← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.

стр. 5461

إلى الخير مرة إثر مرة بعد جماع أنفسهم عنه ﴿غفوراً *﴾ أي بالغ الستر، تنبيهاً لمن وقع منه تقصير، فرجع عنه على أنه مغفور.

стр. 5462

ولما حث على الإحسان إليهما بالخصوص، عم بالأمر به لكل ذي رحم وغيره، فقال تعالى: ﴿وءات ذا القربى﴾ من جهة الأب أو الأم وإن بعد ﴿حقه و﴾ آت ﴿المسكين﴾ وإن لم يكن قريباً ﴿وابن السبيل﴾ وهو المسافر المنقطع عن ماله لتكون متقياً محسناً. ولما رغب في البذل، وكانت النفس قلما يكون فعلها قواماً بين الإفراط والتفريط، أتبع ذلك قوله تعالى: ﴿ولا تبذر﴾ بتفريق المال سرفاً، وهو بذله فيما لا ينبغي، وفي قوله ﴿تبذيراً *﴾ تنبيه على أن الارتقاء نحو ساحة التبذير أولى من الهبوط إلى مضيق الشح والتقتير؛ والتبذير: بسط اليد في المال على حسب الهوى جزافاً، وأما الجود فبمقدار معلوم، لأنه اتباع أمر الله في الحقوق المالية، ومنها معلوم بحسب القدر، ومنها معلوم بحسب الوصف كمعاضدة أهل الملة وشكر أهل الإحسان إليك ونحو ذلك، وقد سئل ابن مسعود ﵁ عن التبذير فقال: إنفاق المال من غير حقه، وعن مجاهد ﵁: لو أنفق الإنسان ماله كله في الحق ما كان تبذيراً، ولو أنفق مداً في باطل كان تبذيراً. ثم علل ذلك بقوله:

стр. 5463

﴿إن المبذرين﴾ أي جبلة وطبعاً ﴿كانوا﴾ أي كوناً هم راسخون فيه ﴿إخوان الشياطين﴾ أي كلهم، البعيدين من الرحمة، المحترقين في اللعنة، فإن فعلهم فعل النار التي هي أغلب أجزائهم، وهو إحراق ما وصلت إليه لنفع وغير نفع، فإذا لم يجدوا أخذوا ما ليس لهم، والعرب تقول لكل ملازم سنة قوم وتابع أمرهم: هو أخوهم. ولما كان الاقتصاد أدعى إلى الشكر، والتبذير أقود إلى الكفر، قال تعالى: ﴿وكان الشيطان﴾ أي هذا الجنس البعيد من كل خير، المحترق من كل شر ﴿لربه﴾ أي الذي أحسن إليه بإيجاده وتربيته ﴿كفوراً *﴾ أي ستوراً لما يقدر على ستره من آياته الظاهرة، ونعمه الباهرة، مع الحجة. ولما أمر بما هو الأولى في حالة الوجدان، أمر بمثل ذلك حالة العدم، فقال مؤكداً تنبيهاً على أنه ينبغي أن يكون الإعراض عنهم في حيز الاستبعاد والاستنكار: ﴿وإما تعرضن عنهم﴾ أي عن جميع من تقدم ممن أمرت بالبذل له، لأمر اضطرك إلى ذلك لا بد لك منه، لكونك لا تجد ما تعطيه، فأعرضت حياء لا لإرادة المنع، بل ﴿ابتغاء﴾ أي طلب ﴿رحمة﴾ أي إكرام وسعة ﴿من ربك﴾ الكثير الإحسان ﴿ترجوها﴾ فإذا أتتك واسيتهم فيها ﴿فقل لهم﴾ في حالة الإعراض ﴿قولاً ميسوراً *﴾ أي ذا يسر يشرح صدورهم، ويبسط رجاءهم، لأن ذلك أقرب إلى طريق المتقين المحسنين الذين أنا

стр. 5464

معهم؛ قال أبو حيان: وروي أنه ﵊ كان بعد نزول هذه الآية إذا لم يكن عنده ما يعطي وسئل قال: يرزقنا الله وإياكم من فضله - انتهى. وقد وضع هنا الابتغاء موضع الفقر لأنه سببه، فوضع المسبب موضع السبب. ولما أمر بالجود الذي هو لازم الكرم، نهى عن البخل الذي هو لازم اللوم، في سياق ينفر منه ومن الإسراف، فقال ممثلاً بادئاً بمثال الشح: ﴿ولا تجعل يدك﴾ بالبخل ﴿مغلولة﴾ أي كأنها بالمنع مشدودة بالغل ﴿إلى عنقك﴾ لا تستطيع مدها ﴿ولا تبسطها﴾ بالبذل ﴿كل البسط﴾ فتبذر ﴿فتقعد﴾ أي توجد كالمقعد، بالقبض ﴿ملوماً﴾ أي بليغ الرسوخ فيما تلام بسببه عند الله، لأن ذلك مما نهى عنه، وعند الناس، وبالبسط ﴿محسوراً *﴾ منقطعاً بك لذهاب ما تقوى به وانحساره عنك، وكل من الحالتين مجاوز لحد الاعتدال.

стр. 5465

ولما كان سبب البخل خوف الفقر، وسبب البسط محبة إغناء المعطي، قال مسلياً لرسوله ﷺ عما كان يرهقه من الإضافة عن التوسعة على من يسأله بأن ذلك إنما هو لتربية العباد بما يصلحهم، لا لهوان بالمضيق عليه، ولا لإكرام للمسوع عليه: ﴿إن ربك﴾

