Полный текст (11 765 стр.). Показаны 8856–8895 · переход к 8861.
стр. 8856
الوحي كما ختم على قلوب أعدائك من قبول ذلك، فتستوي حينئذ معهم في عدم القدرة على الإتيان بشيء منه وتصير لو قلت وقد أعاذك الله عما يقولون مما يصح نسبته إلى الباطل لم تقله إلا ومعه الأدلة قائمة على بطلانه كما أنهم هم كذلك لا يزالون مفضوحين بما على أقوالهم من الأدلة قائمة على بطلانها، وكان الأصل في الكلام: أم يقولون ذلك وأنهم لكاذبون فيه بسبب أن الله قد شرح صدرك وأنار قلبك فلا تقول فولاً إلا كانت الأدلة قائمة على صدقه، ولكنه ساق الكلام هكذا لأنه مع كونه أنصف دال على تعليق بالافتراء على ختم القلوب، وذلك دال قطعاً على أنهم هم الكاذبون لما على قلوبهم من الختم الموجب لأنها تقول ما الأدلة قائمة على كذبه.
ولما كان التقدير كما دل عليه السياق: ولكنه لم يشأ ذلك، بل شاء جعله قابلاً لروح الوحي واعياً لفنون العلم فهو يقذف بأنواع المعارف، ويهتف بتلقي أعاجيب اللطائف، ويثبت الله ذلك كله من غير
стр. 8857
مانع ولا صارف، عطف عليه قوله: ﴿ويمحُ الله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال ﴿الباطل﴾ وهو قولهم «افترى» وكل كذب فلا يدع له أثراً، وهنالك يظهر خسران الجاحد وينقطع لسان الألد المعاند، ولم يذكر أن آلة المحو الكلمات وغيرها استهانة به بالإشارة إلى أنه تارة يمحوه بنفسه بلا سبب وتارة بأضعف الأسباب وتارة بأعلى منه، وحذفت واوه في الخط في جميع المصاحف مع أنه استئناف غير داخل في الجواب لأنه تعالى يمحو الباطل مطلقاً إيماء إلى أنه سبحانه يمحق رفعه وعلوه وغلبته التي دلت عليها الواو مطابقة بين خطه ولفظه، ومعناه تأكيداً للبشارة يمحوه محواً لا يدع له عيناً ولا أثراً لمن ثبت لصولته: وصبر كما أمر لحولته، اعتماداً على صادق وعد الله إيماناً بالغيب وثقة بالرسل عليهم الصلاة والسلام، وفي الحذف أيضاً تشبيه له بفعل الأمر إيماء إلى أن إيقاع هذا المحو أمر لا بد من كونه على أتم الوجوه وأحكمها وأعلاها وأتقنها كما يكون المأمور به من الملك المطاع، وأما الحق فإنه ثابت شديد مضاعف فلذا قال: ﴿ويحق﴾ أي يثبت على وجه لا يمكن زواله ﴿الحق﴾ أي كل من شأنه الثبات
стр. 8858
لأنه أذن فيه وأقره، وعظم الحق وإحقاقه بذكر آلة الفعل فقال: ﴿بكلماته﴾ أي التي
﴿لو كان البحر مداداً﴾ [الكهف: ١٠٩] الآية التي يقولون إن ما أتاهم من العبارة عنها افتراء للكذب، والحاصل أنه سبحانه أثبت صفاء لبه ونورانية قلبه وسداد قوله وصاب أمره، وظلام قلوبهم وبطلان أقوالهم إثباتاً مقروناً بدليله أما لأهل البصائر فبعجزهم عن معارضته، وأما للأغبياء فإبثات قوله ومحو قولهم.
ولما كانوا يعلمون أنه على حق وهم على باطل، وكان من أحاط علمه بشيء قدر على ما يريده من ذلك الشيء، بين ذلك بقوله معللاً على وجه التأكيد لأن عملهم عمل من يظن أن الله لا يعلم مكرهم: ﴿إنه عليم﴾ أي بالغ ﴿بذات الصدور *﴾ أي ما هو فيها مما يعلمه صاحبه ومما لا يعلمه فيبطل باطله ويثبت حقه وإن كره الخلائق ذلك ﴿ولتعلمن نبأه بعد حين﴾ [ص: ٨٨] ولقد صدق الله فأثبت ببركة هذا القرآن كل ما كان يقوله ﷺ وأبطل بسيف
стр. 8859
هذا البرهان كل ما كانوا يخالفونه فيه، ومن أصدق من الله قيلاً.
стр. 8860
ولما أخبر بضلالهم وجزم بإبطال أعمالهم، رغبهم رحمة منه لهم في التوبة التي هي من الحق الذي يحقه ولو على أقل وجوهها بأن يقولوها بألسنتهم ليبلغه ذلك عنهم، فإن قول اللسان يوشك أن يدخل إلى لا غيره أزلاً وأبداً ﴿الذي يقبل التوبة﴾ كلما شاء بالغة له أو متجاوزاً ﴿عن عباده﴾ الذين خالصون لطاعته، سئل أبو الحسن البوشنجي عن التوبة فقال: إذا ذكرت الذنب فلا تجد له حلاوة في قلبك.
ولما كان القبول قد يكون في المستقبل مع الأخذ بما مضى قال: ﴿ويعفو عن السيئات﴾ أي التي كانت التوبة عنها صغيرة
стр. 8861
أو كبيرة وعن غيرها فلا يؤاخذ بها أن شاء لأن التوبة تجب ما قبلها كما أن الإسلام الذي هو توبة خاصة يجب ما كان قبله.
ولما كانت تعدية القبول ب «عن» مفهمة لبلوغه ذلك بواسطة، فكان ربما اشعر بنقص في العلم، أخبر بما يوجب التنزيه عن ذلك ترغيباً وترهيباً بقوله: ﴿ويعلم﴾ أي والحال أنه يعلم كل وقت ﴿ما تفعلون﴾ أي كل ما يتجدد لهم عمله سواء كان عن علم أو داعية شهوة وطبع سيئة كان أو حسنة وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ورويس عن يعقوب بالخطاب لافتاً للقول عن غيب العباد لأنه أبلغ في التخويف وقرأ الباقون بالعيب نسقاً على العباد وهو، أعم وأوضح في المراد فعفوه مع العلم عن سعة الحلم.
