← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

في المحبوب والإشفاق في المكروه، وقد يضعف ذلك فيلزم الشك في الأمر، وقد يقوى فيأتي اليقين، وهي هنا لليقين، قالوا: إن عسى تفيد الإطماع، ومن أطمع أحداً في شيء ثم حرمه كان عاراً، والله تعالى أكرم من أن يفعل ذلك، وعبر بها دون ما يفيد القطع لأن ذلك أقعد في كلام الملوك لأنه أدل على العظمة، وللبخاري في التفسير عن ابن عمر ﵄ قال: إن الناس يصيرون يوم القيامة جثى، كل أمة تتبع نبيها، يقولون: يا فلان اشفع! يا فلان اشفع! حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود. أي فيظهر ما له من الحظ من اسمه أحمد ومحمد في ذلك الحين بحمد كل ذي روح بإيصال الإحسان إلى كل منهم بالفعل، وله في التفسير وغيره عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة! آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة» يعني - والله أعلم - الشفاعة الخاصة، وأما العامة فللكل بغير شرط. ولما كان هذا المقام صالحاً للشفاعة ولكل مقام يقومه، وكان كل مقام يحتاج إلى التوفيق في مباشرته والانفصال عنه، تلاه حاثاً

стр. 5567

على دوام المراقبة واستشعار الافتقار بقوله مقدماً المدخل لأنه أهم: ﴿وقل رب﴾ أي أيها الموجد لي، المدبر لأمري، المحسن إليّ ﴿أدخلني﴾ في كل مقام تريد إدخالي فيه حسي ومعنوي دنيا وأخرى ﴿مدخل صدق﴾ يستحق الداخل فيه أن يقال له: أنت صادق في قولك وفعلك، فإن ذا الوجهين لا يكون عند الله وجيهاً ﴿وأخرجني﴾ من كل ما تخرجني منه ﴿مخرج صدق﴾ . ولما كان الصدق في الأمور قد لا يقارنه الظفر، قال تعالى: ﴿واجعل لي﴾ أي خاصة ﴿من لدنك﴾ أي عندك من الخوارق التي هي أغرب الغريب ﴿سلطاناً﴾ أي حجة وعزاً ﴿نصيراً *﴾ وفيه إشعار بالهجرة وأنها تكون على الوجه الذي كشف عنه الزمان من العظمة التي ما لأحد بها من يدان.

стр. 5568

ولما كان الدعاء قد لا يستجاب، قال مبشراً له بأنه ليس بين دعائه وبين استجابته إلا قوله، ومحققاً لتلك البشرى بالأمر بأن يخبر بها: ﴿وقل﴾ أي لأوليائك وأعدائك: ﴿جاء الحق﴾ وهو كل ما أمرني به ربي وأنزله إليّ ﴿وزهق﴾ أي اضمحل وبطل وهلك ﴿الباطل﴾ وهو كل ما خالفه؛ ثم علل زهوقه بقوله: ﴿إن الباطل كان﴾ في نفسه بجبلته وطبعه ﴿زهوقاً *﴾ قضاء قضاه الله تعالى من الأزل؛ روى البخاري في التفسير وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه

стр. 5569

قال: دخل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول ﴿جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً﴾ ، ﴿جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد﴾ [سبأ: ٤٩] . ولما كان القرآن الذي نوه به في آية ﴿أقم الصلاة﴾ هو السبب الأعظم في إزهاق الباطل الذي هو كالسحر خيال وتمويه، وهو الجامع لجميع ما مضى من الإلهيات والبعث وما تبع ذلك، قال عاطفاً على ﴿ولقد كرمنا﴾ : ﴿وننزل﴾ أي بعظمتنا؛ ثم بين المنزل بقوله تعالى: ﴿من القرءان﴾ أي الجامع الفارق الذي هو أحق الحق ﴿ما هو شفاء﴾ للقلوب والأبدان ﴿ورحمة﴾ أي إكرام وقوة ﴿للمؤمنين﴾ أي الراسخين في الإيمان، لإنارته لقلوبهم من صدإ الجهل، وحمله لهم على سبيل الرشد الذي هو سبب الرحمة، ولحراسته لهم من كل شيطان ومرض ومحنة إذا وقع الصدق في الاستشفاء به، هو كله كذلك وكذا جميع أبعاضه؛ قال الرازي في اللوامع: وهو أنس المحبين، وسلوة المشتاقين، وإنه النور المبين، الذي من

стр. 5570

استبصر به انكشف له من الحقائق ما كان مستوراً، وانطوى عنه من البوائق ما كان منشوراً، كما أن الباطل داء ونقمة للكافرين ﴿و﴾ من أعجب العجب أن هذا الشفاء ﴿لا يزيد الظالمين﴾ أي الراسخين في هذا الوصف، وهم الذين يضعون الشيء في غير موضعه، بإعراضهم عما يجب قبوله ﴿إلا خساراً *﴾ أي نقصاناً، لأنهم إذا جاءهم وقامت به الحجة عليهم، أعرضوا عنه، فكان إعراضهم ذلك زيادة في كفرانهم، كما أن قبول المؤمنين له وإقبالهم على تدبره زيادة في إيمانهم، وفي الدارمي عن قتادة قال: ما جالس القرآن أحد فقام عنه بزيادة أو نقصان - ثم قرأ هذه الآية؛ ثم عطف على هذا المقدر المعلوم تقديره ما هو أعم منه وأبين في الفتنة والاجتراء فقال تعالى: ﴿وإذا أنعمنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿على الإنسان﴾ أي هذا النوع هؤلاء وغيرهم بأيّ نعمة كانت، من إنزال القرآن وغيره ﴿أعرض﴾ أي عن ذكر المنعم كإعراض هؤلاء عند مجيء هذه النعمة التي لا نعمة مثلها ﴿ونأ﴾ أي تباعد

стр. 5571

تكبراً ﴿بجانبه﴾ بطراً وعمى عن الحقائق ﴿وإذا مسه الشر﴾ أي هذا النوع وإن قل ﴿كان يئوساً *﴾ أي شديد اليأس هلعاً وقلة ثقة بما عنده من رحمة الله إلا من حفظه الله وشرفه بالإضافة إليه فليس للشيطان عليه سلطان. ولما كان المفرد المحلى باللام يعم، كان هذا ربما اقتضى من بعض المتعنتين اعتراضاً بأن يقال: إنا نرى بعض الإنسان إذا أعطى شكر، وإذا ابتلى صبر، وكان هذا الاعتراض ساقطاً لا يعبأ به، أما أولاً فلأنه قد تقدم الجواب عنه في سورة يونس ﵇ في قوله تعالى ﴿كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون﴾ [يونس: ١٢] بأن هذا في المسرفين دون غيرهم، وبقوله تعالى في سورة هود ﵇ ﴿إلا الذين صبروا﴾ [هود: ١١] ولعله طواه في هذا المقام إشارة إلى أنه لقلة أفراده كأنه عدم، وأما ثانياً فلأن المحلى باللام سواء كان مفرداً أو جمعاً في قوة الجزئي حتى يرد ما يدل على أنه كلي، فلذلك أعرض تعالى عنه وأمره بالجواب عن القسمين المشار إليه والمنصوص عليه فقال تعالى: ﴿قل﴾ أي يا أشرف خلقنا! ﴿كل﴾ من الشاكر والكافر ﴿يعمل على شاكلته﴾