стр. 5466

أي المحسن إليك ﴿يبسط الرزق لمن يشاء﴾ البسط له دون غيره ﴿ويقدر﴾ أي يضيق كذلك سواء قبض يده أو بسطها ﴿ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض﴾ [الشورى: ٢٧] ولكنه تعالى لا يبلغ بالمبسوط له غاية مراده، ولا بالمقبوض عنه أقصى مكروهه، فاستنوا في إنفاقكم على عباده بسنته في الاقتصاد ﴿إنه كان﴾ أي كوناً هو في غاية المكنة ﴿بعباده خبيراً﴾ أي بالغ الخبر ﴿بصيراً *﴾ أي بالغ البصر بما يكون من كل القبض والبسط لهم مصلحة أو مفسدة. ولما أتم سبحانه ما أراد من الوصية بالأصول وما تبع ذلك، وختمه بما قرر من أن قبض الرزق وبسطه منه من غير أن ينفع في ذلك حيلة، أوصاهم بالفروع، لكونهم في غاية الضعف وكانوا يقتلون بناتهم خوف الفقر، وكان اسم البنت قد صار عندهم لطول ما استهجنوه موجباً للقسوة، فقال في النهي عن ذلك مواجهاً لهم، إعلاماً ببعده صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن هذا الخلق قبل الإسلام وبعده: ﴿ولا تقتلوا أولادكم﴾ معبراً بلفظ الولد هو داعية إلى الحنو والعطف ﴿خشية إملاق﴾ أي فقر متوقع لم يقع بعد؛ ثم وصل بذلك استئنافاً قوله: ﴿نحن نرزقهم وإياكم﴾ مقدماً ضمير الأولاد لكون الإملاق مترقباً من الإنفاق عليهم غير حاصل في حال القتل، بخلاف

стр. 5467

آية الأنعام فإن سياقها يدل على أن الإملاق حاصل عند القتل، والقتل للعجز عن الإنفاق، ثم علل ذلك بما هو أعم منه فقال تعالى: ﴿إن قتلهم﴾ أي مطلقاً لهذا أو غيره ﴿كان خطأً﴾ أي إثماً ﴿كبيراً *﴾ قال الرماني: والخطأ - أي بكسر ثم سكون - لا يكون إلا تعمداً إلى خلاف الصواب، والخطأ - أي محركاً - قد يكون من غير تعمد. ولما كان في قتل الأولاد حظ من البخل، وفي فعل الزنا داعٍ من الإسراف، أتبعه به فقال تعالى: ﴿ولا تقربوا﴾ أي أدنى قرب بفعل شيء من مقدماته ولو بإخطاره بالخاطر ﴿الزنى﴾ مع أن السبب الغالب في فعل النساء له الحاجة وطلب التزيد، وفيه معنى قتل الولد بتضييع نسبه، وفيه تسبب في إيجاد نفس الباطل، كما أن القتل تسبب في إعدامها بالباطل، وعبر بالقربان تعظيماً له لما فيه من المفاسد الجارّة إلى الفتن بالقتل وغيره؛ ثم علله بقوله مؤكداً إبلاغاً في التنفير عنه لما للنفس من شدة الداعية إليه: ﴿إنه كان﴾ أي كوناً لا ينفك عنه ﴿فاحشة﴾ أي زائدة القبح، وقد نهاكم عن الفحشاء في آية العدل والإحسان ﴿وساء﴾ الزنا ﴿سبيلاً *﴾ أي ما أسوأه من طريق!

стр. 5468

والتعبير عنه بالسبيل يدل على كثرة متعاطيه بالدلالة على سعة منهجه. ولما أتم النهي عن هذين الأمرين المتحدين في وصف الفحش وفي السبب على تقدير، وفي إهلاك الولد بالقتل وما في معناه، أتبعهما مطلق القتل الذي من أسبابه تحصيل المال فقال تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس﴾ أي بسبب ما جعل خالقها لها من النفاسة ﴿التي حرم الله﴾ أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله بالإسلام أو العهد ﴿إلا بالحق﴾ أي بأمر يحل الله به تلك الحرمة التي كانت، فصارت الأسباب المنهي عنها بتحريم مسبباتها منع الموجود بخلاً ثم بذله إسرافاً ثم تحصيل المفقود بغياً؛ ثم عطف على ما أفهم السياق تقديره وهو: فمن قتل نفساً بغير حق فقد عصى الله ورسوله ﴿ومن قتل﴾ أي وقع قتله من أيّ قاتل كان ﴿مظلوماً﴾ أي بأيّ ظلم كان، من غير أن يرتكب إحدى ثلاث: الكفر، والزنا بعد الإحصان، وقتل المؤمن عمداً، عدواناً ﴿فقد جعلنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿لوليه﴾ أي سواء كان قريباً أو سلطاناً ﴿سلطاناً﴾ أي أمراً متسلطاً ﴿فلا يسرف﴾ الولي، أو فلا تسرف أيها الولي ﴿في القتل﴾ بقتل غير القاتل، ولا يزد على حقه بوجه ﴿إنه﴾ أي القتيل ﴿كان منصوراً *﴾

стр. 5469

في الدنيا بما جبل الله في الطباع من فحش القتل، وكراهة كل أحد له، وبغض القاتل والنفرة منه، والأخذ على يده، وفي الآخرة بأخذ حقه منه من غير ظلم ولا غفلة، فمن وثق بذلك ترك الإسراف، فإنه لخوف الفوت أو للتخويف من العود.

стр. 5470

ولما نهى عن الإغارة على الأرواح والأبضاع التي هي سببها، أتبعه النهي عن نهب ما هو عديلها، لأن به قوامها، وهو الأموال، وبدأ بأحق ذلك بالنهي لشدة الطمع فيه لضعف مالكه فقال تعالى: ﴿ولا تقربوا﴾ أي فضلاً عن أن تأكلوا ﴿مال اليتيم﴾ فعبر بالقربان الذي هو قبل الأخذ تعظيماً للمقام ﴿إلا بالتي هي أحسن﴾ من طرائق القربان، وهو التصرف فيه بالغبطة تثميراً لليتيم ﴿حتى يبلغ﴾ اليتيم ﴿أشده﴾ وهو إيناس الرشد منه بعد بلوغه. ولما كانت الوصية نوعاً من أنواع العهد، أمر بوفاء ما هو أعم منها فقال تعالى: ﴿وأوفوا﴾ أي أوقعوا هذا الجنس في الزمان والمكان، وكل ما يتوقف عليه الأمر المعاهد عليه ويتعلق به ﴿بالعهد﴾

