← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 8786–8825 · переход к 8791.

стр. 8786

مع حسن استنارته بتناسب استدارته، ثم إنك إذا بلغت نهاية الجمع في هذه الأحرف بأن جمعت أعداد مسمياتها وهو مائتان وثمانية وسبعون وفي السنة الموافقة لهذا العدد كانت ولادتي، فكان الابتداء في هذا الكتاب الديني حينئذ بالقوة القريبة من الفعل وسنة ابتدائي فيه بالفعل وهي سنة إحدى وستين في شعبان كان سني إذا ذاك قد شارف أربعاً وخمسين سنة، وهو موافق لعدد حرفي ﴿دن﴾ أمراً من الدين الذي هو مقصود السورة، فكأنه أمر إذ ذاك بالشروع في الكتاب ليحصل مقصودها، وسنة وصولي إلى هذه السورة وهي سنة إحدى وسبعين في شعبان منها كان سني قد شارف أربعاً وستين سنة، وهو عدد موافق لعدد أحرف ﴿دين﴾ الذي هو مقصود السورة، فأنا أرجو بهذا الاتفاق الغريب أن يكون ذلك مشيراً إلى أن الله تعالى يجمع بكتابي هذا الذي خصني بإلهامه وادخر لي المنحة بحله وإبرامه، واعتناقه والتزامه، أهل هذا الدين القيم جمعاً عظيماً جليلاً جسيماً، يظهر له أثر بالغ في اجتماعهم وحسن تأسيهم برؤوس نقلته وأتباعه، ومن الآثار الجليلة في لحظها للجمع أنه لما كان مقصود سورة مريم عليها

стр. 8787

السلام بيان اتصاف الرحمن، المنزل لهذا القرآن، بشمول الرحمة لجميع الأكوان، وكانت هذه السورة لرحمة خاصة من آثار تلك الرحمة العامة، وهي الاجتماع على هذا الدين المراد ظهوره وعلوه على كل دين وقهره لكل أمر، فكان لذلك محيطاً قاهراً لحظ كل قاهر وظالم، وكانت هذه الرحمة الخاصة - لنسبتها إلى الخلق - ثانية لتلك العامة ومنشعبة منها، كانت لكونها من أوصاف الخلق بمنزلة اليسار، وتلك لكونها من صفة الحق بمنزلة اليمين، لذلك - والله أعلم - قال الاستاذ أبو الحسن الحرالي في كتاب له في الحرف: ولما كان ذلك - أي هذه الاسم المجتمع من هذه الأحرف المقطعة - أول هذه السورة مما ينسب إلى أمر الشمال كان متى وضع على أصابع اليسار ثم وضعت على هانجة ظلم أو جور استولى عليه بحكم إحاطة حكمة الله، وكانت خمسها مضافة إلى خمس ﴿كهيعص﴾ المستولية على حكمة اليمين محيطاً ذلك بالعشر المحيط بكل الحكمة التي مسندها الياء الذي هو أول العشر ومحل الاستواء بما هو عائد وحدة الألف - انتهى. ولما كانت هذه الحروف - والله أعلم - مشيرة إلى الاجتماع كما أشار إليه آخر السورة الماضية، قال الله : ﴿كذلك﴾ أي مثل هذا الإيحاء العظيم الشأن الذي أخبرك به ربك صريحاً أول «فصلت» من أن الإله إله واحد وآخرها من أنه ما يقال لك

стр. 8788

إلا ما قد قيل للرسل من قبلك، ومن أنه يجمع أمتك على هذا الدين بما يتبين لهم أن هذا القرآن هو الحق بما يريهم من الآيات البينات والدلالات الواضحات في الآفاق وفي أنفسهم وبشهادته سبحانه باعجاز القرآن لجميع الإنس والجان ولا سيما إذا أقدم ضال على معارضته كمسيلمة فإنه يتبين لهم الأمر بذلك غاية البيان «وبضدها تتبين الأشياء» ورمز لك به سبحانه تلويحاً اول هذه السورة بهذه الأحرف المقطعة التي هي أعلى وأغلى من الجواهر المرصعة - إلى مثل ذلك، فهما نوعان من الوحي: صريح وعبارة، وتلويح وإشارة. ولما كان المقصود الإفهام لأن الإيحاء منه سبحانه عادة مستمرة إلى جميع أنبيائه ورسله والبشارة له ﷺ بتجديده له، مدة حياته تثبيتاً لفؤاده، ودلالة على دوام وداده، عبر بالمضارع الدال على التجدد والاستمرار، وتقدم في أول البقرة نقلاً عن أبي حيان ومن قبله الزمخشري وغيره أنه قد لا يلاحظ منه زمن معين، بل يراد مطلق الوجود فقال: ﴿يوحى إليك﴾ أي سابقاً ولاحقاً ما دمت حياً لا يقطع ذلك عنك أصلاً توديعاً ولا قلى بما يريد من أمره مما يعلي لك مقدارك، وينشر أنوارك ويعلي منارك.

стр. 8789

ولما كان الاهتمام بالوحي لمعرفة أنه حق - كما أشارت إليه قراءة ابن كثير بالبناء للمفعول - والموحي إليه لمعرفة أنه رسول حقاً وكان المراد بالمضارع مجرد إيقاع مدلوله لا يفيد الاستقبال صح أن يتعلق به قوله مقدماً على الفاعل: ﴿وإلى الذين﴾ والقائم مقام الفاعل في قراءة ابن كثير ضمير يعود على «كذلك» . ولما كان الرسل بعض من تقدم في بعض أزمنة القبل، ادخل الجار فقال: ﴿من قبلك﴾ أي من الرسل الكرام والأنبياء الأعلام، بأن أمتك أكثر الأمم وأنك أشرف الأنبياء، وأخذ على كل منهم العهد باتباعك، وأن يكون من أنصارك وأشياعك. ولما قدم ما هو الأهم من الوحي والموحى إليه، أتى بفاعل ﴿يوحي﴾ في قراءة العامة فقال: ﴿الله﴾ أي الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال. . وهو مرفوع عند ابن كثير بفعل مضمر تقديره الذي يوحيه. ولما كان نفوذ الأمر دائراً على العزة والحكمة قال: ﴿العزيز﴾ أي الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ﴿الحكيم *﴾ الذي يضع ما يصنعه في أتقن محاله، فلأجل ذلك لا يقدر على نقض ما أبرمه، ولا نقص

стр. 8790

ما أحكمه. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تضمنت سورة غافر ما تقدم من بيان حالي المعاندين والجاحدين، وأعقبت بسورة السجدة بياناً أن حال كفار العرب في ذلك كحال من تقدمه وإيضاحاً لأنه الكتاب العزيز وعظيم برهانه، ومع ذلك فلم يجد على من قضى عليه تعالى بالكفر، اتبعت السورتان بما اشتملت عليه سورة الشورى من أن ذلك كله إنما جرى على ما سبق في علمه تعالى بحكم الأزلية ﴿فريق في الجنة وفريق في السعير﴾ ﴿وما أنت عليهم بوكيل﴾ ﴿ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة﴾ ﴿ولولا كلمة الفصل لقضى بينهم﴾ ﴿وهو على جمعهم إذا يشاء قدير﴾ ﴿وما أنتم بمعجزين في الأرض﴾ ﴿ومن يضلل الله فما له من سبيل﴾ ﴿إن عليك إلا البلاغ﴾ ﴿نهدي به من نشاء من عبادنا﴾ فتأمل هذه وما التحم بها مما لم يجر في السورة المتقدمة منه إلا النادر، ومحكم ما استجره، وبناء هذه السورة