ولما رغب بالعفو زاد الإكرام فقال: ﴿ويستجيب﴾ أي يوجد بغاية العناية والطلب إجابة ﴿الذين آمنوا﴾ أي دعاء الذي أقروا بالإيمان في كل ما دعوه به أو شفعوا عنده فيه لأنه لولا إرادته لهم الإكرام بالإيمان ما آمنوا، وعدى الفعل بنفسه تنبيهاً على زيادة بره لهم ووصلتهم به
стр. 8862
﴿وعملوا﴾ تصديقاً لدعواهم الإيمان ﴿الصالحات﴾ فيثيبهم النعيم المقيم ﴿ويزيدهم﴾ أي مع ما دعوا له ما لم يدعوا به ولم يخطر على قلوبهم ولما كان هذا وإن كان الأول فضلاً منه أبين في الفضل قال تعالى: ﴿من فضله﴾ على أنه يجوز تعليقه بالفعلين.
ولما رغب الذين طالت مقاطعتهم في المواصلة بذكر إكرامهم إذا أقبلوا عليه، رهب الذين استمروا على المقاطعة فقال: ﴿والكافرون﴾ أي العريقون في هذا الوصف، الذين منعتهم عراقتهم من التوبة والإيمان ﴿لهم عذاب شديد *﴾ ولا يجيب دعاءهم، فغيرهم من العصاة لهم عذاب غير لازم التقيد بشديد، والآية من الاحتباك: ذكر الاستجابة أولاً دليلاً على ضدها ثانياً والعذاب ثانياً دليلاً على ضده أولاً، وسره أنه ذكر الحامل على الطاعة والصاد عن المعصية.
ولما كان المتبادر من الاستجابة إيجاد كل ما سألوه في هذه الدنيا على ما أرادوه وكان الموجود غير ذلك بل كان أكثر أهل الله مضيقاً عليهم، وكانت الإجابة إلى كل ما يسأل بأن يكون في هذه الدار يؤدي في الغالب إلى البطر المؤدي إلى الشقاء فيؤدي ذلك إلى عكس المراد، قال على سبيل الاعتذار لعباده وهو الملك الأعظم مبيناً أن استجابته تارة تكون كما ورد به الحديث لما سألوه، وتارة تكون بدفع مثله
стр. 8863
من البلاء وتارة تكون بتأخيره إلى الدار الآخرة ﴿ولو﴾ أي هو يقبل ويستجيب والحال أنه لو ﴿بسط﴾ ولما كان هذا المقام عظيماً لاحتياجه إلى الإحاطة بأخلاقهم وأوصافهم وما يصلحهم ويفسدهم والقدرة على كل بذل ومنع، عبر بالاسم الأعظم فقال: ﴿الله﴾ أي الملك الأعظم الجامع لجميع صفات الكمال تنبيهاً على عظمة هذا المقام: ﴿الرزق﴾ لهم - هكذا كان الأصل، لكنه كره أن يظن خصوصيته ذلك بالتائبين فقيل: ﴿لعباده﴾ أي كلهم التائب منهم وغيره بأن أعطاهم فوق حاجتهم ﴿لبغوا في الأرض﴾ أي لصاروا يريدون كل ما يشتهونه، فإن لم يفعل سعوا في إنفاذه كالملوك بما لهم من المكنة بكل طريق يوصلهم إليه فيكثر القتل والسلب والنهب والضرب ونحو ذلك من أنواع الفساد، وقد تقدم في النحل من الكلام على البغي ما يتقن به علم هذا المكان.
ولما كان معنى الكلام أنه سبحانه لا يبسط لهم ذلك بحسب ما يريدونه، بنى عليه قوله سبحانه: ﴿ولكن ينزِّل﴾ أي لعباده من الرزق
стр. 8864
﴿بقدر﴾ أي بتقدير لهم جملة ولكل واحد منهم لا يزيد عن تقدير دره ولا ينقصها ﴿ما يشاء﴾ من الماء الذي هو أصل الرزق والبركات التي يدبر بها عباده كما اقتضته حكمته التي بنى عليها أحوال هذه الدرر.
ولما كان أكثر الناس يقول في نفسه: لو بسط إليّ الرزق لعملت الخير، وتجنبت الشر، وأصلحت غاية الإصلاح، قال معللاً ما أخبر به في أسلوب التأكيد: ﴿إنه﴾ وكان الأصل: بهم، ولكنه قال: ﴿بعباده﴾ لئلا يظن أن الأمر خاص بمن وسع عليهم أو ضيق عليهم: ﴿خبير بصير *﴾ يعلم جميع ظواهر أمورهم وحركاتهم وانتقالاتهم وكلامهم وبواطنها فيقيم كل واحد فيما يصلح له من فساد وصلاح وبغي وعدل، ويهيئ لكل شيء من ذلك أسبابه.
ولما ذكر إنزال الرزق على هذ المنوال، وكان من الناس ممن خذله الإضلال من يقول: إن ما الناس فيه من المطر والنبات
стр. 8865
وإخراج الأقوات إنما هو عادة الدهر بين أنه سبحانه هو الفاعل لذلك بقدرته واختياره بما هو كالشمس من أنه قد يحبس المطر عن إبانه وإعادته في وقته وأوانه، حتى ييأس الناس منه ثم ينزله إن شاء، فقال معبراً بالضمير الذي هو غيب لأجل أن إنزال الغيث من مفاتيح الغيب: ﴿وهو﴾ أي لا غيره قادر على ذلك فإنه هو ﴿الذي ينزل الغيث﴾ أي المطر الذي يغاث به الناس أي يجابون إلى ما سألوا ويغاثون ظاهراً كما ينزل الوحي الذي يغاثون به ظاهراً وباطناً.
ولما كان الإنزال لا يستغرق زمان القنوط، أدخل الجار فقال: ﴿من بعد ما قنطوا﴾ أي يئسوا من إنزاله وعملوا انه لا يقدر على إنزاله غيره، ولا يقصد فيه سواه، ليكون ذلك أدعى لهم إلى الشكر وينشره - هكذا كان الأصل ولكنه لما بين أنه غيث قال بياناً لأنه رحمةً، وتعميماً لأثره من النبات وغيره: ﴿وينشر رحمته﴾ أي على السهل والجبل فينزل من السحاب المحمول بالريح من الماء ما يملأ الأرض
стр. 8866
بحيث لو اجتمع عليه الخلائق ما أطاقوا حمله، فتصبح الأرض ما بين غدران وأنهار، ونبات ونجم وأشجار، وحب وثمار، وغير ذلك من المنافع الصغار والكبار، فلله ما أعلى هذه القدرة الباهرة والآية الظاهرة، فيخرج من الأرض التي هي من صلابتها تعجز عنها المعاول نجماً هو في لينه ألين من الحرير، وفي لطافته ألطف من النسيم، ومن سوق الأشجار التي تنثني فيها المناقير أغصاناً ألطف من ألسنة العصافير، فما أجلف من ينكر إخراجه الموتى من القبور، أو يحيد من ذلك بنوع من الغرور.
