Полный текст (11 765 стр.). Показаны 8961–9000 · переход к 8966.
стр. 8961
للمنعم عليهم، ويجوز أن يكون المعنى أنه لما أمرهم بالمراقبة على نعمة الركوب، عبر بالانقلاب تذكيراً بنعمته عليهم في حال الدعة والسكون قبل الانقلاب وبعده، أي وإنا بعد رجوعنا إلى نعمة ربنا لمنقلبون أي وإنا في نعمة في كل حال، روى أحمد وأبو داود والترمذي - وقال: حسن صحيح - والنسائي عن علي ﵁ أنه وضع رجله في الركاب وقال: بسم الله، فلما استوى على الدابة قال: الحمد لله الذي سخر لنا هذا - الآية، ثم حمد الله ثلاثاً وكبر ثلاثاً ثم قال: سبحانك لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي، ثم ضحك، وأخبر أن النبي ﷺ فعل مثله، وقال: «يعجب الرب من عبده إذا قال: رب اغفر لي ويقول: علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري»
روى أحمد عن ابن عباس ﵄ «أن رسول الله ﷺ أردفه على دابة، فلما استوى عليها كبر ثلاثاً وحمد الله ثلاثاً وسبح ثلاثاً وهلل الله واحدة ثم استلقى عليه فضحك ثم أقبل علي فقال: ما من امرىء مسلم يركب دابته فيصنع كما صنعت إلا أقبل الله عليه يضحك إليه كما ضحكت إليك» وروى أحمد ومسلم وأبو داود
стр. 8962
والنسائي والترمذي عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان إذا ركب راحلته ثلاثاً ثم قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا الآية، ثم يقول: اللهم إني أسألك في سفري هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى اللهم هون علينا السفر واطو لنا البعيد، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم اصبحنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا، وكان إذا رجع إلى أهله قال: آئبون تائبون إن شاء الله عابدون لربينا حامدون»
وروى أحمد عن أبي لاس الخزاعي ﵁ قال: «حملنا رسول الله صلى الله عليه وآله على إبل من إبل الصدقة إلى الحج، فقلنا: يا رسول الله! ما نرى أن تحملنا هذه، فقال: ما من بعير إلا في ذروته شيطان فاذكروا اسم الله عليها إذا ركبتموها كما أمركم ثم امتهنوها لأنفسكم فإنما يحمل الله » . ولما علم بهذا الاعتراف منه وما تبعه من التقريب أن العالم كله متزاوج بتسخير بعضه لبعض، فثبت أن خالقه مباين له لا يصح أصلاً أن يكون محتاجاً بوجه لأنه لا مثل له أصلاً، كان موضع التعجيب من نسبتهم الولد إليه سبحانه: فقال لافتاً القول عن خطابهم للإعراض المؤذن بالغضب: ﴿وجعلوا﴾ أي ولئن سألتهم ليقولن كذا اللازم منه قطعاً لأنه لا مثل ﴿له﴾ والحال أنهم نسبوا له وصيروا بقولهم قبل
стр. 8963
سؤالك إياهم نسبة هم حاكمون بها حكماً لا يتمارون فيه كأنهم متمكنون من ذلك تمكن الجاعل فيه يجعله ﴿من عباده﴾ الذين أبدعهم كما أبدع غيرهم ﴿جزءاً﴾ أي ولداً هو لحصرهم إياه في الأنثى أحد قسمي الأولاد، وكل فهو جزء من والده، ومن كان له جزء كان محتاجاً فلم يكن إلهاً وذلك لقولهم: الملائكة بنات الله، فثبت بذلك طيش عقولهم وسخافة آرائهم.
ولما كان هذا في غاية الغلظة من الكفر، قال مؤكداً لإنكارهم أن يكون عندهم كفر: ﴿إن الإنسان﴾ أي هذا النوع الذي هم بعضه ﴿لكفور مبين﴾ أي مبين الكفر في نفسه مناد عليها بالكفر بياناً لذلك لكل أحد هذا ما يقتضيه طبعه بما هو عليه من النقص بالشهوات والحظوظ ليبين فضل من حفظه الله بالعقل على من سواه من جميع المخلوقات بمجاهدته لعدو وهو بين جنبيه مع ظهور قدرة الله الباهرة بذلك.
ولما كان كأنه قيل إنكاراً عليهم وتهكماً بهم حيث لم يرضوا بأن جعلوا لمن إليه الجعل من عباده جزءاً حتى جعلوه شر الجزئين الإناث، وهم أشد الناس نفرة منهن: أوهب له ذلك الجزء الذي جعلتموه إناثاً غيره قسراً بحيث لم يقدر أن ينفك عنه كما قدم في السورة
стр. 8964
التي قبله عن نفسه المقدس أنه يهب لمن يشاء إناثاً ولا يقدر على التقصير عنهن بوجه، عادله بقوله عائداً إلى الخطاب لأنه أقعد في التبكيت على اختيار الغي عن الصواب: ﴿أم اتخذ﴾ أي عالج هو نفسه فأخذ بعد المعالجة وهو خالق الخلق كلهم ﴿مما يخلق﴾ أي يجدد إبداعه في كل وقت كما اعترفتم ﴿بنات﴾ فلم يقدر بعد التكليف والتعب على غير البنات التي هي أبغض الجزئين إليكم، ونكر لتخصيصهم اتخاذه ببعض هذا الصنف الذي شاركه فيه غيره، وعطف على قوله «اتخذ» ليكون منفياً على أبلغ وجه لكونه في حيز الإنكار: ﴿وأصفاكم﴾ وهو السيد وأنتم عبيده ﴿بالبنين﴾ أي الجزء الأكمل لديكم المستحق لأن يكون دائماً مستحضراً في الخاطر فلذلك عرفه ولأنهم ادعوا أن هذا النوع كله خاص بهم لم يشاركهم في شيء منه، فكان هذا الكفر الثاني أعرق في المحال من الأول للزيادة على مطلق الحاجة بالسفه في أنه رضي بالدون الخسيس فلم يشاركهم في شيء من الأعلى، بل جعل لهم ذلك خالصاً صافياً عن أدنى ما يشوبه من كدر.
ولما كانت نسبة الولد إليه سبحانه مما لا يبنغي أن يخطر بالبال على حال من الأحوال.
стр. 8965
وكانت نسبته على سبيل الحقيقة أبعد منها على طريق المثال بأن يقال: الملائكة عنده في العزة بمنزلة البنات عند الأب، قال مرشداً إلى أن ما قالوه لو كان على قصد التمثيل في غاية القباحة فضلاً عن أن يكون على التحقيق، عائداً إلى الإعراض المؤذن بالمقت والإبعاد: ﴿وإذا﴾ أي جعلوا ذلك والحال أنه إذا ﴿بشر﴾ من أي مبشر كان ﴿أحدهم﴾ أطلق عليه ذلك تنبيهاً على أنه مما يسر كالذكر سواء في أن كلاً منهما ولد وتارة يسر وتارة يضر وهو نعمة من الخالق لأنه خير من العقم ﴿بما ضرب﴾ وعدل عن الوصف بالربوبية لأنه قد يدعى المشاركة في مطلق التربية إلى الوصف الدال على عموم الرحمة، فتأمله بمجرده كاف في الزجر عن سوء قولهم فقال: ﴿للرحمن﴾ أي الذي لا نعمة على شيء من الخلق إلا وهي منه ﴿مثلاً﴾ أي جعل له شبهاً وهو الأنثى، وعبر به دونه أن يقول: بما جعل، موضع «بما ضرب» تعليماً للأدب في حقه سبحانه في هذه السورة التي مقصودها العلم الموجب للأدب وزيادة في تقبيح كفرهم لا سيما إن أرادوا الحقيقة بالإشارة إلى أن الولد لا يكون إلا مثل الوالد، لا يتصور أصلاً أن يكون خارجاً عن شبهه في خاص أوصافه.
