← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

روح الحياة وكل شيء دخل من ذوي اللحوم دخلوا ذكوراً وإناثاً كما أمر الله نوحاً، ثم أغلق الله الرب الباب عليه، وكان الطوفان على الأرض أربعين يوماً وأربعين ليلة، وكثرت المياه حتى احتملت التابوت فارتفع عن الأرض، وعزرت المياه وكثرت على الأرض جداً وجعل التابوت يسير على وجه الماء واشتدت المياه على وجه الأرض جداً جداً. وتوارت جميع الجبال العالية الشاهقة التي تحت السماء، وارتفعت المياة من فوق كل جبل خمسة عشر ذراعاً، وباد كل ذي لحم على الأرض من الطيور أجمع والسباع والدواب وجميع الحشرة التي تدب على الأرض وجميع الناس والبهائم، ومات كل شيء كان فيه نسمة الحياة مما في اليبس. وبقي نوح ومن معه في الفلك، واشتدت المياه على الأرض مائة وخمسين يوماً؛ وإن الله ذكر نوحاً وكل السباع والدواب وجميع الطيور التي معه في التابوت. فأهاج الله ريحاً على وجه الأرض فسكنت المياه والأمطار. واشتدت ينابيع الغمر وميازيب وغاضت المياه بعد مائة وخمسين يوماً، وسكن التابوت ووقف في الشهر السابع لثلاث عشرة ليلة بقيت من الشهر على جبال قودي وجعلت المياه تنصرف وتنتقص إلى الشهر العاشر، وظهرت رؤوس الجبال في أول يوم الشهر العاشر، فلما كان بعد ذلك بأربعين

стр. 4377

يوماً فتح نوح الكوة التي عملها في التابوت فأرسل الغراب، فخرج الغراب من عنده فلم يعد إليه حتى يبست المياه عن وجه الأرض، ثم أرسل الحمامة من بعده ليرى هل قلت المياه عن وجه الأرض فلم تجد الحمامة موضعاً لموطىء رجليها فرجعت إلى التابوت لأن المياه كانت بعد على وجه الأرض، فمد يده فأخذها وأدخلها إليه وانتظر سبعة أيام أخرى، ثم عاد فأرسل الحمامة فعادت عند المساء وفي منقارها ورقة زيتون، فعلم أن الماء قد غاض عن وجه الأرض فصبر أيضاً سبعة أيام أخر، ثم أرسل الحمامة فلم تعد إليه أيضاً، ففتح نوح باب الفلك فرأى فإذا وجه الأرض قد ظهر وجفت الأرض. فكلم الرب الإله نوحاً وقال له: اخرج من التابوت أنت وامرأتك وبنوك ونساء بنيك معك وكل السباع التي معك من كل ذي لحم والطيور والدواب، وأخرج كل الهوام التي تدب على الأرض معك، ولتتولد وتنمو في الأرض وتكثر وتزداد على الأرض. فخرج نوح ومن ذكر وبنى للرب مذبحاً وأخذ من جميع الدواب والطيور الزكية فأصعد منها على المذبح قرباناً للرب الإله، فقال الرب الإله: لا أعود ألعن الأرض أبداً من أجل أعمال الناس لأن هوى قلب الإنسان وحقده رديء منذ صباه ولا أعود أيضاً أبيد كل حي كما فعلت، ومن الآن جميع أيام الأرض

стр. 4378

يكون فيها الزرع والحصاد والبرد والحر والقيظ والشتاء، فبارك الله على نوح وبنيه وقال لهم: انموا واكثروا واملؤوا الأرض، وليغش رعبكم وخوفكم جميع السباع وبهائم الأرض وكل طيور السماء وكل دابة تدب على الأرض، وجميع حيتان البحور تكون تحت أيديكم، وكل الدواب الطاهرة الحية تكون لأكلكم، وقد جعلت الأشياء كلها حلالاً لكم مثل عشب البرية خضرها، وأما المخنوق الذي دمه فيه فلا تأكلوه فإن دمع نفسه، وأما دماؤكم من أنفسكم فأطلبها بالنهي من يد جميع الحيوان ومن يد جميع الناس، أي إنسان قتل أخاه طالبته بدمه، ومن سفك دم الإنسان سفك دمه لأن الله خلق آدم بصورته، وأنتم فانموا واكثروا وولدوا في الأرض وأكثروا فيها؛ وقال الله لنوح ولبنيه معه: هأنذا مثبت عهدي بيني وبينكم ومع أنسالكم من بعدهم ومع كل نفس حية منكم، ومع الطيور والدواب ومع كل سباع الأرض جميع الذين خرجوا من الفلك. وأثبت عهدي بيني وبينكم فلا يبيد كل ذي لحم أيضاً بماء الطوفان ولا يهبط الطوفان أيضاً ليفسد جميع الأرض، قال الله لنوح: هذه علامة لعهدي الذي أجعله بيني وبينكم وبين كل نفس حية معكم في جميع أحقاب العالم، قد أظهرت قوسي في السحاب فهي أمارة ذكر العهد الذي

стр. 4379

بيني وبينك وبين أهل الأرض، فإذا أنشأت السحاب في الأرض وأظهرت قوس السحاب فاذكروا العهد الذي بيني وبينكم، وكان بنو نوح الذين خرجوا معه من التابوت سام وحام ويافث، وحاتم يكنى أبا كنعان، هؤلاء الثلاثة ثم بنو نوح، وتفرق الناس من هؤلاء في الأرض كلها؛ ثم ذكر أن نوحاً ﵇ نام فرأى حام عريه فأظهر ذلك لأخويه، فتناول سام ويافث رداء فألقياه على أكتافهما ثم سعيا على أعقابهما مدبرين فواريا عرى أبيهما، فلما علم نوح ما صنع ابنه الأصغر دعا عليه أن يكون عبداً لأخويه، وكانت جميع أيام حياة نوح تسعمائة سنة وخمسين سنة، ثم توفي ﵊ والتحية والإكرام؛ ثم ذكر أن الناس بعده أرادوا أن يبنوا صرحاً لاحقاً بالسماء، واجتمع جميعهم على ذلك لأن لغتهم كانت واحدة ورأيهم واحد ففرق الله ألسنتهم وفرقهم من هنالك على وجه الأرض ولم يبنوا القرية التي هموا بها، ولذلك سميت بابل وبوبال معناه بالعبراني: الشتات، وما في تفسير البغوي وغيره من أن عوج ابن عوق - بضمهما كما في القاموس - كان في زمن نوح وسلم من الطوفان، وأن الماء لم يجاوز ركبتيه ونحو هذا كذب بحت منابذ لقوله تعالى: ﴿ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون﴾ [هود: ٢٧] وقوله: ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم﴾ وقوله: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً﴾ [نوح: ٢٦] ونحوها، فإن

стр. 4380

كل من ذكر ذلك ذكر أن موسى ﵇ قتله كافراً.