стр. 5471

أي بسببه ليتحقق الوفاء به ولا يحصل فيه نقص ما، وهو العقد الذي يقدم للتوثق. ولما كان العلم بالنكث والوفاء متحققاً، كان العهد نفسه كأنه هو المسؤول عن ذلك، فيكون رقيباً على الفاعل به، فقال تعالى مرهباً من المخالفة: ﴿إن العهد كان﴾ أي كوناً مؤكداً عنه ﴿مسؤولاً *﴾ أي عن كل من عاهد هل وفى به؟ أو مسؤولاً عنه من كل من يتأتى منه السؤال. ولما كان التقدير بالكيل أو الوزن من جملة الأمانات الخفية كالتصرف لليتيم، وكان الائتمان عليه كالمعهود فيه، أتبعه قوله: ﴿وأوفوا الكيل﴾ أي نفسه فإنه أمر محسوس لا يقع فيه إلباس واشتباه؛ ولما كان صالحاً لمن أعطى ومن أخذ، قال: ﴿إذا كلتم﴾ أي لغيركم، فإن اكتلتم لأنفسكم فلا جناح عليكم إن نقصتم عن حقكم ولم توفوا الكيل ﴿وزنوا﴾ أي وزناً متلبساً ﴿بالقسطاس﴾ أي ميزان العدل الذي هو أقوم الموازين، وزاد في تأكيد معناه فقال تعالى: ﴿المستقيم﴾ دون شيء من الحيف على ما مضى في الكيل سواء ﴿ذلك﴾

стр. 5472

أي الأمر العالي الرتبة الذي أمرناكم به ﴿خير﴾ لكم في الدنيا والآخرة وإن تراءى لكم أن غيره خير ﴿وأحسن تأويلاً *﴾ أي عاقبة في الدارين، وهو تفعيل من الأول وهو الرجوع، وأفعل التفضيل هنا لاستعمال النصفة لإرخاء العنان، أي على تقدير أن يكون في كل منهما خير، فهذا الذي أزيد خيراً والعاقل لا ينبغي أن يرضى لنفسه بالدون. ولما كان ذلك مما تشهد القلوب بحسنه، وأضداده مما تتحقق النفوس قبحه، لأن الله تعالى جبل الإنسان على ذلك كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «البر ما سكن إليه القلب واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك المفتون وأفتوك» وقال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت» وكان قد جمع الضمائر سبحانه، تلاه سبحانه بما يعمه وغيره فقال تعالى مفرداً الضمير ليصوب النهي إلى كل من الجمع

стр. 5473

والإفراد في حالتي الاجتماع والانفراد على حد سواء: ﴿ولا﴾ أي افعلوا ما أمرتم به من ذلك، وانتهوا عما نهيتم عنه منه، لما تقرر في الجبلات من العلم الضروري بخيريته وحسنه، ولا ﴿تقف﴾ أي تتبع أيها الإنسان مجتهداً بتتبع الآثار ﴿ما ليس لك به علم﴾ من ذلك وغيره، كل شيء بحسبه، لا سيما البهت والقذف، فما كان المطلوب فيه القطع لم يقنع فيه بدونه، وما اكتفى فيه بالظن وقف عنده؛ ثم علل ذلك مخوفاً بقوله: ﴿إن السمع والبصر﴾ وهما طريقا الإدراك ﴿والفؤاد﴾ الذي هو آلة الإدراك؛ ثم هوّل الأمر بقوله تعالى: ﴿كل أولئك﴾ أي هذه الأشياء العظيمة، العالية المنافع، البديعة التكوين، وأولاء وجميع أسماء الإشارة يشار بها للعاقل وغيره كقوله: ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام ﴿كان﴾ أي بوعد لا خلف فيه ﴿عنه﴾ أي وحده ﴿مسؤولاً *﴾ بسؤال يخصه، هل استعمله صاحبه في طلب العلم مجتهداً في ذلك، ليعمل عند الوقوف على الحقائق بما يرضي الله، ويجتنب ما يسخطه أو لا؟ وأول حديث النفس السابح ثم الخاطر ثم الإرادة والعزيمة، فيؤاخذ بالإرادة والعزيمة لدخولهما تحت الاختيار فيتعلق بهما التكليف،

стр. 5474

ولعدم دخول الأولين خفف عنا بعدم المؤاخذة بهما، كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسهم ما لم تعمل به أو تكلم» .

стр. 5475

ولما كان الكبر والأنفة أعظم موقف عن العلم الداعي إلى كل خير، ومرض بمرض الجهل الحامل على كل شر، قال تعالى: ﴿ولا تمش﴾ أي مشياً ما، وحقق المعنى بقوله تعالى: ﴿في الأرض﴾ أي جنسها ﴿مرحاً﴾ وهو شدة الفرح التي يلزمها الخيلاء، لأن ذلك من رعونات النفس بطيش الهوى وداعي الشهوة وما طبعت عليه من النقائص، فإنه لا يحسن إلا بعد بلوغ جميع الآمال التي تؤخذ بالجد ولن يكون ذلك لمخلوق، ولذلك علله بقوله تعالى: ﴿إنك لن تخرق﴾ أي ولو بأدنى الوجوه ﴿الأرض﴾ أي تقطعها سيراً من مكانك إلى طرفها ﴿ولن تبلغ﴾ أي بوجه من الوجوه ﴿الجبال طولاً *﴾ أي طول الجبال كلها بالسير فيها، فإذا كنت تعجز في قدرتك وعلمك عن خط مستقيم من عرض الأرض

стр. 5476

مع الجد والاجتهاد وعن التطاول على أوتادها فبماذا تفخر؟ وبأيّ شيء تتكبر حتى تتبختر؟ وذلك من فعل من بلغ جميع ما أمل؛ ثم عظم جميع ما مضى من المنهيات وأضداد المأمورات بقوله تعالى: ﴿كل ذلك﴾ أي الأمر البعيد من المكارم ﴿كان﴾ أي كوناً غير مزايل. ولما كانت السيئة قد صارت في حكم الأسماء كالإثم والذنب وزال عنها حكم الصفات، حملها على المذكر ووصفها به فقال تعالى: ﴿سيئه﴾ وزاد بشاعته بقوله تعالى: ﴿عند ربك﴾ أي المحسن إليك إحساناً لا ينبغي أن يقابل عليه إلا بالشكر ﴿مكروهاً *﴾ أي يعامله معاملة المكروه من النهي عنه والذم لفاعله والعقاب، والعاقل لا يفعل ما يكرهه المحسن إليه حياء منه، فإن لم يكن فخوفاً من قطع إحسانه، وخضوعاً لعز سلطانه، ويجوز أن يكون المراد بهذا الإفراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إشارة إلى أنه لا يقدر أحد غيره على امتثال هذا المعنى على ما ينبغي، لأنه لا يعلم أحد العلم على ما هو عليه سواء، ولأن الرأس إذا خوطب بشيء