стр. 8966
ولما كان تغير الوجه لا سيما بالسواد لا يدرك حق الإدراك إلا بالنهار، عبر بما هو حقيقة في الدوام نهاراً وإن كان المراد هنا مطلق الدوام: ﴿ظل﴾ أي دام ﴿وجه مسوداً﴾ أي شديد السواد لما يجد من الكراهة الموصلة إلى الحنق بهذه البشارة التي أبانت التجربة عن أنها قد تكون سارة ﴿وهو كظيم﴾ أي حابس نفسه على ما ملئ من الكرب فكيف يأنف عاقل من شيء ويرضاه لعبده فضلاً عن مكافيه فضلاً عن سيده - هذا ما لا يرضى عاقل أن يمر بفكره فضلاً عن أن يتفوه به.
ولما كان الملك لا يأخذ في جنده إلا من يصلح للجندية بالمجالدة والمجادلة أو بإحداهما، نبه على إنكار آخر بأن الإناث لا يصلحن لشيء من هذين الوصفين، فقال معبداً لإنكار الثالث تنبيهاً على أنه بالغ جداً في إثارة الغضب: ﴿أو من﴾ أي اتخذ من لا يرضونه لأنفسهم.
. . لنفسه مع أنفتهم منه واتخذ من ﴿ينشؤا﴾ أي على ما جرت به عوائدكم على قراءة الجماعة، ومن تنشؤونه وتحلونه بجهدكم على قراءة ضم الباء وتشديد الشين ﴿في الحلية﴾ أي في الزينة فيكون كلا على أبيه لا يصلح لحرب ولا معالجة طعن ولا ضرب ﴿وهو﴾
стр. 8967
أي والحال أنه، وقدم لإفادة الاهتمام قوله: ﴿في الخصام﴾ إذا احتيج إليه ﴿غير مبين﴾ أي لا يحصل منه إبانة مطلقة كاملة لما يريده لنقصان العقل وضعف الرأي بتدافع الحظوظ والشهوات وتمكن السعة، فلا دفاع عنده بيد ولا لسان.
стр. 8968
ولما كان ربما ظن أن المحذور إنما هو جعلهم عيهم السلام إناثاً بقيد النسبة إليه سبحانه، نبه على أن ذلك قبيح في نفسه مطلقاً لدلالته على احتقارهم وانتقاصهم فهو كفر ثالث إلى الكفرين قبله: نسبة الولد إليه سبحانه ثم جعل أخص النوعين، فقال: ﴿وجعلوا﴾ أي مجترئين على ما لا ينبغي لعاقل فعله ﴿الملائكة الذين هم﴾ متصفون بأشرف الأوصاف أنهم ﴿عباد الرحمن﴾ العامة النعمة الذي خلقهم فهم بعض من يتعبد له وهم عباده وحقيقة لأنهم ما عصوه طرفه عين، فهم أهل لأن يكونوا على أكمل الأحوال، وقراءة «عند» بالنون شديدة المناداة عليهم بالسفه، وذلك أن أهل حضرة الملك الذين يصرفهم في المهمات لا يكونون إلا على أكمل الأحوال وعنديته أنهم لم يعصوه قط وهم محل مقدس عن المعاصي مشرف بالطاعات وأهل الاصطفاء،
стр. 8969
وذكر المفعول الثاني للجعل الذي بمعنى التعبير الاعتقادي والقول فقال: ﴿إناثاً﴾ وذلك أدنى الأوصاف خلقاً وذاتاً وصفة، ثم دل على كذبهم في هذا المطلق ليدل على كذبهم في المقيد من باب الأولى فقال تهكماً بهم وتوبيخاً لهم وإنكاراً عليهم إظهاراً لفساد عقولهم بأن دعاويهم مجردة عن الأدلة: ﴿أشهدوا﴾ أي حضروا حضوراً هم فيه على تمام الخبرة ظاهراً وباطناً - هذا هو معنى قراءة الجماعة، وأدخل نافع همزة التوبيخ على أخرى مضمومة بناء الفعل للمفعول تنبيهاً على عجزهم عن شهود ذلك إلا بمن يشهدهم إياه، وهو الخالق لا غيره، ومدها في إحدى الروايتين زيادة في المادة عليهم بالفضيحة، وسهل الثانية بينها وبين الواو إشارة إلى انحطاط أمرهم وسفول آرائهم وأفعالهم، وجميع تقلباتهم وأحوالهم كما سيكشف عنه الزمان ونوازل الحدثان ﴿خلقهم﴾ أي مطلب الخلق في أصله أو عند الولادة أو بعدها على حال من الأحوال حضوراً أوجب لهم تحقق ما قالوا بأن لم يغيبوا عن شيء من الأحوال الدالة على ذلك أعم من أن تكون تلك الشهادة حسية بنظر العين أو معنوية بعلم ضروري أو استدلالي بعقل أو سمع.
ولما كان الجواب قطعاً: لا، قال مهدداً لهم مؤكداً لتهديدهم
стр. 8970
بالسين لظنهم أن لا بعث ولا حساب ولا حشر ولا نشر فقال: ﴿ستكتب﴾ بكتابة من وكلناهم بهم من الحفظة الذين لا يعصوننا فنحن نقدرهم على جميع ما نأمرهم به - هذا على قراءة الجماعة بالتاء والبناء للمفعول، وعظم الكتابة تفخيماً للوعيد وإكباراً لما اشتمل عليه من التهديد في قراءة النون المفيدة للعظمة والبناء للفاعل ونصب الشهادة ﴿شهادتهم﴾ أي قولهم فيهم أنهم إناث الذي لا ينبغي أن يكون إلا بعد تمام المشاهدة، فهو قول ركيك سخيف ضعيف - بما أشار إليه التأنيث في قراءة الجماعة ﴿ويسألون﴾ عنها عند الرجوع إلينا، ويجوز أن يكون في السين استعطاف إلى التوبة قبل كتابة ولا علم لهم به، فإنه قد روى أبو أمامة ﵁ أن النبي ﷺ :
«كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يسار الرجل، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشراً، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات، لعله يسبح الله أو يستغفر» رواه الشعبي والبغوي من طريقه والطبراني والبيهقي من طريق جعفر عن القاسم عن أبي أمامة والبيهقي من رواية بشر بن نمير عن القاسم نحوه وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه
стр. 8971
من طريق إسماعيل بن عياش عن عاصم بن رجاء عن عروة بن رويم عن القاسم عن أبي أمامة ﵁، وروى الحاكم وقال: صحيح الإسناد عن أم عصمة العوصية رضي الله تعالى عنها قال: «ما من مسلم يعمل ذنباً إلا وقف الملك ثلاث ساعات، فإن استغفر من ذنبه لم يوقعه عليه ولم يعذب يوم القيامة» .