стр. 8791

على ذلك ومدار آيها، يلح لك وجه اتصالها بما قبلها والتحامها بما جاورها. ولما ختمت سورة السجدة بقوله تعالى ﴿إلا أنهم في مرية من لقاء ربهم﴾ أعقبها سبحانه بتنزيهه وتعاليه عن ريبهم وشكهم، فقال تعالى ﴿تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن﴾ كما أعقب بمثله في قوله تعالى ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولداً لقد جئتم شيئاً إدا تكاد السماوات يتفطرن منه ولما تكرر في سورة حم السجدة ذكر تكبر المشركين وبعد انقيادهم في قوله تعالى ﴿فأعرض أكثرهم وقالوا قلوبنا في أكنة﴾ إلى ما ذكر تعالى من حالهم المنبئة عن بعد استجابتهم فقال تعالى في سورة الشورى ﴿كبر على المشركين ما تدعوهم إليه﴾ - انتهى. ولما أخبر سبحانه أنه صاحب الوحي بالشرائع دائماً قديماً وحديثاً، علل ذلك بأنه صاحب الملك العام فقال: ﴿له ما في السماوات﴾ أي من الذوات والمعاني ﴿وما في الأرض﴾ كذلك. ولما كان العلو مستلزماً للقدرة قال: ﴿وهو العلي﴾ أي على العرش الذي السماوات فيه علو رتبة وعظمة ومكانة لا مكان وملابسة، فاستلزم ذلك أن تكون له السماوات كلها والأراضي كلها مع ما فيها ﴿العظيم *﴾ أي فلا يتصور شيء في وهم ولا يتخيل في عقل إلا وهو أعظم منه بالقهر والملك، فلذلك يوحي إلى من يشاء بما يشاء من إقرار وتبديل، لا اعتراض لأحد عليه.

стр. 8792

ولما كان السياق مفهماً عظيم ملكه سبحانه وقدرته بكثرة ما في الأكوان من الأجسام والمعاني التي هي لفظاعتها لا تحتمل، قال مبيناً لذلك: ﴿تكاد السماوات﴾ أي على عظم خلقهن ووثاقة إبداعهن، وفلقهن بما أعلم به الواقع، ونبه عليه بتذكير ﴿تكاد﴾ في قراءة نافع والكسائي ﴿يتفطرن﴾ أي يتشققن ويتفرط أجزاؤهن مطلق انفطار في قراءة من قرأ بالنون وخفف وهم هنا أبو عمرو ويعقوب وشعبة عن عاصم، وتفطراً شديداً في قراءة الباقين بالتاء المثناة من فوق مفتوحة وتشديد الطاء، مبتدئاً ذلك ﴿من فوقهن﴾ الذي جرت العادة أن يكون أصلب مما تحته، فانفطار غيره من باب الأولى، وابتداء الانفطار من ثم لأن جهة الفوق أجدر بتجلي ما يشق حمله من عظيم العظمة والجلال والكبرياء والعزة التي منها ما يحمل من الملائكة الذين لا تسع عقولهم وصفهم على ما عليه من كل واحد منهم من عظم الخلق في الهيئة والطول والمتانة والكبر إلى غير ذلك مما لا يحيط به علماً إلا الذي يراهم بحيث إنّ أحدهم إذا أشير له إلى الأرض حملها كما قال ﷺ «أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم

стр. 8793

إلا فيه ملك قائم يصلي» ومن غير ذلك من العظمة والكبرياء والجبروت والعلاء، أو يكون انفطارهن من عظيم شناعة الكفر بالذي خلق الأرض في يومين وجعلهم له أنداداً كما قال في السورة المناظرة لهذه سورة مريم ﴿تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً أن دعوا للرحمن ولدا﴾ [آية: ٩٠-٩١] ونقص ما في هذه عن تلك لأنه لم يذكر هنا للولد، وهذا كناية عن التخويف بالعذاب لأن من المعلوم أن العالي إذا انفطر تهيأ للسقوط، فإذا سقط أهلك من تحته فكيف إذا كان من العلو والعظم وثقل الجسم على صفة لا يحيط بها إلا بارئها، فذكر الفوق تصوير لما يترتب على هذا الانفطار من البلايا الكبار، وعلى هذا يحسن أني يعود الضمير على الأراضي التي كفروا بفاطرها. ولما بين أن سبب كيدودة انفطارهن حلالة العظمة التي منها كثرة الملائكة وشناعة الكفر، بين لها سبباً آخر وهو عظيم قولهم، فقال: ﴿والملائكة﴾ أي والحال أنهم، وعدل عن التأنيث مراعاة للفظ إلى التذكير وضمير الجمع، إشارة إلى قوة التسبيح وكثرة المسبحين فقال: ﴿يسبحون﴾ أي يوقعون التنزيه والتقديس لله سبحانه

стр. 8794

وتعالى ملتبسين ﴿بحمد ربهم﴾ أي بإثبات الكمال للمحسن إليهم تسبيحاً يليق بما لهم - بما أشارت إليه الإضافة دائماً لا يفترون، فلهم بذلك زجل وأصوات لا تحملها العقول، ولا تثبت لها الجبال، فلا تستبعدن ذلك، فكم من صاعقة سمعتها من السحاب فرجت لها الأرض فتصدعت لها الأبنية المتينة والجبال الصلاب، ولفت القول إلى صفة الإحسان لمدح الملائكة بالإشارة إلى أنهم عرفوا إحسان المحسن وعملوا في الشكر بما اقتضاه إحسانه فصار تعريضاً بذم الكفرة بما غطوا من إحسانه، وتذرعوا من كفرانه. ولما كانوا لما عندهم من العلم بجلال الله سبحانه يستحيون منه سبحانه كما يفعل أهل الأرض ويقولون ما لا يليق بحضرته الشماء وجنابه الأسمى، وكانوا يعلمون مما جادلهم سبحانه عنهم أن له بهم عناية، فكانوا يرون أن الأقرب إلى رضاه الاستغفار لهم، فلذلك عبر عنهم سبحانه بقوله حاذقاً ما أوجبه السياق في ﴿غافر﴾ من ذكر الإيمان، إشارة إلى أن أقرب الخلق من العرش كأبعد الناس في الإيمان

стр. 8795

المشروط بالغيب إبلاغاً في التنزيه لأنه لا مقتضى له هنا: ﴿ويستغفرون﴾ أي وهم مع التسبيح يطلبون الغفران ﴿لمن في الأرض﴾ لما يرون من شدة تقصيرهم في الوفاء بحق تلك العظمة، التي لا تضاهى، أما للمؤمن فمطلقاً، وأما للكافر فبتأخير المعالجة، وكذا لبقية الحيوانات، وذلك لما يهولهم مما يشاهدونه من عظمة ذي الكبرياء وجلالة ذي الجبروت. قال ابن برجان: لم يشأ الله جل ذكره كون شيء إلا قيض ملائكة من عباده يشفعون في كونه، وكذلك في إبقاء ما شاء إبقاءه وإعدام ما شاء إعدامه، وهذه أصول الشفاعة فلا تكن من الممترين، وألطف من ذلك أن تكون كيدودة انفطارهن في حال تسبيح الملائكة واستغفارهم لما يرين من فوقهن من العظمة، ومن تحتهن من ذنوب الثقلين، فلولا ذكرهم لتفطرن وحضر العذاب، فعوجل الخلق بالهلاك، وقامت القيامة، وقضي الأمر، وإذا كانت كيدودة الانفطار مع هذا التنزيه والاستغفار، فما ظنك بما يكون لو عرى الأمر عنه وخلا منه، ولذلك ذكر العموم هنا ولم يخص المؤمنين بالاستغفار كما في ﴿غافر﴾ لما اقتضاه السياق هنا من العموم، ولأن مقصود غافر