стр. 5572

أي طريقته التي تشاكل روحه وتشاكل ما طبعنا عليه من خير أو شر ﴿فربكم﴾ أي فتسبب عن ذلك أن الذي خلقكم ودرجكم في أطوار النمو، لا غيره ﴿أعلم﴾ مطلقاً ﴿بمن هو﴾ منكم ﴿أهدى سبيلاً *﴾ أي أرشد وأقوم من جهة المذهب بتقواه وإحسانه، فيشكر ويصبر احتساباً فيعطيه الثواب، ومن هو أضل سبيلاً، فيحل به العقاب، لأنه يعلم ما طبعهم عليه في أصل الخلقة وغرزه فيهم من الخلائق، وغيره إنما يعلم أمور الناس في طرائقهم بالتجربة؛ وقد روى الإمام أحمد - لكن بسند منقطع - عن أبي الدرداء ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إذا سمعتم بجبل زال عن مكانه فصدقوا، وإذا سمعتم برجل تغير عن خلقه فلا تصدقوا به، فإنه يصير إلى ما جبل عليه» هذا كله الإعراض بالفعل، وإن كان بالقوة التزمنا أنها كلية، والله أعلم بالمهتدي فيحفظه من الإعراض واليأس بالفعل هو فيه بالقوة. ولما بين سبحانه - بعد التعجيب من إنكارهم البعث - جهل الإنسان، وما هو عليه من الضلال والنسيان، إلا من فضله على أنباء نوعه

стр. 5573

كما فضل طينته على سائر الطين، وختم بآية المشاكلة التي منها مشاكلة بعض الأرواح لبعض ومشاكلتها للطباع، وبان بذلك أنه قادر على فعل ما يشاء عالم بكل معلوم، رجع إلى التعجب منهم بما هو من شأن الأرواح التي من شأنها التشاكل فقال تعالى عاطفاً على ﴿وقالوا إذا كنا عظاماً﴾ : ﴿ويسئلونك﴾ أي تعنتاً وامتحاناً ﴿عن الروح﴾ الذي تقدم أنها تعاد إلى أجسادهم يوم البعث ولو كانوا حجارة أو حديداً: ما هي؟ هل هي جسم أم لا؟ وهل هي متولدة من امتزاج الطبائع التي في البدن أم امتزاجه مبتدأ؟ وهل هي قديمة أم حادثة؟ ولما كان ذلك تعنتاً، مع أنه لا يفتقر إليه في صحة اعتقاده، أمره بأن يجيبهم عنه بما يليق بحالهم بقوله تعالى: ﴿قل الروح﴾ أي هذا النوع الذي تصير به الأجسام حية ﴿من أمر ربي﴾ أضافها إلى الأمر وهو الإرادة وإن كانت من جملة خلقه، تشريفاً لها وإشارة إلى أنه لا سبب من غيره يتوسط بينها وبين أمره، بل هو يبدعها من العدم، أو يقال - وهو أحسن: إن الخلق قسمان: ما كان بتسبيب وتنمية وتطوير، وهو الذي يترجم في القرآن بالخلق، والثاني ما كان إخراجاً من العدم بلا تسبيب ولا تطوير، وهو المعبر عنه بالأمر، ومنه هذه الروح المسؤول عنها وكل روح في القرآن، وكذا ما هو للحفظ والتدبير

стр. 5574

كالأديان، والجامع لذلك القيومية كما مضى عن الحرالي عند روح القدس في البقرة، فأفادت هذه العبارة أنها محدثة، وأنها غير مطورة ولا مسببة، وهي جسم لطيف سار في البدن كماء الورد في الورد على الصحيح عند أهل السنة، وأمسك السلف عن الإمعان في الكلام على الروح أدباً، لأنهم علموا أن في عدم الجواب لسؤالهم بغير هذا إشارة إلى أن السكوت عنه أولى لهم؛ ثم أتبعه التنبيه على جهلهم لتعكيسهم في الأسئلة بتركهم الإقبال على ما لا يفهمونه بلا شك وينفعهم في الدارين من هذا الروح المعنوي وهو القرآن، وإقبالهم على ما لا يفهمونه من الروح المحسوس لقلة علمهم، ومن فهمه منهم لا يفهمه إلا بعسر عظيم، وفيه أسئلة كثيرة جداً لا برهان على أجوبتها، منها أنه متحيز أم لا؟ وأنه مغاير للنفس أم لا؟ وهل تبقى بعد الموت أم لا؟ فعلمنا به أنه إنما هو على الإجمال، ولا يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه، فإن أكثر حقائق الأشياء مجهولة، وهي موجودة. فالسكنجبين خاصيته قمع الصفراء، وحقيقة تلك الخاصية مجهولة، وهي معلومة الوجود، وليس وراء العلم بما سألوا عنه من الروح بعد فهمه من الفائدة ما لذلك الذي تركوه ولا قريب منه، فقال تعالى دالاً على حدوثه بتغيره، فإنه يكون في المبدإ جاهلاً ثم يحدث له العلم شيئاً بعد شيء،

стр. 5575

وكل متغير حادث: ﴿وما أوتيتم﴾ أي من أيّ مؤت كان بعد أن كنتم لا تعلمون شيئاً ﴿من العلم﴾ أي مطلق هذه الحقيقة، فكيف بالمشكل منها ﴿إلا قليلاً *﴾ ومما تجهلونه أمور ضرورية لكم، لأن تماديكم على الجهل بها سبب لهلاككم في الدارين، فمن أجهل الجهل وأضل الضلال أن تسألوا عما لا يضركم الجهل به، ويتوقف إثباته على أمور دقيقة، ومقدمات صعبة، وتتركوا ما يضركم الجهل به في الدين والدنيا، مع كونه في غاية الوضوح، لكثرة ما قام عليه من الأدلة، وله بحضرتكم من الأمثلة، والذي سألتموه منزه عن الغش والضيق، فهو ينبهكم على عبثكم نصيحة لكم ويعدل عن جوابكم عنه إلى ما ينفعكم رفقاً بكم، ولفهم هذا سكت السلف عن الخوض في أمره، والخطاب لليهود والعرب، أما العرب فواضح، وأما اليهود فإنهم وإن كانوا أهل الكتاب فذلك إشارة إلى تلاشي علمهم في جنب علم الله؛ كما ستأتي الإشارة إليه بقول الخضر لموسى عليهما الصلاة والسلام في العصفور الذي نقر من البحر نقرة أو نقرتين، فحيث ورد تعظيم على أحد وتكثره فهو بالنسبة إلى غيره من الخلق، وحيث ورد تقليله - كما في هذه الآية - فهو من حيث إضافته إلى

