Полный текст (11 765 стр.). Показаны 9486–9525 · переход к 9491.
стр. 9486
ورعاية للأدب وتوقيراً.
ولما كان المبلغ ربما أنساه اللغط ورفع الأصوات ما كان يريد أن يبلغه «إنه بينت لي ليلة القدر فخرجت لأخبركم بها فتلاحى رجلان فأنسيتها وعسى أن يكون خيراً لكم» قال: ﴿عند رسول الله﴾ أي الذي من شأنه أن يعلو كلامه على كل كلام، لأنه مبلغ من الملك الأعظم وعبر بعند التي للظاهر إشارة إلى أن أهل حضرة الخصوصية لا يقع منهم إلا أكمل الأدب.
ولما ابتدأ ذكرهم مؤكداً تنبيهاً على عظيم ما ندبوا إليه، زاده إعظاماً بالإشارة إليهم بأداة البعد فقال: ﴿أولئك﴾ أي العالو الرتب لما لهم من علو الهمم بالخضوع لمن أرسله مولاهم الذي لا إحسان عندهم إلا منه ﴿الذين امتحن الله﴾ أي فعل المحيط بجميع صفات الكمال فعل المختبر بالمخالطة البليغة بالشدائد على وجه يؤدي إلى المنحة باللين والخلوص من كل درن، والانشراح والاتساع ﴿قلوبهم﴾ فأخلصها ﴿للتقوى﴾ أي الخوف المؤدي إلى استعداد صاحبه بإقامة ما يقيه من كل مكروه، والامتحان: اختبار بليغ يؤدي إلى خبر، فالمعنى أنه طهر قلوبهم ونقاها
стр. 9487
كما يمتحن الصائغ الذهب والفضة بالإذابة للتنقية والتخليص من كل غش لأجل إظهار ما بطن فيها من التقوى ليصير معلوماً للخلق في عالم الشهادة كما كان معلوماً له سبحانه في عالم الغيب، وهو خروجهم عن العادات البشرية ومفارقتهم لما توجبه الطبيعة، وهو حقيقة التوحيد، فإن التقوى لا تظهر إلا عند المحن والشدائد بالتكليف وغيرها، ولا تثبت إلا بملازمة الطاعة في المنشط والمكره والخروج عن مثل ذلك.
ولما كان الإنسان وإن اجتهد في الإحسان محلاًّ للنقصان، استأنف الإخبار عن جزائهم بقوله: معرباً له من فاء السبب، إشارة إلى أن ذلك بمحض إحسانه: ﴿لهم مغفرة﴾ أي لهفواتهم وزلاتهم ﴿وأجر عظيم *﴾ أي جزاء لا يمكن وصفه على محاسن ما فعلوه.
стр. 9488
ولما نهى سبحانه عن الإخلال بالأدب، وأمر بالمحافظة على التعظيم، وذكر وصف المطيع، أتبع ذلك على سبيل النتيجة وصف من أخل به، فقال مؤكداً لأجل أن حالهم كان حال من يدع عقلاً تاماً: ﴿إن الذين ينادونك﴾ أي يجددون نداءك من غير توبة والحال أن نداءهم إياك كائن ﴿من وراء﴾ إثبات هذا الجار يدل على أنه ﷺ كان داخلها، ولو سقط لم يفد ذلك، بل كان
стр. 9489
يفيد أن نسبة الأماكن التي وراءها الحجرات كلها بالنسبة إليه وإليهم على حد سواء، وذلك بأن يكون الكل خارجها، والوراء: الجهة التي تواريك وتواريها من خلف أو قدام.
ولما كان الرسول ﷺ من العظمة في نفسه وفي تبليغ رسالات الله في هيئتها بمكان من العظمة بحيث لا يخفى على أحد. فليس لأحد أن يفتات فيها عليه ولا أن يعجله عن شيء، وكان نداؤه لذلك من وراء حجرته واحدة كندائه من وراء كل حجرة جمع فقال: ﴿الحجرات﴾ ولم يضفها إليه إجلالاً له، وليشمل كوني في غيرها أيضاً، والمعنى: مبتدئين النداء من جهة تكون الحجرات فيها بينك وبينهم فتكون موازية لك منهم ولهم منك، وهي جمع حجرة، وهي ما حوط من قطع الأرض بحائط يمنع ممن يكون خارجه من أذى من يكون داخله بقول أو فعل، فإنه يكون فيما يختص به من الاجتماع بنسائه أو إصلاح شيء من حاله، لا يتهيأ له بحضور الناس فيما يتقاضاه المروءة، وأسند الفعل إلى الجمع وإن كان المنادي بعضهم للرضى به أو السكوت عن النهي.
ولما كان الساكت قد لا يكون راضياً قال: ﴿أكثرهم﴾ أي
стр. 9490
المنادي والراضي دون الساكت لعذر ﴿لا يعلقون *﴾ لأنهم لم يصبروا، بل فعلوا معه ﷺ كما يفعل بعضهم مع من يماثله، والعقل يمنع من مثل ذلك لمن اتصف بالرئاسة فكيف إذا كانت رئاسة النبوة والرسالة عن الملك الجبار الواحد القهار.
ولما ذمهم بسوء عملهم، أرشدهم إلى ما يمدحون به من حسنه فقال: ﴿ولو أنهم﴾ أي المنادي والراضي ﴿صبروا﴾ أي حبسوا أنفسهم ومنعوها عن مناداتهم، والصبر حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها وهو حبس فيه شدة، وصبر عن كذا - محذوف الفعل لكثرة دوره، أي نفسه ﴿حتى تخرج﴾ من تلقاء نفسك عند فراغ ما أنت فيه مما يهمك من واردات الحق ومصالح الخلق. ولما كان الخروج قد يكون إلى غيرهم من المصالح، فلا يسوغ في الأدب أن يقطع ذاك عليه قال: ﴿إليهم﴾ أي ليس لهم أن يكلموك حتى تفرغ لهم فتقصدهم فإنك لا تفعل شيئاً في غير حينه بمقتضى أمر الرسالة ﴿لكان﴾ أي الصبر.
ولما كان العرب أهل معال فهم بحيث لا يرضون إلا الأحسن فقال: ﴿خيراً لهم﴾ أي من استعجالهم في إيقاظك وقت الهاجرة وما لو قرعوا الباب بالأظافير كما كان يفعل غيرهم من الصحابة ﵃،
стр. 9491
وهذا على تقدير أن يكون ما ظنوا من أن فيه خيراً فكانوا يعقلون، ففي التعبير بذلك مع الإنصاف بل الإغضاء والإحسان هز لهم إلى المعالي وإرشاد إلى ما يتفاخرون به من المحاسن، قال الرازي: قال أبو عثمان: الأدب عند الأكابر يبلغ بصاحبه إلى الدرجات العلى والخير في الأولى والعقبى - انتهى. وأخيرية صبر في الدين معروفة، وأما في الدنيا فإنهم لو تأدبوا لربهم زادهم النبي ﷺ في الفضل فأعتق جميع سبيهم وزادهم، والآية في الاحتباك: حذف التعليل بعدم الصبر أولاً لما دل عليه ثانياً، والعقل ثانياً لما دل عليه من ذكره أولاً.