стр. 8796

تصنيف الناس في الآخرة صنفين وتوفية كل ما يستحقه فناسب ذلك إفراد الذين تلبسوا بالإيمان ومقصود هذه الجمع على الدين في الدنيا فناسب الدعاء للكل ليجازى كل بما يستحقه من إطلاق المغفرة في الدارين للمؤمن وتقييدها بالتأخير في الدنيا للكافر. ولما كانت أفعال أهل الأرض وأقوالهم عظيمة المخالفة لما يرضيه سبحانه فهم يستحقون المعاجلة بسببها، أجاب من كأنه قال: هذا يستجاب لهم في المؤمنين، فكيف يستجاب لهم في الكافرين ليجمع الكلام التهييب والتهويل في أوله والبشارة واللطف والتيسير في آخره، فقال لافتاً القول عن صفة الإحسان إلى الاسم الأعظم تعريفاً بعظيم الأمر حملاً على لزوم الحمد وإدامة الشكر: ﴿ألا إن الله﴾ أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال، فله جميع العظمة، وأكد لأن ذلك لعظمه لا يكاد يصدق ﴿هو﴾ أي وحده، ورتب وصفيه سبحانه على أعلى وجوه البلاغة فبدأ بما أفهم إجابة الملائكة وأتبعه الإعلام بمزيد الإكرام فقال: ﴿الغفور الرحيم *﴾ أي العام الستر والإكرام على الوجه الأبلغ أما لأهل الإيمان فواضح دنيا وآخرة، وأما لأهل الكفران ففي الدنيا فهو يرزقهم ويعافيهم ويملي لهم ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة﴾ [فاطر: ٤٥] وأما غير الله فلا يغفر

стр. 8797

لأهل معصيته، ولو أراد ذلك ما تمكن.

стр. 8798

ولما كان التقدير: فالذين تولوه وماتوا في ولايته فهو يغفر ذنوبهم بمعنى أنه يزيلها عيناً وأثراً، عطف عليه قوله: ﴿والذين اتخذوا﴾ أي عالجوا فطرهم الأولى وعقولهم حتى أخذوا ﴿من دونه﴾ أي من أدنى رتبة من رتبته ﴿أولياء﴾ يعبدونهم كالأصنام وكل من اتبع هواه في شيء من الأشياء، فقد اتخذ الشيطان الآمر له بذلك ولياً من دون الله بمخالفة أمره. ولما كان ما فعلوه عظيم البشاعة، اشتد التشوف إلى جزائهم عليه فأخبر عنه سبحانه بقوله معبراً بالاسم الأعظم إشارة إلى وضوح ضلالهم وعظم تهديدهم معرياً له عن الفاء لئلا يتوهم أن الحفظ مسبب عن الاتخاذ المذكور عادلاً إلى التعبير بالجلالة تعظيماً لما في الشرك من الظلم وتغليظاً لما يستحق فاعله من الزجر: ﴿الله﴾ أي المحيط بصفات الكمال ﴿حفيظ عليهم﴾ أي رقيب وراع وشهيد على اعمالهم، لا يغيب عنه شيء من أحوالهم، فهو إن شاء أبقاهم على كفرهم وجازاهم عليه بما أعده للكافرين، وإن شاء تاب عليهم ومحا ذلك عيناً وأثراً، فلم يعاقبهم ولم يعاتبهم، وإن شاء محاه عيناً وأبقى الأثر حتى يعاتبهم ﴿وما أنت عليهم بوكيل *﴾ أي حتى

стр. 8799

يلزمك أن تراعي جميع أحوالهم من أقوالهم وأفعالهم، فتحفظها وتقسرهم على تركها ونحو ذلك مما يتولاه الوكيل مما يقوم فيه مقام الموكل سواء قالوا ﴿لا تسمعوا لهذا القرآن﴾ أو قالوا ﴿قلوبنا في أكنة﴾ أو غير ذلك. ولما كان الإيحاء السابق أول السورة للبشرى لأنها المقصود بالذات وكانت البشرى مقتضية تلويحاً ورمزاً بالأحرف المقطعة لاجتماع أهل الدين وغلبتهم على سائر الأديان وأن دينهم يعم سائر الأمم ويحيط بجميع الخلق، ولا يريد أحد بأهله سوءاً إلا كان له فيه رفعة كما مضى بيانه، وكانت رمزاً لأن المقام للانذار بما تشهد به السورة الماضية، وكان المراد بها التكرار حتى لا تزال لذاذتها في أذن المبشر وحلاوتها في قلبه، ذكرها بلفظ المضارع الدال على التجدد والتكرار والحدوث والاستمرار، وكان المتعنت ربما حمله له على الوعد بالإيحاء في المستقبل، وكان العاقل يكفيه في النذرى مرة واحدة فقال معبراً بالماضي الدال على الإمضاء والقطع والقضاء الحتم في كل من الإيحاء وفائدته التي هي الأنذار، عاطفاً على ما يتصل بالآية السالفة المختومة

стр. 8800

بنفي الوكالة مما تقديره: إنما عليك البلاغ بالبشارة والنذارة، وقد أوحينا إليك البشارة رمزاً، كما جرت به عادة الأحباب في محاورات الخطاب، ولفت القول إلى مظهر العظمة لأن الإنذار من مجازه: ﴿وكذلك﴾ أي ومثل ذلك الإيحاء الذي قدمنا أنا حبوناك به من وحي الإشارة بالحروف المقطعة ﴿أوحينا﴾ بما لنا من العظمة مع الفرق بين كل ملبس ﴿إليك قرآناً﴾ جامعاً لكل حكمة ﴿عربياً﴾ فهو بين الخطاب واضح الصواب معجز الجناب ﴿لتنذر﴾ أي به ﴿أم القرى﴾ مكة التي هي أم الأرض وأصلها، منها دحيت ولشرفها أوقع الفعل عليها، عدا لها عداد العقلاء، ثم بين أن المراد أهلها بقوله: ﴿ومن﴾ أي وتنذر من ﴿حولها﴾ وهم سكان جميع الأرض التي هي امها، وبذلك فسره البغوي فقال: قرى الأرض كلها، وكذا القشيري وقال: العالم محدق بالكعبة ومكة لأنها سرة الأرض. ولما كان مفعول ﴿تنذر﴾ الثاني على ما هدى إليه السياق ما عذبت به الأمم السالفة والقرون الماضية حين تمادى بهم الكفر وغلب عليهم الظلم في اتخاذهم أولياء من دون الله، عطف عليه: ﴿وتنذر﴾ أي أم القرى ومن حولها مع عذاب الأمم في الدنيا ﴿يوم الجمع﴾ أي لجميع الخلائق ببعثهم من الموت، حذف المفعول الأول من الشق الثاني،

