Полный текст (11 765 стр.). Показаны 9731–9770 · переход к 9736.
стр. 9731
نزل بالحزن قال: ﴿ولا تبكون *﴾ أي كما هو حق من يسمعه.
ولما كان البكاء قد يكون على التقصير في العمل، بين أن الأمر أخطر من ذلك فقال: ﴿وأنتم﴾ أي والحال أنكم في حال بكائكم ﴿سامدون *﴾ أي دائبون في العمل جاهدون في العمل، فإن الأمر جد، فالدأب في العمل والجد فيه حينئذ علة للبكاء، فكأنه قيل: ولا تدأبون في العمل فتبكون، وإنما قلت ذلك لأن «سمد» معناه دأب في العمل ورفع رأسه تكبراً وعلاً، وسمد الإبل: جد في السير، وسار سيراً شديداً، واسمادّ: ورم، وسمد: قام متحيراً وحزن وسر وغفل ولهاً وقام وحصل ونام واهتم وتكبر وتحير وبطر وأشر، وسمد الأرض: سهلها، وأيضاً جعل فيها السماد، أي السرقين، والشعر: استأصله، وهو لك سمداً أي سرمداً، والسميد: الحواري، ذكر ذلك مبسوطاً القزاز في جامعه وصاحب القاموس.
فالمادة كما ترى تدور على انتشارها على الدأب في العمل فتارة بذكر مبدئه الباعث عليه، وتارة الناشئ عنه، وتارة ما بينهما، وهو الجد في العمل، فينطلق الاسم على كل من ذلك تارة حقيقة ومرة بمجاز الأول، وأخرى بمجاز الكون، فالقصد باعث، وكذا الاهتمام والقيام ورفع الرأس ناشئان عنهما، وذلك أوله، والسدم بمعنى احرص والهم واللهج بالشيء، والسديم: الضباب الرقيق، هو مبدأ الكشف، والمسدم: البعير المهمل وما دبر ظهره، كأنه من الإزالة، وركية سدم: متدفقة - للمعالجة في فتحها، ولأن تدفقها دأب في العمل، وكذا سدم الباب أي ردمه، والدسم: الودك، لأنه منشط على العمل ومنشأ
стр. 9732
منه، والوضر والدنس، ودسم المطر الأرض: بلها قليلاً، لأنه مبدأ الكثير، والقارورة: سدها، والباب: أغلقه، لأنه يعالج في فتحه، والدسمة: غبرة إلى السواد - كأنه مبدأ السواد والدسيم لما لم يكن أبواه من نوع واحد - كأنه مبدأ لكل نوع منهما ولأنه يلزم الخلط في العادة العلاج، ومنه الدسمة للرديء من الرجال - كأنه لم يكمل فيه النوع، ولأن نقص الشيء عن عادته يلزمه العلاج والفعل بالاختيار، والديسم: الرفيق بالعمل المشفق، وأنا على دسم من الأمر أي طرف منه، والمسد - محركة: المحور من الحديد، لأنه آلة الفتل، وحبل من الليف أو ليف المقل لأنه محل الدأب، والمساد: نحى السمن، ودمسه: دفنه، يصلح أن يكون مبدأ ومقصداً، ومنه دمس بينهم: أصلح لأنه دفن أحقادهم وعالج في ذلك، والدمس: إخفاء الشيء والظلام، لأنه منشئ التعب، ودمس الموضع: درس - للتعب في معرفته، ودمس الإهاب: غطاه فيمشط شعره، والدمس: الشخص، وبالتحريك: ما غطى، والدودمس بالضم: حية مجر نفشة الغلاصيم تنفخ فتحرق ما أصابت بنفخها، ومن آثاره الناشئة عن الورم، وكذ القيام متحيراً والغفلة والسرور والحزن واللهو والنوم والكبر والتبختر والعلو والعتا، والسميد أي الحواري، والسمد بمعنى السرمد: والسمد: الهم مع ندم أو الغيظ مع حزن، والديماس: الكن، وما بين ذلك سمد الأرض والشعر والسير الشديد والجد فيه، وهو نفس الدأب، وكذا السديم للكثير الذكر، وماء مسدم وعاشق مسدم: شديد العشق، والدسيم: ظلمة السواد، والدسيم، الكثير الذكر، ودسم البعير: طلاه بالحناء - والمسد:
стр. 9733
إداب السير - وبالتحريك: المضفور المحكم الفتل، ورجل ممسود: مجدول الخلق - شبه به - وهي بها، ودمس بينهم: أصلح، وهو من الدفن أيضاً لأنه دفن أحقادهم فنبين أن جعل السمود في الآية بمعنى الدأب في العمل هو الأولى، وأن كون الجملة حالاً من جعلها معطوفة على ﴿تضحكون﴾ - انتهى والله أعلم.
