والذابح على النصب والمعتمد على الأزلام فقال: ﴿والميسر﴾ أي الذي تقدم ذكره في البقرة ﴿والأنصاب والأزلام﴾ المتقدم أيضاً ذكرُهما أول السورة، والزلم: القدح لا ريش له - قاله البخاري؛ وحكمة ترتيبها هكذا أنه لما كانت الخمر غاية في الحمل على إتلاف المال، قرن بها ما يليها في ذلك وهو القمار، ولما كان الميسر مفسدة المال، قرن به مفسدة الدين وهي الأنصاب، ولما كان تعظيم الأنصاب شركاً جلياً إن عبدت، وخفياً إن ذبح عليها دون عبادة، قرن بها نوعاً من الشرك الخفي وهو الاستقسام بالأزلام: ثم أمر باجتناب الكل إشارة وعبارة على أتم وجه فقال: ﴿رجس﴾ أي قذر أهل لأن يبعد عنه بكل اعتبار حتى عن ذكره سواء كان عيناً أو معنى، وسواء كانت الرجسية في الحس أو المعنى،
стр. 2762
ووحد الخبر للنص على الخمر والإعلام بأن أخبار الثلاثة حذفت وقدرت، لأنها أهل لأن يقال في كل واحد منها على حدتها كذلك ولا يكفي عنها خبر واحد على سبيل الجمع؛ ثم زاد في التنفير عنها تأكيداً لرجسيتها بقوله: ﴿من عمل الشيطان﴾ أي المحترق البعيد، ثم صرح بما اقتضاه السياق من الاجتناب فقال: ﴿فاجتنبوه﴾ أي تعمدوا أن تكونوا عنه في جانب آخر غير جانبه. وأفرد لما تقدم من الحِكَم، ثم علل بما يفهم أنه لا فوز بشيء من المطالب مع مباشرتها فقال: ﴿لعلكم تفلحون *﴾ أي تظفرون بجميع مطالبكم، روى البخاري في التفسير عن ابن عمر ﵄ قال: «لقد حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء» وفي رواية: «نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة ما فيها شراب العنب» وفي رواية عنه: «سمعت عمر على منبر النبي ﷺ يقول: أما بعد أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب - وفي رواية: من الزبيب - والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل» وعن أنس بن مالك ﵁ قال: «ما كان لنا خمر غير فضيخكم هذا، وإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلاناً وفلاناً إذ جاء رجل فقال:
стр. 2763
حرمت الخمر، قالوا: أهرق هذه القلال يا أنس! فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل» وفي رواية عنه: «حرمت علينا الخمر حين حرمت وما نجد خمر الأعناب إلا قليلاً، وعامة خمرنا البسر والتمر» قال الأصبهاني: وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام.
ولما كانت حكمة النهي عن الأنصاب والأزلام قد تقدمت في أول السورة، وهي أنها فسق، اقتصر على بيان علة النهي عن الخمر والميسر إعلاماً بأنهما المقصودان بالذات، وإن كان الآخرينَ ما ضما إلا لتأكيد تحريم هذين - كما تقدم، لأن المخاطب أهل الإيمان، وقد كانوا مجتنبين لذينك، فقال مؤكداً لأن الإقلاع عما حصل التمادي في المرون عليه يحتاج إلى مثل ذلك: ﴿إنما يريد الشيطان﴾ أي بتزيين الشرب والقمار لكم ﴿أن يوقع بينكم العداوة﴾ .
ولما كانت العداوة قد تزول أسبابها، ذكر ما ينشأ عنها مما إذا استحكم تعسر أو تعذر زواله، فقال: ﴿والبغضاء في الخمر والميسر﴾ أي تعاطيهما لأن الخمر تزيل العقل، فيزول المانع من إظهار الكامن من الضغائن والمناقشة والمحاسدة، فربما أدى ذلك إلى حروب طويلة وأمور مهولة، والميسر يذهب المال فيوجب ذلك الإحنة على من سلبه ماله ونغص عليه أحواله.
ولما ذكر ضررهما في الدنيا، ذكر ضررهما في الدين فقال:
стр. 2764
﴿ويصدكم عن ذكر الله﴾ أي الملك الأعظم الذي لا إله لكم غيره ولا كفوء له، وكرر الجار تأكيداً للأمر وتغليظاً في التحذير فقال: ﴿وعن الصلاة﴾ أما في الخمر فواضح، وأما في الميسر فلأن الفائز ينسى ببطر الغلبة، والخائب مغمور بهمه، وأعظم التهديد بالاستفهام والجملة الاسمية الدالة على الثبات بعد التأكيد بالحصر والضم إلى فعل الجاهلية وبيان الحِكَم الداعية إلى الترك والشرور المنفرة عن الفعل فقال: ﴿فهل أنتم منتهون *﴾ أي قبل أن يقع بكم ما لا تطيقون.
