Полный текст (11 765 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.
стр. 3921
بالكذب قائلين: والله ﴿لو استطعنا﴾ أي الخروج إلى ما دعوتمونا إليه ﴿لخرجنا معكم﴾ يحلفون حال كونهم ﴿يهلكون أنفسهم﴾ أي بهذا الحلف الذي يريدون به حياتها لأنهم كذبوا فيه فانتهكوا حرمة اسم الله ﴿والله﴾ أي والحال أن الملك الأعظم المحيط علماً وقدرة سبحانه ﴿يعلم إنهم لكاذبون*﴾ فقد جمعوا بين إهلاك أنفسهم والفضيحة عند الله بعلمه بكذبهم في انهم غير مستطيعين، وجزاء الكاذب في مثل ذلك الغضب المؤيد الموجب للعذاب الدائم المخلد.
ولما بكتهم على وجه الإعراض لأجل التخلف والحلف عليه كاذباً، أقبل إليه ﷺ بالعتاب فبي لذيذ الخطاب على الاسترسال في اللين لهم والائتلاف وأخذ العفو وترك الخلاف إلى هذا الحد، فقال مؤذناً بأنهم ما تخلفوا إلا بإذنه ﷺ لأعذار ادعوها كاذبين فيها كما كذبوا في هذا الحلف، مقدماً للدعاء على العتاب لشدة الاعتناء بشأنه واللطف به ﷺ : ﴿عفا الله﴾ أي ذو الجلال والإكرام ﴿عنك﴾ وهذا كما كانت عادة العرب في مخاطبتهم لأكابرهم بأن يقولوا: أصلح الله الأمير، والملك - ونحو ذلك.
ولما كان من المعلوم أنه لا يأذن إلا لما يرى أنه يرضي الله من تألفهم ونحوه، بين أنه سبحانه يرضى منه ترك الإذن فقال كناية عن ذلك: ﴿لم أذنت لهم﴾ أي في التخلف عنك تمسكاً بما تقدم من الأمر باللين لهم والصفح عنهم موافقاً لما جبلت عليه من محبة الرفق، وهذا إنما
стр. 3922
كان في أول الأمر لخوف التنازع والفتنة، وأما الآن فقد علا الدين وتمكن أمر المؤمنين فالمأمور به الإغلاط على المنافقين فهلا تركت الإذن لهم ﴿حتى يتبين لك﴾ أي غاية البيان ﴿الذين صدقوا﴾ أي في التزام الأوامر بما أقروا به من كلمة التوحيد ﴿وتعلم الكاذبين*﴾ أي فيما أظهروا من الإيمان باللسان، فإنك إن لم تأذن لهم لقعدوا بلا إذن غير مراعين ميثاقهم الذي واثقوك عليه بالطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره؛ قال أبو حيان: و ﴿حتى﴾ غاية الاستفهام - انتهى. وذلك لأنه وإن كان داخلاً على فعل مثبت فمعناه النفي، أي ما لك لم تحملهم على الغزو معك ليتحقق بذلك الحمل من يطيع ومن يعصي، فالحاصل أن الذي فعله ﷺ حسن موافق لما أمره الله به فإنه لا ينطبق عن الهوى بل عن أمر الله إما بإيحاء واصل جديد، أو استناد إلى وحي سابق حاصل عتيد، والذي أشار إليه سبحانه أحسن مثل ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك﴾ [الفتح: ٢] من باب «حسنات الأبرار سيئات المقربين» ومن باب الترقية من مقام عال إلى مقام اعلى تسييراً فيهم بالعدل لما انكشف أنهم ليسوا بأهل الفضل؛ قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في آخر كتاب العروة في تفاوت وجه الخطاب فيما بين
стр. 3923
ما أنزل على وفق الوصية أو أنزل على حكم الكتاب: اعلم أن الله سبحانه بعث محمداً ﷺ بالرحمة لجميع العالمين وخلقه بالعفو والمعروف، كما ورد في الكتب السابقة من قوله تعالى: «وأجعل العفو والمعروف خلقه» وبذلك وصاه كما ورد عنه ﷺ أنه قال: «أوصاني ربي من غير ترجمان ولا واسطة بسبع خصال: بخشية الله في السر والعلانية، وأن أصل من قطعني، وأصفح عمن ظلمني، وأعطي من حرمني، وأن يكون نطقي ذكراً، وصمتي فكراً، ونظري عبرة» .
فكان فيما أوصاه به ربه ﵎ من غير ترجمان ولا واسطة أن يصل من قطعة ويصفح عمن ظلمه، ولا أقطع له ممن كفر به وصد عنه، فكان هو ﷺ بحكم ما بعث به وجبل عليه ووصى به - ملتزماً للعفو عمن ظلمه والوصل لمن قطعه إلا أن يعلن عليه بالإكراه على ترك ذلك والرجوع إلى حق العدل والاقتصاص والانتصاف المخالف لسعة وصيته الموافق لما نقل من أحكام سنن الأولين في مؤاخذتهم بالحق والعدل إلى جامع شرعته ليوجد فيها نحو مما تقدم من الحق والعدل وإن قل، ولتفضل شرعته بما اختص هو به ﷺ من البعثة بسعة الرحمة والفضل
﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ [النحل: ٩] ، ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ [الأنفال: ٣٣] فمن القرآن
стр. 3924
ما أنزل على الوجه الذي بعث له وجبل عليه ووصى به نحو قوله تعالى: ﴿ادفع بالتي هي أحسن السيئة﴾ [المؤمنون: ٩٦] وقوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ [الأعراف: ١٩٩] وقوله تعالى: ﴿ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقوله تعالى: ﴿فاصفح الصفح الجميل﴾ [الحجر: ٨٥] وقوله تعالى ﴿فاصفح عنهم وقل سلام﴾ [الزخرف: ٨٩] وأصل معناه في مضمون قوله تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم﴾ [التوبة: ١٢٨] فما كان من المنزل على هذا الوجه تعاضدت فيه الوصية والكتاب وقبله هو ﷺ جبلة وحالاً وعملاً ولم تكن له عنه وقفة لتظافر الأمرين وتوافق الخطابين: خطاب الوصية، وخطاب الكتاب؛ وهذا الوجه من المنزل خاص بالقرآن العظيم الذي هو خاص به ﷺ ، لم يؤته أحد قبله ﴿ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم﴾ [الحجر: ٨٧] ومن القرآن ما أنزل على حكم العدل والحق المتقدم فضله في سنن الأولين وكتب المتقدمين وإمضاء عدل الله سبحانه في المؤاخذين والاكتفاء بوصل الواصل وإبعاد المستغني والإقبال على القاصد والانتقام من الشارد، وذلك خلاف ما جبل الله عليه نبيه وما وصى به حبيبه ﷺ ؛ فكان ﷺ إذا أنزل عليه - أي من الكتاب - على مقتضى الحق وإمضاء
стр. 3925
العدل ترقب تخفيفه وترجى تيسيره حتى يعلن عليه بالإكراه في أخذه والتزام حكمه فحينئذ يقوم لله به ويظهر عذره في إمضائه فيكون له في خطاب التشديدعليه في أخذه أعظم مدح وأبلغ ثناء من الله ضد ما يتوهمه الجاهلون، فمما أنزل إنباء عن مدحه بتوقفه على إمضاء حكم العدل والحق رجاء تدارك الخلق واستعطاف الحق ما هو نحو قوله تعالى: ﴿فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً﴾ [الكهف: ٦] ونحو قوله تعالى: ﴿لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين﴾ [الشعراء: ٣] نحو قوله تعالى: ﴿ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون﴾ [الحجر: ٩٧] ومما أنزل على وجه الإعلان عليه بما هو عليه من الرحمة وتوقفه على الأخذ بسنن الأولين حتى يكره عليه ليقوم عذره ليقوم عذره في الاقتصار على حكم الوصية وحال الجبلة ما هو نحو قوله تعالى:
﴿ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك﴾ [هود: ١٧] ونحو قوله تعالى: ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾ [يونس: ٩٩] ونحو قوله تعالى: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين﴾ [يونس: ٩٤] أي لا تتوقف لطلب الرحمة لهم كما - يتوقف الممتري في الشيء أو الشاك فيه لما قد علم أنه لا بد لأمته