стр. 4381

ولما تمت هذه القصة علىلنحو الوافي ببيان اجتهاد نوح علبه السلام في إبلاغ الإنذار من غير مراعاة إقبال ولا إدبار، وكانت مع ذلك دالة على علم تام واطلاع على دقائق لا سبيل إليها إلا من جهة الملك العلام، فهي على إزالة اللبس عن أمره ﷺ أوضح من الشمس، قال تعالى منبهاً على ذلك: ﴿تلك﴾ أي هذه الأنباء البديعة الشأن الغريبة الأمر البعيدة عن طوق المعارض، العلية الرتب عن يد المتناول ﴿من أنباء الغيب﴾ أي أخباره العظيمة، ثم أشار إلى أنه لا يزال يجدد له أمثالها بالمضارع في قوله: ﴿نوحيها إليك﴾ فكأنه قيل: إن بعض أهل الكتاب يعلم بعض تفاصيلها، فأشار إلى أن ذلك مجموعة غيب وبما يعلمونه غيب نسبي بقوله: ﴿ما كنت تعلمها﴾ أي على هذا التفصيل ﴿أنت﴾ ولما كان خفاءها عن قومه دليلاً على خفائها عنه لأنه لم يخالط غيرهم قال: ﴿ولا قومك﴾ أي وإن كانوا أهل قوة في القيام على ما يحاولونه وعدداً كثيراً، ومنهم من يكتب ويخالط العلماء. ولما كان زمان خفاء ذلك عنهم - وإن كان عاماً لهم - بعض الزمان الماضي، أدخل الجار فقال: ﴿من قبل هذا﴾ أي من إيحائي إليك حتى يطرق الوهم حينئذ أنك تعلمتها من أحد منهم وإن كان يعلم

стр. 4382

كثيراً منها أهل الكتاب كما رأيت عن نص التوراة فبان أن لا عرض لقومك إلا العناد ﴿فاصبر﴾ على ذلك ولا تفتر عن الإنذار فستكون لك العاقبة كما كانت لنوح لأجل تقواه ﴿إن العاقبة﴾ أي آخر الأمر من الفوز والنصر والسعادة ﴿للمتقين*﴾ أي العريقين في مخافة الله في كل زمن، وقد تضمنت القصة البيان عما يوجبه حال أهل الخير والإيمان وأهل الشر والطغيان من الاعتبار بالنبأ عن الفريقين ليجتبي حال هؤلاء ويتقي حال أولئك لسوء العاقبة في الدنيا والآخرة. ولما تم من ذلك ما هو كفيل بغرض السورة، وختم بأن العاقبة دائماً للمتقين، أتبع بالدليل على ذلك من قصص الأنبياء مع الوفاء بما سيقت له قصة نوح - على جميعهم السلام - من الحث على المجاهرة بالإنذار فقال تعالى: ﴿وإلى﴾ أي ولقد ارسلنا إلى ﴿عاد أخاهم﴾ وبينه فقال: ﴿هوداً﴾ ولما تقدم أمر نوح مع قومه، استشرف السامع إلى معرفة ما قال هود ﵇ هل هو مثل قوله أو لا؟ فاستأنف الجواب بقوله: ﴿قال يا قوم﴾ الذين هم أعز الناس لدي ﴿اعبدوا الله﴾ أي ذا الجلال والإكرام وحده؛ ثم صرح وعلل فقال: ﴿ما لكم﴾ وأغرق في النفي فقال: ﴿من إله﴾ أي معبود بحق ﴿غيره﴾ فدعا إلى أصل الدين كما هو دأب سائر النبين والمرسلين؛ ثم ختم ذلك بمواجهتهم

стр. 4383

بما يسوءهم من الحق وما ثناه عن ذلك رجاء ولا خوف فقال: ﴿إن﴾ أي ما ﴿أنتم إلا مفترون*﴾ أي متعمدون الكذب على الله في إشراككم به سبحانه لأن ما على التوحيد من أدلة العقل غير خاف على عاقل فكيف مع تنبيه النقل! وذلك مكذب لمن أشرك، أي فاحذروا عقوبة المفتري؛ ثم نفى أن يكون له في ذلك غرض غير نصحهم بقوله موضع «إني ناصح لكم بهذا الأمر فلا يسوءكم مواجهتي لكم فيه بما تكرهون» ﴿يا قوم﴾ مكرراً لاستعطاف ﴿لا أسألكم﴾ أي في المستقبل كما لم أسالكم في الماضي ﴿عليه﴾ أي على هذا الإنذار ﴿أجراً﴾ أي فلست موضع تهمة ﴿إن﴾ أي ما؛ ﴿أجري﴾ ثم وصف من توكل عليه سبحانه بما يدل على الكفاية فعليّ وجوب شكره فقال: ﴿إلا على الذي فطرني﴾ أي أبتدأ خلقي ولم يشاركه فيّ أحد فهو الغني المطلق لا أوجه رغبتي إلى غيره كما يجب على كل أحد لكونه فطرة. ولما كان الخلاف الذي لا حظ فيه جهة الدنيا لا يحتاج الإنسان في الدلالة على أن صاحبه ملجأ إليه من جهة الله، وأنه لا نجاة إلا به إلى غير العقل، سبب عن قوله هذا الإنكار عليهم في قوله: ﴿أفلا تعقلون*﴾ . ولما دعاهم مشيراً إلى ترهيبهم مستدلاً على الصدق بنفي الغرض، رغبهم في إدامة الخوف مما مضى بقوله: ﴿ويا قوم﴾ ومن هم

стр. 4384

أعز الناس عليّ ولهم قدرة على ما طلب منهم ﴿استغفروا ربكم﴾ أي اطلبوا غفرانه بطاعتكم له لما يجب له بإحسانه إليكم. وأشار إلى علو رتبة التوبة بأداة التراخي فقال: ﴿ثم توبوا إليه﴾ أي تسموا عالي هذه الرتبة بأن تطلبوا ستر الله لذنوبكم ثم ترجعوا إلى طاعته بالندم والإقلاع والاستمرار ﴿يرسل السماء﴾ أي الماء النازل منها أو السحاب بالماء ﴿عليكم مدراراً﴾ أي هاطلة بمطر غزير متتابع ﴿ويزدكم قوة﴾ أي عظيمة مجموعة ﴿إلى قوتكم﴾ ثم عطف على قوله ﴿استغفروا﴾ قوله: ﴿ولا تتولوا﴾ أي تكلفوا أنفسكم غير ما جبلت عليه من سلامة الانقياد فتبالغوا في الإعراض - بما أشار إليه إثبات التاء ﴿مجرمين*﴾ أي قاطعين لأنفسكم - ببناء أمركم على الظنون الفاسدة عن خيرات الدنيا والآخرة.

стр. 4385

ولما محّض لهم النصح على غاية البيان، ما كان جوابهم إلا أن ﴿قالوا﴾ أي عاد بعد أن أظهر لهم هود ﵇ من المعجزات ما مثله آمن عليه البشر ﴿يا هود﴾ نادوه باسمه غلظة وجفاء ﴿ما جئتنا ببينة﴾ فأوضحوا لكل ذي لب أنهم مكابرون لقويم العقل وصريح النقل، فهم مفترون كما كان العرب يقولون للنبي ﷺ بعد أن أتاهم من الآيات على يده ما يفوت الحصر ﴿لولا أنزل عليه

стр. 4386

آية من ربه﴾ ﴿وما نحن﴾ وأغرقوا في النفي فقالوا: ﴿بتاركي آلهتنا﴾ مجاوزين لها أو صادرين ﴿عن قولك﴾ وتركهم للعطف بالفاء - المؤذنة بأن الأول سبب الثاني أي الواو في قولهم: ﴿وما نحن لك﴾ أي خاصة، وأغرقوا في التفي فقالوا: ﴿بمؤمنين*﴾ - دليل على أنهم تركوا إتباعه عناداً، لا أنهم يعتقدون أنه لم يأت ببينة؛ وإلى ذلك يرشد أيضاً تعبيرهم بالاسمية التي تدل على الثبات فإذا نفي لم ينتف الأصل؛ والبينة: الحجة الواضحة في الفصل بين الحق والباطل، والبيان: فصل المعنى من غيره حتى يظهر للنفس محرراً مما سواه، والحامل على ترك البينة بعد ظهورها صد الشبهة عنها أو تقليد الرؤساء في دفعها واتهام موردها أو اعتقاد أصول فاسدة تدعو إلى جحدها أو العناد للحسد ونحوه، والجامع له كله وجود الشبهة. ولما قالوا هذا الكلام البين الفساد من غير تعرض لنقض ما قال لهم بنوع شبهة، كان كأنه قيل لهم: هذا الذي قلته لكم وهو لا أبين منه ولا أعدل، افرضوا أنه ما ظهر لكم صحته فما تقولون إنه حملني عليه مع أن فيه منابذتكم وأنتم أولاد عمي وأعز الناس عليّ؟ فقالوا: ﴿إن نقول إلا اعتراك﴾ أي أصابك وغشيك غشياناً التصق بك التصاق العروة بما هي فيه مع التعمد والقوة ﴿بعض آلهتنا بسوء﴾ من نحو الجنون والخبال فذاك الحامل لك على النهي عن عبادتها.

