Полный текст (11 765 стр.). Показаны 8716–8755 · переход к 8721.
стр. 8716
كان ينتظر الصباح للسعي في الربح، ويوم القيامة لا يوم بعده يسعى فيه للربح، فينبغي للمؤمن أن يكون حال خلوته أشد ما يكون هيبة لله.
ولما كان ذلك، تسبب عنه قوله لافتاً القول عن خطابهم إيذاناً بشدة الغضب وإشارة ألى أنهم لما وصلوا إلى ما ذكر من الحال أعيا عليهم المقال، فلم يقدروا على نطق بلسان، ولا إشارة برأس ولا بنان: ﴿فإن يصبروا﴾ أي على ما جوزوا به فليس صبرهم بنافعهم، وهو معنى قوله: ﴿فالنار مثوى﴾ أي منزلاً ﴿لهم وإن يستعتبوا﴾ أي يطلبوا الرضى بزوال العتب وهو المؤاخذة بالذنب ﴿فما هم من المعتبين *﴾ أي المرضيين الذين العتب عليهم ليعفي عنهم ويترك عذابهم.
ولما ذكر وعيدهم في الدنيا والآخرة، أتبعه كفرهم الذي هو سبب الوعيد، وعطفه على ما تقديره: فإنا طبعناهم طبيعة سوء تقتضي أنهم لا ينفكون عما يوجب العتب، فأعرضوا ولم تنفعهم النذرى بصاعقة عاد وثمود، فقال صارفاً القول إلى مظهر العظمة إشارة إلى أن التصرف في القلوب أمر عظيم جداً: ﴿وقيضنا﴾ أي جئنا وأتحنا وبعثنا وسببنا ووكلنا وهيأنا، من القيض الذي هو المثل، وقشر البيضة الأعلى اليابس ﴿لهم قرناء﴾ أي أشخاصاً أمثالهم في الأخلاق والأوصاف
стр. 8717
أقوياء وهم مع كونهم شديدي الالتصاق بهم والإحاطة في غاية النحس والشدة في اللؤم والخبث واللجاجة فيما يكون به ضيق الخير واتساع الشر من غواة الجن والإنس ﴿فزينوا لهم﴾ أي من القبائح ﴿ما﴾ وعم الأشياء كلها فلم يأت بالجار فقال: ﴿بين أيديهم﴾ أي يعلمون قباحته حتى حسنوه لهم فارتكبوه ورغبوا فيه ﴿وما خلفهم﴾ أي ما يجهلون أمره ولا يزالون في كل شيء يزينونه ويلحون فيه ويكررونه حتى يقبل، فإن التكرير مقرون بالتأثير، قال القشيري: إذا أراد الله بعبد سوءاً قيض له إخوان سوء وقرناء سوء يحملونه على المخالفات ويدعونه إليها، وإذا أراد الله بعبد خيراً قيض له قرناء خير يعينونه على الطاعات ويحملونه عليها ويدعونه إليها، ومن ذلك الشيطان، وشر منه النفس وبئس القرين، تدعو اليوم إلى ما فيه الهلاك وتشهد غداً عليه.
ولما كان التقدير: فلم يدعوا قبيحة حتى ارتكبوها، عطف عليه قوله: ﴿وحق﴾ أي وجب وثبت ﴿عليهم القول﴾ أي بدوام الغضب.
ولما كان هذا مما يوجب شدة أسفه ﷺ ، خفف منه بقوله: ﴿في﴾ أي كائنين في جملة ﴿أمم﴾ أي
стр. 8718
كثيرة. ولما عبر عنهم بما يقتضي تعظيمهم بأنهم مقصودون، حقرهم بمضير التأنيث فقال: ﴿قد خلت﴾ أي لم تتعظ أمه منهم بالأخرى. ولما كان الخلو قد يكون بالموت في زمانهم، بين أنه مما مضى وفات.
ولما كان بعض من مضى غير مستغرق لجميع الزمان، عبر ب «من» فقال: ﴿من قبلهم﴾ أي في الزمان، وقدم الأقوى لتفهم القدرة عليه القدرة على ما دونه من باب الأولى، فإن الإنس كانوا يعدون أنفسهم دون الجن فيعوذون بهم فقال: ﴿من الجن والأنس﴾ ثم علل حقوق الشقاء عليهم بقوله منبهاً بالتأكيد على أنهم ينكرون أن تكون القبائح موجبة للخسر ﴿إنهم﴾ أي جميع المذكورين منهم وممن قبلهم: ﴿كانوا﴾ أي طبعاً وفعلاً ﴿خاسرين *﴾ فعلى العاقل أن يجتهد في اختيار أصحابه وأخدانه وأحبابه، فإن العاقبة فيهم حسنة جسيمة أو قبيحة وخيمة، روى صاحب الفردوس عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال:
«إذا أراد الله بعبد شراً قيض له قبل موته
стр. 8719
شيطاناً فلا يرى حسناً إلا قبحه ولا قبيحاً إلا حسنه عنده» . ولأحمد وأبي داود والنسائي وأبي يعلى وابن حبان في صحيحه عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «إذا أراد الله بوالي خيراً جعل له وزير صدق، إن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه، وإن أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء إن نسي لم يذكره وإن ذكر لم يعنه» . وروى البخاري عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ والنسائي عن أبي هريرة وحده ﵁ والبخاري أيضاً عن أبي أيوب رضي الله أن رسول الله ﷺ قال: «ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصمه الله تعالى» . وفي رواية النسائي: «ما من وال إلا وله بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالاً، فمن وقي شرها فقد وقي، وهو إلى من يغلب عليه منهما» ، ورواية البخاري عن أبي أيوب نحوها.
ولما أخبر بخسرانهم، دل عليه بما عطف على ما أرشد
стр. 8720
إليه السياق من تقديره من وقولي: فأعرضوا - أي هؤلاء العرب - وقالوا - هكذا كان ألأصل ولكنه قال تنبيها على الوصف الذي أوجب إعراضهم: ﴿وقال الذين كفروا﴾ أي ستروا ما دلتهم عليه عقولهم من الحق ﴿لا تسمعوا﴾ أي شيئاً من مطلق السماع ﴿لهذا القرآن﴾ تعييناً بالإشارة احترازاً من غيره من الكتب القديمة كالتوارة، قال القشيري: لأنه يغلب القلوب ويسلب العقول، وكل من استمع له صبا إليه ﴿وألغوا﴾ أي أهذوا من لغي - بالكسر يلغى - بالفتح - إذا تكلم بما لا فائدة فيه ﴿فيه﴾ أي اجعلوه ظرفاً للغو بأن تكثروا من الخرافات والهذيانات واللغو بالمكاء والتصدية أي الصفير والتصفيق وغيرهما في حال تلاوته ليقع تاليه في السهو والغلط، قال القشيري: قالوا ذلك ولم يعلموا أن من نور قلبه بالإيمان وأيد بالفهم وأمد بالبصيرة وكوشف بسماع السر من الغيب، فهو الذي يسمع ويؤمن، والذي هو في ظلمات جهله لا يدخل الإيمان قلبه، ولا يباشر السماع سره.