стр. 3926
من حظ من مضاء كلمة العدل فيهم وحق كلمة العذاب عليهم وإجراء بعضهم دون كلهم على سنة من تقدمهم من أهل الكتب الماضية في المؤاخذة بذنوبهم وإنفاذ حكم السطوة فيهم فأخذهم الله بذنوبهم ﴿فكلاً أخذنا بذنبه﴾ [العنكبوت: ٤٠] ولم ينفعهم الرجوع عند مشاهدة الآيات ﴿الآن وقد عصيت قبل﴾ [يونس: ٩١] ﴿لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم﴾ [الأنبياء: ١٣] وذلك أن كل مطالع بالعذاب راجع - ولا بد - عن باطله حين لا ينفعه ﴿وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون﴾ [الأنبياء: ٩٥] ﴿إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا﴾ [يونس: ٩٨] لما أبطن تعالى في قلب نبيهم ﵇ عزماً على هلاكهم، أظهر تعالى رحمة عليهم، ولما ملأ نبيه ﷺ رحمة لأمته: كافرهم ومؤمنهم ومنافقهم، أشار بآي من إظهار مؤاخذتهم وأعلم بكف نبيه ﷺ عن تألفهم وأحسبه بمؤمنهم دون كافرهم ومنافقهم ﴿يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾ [الأنفال: ٦٤] وكل ذلك معلوم عنده ﷺ قبل وقوعه بمضمون قوله تعالى: ﴿سنة من قد أرسلنا قبلك من
стр. 3927
رسلنا﴾ ﴿سنة الله التي قد خلت من قبل﴾ [الفتح: ٢٣] ، ﴿فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل﴾ [يونس: ٩٤] ، ﴿كذلك نسلكه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين﴾ [الحجر: ١٢-١٣] «ولذلك قال ﷺ حين أنزل عليه ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك﴾ [يونس: ٩٤] :» أما أنا فلا أشك ولا أسأل «» ، لأنه قد علم جملة أمر الله أن منهم من يتداركه الرحمة ومن يحق عليه كلمة العذاب، ولكنه لا يزال ملتزماً لتألفهم واستجلابهم حتى يكره على ترك ذلك بعلن خطاب نحو قوله تعالى: ﴿عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى أما من استغنى فأنت له تصدى وما عليك ألا يزكى وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى كلاّ إنها تذكرة فمن شاء ذكره﴾ [عبس: ١-١٢] ونحو قوله تعالى: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً واتقوا الله إن الله غفور رحيم﴾ [الأنفال: ٦٧- ٦٩] فهذه الآي ونحوها يسمعها العالم بموقعها على إكراه لنبي الرحمة حتى يرجع إلى عدل نبي الملحمة من جملة أمداح القرآن له والشهادة بوفائه بعهد ووصية حتى تحقق له تسميته بنبي الرحمة ثابتاً على الوصية ونبي الملحمة إمضاء في وقت
стр. 3928
لحكم الحق وإظهار العدل، فهو ﷺ بكل القرآن ممدوح وموصوف بالخلق العظيم جامع لما تضمنته كتب الماضين وما اختصه الله به من سعة القرآن العظيم، فهذا وجه تفاوت ما بين الوصية والكتاب في محكم الخطاب؛ والله سميع عليم - انتهى.
стр. 3929
ولما فاته ﷺ معرفتهم بهذا الطريق، شرع العالم بما في الضمائر يصفهم له بما يعوض عن ذلك، فقال على طريق الجواب للسؤال: ﴿لا يستئذنك﴾ أي يطلب إذنك بغاية الرغبة فيه ﴿الذين يؤمنون بالله﴾ أي يجددون الإيمان كل وقت حقاً من أنفسهم بالملك الذي له صفات الكمال ﴿واليوم الآخر﴾ أي الذي يكون فيه الجزاء بالثواب والعقاب ﴿أن﴾ أي في أن ﴿يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم﴾ بل يبادرون إلى الجهاد عند إشارتك إليه وبعثك عموماً عليه فضلاً عن أن يستأذنوك في التخلف عنه، فإن الخلص من المهاجرين والأنصار كانوا يقولون: لا نستأذنه ﷺ أبداً في الجهاد فإن ربنا ندبنا إليه مرة بعد مرة فأيّ فائدة في الاستئذان! ولنجاهدن معه بأموالنا وأنفسنا، وكانوا بحيث لو أمرهم ﷺ بالعقود شق عليهم كما وقع لعلي ﵁ في غزوة تبوك حتى قال له رسول الله ﷺ : «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى» ! ولما كان التقدير: فمن اتصف بذلك فاعلم أنه متق بأخبار الله، عطف عليه
стр. 3930
قوله: ﴿والله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة ﴿عليم بالمتقين*﴾ أي الذين يخافون الله كلهم.
ولما أخبر بالمتقين، عرف بغيرهم على وجه الحصر تأكيداً لتحقيق صفة العلم بما أخبر به سبحانه، فصار الاستئذان منفياً عن المؤمنين مرتين، فثبت للمنافقين على أبلغ وجه ﴿إنما يستئذنك﴾ أي في مثل ذلك فكيف بالاستئذان في التخلف! ﴿الذين لا يؤمنون﴾ أي يتجدد لهم إيمان ﴿بالله﴾ أي الملك الأعلى الذي له نهاية العظمة إيماناً مستجمعاً للشرائط ﴿واليوم الآخر﴾ لأنهم لا يرجون ثواباً ولا يخافون عقاباً وإن ادعوا ولما كانت [هذه] صفة المصارحين بالكفر، بين أن المراد المنافقون بقوله: ﴿وارتابت قلوبهم﴾ أي تابعت الوساوس وتعمدت المشي معها حتى تخلقت بالشك؛ ولما كان الشاك لا يزال يتجاذبه حسن الفطرة وسوء الوسوسة، قال: ﴿فهم﴾ أي فتسبب عن ذلك أنهم ﴿في ريبهم يترددون*﴾ أي بين النفي والإثبات دأب المتحير لا يجزمون بشيء منهما وإن صدقوا أن الله موجود فإن المشركين يصدقون بذلك ولكنه لا ينفعهم للإخلال بشرطه، وليس استئذانهم في أن يجاهدوا لإرادة الجهاد بل توطئة لأن يقولوا إذا أمرتهم به: إنه لا عدة لنا في هذا الوقت فائذن لنا في التخلف حتى نستعد! وقد كذبوا، ما ذلك بهم،
стр. 3931
إنما بهم أنهم لا يريدون الخروج معك ﴿ولو أرادوا الخروج لأعدوا له﴾ أي قبل حلوله ﴿عدة﴾ أي قوة واهبة من المتاع والسلاح والكراع بحيث يكونون متصفين بما قدمت إليهم من التحريض على نحو ما وقع الأمر به في الأنفال فيكونون كالحاضرين في صلب الحرب الواقفين في الصف قد استعدوا لها بجميع عدتها ﴿ولكن﴾ لم يريدوا ذلك قط فلم يعدوا له عدة، فملا أمرت به شرعوا يعتلون بعدم العدة وما ذاك بهم، إنما مانعم كراهتهم للخروج وذلك بسبب أن ﴿كره الله﴾ أي ذو الجلال والإكرام بأن فعل فعل الكاره فلم يرد ﴿انبعاثهم﴾ أي سيرهم معك مطاوعة لأمرهم بذلك لما علم من عدم صلاحيتهم له ﴿فثبطهم﴾ أي حبسهم عنه حبساً عظيماً بما شغلهم بما بما حبب إليهم من الشهوات وكره إليهم من ارتكاب المشقات بسبب أنهم لا يرجون ثواباً ولا يخشون غير السيف عقاباً، قصروا هممهم الدنية على الصفات البهيمية، فلما استولت عليهم الشهوات وملكتهم الأنفس الدنيات نودوا من قبلها: إلى أين تخرجون؟ ﴿وقيل﴾ أي لهم لما أسرعوا الإقبال إليها ﴿اقعدوا﴾ أي عن جندي لا تصحبوهم، وفي قوله -: ﴿مع القاعدين*﴾ أي الذين شانهم ذلك كالمرضى والزمنى والصبيان والنساء - من التبكيت
стр. 3932
ما لا يعلم مقداره إلا أولو الهمم العلية والأنفس الأبية، وعبر بالمجهول إشارة إلى أنهم يطيعون الأمر بالقعود حقيقة ومجازاً كائناً من كان كما انهم يعصون الأمر بالنفر كائناً من كان لأن أنفسهم قابلة للدنايا غير صالحة للمزايا بوجه.