стр. 5477

كان الأتباع له أقبل وبه أعنى. ولما تمت هذه الأوامر والزواجر على هذا الوجه الأحكم والنظام الأقوم، أشار إلى عظيم شأنه ومحكم إتقانه بقوله على طريق الاستئناف، تنبيهاً للسامع على أن يسأل عنه: ﴿ذلك﴾ أي الأمر العالي جداً ﴿مما أوحى﴾ أي بعث في خفية ﴿إليك ربك﴾ أي المحسن إليك ﴿من الحكمة﴾ التي لا يستطاع نقضها ولا الإتيان بمثلها من الدعاء إلى الخير والنهي عن الشر، ومن حكمة هذه الأشياء المشار إليها من الأوامر والنواهي أنها لم تقبل النسخ في شريعة من الشرائع، بل كانت هكذا في كل ملة. ولما بين أن الجهل سبب لكل سوء، وكان الشرك أعظم جهل، أتبعه - ليكون النهي عنه بدءاً وختاماً، دلالة على فرط شناعته عطفاً على ما مضى من النواهي - قوله تعالى: ﴿ولا تجعل﴾ أو يقدر له ما يعطف عليه نحو: فالزمه ولا تجعل ﴿مع الله﴾ أي الملك الأعظم الذي له الأمر كله ﴿إلهاً﴾ . ولما كانوا لتعنتهم ربما جعلوا تعداد الأسماء تعداداً للمسميات كما ورد في سبب نزول ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن﴾ قال تعالى مع إفهام المعية للغيرية: ﴿ءاخر﴾ فإن ذلك أعظم الجهل الذي نهى

стр. 5478

عن قفوه ﴿فتلقى﴾ أي فيفعل بك في الآخرة في الحبس ﴿في جهنم﴾ من الإسراع فيه وعدم القدرة على التدارك فعل من ألقى من عالٍ، حال كونك ﴿ملوماً﴾ أي معنفاً على ما فعلت بعد الذم ﴿مدحوراً *﴾ أي مطروداً بعد الخذلان، فهذان الوصفان أشنع من وصفي الذم والخذلان في الآية الأولى كما هي سنته تعالى أن يبدأ بالأخف تسليكاً لعباده، وإنما كان الشرك أجهل الجهل لأن من الواضح أن الإله لا يكون إلا واحداً بالذات فلا ينقسم، وبالاعتبار فلا يجانس؛ وعن ابن عباس ﵄ أن هذه الثماني عشرة آية كانت في ألواح موسى ﵇ أولها ﴿لا تجعل مع الله إلهاً ءاخر﴾ وهي عشر آيات في التوراة، جعل فاتحتها وخاتمتها النهي عن الشرك، لأن التوحيد رأس كل حكمة وملاكها، ومن عدمه لم تنفعه حكمه وعلومه وإن بذ فيها الحكماء، وحك بيافوخه السماء، ما أغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم، وهم عن دين الله أضل من النعم. ولما كان ادعاءهم أن الملائكة بنات الله ادعاء لأن له مناسباً ومجانساً في أخص الصفات وهي الإلهية، وكانت عبادتهم لهم تحقيقاً لذلك، وكان ذلك أزيد من مجرد الشرك في الجهل، ساقه مساق التقريع والتوبيخ تنبيهاً على ظهور فساده متصلاً بما مضى من النهي عن الشرك

стр. 5479

بالعطف بفاء السبب على ﴿ما﴾ بعد الاستئناف بهمزة الإنكار، فكان كأنه قيل: لا تفعل ذلك كما فعل هؤلاء الذين أفرطوا في الجهل فنسبوا إليه من خلقه أدنى الجزءين كما تقدم في النحل في قوله تعالى ﴿ويجعلون لله البنات﴾ [النحل: ٥٤] ثم عبدوا ذلك الجزء وهم لا يرضونه لأنفسهم؛ ثم التفت إليهم مخاطباً بما دل على تناهي الغضب فقال: ﴿أفأصفاكم ربكم﴾ أي أخلق المحسن إليكم بنين وبنات فأصفاكم إحساناً إليكم وأنتم تكفرون به ﴿بالبنين﴾ الذين هم أفضل صنفي الأولاد، ﴿و﴾ لم يحسن إلى نفسه بأن شارككم في البنين، بل ﴿اتخذ﴾ عبر بالافتعال لأن من عدل إلى أحد الصنفين مع التمكن من الآخر لا يكون إلا شديد الرغبة فيما عدل إليه ﴿من الملائكة﴾ الذين هم أقرب عباده أولاداً، ثم ما كفاه نقص الولدية ومعالجة أسبابها حتى جعل ما اتخذه ﴿إناثاً﴾ فرضي لنفسه - وهو إلهكم الخالق الرازق - با لا ترضونه لأنفسكم، ووصلتم في كراهته في بعض الحالات إلى القتل، فصار مشاركاً لكم في البنات مخصصاً لكم دونه بالبنين، وذلك خلاف

стр. 5480

عادتكم، فإنه العبيد لا يؤثرون بالأجود ويكون الأدون للسادات، وعبر أولاً بالبنين دون الذكور لأن اسم الابن ألذ في السمع، مرض لمن بشر به من غير نظر في العاقبة، وقد يكون أنثى الأفعال، ولأن اسم الذكر مشترك المعنى، وعبر في الثاني بالإناث لإفهام الرخاوة بمدلول اللفظ، ولأنهن بنات بالمعادلة، ويمكن أن تنزل الآية على الاحتباك، فيكون التقدير: بالبنين ورضي لنفسه بالبنات، وخصكم في نوعكم الذي هو أضعف ما يكون بالذكور، واتخذ من الملائكة الذين منهم من يقدر على حمل الأرض وقلب أسفلها على أعلاها إناثاً في غاية الرخاوة، ولذلك استأنف الإنكار عليهم معظماً لذلك بقوله تعالى: ﴿إنكم لتقولون﴾ وأكده لما لهم من التهاون له والاجتراء عليه بقوله تعالى: ﴿قولاً﴾ وزاد في ذلك بقوله: ﴿عظيماً *﴾ أي في الجهل والإفك، عليه وعلى ملائكة الذين لا يعصونه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فتضيفون إليه الأولاد وهم من خصائص الأجسام ثم تفضلون أنفسكم عليه

стр. 5481

فتجعلون له ما تكرهون.