ولما ذكر أنهم يسألون بطريق الأولى عن العبادة، نبه على أنهم عبدوهم مع ادعاء الأنوثة فيهم، فقال معجباً منهم في ذلك وفي جعل قولهم حجة دالة على صحة مذهبهم وهو من أوهى الشبه: ﴿وقالوا﴾ أي بعد عبادتهم لهم ونهيهم عن عبادة غير الله: ﴿لو شاء الرحمن﴾ أي الذي له عموم الرحمة ﴿ما عبدناهم﴾ لأن عموم الرحمة يمنع الإقرار على ما لا ينبغي ولكنه لم يشأ عدم عبادتنا لهم فعبدناهم طوع مشيئته، فعبادتنا لهم حق، ولولا أنها حق يرضاه لنا لعجل لنا العقوبة.
ولما كان كأنه قيل: بماذا يجابون عن هذا، قال منبهاً على جوابهم بقوله دالاً على أن أصول الدين لا يتكلم فيها إلا بقاطع: ﴿ما لهم بذلك﴾
стр. 8972
أي بهذا المعنى البعيد عن الصواب الذي قصدوا جعله دليلاً على حقية عبادتهم لهم وهو أنه سبحانه لا يشاء إلا ما هو حق ويرضاه ويأمر به، ومن أن الملائكة إناث، وأكد الاستغراق بقوله: ﴿من علم﴾ أي لأنه لو لزم هذا لكان وضعه بعموم الرحمة حينئذ اضطرارياً لا اختيارياً فيؤدي إلى نقص لا إلى كمال، ولكان أيضاً ذلك يؤدي إلى إيجاب أن يكون الناس كلهم مرضياً عنهم لكونهم على حق، وذلك مؤد بلا ريب إلى كون النقيضين معاً حقاً، وهو بديهي الاستحالة.
ولما كان العلم قد ينتفي والمعلوم ثابت في نفسه قال نافياً لذلك: ﴿إن هم﴾ أي ما هم ﴿إلا يخرصون﴾ أي يكذبون في هذه النتيجة التي زعموا أنها دلتهم على رضى الله سبحانه لكفرهم فإنها مبنية على أنه سبحانه لا يشاء إلا ما هو حق، والذي جرأهم على ذلك أنهم يجددون على الدوام القول بغير تثبت ولا تحر، فكان أكثر قولهم كذباً، فصاروا لذلك يجترئون على تعمد القول للظن الذي لا يأمن صاحبه من الوقوع في صريح، وسيأتي تمام إبطال هذه الشبهة بقوله تعالى ﴿قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين﴾ وأن ذلك هو المراد لا ما طال الخبط فيه لإهمال في السوابق واللواحق الموجبة لسوق المقال، مطابقاً لمقتضى الحال،
стр. 8973
وقد جهلوا في هذا الكلام عدة جهالات: ادعاء الولدية للغني المطلق، وكون الولد أدنى الصنفين، وعبادتهم لهم مع أنفسهم منهم بغير دليل، واحتياجهم على صحة فعلهم بتقدير علم على ذلك وهو قد نهاهم عنه بلسان كل رسول، وظنهم أنه لا يشاء إلا ما هو الحق المؤدي إلى الجميع بين النقيضين إذ لا ريب فيه ولا خفاء به.
ولما كان الإيمان بالملائكة الذين هم جند الملك من دعائم أصول الدين، وكان الإيمان بالشيء إن لم يكن على ما هو عليه الشيء ولو بأدنى الوجوه كان مختلاً، وأخبر سبحانه أنهم وصفوهم بغير ما هم عليه ففرطوا بوصفهم بالبنات حتى أنزلوهم إلى الحضيض وأفرطوا بالعبادة حتى أعلوهم عن قدرهم فانسلخوا في كلا الأمرين من صريح العقل بما أشار إليه ما مضى، أتبع ذلك أنهم عريئون أيضاً من صحيح النقل، فقال معادلاً لقوله ﴿أشهدوا خلقهم﴾ إنكاراً عليهم بعد إنكار، موجباً ذلك أعظم العار، لافتاً القول عن الوصف بالرحمة تنبيهاً بمظهر العظمة على أن حكمه تعالى متى برز لم يسع سامعة إلا الوقوف عنده والامتثال على كل حال وإلا حل به أعظم النكال: ﴿أم آتيناهم﴾
стр. 8974
بما لنا من العظمة ﴿كتاباً﴾ أي جامعاً لما يريدون اعتقاده من أقوالهم هذه ﴿من قبله﴾ أي القرآن أخبرناهم فيه أنا جعلناهم إناثاً وأنا لا نشاء إلا ما هو حق نرضاه ونأمر به ﴿فهم﴾ أي فتسبب عن هذا الإيتاء أنهم ﴿به﴾ أي وحده ﴿مستمسكون﴾ أي موجدون الاستمساك به وطالبون للثبات عليه في عبادة غير الله، وفي أن ذلك حق لكونه لم يعاجلهم بالعقوبة، وفي وصفهم الملائكة بالأنوثة، وفي غير ذلك من كل ما يرتكبونه باطلاً، والإنكار يقتضي نفي ما دخل عليه من إيتاء الكتاب كما انتفى إشهاده لهم خلقهم، وهذه المعادلة التي لا يشك فيها من له بصر بالكلام تدل على صحة كون الإشارة في ﴿ما لهم بذلك من علم﴾ شاملة لدعواهم الأنوثة في الملائكة.
ولما كان الجواب قطعاً عن هذين الاستفهامين: ليس لهم ذلك على مطلق ما قالوا ولا مقيده من صريح عقل ولا صحيح نقل إلى من يصح النقل عنه من أهل العلم بالأخبار الإلهية، نسق عليه قوله إرشاداً إليه: ﴿بل قالوا﴾ أي في جوابهم عن قول ذلك واعتقاده مؤكدين إظهاراً جهلاً أو تجاهلاً لأن ذلك لم يعب عليهم إلا لظن أنه لا سلف لهم أصلا فيه، فإذا ثبت أنه عمن تقدمهم انفصل النزاع:
стр. 8975
﴿إنا وجدنا آباءنا﴾ أي وهم أرجح منا عقولاً وأصبح أفهاماً ﴿على أمة﴾ أي طريقة عظيمة يحق لها أن تقصد وتؤم مثل رحلة بمعنى شيء هو أهل لأن يرحل إليه، وكذا قدوة ونحوه.
وقراءة الكسر معناها حالة حسنة يحق لها أن تؤم ﴿وإنا على آثارهم﴾ أي خاصة لا على غيرها ونحن في غاية الاجتهاد والقص للآثار وإن لم نجد عيناً نتحققها.
ولما علم ذلك من حالهم، ولم يكن صريحاً في الدلالة على الهداية، بينوا الجار والمجرور، وأخبروا بعد الإخبار واستنتجوا منه قولهم استئنافاً لجواب من سأل: ﴿مهتدون﴾ أي نحن، فإذا ثبت بهذا الكلام المؤكد أنا ما أتينا بشيء من عند أنفسنا ولا غلطنا في الاتباع واقتفاء الآثار، فلا اعتراض علينا بوجه، هذا قوله في الدين بل في أصوله التي من ضل في شيء منها هلك، ولو ظهر لأحد منهم خلل في سعي أبيه الدنيوي الذي به يحصل الدينار والدرهم ما اقتدى به أصلاً وخالفه أي مخالفة، ما هذا إلا لمحض الهوى وقصور النظر، وجعل محطه الأمر الدنيوي الحاضر، لا نفوذ لهم في المعاني بوجه.