ولما ذكر التقدير تأديباً لنا وتدريباً على الصفح عن الجاهل وعذره وتعليمه: ولكنهم لم يصبروا وأساؤوا الأدب فكان ذلك شراً لهم والله عليم بما فعلوا حليم حيث لم يعاجلهم بالعقوبة لإساءتهم الأدب على رسوله ﷺ ، عطف عليه استعطافاً لهم مع إفهامه الترهيب: ﴿والله﴾ أي المحيط بصفات الكمال ﴿غفور﴾ أي ستور لذنب من تاب من جهله ﴿رحيم *﴾ يعامله معاملة الراحم فيسبغ عليه نعمه. ولما تابوا، أعتبهم الله في غلظتهم على خير خلقه أن جعلهم أغلظ الناس على شر الناس: الدجال، فإن النبي ﷺ قال: «إنهم
стр. 9492
أشد الناس عليه» .
ولما أنهى سبحانه ما أراد من النهي عن أذى الرسول ﷺ في نفسه، وكان من ذلك أذاه في أمته، فإنه عزيز عليه ما عنتوا وكان من آذاه فيهم فاسقاً، وكان أعظم الأذى فيهم ما أورث كرباً فأثار حرباً، وكان ربما اتخذ أهل الأغراض هذه الآداب ذريعة إلى أذى بعض المسلمين فقذفوهم بالإخلال بشيء منها فوقعوا هم فيها فيما قذفوا به غيرهم من الإخلال بحقه والتقيد بولائه ورقه، وكان لرسول الله ﷺ من الأخلاق الطاهرة والمعالي الظاهرة ما يؤمن معه أن يوقع شيئاً في غير محله، أن يأمر بأمر من غير حله - هذا مع ما له من العصمة، قال منبهاً على ما في القسم الثالث من مكارم الأخلاق من ترك العجز بالاعتماد على أخبار الفسقة، تخاطباً لكل من أقر بالإيمان على طريق الاستنتاج مما مضى، نادباً إلى الاسترشاد بالعقل الذي نفاه عن أهل الآية السالفة، والعفو عن المذنب والرحمة لعباد الله، منادياً بأداة البعد إشارة إلى أن من احتاج إلى التصريح بمثل هذا التنبيه غير مكتف بما أفاده من قواعد الشرع وضع نفسه في محل بعيد، وتنبيهاً على أن ما في حيزها كلام له خطب عظيم ووقع جسيم: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ وعبر بالفعل الماضي الذي هو
стр. 9493
لأدنى أسنان القلوب، وعبر بأداة الشك إيذاناً بقلة الفاسق فيهم وقلة مجيئه إليهم بخبر له وقع، فقال: ﴿إن جاءكم﴾ أي في وقت من الأوقات ﴿فاسق﴾ أي خارج من ربقة الديانة أيّ فاسق كان ﴿بنبأ﴾ أي خبر يعظم خطبه فيؤثر شراً، أيّ خير كان مما يكون كذلك؟ ﴿فتبينوا﴾ أي عالجوا البيان وهو فصل الخطأ من الصواب، استعمالاً لغريزة العقل المنفي عن المنادين واتصافاً بالغفران والرحمة ليرحمكم الله ويغفر لكم، وهذه القراءة غاية لقراءة حمزة والكسائي بالمثلثة ثم المثناة الفوقية، والسياق مرشد إلى أن خبر الفاسق كالنمام والساعي بالفساد كما أنه لا يقبل فلذلك لا يرد حتى يمتحن، وإلى أن خبر العدل لا وقفة فيه، وإلا لاستوى مع الفاسق، فالتثبت معلل بالفسق، فإذا انتفى ولم توجد علة أخرى توجب التثبت وجب القبول، والمعلق على شيء بكلمة «إن» عدم عند عدمه، والتبين بأحد شيئين: بمراجعة النبي ﷺ إن كان حاضراً، وبمراجعة آثاره من كتاب الله وسنته إلى أن تبين الأمر منهما إن كان غائباً، فإنه لا تكون أبداً كائنة إلا وفي الكتاب والسنة المخرج منها.
ولما أمر بالتبين، ذكر علته فقال: ﴿أن﴾ أي لأجل كراهة أن ﴿تصيبوا﴾ أي بأذى ﴿قوماً﴾ أي هم مع قوتهم النافعة
стр. 9494
لأهل الإسلام براء مما نسب إليهم ﴿بجهالة﴾ أي مع الجهل بحال استحاقهم ذلك.
ولما كان الإنسان إذا وضع شيئاً في غير موضعه جديراً بالندم، سبب عن ذلك قوله: ﴿فتصبحوا﴾ أي فتصيروا، ولكنه عبر بذلك لأن أشنع الندم ما استقبل الإنسان صباحاً وقت انتباهه وفراغه وإقباله على لذاته ﴿على ما فعلتم﴾ أي من إصابتهم ﴿نادمين *﴾ أي عريقين في الأسف على ما فات مما يوقع الله في نفوسكم من أمور ترجف القلوب وتخور الطباع، وتلك سنته في كل باطل، فإنه لكونه مزلزلاً في نفسه لا ينشأ عنه إلا الزلزال والندم على ما وقع من تمني أنه لم يقع، وهو غم يصحب الإنسان صحبة لها دوام بما تدور مادته عليه مما يرشد إليه مدن ودمن، وهو ينشأ من تضييع أثقال الأسباب التي أمر الإنسان بالسعي فيها كما أشار إليه حديث «احرص على ما ينفعك ولا تعجز فإن غلبك أمر فقل: قدر الله وما شاء فعل، ولا تقل: لو أني فعلت كذا، فإن» لو «تفتح عمل الشيطان» والفاسق المذكور في الآية المراد به الجنس، والذي نزل ذلك بسببه هو الوليد بن عقبة، ولم يزل كذلك حتى أن عثمان ﵁ ولاه الكوفة فصلى بالناس وهو سكران صلاة الفجر أربعاً ثم قال: هل أزيدكم
стр. 9495
فعزله عثمان ﵁.
ولما كان إقدامهم على كثير من الأمور من غير مشاورة لمن أرسله الله رحمة لعباده ليعلمهم ما يأتون وما يذرون عمل من لا يعلم أن رسول الله ﷺ قريب منه، وكان الإعراض عنه حياً وعن بذل الجهد في استخراج الأمور من شريعته بعد موته أمراً مفسداً للبين إن لم يعتبر ويتنبه له غاية التنبه، أخبرهم به منزلاً لهم منزلة من لا يعلم أنه موجود معه مشيراً بكلمة التنبيه إلى أن من أخل بمراعاة ذلك في عداد الغافلين فقال: ﴿واعلموا﴾ أي أيها الأمة، وقدم الخبر إيذاناً بأن بعضهم باعتراضه أو بإقدامه على ما لا علم له به يعمل علم من لا يعلم مقدار ما خصه الله به من إنعامه عليه به ﷺ ، فهو يفيد توبيخ من فعل ذلك: ﴿أن فيكم﴾ أي على وجه الاختصاص لكم ويا له من شرف ﴿رسول الله﴾ أي الملك الأعظم المتصف بالجلال والإكرام على حال هي أنكم تريدونه أن يتبع أذاكم، وذلك أمر شنيع جداً، فإنه لا يليق أن يتحرك إلا بأمر من أرسله، فيجب عليكم الرجوع عن تلك الحالة، فإنك تجهلون أكثر مما تعلمون، ولإرادتهم إن لا يطيعهم في جميع الأمور عبر بالمضارع فقال: ﴿لو يطيعكم﴾ وهو لا يحب عنتكم ولا شيئاً يشق عليكم
стр. 9496
﴿في كثير من الأمر﴾ أي الذي تريدونه على فعله من أنه يعمل في الحوادث على مقتضى ما يعن لكم وتستصوبونه ليكون فعله معكم فعل المطواع لغيره التابع له، فينقلب حينئذ الحال، ويصير المبتوع تابعاً والمطاع طائعاً ﴿لعنتم﴾ أي لاءمتم وهلكتم، ومن أراد دائماً أن يكون أمر الرسول الله ﷺ تابعاً لأمره فقد زين له الشيطان الكفران، فأولئك هم الغاوون، وسياق «لو» معلم قطعاً أن التقدير: ولكنه ﷺ لا يطيعكم لكراهة لما يشق عليكم لما هو متخلق به من طاعة الله والوقوف عند حدوده والتقيد في جميع الحركات والسكنات بأمره، مع ما له من البصرة في التمييز بين الملبسات والخبرة التامة بالأمور المشتبهات، التي هي سبب هلاك الأغلب لكونها لا يعلمها كثير من الناس، والتقييد بالكثير معلم بأنهم يصيبون وجه الرشاد في كثير من الأمور.