стр. 8801

والمفعول الثاني من الأول، فالآية من الاحتباك: ذكر المنذرين أولاً دلالة على إرادتها ثانياً، وذكر المنذر به وهو يوم الجمع ثانياً دلالة على المنذر به من عذاب الأمم أولاً، ليذهب به الوهم في المحذوف كل مذهب، فيكون أهول، وذكر هذا المذكور أفخم وأوجل. ولما كان الإنذار - وهو الإعلام بموضع المخافة - تارة يكون عما لا علم به، وهو الأغلب، وتارة عما وقع العمل به ثم خالف المنذر به علمه فعمل أعمال من لا علم له به، نبه على أنه هذا من القسم الثاني بقوله في جملة حالية: ﴿لا ريب فيه﴾ أي لأنه قد ركز في فطرة كل أحد أن الحاكم إذا استعمل عبيده في شيء ثم تظالموا فلا بد له بما تقتضيه السياسة من جمعهم لينصف بينهم وإلا عد سفيهاً، فما ظنك بأحكم الحاكمين. ولما تشوف السامع إلى ما يفعل في جمعهم، وكان الثقلان لما طبعوا عليه من النقصان أهل فرقة وطغيان، ذكر نهايته معبراً بما هو من الفرقة بقوله مسوغاً الابتداء بالنكرة للتفصيل أو تقرير الوصف: ﴿فريق﴾ أي من المجموعين أهل فرقة تداركهم الله بأن جعلهم أهل

стр. 8802

جمع ﴿في الجنة﴾ فصلاً منه وهم الذين قبلوا الإنذار وبالغوا في الحذار ﴿وفريق﴾ أي منهم خذلهم الله ووكلهم إلى أنفسهم فزادوا في الفرقة ﴿في السعير *﴾ عدلاً منه، قال القشيري: كما أنهم في الدنيا فريقان: فريق في درجات الطاعة وحلاوات العبادات، وفريق في ظلمات الشرك وعقوبات الجحد والشك، فلذلك غداهم فريقان: فريق هم أهل اللقاء، وفريق هم أهل البلاء والشقاء. روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كتابان فقال: «أتدرون ما هذان الكتابان؟ قال: قلنا لا، إلا أن تخبرنا يا رسول الله! قال للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، ولا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا، ثم قال للذي في يساره: هذا كتاب أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : فلأي شيء نعمل إن كان هذا أمراً قد فرغ منه، قال رسول الله ﷺ : سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل الجنة وإن عمل أي عمل وإن صاحب النار يختم له بعمل النار وإن عمل أي عمل، قال بيده

стр. 8803

فقبضها، ثم قال: فرغ ربكم من العباد، ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال: فريق في الجنة، ونبذ باليسرى فقال: فريق في السعير» قال ابن كثير: وهكذا رواه النسائي والترمذي جميعاً، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. ولما كان ملوك الدنيا غالباً لا يريدون أن يعصى أمرهم، فإذا حذروا من شيء أرادوا أن لا يقرب، فإن فعله أحد كان فعله له خارجاً عن مرادهم، فكانت عقوبتهم له لخروجه عن المراد شفاء لما حصل لهم من داء الغيظ، بين أنه سبحانه على غير ذلك، وأنه منزه عن خروج شيء عن مراده، وعن أن يلحقه نفع بطاعة أو ضر بمعصية، وإن عقوبته إنما هي على مخالفة أمره مع الدخول تحت مراده بإلجائه وقسره، وهذا في نفس الأمر، وأما في الظاهر فالأمر أن لا يظهر أنه لشيء منهما مانع إلا صرف الاختيار، فقال صارفاً القول عن مظهر العظمة استيفاء لإنذار ما هو حقيق به منها إلى الاسم الجامع صفات العظمة وغيرها لاقتضاء الحال له: ﴿ولو شاء الله﴾ أي المحيط بجميع صفات الكمال ﴿لجعلهم﴾ أي المجموعين ﴿امة واحدة﴾ للعذاب أو الثواب ولكنه لم يشأ ذلك بل شاء أن يكونوا فريقين: مقسطين وظالمين، ليظهر فضله وعدله وأنه إله جبار واحد قهار،

стр. 8804

لا يبالي بأحد وهو معنى قوله: ﴿ولكن يدخل من يشاء﴾ أي إدخاله ﴿في رحمته﴾ بخلق الهداية في قلبه فتكون أفعالهم في مواضعها وهم المقسطون، ويدخل من يشاء في نقمته بخلق الضلال في قلوبهم فيكونون ظالمين، فلا يكون لهم فعل في حاق موضعه، فالمقسطون ما لهم من عدو ولا نكير ﴿والظالمون﴾ أي العريقون في الظلم الذين شاء ظلمهم فيدخلهم في لعنته ﴿ما لهم من ولي﴾ يلي أمورهم فيجتهد في إصلاحها ﴿ولا نصير *﴾ ينصرهم من الهوان، فالآية من الاحتباك وهو ظاهر ذكر الرحمة أولاً دليلاً على اللعنة ثانياً والظلم وما معه ثانياً دليلاً على أضداده أولاً، وسره أنه ذكر السبب الحقيقي في أهل السعادة ليحملهم على مزيد الشكر، والسبب الظاهري في أهل الشقاوة لينهاهم عن الكفر. ولما كان التقدير: هل قصر هؤلاء الذين تنذرهم هممهم وعزائمهم وأقوالهم وأفعالهم على الله تعالى اتعاظاً وانتذاراً بهذا الكلام المعجز، عادل به قوله: ﴿أم اتخذوا﴾ أي عالجوا فطرهم الشاهدة بذلك بشهادة أوقات الاضطرار حتى لفتوها عنه سبحانه فأخذوا ﴿من دونه أولياء﴾ هم عالمون بأنهم لا يغنون عنهم شيئاً ولهذا قال: ﴿فالله﴾ أي فتسبب عما أفهمته صيغة الافتعال من أنهم عالمون بأنه وحده الضار النافع علمُهم

стр. 8805

بأنه ﴿هو﴾ وحده ﴿الولي﴾ لا غيره، ويجوز أن يكون مسبباً عن هذا الاستفهام الإنكاري التوبيخي كأنه قيل: هل قصروا هممهم عليه سبحانه، فسبب أنه وحمده المستحق لما يقصدونه من التولي ﴿وهو﴾ أيضاً وحده لا غيره ﴿يحيي الموتى﴾ أي يجدد إحيائهم في أي وقت يشاؤه ﴿وهو﴾ أي وحده ﴿على كل شيء قدير *﴾ أي بالغ القدرة لا يشاركه شيء في ذلك بشهادة كل عاقل، وأكده بالقصر لأن شركهم بالأولياء إنكار لاختصاصه بالولاية.