стр. 4387

ولما كان الطبع البشري قاضياً بأن الإنسان يخشى ممن مسه بسوء وهو يتوهم أنه قادر على ضرره فلا يواجهه بما يكره، وكان قولهم محركاً للسامع إلى الاستعلام عن حوابه لهم، استأنف سبحانه الإخبار عنه بقوله: ﴿قال﴾ نافياً لما قالوا مبيناً أن آلهتهم لا شيء ضاماً لهم معها، وأكد لأنهم بحيث لا يظنون أن أحداً لا يقول ما قاله ﴿إني أشهد الله﴾ أي الملك الأعظم ليقوم عذري عنده وعدل أدباً مع الله عن أن يقول: وأشهدكم - لئلا يتوهم تسوية - إلى صيغة الأمر تهاوناً بهم فقال: ﴿واشهدوا﴾ أي أنتم لتقويم الحجة عليكم لأيكم ويبين عجزكم ويعرف كل أحد أنكم بحيث يتهاون بكم وبدينكم ولا يبالي بكم ولا به ﴿أني بريء مما تشركون*﴾ وبين سفولها بقوله: ﴿من دونه﴾ كائناً ما كان ومن كان، فكيف إذا لم يكن إلا جماداً ﴿فكيدوني﴾ حال كونكم ﴿جميعاً﴾ أي فرادى إن شئتم أو مجتمعين أنتم وآلهتكم. ولما كانت المعاجلة في الحرب أهول، وكان شأنها أصعب وأخطر، بين عظمها بأداة التراخي فقال: ﴿ثم لا تنظرون*﴾ والكيد: طلب الغيظ بالسر في مكر، وهذه الآية من أعلام النبوة الواضحة لهود ﵇، فكأنه قيل: هب أن آلهتنا لا شيء، فما حملك على الاجتراء

стр. 4388

على مخالفتنا نحن وأنت كثرتنا وقوتنا وأنت لا تزيد على أن تكون واحداً منا فقال: ﴿إني﴾ أي جسرت على ذلك لأني ﴿توكلت﴾ معتمداً ﴿على الله﴾ الملك المرهوب عقابه الذي لا ملك سواه ولا رب غيره؛ وبين إحاطة ملكه بقوله: ﴿ربي وربكم﴾ أي الذي أوجدنا ودبر أمورنا قبل أن يخلقنا فعلم ما يعمل كل منا في حق الآخرة لأنه ﴿ما من دابة﴾ أي صغرت أو كبرت ﴿إلا هو آخذ﴾ أي أخذ قهر وغلبة ﴿بناصيتها﴾ أي قادر عليها، وقد صار الأخذ بالناصية عرفاً في القدرة، لأن الكل جارون مع مراده لا مع مرادهم بل لا ينفك أحد عن كراهة لبعض ما هو فيه فدل ذلك قطعاً على أنه بغير مراده وإنما هو بمراد قاهر قهره على ذلك وهو الملك الأعلى سبحانه؛ والناصية: شعر مقدم الرأس، ومن أخذ بناصيته فقد انقاد لأخذه لا يستطيع ميلاً ﴿إن﴾ أي لأن ﴿ربي﴾ أي المحسن إليّ بما أقامني فيه ﴿على صراط﴾ أي طريق واسع بين ﴿مستقيم*﴾ ظاهر أمره لكل أحد لا لبس فيه أصلاً ولا خلل ولا اضطراب ولا اعوجاج بوجه، فلذلك كان كل من في الكون يتألهه ويدعو ويخافه ويرجوه وإن اتخذ بعضهم من دونه شركاء، وأما ما يعبد من دونه فلا يعظمه إلا عابده، وأما غير عابده فإنه لا يقيم له وزناً؛ فصح بهذا غالب

стр. 4389

على كل شيء غلبة يعلمها كل موجود من غير خفاء أصلاً، فهو مرجو مرهوب بإجماع العقلاء بخلاف معبوداتكم، والحاصل أنه يلزم الصراط المستقيم الظهور، فيلزم عدم الاختلاف لانتفاء اللبس، فمن كان عليه كان عليّ القدر شهير الأمر، بصيراً بما يريد، مع الثبات والتمكن، مرهوب العاقبة، مقصوداً بالاتباع والمحبة، من لم يقبل إليه ضل، ومن أعرض عنه أخذ لكثرة أعوانه وعز سلطانه، فظهرت قدرته على عصمة من يتوكل عليه وعجز معبوداتهم معهم، لأن نواصي الكل بيده وهو ربها وربهم ورب كل شيء، فقد انطبق ختام الآية على قولهم ﴿ما جئتنا ببينة﴾ رداً له لأن من كان على صراط مستقيم لم يكن شيء أبين من أمره، وعلى جوابه في توكله وما في حيزه أتم انطباق؛ والناصية: مقدم الشعر من الرأس، وأصلها الاتصال من قولهم: مفازة تناصي مفازة - إذا كانت متصلة بها.

стр. 4390

ولما استوفى تشييده أمره وهدم قولهم، أخذ يحذرهم فقال مبيناً أن العدول عما جاء به لا يكون إلا بمعالجة الطبع السليم: ﴿فإن تولوا﴾ ولو أدنى تولية - بما يشير إليه حذف التاء، فعليكم اللوم دوني، لأني فعلت ما عليّ ﴿فقد﴾ أي بسبب أني قد ﴿أبلغتكم ما﴾ أي كل شيء

стр. 4391

﴿أرسلت﴾ أي تقدم إرسالي من عند من لا مرسل في الحقيقة غيره ﴿به إليكم﴾ كاملاً لم أدع منه شيئاً رجاء لإقبالكم ولا خوفاً من إعراضكم، فأبيتم إلا التكذيب لي والاستكبار عما جئت به، فالذي أرسلني ينتقم منكم فيهلككم ﴿ويستخلف ربي﴾ أي يوجد المحسن إليّ بإقامتي فيما يرضيه ﴿قوماً غيركم﴾ يخلفونكم في دياركم وأموالكم، فتكونون أعداءه، ويكون المستخلفون متعرضين لأن يكونوا أولياء مع كونهم ذوي بأس وقوة فيختص الضرر بكم ﴿ولا تضرونه﴾ أي الله بإعراضكم ﴿شيئاً﴾ ثم علل وعيده لهم بقوله مؤكداً لأن العاصي فاعل بعصيانه فعل من يظن أن الله غافل عنه: ﴿إن ربي﴾ أي المحسن إليّ المدبر لمصالحي. ولما كان الأهم في هذا السياق بيان استعلائه وقدرته، قدم قوله: ﴿على كل شيء﴾ صغيراً أو كبيراً جليل أو حقير ﴿حفيظ*﴾ أي عالم بكل شيء وقادر على كل شيء وبالغ الحفظ له، فيعلم ما يعمل محفوظه فيجازيه بما يستحق من نعمه ونقمه، فهو تعليل لاستخلاف غيرهم وتنزهه عن لحوق ضرر، لأن الحفظ: الحراسة، ويلزمها العلم والقدرة، فمن القدرة حافظ العين، أي لا يغلبه نوم، والحفيظة - للحمية والغضب، ومنهما معاً المحافظة - للمواظبة على الشيء؛ والتوالي عن الشيء: الذهاب إلى غير جهته إعراضاً عنه؛ والإبلاغ: إلحاق الشيء نهايته؛

