← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

لا يعقل أن يكون السابق على نسبة اللاحق ما حدثت به إلا بعده بمُدد متطاولة، وسيأتي النص الصريح بإبطال ذلك في آل عمران إن شاء الله تعالى والإشارة إلى منابذته للعقل بقوله: ﴿أفلا تعقلون﴾ [آل عمران: ٦٥] ليتطابق على إبطاله صادق النقل وحاكم العقل، وإلى هذا كله الإشارة بقوله: ﴿تلك أمة قد خلت﴾ أي من قبلكم بدهور ولا يقبل الإخبار عنهم بعدها إلا بقاطع، ولا سبيل لكم إليه وقد قام القاطع على مخالفتكم لهم بهذا القرآن المقطوع بصدقه بإعجازه بما تقدم وبما أشار إليه قوله تعالى: ﴿لها ما كسبت﴾ أي من أعمالها ﴿ولكم ما كسبتم﴾ أي من أعمالكم، فلا يسألون هم عن أعمالكم ﴿ولا تسألون﴾ أي أنتم ﴿عما كانوا يعملون﴾ .

стр. 702

ولما كان ادعاؤهم أن أسلافهم على دينهم لئلا تنتقض دعواهم أن الجنة خاصة بهم مع كونه فضولاً لا سند له يثبت به شيء محاولة لعدم

стр. 703

جواز النسخ وكان إبطال الله تعالى لقولهم وعيبهم بما أحدثوا في دينهم وتقريعهم به ملزوماً لأن يكونوا أباحوا أنفسهم منه ما منعوا منه خالقهم وهو لا يسأل عما يفعل كانوا أسفه الناس فعقبه بالتصريح بعيبهم والتعجيب منهم في إنكارهم لنسخ القبلة وخفتهم بالاعتراض على ربهم فقال واصلاً له بما قبله على وجه أعم. ﴿سيقول﴾ إلى آخره، لأنهم إذا لم يكونوا يعلمون حقية ذلك فلم يتبعوهم فلا أقل من أن يكفوا عن عيبهم فكيف وهم عالمون بأنه الحق! وقال: ﴿السفهاء﴾ ولم يقل: سيقولون، إظهاراً للوصف الذي استخفهم إلى هذا القول الظاهر عواره لأهل كل دين والسفيه الذي يعمل بغير دليل، إما بأن لا يلتفت إلى دليل فلا يتوقف إلى أن يلوح له بل يتبع هواه، أو يرى غير الدليل

стр. 704

دليلاً، وأكد الوصف بالطيش بقوله: ﴿من الناس﴾ المأخوذ من النوس وهو التحرك، دون أن يقول: من أهل الكتاب، أو بني إسرائيل - ونحو ذلك تصريحاً بذمهم وتعميماً لكل من مالأهم على ذلك ﴿ما ولاهم﴾ ولم يقولوا: مَن، زيادة في الأذى بالاحتقار ﴿عن قبلتهم﴾ . قال الحرالي: القبلة ما تجعل قبالة الوجه، والقبل ما أقبل من الجسد في مقابلة الدبر لما أدبر منه ﴿التي كانوا عليها﴾ أي بيت المقدس، ولعله ترك الإفصاح ليصلح ذلك لإرادة الكعبة أيضاً ليصير المعنى: إن كانوا انتقلوا عن الكعبة بأمر الله فهم مبطلون في رجوعهم وإلا فهم في كل حال أتباع الهوى؛ وفي ذلك إشارة إلى أنه لما انقطعت حججهم ألقوا هذه الشبهة إلى من اختدعوه من المنافقين ولم يقدروا أن يواجهوا بها أحداً من الثابتي الإيمان، كما قالوا فيما تقدم: ﴿كونوا هوداً أو نصارى﴾ [البقرة: ١٣٥] ونحوه علماً منهم بأن المحاج لهم عن المؤمنين من له الحجة البالغة؛ ولذا جاء جوابهم بقوله: ﴿قل﴾ خالياً عن خطاب لا كما مضى في قوله: ﴿قل أتخذتم عند الله عهداً﴾ [البقرة: ٨٠] ﴿قل هاتوا برهانكم﴾ [البقرة: ١١١]

стр. 705

ونحوه؛ وساق سبحانه الإخبار عنهم بذلك على طريق هو من أعلام النبوة وجلائل الرسالة؛ فإنه إخبار عما سيكون من الأعداء، فكان منهم على وفق الخبر؛ ولم يقدروا مع شدة عداوتهم واجتهادهم في القدح بأدنى شبهة في التكذيب على تكذيبه بالكف عن ذلك؛ هذا مع توطئة لذلك فيما سلف في خمسة مواضع: تحريفهم لكلام الله، وإيقاعه النسخ واستدلاله على حسن فعله، وإخباره بظلم مانع المسجد، وإخباره بأنه لا يختص به جهة دون أخرى، وذكره بناء البيت وما أمر به من تعظيمه واتخاذه مصلى؛ مع ما في ذلك من توطين نفوس أهل الإسلام وإكرامهم بتعليم الجواب قبل الحاجة، ليكون أقطع للخصم وأكسر لشوكته وأردّ لشغبه. وتسميتهم

стр. 706

سفهاء ناظر إلى قوله فيما مضى عمن نافق منهم ومن غيرهم ﴿ألا إنهم هم السفهاء﴾ [البقرة: ١٣] ، لأنهم وإن كانوا مصارحين بالكفر فاسم النفاق منطبق عليه من جهة أخرى وهو أنهم أظهروا الكفر وأبطنوا معرفة الإيمان، أظهروا التكذيب وأبطنوا ما هم عارفون به من صدقه، وأيضاً فإذا كان المنافقون الذين أظهروا حسناً سفهاء لما أبطنوه من القبيح فالذين عمهم القبح ظاهراً وباطناً أسفه: وإلى قوله قريباً ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه﴾ [البقرة: ١٣٠] لما تقرر من مخالفتهم له وإن ادعوا الموافقة. وقال: ﴿لله﴾ أي الملك المحيط بكل شيء عظمة وعلماً ﴿المشرق والمغرب﴾ مخصصاً لهما لكونهما مجمعي الآفاق كما مضى فلا تختص بالوجهة إليه جهة دون أخرى فما أمر به فهو الحق. ولما قرر أن الجهات كلها بالنسبة إليه سواء لأنها ملكه، على أن من توجه إلى شيء منها بأمره أصاب رضاه وذلك هو الوصول إليه فعبر عن ذلك مستأنفاً بقوله معظماً لأهل الإسلام ومعرفاً بعنايته بهم:

стр. 707

﴿يهدي إليه من يشاء﴾ أي من عباده، وعظم الكعبة بقوله: ﴿إلى صراط المستقيم﴾ في أي جهة كانت، فمتى سلكه وصل إلى المقصود من غير ضلال، ونكّره لأن المراد به جزئيات من الشريعة؛ وأما الصراط المعرف في الفاتحة فالمراد به الشريعة كلها بما دلت عليه «أل» من الكمال. ولما بين استقامة القبلة التي وجههم إليها عرف أنها وسط لا جور

стр. 708

فيها فاتبع ذلك قوله: ﴿وكذلك﴾ أي ومثل ما جعلنا قبلتكم وسطاً لأنها إلى البيت العتيق الذي هو وسط الأرض وهو بناء إبراهيم ﵇ هو أوسط الأنبياء وهو مع ذلك خيار البيوت فهو وسط بكل معنى ﴿جعلناكم﴾ بالهداية إليه في الاستقبال وإلى غيره مما نأمركم به ﴿أمة﴾ . قال الحرالي: من الأم وهو تتبع الجملة والعدد بعضها لبعض إلى أن ينتهي لإمام أول، فالإمام والأمة كالمتقابلين، الإمام قاصد أمماً، والأمة قاصدة إمامها الذي هو أممها، والإمام ما بين اليدين بمشهد الحس وسبيل القصد - انتهى. ﴿وسطاً﴾ أي شريفة خياراً، لأن الوسط العدل الذي نسبة الجوانب كلها إليه سواء، فهو خيار الشيء. قال أبو تمام الطائي. كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت ... بها الحوادث حتى أصبحت طرفا

стр. 709

وسالك الوسط من الطريق محفوظ من الغلط، ومتى زاغ عن الوسط حصل الجور الموقع في الضلال عن القصد؛ ففي هذا أنهم لما ادعوا الخصوصية كذبوا وردت حججهم ثم أثبتت الخصوصية لهذه الأمة؛ والوسط بالتحريك اسم لعين ما بين طرفي الشيء كمركز الدائرة، وبالسكون اسم مبهم لداخل الدائرة مثلاً، وكذا كان ظرفاً، فالأول يجعل مبتدأ وفاعلاً ومفعولاً به، ولا يصح شيء من هذا في الساكن - قاله الأصبهاني. ومادة وسط مهموزة وغير مهموزة واوية ويائية بتراكيبها الأحد عشر: وسط، وطس، سوط، سطو، طوس، طسو، طيس، طسى، سيط سطأ طسأ، تدور على العدل السواء الذي نسبته إلى كل جانب على التساوي، ويلزم أن يكون أعلى من غيره، لأن أكثر المخلوقات كُريّ؛ وكل ما كان في وسط الكرة كان أعلى، ولأن كل جزء بعد الوسط إذا نسبته إلى الطرف الذي يليه كان ما بينه وبينه أقل مما بينه وبين الوسط؛ ويلزم العدل الجودة ويلزم العلو الغلبة والسطوة والكثرة والشدة، وقد يلزم العلو الاضطراب فيأتي الاختلاط والاقتطاع والضعف؛ فمن الأصل الوسط من كل شيء أعدله، ووسط الشيء ما بين طرفيه، فإذا سكنت السين كان ظرفاً

стр. 710

أو هو فيما هو مصمت فإذا كانت أجزاؤه متخلصة متباينة فبالإسكان؛ ووسطه قطّعه نصفين، وتوسط بينهم عمل الوساطة وأخذ الوسط بين الرديء والجيد، ووسط القوم وتوسطهم هو وسط فيهم أوسطهم نسباً وأرفعهم محلاً وهو المتوسط بين القوم، وواسطة الرحل ما بين قادمته وآخرته، وأوطاس واد بديار هوازن لما وصفه به دريد بن الصمة من أنه لا حزن ضرس ولا سهل دهس، أي يثقل المشي فيه بكونه شبه الرمل وما هو برمل ولا تراب. ومن الجودة وهي ملزومة لحسن الوسط الباب، والصلاة الوسطى أفضل الصلوات، والطاووس طائر حسن، والجميل من الرجال والفضة، والأرض المخضرة فيها كل ضرب من النبت، والمطوس كمعظم الشيء الحسن، والطوس بالفتح القمر وحسن الوجه ونضارته بعد علة، وتطوست المرأة تزينت، وطواس كسحاب ليلة من ليالي المحاق كأنه من باب الإزالة أو بالنظر إلى أن النجوم في شدة الظلام أحسن. ومن العلو: سطا الفرس أبعد الخطو، والساطىء الفرس البعيد الخطوة والذي يرفع ذنبه في حضره، والطويل وواسط الكور

стр. 711

مقدمه، ومن الشدة والغلبة: صار الماء وسيطه غلب على الطين، وسطا عليه وبه صال أو قهر بالبطش، والراعي على الناقة أدخل يده في رحمها ليخرج ما فيها من ماء الفحل، والفرس ركب رأسه، وساطاه شدد عليه؛ والساطي الفحل المغتلم يخرج من إبل إلى إبل، وسطأها مهموزاً كمنع جامعها؛ والوطس كالوعد الضرب الشديد والكسر، والوطيس التنور وحرّ الحرب، والوطيس شدة الأمر، وككَتّاب الراعي، وتواطسوا عليّ أي تواطحوا أي تداولوا الشر بينهم، والموج تلاطم، وأوطاس واد بديار هوازن لأنه أشد مما هو رمل صرف، والسوط الذي يضرب به والشدة والضرب، والمسواط فرس لا يعطى حضره إلا بالسوط، والسياط قضبان الكراب الذي عليه دماليقه أي عراجينه والكراب أصول السعف الغلاظ العراض، وسوَّط أخرج ذلك، والطوس بالفتح الوطء وبالضم دوام الشيء ودواء يشرب للحفظ، وطواس كسحاب ليلة من ليالي المحاق، وما أدري أين طوّس به أي ذهب به