стр. 8806

ولما كانوا جميعاً يقرون بجميع ما وصف به نفسه المقدسة في هذه الآية عند الشدائد، بعضه تصريحاً من الوحدانية في الولاية والإحياء في هذه الدار والقدرة على كل شيء، وبعضه لزوماً وهو الإحياء بالبعث، تسبب عن ذلك قطعاً أن يقال مع صرف القول إلى الخطاب إشارة إلى أنه تعالى قرب إليهم كل خير وقرب إليهم فهم الوحدانية لعقولهم بعد أن فطرهم على لزومها عند الاضطرار، فما اتفقتم فيه من أمره سبحانه فهو الحق، وذلك هو أصل الدين الذي أطبق عليه الخلائق في وقت الاضطرار، لم يتلعثم فيه منهم ضعيف، ولا جبار منيف، عطف عليه قوله:

стр. 8807

﴿وما اختلفتم﴾ أي أيها الخلق ﴿فيه من شيء﴾ وذلك هو الفروع مطلقاً والأصول في حال الرفاهية ﴿فحكمه إلى الله﴾ أي الذي هو الولي لا غيره وهو القدير لا غيره، فلا يخرج شيء عن أمره، فحصوا عنه تجدوه في كتابه لأن فيه تبيان كل شيء، فإن قصرت أفهامكم عن إخراجه منه فاطلبوه في سنة نبيه ﷺ ، فإن عز عليكم ففي إجماع أهل دينه، فإن أعوزكم ذلك ففي القياس على شيء من ذلك. قال القشيري: هذه الأشياء هي قانون الشريعة، وجملتها من كتاب الله، فإن الكتاب هو الذي يدل على صحة هذه الجملة - انتهى. وما اجتهدتم فيه على ما شرع لكم وفصلتموه بما ظهر لكم على حكم بذل الجهد مضى، وما لا فصله بينكم سبحانه في هذا اليوم أن أراد بنصر المحق وخذلان الظالم، وإن أراد أخره إلى يوم الدين، فإن شاء عفا وإن شاء عاقب عليه، فلا حكم لغيره لا في الدنيا ولا في الآخرة. ولما أنتج هذا أنه لا عظيم غيره، ولا إله إلا هو، ترجم ذلك بقوله مخاطباً للكل: ﴿ذلكم﴾ أي العظيم الرتبة جداً ﴿الله﴾ المحيط بجميع أوصاف الكمال، فلا شريك له في شيء منه بوجه ﴿ربي﴾ الذي لا مربي له غيره في ماضٍ ولا حال ولا استقبال. ولما كان ذلك، أنتج ولا بد قوله: ﴿عليه﴾ أي وحده ﴿توكلت﴾ أي أسلمت

стр. 8808

جميع أمري ﴿وإليه﴾ أي لا إلى غيره ﴿أنيب *﴾ أي أرجع بالتوبة إذا قصرت في شيء من فروع شرعه وأرجع إلى كتابه إذا نابني أمر من الأمور، فأعرف منه حكمه فافعلوا أنتم كذلك، اجعلوه الحكم تفلحوا، ولا تعدلوا عنه في شيء من الأشياء تهلكوا. ولما تقرر بهذا الكلام أنه قد ركز في الفطر أنه لا إله غيره لأنه خالق سواه كما يهدي إليه الاضطرار وإن أغفل عنه البطر، وصفه بالدليل على ذلك الذي جبل عليه جميع الفطر: ﴿فاطر السماوات والأرض﴾ أي مبتدئهما بالخلق والإخراج من العدم، وكل ما اتخذتموه ولياً من دونه فهو منهما، فهو مما فطره كما يعلم كل أحد منكم ذلك لا يتمارى فيه، فهذا هو السبب في العلم المركوز في الفطر من أنه الواحد الذي لا إله معه كما كان في الأزل ولا شيء معه. ولما ذكر سبحانه ما شق العدم بإيجاده من غير سبب أصلاً، أتبعه ما سببه عن ذلك فأنشأه من العناصر التي أبدعتها يد القدرة في الخافقين، فقال معبراً بالفعلية تذكيراً بما يوجب لهم الاعتراف بما اعترف به نبيه ﷺ من أنه وحده ربه لا شريك له في ذلك، فيوجب التوكل عليه وحده: ﴿جعل لكم﴾ أي بعد

стр. 8809

أن خلقكم من الأرض ﴿من أنفسكم أزواجاً﴾ يكون بالسكون إليها بقاء نوعكم، ولما كانت الأنعام ومنافعها لأجلنا قال: ﴿ومن﴾ أي وجعل لكم من ﴿الأنعام﴾ الي هي أموالكم وجمالكم وبها أعظم قوامكم ﴿أزواجاً﴾ أي من أنفسها، يكون بها أيضاً بقاء نوعها، وكذا جميع الحيوانات، ومعنى قوله مغلباً العقلاء: ﴿يذرؤكم﴾ أي يخلقكم ويكثركم ولما كان الأزواج في غاية المحبة للزواج بحيث إنه مستول على القلوب، كان كأنه محيط بهم فقال: ﴿فيه﴾ أي في ذلك التزاوج بحيث يجعلكم مولعين به، من قوله ذراه: خلقه وكثره وأولعه بالشيء، فيكون لكم في الأزواج من البشر نطفاً وجمالاً وولادة، وفي الأنعام غذاء وشراباً واكلاً، وغير ذلك مما لكم فيه من المنافع، ولا تزالون في هذا الوجه من الخلق والتزاوج نسلاً بعد نسل وجيلاً بعد جيل. ولما تقرر في الأوهام وثبت في كثير من الأذهان أنه لا يكون شيء إلا بسبب التزواج، كان ربما سرى شيء من هذا الوهم في حق الخالق سبحانه فنفاه على أبلغ وجه بقوله: استئنافاً في جواب من يسأل عنه: ﴿ليس﴾ وقدم الخبر لأن المراد نفيه فأولاه النافي دلالة على شدة العناية بنفسه فقال: ﴿كمثله﴾ أي مثل

стр. 8810

نفسه في ذاته ولا في شيء من صفاته: ﴿شيء﴾ يزاوجه أو يناسبه، وكل ما اتخذتموه ولياً من دونه، فله ما يزاوجه ويماثله، فالمراد بالمثل هنا النفس وهو أصله وحقيقته في اللغة من قولهم: مثل الرجل يمثل - إذا قام وانتصب، قال الإمام عبد الحق الإشبيلي في كتابه الواعي: والمثل يكون هو الحديث نفسه ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون﴾ [الرعد: ٣٥] فمثلها هو الخبر عنها، وقيل: المثل ههنا الصفة ﴿ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم﴾ [البقرة: ٢١٤] أي صفتهم، نقل ذلك الهروي ونقل عن أبي عبد الله القزاز قوله: ﴿ضرب مثل فاستمعوا له﴾ [الحج: ٧٣] كذلك، لأنه قال: ﴿إن الذين تدعون﴾ الآية فصار الخبر عن ذلك هو المثل، قال: وهو على أصل ما ذكرنا أن مثل الشيء صفته وصورته، وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قرأ ﴿مثال﴾ وقرأ ﴿أمثال الجنة التي وعد المتقون﴾ ثم قال: وهذا كله يدل على أن معنى ﴿مثل﴾ صفة صورة، قال أبو عبد الله: مثلت له الشيء تمثيلاً: صورته له حتى كأنه ينظر إليه، وفي الحديث: «مثلت لي الجنة والنار» انتهى. في القاموس: المثل - بالكسر والتحريك وكأمر: المشبه، والمثل محركة: الحجة