ولما كان ذلك مألوفاً لهم محبوباً عندهم، وكان ترك المألوف أمرّ من ضرب السيوف، أكد دعوتهم إلى اجتنابه محذراً من المخالفة بقوله عاطفاً على ما تقديره: فانتهوا: ﴿وأطيعوا الله﴾ أي الملك الأعلى الذي لا شريك له ولا أمر لأحد سواه، أي فيما أمركم به من اجتناب ذلك، وأكد الأمر بإعادة العامل فقال: ﴿وأطيعوا الرسول﴾ أي الكامل في الرسلية في ذلك، وزاد في التخويف بقوله: ﴿واحذروا﴾ أي من المخالفة، ثم بلغ الغاية في ذلك بقوله: ﴿فإن توليتم﴾ أي بالإقبال على شيء من ذلك، وأشار بصيغة التفعل إلى أن ذلك إنما يعمل بمعالجة من النفس للفطرة الأولى، وعظم الشأن في ابتداء الجزاء بالتنبيه
стр. 2765
بالأمر بالعلم فقال: ﴿فاعلموا﴾ أنكم لم تضروا إلا أنفسكم، لأن الحجة قد قامت عليكم، ولم يبق على الرسول شيء لأنكم علمتم ﴿أنما على رسولنا﴾ أي البالغ في العظمة مقداراً يجل عن الوصف بإضافته إلينا ﴿البلاغ المبين *﴾ أي البين في نفسه الموضح لكل من سمعه ما يراد منه لا غيره، فمن خالف فلينظر ما يأتيه من البلاء من قِبَلنا، وهذا ناظر إلى قوله:
﴿بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ [المائدة: ٦٧] فكأنه قيل: ما عليه إلا ما تقدم من إلزامنا له به من البلاغ، فمن اختار لنفسه المخالفة كفر، والله لا يهدي من كان مختاراً لنفسه الكفر.
стр. 2766
ولما كانوا قد سألوا عند نزول الآية عما من شأن الأنفس الصالحة الناظرة للورع المتحرك للسؤال عنه، وهو من مات منهم وهو يفعلهما، قال جواباً لذلك السؤال: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا﴾ أي تصديقاً لإيمانهم ﴿الصالحات جناح﴾ فبين سبحانه أن هذا السؤال غير وارد لأنهم لم يكونوا منعوا منهما، وكانوا مؤمنين عاملين للصالحات متقين لما يسخط الرب من المحرمات، وقد بين ذلك النبي ﷺ فيما رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: «حرمت الخمر ثلاث مرات: قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك،
стр. 2767
فأنزل الله تعالى على نبيه ﷺ ﴿يسئلونك عن الخمر والميسر﴾ [البقرة: ٢١٩] ، فقال الناس: لم يحرم علينا، إنما قال: إن فيهما إثماً، وكانوا يشربون الخمر حتى إذا كان يوم من الأيام صلى رجل من المهاجرين المغرب فخلط في قراءته، فأنزل الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ [النساء: ٤٣] فكانوا يشربونها حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق، فنزلت ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام﴾ [المائدة: ٩٠] ، فقالوا: انتهينا يا رب! وقال الناس: يا رسول الله! ناس قتلوا في سبيل الله أو ماتوا على فرشهم كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر وقد جعله الله رجساً من مل الشيطان! فأنزل الله ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح﴾ [المائدة: ٩٣] ، فقال النبي ﷺ : لو حرمت عليهم لتركوها كما تركتم» ولا يضر كونه من رواية أبي معشر وهو ضعيف لأنه موافق لقواعد الدين، وروى الشيخان عن أنس ﵁ قال: «كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة ﵁ وما شرابهم إلا الفضيخ: البسر والتمر، وإذا منادٍ ينادي: ألا! إن الخمر قد حرمت، فقال لي أبو طلحة ﵁: اخرج فاهرقها،
стр. 2768
فهرقتها، فقال بعض القوم: قد قتل فلان وفلان وهي في بطونهم؟ فأنزل الله تعالى ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح﴾ على أنه لو لم يرد هذا السببُ كانت المناسبة حاصلة، وذلك أنه تعالى لما أباح الطيب من المأكل وحرم الخبيث من المشرب، نفى الجناح عمن يأكل ما أذن فيه أو يشرب عدا ما حرمه. فأتى بعبارة تعم المأكل والمشرب فقال: ﴿فيما طعموا﴾ أي مأكلاً كان أو مشرباً، وشرط ذلك عليهم بالتقوى ليخرج المحرمات فقال: ﴿إذا ما اتقوا﴾ أي أوقعوا جميع التقوى التي تطلب منهم فلم يطعموا محرماً.