стр. 712

وطسى كرضى طس غلب الدسم على قلبه فاتخم كطسا أي واوياً؛ وطسيء مهموزاً أيضاً كفرح وجمع طَسأ وطساء فهو طسيء اتخم أو تغير من أكل الدسم، وأطسأه الشبع ونفسي طاسئة ويدخل هذا في الاضطراب والاختلاط والضعف. ومن الكثرة الوسط وهي الناقة تملأ الإناء ويدخل في الجيد، الطيس العدد الكثير، وكل ما في وجه الأرض من تراب وقِمام أو خلق كثير النسل كالذباب والنمل والهوام أو دقاق التراب كالطيسل في الكل وكثرة كل شيء من الرمل والماء وغيرهما؛ وسطا الماء كثر؛ والسويطاء مرقة كثيرة الماء، ومن الاختلاط سياط ككتاب مغن مشهور؛ وسطا الطعام ذاقه؛ والساطىء الفحل المغتلم يخرج من إبل إلى إبل، وسطا الراعي على الناقة أدخل يده في رحمها ليخرج ما فيها من ماء الفحل؛ والسوط الذي يضرب به والخلط والضرب، والسياط قضبان الكراب الذي عليه دماليقه، وسوط باطل ضوء يخرج من الكوّة، وسطت الشيء بالسوط ضربته به، والسوط أيضاً ما يخلط به كالمسواط وولد لإبليس، والمسواط فرس لا يعطى حُضره

стр. 713

إلا بالسوط، واستوط أمره اضطرب واختلط، وأموالهم سويطة بينهم مختلطة، والطوس بالضم دواء يشرب للحفظ، والطاووس طائر والأرض المخضرة فيها كل ضرب من النبت، ومن الاقتطاع الطاس أي الإناء يشرب فيه، والسوط النصيب والفضلة من الغدير. ومن الضعف الوسط من بيوت الشعراء وهو أصغرها، وطسأ كمنع مهموزاً استحيى. ولما أثبت لهم الوسط الذي من حله كان جديراً بأن لا يخفى عليه شيء من الجوانب واستلزم ذلك كونه خياراً قال: ﴿لتكونوا﴾ أي أنتم لا غيركم ﴿شهداء﴾ كما أفاده التعبير بهذا دون أن يقال: لتشهدوا، وقال: ﴿على الناس﴾ أي كافة. ولما كان الرسول ﷺ أوسطهم قال: ﴿ويكون الرسول﴾ أي لا غيره بما اقتضاه اختصاصه بكونه وسط الوسط ﴿عليكم﴾ خاصة ﴿شهيداً﴾ بأنكم تابعتموه وصدقتموه فكنتم خير أمة أخرجت للناس،

стр. 714

وبأنه قد بلغكم مدة حياته، فلما مات خلف فيكم كتاباً معجزاً متواتراً لا يغسله الماء ولا تحرقه النار، لأنه محفوظ في الصدور متلو بالألسن إلى أن يأتي أمر الله، ولذلك عبر بأداة الاستعلاء فافهم صوغ الكلام هكذا: إنهم حازوا شرفين أنه لا يشهد عليهم إلا الرسول، وأنه لا يحتاج في الشهادة على سائر الأمم إلى غير شهادتهم دفعاً لتوهم أن غيرهم يشهد عليهم كما شهدوا عليهم، ولتوهم أن غيرهم لا يكتفى في الشهادة عليه إلا بشهادة الرسول كما لم يكتف فيهم إلا بذلك. ولما أعلم بما ﴿سيقول السفهاء﴾ [البقرة: ١٤٢] وعلم جوابهم وبين سر التحويل بين علة التوجيه إلى قبلتين بقوله: ﴿وما جعلنا﴾ أي بعظمتنا التي لا يقاويها أحد ﴿القبلة﴾ قال الحرالي: في جملته إنباء بأن القبلة مجعولة أي مصيرة عن حقيقة وراءها ابتلاء بتقليب الأحكام

стр. 715

ليكون تعلق القلب بالله الحكيم لا بالعمل المحكم، فالوجهة الظاهرة ليكون ذلك علماً على المتبع عن صدق فيثبت عند تقلب الأحكام بما في قلبه من صدق التعلق بالله والتوجه له أيان ما وجهه، وعلى المجيب عن غرض ظاهر ليس يسنده صدق باطن فيتعلق من الظاهر بما لا يثبت عند تغيره - انتهى. وبين أنها الأولى بقوله: ﴿التي كنت عليها﴾ وبين أن العلة التمييز بين الناس بقوله: ﴿إلا لنعلم﴾ أي بما لنا من العظمة بالجنود والرسل وغيرهم حين وجود الأمر بالتحول عنها ﴿من يتبع الرسول﴾ في كل ما يأمر به اتباعاً دالاً على تمكن إيمانه ﴿ممن ينقلب﴾ أي يرتد فيدبر بعد إقباله متنكساً ﴿على عقبيه﴾ علماً متعلقاً بموجود تقوم به الحجة في مجاري عاداتكم، والعقب مؤخر القدم. وقال الحرالي: لنجعل علماً ظاهراً على الصادق وغيره يشتمل العلم به من علم الغيب قبل كونه وبعد كونه، ومن لم يعلم الغيب إلا عن علم بما ينبئني عنه نون الاستتباع فهذا وجهه ووجه ما يرد من نحوه في القرآن والسنة - انتهى. ثم بين شدتها على من أخلد إلى العادة لغلبة القوة الحيوانية البهيمية ولم يتمرن في الانقياد للأوامر الإلهية على خلع الإلف وذل