ولما أنكر عليهم فيما مضى اتخاذ ولي من دونه بقوله تعالى ﴿أم اتخذوا من دونه أولياء﴾ وأثبت أنه هو الولي، وتعرف إليهم بآثاره التي حوت أفأنين أنواره، وكانت كلها في غاية الكمال موجبة للحمد المتواتر المنوال، قال: ﴿وهو﴾ أي وحده لا غيره ﴿الولي﴾ أي الذي لا أحد أقرب منه إلى عباده في شيء من الأشياء ﴿الحميد *﴾ أي الذي استحق مجامع الحمد مع أنه يحمد من يطيعه فيزيده من فضله ويصل
стр. 8867
حبله دائماً بحبله.
ولما كان ما مضى من بسط الرزق وقبضه، وإنزال الغيث وحبسه. من الآيات العظمية، عمم بذكر ما ذلك بعض منه، وهو دال على جميع ما ختم به الأية السالفة من الحمد الذي هو الاتصاف بجميع صفات الكمال فقال عاطفاً على ما تقديره: فذلك من آيات الله الدالة على قدرته واختياره وإنه هو الذي يحيي هذا الوجود بالمعاني من روح الوحي وغيره تارة والأعيان من الماء وغيره أخرى: ﴿ومن آياته﴾ العظيمة على ذلك وعلى استحقاقه لجميع صفات الكمال ﴿خلق السماوات﴾ التي تعلمون أنها متعددة بما ترون من أمور الكواكب ﴿والأرض﴾ أي جنسها على ما هما عليه من الهيئات وما اشتملا عليه من المنافع والخيرات ﴿وما بث﴾ أي فرق بالأبدان والقلوب على هذا المنوال الغريب من الحس والحركة بالاختيار مع التفاوت في الأشكال، والقدور والهيئات والأخلاق وغير ذلك من النقص والكمال.
ولما كانت الأرض بناء والسماء سقفه، فمن كان في أحدهما صح نسبته إلى أنه في كل منهما: الأسفل بالإقلال والأعلى بالإظلال قال تعالى: ﴿فيهما﴾ أي السماوات والأرض ولا سيما وقد جعل لكل منهما تسبباً
стр. 8868
في ذلك بما أودعهما من الجواهر وأنشأ عنهما من العناصر.
ولما كانت الحياة التي هي سبب الانتشار والدب ربنا أورثت صاحبها كبراً وغلظاً في نفسه نظن أنه تام القدرة، أنث تحقيراً لقدرته وتوهية لشأنه ورتبته فقلل ﴿من دابة﴾ أي شيء فيه أهلية الدبيب بالحياة من الإنس والجن والملائكة وسائر الحيوانات على اختلاف أصنافهم وألوانهم وأشكالهم ولغاتهم وطباعهم وأجناسهم وأنواعهم أقطارهم ونواحيهم وأصقاعهم ومن نظر إلى صنائعه سبحانه تيقن وجوده وقدرته واختياره، ثم إذا أمعن في النظر وتابع التدبر في الفكر وصل إلى معرفة الصانع بأسمائه وصفاته وما ينبغي له ويستحيل عليه فيحمده بمحامدة التي لا نهاية لها ويسبحه بسبحانه ثم إن أمعن سما إلى الوقوف على حكمة ما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب.
ولما كنا عالمين بأن من أوجد أشياء على ضم أشتاتهم متى شاء مع نقص التصرف والعجز في التقلب كنا جديرين بالعلم القطعي
стр. 8869
بمضمون قوله تعالى: ﴿وهو﴾ أي بما له من صفات العظمة التي يعلم الظاهر معها، وما غاب عنا أكبر ﴿على جمعهم﴾ أي هذه الدواب من ذوي العقول وغيرهم بعد تفرقهم بالقلوب والأبدان بالموت وغيره من الحظوظ والأهواء وغير ذلك.
ولما كان الجمع لا بد منه، عبر بأداة التحقق فقال معلقا بجمع: ﴿إذا﴾ وحقق النظر إلى البعث فعبر بالمضارع فقال: ﴿يشاء قدير *﴾ أي بالغ القدرة كما كان بالغ القدرة عند الإيجاد من العدم بجمعهم في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، ولما ذكرهم سبحانه بنعمه، وكان السياق لتعداد ما ناسب مقصود هذه السورة منها، كان الفكر جديراً بأن يخطر له ما في الدنيا من الأمراض والأنكاد والهموم والفهوم بالإشقاء فيها والإسعاد، قال شافياً لعي سؤاله عن ذلك ببيان ما فيه من نعمته على وجه دال على تمام قدرته، عاطفاً على ما هو مضمون ما مضى بما تقديره: فهو الذي خلقكم ورزقكم وهو المتصرف فيكم بعد بثكم بالعافية والبلاء تمام التصرف، فلا نعمة
стр. 8870
عندكم ولا نقمة إلا منه، ولا يقدر أصحابها على ردها ولا رد شيء مها فهو وليكم وحده ﴿وما أصابكم﴾ واجههم بالخطاب زيادة في تقريب الطائع وتبكيت العاصي، وعم بقوله: ﴿من مصيبة﴾ وأخبر عن المبتدأ بقوله: ﴿فبما﴾ أي كائن بسبب الذي - هذا على قراءة نافع وابن عامر، وإثبات الفاء في الباقين زيادة في إيضاح السببية فقرأوا «فبما» لتضمن المبتدأ الشرط أي فهو بالذي.
ولما كانت النفوس مطبوعة على النقائض، فهي لا تنفك عنها إلا بمعونة من الله شديدة، وكان عملها كله أو جله عليها، فعبر بالفعل المجرد إشارة إلى ذلك فقال: ﴿كسبت﴾ .