стр. 5482

ولما كان في هذا من البيان ما لا يخفى على الإنسان ولم يرجعوا، أشار إلى أن لهم أمثال هذا الإعراض عن أمثال هذا البيان فقال تعالى: ﴿ولقد صرفنا﴾ أي طرقنا تطريقاً عظيماً بأنواع طرق البيان من العبر والحكم، والأمثال والأحكام، والحجج والأعلام، في قوالب الوعد والوعيد، والأمر والنهي، والمحكم والمتشابه - إلى غير ذلك ﴿في هذا القرءان﴾ من هذه الطرق ما لا غبار عليه، ونوعناه من جهة إلى جهة، ومن مثال إلى مثال؛ والتصريف لغة: صرف الشيء من جهة إلى أخرى، ثم صار كناية عن التبيين - قاله أبو حيان. ولما كان ذلك مركوزاً في الطباع، وله في العقول أمثال تبرز عرائسها من خدورها بأدنى التفات من النفس، سمي الوعظ بها تذكيراً بما هو معلوم فقال تعالى: ﴿ليذكروا﴾ أي نوعاً من التذكير - بما أشار إليه الإدغام، فإنه سبحانه كريم يرضى باليسير - هذا في قراءة الجماعة، وقرأ حمزة والكسائي بإسكان الذال وضم الكاف إشارة إلى أن جميع ما في القرآن لا يخرج شيء منه عن العقل، بل هو مركوز في الطباع، وله شواهد في الأنفس والآفاق، يستحضرها الإنسان بأدنى إشارة وأيسر تنبيه، إذا أزيل عنها ما سترها عن العقل من الحظوظ

стр. 5483

والشواغل، وأتبعه قوله تعالى معجباً منهم: ﴿وما يزيدهم﴾ التصريف ﴿إلا نفوراً *﴾ عن السماع فضلاً عن التذكير، لاعتقادهم أن ذلك ليس ببراهين، بل هو شبه وخيل إلى صرفهم عما هم فيه مما ألفوه وتلقوه عن آبائهم وتمادت عليهم الدهور في اعتقاد كونه حقاً، فكأنه قيل: فما يفعل بهم؟ فقال تعالى: ﴿قل﴾ لهم ولا تيأس من رجوع بعضهم: ﴿لو كان معه﴾ أي ربكم الذي تقدم وصفه بالإحسان والتنزيه ﴿ءالهة كما يقولون﴾ من هذه الأقوال التي لو قالها أعظمكم في حق أدناكم وهو يريد بها حقيقتها لصار ضحكة للعباد ﴿إذاً لابتغوا﴾ أي طلبوا طلباً عظيماً ﴿إلى ذي العرش﴾ أي صاحب السرير الأعظم المحيط الذي من ناله كان منفرداً بالتدبير ﴿سبيلاً *﴾ أي طريقاً سالكاً يتوصلون به إليه ليقهروه ويزيلوا ملكه كما ترون من فعل ملوك الدنيا بعضهم مع بعض، أو ليتخذوا عنده يداً تقربهم إليه، وصرح بالعرش تصويراً لعظمته وتعييناً للمبتغي والمبتغى؛ ثم نزه نفسه تعظيماً عن ذلك وعن كل نقص فقال تعالى: ﴿سبحانه﴾ أي تنزه التنزه الأعظم عن كل شائبة نقص ﴿وتعالى﴾ أي علا

стр. 5484

أعظم العلو بصفات الكمال ﴿عما يقولون﴾ من هذه النقائض التي لا يرضاها لنفسه أحد من عقلاء خلقه فضلاً عن رئيس من رؤسائكم، فكيف بالعلي الأعلى! وأتى بالمصدر المجرد في قوله تعالى: ﴿علواً﴾ إيذاناً بأن الفعل مجرد في الحقيقة وإن أتى به على صيغة التفاعل إيذاناً بالمبالغة ﴿كبيراً *﴾ لا تحتمل عقولكم الوقوف على حقيقته ولا تدركون منه أكثر من مفهوم هذا الوصف عندكم بحسب ما تتعارفونه: والأمر أعظم من مقالة قائل ... إن رقق البلغاء أو إن فخموا ثم استأنف بيان عظمة هذا التنزيه مقروناً بالوصف بالكمال فقال تعالى: ﴿تسبح﴾ أي توقع التنزيه الأعظم ﴿له﴾ أي الإله الأعظم الذي تقدم وصفه بالجلال والإكرام خاصة ﴿السماوات السبع﴾ كلها ﴿والأرض﴾ أيضاً ﴿ومن فيهن﴾ من ذوي العقول ﴿وإن﴾ أي وما، وأعرق في النفي فقال تعالى: ﴿من شيء﴾ أي ذي عقل وغيره ﴿إلا يسبح﴾ أي ينزه له متلبساً ﴿بحمده﴾ أي بوصفه بما له من صفات الكمال بما له تعالى في ذلك الشيء من الآيات الدالة

стр. 5485

على كل من السلب والإيجاب، وهذا تسبيح بلسان المقال ممن يصح منه، وبلسان الحال منه ومن غيره، كما قال الجدار للوتد: لم تشقني؟ فقال: سل من يدقني. وهو تسبيح من جهات شتى ليسمعها العارفون بسمع الفهم وصفاء الذهن من جهة ذاتها في خلقها ثم في معنى صفتها بحاجتها من جهة حدوثها إلى صانع أحدثها قديم غير مصنوع، ومن جهة إتقانها إلى كونه مدبراً حكيماً، ومن جهة فنائها إلى كونه مع ذلك قادراً مختاراً، قاهراً جباراً - إلى غير ذلك، بخلاف ما لو قصر التسبيح على لسان المقال فإنه يكون من نوع واحد، وأوضح مرشداً إلى ذلك قوله تعالى: ﴿ولكن لا تفقهون﴾ دون «تسمعون» ﴿تسبيحهم﴾ لإعراضكم عن النظر ونفوركم عن سماع الذكر الذي هو أعظم أسبابه، على أن هذا إنما هو بالنسبة لعامة الخلق، وأما الخاصة فإنهم يسمعون تسبيح الجمادات؛ روى البخاري عن عبد الله ﵁ قال: كنا نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفاً، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سفر فقل الماء فقال: اطلبوا فضلة من ماء، فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل: فأدخل يده في الإناء وقال:

стр. 5486

حيّ على الطهور المبارك والبركة من الله، فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وشرف وكرم وبجل وعظم - ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. وتسبيح الحصى مشهور، وفي زبور داود ﵇ تكرير كثير لهذه الآية وحث على تأملها، قال في المزمور الثامن والستين: تسبح له السماوات والأرض والبحار وكل ما يدب فيها. وفي المزمور الخامس والثمانين: فليس مثلك يا ربي وإلهي ولا مثل أعمالك، لأن جميع الأمم الذين خلقت يأتون ويسجدون أمامك يا رب ويسبحون لاسمك، لأنك عظيم صانع الآيات. وفي الثامن والثمانين: بذراعك العزيزة فرقت أعداءك، لك السماوات ولك الأرض، أنت أسست الدنيا بكمالها، خلقت البر والبحر، تابور وحرمون باسمك يسبحان، لك القوة والجبروت، تعتز يدك، وتعلو يمينك، بالعدل والحكم أتقنت كرسيك، الرحمة والعدل ينطلقان أمامك، طوبى للشعب الذي يعرف

стр. 5487

تسبيحك. وفي الخامس والتسعين: سبحوا الرب تسبيحاً جديداً، الأرض كلها تسبح الرب، اسجدوا للرب في هياكل قدسه لأن جميع الأرض تتزلزل بين يديه، قولوا في الشعوب: إن الله هو الملك أتقن الدنيا لكيلا تزول، يقضي بين الشعوب بالعدل، تفرح السماوات وتبتهج الأرض، ينقلب البحر في عمقه، تتهلل البقاع وما فيها، هنالك يسبح جميع شجر الغياض قدام الرب. وفي السابع والتسعين: ولله تسبح كل الأرض، مجدوا وهللوا وسبحوا الرب. وفي الثامن والأربعين بعد المائة: سبحوا الرب من السماوات، سبحوه من العلى يا جميع ملائكته! وكل جنوده تسبحه، الشمس والقمر يسبحانه، وجميع الكواكب والنور تسبحه، يسبح الرب سماء الدنيا والمياه التي فوق السماوات، تسبح جميعاً اسم الرب لأنه قال فكانوا، وأمر فخلقوا، وأقامهم إلى الأبد والدهر، جعل لها مقدراً لا تتجاوزه، يسبح الرب من في الأرض: التنانين

стр. 5488

وجميع الأعماق، النار والبرد والثلج والجليد والريح العاصفة عملت كلمته، الجبال وكل الآكام، الشجر المثمرة وجميع الأرز، السباع وكل البهائم والوحوش وكل حيوان وكل طائر ذي جناح، ملوك الأرض وسائر الشعوب العظماء وجميع حكام الأرض، الشبان والعذارى والشيوخ والصبيان يسبحون اسم الرب، لأن اسمه قد تعالى وحده. وفي الخمسين بعد المائة: سبحوا الله في كل قديسيه، سبحوه في جلد قوته، سبحوه كمثل جبروته، سبحوه بكثرة عظمته، سبحوه بصوت القرن، وسبحوه بأصوات عالية، كل نسمة تسبح الرب. ولما كان تسبيح جميع المخلوقات أمراً واضح الفهم ظاهر الشأن، فكانوا مستحقين للعقاب في عدم فهمه بعدم التأمل في المصنوعات حق التأمل، نبههم على أن عافيتهم إنما هي لحلمه عنهم، فهو ينظرهم إلى المدة التي ضربها لهم لأنه لا يعجل لتنزهه عن شوائب النقص الذي نطق كل شيء بتنزيهه عنها فقال تعالى: ﴿إنه كان حليماً﴾ حيث لا يعاجلكم بالعقوبة على إعراضكم عن صرف الأفكار فيما

стр. 5489

أمركم بصرفها إليه. ولما كان الغالب على أحوال البشر أن حليمهم إذا غضب لا يغفر، وإن عفا كان عفوه مكدراً، قال تعالى: ﴿غفوراً *﴾ مشيراً بصيغة المبالغة إلى أنه على غير ذلك ترغيباً في التوبة.

стр. 5490

ولما قرر في سياق التوحيد أنهم في الحضيض من الغباوة، التفت إلى سيد أولي الفهم، فقال مشيراً إلى النبوة عاطفاً على ﴿لا تفقهون﴾ منبهاً على أنهم لا يفهمون لسان القال فضلاً عن لسان الحال: ﴿وإذا قرأت القرءان﴾ الذي لا يدانيه واعظ، ولا يساويه مفهم، وهو تبيان لكل شيء ﴿جعلنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿بينك﴾ وبينهم، ولكنه أظهر هذا المضمر بالوصف المنبه على إعراضهم عن السماع على الوجه المفهم فقال تعالى: ﴿وبين الذين لا يؤمنون﴾ أي لا يتجدد لهم إيمان ﴿بالآخرة﴾ أي التي هي قطب الإيمان ﴿حجاباً﴾ مالئاً لجميع ما بينك وبينهم مع كونه ساتراً لك عن أن يدركوك حق الإدراك على ما أنت عليه ﴿مستوراً *﴾ عنهم وعن غيرهم، لا يراه إلا من أردنا، وذلك أبلغ في العظمة وأعجب في نفود الكلمة ﴿وجعلنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿على قلوبهم أكنة﴾ أي أغطية، كراهة ﴿أن يفقهوه﴾ أي يفهموا القرآن حق فهمه ﴿وفي ءاذانهم وقراً﴾ أي شيئاً ثقيلاً يمنع سماعهم السماع النافع بالقصور في إدراكهم