стр. 716

النفس فقال: ﴿وإن كانت﴾ أي الجعلة ﴿لكبيرة﴾ أي ثقيلة شاقة جداً لأن مفارقة الألف بعد طمأنينة النفس إليه أمر شاق جداً، ثم استثنى من أيده سبحانه بروح منه وسكينة فقال: ﴿إلا على الذين هدى الله﴾ أي خلق الذي له الأمر كله الهداية في قلوبهم فانقادوا لما هداهم إليه بنصيب الأدلة. ولما كان قبولهم لهذا الأمر وثباتهم عند تغير الأحكام إنما كان عن إيمان وعلم محيط جعل الله أعمالهم وتوجههم للقبلة الأولى من الإيمان فقال: ﴿وما كان الله﴾ الذي له الكمال المطلق ﴿ليضيع﴾ قال الحرالي: مما منه الضياع والضيعة وهو التفريط فيما له غناء وثمرة إلى أن لا يكون له غناء ولا ثمرة ﴿إيمانكم﴾ أي المصرح به في قولكم: ﴿آمنا بالله﴾ [البقرة: ٨] المشار إلى صدق الدعوى فيه بقولكم: ﴿ونحن له مخلصون﴾ [البقرة: ١٣٩] في شيء من الأشياء لا في صلاتكم إلى القبلة الأولى، ولا في تمييز الصادق منكم من المنافق بالامتحان بتغيير الأحكام من القبلة وغيرها ولا في اختصاصكم به سبحانه دون أهل

стр. 717

الكتاب الجاحدين لآياته الناكبين عن مرضاته الناكثين لعهوده. ولما نزه نفسه المقدسة عن جميع هذه الإضاعة علل ذلك بما هو أعم فقال: ﴿إن الله﴾ أي المحيط بجميع صفات الكمال ﴿بالناس﴾ أي الذين هم أعم من المؤمنين وغيرهم ممن ينوسون بين حال الهدى والفتنة ﴿لرءوف﴾ أي فيرحم من يشاء ممن توصل إليه بعمل صالح رأفة منه به، فإن الرأفة كما قال الحرالي في التفسير عطف العاطف على من لم يجد عنده منه وصلة، فهي رحمة ذي الصلة بالراحم، قال: والرحمة تعم من لا صلة له بالراحم، وقال في شرح الأسماء: إن المرؤوف به تقيمه عناية الرأفة حتى تحفظ بمسراها في سره ظهور ما يُستدعى العفو لأجله على علنه - انتهى. وذلك مقتضى لكونها أشد الرحمة وأبلغها وألطفها كما قالوه ﴿رحيم﴾ لمن يشاء

стр. 718

ولو لم يكن منه سعي في الوصلة فتقتلعه من ذنوبه اقتلاعاً أشد ما كان بها اعتلاقاً فتقيمه فيما ترضاه الإلهية وذلك مع موافقته لما قاله العلماء ترق من العالي إلى الأعلى، فإن رحمة من لا سبب منه تقتضي العطف عليه أبلغ في نوعها من حيث كونها ابتداء والأولى أبلغ في نفسها لما اقتضاها من السبب، فإن كان المراد بالناس العرب فهو بشارة له ﷺ بأنه يقر عينه بجعلهم من حزبه بالتثبيت لمن كان إذ ذاك مقبلاً والإقبال لمن كان مدبراً. وإن كان المراد أعم منهم فهو بشارة باتباع أكثر الخلائق له ﷺ ، فإذا نزل عيسى ﵇ وقع العموم الحقيقي في الطريق المحمدي باتباع الكل له ﷺ والله أعلم؛ ويجوز أن يكون تعليلاً للكلام من أوله فيكون المعنى أن صفتي رأفته ورحمته مقتضيتان للتمييز بين المؤمنين وغيرهم للعدل بين الناس، لأن تسوية المصلح بالمفسد يؤلم المصلح وسيأتي إن شاء الله تعالى في آخر براءة ما ينفع استحضاره هنا. ولما أشعر الكلام السابق أهل البلاغة بإحداث أمر في القبلة

стр. 719

فتوقعوا الخبر عن ذلك وبين رأفته ورحمته بالناس عموماً بين ذلك برسوله خصوصاً بأن تحويله إلى الكعبة رأفة منه به ورحمة له مع ما تقدم من فوائده فقال تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك﴾ قال الحرالي: فيه نبأ إسماع لمن يرتقب أمراً أو خبراً يفيد مع المستقبل ندرة الوقوع، ففيه إعلام بأن النبي ﷺ لما انطوى ضميره على إرادة التوجه للكعبة التي هي قيام للناس حين كان هو رسولاً لكافة الناس وكان ﷺ على ملة أبيه إبراهيم ﵇ يكتفي بعلم الله به عن مسألته، لأن الدعاء للطالبين قضاء حاجة وللمكتفين بعلم الله عبادة أجاب الله تقلب وجهه على قلة وقوع ذلك منه على ما تشعر به ﴿قد﴾ بالتقليل للتقلب وللرؤية ﴿في السماء﴾ فيه إعلام بما جعله من اختصاص السماء بوجه الداعي، كما اختص غيب القلوب بوجهه المصلي، فالمصلي يرجع إلى غيب قلبه، ولا يرفع طرفه إلى السماء «ولينتهينّ أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لتخطفن أبصارهم» والداعي يتوجه إلى السماء ويمد يديه كما قال: «حتى رأينا عفرة إبطيه» - انتهى ملخصاً. ﴿فلنولينَّك﴾ أي فتسبب عن تلك

стр. 720

الرؤية أنا نوليك من غير شك ﴿قبلة﴾ قال الحرالي: نكّرها لما كان من ورائها قبلة التوجه العام في تنقله، فتلك هي القبلة التي هي توجه لوجه الله لا توجه لمنظر باد من خلق الله، فكان متسع القبلة ما بين اختصاص القبلة الشامية إلى قيام القبلة الحجازية إلى إحاطة القبلة العامة الآفاقية؛ وفي قوله: ﴿ترضاها﴾ إنباء بإقراره للتوجه لهذه القبلة، لأن الرضى وصف المقر لما يريد، فكل واقع بإرادة لا يكون رضىً إلى أن يستدركه الإقرار، فإن تعقبه الرفع والتغيير فهو مراد غير مرضي - انتهى. ودل على أن مرضيه الكعبة بفاء السبب في قوله: ﴿فول وجهك﴾ ، وأما قلبك فإنما توجهه إلى الله، الغيب