стр. 5576

علم الله تعالى، وهذه الآية ورد في سبب نزولها ما يظن أنه متناقض، فإنه روي في الصحيح عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه كان يمشي مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المدينة، فسأله اليهود عن الروح فأوحى إليه، فلما انجلى عنه الوحي تلا عليهم - الآية. وفي السيرة الهشامية والدلائل للبيهقي وتفسير البغوي وغيره من التفاسير عن ابن عباس ﵄ أن قريشاً أرسلت إلى اليهود قبل الهجرة تسألهم عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنهم أهل الكتاب الأول وعندهم من علم الأنبياء ما ليس عند قريش، فأمروهم أن يسألوه عن الروح، وعن قصتي أصحاب الكهف وذي القرنين، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أخبركم بما سألتم عنه غداً» - ولم يستثن، فانصرفوا عنه، فمكث فيما يذكرون خمس عشرة ليلة، لا يحدث الله إليه في ذلك وحياً، حتى أرجف به أهل مكة، وحتى حزن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، وروي أيضاً أن لبث الوحي كان أربعين ليلة. وروي: اثنتي عشرة

стр. 5577

ليلة، وفي مسند أبي يعلى عن ابن عباس ﵄ قال: قالت قريش ليهود: أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل! فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه، ونزلت ﴿ويسئلونك﴾ - الآية. وليس ذلك وأمثاله بحمد الله بمشكل، فإنه محمول على أنه نزل للسبب الأول، فلما سئل عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثانياً لم يجب فيه بالجواب الأول، إما لرجاء أن يؤتى بأوضح منه، أو خشية أن يكون نسخ - أو نحو ذلك لأمر رآه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيعيد الله سبحانه إنزاله عليه تثبيتاً له وإعلاماً بأنه هو الجواب، وفيه مقنع، وفي تأخير الجواب في هذا الأمر برهان قاطع لقريش وكل من له أدنى لب على صدق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أن هذا القرآن من عند الله، لا يقدر عليه غيره، لأنه لو كان قادراً على الإتيان بشيء منه من عند نفسه أو من عند أحد من الخلق لبذل جهده في ذلك، تنزيهاً لنفسه الشريفة، وهمته المنيفة، وعرضه الطاهر، عن مثل ما خاضوا فيه بسبب إخلاف موعدهم. ولما كانت الروح من عالم الأمر الذي هو من سر الملكوت، ضمت إلى سورة الإسراء الذي هو من أبطن سر الملكوت لاسيما بما علا به من المعراج الذي جعل لغرابته كالرؤيا

стр. 5578

﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ ولذلك فصلت عن السؤالين الآخرين، لأنهما من عالم الملك، وسيأتي بقية الكلام على هذا في سورة الكهف إن شاء الله تعالى.

стр. 5579

ولما شرح إرادتهم الفتنة عما جاءهم من العلم بتبديل المنزل، وإخراج المرسل، وما تبع ذلك حتى ختم بتجهيلهم إذ سألوا تعنتاً عن الروح الحسي، وكان الأنفع لهم سؤالهم استفادة وتفهماً عن دقائق الروح المعنوي الذي أعظم الله شرفهم به بإنزاله إليهم على لسان رجل منهم هو أشرفهم مجداً، وأطهرهم نفساً، وأعظمهم مولداً، وأزكاهم عنصراً، وأعلاهم همة، وختم بتقليل علمهم إشارة إلى أنهم لا يفهمون إلا أن يفهمهموه سبحانه وهو أعلم بما يفهمونه وما لا يفهمونه، قال عاطفاً على ﴿وإن كادوا ليفتنونك﴾ تنبيهاً لهم على أنه لو شاء لذهب بسبب هذا العلم القليل الذي وهبهموه، فعمهم الجهل كما كانوا، وعلى أنه لم يكفهم ترك السؤال عما يعنيهم حتى سألوا عما لا يعنيهم، وأرادوا تبديل ما ينفعهم ويعنيهم بما يبيدهم ويفنيهم، فضلوا قولاً وفعلاً: ﴿ولئن شئنا﴾ ومشيئتنا لا يتعاظمها شيء، ولامه موطئة للقسم، وأجاب عن القسم بما أغنى عن جواب الشرط فقال تعالى: ﴿لنذهبن﴾ أي بما لنا من العظمة ذهاباً محققاً ﴿بالذي أوحينا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿إليك﴾ مما أرادوا الفتنة

стр. 5580

فيه من القرآن على أن فيه من العلم ما يغنيهم - لو أقبلوا على تفهمه - عن شيء من الأشياء فلا تبقى عندك نحن ولا وحينا، ولإفادة هذا لم يقل: لأذهبنا. ﴿ثم﴾ أي بعد الذهاب به ﴿لا تجد لك﴾ ولما كان السياق هنا للروح الذي هو الوحي، فكانت العناية به أشد، قدم قوله: ﴿به﴾ ولما كان السياق لمن يأخذ ما يريد طوعاً وكرهاً، قال تعالى: ﴿علينا﴾ أي بما لنا من العظمة التي لا تعارض ﴿وكيلاً *﴾ يأتيك به أو بشيء منه. ولما كان لا ملجأ منه سبحانه إلا إليه، قال تعالى: ﴿إلا﴾ أي لكن تجد ﴿رحمة﴾ مبتدئة وكائنة ﴿من ربك﴾ أي المحسن إليك بأن أوجدك ورباك، ولم يقطع إحسانه قط عنك، يعيد بها إليك ويأتيك بما يقوم مقامه، وعبر عن أداة الانقطاع بأداة الاتصال إشارة إلى أن رحمته سبحانه له - التي اقتضتها صفة إحسانه إليه لعظمها - كالوكيل الذي يتصرف بالغبطة على كل حال. ولما كان في إنزاله إليه ثم إبقائه لديه من النعمة عليه وعلى أمته ما لا يحصى، نبه على ذلك بقوله تعالى مستأنفاً مؤكداً لأن كون الرحمة هكذا من أغرب الغريب، فهو بحيث لا يكاد

стр. 5581

يصدق، وهو مما يتلذذ بذكره ﴿إن فضله كان﴾ أي كوناً ثابتاً ﴿عليك﴾ أي خاصة ﴿كبيراً *﴾ أي بالغ الكبر، وقد ورد أنه يذهب بالقرآن في آخر الزمان، يسري بما في المصاحف وبما في القلوب، وقد أفهمت ذلك هذه الآية لأن كلام الملوك يفهم أصل الشيء ولو كان في سياق الشرط. ولما كان بمعرض أن يقولوا: إن ذهب عليك من شيء فائت بمثله من عند نفسك ومما اكتسبته منه من الأساطير، أمره أن يجيبهم عن هذا بقوله دلالة على مضمون ما قبله: ﴿قل﴾ . ولما أريد هنا المماثلة في كل التفصيل إلى جميع السور في المعاني الصادقة، والنظوم الرائقة، كما دل عليه التعبير بالقرآن، زاد في التحدي قيد الاجتماع من الثقلين وصرف الهمم للتظاهر والتعاون والتظافر بخلاف ما مضى في السور السابقة، فقال تعالى مؤكداً باللام الموطئة للقسم لادعائهم أنهم لو شاؤوا أتوا بمثله، والجواب حينئذ للقسم، وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم: ﴿لئن اجتمعت الإنس﴾ الذين تعرفونهم وتعرفون ما أتوا من البلاغة والحكمة والذين لا تعرفونهم، وقدمهم لسهولة اجتماعهم بهم ولأنهم عندهم الأصل في البلاغة ﴿والجن﴾ الذين يأتون كهانكم ويشجعون لهم ويعلمونهم ببعض المغيبات عنهم،