ولما كان ترك المدعو للدليل واتباعه للهوى غائظاً موجعاً ومنكئاً مولماً، قال يسليه ﷺ عاطفاً على قوله: ﴿وكذلك﴾
стр. 8976
أي ومثل هذا الفعل المتناهي في البشاعة فعلت الأمم الماضية مع إخوانك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ ثم فسر ذلك بقوله: ﴿ما أرسلنا﴾ مع ما لنا من العظمة.
ولما كانت مقالة قريش قد تقدمت والمراد التسلية بغيرهم، وكان ﷺ خاتم النبيين فلا أمة لغيره في زمانه ولا بعده يسليه بها، سلاه بمن مضى، وقدم ذكر القبلية اهتماماً بالتسلية وتخليصاً لها من أن يتوهم أنه يكون معه في زمانه أو بعده نذير، وإفهاماً لأن المجدد لشريعته إنما يكون مغيثاً لأمته وبشيراً لا نذيراً لثباتهم على الدين بتصديقهم جميع النبيين فقال تعالى: ﴿من قبلك﴾ أي في الأزمنة السالفة حتى القريبة منك جداً، فإن التسلية بالأقرب أعظم، وأثبت الجار لأن الإرسال بالفعل لم يعم جميع الأزمنة وأسقط هذه القبلية في «سبأ» لأن المراد فيها التعميم لأنه لم يتقدم لقريش ذكر حتى يخص من قبلهم. ولما كان أهل القرى أقرب إلى العقل وأولى بالحكمة والحكم، قال: ﴿في قرية﴾ وأعرق في النفي بقوله: ﴿من نذير﴾ وبين به أن موضع الكراهة والخلاف الإنذار على مخالفة الأهواء ﴿إلا قال مترفوها﴾ أي أهل الترفه بالضم وهي النعمة والطعام الطيب والشيء الطريق يكون خاصة بالمترف، وذلك موجب للقلة وهو موجب للراحة والبطالة
стр. 8977
الصارف عن جهد الاجتهاد إلى سفالة التقليد، وهو موجب لركون الهواء ولو بان الدليل، وهو موجب للبغي والإصرار عليه واللجاجة فيه والتجبر والطغيان، ومعظم الناس في الأغلب أتباع لهؤلاء: ﴿إنا وجدنا آباءنا﴾ أي وهم أعرف منا بالأمور ﴿على أمة﴾ أي أمر جامع يستحق أن يقصد ويؤم وطريقة ودين، وأكدوا قطعاً لرجاء المخالف من لفتهم عن ذلك ﴿وإنا على آثارهم﴾ لا غيرها، ثم بينوا الجار والمجرور وأخبروا خبراً ثانياً واستأنفوا لإتمام مرادهم قولهم إيضاحاً لأن سبب القص القدوة: ﴿مقتدون﴾ أي مستنون أي راكبون سنن طريقهم لازمون له لأنهم مقتدون لأن تقدم عليهم، وحالنا أطيب ما يكون في الاستقامة وأقرب وأسرع.
стр. 8978
ولما كان كأنه قيل: فقال كل نذير: فما أصنع؟ أجاب بقوله: ﴿قل﴾ أي يا أيها النذير - هذا على قراءة الجماعة، وعلى قراءة ابن عامر وحفص وعاصم يكون التقدير أن السامع قال: فما قال النذير في جوابهم؟ فأجيب بقوله: قال إنكاراً عليهم: ﴿أولو﴾ أي أتقتدون بآبائكم على كل حال وتعدونهم مهتدين ولو ﴿جئتكم﴾ والضمير
стр. 8979
فيه للنذير، وفي قراءة أبي جعفر: أو لو جئتكم للنذر كلهم ﴿بأهدى﴾ أي أمر أعظم في الهداية وأوضح في الدلالة ﴿مما وجدتم﴾ أي أيها المقتدون بالآباء ﴿عليه آباءكم﴾ كما تضمن قولكم أنكم تقتفون في اتباعهم بالآثار في أعظم الأشياء، وهو الدين الذي الخسارة فيه خسارة للنفس وأنتم تخالفونهم في أمر الدنيا إذا وجدتم طريقاً أهدى من التصرف فيها من طريقهم ولو بأمر يسير، ويفتخر أحدكم بأنه أدرك من ذلك ما لم يدرك أبوه فحصل من المال أكثر مما حصل، فيا له من نظر ما أقصره، ومتجر ما أخسره.
ولما كان من المعلوم أن النذر قالوا لهم ما أمروا به؟ فتشوف السامع إلى جوابهم لهم، أجيب بقوله: ﴿قالوا﴾ مؤكدين رداً لما قطع به كل عاقل سمع هذا الكلام من أنهم يبادرون النظر في الدليل والرجوع إلى سواء السبيل: ﴿إنا بما أرسلتم به﴾ أي أيها المدعون للإرسال من أي مرسل كان، ولو ثبت ما زعمتموه من الرسالة ولو جئتمونا بما هو أهدى ﴿كافرون﴾ أي ساترون لما ظهر من ذلك جهدنا حتى لا يظهر لأحد ولا يتبعهم فيه مخلوق.
ولما علم بهذا أن أمرهم وصل إلى العناد المسقط للاحتجاج،
стр. 8980
سبب عنه قوله موعظة لهذه الأمة وبياناً لما خصها به من الرحمة: ﴿فانتقمنا﴾ أي بما لنا من العظمة التي استحقوا بها ﴿منهم﴾ فأهلكناهم بعذاب الاستئصال، وعظم أثر النقمة بالأمر بالنظر فيها في قوله: ﴿فانظر﴾ أي بسبب التعرف لذلك وبالاستفهام إشارة إلى أن ذلك أمر هو جدير لعظمه بخفاء سببه فقال: ﴿كيف كان عاقبة﴾ أي آخر أمر ﴿المكذبين *﴾ أي إرسالنا فإنهم هلكوا أجمعون، ونجا المؤمنون أجمعون، فليحذر من رد رسالتك من مثل ذلك.