стр. 721

للغيب والظاهر للظاهر، ﴿شطر﴾ أي عين ﴿المسجد﴾ كما استدل الشافعي ﵀ في الرسالة على ذلك بجملة من أشعار العرب وقال: وهذا كله من أشعارهم يبين أن شطر الشيء قصد عين الشيء، إذا كان معايناً فبالصواب وإن كان مغيباً فبالاجتهاد ﴿الحرام﴾ وتعبيره بهذا دون الكعبة فيه توسعة. قال الحرالي: سماه الله حراماً لحرمته حيث لم يوطأ قط إلا بإذنه ولم يدخل إلا دخول تعبد وذلة فكان حراماً على من يدخله دخول متكبر أو متحير - انتهى. وعن الإمام الماوردي أن كل موضع ذكر الله فيه المسجد الحرام فالمراد به الحرم إلا هذا فالمراد به الكعبة - انتهى. وعبر عنه بذلك لأن السياق للصلاة التي أعظم مقصودها السجود، وسيأتي عند

стр. 722

﴿يسألونك عن الشهر الحرام﴾ [البقرة: ٢١٧] زيادة على هذا، وفي الموطأ عن سعيد بن المسيب أنه قال: «صلى رسول الله ﷺ بعد أن قدم المدينة ستة عشر شهراً نحو بيت المقدس، ثم حولت القبلة قبل بدر بشهرين» ولما بشره سبحانه بالتحويل أولاً وأوقع المبشر به ثانياً أشار إلى بشارة ثالثة بتكثير أمته ونشرهم في أقطار الأرض فجمعهم إليه في قوله: ﴿وحيث ما كنتم﴾ أي من جهات الأرض التي أورثكم إياها ﴿فولوا وجوهكم شطره﴾ بتوجيه قلوبكم إليّ. ولما حرر ذلك وقرره بيّن أن العائبين لدينه بذلك من أهل الكتاب عالمون بحقية هذا التحويل وأنه من أعلام نبوته فقال: ﴿وإن الذين أوتوا الكتاب﴾ أي من اليهود والنصارى، ولم يصفهم هنا بالسفه لإثبات العلم في قوله: ﴿ليعلمون أنه﴾ أي هذا التحويل ﴿الحق﴾ أي ليس بعده في أمر القبلة حق آخر يرفعه أصلاً ﴿من

стр. 723

ربهم﴾ أي المحسن إليهم بإرسال هذا الرسول الذي يرفع عنهم إصرهم وكانوا ينتظرون رسالته، فعندما أتاهم ردوا رحمته، وجعل ذلك سبحانه في سياق مهدد له مرج له ولأتباعه تسلية لهم وتثبيتاً وتقوية لعزائمهم وتمكيناً حيث ختم الآية بقوله: ﴿وما الله﴾ أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿بغافل عما يعملون﴾ قال الحرالي: بالياء أي التحتانية إعراضاً عنهم، وبالتاء إقبالاً عليهم، ففيه إنباء بتماديهم على سوء أحوالهم في رتبتين: في متماد على سوء هدد فيه لما أقبل عليه، وفي متماد على أسوأ منه أوجب في تهديده الإعراض عنه

стр. 724

والإقبال على غيره ممن لم يصل في السوء والمكائدة إلى ما وصل إليه المعرض عنه.

стр. 725

ولما أطمع أول الآية في أهل الكتاب وقطع عنهم آخرها صرح بما لوّح إليه هذا الأخير وأعلمه ﷺ بعاقبة أمرهم وأنه لا اتفاق بينه وبينهم أصلاً ولا اتفاق بين فريقيهم مع كون الكل من بني إسرائيل ليريحه ﷺ من التطلع إلى هدى بعضهم فقال تعالى: ﴿ولئن أتيت الذين أوتوا﴾ بناه للمجهول تنبيهاً على هوانهم ﴿الكتاب﴾ أي من اليهود والنصارى ﴿بكل آية﴾ أي من الآيات المسموعة مرغبة ومرهبة ومن الآيات المرئية مغرّبة ومقربة ﴿ما تبعوا قبلتك﴾ أي هذه التي حولت إليها وكنت الحقيق بها لكونها قياماً للناس كما أنت رسول إلى جميع الناس، لأن إعراضهم ليس عن شبهة إذا زالت زال بل عن عناد. ثم أومأ إلى أنهم ينصبون له الحبائل ليعود ولو ساعة من نهار إلى قبلتهم ليقدحوا بذلك فيه فقال: ﴿وما أنت بتابع قبلتهم﴾ ثم أشار إلى عيبهم باختلافهم وتفرقهم مع نهيهم عنه فقال: ﴿وما بعضهم﴾ أي أهل الكتاب ﴿بتابع قبلة بعض﴾ مع تقاربهم في النسب، وذلك حثاً للعرب على الثبات على مباعدتهم والحذر من مخادعتهم. ولما كان دينهم قد نسخ أعلم سبحانه بأن ثباتهم على قبلتهم مع

стр. 726

ذلك مجرد هوى فقال منفراً للأمة عنهم ومحذراً لهم منهم بخطاب الرأس ليكون ذلك أدعى لقبول الاتباع ﴿ولئن اتبعت أهواءهم﴾ . ولما كان هذا السياق لأمر القبلة فقط قال: ﴿من بعد ما جاءك من العلم﴾ قال الحرالي: فأبهمه ولم يكن نحو الأول الذي قال فيه «بعد الذي» لظهور ما ذكر في الأول وخفاء ما وقعت إليه الإشارة في هذا وجاءت فيه «من» التي هي لابتداء من أولية لخفاء مبدأ أمر ما جاء من العلم هنا وظهور ذلك الأول، لأن ذلك كان في أمر الملة التي