стр. 4392

والاستخلاف: جعل الثاني بدلاً من الأول يقوم مقامه؛ والضر: إيجاب الألم بفعله أو التسبب له. ولما تم ذلك كان كأنه قيل: فلم يرجعوا ولم يرعووا لبينة ولا رغبة ولا رهبة فأنزلنا بهم أمرنا ﴿ولما جاء أمرنا﴾ أي وقت إرادتنا لإهلاك عاد ﴿نجينا﴾ أي تنجية عظيمة بما لنا من العظمة ﴿هوداً والذين آمنوا﴾ كائنين ﴿معه﴾ في الإيمان والنجاة من قومهم فلم يقدروا أن يصلوا إليهم بسوء مع اجتهادهم في ذلك وإعجابهم بقواهم ويقال: إن الذين آمنوا كانوا أربعة آلاف. ولما كان سبحانه بحيث لا يجب عليه لأحد شيء لأنه لا يقدر أحد أن يقدره حق وإن اجتهد في طاعته، فإن طاعته نعمة منه عليه، أشار إلى ذلك بقوله: ﴿برحمة منا﴾ تحقيقاً لتوكل عبدناً؛ ولما بين إنجاءهم من قومهم بين إنجاءهم مما أهلكهم به فقال مكرراً ذكر التنجية دلالة على أن عذابهم كان في غاية الفظاعة: ﴿ونجيناهم﴾ أي بما لنا من العظمة، وبين فظاعة ما أهلك به أعداءهم بقوله: ﴿من عذاب غليظ*﴾ أي أهلكنا به مخالفيهم وهو الريح الصرصر، وهذا أولى من حمله على عذاب الآخرة لما يأتي من قوله ﴿ومن خزي يومئذ﴾ كأنهم كانوا إذا رأوا مخايل العذاب قصدوا نبيهم ومن آمن به ليهلكوهم قبلهم كما

стр. 4393

صرح به في قصة صالح؛ والنجاة: السلامة من الهلاك؛ وحقيقة الغلظة عظم الجثة، فاستعير للعذاب لثقله على النفس وطول مكثه. ولما تمت قصتهم على هذا الوجه لابديع والأسلوب المطرب، قال تعالى عاطفاً على قوله ﴿تلك من أنباء الغيب﴾ : ﴿وتلك عاد﴾ أي قصة القوم البعداء البغضاء، ما كنت تعلمها على هذا التفصيل أنت ولا قومك ولا أهل الكتاب، وإنما نفيت عن أهل الكتاب لأنهم لا يعلمون إلا ما له أصل عن أنبيائهم، وهذه وقصة ثمود ليستا في التوراة ولا شيء من أسفار أنبيائهم، وسألت بعض علمائهم فلم أجد عنده شيئاً من علمها ولا حرفاً واحداً ولا سمع بعاد ولا هود، وتلخيص قصتهم أنهم ﴿جحدوا﴾ أي كذبوا عناداً واستهانة ﴿بآيات ربهم﴾ المحسن إليهم ﴿وعصوا رسله﴾ فإن من عصى واحداً منهم فقد عصى الكل لاتفاقهم على أمر واحد مع التساوي في مطلق المعجزة ﴿واتبعوا﴾ أي بغاية جهدهم ﴿أمر كل جبار﴾ أي قاهر بليغ القهر يجبر غيره على ما يريد، وهذا يدل على أنه لا عذر في أصل الدين بوجه فإن الضمائر لا يعلمها إلا الله فيمكن كل أحد مخالفة الجبار فيه ﴿عنيد*﴾ أي طاغ باغ لا يقبل الحق بوجه، فأهلكوا ولم يمنعهم تجبرهم ولا أغنى عنهم عنادهم وتكبرهم ﴿وأُتبعوا﴾ جميعاً بعد

стр. 4394

إهلاكهم بأيسر وجه لعظيم قدرة المتبع ﴿في هذه الدنيا﴾ حقرها في هذه العبارة بما أشارت إليه الإشارة مع التصغير، وبما دل على الدنو وبأن من اغتر بها فهو ممن وقف مع الشاهد لما له من الجمود ﴿لعنة﴾ أي طرداً وبعداً وإهلاكاً ﴿ويوم القيامة﴾ أي كذلك بل أشد، فكأنه قيل: أفما لمصيبتهم من تلاف؟ فقيل: لا، ﴿ألا﴾ مفتتحاً للإخبار عنهم بهذه الأداة التي لا تذكر إلا بين يدي كلام يعظم موقعه ويجل خطبه، والتأكيد في الإخبار بكفرهم تحقيق لحالهم، وفيه من أدلة النبوة وأعلام الرسالة الرد على طائفة قد حدثت بالقرب من زماننا يصوّبون جيمع الملل وخصوا عاداً هذه لكونها أغناهم بأن قالوا: إنهم من المقربين إلى الله وإنهم بعين الرضى منه، فالله المسؤول في الإدالة عليهم وشفاء الصدور منهم، وهم أتباع ابن عربي الكافر العنيد أهل الاتحاد، المجاهرون بعظيم الإلحاد، المستخفون برب العباد، فلذلك قال تعالى مبيناً لحالهم بياناً لا خفاء معه: ﴿إن عاداً كفروا﴾ ولم يقصر الفعل، بل عداه إعظاماً لطغيانهم فقال: ﴿ربهم﴾ أي غطوا جميع أنوار الظاهر الذي لا يصح أصلاً خفاءه لأنه لا نعمة على مخلوق إلا منه، فكان كفرهم أغلظ الكفر، ومع ذلك فلم ينثن هود ﵇ عن إبلاغهم جميع ما أمر به ولا ترك شيئاً مما أوحي إليه فلك به أسوة حسنة وفيهم قدوة، ومن كفر من

стр. 4395

أحسن إليه بعد بعداً لا قرب معه. ولما كان الأمر عظيماً والخطب جليلاً، كرر الأداة التي تقال عند الأمور الجليلة فقال: ﴿ألا بعداً لعاد﴾ هو من بعد - بكسر العين إذا كان بعده بالهلاك، وبينهم بقوله: ﴿قوم هود﴾ تحقيقاً لهم لأنهم عادان: الأولى والآخرة، وإيماء إلى أن استحقاقهم للإبعاد بما جرى لهو ﵇ معهم من الإنكار والدعاء عليهم بعد الهلاك كناية عن الإخبار بأنهم كانوا مستحقين للهلاك؛ والجحد: الخبر عما يعلم صحته أنه لا يعلمها، وهو ضد الاعتراف كما أن النفي ضد الإثبات، فهو خبر بمجرد العدم فهو أعم؛ والعصيان خلاف ما أمر به الداعي على طريق الإيجاب؛ واللعنة: الدعاء بالإبعاد، وأصلها الإبعاد من الخير؛ والإتباع: جعل الثاني على أثر الأول، والإبلاغ أخص منه، والمراد هنا بلوغها لهم لأن الذي قضى بذلك قادر وقد ألحق بهم عذاب الدنيا المبعد لهم من مظان الرحمة.

стр. 4396

ولما انقضت قصة عاد على ما أراد سبحانه، أتبعها قصة من كانوا عقبهم في الزمن ومثلهم في سكنى أرض العرب وعبادة الأوثان والمناسبة في الأمر المعذب به لأن الموصل للصيحة إلى الأسماع هو الريح

стр. 4397

وفي خفاء أمرهم، مفصلاً على أهل ذلك الزمان فقال: ﴿*وإلى﴾ أي ولقد أرسلنا إلى ﴿ثمود أخاهم﴾ وبينه بقوله: ﴿صالحاً﴾ ثم أخرج قوله ﷺ على تقدير سؤال فقال: ﴿قال يا قوم﴾ أي يا من يعز عليّ أن يحصل لهم سوء ﴿اعبدوا الله﴾ أي الملك الأعظم وحده لأن عبادتكم له مع غيره ليست بشيء؛ ثم استأنف تفسير ذلك فقال: ﴿ما لكم﴾ أغرق في النفي فقال: ﴿من إله غيره﴾ جرياً على منهاج الدعاة إلى الله في أصل الدين، وهو إفراد المنعم بالعبادة. ولما أمرهم بذلك، ذكرهم قدرته ونعمته مرغباً مرهباً فقال: ﴿هو﴾ أي وحده ﴿أنشأكم﴾ أي ابتدأ خلقكم ﴿من الأرض﴾ بخلق آدم ﵇ منها بغير واسطة وبخلقكم من المني من الدم وهو من الغذاء وهو من النبات وهو من الأرض كما أنشأ أوثانكم منها ﴿و﴾ وفع مقداركم عليه بأن ﴿استعمركم﴾ أي أهلكم لما لم يؤهل له الأوثان من أن تكونا عماراً ﴿فيها﴾ فلا تنسوا حق إلهكم وما فضلكم به من حق أنفسكم بخضوعكم لما لا يساويكم فكيف بمن أنشأكم وإياها؛ والإنشاء: الابتداء بالإيجاد من غير استعانة بشيء من الأسباب. ولما بين لهم سبحانه عظمته، وكان الشيطان قد شبه عليهم لأنه لعظمته لا يوصل إليه بوسيلة كما هو حال الملوك وألقى إليهم أن الأوثان