стр. 5582

وترك الملائكة لأنهم لا عهد لهم بشيء من كلامهم ﴿على أن يأتوا﴾ أي يجددوا إيتاءً ما في وقت ما في حال اجتماعهم ﴿بمثل هذا القرآن﴾ أي جميعه على ما هو عليه من التفصيل، وخصه بالإشارة تنبيهاً على أن ما يقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الله وحي من الله، ليس فيه شيء من عند نفسه، وأن المراد في هذا السياق المتحدى به الذي اسمه القرآن خاصة ﴿لا يأتون﴾ . ولما كانت هذه السورة مكية، فكان أكثر ما يمكن في هذه الآية أن يكون آخر المكي فيختص التحدي به، وكان المظهر إذا أعيد مضمراً أمكن فيه الخصوص، وكان المراد إنما هو الشمول، ومتى أريد الشمول استؤنف له إحاطة باستئناف إظهار محيط كما يأتي عن الحرالي في أواخر سورة الكهف، لم يقل هنا «به» لذلك، ولئلا يظن أنه يعود على القرآن لا على مثله، بل أظهر فقال دالاً على أن المراد جميع المكي والمدني: ﴿بمثله﴾ أي لا مع التقيد بمعانيه الحقة الحكيمة حتى يأتوا بكلام في أعلى طبقات البلاغة، مبيناً لأحسن المعاني بأوضح المباني، ولا مع الانفكاك عنها إلى معانٍ مفتراة؛ ثم أوضح أن المراد الحكم لعجزهم مجتمعين ومنفردين متظاهرين وغير متظاهرين فقال تعالى: ﴿ولو﴾ ولما كان المكلفون مجبولين على المخالفة

стр. 5583

وتنافي الأغراض قال تعالى: ﴿كان﴾ أي جبلة وطبعاً على خلاف العادة ﴿بعضهم لبعض ظهيراً *﴾ أي معيناً بضم أقوى ما فيه إلى أقوى ما في صاحبه، وقد تقدم في السور المذكور فيها التحدي ما يتم هذا المعنى. ولما تمت هذه الجمل على هذا الوجه الجميل، والوصف الجليل، نبه على ذلك سبحانه بقوله عطفاً على نحو: صرفنا هذه الأمثال كما ترون على أعلى منهاج وأبلغ سياق في أبدع انتظام: ﴿ولقد صرفنا﴾ أي رددنا وكررنا تكريراً كثيراً بما لنا من العظمة، ولما كان مبنى السورة على بيان العناية بالناس الذين اتقوا والذين هم محسنون، اقتضى المقام لمزيد الاهتمام تقديم قوله تعالى: ﴿للناس﴾ أي الذين هم ناس ﴿في هذا القرءان﴾ الهادي للتي هي أقوم ﴿من كل مثل﴾ أي من كل ما هو في غرابته وسيره في أقطار الأرض وبلاغته ووضوحه ورشاقته كالمثل الذي يجب الاعتبار به؛ والتصريف: تصيير المعنى دائراً في الجهات المختلفة بالإضافة والصفة والصلة ونحو ذلك ﴿فأبى﴾ أي فتسبب عن ذلك الذي هو سبب للشفاء والشكر والهدى، تصديقاً لقولنا ﴿ولا يزيد الظالمين إلا خساراً﴾ أنه أبى

стр. 5584

﴿أكثر الناس﴾ وهم من هم في صورة الناس وقد سلبوا معانيهم. ولما كان «أبى» متأولاً بمعنى النفي، فكان المعنى: فلم يرضوا مع الكبر والشماخة، استقبله بأداة الاستثناء فقال تعالى: ﴿إلا كفوراً *﴾ لما لهم من الاضطراب. ولما كان هذا أمراً معجباً، عجب منهم تعجيباً آخر، عاطفاً له على ﴿ويسئلونك﴾ إن كان المراد بالناس في قوله ﴿فأبى أكثر الناس﴾ الكل، وعلى «فأبى» إن كان المراد بهم قريشاً فقال تعالى: ﴿وقالوا﴾ أي كفار قريش ومن والاهم تعنتاً بعد ما لزمهم من الحجة ببيان عجزهم عن المعارضة ولغير ذلك فعل المبهوت المحجوج المعاند، مؤكدين لما لزمهم من الحجة التي صاروا بها في حيز من يؤمن قطعاً من غير توقف: ﴿لن نؤمن﴾ أي نصدق بما تقول مذعنين ﴿لك حتى تفجر﴾ أي تفجيراً عظيماً ﴿لنا﴾ أي أجمعين ﴿من الأرض ينبوعاً *﴾ أي عيناً لا ينضب ماءها ﴿أو تكون لك﴾ أي أنت وحدك ﴿جنة من نخيل و﴾ أشجار ﴿عنب﴾ عبر عنه بالثمرة لأن الانتفاع منه بغيرها قليل ﴿فتفجر﴾ أي بعظمة زائدة ﴿الأنهار﴾ الجارية ﴿خلالها تفجيراً *﴾ وهو تشقيق عما يجري من ماء أو ضياء أو نحوهما؛ فالفجر: شق الظلام من عمود الصبح، والفجور:

стр. 5585

شق جلباب الحياء بما يخرج إلى الفساد ﴿أو تسقط السماء﴾ أي نفسها ﴿كما زعمت﴾ فيما تتوعدنا به ﴿علينا كسفاً﴾ أي قطعاً جمع كسفه وهي القطعة، ويجوز أن يكون المراد بذلك الحاصب الآتي من جهة العلو وغيره مما توعدوا به في نحو قوله ﴿أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم﴾ [الأنعام: ٦٥] وتسمية ذلك سماء كتسمية المطر بل والنبات سماء: إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا ﴿أو تأتي﴾ معك ﴿بالله﴾ أي الملك الأعظم ﴿والملائكة قبيلاً *﴾ أي إتياناً عياناً ومقابلة ينظر إليه لا يخفى على أحد منا شيء منه، وكان أصله الاجتماع الذي يلزم منه المواجهة بالإقبال من قبائل الرأس الجامعة ﴿أو يكون لك﴾ أي خاصاً بك ﴿بيت من زخرف﴾ أي ذهب كامل الحسن والزينة ﴿أو ترقى﴾ أي تصعد ﴿في السماء﴾ درجة درجة ونحن ننظر إليك صاعداً ﴿ولن نؤمن﴾ أي نصدق مذعنين ﴿لرقيك﴾ أي أصلاً ﴿حتى تنزل﴾ وحققوا معنى كونه ﴿من السماء﴾ بقولهم: ﴿علينا كتاباً﴾ ومعنى كونه، ﴿في رق﴾ أو نحو قولهم: ﴿نقرؤه﴾ يأمرنا فيه باتباعك. فلما تم تعنتهم فكان لسان الحال طالباً من الله تعالى الجواب عنه، أمره الله تعالى بجوابهم بقوله: ﴿قل سبحان ربي﴾ أي تنزه عن أن