﴿لعلكم تغلبون *﴾ أي ليكون حالكم حال من يرجى له أن يغلب ويظفر بمراده في أن يميل إليه أحد، أو يسكت
стр. 8721
أو ينسى ما كان يقول، وهذا يدل على أنهم عارفون بأن من سمعه ولا هوى عنده مال إليه وأقبل بكليته عليه، وقد فضحوا أنفسهم بهذا فضيحة لا مثل لها، وذلك لأنهم تحدوا به في أن يأتوا بشيء من مثله ليعدوا غالبين فلم يجدوا شيئاً يترجون به الغلب إلا الصفير والتصفيق ونحوه من اللغو في معارضة ما علا من أعلى ذرى الكلام إلى حيث لا مطمع ولا مرام، فلا يفيد ما أتوا به معنى غير أنهم عاجزون عن المعارضة قاطعون بأنهم متى أتوا بشيء منها افتضحوا، وقطع كل من سمعه بأنهم مغلوبون.
стр. 8722
ولما استحقوا بهذا العقوبة، سبب عن ذلك مؤكداً لإنكارهم قوله تعالى: ﴿فلنذيقن﴾ وأظهر في موضع الإضمار تعميماً بالوصف فقال: ﴿الذين كفروا﴾ أي هؤلاء وغيرهم ﴿عذاباً شديداً﴾ في الدنيا بالحرمان وما يتبعه من فنون الهوان وفي الآخرة بالنيران ﴿ولنجزينهم﴾ أي بأعمالهم. ولما كان من قدر على الأغلظ، قدر على ما دونه قال: ﴿أسوأ﴾ أي جزاء أسوأ العمل ﴿الذين كانوا﴾ بما هو لهم كالغرائز ﴿يعملون *﴾ مواظبين عليه.
ولما أبلغ سبحانه في الترهيب من عقابهم، زاد في تعظيمه وفضله لطفاً لمن أراد هدايته من عباده وإقامة الحجة على غيرهم فقال:
стр. 8723
﴿ذلك﴾ أي الجزاء الأسوأ العظيم جداً ﴿جزاء﴾ ولما كانت عداوة من لا يطاق آمراً زائد العظمة، نبه على ذلك بصرف الكلام عن مظهرها إلى أعظم منه فقال: ﴿أعداء الله﴾ أي الملك الأعظم، لأنهم ما كانوا يفعلون ما دون الأسوأ إلا عجزاً عنه لأن جبلتهم تقتضي ذلك، وبينه بقوله: ﴿النار﴾ وفصل بعض ما فيها بقوله: ﴿لهم فيها﴾ أي النار ﴿دار الخلد﴾ أي المحل المحيط بهم الدائر من غير علم من زاوية أو غيرها يعرف به خصوص موضع منه، مع إيذانه بالدوام واللزوم وعدم الانفكاك، أو هو على التجريد بمعنى: هي لهم دار خلود كما كان لهم في الدنيا دار سرور بمعنى أنها كانت لهم نفسها دار لهو وغرور.
ولما كانوا على أعمالهم التي استحقوا بها هذا العذاب مصرين إصراراً يمتنع انفكاكهم عنه، زاد حسناً قوله: ﴿جزاء﴾ أي وفاقاً ﴿بما كانوا﴾ أي جبلة وطبعاً، ورد الكلام إلى مظهر العظمة المقتضي للنكال فقال: ﴿بآياتنا﴾ أي على ما لها من العظمة ﴿يجحدون *﴾ أي ينكرون عناداً من غير مراعاة لعلوها في نفسها ولا علوها بنسبتها إلينا، فلأجل جحودهم كانوا يقدمون على ما لا يرضاه عاقل من اللهو وغيره.
ولما تراءى لهم أن الذي أوجب لهم هذا السوء جلودهم
стр. 8724
بالشهادة عليهم وقرناؤهم بإضلالهم لهم وكان التباغض والعداوة قد وقع بين الجميع، فصار تمني كل للآخر السوء زيادة في عذابهم، وكانت مساءة جلودهم مساءتهم، خصوا القرناء بإرادة الانتقام منهم، فحكى سبحانه قولهم بقوله عطفاً على ﴿وقالوا لجلودهم﴾ أو على ما تقديره: فعلموا حينئذ أنهم كانوا على ضلال لتقصيرهم في النظر وتقليدهم لغيرهم: ﴿وقال الذين كفروا﴾ أي غطوا أنوار عقولهم داعين بما لو يسمع لهم، فهو زيادة في عقوبتهم، وحكايته لنا وعظ وتحذير: ﴿ربنا﴾ أي أيها الذي لم يقطع قط إحسانه عنا ﴿أرنا﴾ الصنفين ﴿اللّذين أضلاّنا﴾ عن المنهج الموصل إلى محل الرضوان ﴿من الجن والإنس﴾ المزينين لنا ارتكاب السوء خفية وجهراً، قرأ الجماعة بكسر الراء من أرنا، وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب والسوسي عن أبي عمرو وأبو بكر عن عاصم بإسكان الراء هنا خاصة.
قال الأصبهاني: يحكى عن الخليل أنك إذا قلت: أرني ثوبك - بالكسر فالمعنى بصرنيه، وإذا قلته بالسكون فهو استعطاء، ومعناه أعطني ثوبك، ونظيره اشتهار الإيتاء في معنى الإعطاء، وأصله الإحضار - انتهى. ﴿نجعلهما تحت أقدامنا﴾
стр. 8725
في النار إذلالاً لهما كما جعلانا تحت أمرهما ﴿ليكونا من الأسفلين *﴾ أي من أهل الدرك الأسفل وممن هو دوننا كما جعلانا كذلك في الدنيا في حقيقة الحال بإتباعنا لهما فيما أراد بنا، وفي الآخرة بهذا المال، والظاهر أن المراد أن كل أحد يتمنى أن يعرف من أضله من القبيلتين ليفعل بهم ذلك إن قدر عليه.
ولما ذكر الأعداء وقرناءهم نذارة، أتبعه ذكر الأولياء وأوداءهم بشارة، فقال مبيناً لحالهم القابل للإعراض وثمراته جواباً لمن يسأل عنهم مؤكداً لأجل إنكار المعاندين: ﴿إن الذين﴾ قال أبو حيان: قال ابن عباس ﵄: نزلت في الصديق ﵁ وأرضاه. ﴿قالوا﴾ أي قولاً حقيقياً مذعنين به بالجنان وناطقين باللسان تصديقاً لداعي الله في دار الدنيا متذللين حيث ينفع الذل جامعين بين الأسّ الذي هو المعرفة والاعتقاد، والبناء الذي هو العمل الصالح بالقول والفعل على السداد، فإن أصل الكمالات النفسانية يقين مصلح وعمل صالح، تعرف الحق لذاته والخير لتعمل له ورأس المعارف اليقينية ورئيسها معرفة الله، ورأس الأعمال الصالحة الاستقامة على حد الاعتدال من غير ميل إلى طرف إفراط أو تفريط: ﴿ربنا﴾ أي المحسن إلينا ﴿الله﴾ المختص بالجلال والإكرام وحده لا شريك له.