стр. 8811

والحديث والصفة، والمثيل: المقدار والقصاص وصفة الشيء والفراش، جمعه أمثلة ومثل، والتمثال - بالكسر: الصورة ومثل قائماً: قام منتصباً كمثل بلاضم مثولاً - انتهى. وفي شمس العلوم: والعرب تقيم المثل مقام النفس فتقول: مثلي لا يقول هذا أي أنا انتهى. فقد بان أن المثل بالإسكان والتحريك واحد، وأنه في الأصل عبارة عن نفس الشيء وصورته، ثم شاع فيما يشابهه، فمعنى مثل أي انتصب تشكل وتصور فكانت له صورة وشكل لأن بالانتصاب تتحقق صورته وتظهر، وكذا مثل بمعنى لصق الأرض وإن كان ظهوره بالقيام أوضح، وكذا مثل إذا زال عن مكانه لأنه حصل الانتصاب أو اللصوق، وزاد الانتقال، ويوضح ذلك قولهم: مثله له - إذا صوره حتى كأنه ينظر إليه، فعلم قطعاً أن معنى الآية ما قلته، وأنه لو قيل ﴿ليس كمثله شيء﴾ ، من غير كاف، لربما قال بعض أهل التعنت: هذا معناه أنه ليس شيئاً، لأنا قد علمنا أن المثل هو الشيء، وقد كانوا يتعنتون بدون هذا، فأتى بالكاف إزالةً لهذا التعنت مع العلم القطعي بأن ظاهر ما نفهمه غير مراد لأنه يؤدي إلى محالين هما في غاية الضمور يحاشى عن أحدهما فكيف إذا اجتمعا من له أدنى حكمة فكيف بأحكم الحكماء، أحدهما أن له مثلاً، والثاني أن مثله لا مثل له مع الحكم بأنه مثله، وذلك تناقض

стр. 8812

ظاهر يتعالى الله عن إرادة مثله علواً كبيراً - والله الموفق. ولما كان قد أبطن نفسه سبحانه بهذا التنزيه إبطاناً عظيماً، وكان هذا الإعراق في البطون لا تحتمله العقول، فلا يؤمن عليها النزوع إلى التعطيل، قربه بنوع ظهور بذكر ما نعقله من الأوصاف بعد الأمن من التشبيه لمن يأمل الكلام، وحكم العقل وطرد الوهم، فأتى بأوضح ما نحسه من أوصافنا. وأظهره مع استلزامه لبقية الصفات فقال: ﴿وهو﴾ أي والحال أنه لا غيره ﴿السميع البصير *﴾ أي الكامل في السمع والبصر والعلم من البصر والبصيرة، ومن المقطوع به أن ذلك لا يكون على وجه الخصوص إلا بالوحدانية والحياة والقدرة والإرادة والكلام، فاستوفت هذه الآية ما لوح إليه العاطف فيب قوله «وما اختلفتم» بعد ما صرح به، فالله هو الولي من أصول الدين بالصفات السبع على أتم وجه - والله الموفق، قال الحرالي: السمع إدراك ألطف المثلين وهو الاسم، والصر إدراك أظهر المثلين وهو الصورة، وبالحق سبحانه بدأ كل مثل لطيف فهو السميع بالحقيقة أن لا يسمع ما هو مبدىء ألطف مثيله، أو لا يبصر ما هو مبدىء أظهر مثيله، ولما كان عليماً بأمثال البادئات قبل كونها كان سميعاً لها بصيراً لها قبل كونها، وإنما يستجد السمع والبصر من يتبع علمه إدراك

стр. 8813

حسه، لا من هو دائماً سميع بصير بما هو دائماً عليم، فهو سبحانه يسمع الأشياء وإن لم تتسم، ويراها وإن لم تتصور، رؤيته لها وسمعه في خلقها وبريها وتصويرها رؤية دائمة وسمع دائم، والخلق لا يرون الشيء قبل تصوره ولا يسمعونه قبل تكلمه - انتهى. فقد صرحت الآية بتنزيهه عن مساوٍ في شيء ما، فمن ادعى لأحد مساواته في شيء من صفاته علم أو غيره فقد أشرك به في تلك الصفة وهو أشد ملامة من المشرك بالصنم ونحوه من المخلوقات لأن إشراك هذا ظاهر الوهي واضح الخلل بين السفسفة، وإشراك الأول خفي لا يقدر على حله إلا راسخ وإن كان كل منهما يصير إلى الركاكة والهذيان لأنه لا يسوغ في عقل أن يكون أحد شريكاً لأحد في شيء إلا وهو مساوٍ له في حقيقة الذات، وصالح في الجملة لأن يقوم مقامه في جميع الصفات، فإياك ثم إياك من مزلة ربما استغوى بها الشيطان بعض من يريد الترقي في درجات العرفان، ليخرجه من جميع الأديان. ولما قرر أمر الوحي بما ثبت به من الإعجاز، وأراهم الآيات في الآفاق، بأن له ما في الوجود، وأنه هو الذي فطره، وكان ربما كان للإنسان شيء ولم يكن كامل التصرف فيه بأن يكون مفاتيح خزائنه مع غيره من شريك أو غيره، وكان ربما اخترع الإنسان بناء وكان لغيره، أخبر إكمالاً لتنزيه الآية السالفة وشرحاً له أنه

стр. 8814

تعالى ليس كمثله شيء كغيره في هذا أيضاً بل كما كان أن له ما في الخافقين وهو مخترعهما فله مفاتيح خزائنهما، فقال: ﴿له﴾ أي وحده ﴿مقاليد السماوات والأرض﴾ أي خزائنهما ومفاتيح خزائنهما من الأمطار والأنبات وغيرهما وقد ثبت أنه ابتدعهما، وأن له جميع ما فيهما مما اتخذ من دونه ولياً وغيره، قال القشيري: والمفاتيح الخزائن وخزائنه مقدوراته - انتهى. ولما كان قد حصر الأمر فيه دل عليه بقوله: ﴿يبسط الرزق﴾ أي الذي فيهما ولا مانع منه إلا قدرته ﴿لمن يشاء﴾ أي أن يبسطه له ﴿ويقدر﴾ أي يضيق ويقبض على من يشاء كما وسع على فارس والروم وضيق على العرب وفاوت في الأفراد، بين أفراد من وسع عليهم ومن ضيق عليهم، فدل ذلك قطعاً على أنه لا شريك له وأنه هو المتصرف وحده فقطع بذلك أفكار الموفقين من عباده من غيره ليقبلوا عليه ويتفرغوا له، فإن عبادته هي المقاليد بالحقيقة ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال﴾ [الآية ١٢: نوح] ﴿ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ [

стр. 8815

الطلاق: ١١] ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾ [الأعراف: ٩٦] ﴿ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم﴾ ﴿ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل﴾ [الآية ٦٦: المائدة] . ولما كان كأنه قيل: لم فعل ذلك؟ علله بقوله مؤكداً لأن أعمال غالب الناس في المعاصي عمل من يظن أنه سبحانه يخفى عليه عمله: ﴿إنه بكل شيء عليم *﴾ فلا فعل له إلا وهو جار على أتقن ما يكون من قوانين الحكمة، فلو أنه وسع العرب وقواهم ثم أباحهم ملك أهل فارس والروم لقبل بقوتهم ومكنتهم، وله في كل شيء دق أو جل من الحكم ما يعجز عن إدراك لطائفة أفاضل الأمم. ولما ثبت أن له كل شيء وأنه لا متصرف في الوجود سواه، أنتج ذلك أنه لا ناهج لطرق الأديان التي هي أعظم الرزق وأعظم قاسمة للرزق غيره، فأعلمهم أنه لم يشرع ديناً قديماً وحديثاً غير ما اتفقوا عليه وقت الشدائد. فقال دالاً على ما ختم به الآية التي قبلها من شمول علمه ومرغباً في لزوم ما هدى إليه ودل عليه: ﴿شرع﴾ أي طرق وسن طريقاً ظاهراً بيناً واضحاً ﴿لكم﴾ أيتها الأمة الخاتمة من الطرق