ولما كان التقدير حتماً بما هدى إليه السياق: ولو خالفتموه في الأمور التي لا يطيعكم فيها لعنتم، استدرك عنه قوله: ﴿ولكن الله﴾ أي الملك الأعظم الذي يفعل ما يريد ﴿حبب إليكم الإيمان﴾ فلزمتم طاعته وعشقتم متابعته. ولما كان الإنسان قد يحب شيئاً وهو يعلم فيه عيباً، فيكون جديراً بأن يتزلزل فيه، نفى ذلك بقوله:
стр. 9497
﴿وزينه في قلوبكم﴾ أي فلا شيء عندكم أحسن منه ولا يعادله ولا يقاربه بوجه ﴿وكره إليكم الكفر﴾ وهو تغطية ما أدت إليه الفطرة الأولى والعقول المجردة عن الهوى من الحق بالجحود ﴿والفسوق﴾ وهو المروق من ربقة الدين، ولو من غير تغطية بل بغير تأمل ﴿والعصيان﴾ وهو الامتناع من الانقياد عامة فلم تخالفوه، ورأيتم خلافه هلاكاً، فصرتم والمنة لله أطوع شيء للرسول ﷺ ، فعلم من هذا أن الله تعالى هو الفاعل وحده لجميع الأفعال من الطاعات والمعاصي والعادات والعبادات، لأنه خالق لكل، ومدحوا لفعل الله بهم لأنهم الفاعلون في الظاهرة فهو واقع موقع: أطعتم الرسول ﷺ ولم تخالفوه، وإنما وضع فعل الله وهولا يمدحون عليه موضع فعلهم الذي يمدحون عليه للحث على الشكر والإنسلاخ من العجب.
ولما أرشد السياق إلى متابعتهم على هذا الوجه، أنتج قوله مادحاً لهم ثانياً الكلام عن خطابهم إلى خطابه ﷺ ليدل على عظم هذه الأوصاف وبينه بأداة البعد على علو مقام المتصف: ﴿أولئك﴾ أي الذين أعلى الله القادر على كل شيء مقاديرهم ﴿هم﴾ أي خاصة ﴿الراشدون *﴾ أي الكاملون في الرشد وهو الهدى على أحسن سمت وتقدير، وفي تفسير الأصبهاني: الرشد الاستقامة على طريق الحق
стр. 9498
مع تصلب فيه - انتهى. والذي أنتج الرشاد متابعة الحق، فإن الله تكفل لمن تعمد الخير وجاهد نفسه على البر بإصابة الصواب وإحكام المساعي المنافي للندم، ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين﴾ وقد دل السياق على أنهم كانوا في خبر الوليد صنفين: صنف صدقه وأراد غزوة بني المصطلق وأشار به، وصنف توقف، وأن الصنفين سلموا آخر الأمر رسول الله ﷺ فهدوا، فالآية من الاحتباك وهي شبيهة به: دلت الشرطية في ﴿لو يطيعكم﴾ على الاستدراكية، والاستدراكية في ﴿ولكن الله﴾ على تقدير الشرطية دلالة ظاهرة.
стр. 9499
ولما ذكر التحبيب والتزيين والتكريه وما أنتجه من الرشاد، ذكر علته إعلاماً بأنه تعالى لا يحب عليه شيء حثاً على الشكر فقال: ﴿فضلاً﴾ أي زيادة وتطولاً وامتناناً عظيماً جسيماً ودرجة عالية من الله الملك الأعظم الذي بيده كل شيء ﴿ونعمة﴾ أي وعيشاً حسناً ناعماً وخفضاً ودعة وكرامة.
ولما كان التقدير: فالله منعم بفضل، بيده كل ضر ونفع، عطف عليه قوله: ﴿والله﴾ أي المحيط بصفات الكمال ﴿عليم﴾ أي محيط العلم، فهو يعلم أحوال المؤمنين وما بينهم من التفاضل ﴿حكيم *﴾ بالغ الحكمة، فهو يضع الأشياء في أوفق محالها وأتقنها، فلذلك وضع نعمته من الرسالة
стр. 9500
والإيمان على حسب علمه وحكمته.
ولما كانت النميمة ونقل الأخبار الباطلة الذميمة ربما جرت فتناً وأوصلت إلى القتال، وكان العليم الحكيم لا ينصب سبباً إلا ذكر مسببه وأشار إلى دوائه، وكان لا ينهى عن الشيء إلا من كان متهيئاً له لما في جبلته من الداعي إليه، فكان قد يواقعه ولو في وقت، قال تعالى معلماً لنا طريق الحكمة في دفع ما جرت إليه الأخبار الباطلة من القتال، معبراً بأداة الشك إشارة إلى أن ما في حيزها لا ينبغي أن يقع بينهم، ولا أن يذكروه إلا على سبيل الفرض: ﴿وإن طائفتان﴾ أي جماعتان بالفعل أو القوة جدير كل جماعة منهما بأن يجتمع على ما دهمها من الأمير بحيث تصير من شدة مراعاته كالطائفة حوله والمتحلقة به، بحيث لا يدرى من شدة اجتماعها على ذلك أولها من آخرها ﴿من المؤمنين﴾ أي ممن هو معدود في عداد العريقين في الإيمان سواء كان هو عريقاً أو فاعلاً ما يطلق عليه به الاسم فقط.
ولما كانت الشناعة والفساد في قتال الجماعة أكثر، عبر بضمير الجمع دون التثنية تصويراً لذلك بأقبح صورة فقال: ﴿اقتتلوا﴾ أي فاختلطوا بسبب القتال حتى كانوا كالفرقة الواحدة ﴿فأصلحوا﴾ أي
стр. 9501
فأوقعوا الإصلاح ليحصل الصلح. ولما كانت العبرة في الصلح إذا وقع بين الطائفتين ما يسكن به الشر وإن تخلف شذان من الجانبين لا يعبأ بهم، عبر بالتثنية دون الجمع فقال: ﴿بينهما﴾ أي بالوعظ والإرشاد الدنيوي والأخروي، ولا تظنوا أن الباغي غير مؤمن فتتجاوزوا فيه أمر الله.
ولما كان البغي من أشنع الأمور فكان ينبغي أن لم يلم به أحد، عبر بأداة الشك إرشاداً إلى ذلك فقال: ﴿فإن بغت﴾ أي أوقعت الإرادة السيئة الكائنة من النفوس التي لا تأمر بخير ﴿إحداهما﴾ أي الطائفتين ﴿على الأخرى﴾ فلم ترجع إلى حكم الله الذي خرجت عنه ولم تقبل الحق. ولما كان الإضمار هنا ربما أوهم لبساً فتمسك به متعنت في أمر فساد، أزال بالإظهار كل لبس فقال: ﴿فقاتلوا﴾ أي أوجدوا واطلبوا مقاتلة ﴿التي﴾ .