ولما كان كأنه قيل: ما له ثبطهم وقد كنا قاصدين سفراً بعيداً وعدواً كثيراً شديداً فنحن محتاجون إلى الإسعاد ولو بتكثير السواد! قيل: و ﴿لو﴾ أي فعل ذلك بهم لأنهم لو ﴿خرجوا فيكم﴾ أي وإن كانوا قليلاً معمورين بجماعاتكم ﴿ما زادوكم﴾ أي بخروجهم شيئاً من الأشياء ﴿إلا خبالاً﴾ أي ما أتوكم بشيء زائد على ما عندكم من الأشياء غير الخبال، والاستثناء مفرغ والمستثنى منه - المقدر الثابت لهم الاتصاف به - هو الشيء، وذلك لا يقتضي اتصاف أحد منهم بالخبال قبل خروج المنافقين، والخبال: الفساد، وهو ينظر على الخداع والأخد على غرة ﴿ولأوضعوا﴾ أي أوقعوا الإيضاع، حذف المفعول إشارة إلى أن مرادهم الإيضاع نفسه لا بقيد دابة، وعبر بالإيضاع لأنه للراكب وهو أسرع من الماشي ﴿خلالكم﴾ أي لأسرعوا في السير ذهاباً وإياباً بينكم في تتبع عوراتكم وانتظار زلاتكم ليجدوا منها مدخلاً إلى الفساد بالنميمة وغيرها إن لم يجدوها، والإيضاع في السير يكون برفق ويكون بإسراع، والمراد به هنا الإسراع، ومادة وضع بجميع تراكيبها تدور على الحركة، وتارة تكون إلى علو وتارة إلى سفول، ويلزم ذلك السكونُ والمحلُ القابل لذلك، وعلى ذلك يتمشى العضو والعوض، وعَوض الذي هو بمعنى
стр. 3933
الدهر، وضوع الريح والتصويت بالبكاء، والضعة لشجرة في البادية، والوضع للطرح في مكان والسير اللين والسريع؛ والخلال جمع الخلل وهو الفرجة ﴿يبغونكم﴾ أي حال كونهم يريدون لكم ﴿الفتنة﴾ أي بتشتيت الشمل وتفريق الأصحاب وتقدم عند ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ [الأنفال: ٣٩] أنها الخلطة المميلة المحلية، أي يريدون لكم الشيء الذي يصيبكم فغير حالتكم إلى ما يسوءكم فيسرهم ﴿وفيكم﴾ أي والحال أنه فيكم ﴿سماعون لهم﴾ أي في غاية القبول لكلامهم لضعف معارفهم وآرائهم.
وربما كان سماعهم منهم مؤدياً إلى مطلوبهم ﴿والله﴾ أي الذي أخبركم بهذا من حالهم وله الإحاطة بكل شيء ﴿عليم﴾ بهم، فثقوا بأخبارهم. هكذا كان الأصل وإنما قال: ﴿بالظالمين*﴾ إشارة إلى الوصف الذي أوجب لهم الشقاء بمنعهم عن موطن الخير، وتعميماً للحكم بالعلم بهم وبمن سمع لهم ظالم، والحاصل أنه شبه سعيهم فيهم بالفساد بمن يوضع بعيره في أرض فيها أجرام شاخصة متقاربة، فهو في غاية الالتفات إلى معرفة ما فيها من الفرج والتأمل لذلك حذراً من أن يصيبه شيء من تلك الأجرام فيسقيه كأس الحمام، فلا شغل لهم إلا بغية فسادكم بعدم وصولكم إلى شيء من مرادكم.
стр. 3934
ولما أخبر سبحانه بذلك، وحث على قبول أخبارهم بما وصف
стр. 3935
به ذاته الأقدس من إحاطة العلم، شرع يقيم الدليل على ما قال بتذكيرهم بأشياء تقدمت مشاهدتها منهم، فقال معللاً لما أخبر به: ﴿لقد ابتغوا﴾ أي طلبوا طلباً عظيماً كلهم لكم ﴿الفتنة﴾ أي لتشتيتكم ﴿من قبل﴾ أي قبل هذه الغزوة في يوم أحد بكسر قلوب العسكر بالرجوع عنه حتى كاد بعضهم أن يفشل وفي المريسيع بما قال ابن أبيّ ﴿ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ [المنافقون: ٨] وفي غزوة الخندق بما وقع منهم من التكذيب في أخذ كنوز كسرى وقيصر والإرجاف بكم في نقض بني قريظة وغير ذلك كما صنعوا قبله في غزوة قينقاع والنضير في قصدهم تقوية كل منهم عليكم وفي غير ذلك من أيام الله التي عكس فيها قصودهم وأنعس جدودهم ﴿وقلبوا﴾ أي تقليباً كثيراً ﴿لك الأمور﴾ أي التي لك فيها أذى ظهراً لبطن بإحالة الآراء وتدبير المكايد والحيل لعلهم يجدون فرصة في نقض أمرك ينتهزونها أو ثغرة في حالة يوسعونها، وامتد بهم الحال في هذا المحال ﴿حتى جاء الحق﴾ أي الثابت الذي لا مراء في مزاولته مما تقدم به وعده سبحانه من إظهار الدين وقمع المفسدين ﴿وظهر أمر الله﴾ أي المتصف بجميع صفات الكمال من الجلال والجمال حتى لا مطمع لهم في ستره ﴿وهم كارهون*﴾ أي لجميع
стр. 3936
ذلك فلم يبق لهم مطمع في محاولة بمواجهة ولا مخاتلة فصار همهم الآن الاعتزال والمبالغة في إخفاء الأحوال وستر الأفعال والأقوال.
ولما أجملهم في هذا الحكم، وكان قد أشار إلى أن منهم من كان قد استأذن في الخروج توطئة للاعتذار عنه، شرع يفصلهم، وبدأ المفصلين بمن صرح بالاستئذان في القعود فقال عاطفاً على «لقد ابتغوا» : ﴿ومنهم من يقول﴾ أي في جبلته تجديد هذا القول من غير احتشام ﴿ائذن لي﴾ أي في التخلف عنك ﴿ولا تفتني﴾ أي تكن سبباً في فتنتى بالحزم بالأمر بالنفر فأفتتن إما بأن أتخلف فأكون مصارحاً بالمعصية أو أسافر فأميل إلى نساء بني الأصفر فأرتد عن الدين فأنه لا صبر لي عن النساء، وقائل ذلك هو الجد ابن قيس، كان من الأنصار منافقاً.