стр. 4398

وسائل، نفى ذلك مبيناً طريق الرجوع إليه بقوله: ﴿فاستغفروه﴾ أي فأقبلوا بكل قلوبكم عليه طالبين أن يستر ذنوبكم؛ وذكر شرط المغفرة بقوله مشيراً بأداة البعد إلى عظيم المنزلة: ﴿ثم توبوا﴾ أي ارجعوا بجميع قلوبكم ﴿إليه﴾ ثم علل ذلك بلطفه وعطفه ترغيباً في الإقبال إليه فقال مؤكداً لأن من يرى إمهاله للعصاة يظن الظنون ومن عصاه كان عمله عمل من ينكر قربه وإجابته: ﴿إن ربي﴾ الذي أخلصت له العبادة لإحسانه إليّ وأدعوكم إلى الإخلاص له لإحسانه إليكم ﴿قريب﴾ من كل من أقبل إليه من غير حاجة إلى معاناة مشي ولا حركة جارحة ﴿مجيب*﴾ لكل من ناداه لا كمعبوداتكم في الأمرين معاً. ولما دعاهم إلى الحق ونصب لهم عليه من الأدلة ما هم به معترفون وذكرهم نعمه مومئاً إلى التحذير من نقمه، وسهل لهم طريق الوصول إليه، ما كان جوابهم إلا أن سلخوه من طور البشرية لمحض التقليد، فلذلك استأنف الإخبار عن جوابهم بقوله: ﴿قالوا﴾ أي ثمود ﴿يا صالح﴾ نادوه باسمه قلة أدب منهم وجفاء ﴿قد كنت فينا﴾ أي فيما بينا إذا تذاكرنا أمرك ﴿مرجواً﴾ أي في حيز من يصح أن يرجى أن يكون فيه خير وسؤدد ورشد وصلاح، واستغرقوا الزمان فحذفوا الجار وقالوا: ﴿قبل هذا﴾ أي الذي دعوتنا إليه فأما بعد هذا فانسلخت من هذا العداد؛ ثم بينوا ما أوجب سقوطه عندهم بقولهم منكرين إنكار

стр. 4399

محترق ﴿أتنهانا﴾ أي مطلق نهي ﴿أن نعبد﴾ أي دائماً ﴿ما يعبد آباؤنا﴾ وعبروا بصيغة المضارع تصويراً للحال كأن آباءهم موجودون فلا تمكن مخالفتهم إجلالاً لهم، فأجلوا من يرونه سبباً قريباً في وجودهم ولم يهابوا من أوجدهم وآباءهم أولاً من الأرض وثانياً من النطف، ثم خولهم فيما هم فيه، ثم فزعوا - في أصل الدين بعد ذكر الحامل لهم على الكفر المانع لهم من تركه - إلى البهت بأن ما يوجب القطع لكل عاقل من آيته الباهرة لم يؤثر عندهم إلا ما هو دون الظن في ترك إجابته، فقالوا مؤكدين لأن شكهم حقيق بأن ينكر لأنه في أمر واضح جداً لا يحتمل الشك أصلاً: ﴿وإننا لفي شك﴾ وزادوا التأكيد بالنون واللام وبالإشارة بالظرف إلى إحاطة الشك بهم ﴿مما﴾ ولما كان الداعي واحداً وهو صالح ﵇ لم يلحق بالفعل غير نون واحدة هي ضميرهم بخلاف ما في سورة إبراهيم ﵇ فلذلك قالوا: ﴿تدعونا إليه﴾ من عبادة الله وحده ﴿مريب*﴾ أي موقع في الريبة وهي قلق النفس وانتفاء الطمأنينة باليقين؛ والرجاء: تعلق النفس لمجيء الخير على جهة الظن، ونظيره الأمل والطمع؛ والنهي: المنع من الفعل بصيغة لا تفعل.

стр. 4400

ولما أبرزوا له أمرهم في قالب الشك على سبيل الجزم، قابلهم بمثله على سبيل الفرض إنصافاً لهم لئلا يلائم الخطاب حال المخاطبين، فاستأنف سبحانه الإخبار عنه بذلك في قوله: ﴿قال﴾ أي صالح نادياً لهم إلى النظر في أمره برفق ﴿يا قوم أرءيتم﴾ أي أخبروني ﴿إن كنت﴾ أورده بصيغة الشك لأن خطابه للجاحدين ﴿على بينة من ربي﴾ أي المحسن إليّ، لا شك عندي فيها ﴿وآتاني منه رحمة﴾ أي أوامر هي سبب الرحمة ﴿فمن ينصرني﴾ وأظهر موضع الإضمار وعبر بالاسم الأعظم لاقتضاء المقام التهويل فقال: ﴿من الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿إن عصيته﴾ أي إن وقوعكم في الشك على زعمكم حملكم على هيئة الإباء في التلبس بأعمالهم مع زوالهم واضمحلالهم لو كانوا موجودين وعصيتموهم لم تبالوا بهم، وأما أنا فالذي أمرني بعبادته حي قادر على جزاء من يطيعه أو يعصيه، وأقل ما يحمل على طاعته الشك في عقوبته، وهو كاف للعاقل في ترك الخطر ﴿فما﴾ أي فتسبب عن نهيكم لي عن الدعاء إليه سبحانه أنكم ما ﴿تزيدونني﴾ بذلك شيئاً في عملي بما ترمونه مني من عطفي عنه باتباعكم في عملكم أو الكف عنكم لأصير في عداد من يرجى عندكم ممن له عقل ﴿غير تخسير*﴾ أي إيقاعي في الخسارة على هذا التقدير: فلا تطمعوا في تركي لشيء من مخالفتكم ما دمتم

стр. 4401

على ما أنتم عليه، والآية كما ترى ناظرة إلى قوله تعالى ﴿فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك﴾ . ولما أخبرهم أن معصية الله خسران، ذكرهم أمر الناقة التي أخرجها سبحانه لهم من الأرض شاهداً على كونهم مساوين للأوثان في كونهم منها مفضلين عليها بالحياة محذراً لهم من شديد انتقامه فقال: ﴿ويا قوم هذه﴾ إشارة إلى حاضر، وذلكم بعد أن أخرجها لهم سبحانه عندما دعاه صالح ﵇؛ وبين الإشارة بقوله: ﴿ناقة الله﴾ أي الملك الأعلى، ثم بني حالاً من ﴿آية﴾ مقدماً عليها لئلا يكون صفة لها فقال: ﴿لكم﴾ أي خاصة لنظركم إياها عندما خرجت ولكل من سمع بها بعدكم، وليس الخبر كالمعاينة، أشير إليها حال كونها ﴿آية﴾ بكون الله تعالى أخرجها لكم من صخرة، وهي عشراء على حسب ما اقترحتم وأنتم تشاهدون وبكونها تنفرد بشرب يوم، وتنفردون كلكم بشرب يوم وتنفرد برعي يوم، وتنفرد جميع الحيوانات من دوابكم ووحوش بلادكم برعي يوم إلى غير ذلك مما أنتم له مبصرون وبه عارفون ﴿فذروها﴾ أي اتركوها على أيّ حالة كان ترككم لها ﴿تأكل﴾ أي مما أرادت ﴿في أرض الله﴾ أي الملك الذي له الأمر كله التي خلقها منها ﴿ولا تمسوها بسوء﴾ والأكل: مضغ يقع عند بلع؛ والمس مطلق الإصابة ويكون بين الحيوان وغيره، واللمس أخص منه لما فيه من الإدراك