стр. 727

مأخذها العقل، وهذه في أمر التوجيه الذي مأخذه الدين والغيب، قال الحرالي: قال تعالى: ﴿إنك إذاً لمن الظالمين﴾ على حد ما ذكر من أنه من لمح لمحاً من وصف كان من الموصوف به بألطف لطف ووصف كل رتبة بحسبها، فما يرفع عنه النبي ﷺ من باب إظهار رغبته وحرصه على هداية الخلق الذي جبل على الرحمة فيه وطلب المسامحة في التقاصر عنه نظراً منه إلى حق الله تعالى ومضمون وصية الله تعالى له حين أوصاه بغير ترجمان ولا واسطة أن يصفح عمن ظلمه ويصل من قطعه، فكان ﷺ يطلب وصل المنقطع عنه حتى يعلن عليه بالإكراه في ترك ذلك وودعه فيجيبه حكماً وإن كان معه علماً، ومنه قوله: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» ففي طيّ كل خطاب له يظهر الله فيه إكراهه على أخذ حكم الحق وإمضاء العدل أعظم مدحة له والتزام لوصيته إياه، فهو ممدوح بما هو مخاطب بخطاب الإكراه على إمضاء العدل والاختصار في أمر رحمته للعالمين، فرفعه الله أن يكون ممن يضع رحمة في موضع استحقاق وضع النقمة، فذلك الذي بجمع معناه بين متقابل الظالمين فيمن يضع النقمة موضع الرحمة فيكون أدنى الظلم، أو من يضع الرحمة في موضع

стр. 728

النقمة فيكون منه بتغيير الوضع بوضع الفضل موضع العدل؛ وعلى ذلك جميع ما ورد في القرآن من نحو قوله: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك﴾ أي في إمضاء العدل ﴿فلا تكونن من الممترين﴾ [يونس: ٩٤] في طلب الفضل لأهل العدل فإن الله يمضي عدله كما يفيض فضله، وكذلك قوله: ﴿عبس وتولى أن جاءه الأعمى﴾ [عبس: ١-٢] فيه إظهار لمدحته بحرصه على تألف الأبعدين ووصل القاطعين حتى ينصرف عنهم بالحكم وإشادة الإكراه عليه في ذلك، فلا ينصرف عن حكم الوصية إلى حكم الكتاب بالحق إلا عن إشادة بإكراهه عليه، فهو محمود بما هو منهي عنه، لأن خطابه أبداً في ذلك في القرآن فيما بين الفضل والعدل، وخطاب سائر الخلق جار فيما بين العدل والجور، فبين الخطابين ما بين درج العلو، ودرك السفل في مقتضى الخطابين المتشابهين في القول المتباينين

стр. 729

في العلم - انتهى. وسيأتي في قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ [التوبة: ٤٣] في سورة التوبة ما يوضحه. ولما ختم الخطاب بالإشارة بقوله: ﴿أهواءهم﴾ إلى علمهم بحقية هذا التحويل تلويحاً كما فتحه بالإعلام به تصريحاً كرّ على تأكيد الإعلام بما هم عليه في أمرها من التحقق إشارة إلى ما تبطنوه من العناد الموجب للتمادي في الفساد فقال مضمراً له على وجه يصلح أن يكون للنبي ﷺ معظماً لهذه المعرفة بإسناد الإيتاء إليه سبحانه: ﴿الذين آتيناهم﴾ أي بما لنا من العظمة التي هم بها عارفون ﴿الكتاب يعرفونه﴾ أي التحويل المتضمن لزيادة تحققهم لصدق الرسول ﷺ وكمال علمهم به ﴿كما يعرفون أبناءهم﴾ لا يشكون في حقية ذلك بوجه لظهور دلائله عندهم، لأنهم يعرفون الرسول ﷺ بجميع نعوته معرفة لا يشكون فيها لكونها عن الله الذي لا خلف في قوله، فبذلك صاروا يعرفون صحة هذا التحويل هذه المعرفة، وذلك كما أنهم لا يشكون في شيء مما تقع به المعرفة لأبنائهم لشدة ملابستهم لهم؛ والحاصل أن معرفتهم بنبوته تزيدهم في المعرفة بحقية التحويل بصيرة لأنه من نعته، ومعرفتهم بأمر التحويل يثبتهم في حقية نبوته لكونه مما ثبت منها، ولذلك قال الحرالي: في إنبائه تحققهم بعيان ما ذكر لهم من أمره، لأن

стр. 730

العارف بالشيء هو الذي كان له به إدراك ظاهر بأدلة ثم أنكره لاشتباهه عليه ثم عرفه لتحقق ذكره لما تقدم من ظهوره في إدراكه، فلذلك معنى المعرفة لتعلقها بالحس وعيان القلب أتم من العلم المأخوذ عن علم بالفكر؛ وإنما لم تجز في أوصاف الحق لما في معناها من شرط النكرة، ولذلك يقال المعرفة حد بين علمين: علم على تشهد الأشياء ببواديها، وعلم دون يستدل على الأشياء بأعلامها؛ وفيه أي التشبيه بالأبناء إنباء باتصال معرفتهم به كياناً كياناً إلى ظهوره، ولو لم يكن شاهده عليهم إلا ارتحالهم من بلادهم من الشام إلى محل الشدائد من أرض الحجاز لارتقابه وانتظاره ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾ [البقرة: ٨٩] وأجرى المثل بذكر الأبناء لاشتداد عناية الوالد بابنه لاعتلاقه بفؤاده، ففيه إنباء بشدة اعتلاقهم به قبل كونه ﴿وإن فريقاً منهم﴾ أي أهل الكتاب ﴿ليكتمون الحق﴾ أي يخفونه ولا يعلنونه. ولما كان لا يلزم من ذلك علمهم به ولا يلزم من علمهم به استحضاره عند الكتمان قال: ﴿وهم يعلمون﴾ أي إنه حق وأنهم آثمون بكتمانه، فجعلهم أصنافاً: صنفاً عرفوه فاتبعوه، وصنفاً عرفوه فأنكروه كما في إفهامه