ولما ذكر لهم الأدلة وحذرهم بالأخذ وتحرر أنهم مع التقليد لا ينفكون عنه، ذكرهم بأعظهم آبائهم ومحط فخرهم وأحقهم بالاتباع للفوز بأتباع الأب في ترك التقليد أو في تقليده إن كان لا بد لهم من التقليد لكونه أعظم الآباء ولكونه مع الدليل، فقال عاطفاً على ما تقديره للإرشارة إلى تأمله وإمعان النظر فيه: اذكر لهم ذلك: ﴿وإذ﴾ أي واذكر لهم حين ﴿قال﴾ أعظم آبائهم ومحط فخرهم والمجمع على محبته وحقية دينه منهم ومن أهل الكتاب وغيرهم ﴿إبراهيم لأبيه﴾ من غير أن يقلده كما أنتم قلدتم آبائكم، ولما كانت مخالفة الواحد للجمع شديدة، ذكر لهم حاله فيها بياناً لأنهم أحق منهم بالانفكاك عن
стр. 8981
التقليد ﴿وقومه﴾ الذين كانوا هم القوم في الحقيقة لاحتوائهم على ملك جميع الأرض كما قلت: إنا لكم سواء ولما كانوا لا يتخيلون أصلاً أن أحداً يكون مخالفاً لهم، أكد بالحرف وإظهار نون الوقاية فقال: ﴿إنني﴾ وزاد بالنعت بالمصدر الذي يستوي فيه الواحد وغيره والمذكر وغيره لكونه مصدراً وإن وقع موقع الصفة باللفظ الدال على أنه مجسد من البراءة جعله على صورة المزيد لزيادة التأكيد فقال: ﴿براء﴾ ومن ضمه جعله وصفاً محضاً مثل طوال في طويل ﴿مما تعبدون﴾ في الحال والاستقبال مهما كان غير من اشتبه، فإنهم كانوا مشركين فلا بد من الاستثناء ومن كونه متصلاً، قال الإمام أبو علي الحسن بن يحيى بن نصر الجرجاني في كتاب بيان نظم القرآن ما حاصله: سر قول السلف أن الكلمة هنا أي الآية في قوله كلمة باقية ﴿لا إله إلا الله﴾ أن النفي والتبرئة واحد فإنني براء بمنزلة لا، وقوله ﴿مما تعبدون﴾ بمنزلة إله إذا كل معبود يسمى إلهاً فآل ذلك إلى: لا إله ﴿إلا الذي فطرني﴾ قال: فقد ضممت بهذا التأويل إلى فهمك الأول الذي استفدته من الخبر فهم المعرفة الحقيقية الذي أفاد له طباعك
стр. 8982
بالعبرة، ونبه بالوصف بالفطر على دليل اعتقاده أي الذي شق العدم فأخرجني منه ثم شق هذه المشاعر والمدرك، ومن كان بهذه القدرة الباهرة كان منفرداً بالعظمة.
ولما كان الله سبحانه - وله المنّ - قد أنعم بعد الإيجاد بما أشار إليه من العقل والحواس المهيئ، للهداية من غير طلب، فكان جديراً بأن يمنح قاصده بأعظم هداية قال مسبباً عن قطعه العلائق من سواه، مؤكداً لأجل من ينكر وصوله إلى حد عمي عنه أسلافه ﴿فإنه سيهدين﴾ أي هداية هي الهداية إلى ما لاح لي من الحقائق من كل ما يصلحني لتوجهي إليه وتوكلي عليه، لا مرية عندي في هذا الاعتقاد، وقد أفاد بهذه المقترنة بالسين هدايته في الاستقبال بعد أن أفاد بقوله المحكي في الشعراء ﴿فهو يهدين﴾ الهداية في الحال وكأنه خص هذا بالسين لأجل ما عقبها به من عقبه، فجعل هدايتهم هدايته ﴿وجعلها﴾ أي جعل إبراهيم ﵊ هذه الكلمة التي هي التوحيد بدليله ﴿كلمة باقية في عقبه﴾ أي ذريته دعا وهو مجاب الدعوة في قوله: ﴿وأجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾ وفي قوله ﴿ومن ذريتي ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم﴾ : ﴿لعلهم يرجعون *﴾ أي ليكون حالهم حال
стр. 8983
من ينظر إليهم إن حصل منهم مخالفة واعوجاج حال من يرجى رجوعه، فإنهم إذا ذكروا أن أباهم الأعظم الذي بنى لهم البيت وأورثهم الفخر قال ذلك تابعوه، ويجوز أن يتعلق بما يتعلق به «إذ» أي اذكر لهم قول أبيهم ليكون حالهم عند من يجهل العواقب حال من يرجى رجوعه عن تقليد الجهلة من الآباء إلى اتباع هذا الأب الذي اتباعه لا يعد تقليداً لما على قوله من الأدلة التي تفوت الحصر فتضمن لمتبعها حتماً تمام النصر، وفي سوقه المترجي إشارة إلى أنهم يكونون صنفين: صنفاً يرجع وآخر لا يرجع.
стр. 8984
ولما كان من المعلوم أن السامع يقول لمن أحاط علمه بهم ويعلم سرهم وعلنهم: يا رب! بل رجعوا، أجيب بقوله: ﴿بل﴾ أي لم يرجعوا بل استمروا لأجل إظهاري لقدرتي على القلوب بإقحام أربابها برضاهم واختيارهم في أقبح الخطوب وأفحش الذنوب على ترك الطريق المنيع والصراط الأقوم وزاغوا عنه زيغاً عظيماً، واستمروا في ضلالهم وتيههم ولم أعاجلهم بالعقوبة لأني ﴿متعت﴾ بإفراده ضميرهم سبحانه لأن التمتيع يتضمن إطالة العمر التي لا يقدر عليها ظاهراً ولا باطناً سواه وأما الانتقام فقد يجعله بأيدي عباده من الملائكة وغيرهم فهو من وادي ﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين﴾ [
стр. 8985
القلم: ٤٥] ﴿هؤلاء﴾ أي الذين بحضرتك من المشركين وأعداء الدين ﴿وآباءهم﴾ فمددت من الأعمار مع سلامة الأبدان ومتانة الأركان، وإسباغ النعم والإعفاء من البلايا والنقم، فأبطرتهم نعمي وأزهدتهم أيادي جودي وكرمي، وتمادى بهم ركوب ذلك الباطل ﴿حتى جاءهم الحق﴾ بهذا الدين المتين ﴿ورسول مبين﴾ أي أمره ظاهر في نفسه، لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهية تنبئك بالخبر وهو مع ظهوره في نفسه مظهر لكل معنىً يحتاج إليه، و ﴿متعت﴾ بالخطاب من لسان الرسول المنزل عليه هذا الكتاب لأنه يدعو انتهازاً للفرصة لعله يجاب بما يزيل الغصة يقول: يا رب! قد أقمتهم لمن يجهل العواقب في مقام من يرجى رجوعه فما قضيت بذلك بل متعت إلى آخره.
ولما كان التقدير: فلم يردهم التمتيع بإدرار النعم عليهم وإسراعنا بها إليهم مع وضوح الأمر لهم، بل كان الإنعام عليهم سبباً لبطرهم، وكان البطر سبباً لتماديهم على الاستعانة بنعمتنا على عصيان أمرنا وهم يدعون أنهم أتبع الناس للحق وأكفهم عن الباطل، عطف عليه قوله؛ ﴿ولما جاءهم الحق﴾ أي الكامل في حقيته بمطابقة الواقع إياه من غير إلباس ولا اشتباه، الظاهر في كماله لكل من له أدنى لب بما عليه القرآن من الإعجاز في نظمه، وما عليه ما يدعو إليه
стр. 8986
من الحكمة من جميع حكمه، والتصادق مع ما يعلمونه من دين إبراهيم ﵊ قبل أن يبدلوه ومن أمر موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام من التوحيد، زادوا على تلك الغفلة التي أدى إليها البطر بالنعمة ما هو شر من ذلك وهو التكذيب بأن ﴿قالوا﴾ مكابرة وعناداً وحسناً وبغياً من غير وقفة ولا تأمل: ﴿هذا﴾ مشيرين إلى الحق الذي يطابقه الواقع، فلا شيء أثبت منه وهو القرآن وغيره مما أتى به من دلائل العرفان ﴿سحر﴾ أي خيال لا حقيقة له، ولما كان الحال مقتضياً من غير شك ولا وقفة لمعرفتهم لما جاء به وإذعانهم له قالوا مؤكدين لمدافعه ما ثبت في النفوس من ذلك: ﴿وإنا به كافرون﴾ أي عريقون في ستره بخصوصه حتى لا يعرفه أحد ولا يكون له تابع.