ولما كان العمل غالباً باليد قال: ﴿أيديكم﴾ أي من الذنوب، فكل نكد لاحق إنما هو بسبب ذنب سابق أقله التقصير، روى ابن ماجة في سننه وابن حبان في صحيحه - والحاكم واللفظ له - وقال: صحيح الإسناد - عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله:
«لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه» فالآية داعية لكل أحد إلى المبادرة عند وقوع المصيبة إلى محاسبة النفس ليعرف من أين جاء تقصيره،
стр. 8871
فيبادر إلى التوبة عنه والإقبال على الله لينقذ نفسه من الهلكة، وفائدة ذلك وإن كان الكل بخلقه وإرادته إظهار الخضوع والتذلل واستشعار الحاجة والافتقار إلى الواحد القهار، ولولا ورود الشريعة لم يوجد سبيل إلى الهدى، ولا إلى هذه الكمالات البديعية، ومثل هذه التنبيهات ليستخرج من العبد ما أودع في طبيعته وركز في غريزته كغرس وزرع سبق إليه ماء وشمس لاستخراج ما أودع في طبيعته من المعلومات الإلهية والحكم العلية.
ولما ذكر عدله، أتبعه فضله فقال: ﴿ويعفو عن كثير *﴾ ولولا عفوه وتجاوزه لما ترك على ظهرها من دابة ويدخل في هذا ما يصيب الصالحين لإنالة درجات وفضائل وخصوصيات لا يصلون إليها إلا بها لأن اعمالهم لم تبلغها فهي خير واصل من الله لهم، وقيل لأبي سليمان الداراني: ما بال العقلاء أزالوا اللوم عمن أساء إليهم؟ قال: لأنهم علموا أن الله ابتلاهم بذنوبهم - وقرأ هذه الآية.
стр. 8872
ولما كان من يعاقب بما دون الموت ربما ظن أنه عاجز قال: ﴿وما أنتم بمعجزين﴾ لوأريد محقكم بالكلية ولا في شيء أراد سبحانه
стр. 8873
منكم كائناً ما كان. ولما كان من ثبت قدرته على محل العلو بخلقه وما أودعه من المصنوعات أجدر بالقدرة على ما دونه، أشار إلى ذلك بقوله: ﴿في الأرض﴾ ولما كان الكلام في العقوبة في الدنيا قبل الموت، ولم يكن أحد يدعي فيها التوصل إلى السماء، لم يدع داع إلى ذكرها بخلاف ما مضى في العنكبوت. ولما نفى امتناعهم بأنفسهم، وكان له سبحانه من العلو ما تقصر عنه العقول، فكان كل شيء دونه، فكان قادراً على كل شيء قال: ﴿وما لكم﴾ أي عند الاجتماع فكيف عند الانفراد.
ولما كانت الرتب في غاية السفول عن رتبته والتضاؤل دون حضرته، أثبت الجار منبهاً على ذلك فقال: ﴿من دون الله﴾ أي المحيط بكل شيء عظمة وكبراً وعزة، وعم بقوله: ﴿من ولي﴾ أي يكون متولياً لشيء من أموركم بالاستقلال ﴿ولا نصير *﴾ يدفع عنكم شيئاً يريده سبحانه بكم.
ولما دل سبحانه على تمام قدرته واختياره وختم بنفي الشريك اللازم للوحدانية التي اعتقادها أساس الأعمال الصالحة، دل عليها بأعظم الآيات عندهم وأوضحها في أنفسهم وأقربها إلى إفهامهم لما لهم من الإخلاص عندها فقال تعالى: ﴿ومن آياته﴾ أي الدالة على تمام قدرته واختياره ووحدانيته وعظيم سلطانه تسخيره وتذليله لسير
стр. 8874
الفلك فيه حاملة ما لا يحمله غيرها، وهو معنى قوله: ﴿الجوار﴾ أي من السفن، وهي من الصفات التي جرت مجرى الأعلام، ودل على الموصوف ما بعده فلذلك حذف لأن القاعدة أن الصفة إذا لم تخص الموصوف امتنع حذفه فنقول: مررت بمهندس، ولا تقول: مررت بماشٍ - إلا بقرينة كما هنا.
ولما كانت ثقيلة في أنفسها، وكان يوضع فيها من الأحمال ما يثقل الجبال، وكان كل ثقيل ليس له من ذاته إلا الغوص في الماء، كانت كأنها فيه لا عليه لأنها جديرة بالغرق فقال تعالى محذراً من سطواته متعرفاً بجليل نعمته معرفاً بحقيقة الجواري: ﴿في البحر كالأعلام *﴾ أي الجبال الشاهقة بما لها من العلو في نفسها عن الماء ثم بما يوصلها وما فيه من الشراع عليها من الارتفاع، وقال الخليل: كل شيء مرتفع عند العرب فهو علم.
ولما كان كأنه قيل: وما تلك الآيات؟ ذكر ما يخوفهم منها ويعرفهم أن جميع ما أباحهم إياه من شؤونها إنما هو بقدرته واختياره
стр. 8875
فقال: ﴿إن يشاء﴾ أي الله الذي حملكم فيها على ظهر الماء آية بينة سقط اعتبارها عندكم لشدة الفكر لها ﴿يسكن الريح﴾ التي يسيرها وانتم مقرّون أن أمرها ليس إلا بيده ﴿فيظللن﴾ أي فتسبب عن ذلك أنهن يظللن أن يقمن ليلاً كان أو نهاراً، ولعله عبر به مع أن أصله الإقامة نهاراً لأن النهار موضع الاقتدار على الأشياء وهو المنتظر عند كل متعسر للسعي في إزالة عسره وتيسر أمره ﴿رواكد﴾ أي ثوابت مستقرات من غير سير ﴿على ظهره﴾ ثباتاً ظاهراً بما دل عليه إثبات اللامين وفتح لامه الأولى للكل.
ولما كان ذلك موضع إخلاصهم الدعوة لله والإعراض عن الشركاء فإنهم كانوا يقولون في مثل هذا الحال: اخلصوا فإن آلهتكم - أي من الأصنام وغيرها من دون الله - لا تغني في البحر شيئاً، وكانوا ينسبون ذلك شركاء مع طلوعهم إلى البر كانوا بمنزلة من لا يعد ذلك آية أصلاً، فلذلك أكد قوله: ﴿إن في ذلك﴾ أي ما ذكر من حال السفن في سيرها وركودها مما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه بدليل ما للناس
стр. 8876
كافة من الإجماع على التوجه في ذلك إليه خاصة والانخلاع مما سواه ﴿لآيات﴾ أي على أن إحاطته سبحانه بجميع صفات الكمال أمر مركوز في العقول ثابت في الفطر الأولى مما لا يصد عنه إلا الهوى، وعلى أن بطلان أمر ما دونه لذلك هو من الظهور بمكان لا يجهل.