стр. 731

وفريقاً علموه فكتموه؛ وفي تخصيص هذا الفريق بالعلم إشعار بفرقان ما بين حال من يعرف وحال من يعلم، فلذلك كانوا ثلاثة أصناف: عارف ثابت، وعارف منكر هو أردؤهم، وعالم كاتم لاحق به؛ وفي مثال يكتمون ويعلمون إشعار بتماديهم في العالم وتماديهم في الكتمان. ولأن هذا المجموع يفيد قهر الحق للخلق بما شاء منهم من هدى وفتنة لتظهر فيها رحمته ونقمته وهو الحق الذي هو ماضي الحكم الذي جبلّة محمد ﷺ تتقاضى التوقف فيه لما هو عليه من طلب الرحمة ولزوم حكم الوصية خاطبه الحق بقوله: ﴿الحق﴾ أي هذا التفريق والتصنيف الموجب لعمارات درجات الجنة وعمارات دركات النار هو الحق، أو يكون المعنى: الحق الذي أخبرت به في هذه السورة أو الآيات، أو جنس الحق كائن ﴿من ربك﴾ أي المحسن إليك بطرد من يضر اتباعه كما هو محسن إليك بالإقبال بمن ينفع اتباعه ﴿فلا تكونن من الممترين﴾ فيما فسر نحوه من اشتباه المرتبتين الواقعة منه فيما بين الفضل والعدل والواقعة من غيره فيما بين الجور

стр. 732

والعدل انتهى. وفيه زيادة وتغيير، وفي تأكيد الأمر تارة بالعلم وتارة بالمعرفة وتارة بغيرهما تأكيد لوجوب اتباعه ﷺ وإزاحة لما يلقيه السفهاء العالمون به من الشبه. قال الحرالي: والممتري من الامتراء وهو تكلف المرية وهي مجادلة تستخرج السوء من خبيئة المجادل، من امتراء ما في الضرع وهو استيصاله حلباً، ولأنه حال الشاك ربما أطلق عليه. ولما بين أن أحداً من هؤلاء الفرق لا يتبع قبلة الآخر وتضمن ذلك أن لكل منهم قبلة وقرر أن ذلك من أهل الكتاب على وجه العناد أثبت ما تضمنه الكلام السابق على وجه أعم منه وسبب عنه النتيجة فقال تعالى: ﴿ولكل﴾ أي لكل فريق من المذكورين وغيرهم ﴿وجهة﴾ أي مقصد يقصده ويوجه وجهه إليه ويقبل بقلبه عليه من القبلة للصلاة وغيرها من جميع المقاصد ﴿هو موليها﴾ إن كسر اللام كان المعنى هو متوليها أي فاعل التولي أي مائل إليها بوجهه لأن المادة تدور بكل ترتيب على الميل كما يأتي إن شاء الله تعالى في

стр. 733

آخر الأنفال، فيكون وليّ بمعنى تولّى كقدم بمعنى تقدم، ومن المعلوم الفرق بين تولاه وتولى عنه، وإن فتح فالمعنى: هو ممال إليها. قال الحرالي: وفي قراءة موليها - بالكسر - إشعار باختلاف جبلات أهل الملل وإقامة كل طائفة منهم بما جبلت عليه، وفي قراءة «مولاها» إظهار حقيقة ذلك وأنه ليس ذلك منهم بل بما أقامهم فيه المولى لهم حيث شاء، وأبهم فيه المولى لما كان في طوائف منهم حظ هوى، وهو من التولية وهو ما يجعل مما يلي الجسد، أو القصد أي يكون ميالاً بين يديه ملاصقاً له - انتهى. ولما كان فعلهم هذا إنما هو لأجل تزكية النفس وخلاصها وكان ذلك لا يحصل إلا بفعل الخير واجتناب الشر سبب عنه قوله: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ أي فاجعلوا أنتم مقصدكم أنواع الخير من القبلة

стр. 734

وغيرها وتسابقوا في قصدكم إليها، أي كانوا في المبادرة إلى أفعال الخير كمن يسابق خصماً فهو يجتهد في سبقه، فإن الاستباق تكلف السبق والسبق بروز أحد المتحاربين، ثم حثهم على ذلك وحذرهم من تركه بقوله على وجه التعليل: ﴿أين ما تكونوا﴾ أي من الجهات التي استبقتم إليها الحسية والمعنوية ﴿يأت بكم الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿جميعاً﴾ منها إليه في يوم البعث، ثم علل هذه العلة بقوله: ﴿إن الله﴾ أي الذي له الأمر كله ﴿على كل شيء قدير﴾ وفي ذكر البعث هنا معادلة بين القبلتين: قبلة أهل الفضل الأمة الوسط التي جعلت محل الأمن، والقبلة الأولى، قال الحرالي: من حيث يرد الخلق في البعث إلى موطن القبلة السابقة من أرض الشام، فيكون موطن الحق والعدل أولى القبلتين بذلك، لأن أعلى القبلتين موطن أمنة من حيث إن من دخله كان آمناً، فكان

стр. 735

المحشر إلى قبلتهم الأولى التي هي بداية الأمر ليطابق الآخر من القبلتين الأولى من حيث كان الآخر في الدنيا للفضل والأول في الآخر للعدل ومن الدعوتين من حيث كانت الدعوة الأولى في الأول حكماً وعلماً والإتيان الآخر في العقبى قهراً وملكاً. ولما عظم في شأن القبلة انتشار أقوالهم في تنويع شغبهم وجدالهم وكانوا أهل علم وكتاب، وقد مرت لهم دهور وهو موسومون بأنهم على صواب، فاشرأب لذلك النفاق، ودارت رحى الباطل والشقاق، وقامت سوق الفسوق فيما هنالك على ساق، كان الحال مقتضياً لمزيد تأكيد لأمرها تعظيماً لشأنها وتوهية لشبه السفهاء فقال تعالى ثانياً معبراً بعبارة مشعرة بإمامته ﷺ وانتظار المصلين له، ﴿ومن حيث خرجت﴾ أي للصلاة المفروضة باتباعك من هذه الجهة التي أنت بها الآن بالمدينة الشريفة التي هي شمال الكعبة المشرفة أو من غيرها من الجهات من الشرق والغرب والجنوب ﴿فول وجهك شطر﴾ أي عين ﴿المسجد الحرام﴾ وأما قلبك فهو إلى الله ولما كان التقدير فإنك مأمور بذلك لئلا يظن أن ذلك إنما