стр. 8726
ولما كان الثبات على التوحيد ومصححاته إلى الممات أمراً في علو رتبته لا يرام إلا بتوفيق ذي الجلال والإكرام، أشار إليه بأداة التراخي فقال: ﴿ثم استقاموا﴾ طلبوا وأوجدوا القوام بالإيمان بجميع الرسل وجميع الكتب ولم يشركوا به صنماً ولا ثناً ولا آدمياً ولا ملكاً ولا كوكباً ولا غير بعبادة ولا رياء، وعملوا بما يرضيه وتجنبوا كل ما يسخطه وإن طال الزمان، امتثالاً لما أمر به أول السورة في قوله ﴿إنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه﴾ فمن كان له أصل الاستقامة في التوحيد أمن من النار بالخلود، ومن كان له كمال الاستقامة في الأصول والفروع أمن الوعيد ﴿تتنزل﴾ على سبيل التدريج المتصل ﴿عليهم﴾ من حين نفخ الروح فيهم إلى أن يموتوا ثم إلى أن يدخلوا الجنة باطناً فظاهراً ﴿الملائكة﴾ بالتأييد في جميع ما ينوبهم فتستعلي الأحوال الملكية على صفاتهم البشرية وشهواتهم الحيوانية فتضمحل عندها، وتشرق مرائيهم، ثم شرح ما يؤيدونهم به وفسره فقال: ﴿ألا تخافوا﴾ أي من شي مثله يخيف، وكأنهم يثبتون ذلك في قلوبهم ﴿ولا تحزنوا﴾ أي على شيء فاتكم، فإن ما حصل لكم أفضل منه، فأوقاتكم الأخراوية
стр. 8727
فيها بل هي كلها روح وراحة، فلا يفوتهم لذلك محبوب ولا يلحقهم مكروه ﴿وابشروا﴾ أي املأوا صدوركم سروراً يظهر أثره على بشرتكم بتهلل الوجه ونعمة سائر الجسد ﴿بالجنة التي كنتم﴾ أي كوناً عظيماً على ألسنة الرسل ﴿توعدون *﴾ أي يتجدد لكم ذلك كل حين بالكتب والرسل، وقال الرازي في اللوامع: يبشرون في ثلاثة مواضع: عند الموت، وفي القبر، ويوم البعث - انتهى. وهذا محول على الكلام الحقيقي وما قبله على أنهم يفعلون معه ما ترجمته ذلك.
стр. 8728
ولما أثبتوا لهم الخير، ونفوا عنهم الضير، عللوه بقولهم: ﴿نحن أولياؤكم﴾ أي أقرب الأقرباء إليكم، فنحن نفعل معكم كل ما يمكن أن يفعله القريب ﴿في الحياة الدنيا﴾ نجتلب لكم المسرات ونبعد عنكم المضرات ونحملكم على جميع الخيرات بحيث يكون لكم فيها ما تؤثره العقول بالامتناع مما تهواه النفوس وإن تراءى للرائين في الدنيا أن الأمر بخلاف ذلك، فنوقظكم من المنام، ونحملكم على الصلاة والصيام، ونبعدكم عن الآثام، ضد ما تفعله الشياطين مع أوليائهم ﴿وفي الآخرة﴾ كذلك حيث يتعادى الأخلاء إلا الأتقياء ﴿ولكم فيها﴾ أي الآخرة في الجنة وقبل دخولها في جميع أوقات الحشر ﴿ما تشتهي﴾
стр. 8729
ولو على أدنى وجوه الشهوة بما يرشد إليه حذف المفعول ﴿أنفسكم﴾ لأجل ما منعتموها من الشهوات في الدنيا ﴿ولكم﴾ .
ولما كان السياق للذين استقاموا العام للسابقين وأصحاب اليمين على ما أشير إليه الختم بصفة المغفرة وتقديمها، قيد بالظرف بخلاف ما في يس فقال: ﴿فيها﴾ أي الآخرة ﴿ما تدعون *﴾ أي ما تؤثرون دعاءه وطلبه وتسألونه وتمنونه بشهوة نفوسكم ورغبة قلوبكم.
ولما كان هذا كله بالنسبة إلى ما يعطون شيئاً يسيراً، نبه عليه بقوله: ﴿نزلاً﴾ أي هذا كله يكون لكم كما يقدم إلى الضيف عند قدومه إلى أن يتهيأ ما يضاف به. ولما كان من حوسب عذب، فلا يدخل أحد الجنة إلا بالرحمة، أشار إلى ذلك بقوله: ﴿من﴾ أي كائناً النزل من ﴿غفور﴾ له صفة المحو للذنوب عيناً وأثراً على غاية لا يمكن وصفها ﴿رحيم *﴾ أي بالغ الرحمة بما ترضاه الإلهية، فالحاصل أن المفسد يقيض الله له قرناء السوء من الجن والإنس يزيدونه فساداً والمصلح ييسر الله له أولياء الخير من الإنس والملائكة يعينونه ويحببونه في جميع الخيرات ويبعدونه ويكرهونه في جميع المضرات - والله يتولى الصالحين.
стр. 8730
ولما كان هذا لمن كمل نفسه، أتبعه بمن أكمل غيره إشارة إلى أن السعادة التامة أن يكتسب الإنسان من الصفات الفاضلة مما يصير بها كاملاً في نفسه، فإذا فرغ اشتغل بتكميل الناقص عاطفاً على ما تقديره: ما أحسن هذا الذي كمل نفسه، وقاله تنويهاً بعلو قدر النفع المتعدي وحثاً على مداومة الدعاء وإن أبوا وقالوا ﴿قلوبنا في أكنة﴾ ثم قالوا ﴿لا تسمعوا لهذا القرآن﴾ فإنهم لم يقولوا من ذلك شيئاً إلا ذكرت أجوبته الشافية الكافية فاندفعت جميع الشبهات وزالت غياهب الضلالات، فصار تحذير الدعاء موضعاً للقبول ﴿ومن أحسن قولاً﴾ أي من جهة القول ﴿ممن دعا﴾ وحد الضمير دلالة على قلة هذا الصنف ﴿إلى الله﴾ أي الذي عم بصفات كماله جميع الخلق فهو يستعطف كل أحد بما تعرف إليه سبحانه به من صفاته ﴿وعمل﴾ أي والحال أنه قد عمل ﴿صالحاً﴾ في نفسه ليكون ذلك أمكن لدعائه أعم من أن يكون ذلك لصالح نية أو قولاً أو عملاً للجوارح الظاهرة سراً كان أو علناً، ولذا حذف الموصوف لئلا يوهم تقيده بالأعمال الظاهرة وللاغناء عنها بقوله «دعا» بخلاف ما كان سياقه للتوبة كآية الفرقان أو اعتقاد الحشر كآية الكهف، فإنه لا بد فيه من إظهار العمل ليكون شاهداً على صحة الاعتقاد وكمال التوبة، والدعاء هنا مغنٍ عن ذلك ﴿وقال﴾ مؤكداً
стр. 8731
عند المخالف والمؤالف قاطعاً لطمع المفسد فيه: ﴿إنني من المسلمين *﴾ أي الراسخين في صفة الإسلام متظاهراً بذلك لا يخاف في الله لومة لائم وإن سماه أبناء زمانه كذا جافياً وغليظاً عاسياً لتصلبه في مخالفته إياهم فيما هم عليه بتسهله في انقياده لكل ما أمره به ربه سبحانه.