стр. 5491

لا في بيانه، فرؤيتهم للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حال التلاوة غير صحيحة كما أن سمعهم وإدراكهم لما يقرأه كذلك كما قال تعالى ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة﴾ [البقرة: ٧] ﴿وإذا ذكرت ربك﴾ أي المحسن إليك وإليهم ﴿في القرءان﴾ حال كونه ﴿وحده﴾ مع الإعراض عن آلهتهم ﴿ولوا﴾ وحقق المعنى وصوره بما يزيد في بشاعته تنفيراً عنه فقال: ﴿على أدبارهم نفوراً *﴾ مصدر من غير اللفظ مؤكد لأنه محصّل لمعناه، أو جمع نافر كقاعد وقعود. ومادة «وقر» بجميع تقاليبها عشر تدور على الجمع كما مضى في آخر يوسف وأول الحجر، فالوقر - بالفتح: ثقل في الأذن أو ذهاب السمع كله - لأن ذلك يوجب اجتماعاً في النفس وسكوناً يحمل على الوقار الذي هو السكينة بفقد بعض ما كان يشعّب الفكر من السمع، ومن ذلك ذلك الوقر - بالكسر: الحمل مطلقاً أو الثقيل، أو لأن الحمل جامع لما فيه والأذن جمعت ما سدها، فكأنه جمع خرقها فصيرها صلداً كالصخرة الصماء لا ينفذ فيها شيء، ولذلك يسمى الطرش الصمم ونخلة موقرة، أي مستجمعة حملاً، واستوقرت الإبل: سمنت أي جمعت

стр. 5492

الشحم واللحم، ووقر كوعد: جلس - لاستجماع بعض أعضائه إلى بعض، والوقير: القطيع من الغنم أو صغارها أو خمسمائة منها أو عام، أو الغنم بكلبها وحمارها وراعيها كالقرة - لاستجماع بعضها إلى البعض، والوقري - محركة: راعي الوقير أو مقتني الشاء وصاحب الحمير وساكنو المصر، والقرة - كعدة: العيال والثقل والشيخ الكبير - لأن الكبر والثقل يثمران الوقار الناشىء عن استجماع النفس والعزم وترك الانتشار بالطيش، وما قبلهما واضح في الجمع، والموقر - كمعظم: المجرب العاقل قد حنكته الدهور - لأن ذلك يثمر استجماع العقل، ووقرت الرجل توقيراً: بجلته ورزنته، والدابة: سكنتها - فكان كأنه جمع إليها حمل ثقيل، والتيقور فيعول من الوقار تاءه مبدلة من واو، يقال: وقر في بيته يقر، أي جمع نفسه فيه لاجتماع همه، والموقر - كمجلس: الموضع السهل عند سفح الجبل - لعله شبه بالرجل الوقور المطمئن الساكن النفس، والحامل الذي يوطئه الحمل، والوقرة: وكتة - أي حفرة - تكون في الحافر والعين والحجر - لأن من شأن

стр. 5493

الحفرة أن تجمع ما تودعه، ومنه توقير الشيء: أن تصير له وقرات، أي آثاراً، والوقر: الصدع في الساق وكالوكتة أو الهزمة تكون في العظم والحجر والعين، وأوقر الله الدابة: أصابها بوقرة، وفقير وقير، أي مكسور العظام أو الفقار، أو تشبيه بصغار الشاء أو اتباع، أو المعنى أن الدين أوقره، والوقير: النقرة العظيمة في الصخرة تمسك الماء - وهو واضح في الجمع. والروق: القرن - لشدة اجتماعه لصلابته واستدارته، ولأنه يجمع إقدام صاحبه وعزمه، والروق أيضاً: عزم الرجل وفعاله - لجمعهما أمره، والروق من الليل: طائفة - لاجتماع ساعاتها، والروق من البيت: رواقه، أي شقته التي دون الشقة العليا - لأنها تكمل جمعه لما يقصد منه من الستر، ورواق البيت - ككتاب وغراب. ما أطاف به، قال القزاز: وقيل: الرواق كالفسطاط يحمل على عمود واحد في وسطه، قال في القاموس: أو سقف في مقدم البيت وحاجب العين - ولعله شبه بالستر، ومن الليل: مقدمه وجانبه - شبه بجانب البيت، والروق من الشباب: أوله كالريق بالفتح، والريق ككيس، وأصله ريوق - لأنه ينبني عليه ما بعده ويجتمع إليه كأنه الأصل الذي يجمع

стр. 5494

جميع الفروع، والريق أيضاً أن يصيبك من المطر شيء يسير - كأنه أول المطر، والروقة: الشيء اليسير، وهي من ذلك، والروق أيضاً: العمر - لأنه الجامع للحال، وراقني الشيء: أعجبني - لأن الفكر يجمع الخواطر لأجله فلا يظهر له وجه ما صار به معجباً، ووصيف روقة - إذا أعجبك، وجارية روقة وغلمان روقة، جمع رائق، والروقة: الشيء الجميل جداً، والروق - بالفتح العجب والإعجاب بالشيء، ومن الخيل: الحسن الخلق يعجب الرائي، والجمال الرائق، والريق والروق والرواق: الستر - لأنه يجمع البصر والهم عما وراءه، وهو أيضاً موضع الصائد - لأنه يجمعه على ما يريد ويوصله إليه، والروق: الرواق ومقدم البيت والشجاع لا يطاق - لاجتماع همه لما يريد، والفسطاط والسيد - لجمع الفضائل، والصافي من الماء وغيره - لأن الصفاء أجدر باجتماع الأجزاء، والروق: الجماعة والحب الخالص ومصدر راق عليه، أي زاد عليه فضلاً - لأن الزيادة لا تكون إلا عن جمع، والروق: البدن من الشيء - لجمعه له، والحية - لتحويها أي تجمعها، وداهية ذات روقين، أي عظيمة مشبهة

стр. 5495

بالثور، ورمى بأرواقه على الدابة: ركبها، أي بجميع أعضائه، ورمى بأرواقه عنها: نزل، وألقى أرواقه: عدا فاشتد عدوه - كأنه خرج من جميع أعضائه - فعدا روحاً بلا بدن فصار أعظم من الطائر، أي غلبت روحه على بدنه، وألقى أوراقه: أقام بالمكان مطمئناً؛ قال في القاموس: كأنه ضد - انتهى. والمفعول فيه في هذا محذوف، كأنه قال: في مكان كذا، ومن المعلوم أن بدنه إذا كان في مكان وهو حي فقد أقام به، وألقى عليك أرواقه، وهو أن تحبه شديداً، والمعنى أنه ألبسك بدنه فصارت روحك مديرة له فصرت إياه. وتعبير القزاز بقوله «وهو أن تحبه حتى تستهلك في حبه» يدل على ذلك، وألقت السحابة أرواقها، أي مطرها ووبلها أو مياهها الصافية - وذلك هو مجموع ما فيها، وأرواق الليل: أثناء ظلمته بأرواقه - إذا قام وثبت، وقيل: أرواقه: مقاديمه، وأسلبت العين