ولما أظهروا أنهم قصدوا البعد من شيء فإذا هم قد ارتكبوا فيه، انتهزت فرصة الإخبار بذلك على أبلغ وجه بإدخال ناف على ناف لتحصيل الثبوت الأكيد بإقرار المسؤول فقيل: ﴿ألا في الفتنة سقطوا﴾ أي بما قالوا وفعلوا، فصارت ظرفاً لهم فوضعوا أنفسهم بذلك في جهنم، وفي التعبير بالسقوط دلالة على انتشابهم في أشراك الفتنة انتشاباً سريعاً بقوة فصار يعسر خلاصهم معه ﴿وإن جهنم لمحيطة﴾ أي بسبب إحاطة الفتنة - التي أسقطوا أنفسهم فيها - بهم، وإنما قال: ﴿بالكافرين*﴾
стр. 3937
تعميماً وتنبيهاً على الوصف الذي حملهم على ذلك.
ولما كان كأنه قيل: ما الفتنة التي سقطوا فيها فأحاطت بهم جهنم بسببها؟ قيل: ﴿إن﴾ أي هي كونهم أن، ويجوز أن يكون علة لإحاطة جهنم بهم، وكأنهم - لأجل أنهم من الأوس والخزرج فالأنصار أقاربهم - خصوا النبي ﷺ بالعدواة وشديد الحنق، وكذا ايضاً كان لا يسوءهم ويسرهم من الحسنة والسيئة إلا ما له وقع - بما أذن به التعبير بالإصابة دون المس - لا ما دونه، حفظاً لقلوب أقاربهم ورعياً لأسرار نسائهم، فقال إشارة إلى ذلك: ﴿تصبك﴾ أي بتقدير الله ذلك ﴿حسنة﴾ أي بنصر أو غيره ﴿تسؤهم﴾ أي لما في قلوبهم من الضغن والمرض ﴿وإن تصبك مصيبة﴾ أي نكبة وإن صغرت كما وقع يوم أحد ﴿يقولوا﴾ أي سروراً وتبجحاً بحسن آرائهم ﴿قد أخذنا أمرنا﴾ أي عصينا الذي أمرنا ولم نسلم قيادنا لأحد فنكون كالأعمه، لأن الأمر الحادثة وضد النهي، ومنه الأمير، رجل إمرّ وإمرة - بتشديد الميم المفتوحة مع كسر الهمزة وتفتح: ضعف الرأي، يوافق كل أحد على ما يريد من أمره كله، وهو الأعمه
стр. 3938
وزناً ومعنى ﴿من قبل﴾ أي قبل أن تكون هذه المصيبة، فلم نكن مؤتمرين بأمر فيصيبنا فلم يكن ما أصاب من تبعه، فكان أمرهم - لو كانوا مطيعين - كان شيئاً متحققاً بيد الآمر، فلما عصوه كانوا كأنهم قد أخذوه منه.
ولما كان قولهم هذه بعيداً عن الاستقامة، فكان جديراً بأن لا يقال، وإن قيل كان حقيقاً بأن يستقال بالمباراة إلى الرجوع عنه والاستغفار منه، أشار تعالى إلى تماديهم فيه فقال: ﴿ويتولوا﴾ أي عن مقامهم هذا الذي قالوا فيه ذلك وإن طال إلى أهاليهم ﴿وهم فرحون*﴾ أي لمصيبتكم لكفرهم ولخلاصهم منها.
ولما كان قولهم هذا متضمناً لتوهم القدرة على الاحتراس من القدر، قال تعالى معلماً بجوابهم مخاطباً للرأس لعلو المقام: ﴿قل﴾ أي إنا نحن لا نقول مقالتكم لمعرفتنا بأنا لا نملك ضراً ولا نفعاً، بل نقول: ﴿لن يصيبنا﴾ أي من الخير والشر ﴿إلا ما كتب﴾ أي قدر ﴿الله﴾ أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً، ولما كان قضاء الله كله خيراً للمؤمن إن أصابته سراء شكر وإن أصابته ضراء صبر، عبر باللام فقال: ﴿لنا﴾ أي لا يقدر على رده عنا إلا هو سبحانه ﴿هو﴾ أي وحده ﴿مولانا﴾ أي القريب منا الذي يلي جميع أمورنا، لا قريب منا سواه، فلو أراد لدفع عنا كل مصيبة لأنه أقرب إلينا منها، لا تصل إلينا بدون علمه وهو قادر، فنحن نعلم أن له في ذلك لطيف سريرة تتضاءل دونها ثواقب الأفكار وتخسأ عن الإحاطة بتحقيقها نوافذ الأبصار فنحن لا نتهمه في قضائه لأنا قد توكلنا عليه وفوضنا أمورنا إليه، والموكل
стр. 3939
لا يتهم الوكيل ﴿وعلى الله﴾ أي الملك الأعلى لا غيره ﴿فليتوكل المؤمنون*﴾ أي كلهم توكلاً عظيماً جازماً لا معدل عنه، فالفيصل بين المؤمن والكافر هو إسلام النفس إليه وحده بلا اعتراض عليه يقلبها كيف يشاء ويحكم فيها بما يريد.
стр. 3940
ولما تضمن ذلك أن سراءهم وضراءهم لهم خير من حيث إن الرضى بمر القضاء موجب لإقبال القاضي على المقضي عليه بالرأفة والرحمة، صرح بذلك في قوله: ﴿قل هل تربصون﴾ أي تنتظرون انتظاراً عظيماً ﴿بنا إلا إحدى الحسنيين﴾ أي وهي أن نصيب أعداءنا فنظفر ونغنم ونؤجر أو يصيبونا بقتل أو غيره فنؤجر، وكلا الأمرين حسن: أما السراء التي توافقوننا على حسنها فأمرها واضح، وأما الضراء فموجبة لرضى الله عنا ومثوبته لنا بالصبر عليها ورضانا بها إجلالاً له وتسليماً لأمره فهي حسنى كما نعلم لا سوأى كما تتوهمون ﴿ونحن نتربص بكم﴾ أي ننتظر إحدى السوأيين وهي ﴿أن يصيبكم الله﴾ أي الذي له جميع القدرة ونحن من حزبه ﴿بعذاب من عنده﴾ أي لا تسبب لنا فيه كما أهلك القرون الأولى بصائر للناس ﴿أو بأيدينا﴾ أي بسببنا من قتل أو نهب وأسر وضرب وغير ذلك لأن حذركم لا يمنعكم من الله، وكل ذلك مكروه عندكم.
ولما تسبب عن هذا البيان ان السوء خاصة بحزب الشيطان، حسن
стр. 3941
أن يؤمروا تهكماً بهم بما أداهم إلى ذلك تخسيساً لشأنهم فقال: ﴿فتربصوا﴾ أي أنتم ﴿إنا﴾ أي نحن ﴿معكم متربصون*﴾ أي بكم، نفعل كما تفعلون، والقصد مختلف، والآية من الاحتباك: حذف أولاً الإصابة للدلالة عليها بما أثبت ثانياً، وثانياً إحدى السوأيين للدلالة عليها بإثبات الحسنيين أولاً.
ولما كان جملة ما يصيبهم منهم من العذاب الإنفاق بتزكية ما طهر من أموالهم بالإعانة في سبيل الله خوفاً من اتهامهم بالنفاق في أقوالهم ليفتدوا أنفسهم به من السفر، قال: ﴿قل أنفقوا﴾ أي أوجدوا الإنفاق لكل ما يسمى إنفاقاً ﴿طوعاً أو كرهاً﴾ أي مظهرين الطواعية أو مظهرين الكراهية؛ ولما كان الإعراض عنهم إنما سببه كفرهم لا إنفاقهم، لم يربط الجواب بالفاء بل قال: ﴿لن يتقبل منكم﴾ أي يقع تقبل لشيء يأتي من قبلكم أصلاً من أحد له أن يتقبل كائناً من كان، ولذلك بناه للمفعول، لأن قلوبكم كارهة ليست لها نية صالحة في الإنفاق ولا في غيره، فانقسام إنفاقكم إلى طوع وكره إنما هو باعتبار الظاهر، وكأنه عبر بالتفعل إشارة إلى قبوله منهم ظاهراً؛ ولما كان غير مقبول باطناً على حال من الأحوال علل بقوله: ﴿إنكم كنتم﴾ أي جبلة وطبعاً ﴿قوماً فاسقين*﴾ أي عريقين في الفسق بالغين أنهى غاياته.