стр. 8816

الظاهرة المستقيمة ﴿من الدين﴾ وهو ما يعمل فيجازي عليه. ولما كان السياق للدين، وكانوا هم المقصودين في هذا السياق بالأمر به، لأن الشارع لهم قد أنتجه، وكانوا لتقليدهم الآباء يرون أن ما كان منه أقدم كان أعظم وأحكم، ذكر لهم أول الآباء المرسلين إلى المخالفين فقال: ﴿ما﴾ أي الذي ﴿وصى به﴾ توصية عظيمة بعد إعلامه بانه شرعه ﴿نوحاً﴾ في الزمان الأقدم كما ختم به على لسان الخاتم، وأرسل به من توسط بينهما من الأنبياء المشاهير لأنه لا يرضيه سواه، فإن كنتم إنما تأنفون من الدخول في هذا الدين لحدوثه فإنه أقدم الأديان وكل ما سواه حادث مع أنه ما بعث نبياً من أنبيائكم ولا من غيرهم إلا به ومع أنه توفرت على الشهادة به الفطر الأولى دائماً والفطر اللاحقة حتى من القلوب العاتية في أوقات الشدائد أبداً فأدخلوا فيه على بصيرة. ولما كان الإعجاز خاصاً بنا، أبرزه في مظهر العظمة معبراً بالوحي، وبالأصل في الموصلات، ودالاً على زيادة عظمته بتقديمه على من كانوا قبله مع ترتيبهم عند ذكرهم على ترتيبهم في الوجود فقال: ﴿والذي أوحينا إليك﴾ وأفرد الضمير زيادة في عظمته دلالة على

стр. 8817

أنه لا يفهمه حق فهمه غيره ﷺ ، ودل على عظمه ما كان لإبراهيم وبنيه بما ظهر من آثاره بمظهر العظمة، وعلى نقصه عما إلى نبينا ﷺ بالتعبير بالوصية فقال: ﴿وما وصينا﴾ أي على ما لنا من العظمة الباهرة التي ظهرت بها تلك المعجزات ﴿به إبراهيم﴾ الذي نجيناه من كيد نمرود بالنار وغيرها ووهبنا له على الكبر إسماعيل وإسحاق، وهو أعظم آباء العرب وهم يدعون أكبر بالآباء فليكونوا على ما وصيناه به ﴿وموسى﴾ الذي أنزلنا عليه التوراة موعظة وتفصيلاً لكل شيء ﴿وعيسى﴾ الذي أنزلنا عليه الإنجيل فيه هدى ونور وموعظة، ودخرناه في سمائنا شريعة الخاتم الفاتح. ولما اشتد تشوف السامع إلى الموحى الموصى به، أبرزه في أسلوب الأمر فقال مبدلاً من معمول «شرع» أو مستأنفاً: ﴿أن أقيموا﴾ أي أيها المشروع لهم من هذه الأمة الخاتمة ومن الأمم الماضية ﴿الدين﴾ أي الذي اتفق عليه الخلائق بالرجوع إلى ما فطروا عليه وقت الاضطرار وهو التوحيد والوصف بجميع صفات الكمال على الإطلاق وغير ذلك من كل ما أرسل به رسله هذا على تقدير أن تكون ﴿أن﴾ مصدرية، ويجوز أن تكون مفسرة لتقدم ما هو بمعنى القول.

стр. 8818

ولما عظمه الأمر بالاجتماع، أتبعه التعظيم بالنهي عن الافتراق فقال: ﴿ولا تتفرقوا﴾ أي تفرقاً عظيماً بما أشار إليه إثبات التاء، وكأن ذلك إشارة إلى التحذير من التفرق في الأصل وإذن في الاجتهاد على قدر القوة في الفرع ﴿فيه﴾ أي الدين في أوقات الرخاء عند التقلب في لذيذ ما أنعم به الشارع له الآمر به المرغب في اتباعه المرهب من اجتنابه، واجتمعوا على ما أرسله الذي أثبتم له جميع صفات الكمال عند الشدائد من غير خلاف أصلاً في شيء من الأشياء، فإن التفرق سبب الهلاك، والاجتماع سبب النجاة، فكونوا يداً واحدة يا أهل الكتاب قال تعالى ﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله﴾ . ولما نهى عن التفرق، حث على لزوم الاجتماع اللازم به بتعليل النهي بقوله: ﴿كبُر على المشركين﴾ أي جل وعظم وشق حتى ضاقت به صدورهم، وهو ﴿ما تدعوهم إليه﴾ أيها النبي الفاتح الخاتم من الاجتماع أبداً على ما اجتمعوا عليه وقت الاضطرار من وحدانية الواحد القهار، فلأجل كبره عليهم هم يسعون في تفرقكم عنه فإن تفرقتم عنه

стр. 8819

كنتم قد تابعتم العدو الحسود وخالفتم الولي الودود. ولما كان الإخبار بكرّه عليهم ربنا أوهم اتباع أتباعهم له، أزال ذلك الوهم بقوله جواباً لمن كأنه قال: كيف السبيل مع ذلك إلى دخول أحد في هذا الدين، عادلاً عن مظهر العظمة إلى أعظم منه تعظيماً للقدرة على جميع القلوب: ﴿الله﴾ أي الذي له مجامع العظمة ونفوذ الأمر ﴿يجتبي﴾ أي يختار بغاية العناية ويصرف ﴿إليه﴾ أي إلى هذا الدين الذي تدعوهم إليه ﴿من يشاء﴾ اجتباءه. ولما ذكر سبحانه بهذا المراد بغير تكسب منه، أتبعه المزيد المعنى بالسلوك فقال: ﴿ويهدي إليه﴾ بالتوفيق للطاعة ﴿من ينيب *﴾ أي فيه أهلية لأن يجدد الرجوع إلى مراتب طاعاته كل حين بباطنه بعد الرجوع بظاهر إلى ما كتبه له من الدرجات كأنه كان الوصول إليها قد نزل عنها وهو بترقيه في المنازلات بأحوال الطاعات يرجع إليها.