стр. 5586

يكون له شريك في ملكه يطلب منه ما لا يطلب إلا من الإله، فهو تنزيه لله وتعجيب منه لوضوح عنادهم بطلبهم ما لا قدرة عليه إلا للإله ممن لا قدرة له على شيء منه إلا بإذن الله، ولم يدّع قط أنه قادر على شيء منه، فحسن الاستفهام جداً في قوله تعالى: ﴿هل كنت إلا بشراً﴾ لا يقدر على غير ما يقدر عليه البشر ﴿رسولاً *﴾ كما كان من قبلي من الرسل، لا أتعدى ما أمرت به من التبليغ، فلا آتي بشيء إلا بإذن الله، ولم أقل: إني إله، حتى يطلب مني ما يطلب من الإله ورتبوا أنفسهم هذا الترتيب لأنهم حصروا حاله في دعوى أن يكون عظيماً بالرسالة أو غيرها ليتبعه الناس، فإن كان الأول كان مقبول القول عند مرسله، وحينئذ فإما أن يسأله في نفع عام بالينبوع، أو خاص به بالجنة إن بخل بالعام، أو ضر بالكشف أو يسأله في الإتيان مع جنده لأن يصدقه، وإن كانت عظمته بغير ذلك فإما أن يكون ملكاً ليكون له البيت المذكور بما جرت العادة أن يكون تابعاً له، أو يكون ممن يجتمع بالملك الذي أرسله فيرقى على ما قالوا.

стр. 5587

ولما أمر بما تضمن أنه كإخوانه من الرسل في كونه بشراً،

стр. 5588

أتبعه قوله تعالى عطفاً على: ﴿فأبى﴾ أو ﴿فقالوا﴾ : ﴿وما منع الناس﴾ أي قريشاً ومن قال بقولهم لما لهم من الاضطراب ﴿أن يؤمنوا﴾ أي لم يبق لهم مانع من الإيمان، والجملة مفعول «منع» ﴿إذ جاءهم الهدى﴾ أي الدليل القاطع على الإيمان وهو القرآن وغيره من الأدلة ﴿إلا﴾ وفاعل منع ﴿أن قالوا﴾ أي منكرين غاية الإنكار متعجبين متهكمين: ﴿أبعث الله﴾ أي بما له من العظمة الباهرة من صفات الجلال والإكرام ﴿بشراً ورسولاً *﴾ وسبب اتباع الضلال - مع وضوح ضره - وترك الهدى - مع ظهور نفعه - وقوع الشبهة أو الشهوة لضعفاء العقول - وهم أكثر الناس - في أوله ثم تقليد الرؤساء وتمكن العادة السيئة فيما بعد ذلك، فلما أنكروا كون الرسول بشراً بعد أن جعلوا الإله حجراً، علمه جوابهم بقوله تعالى: ﴿قل﴾ لهم: قال ربي : ﴿لو كان﴾ أي كوناً متمكناً ﴿في الأرض﴾ التي هي مسكن الآدميين ﴿ملائكة يمشون﴾ عليها كالآدميين من غير طيران كالملائكة إلى السماء ﴿مطمئنين﴾ باتخاذهم لها قراراً كما فعل البشر ﴿لنزلنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿عليهم﴾ مرة بعد مرة كما فعلنا في تنزيل جبريل ﵇ على الأنبياء من البشر، وحقق الأمر بقوله تعالى: ﴿من السماء ملكاً رسولاً *﴾ لتمكنهم من التلقي منه لمشاكلتهم له بخلاف

стр. 5589

البشر كما هو مقتضى الحكمة، لأن رسول كل جنس ينبغي أن يكون منهم، إذ الشيء عن شكله أفهم، وبه آنس، وإليه أحسن، وله آلف، إلا من فضله بتغليب نفسه وعقله على شهوته فأقدره بذلك على التلقي من الملك. ولما نصب البرهان القاطع على أن القرآن الموحى إليه من عند الله، ونفى شبهتهم في إنكار كون الرسول بشراً، بأنه ما خرج عن عادة من قبله ممن كانوا مقرين بأنهم أنبياء، وبأن الجنس لا يفهم عن جنس آخر، فالبشر لا يفهم عن الملك إلا بخارقة، ولا يكون ذلك إلا للرسل ومن أراد الله من أتباعهم، لم يبق إلا محض العناد الذي لا رجوع فيه إلا إلى السيف عند القدرة، وإلى الله عند فقدها، وكان في مكة المشرفة غير قادر على السيف، أمره الله تعالى بالرجوع إلى السيف فقال تعالى: ﴿قل كفى بالله﴾ أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿شهيداً﴾ أي فيصلاً يكون ﴿بيني وبينكم﴾ يعامل كلاًّ منا بما يستحق؛ ثم علل كفايته لذلك بقوله تعالى: ﴿إنه كان بعباده﴾ قبل أن يخلقهم ﴿خبيراً﴾ بما يؤول إليه أمرهم بعد إيجاده لهم ﴿بصيراً *﴾ بما يكون منهم بعد وجوده. ولما تقدم أنه أعلم بالمهتدي والضال، وكان ختم هذه الآية مرشداً إلى أن المعنى: فمن علم منه بجوابه قابلية للخير وفقه للعمل على تلك المشاكلة، ومن علم منه قابلية للشر أضله، عطف

стр. 5590

عليه قوله تعالى: ﴿ومن يهد الله﴾ أي الذي له الأمر كله لأنه لا شريك له، بخلق الهداية في قلبه، وأشار إلى قلة المهتدي على طريقة الإحسان بإفراد ضميره، وإلى كثرة الضال بجمعه فقال تعالى: ﴿فهو﴾ أي لا غيره ﴿المهتد﴾ لا يمكن أحداً غيره أن يضله ﴿ومن يضلل﴾ فهو الضال لا هادي له، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿فلن تجد لهم﴾ أي للضالين ﴿أولياء﴾ أي أنصاراً في هذه الدنيا ﴿من دونه﴾ يهدونهم ولا ينفعونهم بشيء أراد الله غيره، ولذلك نفوا أصلاً ورأساً، لأنهم إذا انتفى نفعهم كانوا كالعدم، وإذا انتفى على الجمع انتفى عن المفرد من باب الأولى؛ فالآية من الاحتباك: خبر الأول يدل على حذف ضده ثانياً، ونتيجة الثاني تدل على حذف ضدها من الأول. ولما كان يوم الفصل يوماً يظهر فيه لكل أحد في كل حالة من عظمته تعالى ما يضمحل معه كل عظمة قال تعالى: ﴿ونحشرهم﴾ بنون العظمة أي نجمعهم بكره ﴿يوم القيامة﴾ أي الذي هو محط الحكمة ﴿على وجوههم﴾ يمشون أو مسحوبين عليها إهانة لهم فيها كما لم يذلوها بالسجود لنا ﴿عمياً وبكماً وصماً﴾ كما كانوا في الدنيا لا ينتفعون بأبصارهم ولا نطقهم ولا أسماعهم، بل يكون ضرراً عليهم لما ينظرون من المعاطب، ويسمعون من المصائب، وينطقون به من المعايب؛ قال الرازي في اللوامع إذ يحشر المرء على ما مات عليه،