стр. 8732
ولما كان التقدير: لا أحد أحسن قولا منه، بل هو المحسن وحده، فلا يستوي هذا المحسن وغيره أصلاً، رداً عليهم أن حالهم أحسن من حال الدعاة إلى الله، وكان القيام بتكميل الخلق يحتاج إلى جهاد للنفس عظيم من تحمل المشاق والصبر على الأذى، وغير ذلك من جميع الأخلاق، عطف عليه التفرقة بين عمليهما ترغيباً في الحسنات فقال: ﴿ولا تستوي﴾ أي وإن اجتهدت في التحرير والاعتبار ﴿الحسنة﴾ أي لا بالنسبة إلى أفراد جنسها ولا بالنسبة إلى عامليها عند وحدتها، لتفاوت الحسنات في أنفسها، والحسنة الواحدة باعتبار نيات العاملين لها واجتهادهم فيها ولا بالنسبة إلى غيرها، وإلى ذلك إشارة بالتأكيد في قوله: ﴿ولا السيئة﴾ أي في نفسها ولا بالنسبة إلى جنس آخر.
стр. 8733
ولما أنتج هذا الحث على الإقبال على الحسن والإعراض عن السيء، وأفهم أن كلاً من القسمين متفاوت الجزئيات متعالي الدرجات، وكان الإنسان لا ينفك عن عوارض تحصل له من الناس ومن نفسه يحتاج إلى دفع بعضها، أنتج عند قصد الأعلى فقال: ﴿ادفع﴾ أي كل ما يمكن أن يضرك من نفسك ومن الناس ﴿بالتي﴾ أي الخصال والأحوال التي ﴿هي أحسن﴾ على قدر الإمكان من الأعمال الصالحات فالعفو عن المسيء حسن، والإحسان أحسن منه ﴿فإذا الذي بينك وبينه عداوة﴾ عظيمة قد ملأت ما بين البينين فاجأته حال كونه ﴿كأنه ولي﴾ أي قريب ما يفعل القريب ﴿حميم *﴾ أي في غاية القرب لا يدع مهماً إلا قضاه وسهله ويسره، وشفا علله، وقرب بعيده، وأزال درنه، كما يزيل الماء الحار الوسخ.
ولما كانت هذه الخصلة أمّا جامعاً لجميع مصالح الدين والدنيا قال منبهاً على عظيم فضلها وبديع نبلها حاثاً على الاستظلال بجميع ظلها مشيراً بالبناء للمفعول إلى أنها هي العمدة المقصودة بالذات على وجه منبه على أنها مخالفة لجبلة الإنسان حثاً على الرغبة في طلبها من
стр. 8734
واهبها ﴿وما يلقّاها﴾ أي يجعل لاقياً لهذه الخصلة التي هي مقابلة الإساءة بأحسن الحسن وهو الإحسان الذي هو أحسن من العفو والحلم والصبر والاحتمال بأن يعلق الله تعالى إرادته على وجه الشدة والمبالغة بإلقائها إليه ﴿إلا الذين صبروا﴾ أي وجدت منهم هذه الحقيقة وركزت في طباعهم، فصاروا يكظمون الغيظ ويحتملون المكاره، وكرر إظهار البناء للمفعول للتنبيه على أنه لا قدرة عليها أصلاً إلا بتوفيق الخالق بأمر وطني يقذفه الله في القلب قذفاً وحياً تظهر ثمرته على سائر البدن، فقال دالاً باعادة النافي على زيادة العظم وعلى أن أصحاب هذه الخصلة على رتبتين كل رتبة منهما مقصودة في نفسها ﴿وما يلقّاها﴾ على ما هي عليه من العظمة ﴿إلا﴾ وأفرد هنا بعد جمع الصابر دلالة على ندرة المستقيم على هذه لخصلة ﴿ذو حظ﴾ أي نصيب وقسم وبخت ﴿عظيم *﴾ أي جليل في الدنيا والآخرة عند الله وعند الناس.
ولما كان التقدير: فإن لقيت ذلك وأعاذك الله من الشيطان فأنت أنت، عطف عليه قوله معبراً بأداة الشك المفهمة لجواز وقوع ذلك في الجملة، مع العلم بأنه ﷺ معصوم إشارة إلى رتبة الإنسان من حيث هو إنسان وإلى أن الشيطان يتوهم مع علمه بالعصمة أنه يقدر على ذلك فيعلق أمله به، وكأنه لذلك أكد لأن نزغه له في محل الإنكار ﴿وإمّا﴾ ولما كانت وسوسة الشيطان تبعث على ما
стр. 8735
لا ينبغي، وكان العاقل لا يفعل ما لا ينبغي إلا بالالجاء، شبه المتعاطي له بالمنخوس الذي حمله النخس على ارتكاب ما يضر فقال: ﴿ينزغنك﴾ أي ينخسنك ويطعننك طعناً مفسداً فيحصل لك تألم ﴿من الشيطان﴾ البعيد من الرحمة المحترق باللعنة. ولما كان المقام خطراً لأن الطبع مساعد للوسواس، جعل النزغ نفسه نازغاً إشارة إلى ذلك فقال: ﴿نزغ﴾ أي وسوسة تحرك نحو الموسوس من أجله وتبعث إليه بعث المنخوس إلى الجهة التي يوجه إليها، فإن ينبعث إلى تلك الجهة بعزم عظيم ﴿فاستعذ بالله﴾ أي استجر بالملك الأعلى واطلب منه الدخول في عصمته مبادراً إلى ذلك حين نخس بالنزغة فإنه لا يقدر على الإعاذة منه غيره ولا تذر النزغة تتكرر بل ارجع إلى المحيط علماً وقدرة في أول الخطرة، فإنك إن لم تخالف أول الخطرة صارت فكرة فيحصل العزم فتقع الزلة فتصير قسوة فيحصل التمادي - نبه عليه القشيري.
ولما كانت الاستعاذة هنا من الشيطان، وكان نزغه مما يعلم لا مما يرى وكانت صفة السمع نعم ما يرى وما لا يرى، قال مؤكداً لوقوف الجامدين مع الظواهر: ﴿إنه هو﴾ أي وحده ﴿السميع﴾ وختم بقوله: ﴿العليم *﴾ الذي يسمع كل مسموع من استعاذتك وغيرها،
стр. 8736
ويعلم كل معلوم من نزغه وغيره، فهو القادر على رد كيده، وتوهين أمره وأيده، وليس هو كما جعلتموه له من الأنداد الصم البكم التي لا قدرة لها على شيء أصلاً.