ولما كانوا يتمادحون بالصبر على نوازل الحدثان والشكر لكل إحسان ويتذامون بالجزع والكفران، وكان ذلك يقتضي ثباتهم على حال واحد فإن كان الحق عليهم لمعبوداتهم فرجوعهم عنها عند الشدائد مما لا ينحو نحوه ولا يلتفت لفتة أحد من كمل الرجال الذين يجانبون العار والاتسام بمسيم الإغمار، وإن كان الحق كما هو الحق لله فرجوعهم عنه عند الرخاء بعد إنعامه عليهم بإنجائهم من الشدة لا يفعله ذو عزيمة، قال مشيراً إلى ذلك بصيغتي المبالغة: ﴿لكل صبار﴾ أي في الشدة ﴿شكور *﴾ أي في الرخاء وإن كثر مخالفوه، وعظم نزاعهم له، وهاتان صفتا المؤمن المخلص الذي وكل همته بالنظر في الآيات فهو يستملي منها العبر ويجلو بها من البصيرة عين البصر.
стр. 8877
ولما نبه بهذا الاعتراض بين الجزاء ومعطوفه على ما فيه من دقائق المعاني في جلائل المباني، قال مكملاً لما في ذلك من الترغيب في صورة الترهيب: ﴿أو﴾ أي أو أن يشاء في كل وقت أراده، واسند الإيباق إلى الجواري تأكيداً لإرادة العموم في هلاك الركاب فقال: ﴿يوبقهن﴾ أي يهلكهن بالإغراق بإرسال الريح وغير ذلك من التباريح حتى كأنهن بعد ذلك العلو في وقبه أي حفره، وطاق في الماء وقعره، وقد تقدم تحقيق معنى «وبق» بجميع تقاليبه في سورة الكهف، ومنه أن وبق كوعد ووجل وورث وبوقاً وموبقاً: هلك، والموبق كمجلس: المهلك وكل شيء حال بين شيئين لأن الوقبة تحول بين ما فيها وبين غيره، ومنه قيل للموعد: موبق، وأوبقه: حبسه أو أهلكه.
ولما كان الإهلاك لهن إهلاكاً للركاب، قال مبيناً أنهم المقصودون مجرداً الفعل إشارة إلى أن ابن آدم لما طبع عليه من النقائص
стр. 8878
ليس له من نفسه فعل خال عن شوب نقص حثاً له على اللجوء إلى الله في تهذيب نفسه وإخلاص فعله: ﴿بما كسبوا﴾ أي فعلوا من المعاصي بجدهم فيه واجتهادهم.
ولما كان التقدير تفصيلاً للإيباق: فيغرق كل من فيهن إن شاء ويغرق كثيراً منهم إن شاء عطف عليه قوله: ﴿ويعف﴾ أي إن يشاء ﴿عن كثير *﴾ أي من الناس الذين في هذه السفن الموبقه، فينجيهم بعوم أو حمل عى خشبة أو غير ذلك، وإن يشأ يرسل الريح طيبة فينجيها ويبلغها أقصى المراد إلى غير ذلك من التقادير الداخلة تحت المشيئة، فالفعل كما ترى عطف على يوبق، وعطف بالواو لأنه قسم من حالي الموبقة، وهو بمعنى ما ورى عن أهل المدينة من نصب «يعفو» بتقدير «إن» ليكون المعنى: يوقع إيباقاً وعفواً.
ولما كان هذا كله على صورة الاختبار لن يستبصر فيدوم إخلاصه، ومن يرجع إلى العمى فلا يكون خلاصه، قال مبيناً بالنصب
стр. 8879
للصرف عن العطف على شيء من الأفعال الماضية لفساد المعنى لكونها في حيز الشرط، فيصير العلم أيضاً مشروطاً: ﴿ويعلم الذين يجادلون﴾ أي عند النجاة بالعفو. ولما كان مقام العظمة شديد المنافاة للمجادلة، لفت القول إليه فقال: ﴿في آياتنا﴾ أي هذه التي لا تضاهي عظمتها ولا تقايس جلالتها وعزتها رجوعاً إلى ما كانوا عليه من الشرك والنزاع في تمام القدرة بإنكار البعث، ومن واو الصرف يعرف أن مدخولها مفرد في تأويل المصدر لأن النصب فيها بتقدير أن فيكون مبتدأ خبره ما يدل عليه السياق فالتقدير هنا: وعلمه سبحانه بالمجادلين عند هذا حاصل، والتعبير عنه بالمضارع لإفادة الاستمرار لتجدد تعلق العلم بكل مجادل كلما حصل جدال، وقراءة نافع وابن عامر بالرفع دالة على هذا، فإن التقدير: وهو يعلم - فالرفع هنا والنصب سواء، قال الرضي في شرح قول ابن الحاجب في نواصب الفعل: والفاء - أي ناصبة - بشرطين: السببية، والثاني أن يكون قبلها أحد الأشياء الثمانية، والواو الواقعتين بعد الشرط قبل الجزاء نحو أن تأتني فتكرمني
стр. 8880
أو تكرمني أنت، أو بعد الشرط والجزاء: إن تأتني إنك فأكرمك أو وأكرمك، وذلك لمشابهة الشرط في الأول والجزاء في الثاني النفي، إذ الجزاء مشروط ووجوده بوجود الشرط، ووجود الشرط مفروض، فكلاهما غير موصوفين بالوجود حقيقة، وعليه حمل قوله تعالى ﴿ويعلم الذين﴾ في قراءة النصب، ثم قال: وكذا يقول في الفعل المنصوب بعد واو الصرف أنهم لما قصدوا فيها معنى الجمعية نصبوا المضارع بعدها ليكون الصرف عن سنن الكلام المتقدم مرشداً من أول الأمر أنها ليست للعطف فهي إذن إما واو الحال وأكثر دخولها على الاسمية فالمضارع بعدها في تقدير مبتدأ محذوف الخبر وجوباً، فمعنى قم وأقوم: قم وقيامي ثابت: أي في حال ثبوت قيامي، وأما بمعنى مع وهي لا تدخل إلا على الاسم قصدوا ها هنا مصاحبة الفعل للفعل منصوباً ما بعدها، فمعنى قم وأقوم: قم مع قيامي كما قصدوا في المفعول معه مصاحبة الاسم للاسم فنصبوا ما بعد الواو، ولو جعلنا الواو عاطفة للمصدر متصيد من الفعل قبله النجاة، أي لم يكن منك قيام وقيام مني، لم يكن فيه نصوصية على معنى الجمع، والأولى في قصد النصوصية في شيء على معنى أن يجعل على وجه
стр. 8881
يكون ظاهراً فيما قصدوا النصوصية عليه، وإنما شرطوا في نصب ما بعد فاء السببية كون ما قبلها أحد الأشياء المذكورة أي الأمر والنهي والنفي والاستفهام والتمني والعرض والتحضيض والرجاء لأنها غير حاصلة المصادر فتكون كالشرط الذي ليس بمتحقق الوقوع، ويكون ما بعد الفاء كجزائها ثم حملوا ما قبل واو الجمعية في وجوب كون أحد الأشياء المذكورة على ما قبل فاء السببية التي هي أكثر استعمالاً من الواو في مثل هذا الموضع أعني في انتصاب المضارع بعدها، وذلك لمشابهة الواو للفاء في أصل العطف، وفي صرف ما بعدهما عن سنن العطف لقصد السببية في إحداهما والجمعية في الأخرى، ولقرب الجمعية من التعقب الذي هو لازم السببية ثم قال: وكذا ربما لم يصرف بعد واو الحال قد تدخل على المضارع المثبت كما ذكرنا في باب الحال، نحو قمت وأضرب زيداً أي وأنا أضرب.