ولما كان القتال لا يجوز إلا بالاستمرار على البغي، عبر بالمضارع إفهاماً لأنه متى زال البغي ولو بالتوبة من غير شوكة حرم القتال فقال: ﴿تبغي﴾ أي توقع الإرادة وتصر عليها، وأديموا القتال لها ﴿حتى تفيء﴾ أي ترجع مما صارت إليه من جر القطيعة الذي كأنه حر الشمس حين نسخه الظل إلى ما كانت فيه من البر والخير الذي هو كالظل الذي ينسخ الشمس، وهو معنى قوله
стр. 9502
تعالى: ﴿إلى أمر الله﴾ أي التزام ما أمر به الملك الذي لا يهمل الظالم، بل لا بد أن يقاصصه وأمره ما كانت عليه من العدل قبل البغي. ولما كانت مقاتلة الباغي جديرة بترجيعه، أشار إلى ذلك بقوله: ﴿فإن فاءت﴾ أي رجعت إلى ما كانت عليه من التمسك بأمر الله الذي هو العدل ﴿فأصلحوا﴾ أي أوقعوا الإصلاح ﴿بينهما﴾ .
ولما كان الخصام يجر في الغالب من القول والفعل ما يورث للمصلحين إحنة على بعض المتخاصمين، فيحمل ذلك على الميل مع بعض على بعض، قال: ﴿بالعدل﴾ ولا يحملكم القتال على الحقد على المتقاتلين فتحيفوا. ولما كان العدل في مثل ذلك شديداً على النفوس لما تحملت من الضغائن قال تعالى: ﴿وأقسطوا﴾ أي وأزيلوا القسط - بالفتح وهو الجور - بأن تفعلوا القسط بالكسر وهو العدل العظيم الذي لا جور فيه، في ذلك وفي جميع أموركم، ثم علله ترغيباً فيه بقوله مؤكداً تنبيهاً على أنه من أعظم ما يتمادح به، وردّاً على من لعله يقول: إنه لا يلزم نفسه الوقوف عنده إلا ضعيف: ﴿إن الله﴾ أي الذي بيده النصر والخذلان ﴿يحب المقسطين *﴾ أي يفعل مع أهل العدل من الإكرام فعل المحب.
ولما أمر بما قد يفضي إلى القتال، وكان الباغي ربما كان أقرب إلى الصلح من جهة النسب من المبغيّ عليه فروعي، وكان القتال أمراً شاقاً ربما حمل على الإحجام عن الإصلاح، علل ذلك سبحانه بما قدم
стр. 9503
فيه قرابة الدين على قرابة النسب، وكشف كشفاً تاماً عن أنه لا يسوغ له تركه لما يؤدي إليه من تفريق الشمل المؤدي إلى وهن الإسلام وأهله المؤدي إلى ظهور الباطل المؤدي إلى الفساد الأعظم الذي لا تدارك له فقال تعالى: ﴿إنما المؤمنون﴾ أي كلهم وإن تباعدت أنسابهم وأغراضهم وبلادهم ﴿إخوة﴾ لانتسابهم إلى أصل واحد وهو الإيمان، لا بعد بينهم، ولا يفضل أحد منهم على أحد بجهة غير جهة الإيمان.
ولما كانت الأخوة داعية ولا بد إلى الإصلاح، سبب عنها قوله: ﴿فأصلحوا﴾ .
ولما كانت الطائفة قد تطلق على ما هو أصل لأن يطاف حوله كما يطلق على ما فيه أهلية التحليق والطواف، وكان أقل ما يكون ذلك في الأثنين، وأن مخاصمتهما يجر إلى مخاصمة طائفتين بأن يغضب لكل ناس من قبيلته وأصحابه، قال واضعاً الظاهر موضع المضمر مبالغة في تقرير الأمر وتأكيده، وإعلاماً بأن المراد بالطائفة القوة لا الفعل بحيث يكون ذلك شاملاً للاثنين فما فوقهما: ﴿بين أخويكم﴾ أي المختلفين بقتال أو غيره كما تصلحون بين أخويكم من النسب، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير، بل الأمر كما نقل عن أبي عثمان الحيري أن أخوة الدين أثبت من أخوة النسب، وقرأ يعقوب ﴿إخوتكم﴾
стр. 9504
بالجمع، وقراءة الجماعة أبلغ لدلالتها على الاثنين فما فوقهما بالمطابقة ﴿واتقوا الله﴾ أي الملك الأعظم الذين هم عباده في الإصلاح بينهما بالقتال وغيره، لا تفعلوا ما صورته إصلاح وباطنه إفساد، وأشار إلى سهولة الأمور عنده ونفوذ أمره وأن النفوس إنما تشوفها إلى الإكرام لا إلى كونه من معين، فبنى للمفعول قوله تعالى: ﴿لعلكم ترحمون *﴾ أي لتكونوا إذا فعلتم ذلك على رجاء عند أنفسكم ومن ينظركم من أن يكرمكم الذي لا قادر في الحقيقة على الإكرام غيره بأنواع الكرامات كما رحمتم إخوتكم بإكرامهم عن إفساد ذات البين التي هي الحالقة، وقد دلت الآية أن الفسق بغير الكفر لا يخرج عن الإيمان، وعلى أن الإصلاح من أعظم الطاعات، وعلى وجوب نصر المظلوم لأن القتال لا يباح بدون الوجوب، قال القشيري: وذلك يدل على عظم وزر الواشي والنمام والمضرب في إفساد ذات البين، وقال: من شرط الأخوة أن لا تحوج أخاك إلى الاستعانة بك والتماس النصرة منك، ولا تقصر في تفقد أحواله بحيث يشكل عليك موضع حاجته فيحتاج إلى مسألتك.
ولما نهى عن الإسراع بالإيقاع بمجرد سماع ما يوجب النزاع، وختم بما ترجى به الرحمة، وكان ربما كان الخبر الذي أمر سبحانه بتبينه صريحاً، نهى عن موجبات الشر التي يخبر بها فتكون سبباً للضغائن التي يتسبب عنها الشر الذي هو سبب للنقمة رحمة لعباد الله وتوقعاً للرحمة منه،
стр. 9505
فقال على سبيل النتيجة من ذلك ذاكراً ما في القسم الرابع من الآداب والمنافع من وجوب ترك أذى المؤمنين في حضورهم والإزراء بحالهم المذهب لسرورهم الجالب لشرورهم: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي أوقعوا الإقرار بالتصديق ﴿لا يسخر﴾ أي يهزأ ويستذل.
ولما كانت السخرية تكون بحضرة ناس، قال معبراً بما يفهم أن من شارك أو رضي أو سكت وهو قادر فهو ساخر مشارك للقائل: ﴿قوم﴾ أي ناس فيهم قوة المحاولة، وفي التعبير بذلك هز إلى قيام الإنسان على نفسه وكفها عما تريده من النقائص شكراً لما أعطاه الله من القوة: ﴿من قوم﴾ فإن ذلك يوجب الشر لأن أضعف الناس إذا حرك للانتقاص قوي بما يثور عنده من حظ النفس.
ولما كان الذي يقتضيه الرأي الأصيل أنه لا يستذل الإنسان إلا من أمن أن يصير في وقت من الأوقات أقوى منه في الدنيا وفي الآخرة، علل بقوله: ﴿عسى﴾ أي لأنه جدير وخليق لهم ﴿أن يكونوا﴾ أي المستهزأ بهم ﴿خيراً منهم﴾ فينقلب الأمر عليهم ويكون لهم سوء العاقبة، قال ابن مسعود ﵁: البلاء موكل بالقول ولو سخرت من كلب خشيت أن أحول كلباً؛ وقال
стр. 9506
القشيري: ما استضعف أحد أحداً إلا سلط عليه، ولا ينبغي أن تعتبر بظاهر أحوال الناس، فإن في الزوايا خبايا، والحق سبحانه يستر أولياءه في حجاب الظنة، كذا في الخبر
«كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره» .