стр. 8820

ولما كان المراد بالمشركين مع عباد الأوثان أهل الكتاب الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله لقبولهم منهم التحليل والتحريم،

стр. 8821

وكان ذلك مفهماً لأنهم فارقوا أهل الطاعة، وكان ذلك موهماً لأنهم ما فارقوهم إلا عن جهل، قال عاطفاً على ما تقديره: فأتى الرسل إلى الناس فأقاموا لهم الدين وبينوا لهم غاية التبيين فاجتبى الله بعضهم وأضل بعضهم فافترقوا: ﴿وما تفرقوا﴾ أي المشركين من قبلكم من أهل الكتاب وغيرهم في أديانهم ﴿إلا﴾ وأدخل الجار لعدم استغراق الزمان فقال: ﴿من بعد ما جاءهم﴾ أي على ألسنة أنبيائهم الذين لم يدعوا لبساً ﴿العلم﴾ أي بما لا يسوغ معه التفرق ومنه أن الفرقة ضلالة، وأشار الجار أيضاً إلى أن التفرق كان مع العلم لم يكن طال الزمان فتطرق إلى علمهم نسيان كل ذلك بياناً لعظيم قدرة الله تعالى في تصرفه في القلوب، فإياكم أن يكون حالكم كحالهم فليشتد خوفكم لربكم ورجاءكم له. ولما كان ترك طريق العلم عجباً ومستبعداً، قال مبيناً أن الذي حملهم على ذلك حظوظ الأنفس التي لا نجاة منها إلا بعصمة الله تعالى: ﴿بغياً﴾ أي حال كون تفرقهم عداوة ولا شبهة فيها هي بينة الظلم لأجل حظوظ الأنفس واتباع الأهواء التي يجب على العبد البعد عنها بأن لا تكون له إرادة أصلاً بل تكون إرادته تابعة لأمر مولاه.

стр. 8822

ولما كان مطلق البغي منافياً لمكارم الأخلاق، فكان ارتكابه عجباً، زاد في التعجب منه ببيان أن البغي لم يعد جماعتهم إلى غيرها، بل كان خاصاً بها، فقال: ﴿بينهم﴾ . ولما كان ذلك يقتضي المعالجة، قال عاطفاً على ما تقديره: فلولا قدرة الله ولطفه لما اجتمعوا بعد الفرقة أبداً: ﴿ولولا كلمة﴾ أي لا تبديل لها ﴿سبقت﴾ أي في الأزل بتأخيرهم إلى آجالهم. ولما كان إمهالهم والرفق بهم رحمة لهم، بين أن ذلك إنما هو لأجل خير الخلق ليكونوا أتباعاً له فيزدادوا لذلك شرفاً، وأفرده بالذكر تنبيهاً على ذلك فقال مؤنساً له ﷺ بلفت الكلام إلى صفة الإحسان إرضاء له بما يرجوه في امته، وزاد ذلك بالإضافة إلى ضميره فأفهم أن إحسانه إليهم إحسان يليق بمقامه، ويلتئم بمراده الشريف ومرامه: ﴿من ربك﴾ أي المحسن إليك بجعلك خير الخلائق وإمامهم، سبقت الكلمة بإمهالهم ﴿إلى أجل مسمى﴾ ضربه لآجالهم ثم لجمعهم في الآخرة ﴿لقضي﴾ على أيسر وجه وأسهله ﴿بينهم﴾ حين الافتراق بإهلاك الظالم وإنجاء المحق. ولما أخبر عن حال المتقدمين، وكان من في زمانه ﷺ من أهل الكتاب يدعون غاية العلم بها والاجتماع عليها، وهي كلها داعية إلى المبادرة إلى إرث هذا الكتاب الخاتم الجامع،

стр. 8823

وكان بعضهم يتلبس بالتنسك والإعراض عن الدنيا وغير ذلك مما يقتضي أنه على بصيرة من أمره، وإنكار أن يكون عنده نوع شك، قال على وجه يعم غيرهم، مؤكداً تنبيهاً على ذلك: ﴿وإن الذين﴾ ولما كان المراد الوصول إلى الكتاب من غير منازع، ولم تدع حاجة إلى العلم بالموصل، بني للمفعول قوله: ﴿أورثوا الكتاب﴾ أي الكامل الخاتم، وهم هذه الأمة بما نسخ كتابهم ما تقدمه كان غيرهم كأنه مات، فورثوا كما قال تعالى ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾ [فاطر: ٣٢] فكان حالهم في تمكنهم من التصرف في الكتاب بالحفظ والفهم وعدم المنازع في ادعائه حال الوارث والموروث منه فقال: ﴿من بعدهم﴾ أي المتفرقين، وأثبت الجار لعدم استغراق الزمان ﴿لفي شك منه﴾ أي إيراث للكتاب المقتضي للاجتماع لا للتفرق لما فيه من الخير، وذلك لعملهم عمل الشاك فيقولون: إنه سحر وشعر وكهانة، ونحو ذلك، وأن الآتي به غير صادق بعد اطلاعهم على ما اتى به من المعجزات وبعد معرفتهم به، أما العرب ومن ساكنهم من أهل الكتاب فبإعجازه مع ما في أهل الكتاب من البشارة به،

стр. 8824

وأما غير من ساكنهم فبدعوة كتابهم ﴿مريب *﴾ أي موقع في التهمة الموقعة في الحاجة الموقعة في صروف الدهر وهي شدائده وآفاته ونوائبه هذا على أن المراد كتابنا، ويجوز أن يكون الضمير لأهل الكتاب خاصة والكتاب كتابهم، وشكهم فيه عملهم بغير ما دعاهم إليه من اتباع كتابنا باتباع نبينا ﷺ . ولما ثبت بهذا زيغهم عن أوامر الكتاب الآتي من الله، سبب عنه أمره ﷺ بإبلاغ الناس ما ينفعهم عن رسالة ربه الذي أنزل تلك الكتب في آية واحد مفصلة بعشر كلمات في كل كلمة منها حكم برأسه، قالوا: ولا نظير لها إلا آية الكرسي فإنها عشرة أصول كل أصل منها مستقل برأسه فقال مسبباً عن حالهم الاجتهاد في إزالتها والعمل بضدها: ﴿فلذلك﴾ أي لهذا الوحي العلي الرتبة الذي وصينا بمقاصده جميع الرسل أصحاب الشرائع الكبار من أولي العزم وغيرهم، أو لذلك التصرف المباعد

стр. 8825

للصواب والشك في أمر الكتاب. ولما كان سياق الدعوة للخلق إلى ما أوحى إليه فأنزل عليه، قدم قوله: ﴿فادع﴾ إلى من أرسلك الله به من الاتفاق على ما أمر به الإله من الاجتماع على الملة الحنيفية. ولما كان الداعي لغيره لا ينفع دعاءه لذلك الغير ما لم ينفع نفسه، قال: ﴿واستقم﴾ أي اطلب القوم من ربك على مشاق الدعوة ليعينك عليه وأوجده على ما يدعو إليه كتابه مما تدعو إليه ويجب عليه ﴿كما أمرت﴾ ممن لا أمر لغيره في تفاصيل الدعاء من اللين والغلظة والتوسط وغير ذلك من تحديث الناس بما تحتمل عقولهم وتربيتهم على حسب ما ينفعهم. ولما كان كل ما خالف كتابنا هوى، وكل ما خالف كتابنا فهو على مجرد الهوى، قال: ﴿ولا تتبع﴾ أي تعمداً ﴿أهواءهم﴾ في شيء ما، فإن الهوى لا يدعو إلى خير، والمقصود من كل أحد أن يفعل ما أمر به لأجل أنه أمر به لا لأجل أنه يهواه. ولما كانوا قد تفرقوا في الكتاب وشكوا فآمنوا ببعض وكفروا ببعض، أمره بما يخالف حالهم فقال: ﴿وقل﴾ أي لجميع أهل الفرق، وكل من يمكن له القول فإنك أرسلت إلى جميع الخلق: ﴿آمنت بما﴾
следующие страницы →