ولما كان علم القادر بالمعصية موجباً لعذاب من عصاه، كان كأنه قيل: قد خسر من فعل ذلك فيا ليت شعري ما يكون حالهم؟ أجاب بقوله: ﴿ما لهم من محيص *﴾ أي محيد ومفر أصلاً عن عذابه، ولا بشيء
стр. 8882
يسير، وإن تأخر في نظركم إيقاع العذاب بهم فإن عذابه سبحانه منه ما هو باطن وهو الاستدراج بالنعم وهذا لا يدركه إلا أرباب القلوب المقربون لدى علام الغيوب، ومنه ما هو ظاهر، ويجوز أن يكون «الذين» فاعل «يعلم» ، وحينئذ تكون هذه الجملة في محل نصب لسدها مسد مفعول العلم.
стр. 8883
ولما علم أن جميع النعم من الغيث وأثاره، ومن نشر الدواب براً وبحراً بمعرض من الزوال وهو عظيم التقلبات هائل الأحوال سبب عنه قوله محقراً لدنياهم وما فيها من الزهرة بسرعة الذبول والزوال، والأفوال والارتحال، ولهم بأنها مع ما ذكر لا قدرة لهم على شيء منها إلا يموت يمن عليهم بها، وأما هم فقوم ضعفاء لا قدرة لهم على شيء وليس لهم من أنفسهم إلا العجز، فلو عقلوا لعلموا ولو علموا لعملوا عمل العبيد، وأطاعوا القوي الشديد: ﴿فما أوتيتم﴾ أي أيها الناس ﴿من شيء﴾ أي من النعم الظاهرة، وأجاب «ما» الشرطية بقوله: ﴿فمتاع الحياة الدنيا﴾ أي القريبة الدنيئة لا نفع فيه لأحد
стр. 8884
إلا مدة حياته، وذلك جدير بالإعراض عنه وعما يسببه من الأعمال إلا ما يقرب إلى الله ﴿وما﴾ أي والذي، ولفت الكلام عن مظهر العظمة إلى أعظم منها بذكر الاسم الجامع للترغيب في ذكر آثار الأوصاف الجمالية والترهيب من آثار النعوت الجلالية فقال: ﴿عند الله﴾ أي الملك الأعظم المحيط بكل شيء قدرة وعلماً من نعم الدارين ﴿خير﴾ أي في نفسه وأشد خيرية من النعم الدنيوية المحضة لانقطاع نفعها. ولما كانت النعم الدنيوية قد تصحب الإنسان طول عمره فتسبب بذلك إلى البقاء قال: ﴿وأبقى﴾ أي من الدنيوية لأنه لا بد من نزعها منه بالموت، ولذلك قيد بالحياة فلا تؤثر الفاني على خساسته على الباقي مع نفاسته.
ولما بين ما لها من النفاسة ترغيباً فيها، بين من هي له فقال: ﴿للذين آمنوا﴾ أي أوجدوا هذه الحقيقة ﴿وعلى﴾ أي والحال أنهم صدقوها بأنهم على، ولفت القول إلى صفة الإحسان لأنها نسب شيء للمتوكل، وأحكم الأمر بالإضافة إشارة إلى «إنه إحسان» هو في غاية
стр. 8885
المناسبة لحالهم فقال: ﴿ربهم﴾ أي الذي لم يروا إحساناً قط إلا منه وحده بما رباهم من الإخلاص له ﴿يتوكلون﴾ أي يحملون جميع أمورهم عليه كما يحمل غيرهم متاعه على من يتوسم فيه قوة على الحمل ولا يلتفتون في ذلك إلى شيء غيره أصلاً لينتفي عنهم بذلك الشرك الخفي كما انتفى بالإيمان الشرك الجلي، والتعبير بأداة الاستعلاء تمثيل للإسناد والتفويض إليه بالحمل عليه لأن الحمل أبين في الراحة، وأظهر في البعد من الهم والمشقة، ولعل التعبير بالمضارع للتخفيف في أمر التوكل بالرضى بتجديده كلما تجدد مهم، ومن كان كذلك كان الله كافيه كل ملم، فيشاركون أهل الدنيا في نيل نعمها ويفارقونهم في أن ربهم سبحانه يجعلها على وجه لا حساب عليهم فيها، بل ولهم فيها الأجور الموجبة للنعمة والحبور، وفي أنه يجعلها كافية لمهماتهم وسادّة لخلاتهم، ويزيدهم الباقيات الصالحات التي يتسبب عنها نعيم الآخرة بعد راحة الدنيا.