ولما كان إطلاق القوم لمن كان فيه أهلية المقاومة وهم الرجال، قال معبراً ما هو من النسوة بفتح النون أن ترك العمل: ﴿ولا نساء من نساء﴾ ثم علل النهي بقوله: ﴿عسى﴾ أي ينبغي أن يخفن من ﴿أن يكن﴾ المسخور بهن ﴿خيراً منهن﴾ أي الساخرات.
ولما كانت السخرية تتضمن العيب، ولا يصرح فيها، وكان اللمز العيب نفسه، رقي الأمر إليه فقال: ﴿ولا تلمزوا﴾ أي تعيبوا على وجه الخفية ﴿أنفسكم﴾ بأن يعيب بعضكم بعضاً بإشارة أو نحوها، فكيف إذا كان على وجه الظهور، فإنكم في التواصل والتراحم كنفس واحدة، أو يعمل الإنسان ما يعاب به، فيكون قد لمز نفسه أو يلمز غيره فيكون لمزه له سبباً لأن يبحث عن عيوبة فيلمزه فيكون هو الذي لمز نفسه ﴿ولا تنابزوا﴾ أي ينبز بعضكم بعضاً، أي يدعو على وجه التغير والتسفل ﴿بالألقاب﴾ بأن يدعو المرء صاحبه بلقب يسوءه سواء
стр. 9507
كان هو المخترع له أولاً، وأما ألقاب المدح فنعم هي كالصديق والفاروق.
ولما كان الإيمان قيداً لأوابد العصيان، وكان النبز والسخرية قطعاً لذلك القيد، علل بما يؤذن فأنه فسق، معبراً بالكلمة الجامعة لجميع المذامّ تنفيراً من ذلك فقال: ﴿بئس الاسم الفسوق﴾ أي الخروج من ربقة الدين ﴿بعد الإيمان﴾ ترك الجارّ إيذاناً بأن من وقع في ذلك أوشك أن يلازمه فيستغرق زمانه فيه فإن النفس عشاقة للنقائص، ولا سيما ما فيه استعلاء، فمن فعل ذلك فقد رضي لنفسه أو يوسم بالفسق بعد أن كان موصوفاً بالإيمان.
ولما كان التقدير: فمن تاب فأولئك هم الراشدون، وكان المقام بالتحذير أليق، عطف عليه قوله: ﴿ومن لم يتب﴾ أي يرجع عما نهى الله عنه، فخفف عن نفسه ما كان شدد عليها ﴿فأولئك﴾ أي البعداء من الله ﴿هم﴾ أي خاصة ﴿الظالمون *﴾ أي العريقون في وضع الأشياء في غير مواضعها.
стр. 9508
ولما كان الإنسان ربما دعا صاحبه بلقب له شيء غير قاصد به عيبه، أو فعل فعلاً يتنزل على الهزء غير قاصد به الهزء، نهى تعالى عن المبادرة إلى الظن من غير تثبت لأن ذلك من وضع الأشياء في غير مواضعها، الذي هو معنى الظلم فقال خاتماً بالقسم الخامس منبهاً على ما فيه من
стр. 9509
المعالي والنفائس: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي اعترفوا بالإيمان وإن كانوا في أول مراتبه ﴿اجتنبوا﴾ أي كلفوا أنفسكم أن تتركوا وتبعدوا وتجعلوا في جانب بعيد عنكم ﴿كثيراً من الظن﴾ أي في الناس وغيرهم فاحتاطوا في كل ظن ولا تمادوا معه حتى تجزموا به فتقدموا بسببه على ما يقتضيه من الشر إلا بعد التبين لحقه من باطله بأن يظهر عليه أمارة صحيحة وسبب ظاهر، والبحث عن ذلك الذي أوجب الظن ليس بمنهيّ عنه كما فتش النبي ﷺ في قصة الإفك وتثبت حتى جاءه الخبر اليقين من الله، وأفهم هذا أن كثيراً منه مجتنب كما في الاجتهاد حيث لا قاطع، وكما في ظن الخير بالله تعالى، بل قد يجب كما قال تعالى: ﴿ولولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً﴾ [النور: ١٢] وقد أفاد التنكير شياع النهي في كل ظن، فكان بمعنى «بعض» مع الكفالة بأن كثيراً منه منهيّ عن الإقدام عليه إلا بعد تبين أمره، ولو عرف لأفهم أنه لا يجتنب إلا إذا اتصف بالكثرة، قال القشيري: والنفس لا تصدق، والقلب لا يكذب، والتمييز بين النفس والقلب مشكل، ومن بقيت عليه من حظوظة بقية وإن قلت فليس له أن يدعى بيان القلب، بل هو بنفسه ما دام عليه شيء من بقيته، ويجب عليه أن يتهم نفسه في كل ما يقع له من نقصان غيره،
стр. 9510
ثم علل ذلك مثيراً إلى أن العاقل من يكف نفسه عن أدنى احتمال من الضرر احتمالاً مؤكداً لأن أفعال الناس عند الظنون أفعال من هو جازم بأنه بريء من الإثم: ﴿إن بعض الظن إثم﴾ أي ذنب يوصل صاحبه لاستحقاق العقوبة كالظن في أصول الدين، وحيث يخالفه قاطع، قال الزمخشري رحمه الله تعالى: الهمزة في الإثم عن الواو وكأنه يثم الأعمال أي يكسرها بإحباطه.
ولما نهى عن اتباع الظن، أتبعه ما يتفرع عنه فقال: ﴿ولا تجسسوا﴾ أي تمعنوا في البحث عن العورات ولا يكون ذلك إلا في المستورين.
ولما كانت الغيبة أعم من التجسس، قال: ﴿ولا يغتب﴾ أي يتعمد أن يذكر ﴿بعضكم بعضاً﴾ في غيبته بما يكره، قال القشيري: وليس تحصل الغيبة من الخلق إلا بالغيبة عن الحق، وقال أبو حيان: قال ابن عباس ﵄: الغيبة إدام كلاب الناس.
ولما كان تمزيق عرض الناس كتمزيق أديمهم ولا يكون ذلك ساتر عظمة الذي به قوامه كما أن عرضه ساتر عليه، وكونه لا يرد عن نفسه بسبب غيبته كموته وأعمال الفم والجوف في ذلك كله،
стр. 9511
وكان هذا لو تأمله العاقل كان منه على غاية النفرة، ولكنه لخفائه لا يخطر بباله، جلاه له في قوله تقريراً وتعبيراً بالحب عما هو في غاية الكراهة لما للمغتاب من الشهوة في الغيبة ليكون التصوير بذلك رادّاً له عنها ومكرهاً فيها: ﴿أيحب﴾ وعم بقوله: ﴿أحدكم﴾ وعبر بأن والفعل تصويراً للفعل فقال: ﴿أن يأكل﴾ وزاد في التنفير بجعله في إنسان هو أخ فقال: ﴿لحم أخيه﴾ وأنهى الأمر بقوله: ﴿ميتاً﴾ .