ولما بدأ بالتقوى وهي خوف الله الحامل على البعد عن المحرمات، ذكر أساسها الذي لا تقبل إلا به فقال: ﴿وآمنوا﴾ ولما ذكر الإقرار باللسان، ذكر مصداقه فقال: ﴿وعملوا﴾ أي بما أداهم إليه اجتهادهم بالعلم لا اتفاقاً ﴿الصالحات ثم اتقوا﴾ أي فاجتنبوا ما جدد عليهم تحريمه ﴿وآمنوا﴾ أي بأنه من عند الله، وأن الله له أن يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، وهكذا كلما تكرر تحريم شيء كانوا يلابسونه.
ولما كان قد نفى الجناح أصلاً ورأساً، شرط الإحسان فقال: ﴿ثم اتقوا وأحسنوا﴾ أي لازموا التقوى إلى أن أوصلتهم إلى مقام المراقبة، وهي الغنى عن رؤية غير الله، فأفهم ذلك أن من لم يبلغ
стр. 2769
رتبة الإحسان لا يمتنع أن يكون عليه جناح مع التقوى والإيمان، يكفر عنه بالبلايا والمصائب حتى ينال ما قدر له مما لم يبلغه عمله من درجات الجنان، ومما يدل على نفاسة التقوى وعزتها أنه سبحانه لما شرطها في هذا العموم، حث عليها عند ذكر المأكل بالخصوص - كما مضى فقال «واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون» ، وهذا في غاية الحث على التورع في المأكل والمشرب وإشارة إلى أنه لا يوصل إلى مقام الإحسان إلا به - والله الموفق؛ ولما كان التقدير: فإن الله يحب المتقين المؤمنين، عطف عليه قوله: ﴿والله﴾ أي الذي له صفات الكمال ﴿يحب المحسنين﴾ .
ولما ذكر ما حرم من الطعام في كل حال، وكان الصيد ممن حرم في بعض الأوقات، وكان من أمثل مطعوماتهم، وكان قد ذكر لهم بعض أحكامه عقب قوله: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾ ﴿وأحل لكم الطيبات﴾ أخذ هنا في ذكر شيء من أحكامه، وابتدأها - لأنهم خافوا على من مات منهم على شرب الخمر قبل تحريمها بأنه يبتليهم لتمييز الورع منهم من غيره - بالصيد في الحال التي حرمه عليهم فيها كما ابتلى إسرائيل في السبت، فكان ذلك سبباً لجعلهم قردة، ومنَّ سبحانه على الصحابة من هذه الأمة بالعصمة عند بلواهم بياناً لفضلهم على من سواهم، فقال تعالى منادياً لهم
стр. 2770
بما يكفّهم ذكره عن المخالفة: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي أوقعوا الإيمان ولو على أدنى وجوهه، فعم بذلك العالي والداني ﴿ليبلونكم الله﴾ أي يعاملكم معاملة المختبر في قبولكم تحريم الخمر وغيره المحيط بكل شيء قدرة وعلماً، وذكر الاسم الأعظم إشارة بالتذكير بما له من الجلال إلى أن له أن يفعل ما يشاء، وأشار إلى تحقير البلوى تسكيناً للنفوس بقوله: ﴿بشيء من الصيد﴾ أي الصيد في البر في الإحرام، وهو ملتفت إلى قوله: ﴿هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله﴾ [المائدة: ٦٠] وشارح لما ذكر أول السورة في قوله ﴿غير محلي الصيد وأنتم حرم﴾ ، وما ذكر بعد المحرمات من قوله: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾
[المائدة: ٤] ، ووصف المبتلى به بوصف هو من أعلام النبوة فقال: ﴿تناله أيديكم﴾ أي إن أردتم أخذه سالماً ﴿ورماحكم﴾ إن أردتم قتله، ثم ذكر المراد من ذلك وهو إقامة الحجة على ما يتعارفه العباد بينهم فقال: ﴿ليعلم الله﴾ أي وهو الغني عن ذلك بما له من صفات الكمال التي لا خفاء بها عند أحد يعلم هذا الاسم الأعظم ﴿من يخافه بالغيب﴾ أي بما حجب به من هذه الحياة الدنيا التي حجبتهم عن أن يعرفوه حق معرفته سبحانه، والمعنى أنه يخرج بالامتحان ما كان من أفعال العباد في عالم الغيب إلى عالم الشهادة، فيصير تعلق العلم به تعلقاً شهودياً كما كان تعلقاً غيبياً لتقوم بذلك الحجة على الفاعل في مجاري عاداتهم، ويزداد من
следующие страницы →