стр. 5591

فلم يكن له في الآخرة شيء إلا حصل أوله ومبدأه في الدنيا وتمامه في الآخرة - انتهى. ولما كان المقام للانتقال من مقام إلى آخر، قدم البصر لأنه العمدة في ذلك، وثنى بالنطق لأنه يمكن الأعمى الاسترشاد، وختم بالسمع لأنه يمكن معه وحده نوع رشاد، وعطفها بالواو إن كان لتشريك الكل في كل من الأوصاف فللتهويل، لأن المتكلم إذا نطق بالعاطف ظن السامع الانتقال إلى شيء آخر، فإذا أتى بالوصف كان أروع للعلم بأن صاحبه عريق فيه، لما تقدم في براءة، وإن كان للتنويع فلتصويرهم بأقبح صورة من حيث إنه لا ينتفع فريق منهم بالآخر كبير نفع، فكأنه قيل: إلى أيّ مكان يحشرون؟ فقال تعالى: ﴿مأواهم جهنم﴾ تستعر عليهم وتتجهمهم، كل واحد منهم يقاسي عذابها وحده وإن كان وجهه إلى وجه صاحبه، لأنه لا يدرك سوى العذاب للختم على مشاعره، فيا طولها من غربة! ويا لها من كربة! فكأنه قيل: هل يفتر عنهم عذابها؟ فقيل: لا بل هم كل ساعة في زيادة، لأنها ﴿كلما خبت﴾ أي أخذ لهبها في السكون عند إنضاجها لجلودهم ﴿زدناهم﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿سعيراً *﴾ بإعادة الجلود؛ ثم بين علة تعذيبهم ليرجع منهم من قضى بسعادته فقال تعالى: ﴿ذلك﴾ أي العذاب العظيم ﴿جزاؤهم بأنهم﴾ أهل الضلالة ﴿كفروا بآيتنا﴾

стр. 5592

القرآنية وغيرها، مع ما لها من العظمة بنسبتها إلينا، وكانوا كل يوم يزدادون كفراً، وهم عازمون على الدوام على ذلك ما بقوا ﴿وقالوا﴾ إنكاراً لقدرتنا ﴿إذا كنا عظاماً ورفاتاً﴾ ممزقين في الأرض؛ ثم كرروا الإنكار كأنهم على ثقة من أمرهم هذا الذي بطلانه أوضح من الشمس بقولهم: ﴿أإنا لمبعوثون﴾ أي ثابت بعثنا ﴿خلقاً جديداً *﴾ فنحن نريهم جزاء على هذا الإنكار المكرر الخلق الجديد في جلودهم مكرراً كل لحظة ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب﴾ [النساء: ٥٦] ثم أتبعه بقاطع في بيان جهلهم فقال منبهاً على أنهم أولى بالإنكار عاطفاً على ما تقديره: ألم يروا أن الله الذي ابتدأ خلقهم قادر على أن يعيدهم ﴿أو لم يروا﴾ أي يعلموا بعيون بصائرهم علماً هو كالرؤية بعيون أبصارهم لما قام عليه من الدلائل، ونادى بصحته من الشواهد الجلائل ﴿أن الله﴾ أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء قدرة وعلماً لا غيره ﴿الذي خلق السماوات﴾ جمعها لما دل على ذلك من الحسن، ولما لم يكن للأرض مثل ذلك أفردها مريداً الجنس الصالح للجمع فقال تعالى: ﴿والأرض﴾ على كبر أجرامها، وعظم أحكامها، وشدة أجزائها، وسعة أرجائها، وكثرة ما فيها من المرافق والمعاون التي يمزقها ويفنيها ثم يجددها ويحييها ﴿قادر على أن يخلق﴾ أي يجدد في

стр. 5593

أي وقت أراد ﴿مثلهم﴾ بدءاً فكيف بالإعادة وهم أضغف أمراً وأحقر شأناً ﴿و﴾ أنه ﴿جعل لهم أجلاً﴾ لعذابهم أو موتهم أو بعثهم لأنه معلوم في نفسه ﴿لا ريب فيه﴾ بوجه من الوجوه لما تكرر لهم من مشاهدة أنه لا تؤخر نفس إذا جاء أجلها، وكذا لا تقدم على أجلها، فكم ممن اجتهد الضراغمة الأبطال وفحول الرجال في ضره أو قتله؛ وهم قاطعون أنه في قبضتهم فلم يقدروا على ذلك، ثم كان ذلك بأضعف الناس أو بأوهى سبب فعلم بذلك أنه المنفرد بالقدرة على الإيجاد والإعدام ﴿فأبى﴾ أي بلى قد علموا ذلك علماً كالمحسوس المرئي فتسبب عن ذلك السبب للإيمان أن أبوا - هكذا كان الأصل فأظهر تعميماً وتعليقاً بالوصف فقال: ﴿الظالمون﴾ أي أبى هؤلاء المتعنتون لظلمهم ﴿إلا كفوراً *﴾ أي جحوداً لعدم الشركة. ولما قدم في هذه السورة أنه هو المعطي وأن عطاءه الجم - الذي فات الحصر، وفضل عن الحاجة، وقامت به الحجة على العباد في تمام قدرته وكمال علمه - غير محظور عن أحد، وأنهم يقتلون أولادهم مع ذلك خشية الإملاق، وهم يطلبون أن يظهر لهم من جنس ما خلق من الينابيع والجنات والذهب والزخرف على كيفيات مخصوصة لغير حاجة ما تقدم ذكره، وقد امتنعوا بخلاً وأنفة وجهلاً عن الاعتراف له بما أوجبه عليهم شكراً لنعمته، واستدفاعاً لنقمته، بعد قيام الدلائل وزوال

стр. 5594

الشبه فلا أبخل منهم لأنهم بخلوا مما يجب عليهم من الكلام كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أبخل الناس من بخل بالسلام» أمره أن ينبههم على سفههم في ذلك بقوله تعالى: ﴿قل لو﴾ . ولما كان من حق «لو» الدخول على الأفعال، علم أن بعدها فعلاً من جنس ما بعد تقديره: تملكون ولكنه حذفه وفصل الضمير لأن المقصود الحكم عليهم بادىء بدء فقال تعالى: ﴿أنتم﴾ أي دون غيركم ﴿تملكون خزائن﴾ عبر بصيغة منتهى الجموع، لأن المقام جدير المبالغة ﴿رحمة﴾ أي إرزاق وإكرام ﴿ربي﴾ المحسن إليّ بإيتائي جميع ما ثبت أمري وأوضحه، وهي مقدوراته التي يرحم بها عباده بإضافتها عليهم ﴿إذاً لأمسكتم﴾ أي لوقع منكم الإمساك عن الإنفاق في بعض الوجوه التي تحتاجونها ﴿خشية﴾ عاقبة ﴿الإنفاق﴾ أي الموصل إلى الفقر، ثم استدل على صحة هذا المفروض بالمشاهد من مضمون قوله تعالى: ﴿وكان﴾ أي جبلة وطبعاً ﴿الإنسان﴾ أي الذي من شأنه الإنس بنفسه، فهو لذلك لا يعقل الأمور حق عقلها ﴿قتوراً *﴾ أي بخيلاً ممسكاً غاية الإمساك لإمكان أن يكون فقيراً فلا تراه إلا مضيقاً في النفقة على نفسه، ومن