ولما كان كل من الإيمان والتوكل امراً باطناً فكان لا بد من
стр. 8886
دلائله من ظواهر الأعمال، وكانت تخليات من الرذائل وتحليات بالفضائل وكانت التخليات لكونها درء للمفاسد مقدمة على التحليات التي هي جلب للمصالح قال عاطفاً على ﴿الذين﴾ : ﴿والذين يجتبنون﴾ أي يكلفون أنفسهم أن يجابوا ﴿كبائر الإثم﴾ أي جنس الفعال الكبار التي لا توجد إلا ضمن أفرادها ويحصل بها دنس للنفس، فيوجب عقاباً لها مع الجسم، وعطف على ﴿كبائر﴾ قوله: ﴿والفواحش﴾ وهي ما أنكره الشرع والعقل والطبع التي هي آيات الله الثلاث التي نصبها حجة على عباده وله الحجة البالغة فاستعظم الناس أمرها ولو أنها صغائر لدلالتها على الإخلال بالمروءة كسرقة لقمة والإقرار على المعصية من شيخ جليل القدر لمن لا يخشاه ولا يرجوه، وقرأ حمزة والكسائي: كبير، وهو للجنس، فهو بمعنى قراءة الجمع أو هي أبلغ لشمولها المفرد. ولما ذكر ما قد تقود إليه المطامع دون حمل الغضب الصارع قال منبهاً على عظمته معبراً بأداة
стр. 8887
التحقق دلالة على أنه لا به منه توطيناً للنفس عليه معلقاً بفعل الغفر: ﴿وإذا﴾ وأكد بقوله: ﴿ما﴾ وقدم الغضب إشارة إلى الاهتمام بإطفاء جمره وتبريد حره فقال: ﴿غضبوا﴾ أي غضباً هو على حقيقته من أمر مغضب في العادة، وبين بضمير الفصل أن بواطنهم في غفرهم كظواهرهم فقال: ﴿هم يغفرون﴾ أي الإحصاء والإخفاء بأنهم كلما تجدد لهم غضب جددوا غفراً أي محواً للذنب عيناً وأثراً مع القدرة على الانتقام فسجاياهم تقتضي الصفح دون الانتقام ما لم يكن من الظالم بغي لأنه لا يؤاخذ على مجرد الغضب إلا متكبر، والكبر لا يصلح لغير الإله وذلك لأنه لا يغيب أحلامهم عند اشتداد الأمر ما يغيب أحلام غيرهم من طيش الجهل وسفاهة الرأي، فدل ذلك على أن الغفر دون غضب لا يعد بالنسبة إلى الغفر معه، وفي الصحيح أنه ﷺ ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله، وروى ابن أبي حاتم عن إبراهيم قال: كان المؤمنون يكرهون أن يستذلوا وكانوا
стр. 8888
أذا قدروا عفوا.
ولما أتم ما منه التحلي، أتبعه ما به التخلي، وذكر أوصافاً أربعة هي قواعد النصفة ما انبنى عليها قط ربعها إلا كان الفاعلون لها كالجسد الواحد لا تأخذهم نازلة في الدنيا ولا في الآخرة فقال: ﴿والذين استجابوا﴾ أي أوجدوا الإجابة بمالهم من العلم الهادي إلى سبيل الرشاد ﴿لربهم﴾ أي الداعي لهم إلى إجابته إحسانه إليهم إيجاداً من شدة حمل أنفسهم عليه يطلبونه من أنفسهم طلباً عظيماً صادقاً لم يبق معه لأحدهم نفس ولا بقية من وهم ولا رسم إلا على موافقة رضاه سبحانه لأنهم يعلمون أنه ما دعاهم إليه وهو مربيهم لصلاحهم وسعدهم وفلاحهم، لأنه محيط العلم شديد الرحمة لا يتهم بوجه من الوجوه.
ولما كان هذا عاماً لكل خير دعا إليه سبحانه، خص أعظم عبادات البدن، وزاد في عظمتها بالتعبير بالإقامة فقال: ﴿وأقاموا﴾ أي بما لهم من القوة ﴿الصلاة﴾ فأفهم ذلك مع اللام أنهم أوجدوا صورتها محمولة بروحها على وجه يقتضي ثبوتها دائماً. ولما كانت الاستجابة توجب للاتحاد القلوب بالإيمان الموجب للاتحاد في الأقوال والأفعال، والصلاة توجب الاتحاد بالأبدان، ذكر الاتحاد بالأقوال
стр. 8889
الناشىء عنه عند أولي الكمال الاتحاد في الأفعال، فقال معبراً بالاسمية حثاً على أن جعلوا ذلك لهم خلقاً ثابتاً لا ينفك: ﴿وأمرهم﴾ أي كل ما ينوبهم مما يحوجهم إلى تدبير ﴿شورى﴾ أي يتشاورون فيه مشاورة عظيمة مبالغين مما لهم من قوة الباطن وصفائه في الإخلاص والنصح، من الشور وهو العرض والإظهار ﴿بينهم﴾ أي بحيث إنهم لا فرق في حال المشاورة بين كبير منهم وصغير بل كل منها يصغي إلى كلام الآخر وينظر في صحته وسقمه بتنزيله على أصول الشرع وفروعه، فلا يستبدل أحد منهم برأي لدوام اتهامه لرأيه لتحققه نقصه بما له من غزارة العلم وصفاء الفهم ولا يعجلون في شيء بل صار التأبي لهم خلقاً، وسوق المشورة هذا السياق دال على عظيم جدواها وجلالة نفعها قال الحسن ﵀: ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم - على أنه روى الطبراني في الصغير والأوسط لكن بسند ضعيف عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ما خاب من استخار ولا ندم من استشار ولا عال من اقتصد» وروى في الأوسط عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من
стр. 8890
أراد أمراً فشاور فيه أمرأ مسلماً وفقه الله لأرشد أمره» .
ولما كانت المواساة بالأموال بعد الاتحاد في الأقوال والافتاق في الأفعال أعظم جامع على محاسن الخلال، واظهر دال على ما ادعى من الاتحاد في الحال والمآل قال مسهلاً عليهم أمرها بأنه لا مدخل لهم في الحقيقة في تحصيلها راضياً منهم باليسير منها: ﴿ومما﴾ ولفت القول إلى مظهر العظمة تذكيراً بما يتعارفونه بينهم من أنه لا مطمع في التقرب من العظماء إلا بالهدايا فقال: ﴿رزقناهم﴾ أي بعظمتنا من غير حول منهم ولا قوة ﴿ينفقون *﴾ أي يديمون الإنفاق كرماً منهم وإن قل ما بأيديهم اعتماداً على فضل الله لا يقبضون أيديهم كالمنافقين، وذلك الإنفاق على حسب ما حددناه لهم فواسوا بالمشورة في فضل عقولهم وبالإنفاق في فضل أموالهم تقوى منهم ومراقبة لله لا شهوة نفس.