ولما ذكر أنهم جعلوا له أنداداً مع أنه خلق الأرض في يومين، وختم ذلك بأن أحسن الحسن الدعاء إلى الله، وختم الأمر بالدعاء بصفة العلم، أتبعه دلائل التوحيد إعلاماً بأن التوحيد أحسن الحسن يطرد كل شيء، وتنبيهاً على أن الدعوة إلى الله تعالى عبارة عن تنوير الدلائل الدالة على الذات والصفات، وذلك ببيان الأفعال وآثارها وهو العالم بجميع ما فيه من الأجزاء والأبعاض جوهراً وعرضاً، وبدأ بذكر الفلكيات لأنها أدل، فقال عاطفاً على ما تقديره: فمن آياته الناشئة عن شمول علمه المستلزم لشمول قدرته المنتجة لإعادته لمن يريد ونفوذ تصرفه في كل ما يشاء المستلزم لتفرده بالإلهية أنه خلق الخافقين كما مضى في ستة أيام: ﴿ومن آياته﴾ الدالة على وحدانيته:
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد
ولما كانت الظلمة عدماً والنور وجوداً والعدم مقدم قال: ﴿الليل والنهار﴾ أي الدالاّن باختلافهما وهيئتهما على قدرته على
стр. 8737
البعث وعلى كل مقدور ﴿والشمس والقمر﴾ اللذان هما الليل والنهار كالروح لذوي الأجساد، وهذه الموجوات - مع ما مضى من خلق الخافقين - كتاب الملك الديان، إلى الإنس والجان، المشهود لهم بالعيان كما قيل يا إنسان:
تأمل سطور الكائنات فإنها ... من الملك الأعلى إليك رسائل
وقد خط فيها لو تأملت خطة ... إلا كل شيء ما خلا الله باطل
ولما ثبت له سبحانه التفرد بالخلق والأمر، وكان باطناً إلا عند من نور الله أو كانت الشمس والقمر من آياته المعرفة المشيرة في وجود الدنيا والآخرة إليه، وكانا مشاهدين، وكان الإنسان قاصر العقل مقيد الوهم بالمشاهدات لما عنده من الشواغل إلا من عصم الله، أنتج قوله محذراً من عبادتهما لما يرى لهما من البهاء وفيهما من المنافع: ﴿لا تسجدوا للشمس﴾ التي هي أعظم أوثانكم فإنها من جملة مبدعاته، وأعاد النافي تأكيداً للنفي وإفادة لأن النهي عن كل منهما على حدته ولذلك أظهر موضع الإضمار فقال: ﴿ولا للقمر﴾ كذلك.
ولما نهى عن السجود لهما، أمر بالسجود بما يبين استحقاقه لذلك
стр. 8738
وعدم استحقاقهما أو استحقاق شيء غيرهما له فقال: ﴿واسجدوا﴾ ونبه على مزيد عظمته بالإظهار موضع الإضمار فقال: ﴿لله﴾ أي الذي له كل كمال من غير شائبة نقص من أقول أو تجدد حلول ﴿الذي خلقهن﴾ أي الأربعة لأجلكم فهو الذي يستحق الإلهية، وأنث لأن ما لا يعقل حكمه حكم المؤنث في الضمير وهي أيضاً آيات، وفيه إشارة إلى تناهي سفولها عما أهلوها له وذم عابديها بالإفراط في الغباوة، ويمكن أن يكون عد القمر أقماراً لأنه يكون تارة هلالاً وأخرى بدراً وأخرى محواً، فلذلك جمع إشارة إلى قهرهما بالتغيير له في الجرم ولمهما بالتسيير، ولذلك عبر بضمير المؤنث الذي يكون لجمع الكثرة مما لا يعقل.
ولما ظهر أن الكل عبيده، وكان السيد لا يرضى بإشراك عبده عبداً آخر في عبادة سيده قال: ﴿إن كنتم إياه﴾ أي خاصة بغاية الرسوخ ﴿تعبدون *﴾ كما هو صريح قولكم في الدعاء في وقت الشدائد لا سيما في البحر، ومحصل قولكم ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ فإن أشركتم به شيئاً بسجود أو غيره فما خصصتموه بالعبادة لأن السجود
стр. 8739
من العبادة وفعله ولو في وقت واحد لغيره إشراك في الجملة، ومن أشرك به لم يعبده وحده، ومن لم يعبده وحده لم يعبده أصلاً، لأنه أغنى الأغنياء، لا يقبل إلا الخالص وهو أقرب إلى عباده من كل شيء فيوشك أن ينتقم بإشراككم، وفي الآية إشارة إلى الحث على صيانة الآدميين عن أن يقع منهم سجود لغيره رفعاً لمقامهم عن أن يكونوا ساجدين لمخلوق بعد أن كانوا مسجوداً لهم، فإنه سبحانه أمر الملائكة الذين هم أشرف خلقه بعدهم بالسجود آدم وهم في ظهره فتكبر اللعين إبليس، فابد لعنه، فشتان ما بين المقامين.
стр. 8740
ولما كانوا في هذا الأمر بين طاعة ومعصية، وكان درء المفاسد مقدماً، سبب عن ذلك قوله معبراً بأداة الشك تنبيهاً لهم على أن استكبارهم بعد إقامة هذه الأدلة ينبغي أن لا يتوهم، وصرف القول إلى الغيبة تحقيراً لهم وإبعاداً على تقدير وقوع ذلك منهم ﴿فإن استكبروا﴾ أي أوجدوا الكبر عن اتباعك فيما أمرتهم به من التوحيد فلم يوحدوا الله ولم ينزهوه تعالى عن الشريك ﴿فالذين عند﴾ وأظهر موضع الإصخار معبراً بوصف الإحسان بشارة له ونذارة لهم ﴿ربك﴾ خاصة لا عندهم لكونهم مقربين لديه في درجة الرضاء والكرامة ولكونهم مما يستغرق
стр. 8741
به الآدميون ولكون الكفار لا قدرة لهم على الوصول إليهم بوجه: ﴿يسبحون له﴾ أي يوقعون التنزيه عن النقائص ويبعدون عن الشركة لأجل علوه الأقدس وعزه الأكبر لا لشيء غيره إخلاصاً في عبادته وهم لا يستكبرون.
ولما كان حال الكفار في الإخلاص مختلفاً في الشدة والرخاء، أشار إلى تقبيح ذلك منهم بتعميم خواصه عليهم الصلاة والسلام بالإخلاص حالتي الإثبات الذي هو حالة بسط في الجملة، والمحو الذي هو حالة قبض كذلك يجددون هذا التنزيه مستمرين عليه في كل وقت فقال: ﴿بالليل والنهار﴾ أي على مر الملوين وكر الجديدين لا يفترون. ولما كان في سياق الفرص لاستكبارهم المقتضي لإنكارهم، أكد بالعاطف والضمير فقال مؤذناً بأن هذا ديدنهم لا ينفكون عنه: ﴿وهم﴾ أي والحال أنهم على هذا الدوام ﴿لا يسئمون *﴾ أي لا يكاد لهم في وقت من الأوقات فتور ولا ملل، فهو غني عن عبادة هؤلاء بل وعن عبادة كل عابد، والحظ الأوفر لمن عنده وأما هو سبحانه فلا يزيده شيئاً ولا ينقصه شيء فدع هؤلاء أن استكبروا وشأنهم، فيعلمون من الخاسر، فالآية
стр. 8742
من الاحتباك: ذكر الاستكبار أولاً دليلاً على حذفه ثانياً والتسبيح ثانياً دليلاً على حذفه أولاً، وسر ذلك أنه ذكر أقبح ما لأعدائه وأحسن ما لأوليائه.