стр. 3942
ولما علل بالعراقة في الخروج عن الطاعة، بينه في قوله: ﴿وما منعهم أن تقبل﴾ أي باطناً، ولذا عبر بالمجرد، ولذا بناه للمفعول لأن النافع القبول في نفس الأمر لا كونه من معين ﴿منهم نفقاتهم﴾ أي وإن جلت ﴿إلا أنهم كفروا بالله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال من الجلال والجمال لفساد جبلاتهم وسوء غرائزهم.
ولما كان قبول النفقات مهيئاً للطهارة التي تؤثرها الصلاة، كان السياق لعدم قبولها - ليتسبب عنه النهي عن الصلاة عليهم - أبلغ لأنه أدل على الخبث، فأكد كفرهم بزيادة الجار إشعاراً بأن الكفر بكل منهما على حياله مانع فقال: ﴿وبرسوله﴾ أي فسقهم بأنهم غير مؤمنين وهو السبب المانع بمفرده من القبول: ثم قدح في شاهدي ما يظهرون من الإيمان وهما الصلاة والزكاة وغيرهما من الإنفاق في الخيرات بما هو لازم للكفر ودال عليه فقال: ﴿ولا يأتون الصلاة﴾ أي المفروضة وغيرها ﴿إلا وهم كسالى﴾ أي في حال كسلهم، لا يأتونها قط بنشاط ﴿ولا ينفقون﴾ أي نفقة من واجب أو غيره ﴿إلا وهم كارهون*﴾ أي في حال الكراهة وإن ظهر لكم خلاف ذلك، وذلك كله لعدم النية الصالحة واعتقاد الآخرة، وهذا لا ينافي طوعاً لأن ذلك بحسب الفرض أو الظاهر وهذا بحسب الواقع.
стр. 3943
ولما انتفى عن أموالهم النفع الأخروي الذي هو النفع، تسبب عن ذلك الزهد فيها الموجب لعدم الالتفات إليها وعدم اعتقاد أن فيها بركة ودلالة على خير، فقال - مبيناً ما فيها من الفساد الذي يظن أنه صلاح: ﴿فلا﴾ - بفاء السبب، فالسياق ابلغ من سياق الآتية بعد النهي عن الصلاة عليهم ﴿تعجبك أموالهم﴾ أي وإن أنفقوها في سبيلي وجهزوا بها الغزاة. فإن ذلك عن غير إخلاص منهم ولا حسن نية ولا جميل طوية، وإنما هو لما أذلهم من عزة الإسلام وأخافهم من سطوة الانتقام فهو من جملة العذاب، وعطف عليها الأولاد لمشاركتها لها في الملاذ والقوة والاستعمال في الجهاد، فقال مؤكداً للنفي بإعادة النافي: ﴿ولا أولادهم﴾ فكأنه قيل: فماذا يراد بإعطائهم ذلك؟ ولو منعوها وأعطيها المخلصون لكان قوة للدين، فقال: ﴿إنما يريد الله﴾ أي يوقع الإرادة لهم بها الملك الذي له الإحاطة بجميع الحكمة كما أن له الإحاطة بتمام القدرة، وأبلغ في الحصر بإدخال اللام في قوله: ﴿ليعذبهم﴾ أي لأجل أن يعذبهم ﴿بها في الحياة﴾ أي وإن كان يتراءى أنها لذيذة، لأن ذلك من شأن الحياة فإنما هي لهم موت في الحقيقة ﴿الدنيا﴾ أي تارة بجمعها وتربيتها وتارة ببذلها كرهاً في سبيل الله أو في تزكيتها وتارة بغيرذلك ﴿وتزهق﴾ أي وإنما يريد بتمكينهم منا لأجل أن يخرج وقت الموت بغاية الصعوبة ﴿أنفسهم﴾
стр. 3944
أي بسببها ﴿وهم﴾ أي والحال أنهم ﴿كافرون*﴾ أي عريقون في الكفر، وهكذا كل من أراد استدراجه سبحانه فإنه في الغالب يكثر أموالهم وأولادهم لنحو هذا لأنهم إذ رأوا زيادتهم بها على بعض المخلصين ظنوا أن ذلك إنما هو لكرامتهم وحسن حالتهم فيستمرون عليها حتى يموتوا فهو سبحانه لم يرد بها منحتهم بل فتنتهم ومحنتهم، وأما الدين فإن القادر يقويه بغير ذلك فيكون أظهر لدليله وأوضح لسبيله؛ فالحاصل أنه ظهر لهم أنهم أكرموا بها وخفي عنهم أنها سبب لعذابهم في الحياة باتكالهم عليها، وفي الممات بصعوبته عليهم المشار إليه بالزهوق، وفي الآخرة بسبب موتهم على حال الكفر باستدراجهم بها، وأما المؤمن فلا يموت حتى يرى من الثواب ما يسليه عن كل شيء فيشتاق إلى لقاء الله وتخرج نفسه وهو في غاية المحبة لخروجها لأن البدن عائق له عما يرى.
ولما وضح بهذه الأمور منابذتهم للمؤمنين وخروجهم من ربقة الدين المصحح لوصفهم بالفسق، أوضح لبساً آخر من أحوالهم يقيمونه بالأيمان الكاذبه فقال: ﴿ويحلفون﴾ أي طلبوا لكم الفتنة والحال انهم يجددون الأيمان ﴿بالله﴾ أي على ما له من تمام العظمة ﴿إنهم﴾ أي المنافقين ﴿لمنكم﴾ أي أيها المؤمنون على اعتقادكم باطناً كما هم ظاهراً ﴿وما﴾
стр. 3945
أي والحال أنهم ما ﴿هم﴾ صادقين في حلفهم أنهم ﴿منكم ولكنهم قوم﴾ أي مع أن لهم قوة وقياماً فيما يحاولونه ﴿يفرقون*﴾ أي يخافون منكم على دمائهم خوفاً عظمياً يفرق همومهم فهو الملجىء لهم إلى الحلف كذباً على التظاهر بالإسلام، فكأنه قيل: فما لهم يقيمون بيننا والمبغض لا يعاشر من يبغضه؟ فقيل: لأنهم لا يجدون ما يحميهم منكم ﴿لو يجدون ملجئاً﴾ أي شيئاً يلجؤون إليه من حصن أو جبل أو قوم يمنعونهم منكم ﴿أو مغارات﴾ في الجبال تسعهم، جمع مغارة - مفعلة من غار في الشيء - إذا دخل فيه، والغور: ما انخفض من الأرض.
ولما كانت الغيران - وهي النقوب في الجبال - واسعة والوصول إليها سهلاً، قال: ﴿أو مدخلاً﴾ أي مكاناً يدخلونه يغاية العسر والصعوبة لضيقه أو لمانع في طريقه أو قوماً يداخلونهم وإن كانوا يكرهونهم - بما أرشد إليه التشديد: ﴿لولوا إليه﴾ أي لاشتدوا في التوجه إليه متولين مرتدين عنكم على أعقابهم ﴿وهم يجمحون*﴾ أي حالهم حال الدابة التي كانت مسرعة في طواعية راكبها فإذا هي قد نكصت على عقبها ثم أخذت في غير قصده بغاية الإسراع ونهاية الرغبة والداعية لا يردها بئر تقع فيه ولا مهلكة ولا شيء.