ولما حث على السمود، فسره مسبباً عن الاستفهام ومدخوله قوله: ﴿فاسجدوا﴾ أي اخضعوا خضوعاً كثيراً بالسجود الذي في الصلاة ﴿لله﴾ أي الملك الأعظم ﴿واعبدوا *﴾ أي بكل أنواع العبادة فإنه ﴿ما ضل صاحبكم﴾ عن الأمر بذلك ﴿وما غوى﴾ قال الرازي في اللوامع: قال الإمام محمد بن علي الترمذي: تعبدنا ربنا مخلصين أن نكون له كالعبيد وأن يكون لعبيده كما هو لهم - انتهى، ولو كان السمود بمعنى اللهو كان الأنسب تقديمه على ﴿تبكون﴾ - والله أعلم، وقد ظهر أن آخرها نتيجة أولها، ومفصلها ثمرة موصلها - والله الهادي.
стр. 9734
سورة القمر
مقصودها بيان آخر النجم في أمر الساعة من تحققها وشدة قربها وتصنيفرآن والضحك والبكاء والعمل - إلى طالب علم مهتد به، وإلى متبع نفسه هواها وشهواتها ضال بإهمالها فهو خائب، وذلك لأنه سبحانه وعد بذلك بإخبار نبيه ﷺ وتحقق صدقه بما أيده به من آياته التي ثبت بها اقتداره على ما يريد من الإيجاد الإعدام، فثبت تفرده بالملك وأيد اقترابها بالتاثير في آية الليل بما يدل على الاقتدار على نقض السماوات المستلزم لإهلاك. .. فإن ذلك. .. بأنه ما بقي يدل على الاقتدار على نقض السماوات المستلزم لإهلاك. . فإن ذلك. .. بأنه ما بقي إلا تأثير آية النهار وعندما يكون طي الانتشار وعموم البوار المؤذن بالإحضار لدى الواحد القهار، وأدل ما فيها على هذا الغرض كله أول آياتها، فلذلك سميت بما تضمنته من الاقتراب المنجم به النجم بالإشارة لا بالعبارة، ولم تسم بالانشقاق لأنه إذا أطلق انصرف إلى الأتم، فالسماء أحق به) بسم الله (الذي أحاط علمه فتمت قدرته) الرحمن (الذي وسعت رحمته كل شيء فعمت الشقي والسعيد) الرحيم (الذي خص بإتمام النعمة من اصطفاه فأسعدتهم رحمته.
стр. 9735
لما ختمت النجم بالتهديد باقتراب القيامة التي ينكرونها بعد أن
стр. 9736
فتحها بالأقسام البلس (؟) في النجم الذي هو أعم من القمر وغيره بتسييره طلوعاً وأفولاً وصعوداً وهبوطاً، افتتح هذه بذلك مع الدلالة عليه عقلاً وسمعاً في التأثير في أعظم آيات الله وغير ذلك ليقطع العباد عن الفساد، ويستعدوا لها قبل مجيئها أحسن استعداد، فقال دالا على عظيم اقتداره عليها بتأنيث فعلها: ﴿اقتربت الساعة﴾ اشتدت قرباً الساعة: اللحظة التي لا ساعة في الحقيقة غيرها التي تقوم فيها القيامة لأنه قل ما بقي بيننا وبينها بالنسبة إلى ما مضى من زمن آدم ﵇ لبعث خاتم الأنبياء الذي لم يبق بعد أمته أمة تنتظر، فيكون في الزمان مهلة لذلك.