стр. 5595

تلزمه نفقته، شديداً في ذلك وإن اتسعت أحواله، وزادت على الحد أمواله، لما فيه من صفة النقص اللازمة بلزوم الحاجة له، طبع على ذلك فهو في غريزته بالقوة، فكلهم يفعله إلا من وفقه الله تعالى فغلب عقله على هواه وقليل ما هم! أي فإذا كان هذا أمركم فيما تملكونه مع الحاجة إلى الوجوه المنفق فيها فكيف تطلبون من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما لا يملكه، ولا ادعى القدرة عليه؟ أو من الخالق الحكيم أن يفعل ما تتعنتون به عبثاً بغير حاجة أصلاً، لأنه إن كان لإثبات قدرته فأنتم لا تمترون فيها، وإن كان لإثبات رسالة نبيكم فقد ثبت بأمور أعظمها هذا القرآن الذي مر آنفاً إقامة الدليل عليها به، وهتك أستار شبهتكم في استبعاد كون الرسول بشراً، والله تعالى قد أكرمكم بنبيكم عن أن يعاجلكم بالاستئصال عند العصيان بعد كشف الغطاء كما جرت به سنته في جميع الأمم، وإن كان لإثبات غناكم فهو شيء لا يغني نفوسكم فيردها عن طلب المزيد وعن التقتير لما طبعتم عليه. بل تكونون عند حصول ذلك لكم لحصول الغنى كالمستجير من الرمضاء بالنار، وهو قد قضى أنه يظهر أمره على كل من ناواه وإن كره الكافرون، وقد علم من يؤمن فييسر له الإيمان ويجعله

стр. 5596

عوناً لحزب الرحمن، ومن لا يؤمن فهو يجعله مع أولياء الشيطان، ويذيق الكل الهوان، ويجعلهم وقوداً للنيران، فلم يبق بعد هذا كله في إجابتكم إلى تعنتكم إلا العبث الذي هو سبحانه متعال عنه، فلا وجه يحصل به الإنسان الغني إلا اتباع السنة والانسلاخ عن الهوى، فمن وصل إلى ذلك استوى عنده الذهب والحصباء.

стр. 5597

ولما قدم سبحانه أن أكثر الناس جحد الآيات لكونه حكم بضلاله، ومن حكم بضلاله لا يمكن هداه، وختم بأن من جبل على شيء لم ينفك عنه، شرع يسلي نبيه ﵊ بما اتفق لمن قبله من إخوانه الأنبياء، مع التنبيه على أنه يجود بالآيات على حسب المقتضيات، وعلى أن خوارق العادات لا تنفع في إيمان من حكم عليه بالضلال، وتوجب - كما في سنه الله - إهلاك من عصى بعد ذلك بعذاب الاستئصال، فقال عاطفاً على قوله ﴿ولقد صرفنا للناس﴾ : ﴿ولقد ءاتينا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿موسى﴾ بن عمران المتقي المحسن ﵇ لما أرسلناه إلى فرعون ﴿تسع آيات بينات﴾ وهي - كما في التوراة: العصى، ثم الدم، ثم الضفادع، ثم القمل، ثم موت البهائم، ثم البرد

стр. 5598

الكبار التي أنزلها الله مع النار المضطرمة، فكانت تهلك كل ما مرت عليه من نبات وحيوان، ثم الجراد، ثم الظلمة، ثم موت الأبكار من الآدميين وجميع الحيوان - كما مضى ذلك في هذا الكتاب عن التوراة في سورة الأعراف، وكأنه عد اليد مع العصى آية، ولم يفرد اليد لأنه ليس فيها ضرر عليهم، وقد نظمتها ليهون حفظها فقلت: عصى قمل موت البهائم ظلمة ... جراد دم ثم الضفادع والبرد وموت بكور الآدمي وغيره ... من الحيّ آتاها الذي عز وانفرد وهي ملخصة في الزبور فإنه قال في المزمور السابع والسبعين: صنع آياته وعجائبه في مصارع صاعان، وجعل أنهارهم دماً وصهاريجهم لكيلا يشربوا الماء: أرسل عليهم الهوام وذباب الكلاب فأكلهم الضفادع وأفسدهم، أطعم القمل ثمارهم والجراد كدهم، كسر بالبرد كرومهم، وبالجليد تبنهم، أسلم للبرد مواشيهم وللحريق أموالهم، أرسل عليهم شدة حنقه سخطاً وغضباً، أرسل ملائكة الشر، فتح طرق سخطه، ولم يخلص من الموت أنفسهم،

стр. 5599

أسلم للموت دوابهم، قتل جميع أبكار مصر وأول أولادهم في مساكن حام. وقال في المزمور الرابع بعد المائة بعد أن ذكر صنائع الله عند بني إسرائيل وآبائهم: بعث جوعاً على الأرض، حطم زرع أرضهم، أرسل أمامهم رجلاً، بيع يوسف للعبودية، وأوثقوا بالقيود رجليه، صارت نفسه في الحديد حتى جاءت كلمته، وقول الرب ابتلاه، أرسل الملك فأطلقه، وجعله رئيساً على شعبه، وأقامه رباً على بنيه، وسلطانه على كل ما له، ليؤدب أراجينه كنفسه ويفقه مشايخه، دخل إسرائيل مصر، وتغرب يعقوب في أرض حام، وكثر شعبه جداً، وعلا على أعدائه، وصرف قلبه ليبغض شبعه ويغدر بعبيده، أرسل موسى عبده وهارون صفيه، فصنعا فيهم آياته وعجائبه في أرض حام، بعث ظلمة فصار ليلاً، وأسخطوا كلامه، فحول مياههم دماً، وأمات حيتانهم، وانبعثت أرضهم ضفادع في قياطين ملوكهم، أمر الهوام فجاء وذباب الكلب والقمل في جميع تخومهم، جعل أمطارهم برداً، واشتعلت النار في أرضهم، ضرب كرومهم وتبنهم، وكسر شجر تخومهم، أذن للجراد فجاء وذباب لا يحصى، فأكل جميع عشب الأرض وثمارها، وقتل كل أبكار مصر وأول ولد ولد لهم غير أنه لم يذكر العصى، وكأن ذلك لشهرتها

стр. 5600

جداً عندهم، ولأن جميع الآيات كانت بها، فهي في الحقيقة الآية الجامعة للكل، وإنما قلت: إن الآيات هذه، لأن السياق يدل على أن فرعون رآها كلها، وعاند بعد رؤيتها، وذلك إشارة إلى أنه لو أعطى كفار قريش ما اقترحوه من تفجير الينبوع وما معه، لم يكفهم عن العناد، فالإتيان به عبث لا مصلحة فيه. ولما كان اليهود الذين أمروا قريشاً بسؤال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الروح التي مضى الجواب عنها - كما في بعض الروايات - وعن أهل الكهف وذي القرنين الآتي شرح قصتيهما في الكهف، نبههم على سؤالهم - إن كانوا يقبلون كلامهم - عن أمر موسى ﵇ في كونه كهذا النبي الكريم في أنه بشر مع كونه رسولاً وفي كونه أتى بالخوارق فكذب بها المعاندون فاستؤصل المكذب، فقال تعالى: ﴿فسئل﴾ أي يا أعظم خلقنا! ﴿بني إسراءيل﴾ أي عامة الذين نبهوا قريشاً على أمر الروح عن حديث موسى ﵇ أو المؤمنين كعبد الله بن سلام وأصحابه ﴿إذ﴾ أي عن ذلك حين ﴿جاءهم﴾ أي جاء آباءهم، فوقع له من التكذيب بعد إظهار المعجزات الباهرات ما وقع لك، ولم يكذب لخلل من أمره ولا لقوة من عدوه على مدافعة