ولما أخبر عن طعنهم في القرآن أتبعه الإخبار عن طعنهم فيمن جاء به تغطية لأمره عملاً بأخبارهم في ختام ما قبلها عن أنفسهم بالكفر زيادة وإمعاناً فيما كانت النعم أدتهم إليه من البطر فقال: ﴿وقالوا﴾ لما قهرهم ما ذكروا به مما يعرفونه من أمر إبراهيم ﵊ من النبوة والرسالة، وكذا من بعده من أولاده فلم يتهيأ لهم الإصرار على العناد بإنكار أن يكون النبي من البشر قول من له أمر عظيم في التصرف في الكون والتحكم على الملك الذي
стр. 8987
لا يسأل عما يفعل، فأنكروا التخصيص بما أتوا به من التخصيص في قولهم: ﴿لولا﴾ أي هل لا ولولا.
ولما كان إنزال القرآن نجوماً على حسب التدريج، عبروا بما يوافق ذلك فقالوا: ﴿نزل﴾ أي من المنزل الذي ذكره محمد ﷺ وعينوا مرادهم ونفوا اللبس فقالوا بقسر وغلظة كلمة على من يطلبهم لإصلاح حالهم ﴿هذا القرآن﴾ أي الذي جاء به محمد ﷺ وادعى أنه جامع لكل خير، ففيه إشارة إلى التحقير ﴿على رجل من القريتين﴾ أي مكة والطائف، ولم يقل: إحدى - اغتناء عنها بوحدة رجل ﴿عظيم﴾ أي بما به عندهم من العظمة والجاه والمال والسن ونحو ذلك وهم عالمون أن شأن الملك إنما هو إرسال من يرتضونه لا من يقترحه الرعية، ويعلمون أن للملك المرسل له ﷺ الغني المطلق لكنهم جهلوا - مع أنه هو الذي أفاض المال والجاه - أنه ندب إلى الزهد فيهما والتخلي عنهما، وأنه لا يقرب إليه إلا إخلاص الإقبال عليه الناشئ عن طهارة الروح وذكاء الأخلاق وكمال الشمائل والتحلي بسائر الفضائل والتخلي عن جميع الرذائل، فقد
стр. 8988
جعلوا لإفراطهم في الجهل الحالة البهيمية شرطاً للوصول إلى الحالة الملكية المضادة لها بكل اعتبار.
ولما تضمن قولهم إثبات عظمة لأنفسهم بالاعتراض على الملك، قال منكراً عليهم موبخاً لهم بما معناه أنه ليس الأمر مردوداً إليهم ولا موقوفاً عليهم بل هو إلى الله وحده ﴿والله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ [الأنعام: ١٢٤] ﴿أهم﴾ أي أهؤلاء الجهلة العجزة ﴿يقسمون﴾ أي على التجدد والاستمرار: ولفت القول عن إفراد الضمير إلى صفة الرحمة المضافة إلى النبي ﷺ تشريفاً له وإظهاراً لعلي قدره: ﴿رحمت ربك﴾ أي إكرام المحسن إليك وإنعامه وتشريفه بأنواع اللطف والبر وإعظامه بما رباك له من تخصيصك بالإرسال إليهم بتأهيلهم للإنقاذ من الضلال، وجعلك وأنت أفضل العالمين الرسول إليهم ففضلوا بفضيلتك مع أنك أشرفهم نسباً وأفضلهم حسباً وأعظمهم عقلاً وأصفاهم لباً وأرحمهم قلباً ليتصرفوا في تلك الرحمة التي هي روح الوجود وسر الأمر بحسب شهواتهم وهم لا يقدرون على التصرف في المتاع الزائل بمثل ذلك.
ولما نفى أن يكون لهم شيء من القسم قال جواباً لمن كأنه
стр. 8989
قال: فمن القاسم؟ دالاً على بعدهم عن أن يكون إليهم شيء من قسم ما أعد لأديانهم بما يشاهدونه من بعدهم عن قسم ما أعد لأبدانهم، لافتاً القوم عن صفة الإحسان إلى مظهر العظمة إشارة إلى أنها تأبى المشاركة في شيء وتقتضي التفرد: ﴿نحن قسمنا﴾ أي بما من العظمة ﴿بينهم﴾ أي في الأمر الذي يعمهم ويوجب تخصيص كل منهم بما لديهم ﴿معيشتهم﴾ التي يعدونه رحمة ويقصرون عليها النعمة ﴿في الحياة الدنيا﴾ التي هي أدنى الأشياء عندنا، وإشار إلى أنها حياة ناقصة لا يرضاها عاقل، وأما الآخرة فعبر عنها بالحيوان لأنا لو تركنا قسمها إليهم لتعاونوا على ذلك فلم يبق منهم أحد فكيف يدخل في الوهم أن يجعل إليهم شيئاً من الكلام في أمر النبوة التي هي روح الوجود، وبها سعادة الدارين: ﴿ورفعنا﴾ بما لنا من نفوذ الأمر ﴿بعضهم﴾ وإن كان ضعيف البدن قليل العقل ﴿فوق بعض﴾ وإن كان قوياً عزيز العقل ﴿درجات﴾ في الجاه والمال ونفوذ الأمر وعظم القدر لينتظر حال الوجود، فإنه لا بد في انتظامه من تشارك الموجودين وتعاونهم، تفاوتنا بينهم في الجثث والقوى والهمم ليقتسموا الصنائع، والمعارف والبضائع، ويكون كل ميسر لما خلق له، وجانحاً إلى ما هي له لتعاطيه، فلم يقدر أحد من دنيء أو غني أن يعدو قدره
стр. 8990
وترتقي فوق منزلته.
ولما ذكر ذلك، علله بما ثمرته عمارة الأرض فقال: ﴿ليتخذ﴾ أي بغاية جهده ﴿بعضهم بعضاً﴾ ولما كان المراد هنا الاستخدام دون الهزء لأنه لا يليق التعليل به، أجمع القراء على ضم هذا الحرف هنا فقال: ﴿سخرياً﴾ أي أن يستعمله فيما ينوبه أو يتعسر أو يتعذر عليه مباشرته ويأخذ للآخر منه من المال ما هو مفتقر إليه، فهذا بماله، وهذا بأعماله، وقد يكون الفقير أكمل من الغني ليكمل بذلك نظام العالم لأنه لو تساوت المقادير لتعطلت المعايش، فلم يقدر أحد أن ينفك عما جعلناه إليه من هذا الأمر الدنيء فكيف يطمعون في الاعتراض في أمر النبوة، أيتصور عاقل أن يتولى قسم الناقص ونكل العالي إلى غيرنا، قال ابن الجوزي: فإذا كانت الأرزاق بقدر الله لا بحول المحتال وهي دون النبوة فكيف تكون النبوة - انتهى. وهذا هو المراد بقوله تعالى صارفاً القول عن مظهر العظمة والسلطان إلى الوصف بالإحسان إظهاراً لشرف النبي ﷺ ﴿ورحمة ربك﴾ أي المربي لك والمدبر لأمرك بإرسالك وإنارة الوجود برسالتك التي هي لعظمتها جديرة بأن تضاف إليه ولا يسمى غيرك رحمة ﴿خير مما يجمعون﴾ من الحطام الفاني فإنه وإن تأتي فيه خير باستعماله في وجوه البر بشرطه، فهذا بالنسبة إلى النبوة، وما قارنا
стр. 8991
مما دعا إلى الإعراض عن الدنيا متلاش.