ولما ذكر بعض آيات السماء لشرفها، ولأن بعضها عبد، ومن آثار الإلهية، فذكر دلالتها على وحدانيته اللازم منه إبطال عبادتها، أتبعه بعض آيات الأرض بخلاف ما في يس، فإن السياق هناك للبعث وآيات الأرض أدل فقال: ﴿ومن آياته﴾ أي الدالة على عظم شأنه وعلو سلطانه ﴿أنك ترى الأرض﴾ أي بعضها بحاسة البصر وبعضها بعين البصيرة قياساً على ما أبصرته، لأن الكل بالنسبة إلى القدرة على حد سواء.
ولما كان السياق للوحدانية، عبر بما هو أقرب إلى حال العابد بخلاف ما مضى في الحج فقال: ﴿خاشعة﴾ أي يابسة لا نبات فيها فهي بصورة الذليل الذي لا منعة عنده لأنه لا مانع من المشي فيها لكونها متطأمنة بعد الساتر لوجهها بخلاف ما إذا كانت مهتزة رابية متزخرفة تختال بالنبات.
стр. 8743
ولما كان إنزال الماء مما استأثر به سبحانه، فهو من أعظم الأدلة على عظمة الواحد، صرف القول إلى مظهر العظمة فقال: ﴿فإذا أنزلنا﴾ بما لنا من القدرة التامة والعظمة ﴿عليها الماء﴾ من الغمام أو سقناه إليها من الأماكن العالية وجلبنا به إليه من الطين ما تصلح به للانبات وإن كانت سبخة كأرض مصر ﴿اهتزت﴾ أي تحركت حركة عظيمة كثيرة سريعة، فكانت كمن يعالج ذلك بنفسه ﴿وربت﴾ أي تشققت فارتفع ترابها وخرج منها النبات وسما في الجو مغطياً لوجهها، وتشعبت عروقه، وغلظت سوقه، فصار يمنع سلوكها على ما كان فيه من السهولة، وصار بحسن زيه بمنزلة المختال في أثواب ثرية بعد أن كان عارياً ذليلاً في أطمار رثة وحل زرىء وكذلك القلوب إذا خشعت لاستشعارها بما ألمت به من الذنوب أقبل الحق سبحانه عليها فطهرها بمياه المعارف فظهرت فيها بركات الندم وعفا عن أربابها ما قصروا في صدق القدم وأشرقت بحلى الطاعات وزهت بملابس القربات، وزكت بأنواع التجليات.
ولما كان هذا دليلاً مشاهداً على القدرة على إيجاد المعدوم، وإعادة البالي المحطوم، أنتج ولا بد قوله مؤكداً لأجل ما هم فيه من الإنكار صارفاً القول عن مظهر العظمة إلى ما ينبه على القدرة على البعث ولا بد:
стр. 8744
﴿إن الذي أحياها﴾ بما أخرج من نباتها الذي كان بلي وتحطم وصار تراباً ﴿لمحيي الموتى﴾ كما فعل بالنبات من غير فرق. ولما كانوا مع إقرارهم بتمام قدرته كأنهم ينكرون قدرته لإنكارهم البعث قال معللاً مؤكداً: ﴿أنه على كل شيء قدير *﴾ لأن الممكنات متساوية الأقدام بالنسبة إلى القدرة، فالقادر قدرة تامة على شيء منها قادر على غيره.
ولما بين أن الدعوة إلى الله أعظم المناصب، وأشرف المراتب، وبين أنها إنما تحصل ببيان دلائل التوحيد التي من اعظمها البعث، وبينه إلى أن كان بهذا الحد من الوضوح، كان مجز التهديد من أعرض عن قبوله: فقال في عبارة عامة له ولغيره، مؤكداً تنبيهاً على أن فعلهم فعل من يظن أنه سبحانه لا يطلع على أعماله: ﴿إن الذين يلحدون *﴾ أي يميلون بصرف المعاني عن القصد وسنن العدل بنحو قولهم ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ ، أو يماحلون باللغو بالمكاء والتصدية وغير ذلك من أنواع اللغط وكل ما يشمله معنى الميل عما تصح إرادته.
ولما كان الاجتراء على الإلحاد قادحاً في الاعتراف بالعظمة، أعاد مظهرها فقال: ﴿في آياتنا﴾ على ما لها من العظمة الدالة على ما لنا
стр. 8745
من الوحدانية وشمول العلم وتمام القدرة: ولما كان العلم بالإساءة مع القدرة سبباً للأخذ، قال مقرراً للعلم بعد تقرير القدرة: ﴿لا يخفون علينا﴾ أي في وقت من الأوقات ولا وجه من الوجوه، ونحن قادرون على أخذهم، فمتى شئنا أخذنا، ولا يعجل إلا ناقص يخشى الفوت.
ولما كان الإلحاد سبباً لإلقاء صاحبه في النار، وكان التقدير: ونحن نحلم عن العصاة فمن رجع إلينا أمن كل مخوف، ومن أعرض إلى الممات ألقيناه في النار، سبب عنه قوله تعالى: ﴿أفمن يلقى في النار﴾ أي على وجهه بأيسر أمر بسبب إلحاده في الآيات وإعراضه عن الدلالات الواضحات، فيكون خائفاً يوم القيامة لما يرى من مقدمات ذلك حتى يدهمه ما خاف منه ﴿خير أم من يأتي﴾ إلينا ﴿آمناً يوم القيامة﴾ حين نجمع عبادنا للعرض علينا للحكم بينهم بالعدل فيدخل الجنة دار السلام فيدوم أمنه، والآية من الاحتباك: ذكر الإلقاء في النار أولاً دليلاً على دخول الجنة ثانياً، والأمن ثانياً دليلاً على الخوف أولاً، وسره أنه ذكر المقصود بالذات، وهو ما وقع الخوف لأجله أولاً، والأمن الذي هو العيش في الحقيقة ثانياً.
стр. 8746
ولما كان هذا راداً ولا بد للعاقل عن سوء أعماله إلى الإحسان رجاء إنعام الله وإفضاله، أنتج قوله مهدداً ومخوفاً ومتوعداً صارفاً القول عن الغيبة إلى الخطاب لأنه أدل على الغضب على التمادي بعد هذا البيان: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ أي فقد علمتم مصير المسيء والمحسن، فمن أراد شيئاً من الجزاءين فليعمل أعماله، فإنه ملاقيه. ولما كان العامل لا يطمع في الإهمال إلى على تقدير خفاء الأعمال، والمعمول له لا يترك الجزاء إلا لجهل أو عجز، بين أنه سبحانه محيط العلم عالم بمثاقيل الذر فقال مرغباً مرهباً مؤكداً لأنهم يعملون عمل من يظن أن أعماله تخفى، عادلاً عن مظهر العظمة إلى ما هو أدل شيء على الفردانية، لئلا يظن ان مزيد العلم بواسطة كثيرة: ﴿إنه﴾ وقدم أعمالهم تنبيهاً على الاهتمام بشأنها جداً فقال: ﴿بما تعملون﴾ أي في كل وقت ﴿بصير *﴾ بصراً وعلماً، فهو على كل شيء منكم قدير.