ولما كان الجواب قطعاً: لا يحب أحد ذلك، أشار إليه بما سبب من قوله: ﴿فكرهتموه﴾ أي بسب ما ذكر طبعاً فأولى أن تكرهوا الغيبة المحرمة عقلاً، لأن داعي العقل بصير عالم، وداعي الطبع أعمى جاهل، وقد رتب سبحانه هذه الحكم أبدع ترتيب، فأمر سبحانه بالتثبت. وكان ربما أحدث ضغينة، نهى عن العمل بموجبه من السخرية واللمز والنبز والتمادي مع ما ينشره ذلك من الظنون، فإن أبت النفس إلا تمادياً مع الظن فلا يصل إلى التجسس والبحث عن المعايب، فإن حصل الاطلاع عليها كف عن ذكرها، وسعى في سترها، وفعل ذلك كله لخوف الله، لا شيء غيره، فإن وقع في شيء من ذلك بادر المتاب رجاء الثواب.
стр. 9512
ولما كان التقدير: فاتركوه بسبب كراهتهم لما صورته، عطف عليه ما دل على العلة العظمى وهي خوف الله تعالى فقال: ﴿واتقوا الله﴾ أي اجعلوا بينكم وبين الملك الأعظم وقاية بترك ذلك وإصلاح ذات البين. ولما كان التقدير: فإن الله يتوب عليكم إن تركتموه، علله بما دل على أن ذلك صفة له متكررة التعلق فقال: ﴿إن الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿تواب﴾ أي مكرر للتوبة، وهي الرجوع عن المعصية إلى ما كان قبلها من معاملة التائب وإن كرر الذنب، فلا ييأس أحد وإن كثرت ذنوبه وعظمت ﴿رحيم *﴾ يزيده على ذلك أن يكرمه غاية الإكرام.
ولما ذكر سبحانه الأخوة الدينية تذكيراً بالعاطف الموجب للإكرام، المانع من الانتقام، ونهى عن أمور يجر إليها الإعجاب بالنفس من جهة التعظيم بالآباء والعراقة في النسب العالي، أسقط ذلك مبيناً أن لا نسب إلا ما يثمره الإيمان الي بدأ به من التقوى، وعبر بما يدل على الذبذبة والاضطراب إشارة إلى سفول رتبة من افتخر بالنسب، وإلى أن من لم يتعظ بما مضى فيعلو عن رتبة الذين آمنوا فقد سفل سفولاً عظيماً: ﴿يا أيها الناس﴾ أي كافة المؤمن وغيره ﴿إنا﴾ على عظمتنا وقدرتنا ﴿خلقناكم﴾ أي أوجدناكم عن العدم
стр. 9513
على ما أنتم عليه من المقادير في صوركم وما أنتم عليه من التشعب الذي يفوت الحصر، وأخرجنا كل واحد منكم ﴿من ذكر﴾ هو المقصود بالعزم والقوة ﴿وأنثى﴾ هي موضع الضعف والراحة، لا مزية لأحد منكم في ذلك على آخر، ولا فخر في نسب.
ولما كان تفضيلهم إلى فرق لكل منهما تعرف به أمراً باهراً، عبر فيه بنون العظمة فقال: ﴿وجعلناكم﴾ أي بعظمتنا ﴿شعوباً﴾ تتشعب من أصل واحد، جمع شعب بالفتح وهو الطبقة الأولى من الطبقات الست من طبقات النسب التي عليها العرب ﴿وقبائل﴾ تحت الشعوب، وعمائر تحت القبائل، وبطوناً تحت العمائر، وأفخاذاً تحت البطون، وفصائل تحت الأفخاذ، والعشائر تحت الفصائل، خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصيّ بطن، وعبد مناف فخذ، وهاشم فصيلة، والعباس عشيرة، قال البغوي: وليس بعد العشيرة حي يوصف به - انتهى. واقتصر على الأولين لأنهما أقصى ما يسهل على الآدمي معرفته فما دونه أولى، ثم ذكر علة التشعب ليوقف عندها فقال: ﴿لتعارفوا﴾ أي ليعرف الإنسان من يقاربه في النسب ليصل من رحمه ما يحق له، لا لتواصفوا وتفاخروا.
ولما كانت فائدة التفاخر بالتواصف عندهم الإكرام لمن كان
стр. 9514
أفخر، فكانت الآية السالفة التي ترتبت عليها هذه آمرة بالتقوى كان التقدير: فتتقوا الله في أقاربكم وذوي أرحامكم، فقال مبطلاً للتفاخر بالأنساب معللاً لما أرشد إلى تقديره السياق مؤكداً لأجل ما عندهم من أن الكرم إنما هو بالنسب: ﴿إن أكرمكم﴾ أيها المتفاخرون ﴿عند الله﴾ أي الملك الذي لا أمر لأحد معه ولا كريم إلا من أكرمكم بكرمه ولا كمال لأحد سواه ﴿أتقاكم﴾ فذلك هو الذكر الذي يصح أصله باقتدائه بأبيه آدم ﵇ فلم يمل إلى الأنوثة وإن كان أدناكم نسباً ولذلك أكده، وهذا معنى قوله ﷺ : «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا» أي علموا بأن كانت لهم ملكة الفقه فعملوا بما عملوا كما قال الحسن ﵀: إنما الفقيه العامل بعلمه. وقد تقدم أن هذا هو المراد بقوله تعال: ﴿هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ [الزمر: ٩] لما دل عليه سياقها وسباقها، والأتقى لا يفتخر على غيره لأنه لا يعتقد أنه أتقى، قال الرازي في اللوامع: أكرم الكرم التقوى، وهو مجمع الفضائل الإنسانية، وألأم اللؤم الفجور، وذلك أن الكرم اسم للأفعال المحمودة، وهذه الأفعال إنما تكون محمودة إذا كانت عن علم، وقصد بها الله، وهذا هو التقوى، فليس التقوى إلا العلم وتحري الأفعال المحمودة - انتهى. وذلك لأن التقوى تثبت الكمالات وتنفي النقائص فيصير
стр. 9515
صاحبها بشرياً ملكياً.
ولما كان هذا مركوزاً في طبائعهم مغروزاً في جبلاتهم متوارثاً عندهم أن الفخر إنما هو بالأنساب، وأن الكريم إنما هو من طاب أصله، وكان قلع ذلك من نفوسهم فيما أجرى به سبحانه العادة في دار الأسباب يتوقف على تأكيد، أكد سبحانه معللاً قوله لإخباره بالأكرم: ﴿إن الله﴾ أي المحيط علماً وقدرة ﴿عليم﴾ أي بالغ العلم بالظواهر ﴿خبير *﴾ محيط العلم بالبواطن والسرائر أيضاً، روى البغوي بسند من طريق عبد الله بن حميد عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ طاف يوم الفتح على راحلته ليستلم الأركان بمحجنه، فملا خرج لم يجد مناخاً فنزل على أيدي الرجال، ثم قام فخطبهم ثم حمد الله وأثنى عليه وقال:
«الحمد لله الذي أذهب عنكم عبية الجاهلية وتكبرها بآبائها، إنما الناس رجلان: برّ تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله - ثم تلا» يا أيها الناس «الآية، ثم قال: أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم» وأخرجه أبو داود والترمذي وحسنة والبيهقي - قال المنذري، بإسناد حسن، واللفظ له - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال قال: «إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، الناس بنو آدم وآدم من تراب، مؤمن تقي وفاجر شقي، لينتهين أقوام يفتخرون
стр. 9516
برجال إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها» .