стр. 8992
ولما دلت صريح آية التمتيع وتلويح ما بعدها أن البسط في الرزق الموجب للعلو مع أنه خسيس المنزلة ناقص المقدار مقتض للخروج عن السواء، وكان التقدير: فنحن نخص بهذا الخير للأفراد في الأدوار الآحاد من الأبرار لنستنقذ بهم من شئنا من الضلال ونعطي الحطام للعتاة الطغام الأرذال ابتلاء للعباد ليبين لهم أهل البغي من أهل الرشاد، ولولا ما اقتضته حكمتنا بترتيب هذا الوجود على الأسباب من المفاوتة بين الناس لقيام الوجود لساوينا بينهم، وعطف: عليه قوله مذكراً بلطفه بالمؤمنين وبره لهم برفعه ما يقضتي لهم شديد المجاهدة وعظيم المصابرة والمكابدة لحال تزل فيه الأقدام عن سنن الهدى من الميل والإصغاء إلى مظان الغنى والملك وتمام المكنة والعظمة: ﴿ولولا أن يكون الناس﴾ أي أهل التمتع بالأموال بما فيهم من الاضطراب والأنس بأنفسهم ﴿أمة واحدة﴾ أي في الضلال بالكفر لاعتقادهم أن إعطاءنا المال دليل على محبتنا لمن أعطيناه لحبهم الدنيا وجعلها محط أنظارها وهممهم إلا من عصم الله ﴿لجعلنا﴾ أي في كل زمان وكل مكان بما لنا من العظمة التي لم يقدر أحد على معارضتها لحقارة الدنيا عندنا وبغضنا لها
стр. 8993
﴿لمن يكفر﴾ وقوله: ﴿بالرحمن﴾ أي العام الرحمة دليل على حقارة الدنيا من جهة إعطائها للمبعد الممقوت، وعلى أن صفة الرحمة مقتضية لتناهي بسط النعم على الكافر لولا العلة التي ذكرها سبحانه من الرفق بالمؤمنين.
ولما كان تزيين الظرف دائماً بحسب زينة المظروف، دل على ما لهم من ملابسهم ومراكبهم وغير ذلك من أمورهم بزينة المنازل، فقال مبدلاً من ﴿لمن﴾ بدل الاشتمال لأن سوقه على طريق الإبدال أروع: ﴿لبيوتهم﴾ أي التي ينزلونها ﴿سقفاً﴾ أي هذا الجنس في قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالموحدة بدليل قراءة الباقين بضمتين جمعاً ﴿من فضة﴾ كأنه خصها لإفادتها النور ﴿ومعارج﴾ أي من فضة، وهي المصاعد من الدرج لأن المشي عليها مثل مشي الأعرج ﴿عليها يظهرون﴾ أي يعلون ويرتقون على ظهورها إلى المعالي ﴿ولبيوتهم أبواباً﴾ أي من فضة أيضاً.
ولما كان إفراد السرير يوهم أنه واحد يدار به على الكل، جمع ليفهم أن لكل واحد ما يخصه من الأسرة بخلاف السقف فإنه لا يهوم ذلك فلعله قرئ بإفراده وجمعه، فقال: ﴿وسرراً﴾ بالجمع خاصة، ودل
стр. 8994
على هدوء بالهم وصفاء أوقاتهم وأحوالهم بقوله: ﴿عليها يتكئون﴾ ودل على ما لا يتناهى من غير ذلك بقوله: ﴿وزخرفاً﴾ أي ذهباً وزينة عامة كاملة.
ولما كان لفظ الزخرف دالاً على كون ذلك أمراً ظاهرياً متلاشياً عند التحقيق، دل عليه بقوله مؤكداً لما تقرر في النفوس من أن السادة في مثل ذلك، وما كان مقرراً عندهم من أن السعيد في الأول سعيد في الآخرة على تقدير كونها: ﴿وإن﴾ أي وما ﴿كل ذلك﴾ أي الأمر البعيد عن الخير لكونه في الأغلب مبعداً مما يرضينا، ولأن صاحبه لا يزال فقيراً وإن استوسقت له الدنيا ملكاً وملكاً، لأنه لا بد أن يبقى في نفسه شيء لا تبلغه قدرته فهو لا يزال مغبوناً ﴿لما﴾ أي إلا - هذا على قراءة عاصم وحمزة بالتشديد: وهي في قراءة الباقين بالتخفيف فارقة بين النافية والمخففة، وما مؤكدة والخبر هو ﴿متاع الحياة الدنيا﴾ أي التي اسمها دال على دناءتها وأن لها ضرة هي الآخرة، وهو منقطع بالموت، فلذلك اقتضت رحمته أن لا يضيق على المؤمنين في الأغلب لأن السعة تنقصهم في الآخرة ويطول الحساب ﴿والآخرة﴾ التي لا دار تعدلها بل لا دار الحقيقة إلى هي.
стр. 8995
ولما كانت الإضافة إلى الجليل دالة على جلالة المضاف إليه فقال: ﴿عند ربك﴾ وأشار بالوصف بالرب إلى أن الجلالة بالحسن والراحة، وبالإضافة إليه ﷺ في أعلى الغايات ﴿للمتقين﴾ أي الذين هم دائماً واقفون عن أدنى تصرف إلا بدليل لا يشاركهم فيها غيرهم، وهذا لما ذكر عمر ﵁ كسرى وقيصر وما كانا فيه من النعم قال النبي ﷺ : «ألا ترضى أن يكون لهم الدنيا ولنا الأخرى» ولا يبعد أن يكون ما صار إليه الفسقة من الجبابرة من زخرفة الأبنية وتركيب السقوف وغيرها من مساوئ الفتنة بأن يكون الناس أمة واحدة بالكفر قرب الساعة حتى لا تقوم الساعة على من يقول: الله، وفي زمن الدجال من يبقى إذ ذاك على الحق في غاية القلة بحيث إنهم لا عداد لهم في جانب الكفرة لأن كلام الملوك لا يخلو عن حقيقة، وإن خرج مخرج الشرط فكيف بملك الملوك.