стр. 736

عمل لتطلعه ﷺ إليه وهو فيه بالخيار فيظن أن الرجوع إلى القبلة الأولى مصلحة لما انتشر في ذلك من الكلام الذي نفذ في القلوب نفوذ السهام عطف عليه قوله: ﴿وإنه للحق من ربك﴾ مؤكداً له بأنواع التأكيد مضيفاً له إلى صفة الإحسان بإحسان التربية والنظر في أدبار الأمور وأحكامها. ولما كان التقدير: وإن ربك عالم بما قالوا من الشبه التي دارت بين الناس وخيفت عاقبتها عطف عليه ما هو أعم منه فقال: ﴿وما الله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة ﴿بغافل عما﴾ أي عن شيء مما ﴿يعملون﴾ أي السفهاء من اليهود وغيرهم في مستقبل الزمان فيوهيه ويبطل أذاه ويرميه ويبعده ويقصيه، وعلى قراءة الخطاب أنتم في هذا الوقف وبعده فيغلبه ويثبته ويبقيه إن كان خالصاً لوجهه وإلا جعله هباء منثوراً. قال الحرالي: ومن التفت بقلبه في صلاته إلى غير ربه لم تنفعه وجهة وجه بدنه إلى الكعبة، لأن ذلك حكم حق حقيقته توجه القلب ومن التفت بقلبه إلى شيء من الخلق

стр. 737

في صلاته فهو مثل الذي استدبر بوجهه عن شطر قبلته، فكما يتداعى الإجزاء الفقهي باستدبار الكعبة حساً فكذلك يتداعى القبول باستدبار وجه القلب عن الرب غيباً، فلذلك أقبل هذا الخطاب على الذين آمنوا والذين أسلموا، لأنه هو ﷺ مبرأ عن مثله - انتهى. ﴿ومن حيث خرجت﴾ أي من بقاع الأرض للصلاة بأمتك ﴿فول وجهك﴾ أي اجعله يلي ﴿شطر﴾ أي عين ﴿المسجد الحرام﴾ . ولما تقرر بما تكرر أن هذا التحويل فرض قي حقه ﷺ حتم لا فتور عنه ولا رخصة فيه إلا ما استثنى في النفل أدخل معه أمته ليعمهم الحكم وربأ بمنصبه المنيف وقدره الشريف عن أن يكون لأحد عليه ما يسمى حجة بحق أو باطل فقال: ﴿وحيث ما كنتم﴾ أي أيتها الأمة من جميع جهات الكعبة في جميع أقطار الأرض الدانية والقاصية. قال الحرالي: وذكر في أمته بالكون لا بالخروج إشعاراً يتقاصر الأمة عن علو أحوال الأئمة وأن حال الأمة في خلوتهم كحالهم في جولتهم - انتهى. ﴿فولوا وجوهكم﴾ أي اجعلوها والية ﴿شطره﴾ للصلاة. قال الحرالي: وفيه إشعار يلحظ صحة صلواتكم فرادى وفي بيوتكم، كما قال: إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت

стр. 738

قد صليت في أهلك، بخلافه هو ﷺ فإن صلاته لا تقع إلا جمعاً من حيث إنه يصلي لهم وأنه إمام لا تقع صلاته فذا - انتهى. ولما كان ربما ظن أن الرجوع إلى القبلة الأولى يزيل الكلام بين أن الأمر بخلاف ذلك فقال: ﴿لئلا يكون للناس﴾ أي لأحد منهم ﴿عليكم حجة﴾ بأن يقولوا: النبي المبشر به يستقبل بيت إبراهيم ﵊ ثم لا يتحول عنه وهذا لم يفعل، أو يقولوا: ما جاء بشيء جديد وإنما هو تبع لنا في قبلتنا. ولما كانت الحجة كلاماً ينشأ عن مقدمات يقينية مركبة تركيباً صحيحاً وقع الاستثناء باعتبار تلبس المستثنى بجزء المعنى الذي نفى عن المستثنى منه بدلالة التضمن فهو قريب من الاستخدام فقال: ﴿إلا الذين﴾ أي الناس الذين ﴿ظلموا منهم﴾ فإنهم لعنادهم ولددهم لا يرجعون

стр. 739

إلى الحق الذي يعرفونه بل يكون لهم عليكم مجرد كلام هو مادة الحجة لا حجة بما دل عليه وصفهم بالظلم الذي هو وضع الشيء في غير محله كما هو شأن كل ماش في مأخذ الاشتقاق الذي هو الظلام، ويكون الاستثناء على هذا منقطعاً بمعنى: لئلا يحتج أحد عليكم لكن الذين ظلموا يقولون أو يظهرون فجوراً ولدداً في ذلك كلاماً يسمونه حجة، ولعل السر في تصويره على تقدير الانقطاع بصورة الاستثناء الحث على الثبات على أمر الله والإعراض عمن خالفه نظراً إلى ما تأصل من إبطاله واستحضاراً لما ظهر من فاسد أحواله وإن أبدى من الشبه ما يخفى أمره ويصعب على بعض المحقين حله حتى يظن حجة؛ ويجوز أن يراد بالحجة أعم من القطعي والظني فيكون الاستثناء متصلاً، قال السفاقسي: ومثار الخلاف هل الحجة الدليل الصحيح والاستثناء منقطع أو الاحتجاج والخصومة فهو متصل - انتهى. ووصفها بالاستعلاء عليهم لما يحصل بها من

стр. 740

الأذى بدلالتها على العداوة والشقاق لا بتغييرها في وجه شيء من الأدلة، و ﴿الذين ظلموا﴾ إن أريد بهم اليهود فهم يقولون: ما رجع إلى الكعبة إلا محبة لبلده، ولو كان في قبلتنا على أمر من الله سبحانه ما تحول عنه، وإن كان المشركين فهم يقولون: قد استقبل بلدكم ومسجدكم فيوشك أن يدين دينكم. ولما نفى عن أهل هذه القبلة بالثبات عليها كل سبيل تسبب عنه قوله: ﴿فلا تخشوهم﴾ أي في هذا الأمر ولا غيره، فإني أريد عنكم كيدهم وأوهن أمرهم. ولما تبين أحكام فعله ومضى ما يريد من ربطه وحله حثهم على لزوم هذه القبلة محذراً من مخالفته في شيء من الأشياء فقال: ﴿واخشوني﴾ ثم عطف على علة الاستقبال قوله: ﴿ولأتم﴾ أي بهذا الدين المفيد لعز الدارين
следующие страницы →