ولما أمر سبحانه بإجلال رسوله ﷺ وإعظامه، ونهى عن أذاه في نفسه أو في أمته، ونهى عن التفاخر الذي هـ وسبب التقاطع والتداحر، وختم بصفتة الخبر، دل عليها بقوله مشيراً إلى أنه لا يعتد بشيء مما أمر به أو نهى عنه إلا مع الإخلاص فقال: ﴿قالت الأعراب﴾ أي أهل البادية من بني أسد وغيرهم الذين هم معدن الغلظة والجفاء الذين تقدم تأديبهم في سورة محمد، وألحق التاء في فعلهم إشارة إلى ضعفهم في العزائم، قال ابن برجان: هم قوم شهدوا شهادة الحق وهم لا يعلمون ما شهدوا به غير أن أنفسهم ليست تنازعهم إلى التكذيب: ﴿آمنا﴾ أي بجميع ما جئت به فامتثلنا ما أمرنا به في هذه السورة ولنا النسب الخالص، فنحن أشرف من غيرنا من أهل المدر.
ولما كان الإيمان التصديق بالقلب فلا اطلاع عليه لآدمي إلا بإطلاعه سبحانه فكانوا كاذبين في دعواه، قال: ﴿قل﴾ أي تكذيباً لهم مع مراعاة الأدب في عدم التصريح بالتكذيب: ﴿لم تؤمنوا﴾ أي لم تصدق قلوبكم لأنكم لو أمنتم لم تمنوا بإيمانكم لأن الإيمان التصديق بجميع
стр. 9517
ما لله من الكمال الذي منه أنه لولا منه بالهداية لم يحصل الإيمان، فله ولرسوله - الذي كان ذلك على يديه - المن والفضل.
ولما كان التقدير ما كان الأصل في أن يكون الرد به وهو: فلا تقولوا: آمنا، فإنه كذب، وعدل عنه للاحتراز عن النهي عن القول بالإيمان، عطف عليه قوله: ﴿ولكن قولوا﴾ لأنكم أسلمتم للدنيا لا للدين، وعدل عنه لئلا تكون شهادة لهم بالإسلام في الجملة: ﴿أسلمنا﴾ أي أظهرنا الانقياد في الظاهر للأحكام الظاهرة فأمنا من أن نكون حزباً للمؤمنين وعوناً للمشركين، يقول: أسلم الرجل - إذا دخل في السلم، كما يقال: أشتى - إذا دخل في الشتاء، ولم يقل: ولكن أسلمتم، لما فيه من الشهادة لهم بالإسلام الملازم للإيمان المنفي عنه، فكان يكون تناقضاً، والآية من الاحتباك: نفي الإيمان الشرعي أولاً يدل على إثبات الإسلام اللغوي ثانياً، والأمر بالقول بالإسلام ثانياً يدل على النهي عن القول بالإيمان أولاً.
ولما كانت «لم» غير مستغرقة، عطف عليها ما يستغرق ما مضى من الزمان كله ليكون الحكم بعدم إيمانهم مكتنفاً بأمرهم بالاقتصاد على الإخبار بإسلامهم، فقال معلماً بأن ما يجتهدون في إخفائه منكشف لديه «ألا يعلم من خلق» . ﴿ولما يدخل﴾ أي إلى هذا الوقت
стр. 9518
﴿الإيمان﴾ أي المعرفة التامة ﴿في قلوبكم﴾ فلا يعد إقرار اللسان إيماناً إلا بمواطأة القلب، فعصيتم الله ورسوله ﷺ وأحبطتم أعمالكم، والتعبير ب «لما» يفهم أنهم آمنوا بعد ذلك، ويجوز أن يكون المراد بهذا النفي نفي التمكن في القلب، لا نفي مطلق الدخول بدليل ﴿إنما المؤمنون﴾ دون ﴿إنما الذين آمنوا﴾ .
ولما كان التقدير: فإن تؤمنوا يعلم الله ذلك من قلوبكم غنياً عن قولكم، عطف عليه قوله ترغيباً لهم في التوبة: ﴿وإن تطيعوا الله﴾ أي الملك الذي من خالفه لم يأمن عقوبته ﴿ورسوله﴾ الذي طاعته من طاعته على ما أنتم عليه من الأمر الظاهري فتؤمن قلوبكم ﴿لا يلتكم﴾ أي ينقصكم ويبخسكم من لاته يليته، وهي لغة أهل الحجاز، وقرأ البصريان: يألتكم من الألت وهو النقص أيضاً، وهي لغة أسد وغطفان، وهما المخاطبون بهذه الآية المعاتبون بها، قال أبو حيان: قال مجاهد: نزلت في بني أسد بن خزيمة - انتهى. فلذلك اختار أبو عمرو القراءة بها، وعدل عن لغة الحجاز ﴿من أعمالكم شيئاً﴾ فلا حاجة إلى إخباركم عن إيمانكم بغير ما يدل عليه من الأقوال والأفعال، قال ابن برجان: فعموم الناس وأكثر أهل الغفلة مسلمون غير مؤمنين، فإن يعلموا علم ما شهدوا وعقدوا عليه عقداً علماً ويقيناً لهم المؤمنون. وفي الآية احتباك من
стр. 9519
وجه آخر: ذكر عدم الإيمان أولاً دليلاً على إثباته ثانياً، وذكر توفير الأعمال ثانياً دليلاً على بخسها أو إحباطها أولاً، وسره أنه نفى أساس الخير أولاً ورغب في الطاعة بحفظ ما تعبوا عليه من الأعما ثانياً.
ولما كان الإنسان مبنياً على النقصان، فلو وكل إلى عمله هلك، ولذهب عمله فيما يعتريه من النقص، قال مستعطفاً لهم إلى التوبة، مؤكداً تنبيهاً على أنه مما يحق تأكيده لأن الخلائق لا يفعلون مثله: ﴿إن الله﴾ أي الذي له صفات الكمال ﴿غفور﴾ أي ستور للهفوات والزلات لمن تاب وصحت نيته، ولغيره إذا أراد، فلا عتاب ولا عقاب ﴿رحيم *﴾ أي يزيد على الستر عظيم الإكرام.
стр. 9520
ولما نفى عنهم الإيمان، وكان ربما غلط شخص في نفسه فظن أنه مؤمن، وليس كذلك، أخبر بالمؤمن على سبيل الحصر ذاكراً أمارته الظاهرة الباطنة، وهي أمهات الفضائل: العلم والعفة والشجاعة، فقال جواباً لمن قال: فمن الذي آمن؟ عادلاً عن جوابه إلى وصف الراسخ ترغيباً في الاتصاف بوصفه وإيذاناً بأن المخبر عن نفسه بآية إيمانه لا يريد إلا أنه راسخ: ﴿إنما المؤمنون﴾ أي العريقون في الإيمان الذي هو حياة القلوب، قال القشيري: والقلوب لا تحيا إلا بعد ذبح النفوس،
стр. 9521
والنفوس لا تموت ولكنها تعيش ﴿الذين آمنوا﴾ أي صدقوا معترفين ﴿بالله﴾ معتقدين جميع ما له من صفات الكمال ﴿ورسوله﴾ شاهدين برسالته، وهذا هو المعرفة التي هي العلم، وغايتها الحكمة، وهذا الإثبات هنا يدل على أن المنفي فيما قيل الكمال لا المطلق، وإلا لقال «إنما الذين آمنوا» .
ولما كان هذا عظيماً والثبات عليه أعظم، وهو عين الحكمة، أشار إلى عظيم مزية الثبات بقوله: ﴿ثم﴾ أي بعد امتطاء هذه الرتبة العظيمة ﴿لم يرتابوا﴾ أي ينازعوا الفطرة الأولى في تعمد التسبب إلى الشك ولم يوقعوا الشك في وقت من الأوقات الكائنة بعد الإيمان، فلا يزال على تطاوله الأمنة وحصول الفتن وصفهم بعد الريب غضاً جديداً، ولعله عبر بصيغة الافتعال إشارة إلى العفو عن حديث النفس الذي لا يستطيع الإنسان دفع أصله ويكرهه غاية الكراهة ويجتهد في دفعه، فإذا أنفس المذموم المشي معه والمطاولة منه حتى يستحكم.