ولما كان التقدير: ولكنا لم نجعل ذلك علماً منا بأن الناس كادوا يكونون أمة واحدة وإن كنا نقيض من جبلناه على الخير على الإيمان لكن ينقصه ما أوتي في الدنيا من خطر في الآخرة لأن من وسع عليه في دنياه اشتغل في الأغلب عن ذكر الله فنفرت منه الملائكة ولزمته الشياطين، فساقه ذلك إلى كل سوء، ومن يتق الله فيديم ذكره يؤيده
стр. 8996
بملك فهو له معين، عطف عليه قوله معبراً عن غفلة البصيرة بالعشا الذي هو ضعف البصر تصوراً لمن ينسى ذكر الله بأقبح صورة تنفيراً عن ذلك ﴿من يعش﴾ أي يفعل فعل المعاشي، وهو من شاء بصره بالليل والنهار أو عمي على قراءة شاذه وردت عن يعقوب بفتح الشين وركب الأمور متجاوزاً ﴿عن ذكر الرحمن﴾ الذي عمت رحمته، فلا رحمة على أحد إلا وهي منه كما فعل هؤلاء حين متعناهم وآباءهم حيث أبطرهم ذلك، وهو شيء يسير جداً، فأعرضوا عن الآيات والدلائل فلم ينظروا فيها إلا نظراً ضعيفاً كنظر من عشي بصره ﴿نقيض﴾ أي نقرر ونسلط ونقدر عقاباً ﴿له﴾ على إعراضه عن ذكر الله ﴿شيطاناً﴾ أي شخصاً نارياً بعيداً من الرحمة يكون غالباً محيطاً به مضيقاً عليه مثل قيض البيضة وهو القشر الداخل ﴿فهو له قرين﴾ مشدود به كما يشد الأسير، ملازم فلا يمكنه التخلص منه ما دام متعامياً عن ذكر الله، فهو يزين له العمى ويخيل إليه أنه على عين الهدى، كما أن من يستبصر بذكر الرحمن يسخر له ملك فهو له ولي يبشره بكل خير، فذكر الله حصن حصين من الشيطان، متى خرج العبد منه أسره العدو كما ورد في الحديث، قال في القاموس:
стр. 8997
العشى مقصور: سوء البصر بالليل والنهار أو العمى، عشى كرضى ودعا، والعشوة بالضم والكسر: ركوب الأمر على غير بيان، قال ابن جرير: وأصل العشو النظر بغير ثبت لعلة في العين، وقال الرازي في اللوامع: وأصل اللغة أن العين والشين والحرف المعتل يدل على ظلام وقلة وضوح في الشيء.
ولما كانت ﴿من﴾ عامة، وكان القرين للجنس، وأفرده لأنه نص على كل فرد، فكان التقدير: فإنهم ليحملونهم على أنواع الدنايا ويفتحون لهم أبواب الرذائل والبلايا، ويحسنون لهم ارتكاب القبائح والرزايا، عطف عليه قوله مؤكداً لما في أنفس الأغلب - كما أشار إليه آخر الآية - أن الموسع عليه هو المهتدي، جامعاً دلالة على كثرة الضال: ﴿وإنهم﴾ أي القرناء ﴿ليصدونهم﴾ أي العاشين ﴿عن السبيل﴾ أي الطريق الذي من حاد عنه هلك، لأنه لا طريق في الحقيقة سواه.
ولما كانت الحيدة عن السبيل إلى غير سبيل، بل إلى معاطب لا يهتدي فيها دليل، عجباً، أتبعه عجباً آخر فقال: ﴿ويحسبون﴾ أي العاشون مع سيرهم في المهالك لتزيين القرناء بإحضار الحظوظ والشهوات وإبعاد المواعظ: ﴿أنهم مهتدون﴾ أي عريقون في هذا الوصف لما يستدرجون به من التوسعة عليهم والتضييق على الذاكرين.
ولما كان من ضل عن الطريق، ومن ظن أنه على صواب لا يكاد
стр. 8998
يتمادى بل ينجلي له الحال عن قرب ضم إلى العجبين الماضيين عجباً ثالثاً بياناً له على ما تقديره: ونملي لهذا العاشي استدراجاً له وابتلاء لغيره ونمد ذلك طول حياته ﴿حتى﴾ وحقق الخبر بقوله: ﴿إذا﴾ ولما علم من الجمع فيما قيل أن المراد الجنس، وكان التوحيد أدل دليل على تناول كل فرد، فكان التعبير به أهول، وكان السياق دالاً على من الضمير له قال: ﴿جاءنا﴾ أي العاشي، ومن قرأ بالتثنية أراد العاشي والقرين ﴿قال﴾ أي العاشي تندماً وتحسراً لا انتفاع له به لفوات محله وهو دار العمل: ﴿يا ليت بيني وبينك﴾ أيها القرين ﴿بعد المشرقين﴾ أي ما بين المشرق والمغرب على التغليب - قاله ابن جرير وغيره، أو مشرق الشتاء والصيف أي بعد أحدهما عن الآخر؛ ثم سبب عن هذا التمني قوله جامعاً له أنواع المذام: ﴿فبئس القرين﴾ أي إني علمت أنك الذي أضلني وأوصلني إلى هذا العيش الضنك والمحل الدحض وأحسست في هذا الوقت بذلك الذي كنت تؤذيني به أنه أذى
стр. 8999
بالغ، فكنت كالذي يحك جسمه لما به من قروح متأكلة حتى يخرج منه الدم فهو في أوله يجد له لذة بما هو مؤلم له في نفسه غاية الإيلام.
ولما كان الإيلام قد يؤذي الجسد، وكان التقدير حتماً بما هدى إليه السياق فيقال لهم: فلن ينفعكم ذلك اليوم يوم جئتمونا إذ تمنيتهم هذا التمني حين عاينتم تلك الأهوال اشتراككم اليوم في يوم الدنيا في الظلم وتمالؤكم عليه ومنافرة بعضكم لبعض، عطف عليه قوله: ﴿ولن ينفعكم اليوم﴾ أي في الدنيا شيئاً من نفع أصلاً ﴿إذ﴾ حين ﴿ظلمتم﴾ حال كونكم مشتركين في الظلم متعاونين عليه متناصرين فيه، وكل واحد منكم يقول لصاحبه سروراً به وتقرباً إليه وتودداً: يا ليت أنا لا نفترق أبداً فنعم القرين أنت، فيقال لهم توبيخاً: ﴿أنكم في العذاب﴾ أي العظيم، وقدمه اهتماماً بالزجر به والتخويف منه ﴿مشتركون﴾
стр. 9000
أي اشتراككم فيه دائماً ظلمكم أنفسكم ظلماً باطناً بأمور أخفاها الطبع على القلوب وهو موجب للارتباك في أشراك المعاصي الموصلة إلى العذاب الظاهر يوم التمني ويوم القيامة عذاباً ظاهراً محسوساً، وذلك كمن يجرح جراحة بالغة وهو مغمي عليه فهو معذب بها قطعاً، ولكنه لا يحس إلا إذا أفاق فهو كما تقول لأناس يريدون أن يتمالؤوا على قتل نفس محرمة: لن ينفعكم اليوم إذ تتعاونون على قتله اشتراككم غداً في الهلاك بالسجن الضيق والضرب المتلف وضرب الأعناق، مرادك بذلك زجرهم عن ظلمهم بتذكيرهم بأنهم يصلون إلى هذا الحال ويزول ما هم فيه من المناصرة فلا ينفعهم شيء منها - والله الموفق، فالآية من الاحتباك، وبه زال عنها ما كان من إعراب المعربين لها موجباً للارتباك «فيا ليت» - إلى آخره، دال على تقدير ضده ثانياً «ولن ينفعكم» - إلى آخره، دال على تقدير مثله أولاً.
следующие страницы →