стр. 5601

العذاب، وإنما كان جهلاً وعناداً، ليكون ذلك مسلاة لك وعلماً على خبث طباعهم وحجة قاطعة عليهم ﴿فقال﴾ أي فذهب إلى فرعون فأمره بإرسالهم معه فأبى فأظهر له الآيات واحدة بعد أخرى فتسبب عن ذلك ضد ما يقتضيه الحال، وهو أن قال ﴿له فرعون﴾ عتواً واستكباراً: ﴿إني لأظنك﴾ أكد قوله لما أظهر موسى ﵇ مما يوجب الإذعان له والإيمان والإنكار لأن يكذبه أحد ﴿يا موسى مسحوراً *﴾ أي فكل ما ينشأ عنك فهو من آثار السحر الذي بك، خيال لا حقيقة له، وأنت في الحقيقة مسحور، ولوجود السحر عنك ساحر، قال أبو عبيد: كما يقال: ميمون - بمعنى يأمن. وكأنه موه على جنوده لما أراهم آية اليد بهذه الشبهة، وهذا كما قالت قريش ﴿إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً﴾ وقالوا في موضع آخر: ساحر، فإنهم ربما أطلقوا اسم المفعول مريدين اسم الفاعل مبالغة في أنه كالمجبر على الفعل، وفي الأمر بسؤال اليهود تنبيه على ضلالهم، قال الشيخ ولي الدين الملوي: ولعل منه اقتباس الأئمة في المناظرة مطالبة اليهود والنصارى ونحوهم بإثبات نبوة أنبيائهم، فكل طريق يسلكون يسلك مثله في تقرير

стр. 5602

نبوة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكل اعتراض يوردونه يورد عليهم مثله، وما كان جواباً لهم فهو جواب لنا، ومن تفطن للآية الكريمة رأى منها العجب في ذلك - انتهى ولم يؤمن فرعون على تواتر تلك الآيات وعظمها، فكأنه قيل: فما قال موسى ﵇؟ فقيل: ﴿قال﴾ لفرعون: ﴿لقد علمت﴾ أي أنا بضم التاء على قراءة الكسائي ليفيد أن عنده العلم القطعي بأن ما أتى به منزل من ربه، فهو أعقل أهل ذلك الزمان وليس على ما ادعاه فرعون، أو بفتح التاء - على قراءة الباقين أي أنك يا فرعون صرت بما أظهرته أنا من الأدلة في عداد من يعلم أنه ﴿ما أنزل﴾ على يدي ﴿هؤلاء﴾ الآيات ﴿إلا رب السماوات والأرض﴾ أي خالقهما ومدبرهما حال كون هذه الآيات ﴿بصائر﴾ أي بينات ثابتاً أمرها علياً قدرها، يبصر بها صدقي، وأما السحر فإنه لا يخفى على أحد أنه خيال لا حقيقة له ﴿وإني﴾ أي وإن ظننتني يا فرعون مسحوراً ﴿لأظنك﴾ أكد لما كان مع فرعون من ينكر قوله ويظهر القطع بسعادة فرعون ﴿يا فرعون مثبوراً *﴾ أي ملعوناً مطروداً مغلوباً مهلكاً ممنوعاً من الخير فاسد العقل، وظني قريب إلى الصحة بخلاف ظنك لعنادك لرب العالمين، لوضوح مكابرتك للبصائر التي كشف عنها وبها الغطاء، فهي أوضح من الشمس، وذلك لإخلادك إلى الحال

стр. 5603

التي أنت بها وكسلك عن الانتقال عنها إلى ما هو أشرف منها، وقد بينت مدار «ثبر» في ﴿لا تثريب﴾ في سورة يوسف ﵇، فإذا راجعتها اتضح لك ما أشرت إليه ﴿فأراد﴾ أي فما تسبب عن هذا الذي هو موجب الإيمان في العادة إلا أن فرعون أراد ﴿أن يستفزهم﴾ أي يستخف موسى ومن آمن معه ويخرجهم فيكونوا كالماء إذا سال، من قولهم: فز الجرح: سال ﴿من الأرض﴾ بالنفي والقتل للتمكن من استعباد الباقين كما أراد هؤلاء أن يستفزوك من الأرض ليخرجوك منها للتمكن مما هم عليه من الكفر والعناد؛ ثم أخذ يحذرهم سطواته بما فعل بمن كانوا أكثر منهم وأشد فقال: ﴿فأغرقناه﴾ أي فتسبب عن ذلك أن رددنا - بما لنا من العظمة - كيده في نحره: فلم نقدره على مراده واستفززناه نحن فلم يقدر على الامتناع، بل خف غير عالم بما نريد به حتى أدخلناه في البحر حيث أدخلنا بني إسرائيل فأنجيناهم وأغرقناه ﴿ومن معه جميعاً *﴾ كما جرت به سنتنا فيمن عاند بعد أن

стр. 5604

رأى الخوارق وكفر النعمة وأفرط في البغي بعد ظهور الحق، فليحذر هؤلاء مثل ذلك ولا سيما إذا أخرجنا رسولنا من بين ظهرانيهم ففي هذه الآية وأمثالها بشارة له بإسلاكنا له في النصرة، والتمكن سبيل إخوانه من الرسل ﵈ ﴿وقلنا﴾ أي بما لنا من العظمة التي لا يتعاظمها شيء.

стр. 5605

ولما كان هذا القول غير مستغرق لزمان البعد، أثبت الجار فقال تعالى: ﴿من بعده﴾ أي الإغراق ﴿لبني إسراءيل﴾ الذين كانوا تحت يده أذل من العبيد لتقواهم وإحسانهم: ﴿اسكنوا الأرض﴾ أي مطلق الأرض إشارة إلى أن فرعون كان يريد محوهم عن الأرض أو إلى أن سكناهم مع وجوده كانت عدماً، لما بهم من الذل - والأرض التي أراد أن يستفزهم منها، وهي أرض مصر، أي صيروا بحيث تسكنونها لا يد لأحد عليكم، ولا مانع لكم مما تريدون منها، كما كان فرعون وجنوده إذا شئتم مملكين فيها بعد أن كنتم عبيداً تسامون سوء العذاب ﴿فإذا جاء﴾ أي مجيئاً محققاً ﴿وعد الآخرة﴾ أي القيامة بعد أن سكنتم الأرض أحياء ودفنتم فيها أمواتاً ﴿جئنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿بكم﴾ منها ﴿لفيفاً *﴾ أي بعثناكم وإياهم مختلطين، لا حكم لأحد على آخر، ولا دفع لأحد عن آخر على غير الحالة التي كانت في الدنيا، ثم ميزنا
следующие страницы →