стр. 5496

أرواقها: سالت دموعها، أي جميع ما فيها - كأن ذلك كناية عن اشتداد البكاء، وروق الفرس: الذي يمده الفارس من رمحه بين أذنيه - تشبيه له بقرن الثور، وذلك الفرس أروق، ومنه الروق - محركة، وهو طول الأسنان - تشبيهاً لها بالروق أي القرن - قال القزاز: وقيل: الروق: طول الأسنان وانثناءها إلى داخل الفم، وإشراف العليا على السفلى، والقوم روق - إذا كانوا كذلك، وهو يصلح لأن يكون تشبيهاً بما ذكر، ولأن يكون من الجمع من أجل الانثناء، ومنه أكل فلان روقه - إذا أسن فطال عمره حتى تتحات أسنانه - المشبهة بالقرن، والترويق: التصفية - وقد تقدم أن الشيء إذا خلص من الأغيار كانت أجزاؤه أشد تلاصقاً، والترويق: أن يبيع سلعة ويشتري أجود منها - مشبهة بالتصفية، والراووق: المصفاة يروق بها الشراب بلا عصر والكأس بعينها، والباطية وناجود الشراب الذي يروق به - لأنها تجمع الشراب. والقرو: القصد والتتبع كالاقتراء والاستقراء والطعن

стр. 5497

وهو واضح في الجمع، والقرو: حوض طويل ترده الإبل، وعبارة القزاز: شبه حوض ممدود مستطيل إلى جنب الحوض، يفرغ منه في الحوض الأعظم، ترده الإبل والغنم، وكذا إن كان من خشب. والقرو: الأرض لا تكاد تقطع - كأنها حمت اجتماع أجزائها عن أن يفرقها أحد، والقرو: مسيل المعصرة ومثعبها - لاجتماع ما يسيل فيه، وأسفل النخلة ينقر فينتبذ فيه أو يتخذ منه المركن والإجانة للشرب، وقدح أو إناء صغير، وميلغة الكلب، وحق عليه طبق، ومنقع الماء، والعرب تقول: أصبحت الأرض قرواً واحداً - إذا كثر الخصب والمطر، وكل ذلك واضح في الجمع، وأن يعظم جلد البيضتين لريح أو ماء، أو نزول الأمعاء كالقروة، وذلك إما لشبههما بالقدح أو لجمعهما ما أوجب كبرهما، وقرّى كفعلى: ماء بالبادية - لجمعه الناس، والقرى: القرع يؤكل - لأنه صالح لأن يجعل إناء، والقرا: الظهر - لجمعه الأعضاء، وناقة قرواء: طويلة السنام، والمقروري: الطويل الظهر، وأقرى: اشتكى - إما أن يكون من شكاية القرا، وإما أن يكون للسلب، أي أزال اجتماع همه وعزمه، والقرواء:

стр. 5498

العادة - لجمعها أهلها، والدبر - لجمعها ما فيها، وأقرى: طلب القرى، ولزم القرى، وأقرى الجل على الفرس: ألزمه، والمقاري: رؤوس الإكام - لأنها تجمع، وتركتهم قرواً واحداً على طريقة واحدّة - أي مجتمعين وشاة مقروة: جعل رأسها في خشبة لئلا ترضع نفسها - أي جمع فكاها، وقروة الرأس: طرفه، وعبارة القزاز: وقروان الرأس وقروة الرأس: أعلاه - كأنه مجتمع أمره لأنه موضع المفكرة، وقروة الأنف: طرفه - لأنه آخر جامع لجماله، واستقرى الدمل: صارت فيه المدة - أي اجتمعت، والقيروان: معظم العسكر ومعظم القافلة - وسيأتي إن شاء الله تعالى بقية المادة في ﴿بورقكم هذه﴾ في [الكهف: ١٩] .

стр. 5499

ولما كانوا ربما ادعوا السمع والفهم فشككوا بعض من لم يرسخ إيمانه -، أتبعه تعالى ما يؤكد ما مضى ويثبت السامعين فيه فقال تعالى على طريقة الجواب مهدداً ودالاً على أن مداركهم معروفة: ﴿نحن أعلم﴾ أي من كل عالم ﴿بما يستمعون﴾ أي يبالغون في الإصغاء والميل لقصد السمع ﴿به﴾ من الآذان والقلوب، أو بسببه

стр. 5500

من إرادة الوقوع على سقطة يجعلونها موضع تكذيبهم واستهزائهم ﴿إذ﴾ أي حين ﴿يستمعون﴾ أي يصغون بجهدهم، وبين بعدهم المعنوي بقوله تعالى: ﴿إليك وإذ﴾ أي وحين ﴿هم﴾ ذوو ﴿نجوى﴾ أي يتناجون بأن يرفع كل منهم سره على صاحبه بعد إعراضهم عن الاستماع: ثم ذكر ظرف النجوى فقال تعالى: ﴿إذ يقول﴾ مبرزاً لضميرهم بالوصف الدال على حملهم على ما تناجوا به، وهم ﴿الظالمون﴾ ومقولهم: ﴿إن تتبعون﴾ أي أيها التابعون له بغاية جهدكم ﴿إلا رجلاً مسحوراً *﴾ مختلط العقل، فامتطوا في هذا الوصف ذروة الظلم، وسيأتي في آخر السورة سر استعمال اسم المفعول موضع اسم الفاعل؛ ثم وصل بذلك الدليل على نسبته سبحانه لهم إلى الجهل الذي كان نتيجة قولهم هذا فقال تعالى: ﴿انظر﴾ ولما كان أمرهم بما يزيد العجب منه وتتوفر الدواعي على السؤال عنه قال تعالى: ﴿كيف ضربوا﴾ أي هؤلاء الضلال ﴿لك الأمثال﴾ التي هي أبعد شيء عن صفتك من قولهم: ساحر وشاعر ومجنون ونحوه ﴿فضلوا﴾ عن الحق في جميع ذلك ﴿فلا﴾ أي فتسبب عن ضلالهم أنهم لا ﴿يستطيعون سبيلاً *﴾ أي يسلكون فيه، إلى إصابة المحن
следующие страницы →