ولما قرر حال من يتخلف عن الجهاد، وربما بذل ماله فيه افتداء لسفره، شرع في ذكر من يشاركه في الإنفاق والنفاق ويخالفه
стр. 3946
فقال: ﴿ومنهم من يلمزك﴾ أي يعيبك عند مشاكليه على طريق الملازمة في ستر وخفاء أو تظاهر وقلة حياء ﴿في الصدقات﴾ أي اللاتي تؤتيها لأتباعك، ولما أخبر عن اللمز، أخبر أنه لحظ نفسه لا للدين فقال: ﴿فإن أعطوا منها رضوا﴾ أي عنك ﴿وإن لم يعطوا منها﴾ فاجؤوا السخط الذي يتجدد في كل لحظة ولم يتخلفوا عنه أصلاً، وعبر عن ذلك بقوله: ﴿إذا هم يسخطون*﴾ فوافقوا الأولين في جعل الدنيا همهم، وخالفوهم في أن أولئك أنفقوا ليتمتعوا بالتخلف وهؤلاء طلبوا ليتنعموا بنفس المال الذي يأخذونه؛ قيل: إنها نزلت في ذي الخويصرة لما قال للنبي ﷺ وهو يقسم غنائم حنين: اعدل يامحمد! فإني لم أرك تعدل، فقال له النبي ﷺ : «ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل؟» وسيأتي حديثة.
ولما أخبر تعالى عن حالهم السيىء الدنيء الذي لا يجديهم في الدنيا ويهلكهم في الأخرى، نبههم على ما هو الأصلح لهم من الحال الشريف السني فقال: ﴿ولو أنهم﴾ أي المنافقين ﴿رضوا ما آتاهم الله﴾ أي المنعم بجميع النعم لأن له جميع الكمال ﴿ورسوله﴾ الذي عظمته من عظمته قل ذلك المؤتي أو كثر طال زمنه أو قصر ﴿وقالوا﴾ أي مع الرضى ﴿حسبنا الله﴾ أي كافينا لأن له جميع العظمة فهو الغني المطلق.
стр. 3947
ولما كانت الكفاية تارة تكون بالتنجيز العاجل وتارة بالوثوق بالوعد الآجل، بين أن الثاني هو المراد لأنه أدل على الإيمان فقال: ﴿سيؤتينا الله﴾ أي الملك الأعظم بوعد لا خلف فيه واعتقدوا أن لا حق لأحد فقالوا: ﴿من فضله ورسوله﴾ أي الذي لا يخالف أمره، على ما قدر لنا في الأزل؛ ثم عللوا ذلك بقولهم: ﴿إنا إلى الله﴾ أي المستجمع لصفات الكمال وحده ﴿راغبون*﴾ أي عريقون في الرغبة، فلذلك نكتفي بما يأتي من قبله كائناً ما كان، أي لكان ذلك خيراً لهم لأنه لا ينالهم إلا ما قسم سبحانه لهم شاؤوا أو أبوا.
стр. 3948
ولما أخبر عن لمزهم في الصدقات وقرر ما هو خير لهم إرشاداً إلى النجاة، علل فعل رسول الله ﷺ فيها وبين أنه لا يفعل غيره لأنه الحق الذي لا يجوز في شرعه الأكمل غيره لمزوا أو تركوا زهدوا أو رغبوا فقال معبراً بأداة القصر على ما ذكر: ﴿إنما الصدقات﴾ أي هذا الجنس بجميع ما صدق من أفراده، والظاهر أنه قدم الأهم فالأهم، فلذا قال الشافعي: إن الفقير أشدهم حاجة لكونه ابتدأ به، فقال: ﴿للفقراء﴾ أي الذين لا شيء لهم أو لهم شيء يقع موقعاً من كفايتهم ﴿والمساكين﴾ أي الذين لا كفاية لهم بدليل ﴿أما السفينة﴾ [الكهف: ٧٩] وأما ﴿مسكيناً
стр. 3949
ذا متربة﴾ [البلد: ١٦] فتقييده دل على أن المطلق بخلافه ﴿والعاملين عليها﴾ أي المؤتمنين في السعاية والولاية على جمعها ﴿والمؤلفة قلوبهم﴾ أي ليسلموا أو يسلم بسببهم غيرهم أو يثبتوا على إسلامهم؛ روى البخاري في التفسير وغيره عن أبي سعيد ﵁ قال: «بعث إلى النبي ﷺ بشيء فقسمه بين أربعة وقال: أتألفهم، فقال رجل: ما عدلت! فقال: يخرج من ضئضىء هذا قوم يمرقون من الدين. وفي رواية: فاستأذنه رجل في ضرب عنقه فقال: لا، دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم - الحديث. ولئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» ولا يقال: إن العلة مقتضية لقتلهم لا للكف عنهم فإن عمله بالمقام الخضري - كما تقدم - أنه ما من كرامة لنبي إلا وله ﷺ مثلها أو أعلى منها بنفسه أو بأحد من أمته.
ولما فرغ من هذه الأصناف الأربعة الذين يعطون الصدقة في أيديهم يتصرفون فيها كيف شاؤوا، كما دل عليه التعبير باللام، ذكر الذين يعطون الصدقة لقضاء ما بهم كما دل عليه التعبير ب «في»
стр. 3950
فقال: ﴿وفي الرقاب﴾ أي والمكاتبين بسبب فك رقابهم من الرق ﴿والغارمين﴾ أي الذين استدانوا في غير معصية، يصرف ما يعطونه إلى قضاء ديونهم فقط ﴿وفي﴾ أي والمجاهدين في ﴿سبيل الله﴾ أي الذي له الأمر كله بالنفقة والحمل والإعانة بالسلاح وغير ذلك، ونقل القفال عن بعض الفقهاء أنه عمم السبيل فأجاز صرفه إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وعمارة المساجد ونحوها ﴿وابن السبيل﴾ وهو المسافر المنقطع عن بلده، يعطى ما يوصله إليه، ففيه إشارة إلى أن رسولنا ﷺ لم يفعل ما أدى إلى لمزهم له بسببه إلا بأمر حقاً، فإنا قد عينّا له أهل الصدقات فهو لا يعدل عنهم لشيء من الأشياء لأنه واقف عند ما يرضينا، فإن كانوا منهم أعطاهم وإلا منعهم رضي من رضي وسخط من سخط، وقد فرض ذلك، أو ثابتة للفقراء حال كونها ﴿فريضة﴾ كائنة ﴿من الله﴾ أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً لعلمه بأن في ذلك أعظم صلاح، وهذا كالزجر عن مخالفة الظاهر ﴿والله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال ﴿عليم﴾ أي بالغ العلم بما يصلح الدين والدنيا ويؤلف بين قلوب المؤمنين ﴿حكيم*﴾ أي فهو
стр. 3951
يجعل أفعاله من الإحكام بحيث لا يقدر غيره على نقضها؛ قال أبو حيان: «إنما» إن كانت وضعت للحصر فالحصر مستفاد من لفظها، وإن كانت لم توضع للحصر فالحصر مستفاد من الأوصاف إذ مناط الحكم بالوصف يقتضي التعليل به، والتعليل بالشيء يقتضي الاقتصار عليه.