стр. 4402

﴿فيأخذكم﴾ أي فيتسبب عن ذلك أن يأخذكم ﴿عذاب قريب*﴾ أي من زمن إصابتكم لها بالسوء؛ ثم اشار إلى قرب مخالفتهم لأمره فيها بقوله مسبباً عن أوامره ونواهيه ومعقباً: ﴿فعقروها﴾ أي الناقة ﴿فقال﴾ أي عند بلوغه الخبر ﴿تمتعوا﴾ أي أنتم تعيشون ﴿في داركم﴾ أي داركم هذه، وهي بلدة الحجر ﴿ثلاثة أيام﴾ أي بغير زيادة عليها، فانظروا ماذا يغني عنكم تلذذكم وترفهكم وإن اجتهدتم فيه. ولما كان كأنه قيل: هل في هذا الوعيد مثنوية، قال مجيباً: ﴿ذلك﴾ أي الوعد العالي الرتبة في الصدق والغضب ﴿وعد غير مكذوب*﴾ أي فيه؛ والتمتع: التلذذ بالمدركات الحسان من المناظر والأصوات وغيرها مما يدرك بالحواس، وسميت البلاد داراً لأنها جامعة لأهلها - كما تجمع الدار - ويدار فيها، وأشار إلى تعقب العذاب للأيام وتسببه عن الوعيد المعين بقوله: ﴿فلما جاء أمرنا﴾ بالفاء بخلاف ما في قصة هود وشعيب ﵉، أي مع مضي الأيام كان أول ما فعالنا أن ﴿نجينا﴾ بنا لنا من العظمة أولياءنا ﴿صالحاً والذين آمنوا معه﴾ من كيد قومهم، وبين أن إحسانه سبحانه لا يكون إلا فضلاً منه بقوله: ﴿برحمة منا﴾ وذلك أنه ﵇ قال لهم: تصبحون

стр. 4403

غداً يوم مؤنس - يعني الخميس - ووجوهكم مصفرة، ثم تصبحون يوم عروبة - يعني الجمعة - ووجوهكم محمرة، ثم تصبحون يوم شبار ووجوهكم مسودة، ثم يصبحكم العذاب يوم أول - أي الأحد - فقال التسعة رهط الذين عقروا الناقة: هلم فلنقتل صالحاً، فإن كان صادقاً عجلناه قبلنا، وإن كان كاذباً قد كنا ألحقناه بناقته، فأتوه ليلاً ليبيتوه في أهله فدمغتهم الملائكة بالحجارة، فلما أبطؤوا على أصحابهم أتوا منزل صالح فوجدوهم قد رضخوا بالحجارة فقالوا لصالح: أنت قتلتهم! ثم هموا به فقامت عشيرته دونهم ولبسوا السلاح وقالوا لهم: والله لا تقتلونه أبداً فقد وعدكم أن العذاب يكون بكم بعد ثلاث، فإن كان صادقاً لم تزيدوا ربكم عليكم إلا غضباً، وإن كان كاذباً فأنتم وراء ما تريدون، فانصرفوا فلما أصبحت وجوههم مصفرة عرفوا أنه قد صدقهم، فطلبوه ليقتلوه فجاء إلى بطن منهم يقال له (بنو غنم) فنزل على سيدهم رجل فغيبه عنده، فعدوا على أصحاب صالح يعذبونهم ليدلوهم عليه فقالوا: يا نبي الله! إنهم يعذبوننا لندلهم عليك، أفندلهم؟ قال:

стр. 4404

نعم، فدلوهم عليه فأتوه فقال الغنمي: نعم عندي ولا سبيل إليه، فتركوه وشغلهم عنه ما أنزل الله بهم كذا ذكر ذلك البغوي عن ابن اسحاق ووهب وغيرهما مطولاً. ولما ذكر نجاتهم من كل هلكة، ذكر نجاتهم من خصوص ما عذب به قومهم فقال: ﴿ومن﴾ أي ونجيناهم من ﴿خزي﴾ أي ذل وفضيحة ﴿يومئذ﴾ أي يوم إذ جاء أمرنا بإهلاكهم بالصيحة وحل بهم دونهم فرقاً بين أوليائنا وأعدائنا، وحذف «نجينا» هنا يدل على أن عذابهم دون عذاب عاد؛ ثم عقب ذلك بتعليله إهلاكاً وإنجاء باختصاصه بصفات القهر والغلبة والانتقام فقال: ﴿إن ربك﴾ أي المحسن إليك كما أحسن إلى الأنبياء من قبلك ﴿هو﴾ أي وحده ﴿القوي﴾ فهو يغلب كل شيء ﴿العزيز*﴾ أي القادر على منع غيره من غير أن يقدر أحد عليه أو على الامتناع منه، من عز الشيء أي امتنع، ومنه العزاز - للأرض الصلبة الممتنعة بذلك عن التصرف فيها؛ والخزي: العيب الذي تظهر فضيحته ويستحي من مثله؛ ثم بين إيقاعه بأعدائه بعد إنجائه لأوليائه فقال معظماً للأخذ بتذكير الفعل: ﴿وأخذ الذين ظلموا الصيحة﴾ وأشار إلى عظمة هذه الصيحة

стр. 4405

بإسقاط علامة التأنيث وسبب عنها قوله: ﴿فأصبحوا في ديارهم جاثمين*﴾ أي ساقطين على وجوههم، وقيل: جاثين على الركب موتى لا حراك بهم، وتقدم سر التعبير بالديار مع الصيحة والدار مع الرجفة في الأعراف، وخصت هود بما ذكر فيها لأن مقصودها أعظم نظر إلى التفصيل، وكل من الديار والصيحة أقرب إلى ذلك. ولما كان الجثوم كناية عن الموت أوضحه بقوله: ﴿كأن﴾ أي كأنهم ﴿لم يغنوا﴾ أي يقيموا أغنياء لاهين بالغناء ﴿فيها﴾ ثم نبه - على ما استحقوا به ذلك لمن لعله يغفل فيسأل - بقوله مفتتحاً بالأداة التي لا تقال إلا عند الأمور الهائلة: ﴿ألا إن ثموداً﴾ قراءة الصرف دالة على الاستخفاف بهم لطيشهم في المعصية ﴿كفروا ربهم﴾ أي أوقعوا التغطية والستر على المحسن إليهم بالخلق والرزق والإرسال وهو الظاهر وبصفاته وأفعاله، فلا يخفى على أحد أصلاً، فإيصال الفعل دون قصره كما في أكثر أضرابه بيان لغلظة كفرهم؛ ثم كرر ذلك تأكيداً له وإعلاماً بتأبيد هلاكهم بقوله: ﴿ألا بعداً لثمود*﴾ ترك صرفهم في قراءة غير الكسائي إيذاناً بدوام لبثهم في الطرد والبعد؛ والصيحة: صوت عظيم من فم حي، والجثوم لدوام مكان واحد أو السقوط على الوجه، وقيل: القعود على الركب؛ وقال ﴿أصبحوا﴾ زيادة في التخويف والتأسيف