ولما جعل إليهم الاختيار في العمل تهديداً، أتبعه الإخبار بما لمن خالفه، فقال مؤكداً لإنكارهم مضامين ما دخل عليه التأكيد: ﴿إن الذين كفروا﴾ أي ستروا مرائي العقول الدالة على الحق مكذبين
стр. 8747
﴿بالذكر﴾ الذي لا ذكر في الحقيقة غيره ﴿لمّا جاءهم﴾ من غير توقف أصلاً فدل ذلك منهم على غاية العناد ﴿وإنه﴾ أي والحال أنه ﴿لكتاب﴾ أي جامع لكل خير ﴿عزيز *﴾ أي لا يوجد مثله فهو يغلب كل ذكر ولا يغلبه ذكر ولا يقرب من ذلك، ويعجز كل معارض ولا يعجز أصلاً عن إقعاد مناهض.
стр. 8748
ولما كان من معاني العزة أنه ممتنع بمتانة رصفه وجزالة نظمه وجلالة معانيه من أن يلحقه تغيير ما، بين ذلك بقوله: ﴿لا يأتيه الباطل﴾ أي البين البطلان إتيان غلبة فيصير أو شيء منه باطلاً بيّنا، ولما كان المراد تعميم النفي، لا نفي العموم، أدخل الجار فقال: ﴿من بين يديه﴾ أي من جهة الظاهر مثل ما أمر أخبر به عما كان قبله ﴿ولا من خلفه﴾ من جهة العلم الباطن مثل علم ما لم يشتهر من الكائن والآتي سواء كان حكماً أو خبراً لأنه في غاية الحقية والصدق، والحاصل أنه لا يأتيه من جهة من الجهات، لأن ما قدام اوضح ما يكون، وما خلف أخفى ما يكون، فما بين ذلك من باب الأولى، فالعبارة كناية عن ذلك لأن صفة الله لا وراء لها ولا أمام على الحقيقة، ومثل ذلك ليس وراء الله مرمى، ولا دون الله منتهى، ونحوه مما تفهم العرب ومن علم لسانها
стр. 8749
المراد به دون لبس، ثم علل ذلك بقوله: ﴿تنزيل﴾ أي بحسب التدريج لأجل المصالح ﴿من حكيم﴾ بالغ الحكمة فهو يضع كل شيء منه في أتم محاله في وقت النزول وسياق النظم ﴿حميد *﴾ أي بالغ الإحاطة بأوصاف الكمال من الحكمة وغيرها والتنزه والتطهر والتقدس عن كل شائبة نقص، يحمده كل خلق بلسان حاله إن لم يحمده بلسان قاله، بما ظهر عليه من نقصه أو كماله، والخبر محذوف تقديره: خاسرون لا محالة لأنهم لا يقدرون على شيء مما يوجهونه إليه من الطعن لأنهم عجزة ضعفاء صغرة كما قال المعري:
أرى الجوزاء تكبر أن تصادا ... فعاند من تطيق له عنادا
وحذف الخبر أهول لتذهب النفس كل مذهب.
ولما وصف الذكر بأنه لا يصح ولا يتصور أن يلحقه نقص، فبطل قولهم ﴿لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه﴾ ونحوه مما مضى وحصل الأمن منه، أتبعه التسلية مما يلحق به من الغم ليقع الصبر على جميع أقوالهم فقال: ﴿ما يقال لك﴾ أي يبرز إلى الوجود قوله سواء كان في ماضي الزمان أو حاضره آو آتيه من شيء من الكفار أو غيرهم يحصل به ضيق صدر أو تشويش فكر من قولهم ﴿قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه﴾ إلى آخره. وغير ذلك مما تقدم أنهم قالوه له
стр. 8750
متعنتين به ﴿إلا ما﴾ أي شيء ﴿قد قيل﴾ أي حصل قوله على ذلك الوجه ﴿للرسل﴾ وأن لم يقل لكل واحد منهم فإنه قيل للمجموع، ونبه على أن ذلك ليس لمستغرق للزمان بل تارة وتارة بإدخال الجار في قوله: ﴿من قبلك﴾ ولما حصل بهذا الكلام ما أريد من التأسية، فكان موضع التوقع لهم أن يحل بهم ما حل بالأمم قبلهم من عذاب الاستئصال، وكان ﷺ شديد الشفقة عليهم والمحبة لصلاحهم، سكن سبحانه روعه بالإعلام بأن رحمته سبقت غضبه فقال مخوفاً مرجياً لأجل إنكار المنكرين: ﴿إن﴾ وأشار إلى مزيد رفعته بذكر صفة الإحسان وإفراد الضمير فقال: ﴿ربك﴾ أي المحسن إليك بارسالك وإنزال كتابه إليك، ومن أكرم بمثل هذا لا ينبغي له أن يحزن لشيء يعرض ﴿لذو مغفرة﴾ أي عظيمة جداً في نفسها وزمانها ومكانها لمن يشاء منهم، فلا يقطع لأحد بشقاء.
ولما رغبهم باتصافه بالمغفرة، رهبهم باتصافه بالانتقام، وأكد باعادة «ذو» والواو فقال: ﴿وذو عقاب﴾ والختم بما رويه الميم مع تقديم الاسم الميمي في التي قبلها دال للأشعري الذي قال بأن الفواصل غير مراعية في الكتاب العزيز، وإنما المعول عليه المعاني لا غير، والمعنى هنا على إيلام من كانوا يؤلمون أولياءه باللغو عند
стр. 8751
التلاوة الدالة على غاية العناد، فلذلك قدم حكيم، ولم يقل شديد، وقال: ﴿أليم *﴾ أي كذلك، فلا يقطع لأحد نجاة إلا من أخبر هو سبحانه بإشقائه أو إنجائه، وقد تقدم فعله لكل من الأمرين أنجى ناساً وغفر لهم كقوم يونس ﵊، وعاقب آخرين، وسيفعل في قومك من كل من الأمرين ما هو الأليق بالرحمة بإرسالك، كما أشار إليه ابتداؤه بالمغفرة، فالآية نحو: إن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم، ولعله لم يصرح هنا تعظيماً للقرآن الذي الكلام بسببه.