وحكمة الزكاة من جهة المالك أن المال محبوب لأنه يحصل المحبوب والتمادي في حبه يوجب الإعراض عن الله المعطي له، فكان من الحكمة تذكير المالك له بالمالك الحقيقي في أنه أوجب عليه إخراج طائفة منه ليكف منه انصباب النفس بالكلية إليه ويطهر النفس عن محبتها له ويطهره عن محض الإنفاق في الشهوات، ومن جهة الآخذ أنه لما اجتمعت حاجته إليه وحاجة - المالك - ولو احتمالاً- كان هناك سببان للتسلط على المال: أحدهما اكتساب المالك له، والثاني احتياج الآخذ إليه، فروعي السببان بقدر الإمكان، ورجح المالك بإبقاء الكثير، وصرف إلى الآخذ اليسير. وأجرى الشافعي الآية على ظاهرها فقال: إن أخرجها ذو المال سقط سهم العامل مع سهم المؤلفة وصرف إلى الستة الأصناف، وإن قسم الإمام فعلى سبعة، ويجب أن يعطى من كل صنف ثلاثة أنفس، ومن لم يوجد من الأصناف رد نصيبه على الباقين ويستوي بين الأصناف لا بين آحاد الصنف. وقال أبو حنيفة: يجوز صرف الكل لواحد من الأصناف لأن الآية أوجبت أن لا تخرج
стр. 3952
الصدقة عنهم، لا أن تكون في جميع الأصناف - وهو قول عمر بن الخطاب وحذيفة وابن عباس ﵃ وسعيد بن جبير وعطاء وأبي العالية وميمون بن مهران.
ولما بين الصنفين السالفين، وختم أمرهما بصفتي العلم والحكمة، أتبعهما بصنف آخر يؤذي بما يجعله نقصاً في صفات الرسول ﷺ فليزم الطعن في علم مرسله وحكمته فقال: ﴿ومنهم الذين يؤذون النبي﴾ أي الذي أعلى الله مقداره، فهو ينبئه بما يريد سبحانه من خفايا الأسرار؛ ولما أخبر بمطلق الأذى الشامل للقول والفعل، عطف عليه قوله: ﴿ويقولون هو﴾ أي من فرط سماعه لما يقال له ﴿أذن﴾ ومرادهم أنه يصدق كل ما يسمع ويقبل قول كل أحد - كما سمي الجاسوس عيناً؛ قال أبو حيان: كان خذام بن خالد وعبيد بن هلال والجلاس بن سويد في آخرين يؤذون رسول الله ﷺ فقال بعضهم: لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه فيوقع بنا، فقال الجلاس: بل نقول ما شئنا فإن محمداً أذن سامعة، ثم نأتيه فيصدقنا، فنزلت، وقيل غير ذلك.
رجل أذن - إذا كان يسمع مقال كل أحد، يستوي فيه الواحد والجمع - انتهى. ومرادهم أنه ﷺ لا يعرف مكر من يمكر به وخداع من يخادعه وكذبوا، هو أعرف الناس بذلك، ولكنه
стр. 3953
يعرض عند المصالح، لا يليق بمحاسن الدين غيرها، بينها تعالى بقوله: ﴿قل أذن خير﴾ ثم بين أن نفع ذلك عائد إليهم بقوله: ﴿لكم﴾ ثم فسر ذلك بقوله: ﴿يؤمن﴾ أي يوقع الإيمان للملائكة الذين يأتونه عن الله من التكذيب بأن يصدقهم معترفاً ﴿بالله﴾ أي بسبب ما يخبرونه عنه به حق الإيمان لما له من كمال العلم بما له سبحانه من صفات الجلال والإكرام؛ وحاصله أن فعل الإيمان ضمن فعل التصديق ثم حذف وانتزعت منه حال أقيمت مقامه ثم حذفت وأتى بصلة تدل عليها كما قالوا في قوله تعالى ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ [البقرة: ١٨٥] أن التقدير: حامدين على ما هداكم، فالتقدير هنا: يؤمن مصدقاً بالله، فهدذا حقيقته وهو يثمر محبة المؤمنين وولايتهم، ولذا أتبعه قوله: ﴿ويؤمن للمؤمنين﴾ أي الراسخين، يوقع الإيمان لهم من التكذيب بأن يصدقهم في كل ما يخبرونه به مما يحتمل التصديق، وذلك لأجل مصالحهم والتأليف بينهم مع ما ثبت من صدقهم، فإنه لو حملهم على عقله ومبلغ علمه يحبه الكاذب وعاقب الخائن بمجرد علمه وتفرسه، لقصرت عن ذلك غالب الأفهام وتاهت بسببه أكثر الأوهام، فنفرت القلوب ووقع من الأغلب الاتهام. ولما كان التصديق بوجود الإله على ما له من صفات الكمال المقتضي للأمر والنهي عدي بالباء، وهنا كان التصديق إنما هو للإخبار بأيّ شيء كان عدي باللام وأشير - بقصر الفعل وهو متعد - إلى مبالغة في التصديق بحيث كأنه لا تصديق غيره.
стр. 3954
ولما بين سبحانه أن تصديقه ظاهراً وباطناً إنما هو للراسخين في الإيمان، بين أن تصديقه لغيرهم إنما هو الظاهر فقال: ﴿ورحمة﴾ أي وهو رحمة ﴿للذين آمنوا﴾ أي أظهروا الإيمان بألسنتهم ﴿منكم﴾ فهو - والله أعلم - إشارة إلى المنافقين ومن في حكمهم ممن جزم لسانه وقلبه مزلزل، أي أن إظهار تصديقهم قبولاً لما ظهر منهم وستر قبائح أسرارهم سبب للكف عن دمائهم، وإظهار المؤمنين لمقتهم ربما كان ذلك سبباً لصدق إيمانهم بما يرون من محاسن الإيمان بتمادي الزمان، ولا يستبعد كون التعبير بالماضي إشارة إلى المنافقين لا سيما بعد التعبير باسم الفاعل، فقد قال الإمام أبو الحسن الحرالي في كتابه المفتاح ما نصه: الباب الرابع في رتب البيان عن تطور الإنسان بترقيه في درج الإيمان وترديه في درك الكفران: اعلم أن الله محيط بكل شيء خلقاً وأمراً أولاً وآخراً ظاهراً وباطناً وهو حمده، وله علو في ظهور أمره وكبير خلقه، واحتجاب في مقابل ذلك من خلقه وأمره بما أبداه من حكمته وأسباب هداه وفتنته، وذلك العلو هو إلهيته، والاحتجاب هو ملكه، وبينهما إقامة كل خلق لما خلق له وتأييد كل أمر من الأمرين لما أقيم له، وذلك هو ربانيته ولكل فتق من خلفه وأمره رتق سابق.