ولما ذكر الأمارة الباطنة على وجه جامع لجميع العبادات المالية والبدنية قال: ﴿وجاهدوا﴾ أي أوقعوا الجهاد بكل ما ينبغي أن تجهد النفس فيه تصديقاً لما ادعوه بألسنتهم من الإيمان ﴿بأموالهم﴾ وذلك هو العفة ﴿وأنفسهم﴾ أعم من النية وغيرها، وذلك هو
стр. 9522
الشجاعة، وقدم الأموال لقلتها في ذلك الزمان عند العرب ﴿في سبيل الله﴾ أي طريق الملك الأعظم بقتال الكفار وغيره من سائر العبادات المحتاجة إلى المال والنفس لا الذين يتخلفون ويقولون: شغلتنا أموالنا وأهلونا، قال القشيري: جعل الله الإيمان مشروطاً بخصال ذكرها، وذكر بلفظ «إنما» وهي للتحقيق، تقتضي الطرد والعكس، فمن أفرد الإيمان عن شرائطه التي جعلها له فمردود عليه قوله، والإيمان للعبد الأمان، فإيمان لا يوجب الأمان لصاحبه فخلافه أولى به.
ولما عرف بهم بذكر أمارتهم على سبيل الحصر، أنتج ذلك حصراً آخر قطعاً لأطماع المدعين على وجه أثنى عليهم فيه بما تعظم المدحة به عندهم ترغيباً في مثل حالهم فقال: ﴿أولئك﴾ أي العالو الرتبة الذين حصل لهم استواء الأخلاق والعدل في الدين بجميع أمهات الأخلاق ﴿هم﴾ أي خاصة ﴿الصادقون *﴾ قالاً وحالاً وفعالاً، وأما غيرهم فكاذب.
ولما كانوا كأنهم يقولون: نحن كذلك، أمره ﷺ بالإنكار عليهم والتوبيخ لهم دلالة على ما أشار إليه ختام الآية إحاطة علمه الذي تميز به الصادق من غيره من جميع الخلق فقال:
стр. 9523
﴿قل﴾ أي لهؤلاء الأعراب مجهلاً لهم مبكتاً: ﴿أتعلمون﴾ أي أتخبرون إخباراً عظيماً بلغياً، كأنهم لما آمنوا كان ذلك إعلاماً منهم، فلما قالوا آمنا كان ذلك تكريراً، فكان في صورة التعليم، فبكتهم بذلك ﴿الله﴾ أي الملك الأعظم المحيط قدرة وعلماً ﴿بدينكم﴾ فلذلك تقولون: آمنا، ففي ذلك نوع بشرى لهم لأنه أوجد لهم ديناً وأضافه إليهم - قاله ابن برجان. ولما أنكر عليهم وبكتهم وصل به ما يشهد له فقال: ﴿والله﴾ أي والحال أن الملك المحيط بكل شيء ﴿يعلم ما في السماوات﴾ كلها على عظمها وكثرة ما فيها ومن فيها. ولما كان في سياق الرد عليهم والتبكيت لهم كان موضع التأكيد فقال: ﴿وما في الأرض﴾ كذلك.
ولما كان المقام للتعميم، أظهر ولم يضمر لئلا يوهم الاختصاص بما ذكر من الخلق فقال: ﴿والله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة ﴿بكل شيء﴾ أي مما ذكر ومما لم يذكر ﴿عليم *﴾ .
ولما كان قولهم هذا صورته صورة المنة، قال مترجماً له مبكتاً لهم عليه معبراً بالمضارع تصويراً لحاله في شناعته: ﴿يمنون عليك﴾ أي يذكرون ذكر من اصطنع عندك صنيعة وأسدى إليك نعمة، إنما فعلها لحاجتك إليها لا لقصد الثواب عليها، لأن المن هو القطع - قال في الكشاف: لأنه إنما يسديها إليه ليقطع بها حاجته لا غير، من
стр. 9524
غير أن يعمد لطلب مثوبة، ثم يقال: من عليه ضيعة - إذا اعتده عليه منة وإنعاماً. ولما كان الإسلام ظاهراً في الدين الذي هو الانقياد بالظاهر مع إذعان الباطن لم يعبر به، وقال: ﴿إن أسلموا﴾ أي أوقعوا الانقياد للأحكام في الظاهر.
ولما كان المن هو القطع من العطاء الذي لا يراد عليه جزاء، قال: ﴿قل﴾ أي في جواب قولهم هذا: ﴿لا تمنوا﴾ معبراً بما من المن إشارة إلى أن الإسلام لا يطلب جزاؤه إلا من الله، فلا ينبغي عده صنيعة على أحد، فإن ذلك يفسده ﴿عليّ إسلامكم﴾ لو فرض أنكم كنتم مسلمين أي متدينين بدين الإسلام الذي هو انقياد الظاهر مع إذعان الباطن، أي لا تذكروه على وجه الامتنان أصلاً، فالفعل وهو ﴿تمنوا﴾ مضمن «تذكروا» نفسه لا معناه كما تقدم في ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ ﴿بل الله﴾ أي الملك الأعظم الذي له المنة على كل موجود ولا منة عليه بوجه ﴿يمن عليكم﴾ أي يذكر أنه أسدى إليكم نعمه ظاهرة وباطنة منها ما هو ﴿أن﴾ أي بأن ﴿هداكم للإيمان﴾ أي بينة لكم أو وفقكم للاهتداء وهو تصديق الباطن مع الانقياد بالظاهر، والتعبير عن هذا بالمن أحق مواضعه، فإنه سبحانه غير محتاج إلى عمل فإنه لا نفع يلحقه ولا ضر، وإنما طلب الأعمال لنفع العاملين أنفسهم، ومن عليهم بأن أرسل رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 9525
فبين لهم فكذبوه بأجمعهم، فلم يزل يقويه حتى أظهر فيه آية مجده وأظهر دينه على الدين كله، ودخل فيه الناس طوعاً وكرهاً على وجوه من المجد يعرفها من استحضر السيرة ولا سيما من عرف أمر بني أسد وغطفان الذين نزلت فيهم هذه الآيات، وكيف كان حالهم في غزوة خيبر وغيره.
ولما كان المراد بهذا تجهيلهم وتعليمهم حقائق الأمور، لا الشهادة لهم بالهداية، قال منبهاً على ذلك: ﴿إن كنتم﴾ أي كوناً أنتم عريقون فيه ﴿صادقين *﴾ في ادعائكم ذلك، فإنه على تقدير الصدق إنما هو بتوفيق الله وهو الذي خلق لكم قدرة الطاعة، فهو الفاعل في الحقيقة فله المنة عليكم، قال الأستاذ أبو القاسم القشيري: من لاحظ شيئاً من أعماله وأحواله فإن رآها دون نفسه كان شركاً، وإن رآها لنفسه كان مكراً، فكيف يمن العبد بما هو شرك أو مكر، والذي يجب عليه قبول المنة كيف يرى لنفسه على غيره منة، هذا لعمري فضيحة، والمنة تكدر الصنيعة، إذا كانت من المخلوقين، وبالمنة تطيب النعمة إذا كانت من قبل الله.
ولما نفى عنهم ما هو باطن، وختم جدالهم سبحانه بهذه الشرطية، فكان ربما توهم قاصر النظر جامد الفكر عدم العلم بما هو عليه، أزال
следующие страницы →