стр. 4406

بما وقع لهم من التحسير لو أدركه أحد منهم لأن الإنسان يفرح إذا أصبح بقيامه من نومه مستريحاً قادراً على ما يريد من الحركات للاستمتاع بما يشتهي من التصرفات، فأصبح هؤلاء - بعد هذه الصفة على ما قص الله - خفوتا أجمعين كنفس واحدة رجالاً ونساء صغاراً وكباراً كأنهم بم يكونوا أصلاً، ولا أصدروا فصلاً ولا وصلاً كأنهم لم يكونوا للعيون قرة، ولم يعدوا في الأحياء مرة كأن لم يغنوا أي يقيموا لانقطاع آثارهم إلا ما بقي من أجسادهم الدالة على الخزي؛ والمغاني: المنازل، وأصل الغناء الاكتفاء؛ ومعنى «ألا» التنبيه؛ قال الرماني: وهي ألف الاستفهام دخلت على «لا» فالألف تقتضي معنى، و «لا» تنفي معنى، فاقتضى الكلام بهما معنى التنبيه مع نفي الغفلة - انتهى. وكان حقيقته - والله أعلم - أن «لا» دخلت على ما بعدها فنفته، ثم دخلت عليها همزة الإنكار فنفتها، ومن المعلوم أن نفي النفي إثبات فرجع المعنى كما كان على أتم وجوه التنبيه والتأكيد، لأن إثبات المعنى بعد نفيه آكد من إثباته عرياً عن النفي ولا سيما إذا كان المفيد لذلك الإنكار، وهذا المعنى مطرد في ألا العرضية وهلا التخصيصية ونحوهما، ويمشي في كل صلة بأن تردها إلى أصل مدلولها في اللغة ثم تتصرف بما يقتضيه الحال -

стр. 4407

والله الهادي! ولما جاز الصرف في ثمود باعتبار أنه اسم أبي القبيلة وعدمه باعتبار إطلاقه على القبيلة اختير الصرف في النصب فقط لخفته.

стр. 4408

ولما انقضت القصة على هذا الوجه الرائع، أتبعها قصة لوط ﵇ إذ كانت أشهر الوقائع بعدها وهي أفظع منها وأروع، وقدم عليها ما يتعلق بها من أمر إبراهيم عليها لسلام ذكر بشراه لما في ذلك كله من التنبيه لمن تعنت بطلب إنزال الملائكة في قولهم ﴿أو جاء معه ملك﴾ على أن ذلك ليس عزيزاً عليه. وقد أكثر من فعله ولكن نزولهم مرهب، وأمرهم عند المكاشفة مرعب، وأما مع الستر فلا يقطع تعنتهم، هذا مع ما في ذلك من مناسبة أمر هذا الولد لأمر الناقة في تكوين كل منهما بخارق للعادة إشارة إلى تمام القدرة وكمال العلم المبني عليه أمر السورة في إحكام الكتاب وتفصيله وتناسب جدالي نوح وإبراهيم ﵉ في أن كلاً منهما شفقة على الكافرين ورجاء لنجاتهم من العذاب بحسن المثاب، ولعله سبحانه كرر «لقد» في صدرها عطفاً على ما في قصة نوح للتنبيه على مثل الأغراض، لأن «قد» للتوقع فجاءت لتؤذن بأن السامع في حال توقع لذلك لأنه إذا انقضت قصة الخبر عما بعدها فقال تعالى: ﴿ولقد﴾ قال الرماني: ودخلت اللام لتأكيد الخبر كما يؤكد

стр. 4409

القسم ﴿جاءت رسلنا﴾ أي الذين عظمتهم من عظمتنا، قيل: كانوا جبرئيل وميكائيل وإسرافيل ﵈ ﴿إبراهيم﴾ هو خليل الله ﵇ ﴿بالبشرى﴾ أي التي هي من أعظم البشائر وهي إكرامه بإسحاق ﵇ ولداً له من زوجته سارة ﵂، جاءوه في الصفة التي يحبها وهي صفة الأضياف، فلم يعرفهم مع أنه الخليل بل إنكارهم كما قال تعالى في الذاريات ﴿قال سلام قوم منكرون﴾ [الذاريات: ٢٥] فيحمل إنكاره أولاً على الاستغراب بمعنى أنه لم ير عليهم زيّ أهل تلك البلاد ولا أثر سفر، فكأنه قيل: ما كان من أمرهم؟ فقيل: ﴿قالوا سلاماً﴾ أي سلمنا عليك سلاماً عظيماً ﴿قال سلام﴾ أي ثابت دائم عليكم لا زوال له أبداً، فللرفع مزية على النصب لأنه إخبار عن ثابت، والنصب تجديد ما لم يكن، فصار مندرجاً في ﴿فحيوا بأحسن منها﴾ [النساء: ٨٦] ثم أكرم نزلهم وذهب يفعل ما طبعه الله عليه من سجايا الكرم وأفعال الكرام في أدب الضيافة من التعجيل مع الإتقان ﴿فما لبث﴾ أي فتسبب عن مجيئهم وتعقبه أنه ما تأخر ﴿أن جاء بعجل حنيذ*﴾ أي مشوي على حجارة محماة في أخدود وفوقه حجارة محماة ليشتد نضجه، فكان بعد الشيّ يقطر دسمه لأنه سمين، كل ذلك وهو لا يعرف أنهم ملائكة، بل هو قاطع بأنهم ممن يأكل، وهذا ناظر إلى قول قوم نوح

стр. 4410

﴿وما نرى لكم علينا من فضل﴾ وقوله ﴿ولا أقول للذين تزدري أعينكم﴾ الآية، أي إن الله جعل المعاني في القلوب وناط بها السعادة والشقاوة، وقد تخفي تلك المعاني كما خفي على أكمل أهل ذلك الزمان أن ضيفه ملائكة حتى خاف منهم وقد أتوه بالبشرى، فلا ينبغي لأحد أن يحتقر أحداً إلا بما أذن الله فيه. ولما وضع الطعام بين أيديهم لم يلموا به ﴿فلما رأى أيديهم﴾ أي الرسل عقب الوضع سواء ﴿لا تصل إليه﴾ أي إلى العجل الذي وضعه ليأكلوه ﴿نكِرهم﴾ أي اشتدت نكارته لهم وانفعل لذلك، وهذا يدل على ما قال بعض العلماء: إن نكر أبلغ من أنكر ﴿وأوجس﴾ أي أضمر مخفياً في قلبه ﴿منهم خيفة﴾ أي عظيمة لما رأى من أحوالهم وشاهد من جلالهم، وأصل الوجوس: الدخول، والدليل - على أن خوفه كان لعلمه بالتوسم أنهم ملائكة نزلوا لأمر يكرهه من تعذيب من يعز عليه أو نحو هذا - أنهم ﴿قالوا لا تخف﴾ ثم عللوا ذلك بقولهم ﴿إنآ أرسلنآ﴾ أي ممن لا يرد أمره ﴿إلى قوم لوط﴾ فإنهم نفوا الخوف عنه بالإعلام بمن أرسلوا إليه، لا بكونهم ملائكة، قالوا ذلك وبشروه بالولد ﴿وامرأته﴾ أي جاءته الرسل بالبشرى أي ذكروها له والحال أن زوجة إبراهيم التي هي كاملة المروءة وهي سارة ﴿قآئمة﴾ قيل: على باب الخيمة لأجل ما لعلها

стр. 4411

تفوز به من المعاونة على خدمتهم، فسمعت البشارة بالولد التي دل عليها فيما مضى قوله ﴿بالبشرى﴾ ﴿فضحكت﴾ أي تعجبت من تلك البشرى لزوجها مع كبره، وربما طنته من غيرها لأنها - مع أنها كانت عقيماً - عجوز، فهو من إطلاق المسبب على السبب إشارة إلى أنه تعجب عظيم ﴿فبشرناها﴾ أي فتسبب عن تعجبها أنا أعدنا لها البشرى مشافهة بلسان الملائكة تشريفاً لها وتحقيقاً أنه منها ﴿بإسحاق﴾ تلده ﴿ومن وراء إسحاق يعقوب﴾ أي يكون يعقوب ابناً لإسحاق، والذي يدل على ما قدّرته - من أنهم بشروه بالولد قبل امرأته فسمعت فعجبت - ما يأتي عن نص التوراة، والحكم العدل على ذلك كله قوله تعالى في الذاريات ﴿قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها﴾ [الذاريات: ٢٨-٢٩]- الآية. ولما شافهوها بذلك، صرحت بوجه العجب من أنه جامع بين عجبين في كونه منه ومنها بأن ﴿قالت يا ويلتي﴾ وهي كلمة تؤذن بأمر فظيع تخف على أفواه النساء ويستعملنها إلى اليوم، لكنهن غيرن في لفظها كما غير كثير من الكلام؛ والويل: حلول الشر؛ والألف في آخره بدل عن ياء الإضافة، كنى بها هنا عن العجب الشديد لما فيه من الشهرة ومراجمة الظنون؛ وقال الرماني: إن