ولكل تفاوت سواء، وذلك هو رحمانيته، ولكل أقرب في مدد الحجاب اختصاص وذلك هو رحيميته، ولكل أبعد في مدد
стр. 3955
الحجاب بطش منه شديد في رده إلى القرب وتلك هي نقمته، ولكل من تنزلاته العلية ظاهراً وباطناً أمر خاص، ولكل أمر خلق، يرد بيان القرآن لكل خلق بحسب كنه ذاته واختصاص رتبة قربه ومحل بعده، وأن الله سبحانه جعل آدم وذرأه خليفة له في جميع أمره وتفصيله، وأنزل القرآن بناء على جملة ذلك، فأردأ الأحوال لهذا المستخلف المحل الذي سمي فيه بالإنسان، وهو حيث أنس بنفسه وغيره ونسي عهد ربه، فيرد لذلك بناؤه بالذم في القرآن ﴿قتل الإنسان ما أكفره﴾ [عبس: ١٧] ﴿إن الإنسان لربه لكنود﴾ [العاديات: ٦] ثم المحل الذي تداركه فيه تنبه لسماع الزجر من ربه، وهو له بمنزلة سن الميّز لابن سبع، ولا يقع إلا عن اجتماع وتراء، وذلك هو السن المسمون فيه بالناس لنوسهم، أي ترددهم بين سماع الزجر من ربهم وغلبة أهوائهم عليهم، فيرد لذلك بناؤهم بذم أكثرهم في القرآن ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ [الأعراف: ١٨٧]- ﴿ولا يشكرون﴾ ثم المحل الذي يتحقق لهم قبول وسماع وإيمان لغائب الأمر والخلق، لكنهم يتزلزلون عنه كثيراً عند كل عارضة نيل خادعة رفعة، وهو لهم بمنزلة سن المحتلم الذي قد ذاق طعم بدو النطفة من باطنه الناجم العقل للنظر في حقائق المحسوسات، وذلك هو السن الذي يسعون فيه ﴿الذين آمنوا﴾ وهو أول سن التلقي، فلذلك جميع آداب القرآن
стр. 3956
وتعليمه إنما مورده أهل هذا السن، كان ابن مسعود ﵁ يقول: إذا سمعت الله يقول ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فأعرها سمعك فإنه خير يأمر به أو شر ينهي عنه، وكما أن ما يخص البالغ العاقل من الخطاب لا يدخل فيه الصبي المميز، وما يخص المميز لا يدخل فيه البالغ، كذلك خطاب ﴿الذين آمنوا﴾ لم يصل إليه الناس بعد، وخطاب الناس قد جاوزه ﴿الذين آمنوا﴾ لأنهم قد انزجروا بما قبلت قلوبهم عما ينزجر عنه الناس، وقد ائتمروا بما يأتمر به الناس؛ وهذه الأسنان الخالية عند أولي البصائر، وخاص خطابها أشد ظهوراً من أسنان الأبدان عند أصحاب الأبصار، وعدم التبصرة بهذه المراتب في الأحوال والبيان هي أقفال القلوب المانعة من تدبر القرآن، وكذلك ما فوق سن «الذين آمنوا» من سن ﴿الذين يؤمنون﴾ وهم في أول حد القرب منزلة بلوغ الأشد، وسن ﴿الذين آمنوا﴾ و ﴿الناس﴾ في مدد حد البعد ولذلك يخاطبون بحرف «يا» المرسلة إلى حد البعد:
﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله﴾ [الصف: ١٠] وفوق ذلك سن المؤمنين وأدنى قرباً، ولذلك لم يرد في القرآن في خطابهم ﴿يا﴾ البعد، وهذا السن بمنزلة الاكتهال وسن الشيب، وتمام سنهم ﴿المؤمنون حقاً﴾ وكذلك إلى سن ﴿المحسنين﴾ إلى غيب سن ﴿الموقنين﴾ إلى ما وراء ذلك، فإن أسنان الجسم أرابيع،
стр. 3957
وأسنان القلب أسابيع، يعرفها من تطور فيها، ويجهلها من نبت سن قلبه على الجهل وتطور سن جسمه إلى الهرم «يهرم ابن آدم ويشيب منه اثنتان: الحرص والأمل» فالحرص فقره ولو ملك الدنيا، والأمل همه وتعبه، فمن لم يتحقق أسنان القلب وتفاوت خطابها لم ينفتح له الباب إلى فهم القرآن، ومن لم يتضح له تنزلات الخطاب لم يبن له خطاب الله من خطاب الرحمن من خطاب الملك الديان - انتهى.
ولما بين ما لمن صدقه باطناً أو ظاهراً من الرحمة، بين ما على من كذبه فآذاه من النقمة فقال: ﴿والذين يؤذون﴾ أي هؤلاء ومن غيرهم ﴿رسول الله﴾ أي الذي أظهر - وهو الملك الأعلى - شرفه وعظمته بالجمع بين الوصفين وأعلاه بإضافته إليه، وزاد في رفعته بالتبير باسمه الأعظم الجامع، وهو واسطة بين الحق والخلق في إصلاح أحوالهم فإنما يستحق منهم الشكر والإكرام لا الأذى والإيلام.
ولما كان أذاهم مؤلماً جعل جزاءهم من جنسه فقال: ﴿لهم عذاب أليم *﴾ ثم علل ذلك باستهانتهم بالله ورسوله، وأخبر أنهم يخشون على دمائهم فيصلحون ظواهرهم حفظاً لها بالأيمان الكاذبة فقال: ﴿يحلفون بالله﴾ أي الذي له تمام العظمة ﴿لكم﴾ أي أنهم ما آذوا النبي ﷺ خصوصاً ولا أولادكم بالمخالفة عموماً؛ وبين غاية مرادهم بقوله: ﴿ليرضوكم﴾ .
ولما كان الرسول ﵊ ليس بأذن بالمعنى الذي
стр. 3958
أرادوه، بين أنه لم يكن راضياً بإيمانهم لعدم وقوع صدقتهم في قلبه ولكنه أظهر تصديقهم لما تقدم من الإصلاح فقال: ﴿والله﴾ أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه ﴿ورسوله﴾ أي الذي هو أعلى خلقه، وبلغ النهاية في تعظيمه بتوحيد الضمير الدال على وحدة الراضي لأن كل ما يرضي أحدهما يرضي الآخر فقال: ﴿أحق أن﴾ أي بأن ﴿يرضوه﴾ ولما كان مناط الإرضاء الطاعة ومدار الطاعة الإيمان، قال معبراً بالوصف لأنه مجزأه: ﴿إن كانوا مؤمنين*﴾ أي فهم يعلمون أنه أحق بالإرضاء فيجتهدون فيه، وذلك إشارة إلى أنهم إن جددوا إرضاءه كل وقت كان دليلاً على إيمانهم، وإن خالفوه كان قاطعاً على كفرانهم.
стр. 3959
ولما بين أن حلفهم هذا إنما هو لكراهة الخزي عند المؤمنين وبين من هو الأحق بأن يرضوه، أقام الدليل على ذلك في استفهام إنكار وتوبيخ مبيناً أنهم فرّوا من خزي منقض فسقطوا في خزي دائم، والخزي: استحياء في هوان، فقال: ﴿ألم يعلموا﴾ أي لدلالتهم على الأحق بالإرضاء. ولما كان ذكر الشيء مبهماً ثم مفسراً أضخم، أضمر للشأن فقال: ﴿أنه﴾ أي الشأن العظيم ﴿من يحادد الله﴾ وهو الملك الأعظم، ويظهر المحاددة - بما أشار إليه الفك ﴿ورسوله﴾ أي الذي عظمته من عظمته، بأن يفعل معهما فعل من يخاصم في
стр. 3960
حد أرض فيريد أن يغلب على حد خصمه، ويلزمه أن يكون في حد غير حده ﴿فأن له نار جهنم﴾ أي فكونها له جزاء له على ذلك حق لا ريب فيه ﴿خالداً فيها﴾ أي دائماً من غير انقضاء كما كانت نيته المحادة أبداً؛ ثم نبه على عظمة هذا الجزاء بقوله: ﴿ذلك﴾ أي الأمر البعيد الوصف العظيم الشأن ﴿الخزي العظيم*﴾ .
ولما علل فعل المستهينين، أتبعه تعليل أمر صنف آخر أخف منهم نفاقاً بما عندهم مما يقارب التصديق فقال: ﴿يحذر المنافقون﴾ وعبر بالوصف الدال على الرسوخ تحذيراً لهم من أدنى النفاق فإنه يجر إلى أعلاه ﴿أن تنزل﴾ ولما كانت السورة الفاضحة لهم داهية ونائبة من نوائب الدهر وشدائده، عدى الفعل بعلى فقال: ﴿عليهم سورة﴾ أي قطعة من القرآن شديدة الانتظام ﴿تنبئهم﴾ أي تخبرهم إخبار عظيماً مستقصي ﴿بما في قلوبهم﴾ لم يظهروا عليه أحداً من غيرهم او أحداً مطلقاً، لعل هذا الصنف كانوا يسلفون الأيمان لعلها تشكك بعض الناس أو تخفف عنهم إذا نزل ما يهتكهم، روي أنهم كانوا يقولون ما يؤدي ويدل على النفاق ويقولون: عسى الله أن لا يفشي علينا سرنا، وقال بعضهم بعد كلام قالوه: والله إني لأرانا شر خلق الله ولوددت أني قدمت فجلدت مائة جلدة وأنه لا ينزل فينا شيء يفضحنا.
следующие страницы →