ولما كان في العقوبة مصلحة ومفسدة فندب سبحانه إلى المغفرة تقديماً لدرء المفسدة لأن الإنسان لعدم علمه بالقلوب لا يصح له بوجه أن يعاقب بمجرد الغضب لأنه قد يخطئ فيعاقب من أغضبه، وهو
стр. 8891
شريف الذات كريم الطبع على الهمة أبي النفس، ما وقع منه الذنب الذي أغضب إلا خطأ معفواً عنه أو كذب عليه فيه فيربي في نفسه أخته تفسد ذات البين فيجر إلى خراب كبير، وكانت إدامة الغفر جالبة للفساد مجرئة على العناد، وكان البغي هو التمادي في السوء محققاً لقصد الذنب مجوزاً للإقدام على الانتقام، وكان الانتصار من الفجار ربما أحوج مع قوة الجنان إلى إنفاق المال، عقب الإنفاق بمدح الانتصار بقوله: ﴿والذين﴾ وذكر أداة التحقق إشارة إلى أن شرطها لا بد من وقوعه بالفعل أو بالقوة فقال ناصباً بفعل الانتصار مقدماً لما من شأن النفس الاهتمام بدفعه لعدم صبرها عليه: ﴿إذا أصابهم﴾ أي وقع بهم وأثر فيهم ﴿البغي﴾ وهو التمادي على الرمي بالشر ﴿هم﴾ أي بأنفسهم خاصة لما لهم من قوة الجنان والأركان المعلمة بأن ما تقدم من غفرانه ما كان إلا لعلو شأنهم لا لهوانهم ﴿ينتصرون *﴾ أي يوقعون بالعلاج بما أعطاهم الله من سعة العقل وشدة البطش وقوة القلب النصر لأنفسهم في محله على ما ينبغي من زجر الباغي عن معاودتهم وعن
стр. 8892
الاجتراء على غيرهم مكررين لذلك كلما كرر لهم فيكون ذلك من إصلاح ذات البين، ليسوا بعاجزين ولا في أمر دينهم متوانين، والتعبير في هذه الأفعال بالإسناد إلى الجمع إشارة إلى أنه لا يكون تمام التمكن الرادع إلا مع الاجتماع، ومن كان فيها مفرداً كان همه طويلاً وبثه جليلاً، قال النخعي: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق.
стр. 8893
ولما كان الإذن في الانتصار في هذا السياق المادح مرغباً فيه مع ما للنفس من الداعية إليه، زجر عنه لمن كان له قلب أولاً بكفها عن الاسترسال فيه وردها على حد المماثلة، وثانياً بتسميته سيئة وإن كان على طريق المشاكلة، وثالثاً بالندب إلى العفو، فصار المحمود منه إنما هو ما كان لإعلاء كلمة الله لا شائبة فيه للنفس أصلاً فقال: ﴿وجزاء سيئة﴾ أي أي سيئة كانت ﴿سيئة مثلها﴾ أي لا تزيد عليها في عين ولا معنى أصلاً، وقد كفلت هذه الجمل بالدعاء إلى أمهات الفضائل الثلاث العلم والعفة والشجاعة على
стр. 8894
أحسن الوجوه، فالمدح بالاستجابة والصلاة دعاء إلى العلم، وبالنفقة إلى العفة، وبالانتصار إلى الشجاعة، حتى لا يظن ظان أن إذعانهم لما مضى مجرد ذل، والقصر على المماثلة دعاء إلى فضيلة التقسيط بين الكل وهي العدل، وهذه الأخيرة كافلة بالفضائل الثلاث، فإن من علم المماثلة كان عالماً، ومن قصد الوقوف عندها كان عفيفاً، ومن قصر نفسه على ذلك كان شجاعاً، وقد ظهر من المدح بالانتصار بعد المدح بالغفران أن الأول للعاجز والثاني للمتغلب المتكبر بدليل البغي.
ولما كان شرط المماثلة نادباً بعد شرع العدل الذي هو القصاص إلى العفو الذي هو الفصل لأن تحقق المثلية من العبد الملزوم للعجز لا يكاد يوجد، سبب عنه قوله: ﴿فمن عفا﴾ أي بإسقاط حقه كله أو بالنقص عنه لتتحقق البراءة مما حرم من المجاوزة ﴿وأصلح﴾ أي أوقع الإصلاح بين الناس بالعفو والإصلاح لنفسه ليصلح الله ما بينه وبين الناس، فيكون بذلك منتصراً من نفسه لنفسه ﴿فأجره على الله﴾ أي المحيط بجميع صفات الكمال فهو يعطيه على حسب ما يقتضيه مفهوم هذا الاسم الأعظم، وهذا سر لفت الكلام إليه عن مظهر العظمة وقوله ﷺ : «ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً» .
стр. 8895
ولما كان هذا ندباً إلى العفو بعد المدح بالانتصار، بين أن علته كراهة أن يوضع شيء في غير محله لأنه لا يعلم المماثلة في ذلك إلا الله، فقال مضمراً إشارة إلى أن المثلية من الغيب الخفي مؤكداً لكف النفس لما لها من عظم الاسترسال في الانتصار: ﴿إنه لا يحب الظالمين *﴾ أي لا يكرم الواضعين للشيء في غير محله دأب من يمشي في مأخذ الاشتقاق إذا كان عريقاً في ذلك سواء كان ابتداء أو مجاوزة في الانتقام بأخذ الثأر.
ولما كان هذا ساداً لباب الانتصار لما يشعر به من أنه ظلم على كل، قال مؤكداً نفياً لهذا الإشعار: ﴿ولمن انتصر﴾ أي سعى في نصر نفسه بجهده ﴿بعد ظلمه﴾ أي بعد ظلم الغير له وليس قاصد البعد عن حقه ولو استغرق انتصاره جميع زمان البعد.
ولما بين تعالى ما لذلك الناظر في مصالح العباد المنسلخ من خط نفسه إحساناً إلى عباد الله من الرتبة العليا، بين ما لهذا الذاب عن نفسه القاصد لشفاء صدره وذهاب غيظه، فقال رابطاً للجزاء بفاء السبب بياناً لقصور نظره على دفع الظلم عن نفسه، ويجوز كون ﴿من﴾ موصولة والفاء
следующие страницы →