стр. 4412

معناها الإيذان بورود الأمر الفظيع كما تقول العرب: يا للدواهي! أي تعالين فإنه من أحيانك فحضور ما حضر من أشكالك. ولما كان ما بشرت به منكراً في نفسه بحسب العادة قالت: ﴿ءَألد وأنا﴾ أي والحال أني ﴿عجوز وهذا﴾ أي من هو حاضري ﴿بعلي شيخاً﴾ ثم ترجمت ذلك بما هو نتيجته فقالت مؤكدة لأنه - لما له من خرق العوائد - في حيز المنكر عند الناس: ﴿إن هذا﴾ أي الأمر المبشر به ﴿لشيء عجيب﴾ فكأنه قيل: فماذا قيل لها؟ فقيل: ﴿قالوا﴾ أي الملائكة متعجبين من تعجبها ﴿أتعجبين من أمر الله﴾ أي الذي له الكمال كله، وهو لا ينبغي لك لأنك معتادة من الله بما ليس لغيركم من الخوارق، والعجب إنما يكون مما خرج عن أشكاله وخفي سببه، وأنت - لثبات علمك بالسبب الذي هو قدرة الله على كل شيء وحضوره لديك مع اصطفاء الله لكم وتكرر خرقه للعوائد في شؤونكم - لست كغيرك ممن ليس كذلك؛ ثم عللوا إنكارهم لتعجبها بقولهم: ﴿رحمت الله﴾ أي كرامة الذي له الإحاطة بصفات الجلال والإكرام ﴿وبركاته﴾ أي خيراته النامية الثابتة ﴿عليكم﴾ وبينوا خصوصيتهم بإسقاط أداة النداء مدحة لهم فقال: ﴿أهل البيت﴾ قد تمرنتم على مشاهدة العجائب لكثرة ما ترون من آثاره بمثل ذلك

стр. 4413

وغيره؛ ثم علل إحسانه إليهم مؤكداً تثبيتاً لأصل الكلام الذي أنكرته فقال: ﴿إنه﴾ أي بخصوص هذا الإحسان ﴿حميد مجيد﴾ أي كثير التعرف إلى من يشاء من جلائل التعمم وعظيم المقدور بما يعرف أنه مستحق الحمد على المجد، وهو الكرم الذي ينشأ عنه الجود، فلما سمعوا ذلك واطمأنوا، أخذ في قص ما كان بعده، فقال مشيراً بالفاء إلى قلة زمن الإنكار الذي هو سبب الفزع: ﴿فلما ذهب﴾ بانكشاف الأمر ﴿عن إبراهيم الروعُ﴾ أي الخوف والفزع الشديد ﴿وجآءته البشرى﴾ فامتلأ سروراً ﴿يجادلنا﴾ أي أخذ يفعل معنا بمجادلة رسلنا فعل المجادل الذي يكثر كلامه إرادة الفتل مخاطبه عما يقوله ﴿في قوم لوط﴾ أي يسألنا في نجاتهم سؤالاً يحرص فيه حرص المجادل في صرف الشيء، من الجدل وهو الفتل، ووضع المضارع موضع الماضي إشارة إلى تكرر المجادلة مع تصوير الحال، أي جادلنا فيهم جدالاً كثيراً؛ ثم علل مجادلته بقوله: ﴿إن إبراهيم لحليم﴾ أي بليغ الحلم، وهو إمهال صاحب الذنب على ما يقتضيه العقل ﴿أواه﴾ أي رجاع للتأوه خوفاً من التقصير ﴿منيب﴾ أي رجاع إلى الله بالسبق في ارتقاء درج القرب، فهو - لما عنده هذه المحاسن - لا يزال يتوقع الإقلاع من العصاة. ولما كان أكثر المجادلة لما عنده من الشفقة على عباد الله لما له

стр. 4414

من هذه الصفات الجليلة، أعلمه الله أن الأمر قد ختم بقوله حكاية أن الرسل قالت له بعد طول المجادلة منادين بالأداة التي هي أم الباب إعلاماً بأن ما بعدها عظيم الشأن عالي المنزلة: ﴿يا إبراهيم أعرض﴾ أي بكليتك ﴿عن هذا﴾ أي السؤال في نجاتهم؛ ثم علل ذلك بقوله مؤكداً لأنه بمجادلته في حيز من ينكر بتّ الأمر: ﴿إنه قد﴾ افتتحه بحرف التوقع لأنه موضعه ﴿جآء أمر ربك﴾ أي الذي عودك بإحسانه الجم، فلولا أنه حتم الأمر بعذابهم لأمهلهم لأجلك، ولذا عطف على العلة قوله مؤكداً إعلاماً بأنه أمر قد انبرم ومضى: ﴿وإنهم آتيهم﴾ أي إتياناً ثابتاً ﴿عذاب غير مردود﴾ أي بوجه من الوجوه من أحد كائناً من كان؛ الإعراض: الانصراف، وحقيقته الذهاب عن الشيء في جهة العرض؛ والرد: إذهاب الشيء إلى ما جاء منه كالرجع؛ والدفع أعم لأنه قد يكون إلى جهة القدام؛ فلما علم مراد الله فيهم، قدمه على مراده ولم ينطق بعده ببنت شفة. ذكر هذه القصة من التوراة: قال في السفر الأول: واستعلن الله لإبراهيم في مرج - وفي نسخة: بين بلوط ممرى الأموراني - وكان جالساً على باب خيمته إذ اشتد النهار، فرفع عينيه فنظر فإذا هو بثلاثة رجال وقوف على رأسه، فلما رآهم أحضر إليهم من باب الخيمة

стр. 4415

وسجد على الأرضِ وقال: يا رب - وفي نسخة: يا ولي الله - إن كان لي عندك مودة فلا تبعد عن عبدك حتى آتي بما أغسل به أرجلكم، واتكئوا تحت الشجرة وأصيبوا شيئاً من الطعام تقرون به أنفسكم، ثم حينئذٍ تجوزون لأنكم مررتم بعبدكم بغتة فقالوا له: اصنع كما قلت، فاستعجل إبراهيم فأحضر إلى الخيمة إلى سارة وقال: عجلي بثلاثة آصع من درمك - وفي نسخة: دقيق سميد - فاعجنيه واخبزي منه مليلاً، وسعى إلى قطيع البقر فأخذ عجلاً سميناً شاباً فدفعه إل الغلام وأمر بتعجيل صنعته وأخذ سمناً ولبناً والعجل الذي صنع له أيضاً فقربه إليهم، وكان هو واقفاً بين أيديهم تحت الشجرة وقالوا له: أين سارة امرأتك؟ فقال: في الخيمة، فقال له: إني أرجع إليك في مثل هذا الحين من قابل وهي في الحياة ولها منك ابن، فسمعت سارة وهي على باب الخيمة مستترة وكان هو خلفها، وكان إبراهيم وسارة قد شاخا وقدم سنهما وانقطع عن سارة سبيل النساء، فضحكت سارة في قلبها وقالت: أمن بعد ما بليت أرجع شابة وسيدي قد شاخ؟ فقال الله لإبراهيم: لم ضحكت سارة وقالت: أني لي بالولد وقد شخت؟ أيعسر هذا على الله؟ إني أرجع إليك في مثل هذا الحين من قابل وهي حية ولها ابن، فجحدت سارة وقالت: كلا ما ضحكت، لأنها فزعت، فقال: كلا! ولكنك قد ضحكت، ثم قام
следующие страницы →