ولما افتتحت السورة بأنه أنزل على أحسن الوجوه وأجملها وأعلاها وأبينها وأكملها من التفصيل، والجمع والبيان بهذا اللسان العظيم الشأن، فقالوا فيه ما وقعت هذه التسلية لأجله من قولهم ﴿فلوبنا في أكنة﴾ إلى آخره، وكان ربما قال قائل؛ لو كان بلسان غير العرب، وأعطى هذا النبي فهمه والقدرة وعلى تبيينه لكان أقوى في الإعجاز وأجدر بالاتباع، أخبر أن الأمر ليس كذلك، لأنهم لم يقولوا: هذا الشك حصل لهم في أمره، بل عناداً، والمعاند لا يرده شيء، فقال على سبيل التأكيد، معلماً بأن الأمر على غير ما ظنه هذا الظان، وقال الأصبهاني: إنه جواب عن قولهم ﴿وقالوا قلوبنا في أكنه﴾ . والأحسن عندي
стр. 8752
أن يكون عطفاً على ﴿فصلت آياته قرآناً عربياً﴾ وبناه للمفعول لأنه بلسانهم فلم يحتج إلى تعيين المفصل، فيكون التقدير: فقد جعلناه عربياً معجزاً، وهم أهل العلم باللسان، فأعرضوا عنه وقالوا فيه ما تقدم، ولفت القول عن وصف الإحسان الذي اقتضى أن يكون عربياً إلى مظهر العظمة الذي هو محط إظهار الاقتدار وإنفاذ الكلمة ﴿ولو جعلناه﴾ أي هذا الذكر بما لنا من العظمة والقدرة ﴿قرآناً﴾ أي على ما هو عليه من الجمع ﴿أعجمياً﴾ أي لا يفصح وهو مع ذلك على وجه يناسب عظمتنا ليشهد كل أحد أنه معجز للعجم كما أن معجز للعرب وأعطيناك فهمه والقدرة على إفهامهم إياه ﴿لقالوا﴾ أي هؤلاء المتعنتون فيه كما يقولون في هذا بغياً وتعنتاً: ﴿لولا﴾ أي هلا ولم لا ﴿فصلت آياته﴾ أي بينت على طريقة نفهمها بلا كلفة ولا مبين، حال كونه قرآناً عربياً كما قدمنا أول السورة.
ولما تبين بشاهد الوجود أنهم قالوا في العربي الصرف وبشهادة
стр. 8753
الحكيم الودود، وأنهم يقولون في الأعجمي الصرف، لم يبق إلا المختلط منهما المنقسم إليهما، فقال مستأنفاً منكراً عليهم للعلم بأن ذلك منهم مجرد لدد لا طلباً للوقوف على سبيل الرشد: ﴿أعجمي﴾ أي أمطلوبكم أو مطلوبنا - على قراءة الخبر من غير استفهام - أعجمي ﴿وعربي﴾ مفصل باللسانين، والأعجمي كما قاله الرازي في اللوامع: الذي لا يفصح ولو كان عربياً والعجمي من العجم ولو تفاصح بالعربية.
ولما كان من الجائز أن يقولوا: نعم، ذلك مطلوبنا، وكان نزولاً من الرتبة العليا إلى ما دونها مع أنه لا يجيب إلى المقترحات إلا مريد للعذاب، او عاجز عن إنفاذ ما نريد، بين أن مراده نافذ من غير هذا فقال: ﴿قل هو﴾ أي هذا القرآن على ما هو عليه من العلو الذي لا يمكن أن يكون شيء يناظره ﴿للذين آمنوا﴾ أي أردنا وقوع الإيمان منهم ﴿هدى﴾ بيان لكل مطلوب ﴿وشفاء﴾ لما في صدروهم من داء الكفر والهواء والإفك فآذانهم به سميعة وقلوبهم له واعية وهو لهم بصائر قال القشيري فهو شفاء للعلماء حيث استراحوا عن كد الفكرة وتحير الخواطر وشفاء لضيق صدور المريدين بما فيه من التنعيم بقراءته والتلذذ بالتفكر فيه، ولقلوب المحبين من لواعج
стр. 8754
الاشتياق بما فيه من لطائف المواعيد، ولقلوب العارفين بما يتوالى عليها من أنوار التحقيق وآثار خطاب الرب العزيز ﴿والذين لا يؤمنون﴾ أي أردنا أنه لا يتجدد منهم إيمان ﴿في آذانهم وقر﴾ أي ثقل مذهب للسمع مصم، فهم لذلك لا يسمعون سماعاً ينفعهم لأنهم بادروا إلى رده أول ما سمعوه وتكبروا عليه فصاروا لا يقدرون على تأمله فهزهم الكسل وأصمهم الفشل فعز عليهم فهمه ﴿وهو عليهم﴾ أي خاصة ﴿عمى﴾ مستعلٍ على أبصارهم وبصائرهم لازم لهم، فهم لا يعونه حق الوعي، ولا يبصرون الداعي به حق الإبصار، فلهم به ضلال وداء، فلذلك قالوا ﴿ومن بيننا وبينك حجاب﴾ وذلك لما يحصل لهم من الشبه التي هيئت قلوبهم لقبولها، أو يتمادى بهم في الأوهام التي لا يألفون سوى فروعها وأصولها، فقد بان لأن سبب الوقر في آذانهم الحكم بعدم إيمانهم للحكم بإشقائهم، فالآية من الاحتباك: ذكر الهدى والشفاء اولاً دليلاً على الضلال والداء ثانياً، والوقر والعمى ثانياً دليلاً على السمع والبصائر أولاً، وسر ذلك أنه ذكر أمدح صفات المؤمنين وأذم صفات الكافرين، لأنه لا أحقر من أصم أعمى.
стр. 8755
ولما بان بهذا بعدهم عن عليائه وطردهم عن فنائه قال: ﴿أولئك﴾ أي البعداء البغضاء مثالهم مثال من ﴿ينادون﴾ أي يناديهم من يريد نداءهم غير الله ﴿من مكان بعيد *﴾ فهم بحيث لا يتأبى سماعهم، وأما الأولون فهم ينادون بما هيئوا له من القبول من مكان قريب، فهذه هي القدرة الباهرة، وذلك أن شيئاً واحداً يكون لناس في غاية القرب ولناس معهم في مكانهم في أنهى البعد.
ولما كان التقدير: فلقد آتيناك الكتاب على هذه الصفة من العظمة، فاختلفت فيه أمتك على ما أعلمناك به أول البقرة من انقسام الناس فعاقبنا الذين تكبروا عليه أن ختمنا على مشاعرهم، عطف عليه مسلياً قوله مؤكداً لمن يقول من أهل الكتاب إضلالاً: لو كان نبياً ما اختلف الناس عليه ونحو ذلك مما يلبس به: ﴿ولقد آتينا﴾ أي على ما لنا من العظمة ﴿موسى الكتاب﴾ أي الجامع لما فيه هداهم ﴿فاختلف﴾ أي وقع الاختلاف ﴿فيه﴾ أي من أمته كما وقع في هذا الكتاب لأن الله تعالى خلق الخلق للاختلاف مع ما ركب فيهم من العقول الداعية إلى الإنفاق ﴿ولولا كلمة﴾ أي إرادة ﴿سبقت﴾ في الأزل، ولفت القول إلى صفة الإحسان ترضية بالقدر
следующие страницы →