ولما كان الإخبار باقترابها يحتاج عند المعاند إلى آية دالة عليه، وكانت الآيات السماوية أعظم، فالتأثير فيها أدل على تمام الاقتدار، وكان القمر أدل على الأنواء التي بها منافع الخلق في معاشهم، وكانت العرب أعرف الناس بها، دلهم على التأثير فيه على اقترابها مع الإرهاب من شدائد العذاب بإعدام الأسباب فقال: ﴿وانشق﴾ بغاية السرعة والسهولة ﴿القمر *﴾ آية للرسول المنذر لكم بها، فكان انشقاقه - مع الدلالة على ذلك بإعجاز القرآن وغيره - دالاً على كونها وقربها أيضاً بالتأثير العظيم الخارق لعادة ما قبله من التأثير في أحد النيرين اللذين هما أعظم الأسباب المقامة للمعايش الدال على القدرة على التأثير في الآخرة الدال ذلك على القدرة على تمام التصرف فيهما من جمعهما وخسفهما واعتدامهما ولسببهما (؟) الذي هو من أسباب خراب الأرض، يقول الإنسان عنده: أين المفر؟ المؤذن بطيّ العالم المعلم بأن له رباً فاعلاً بالاختيار مدبراً بالحكم
стр. 9737
الدال على بعث عباده ليحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، فيثيب من تابع رسله ويعاقب من خالفهم، وانشقاق القمر على حقيقته في زمان النبي ﷺ أمر شهير جداً، وإجماع أهل التفسير عليه كما قاله القشيري، وقال: رواه ابن مسعود رضي الله عنده ولا مخالف له فيه - انتهى. وذلك أن قريشاً سألوا النبي ﷺ أن يريهم آية «فأراهم انشاق القمر بحيث طلعت فرقة عن يمين حراء وأخرى عن يساره» - رواه الشيخان عن ابن مسعود وأنس ﵄، ومعلوم أن الأمة تلقت كتابيهما بالقبول فهو يكاد يلحق بالمتواتر وقد أيده القرآن فلم يبق فيه شك، قال القشيري: وروى أيضاً ابن عمر وحذيفة وابن عباس وجبير بن مطعم ﵃، وقال أبو حيان: سبب نزولها أن مشركي العرب من قريش قالوا للنبي ﷺ : إن كنت صادقاً فشق لنا القمر فرقتين، ووعدوه بالإيمان إن فعل ذلك، وكانت ليلة البدر فسأل ربه فانشق - انتهى، ومن قال: المراد به «سينشق» يحتاج في صرف الماضي عن حقيقته إلى المستقبل إلى صارف وأنى له ذلك ولا سيما وقد تأيدت الحقيقة بالنسبة الصحيحة الشهيرة.
وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير: لما أعلمهم سبحانه بأن إليه المنتهى، وأن عليه النشأة الأخرى، وإذا ذاك يقع جزاء كل نفس بما أسلفت، أعلمهم سبحانه بقرب ذلك وحسابه ليزدجر من وفقه للازدجار فقال تعالى: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾ ثم إن سورة ص تضمنت من عناد
стр. 9738
المشركين وسوء حالهم وتوبيخهم في عبادتهم ما لا يضر ولا ينفع ما يكاد يوجد في غيرها مما تقدمها، وبعد التنبيه في السورة قبلها والتحريك بآيات لا يتوقف عنها إلا من أضله الله وخذله، وأثبتت السورة بعد على تمهيد ما تضمنته سورة ص فلم يخل سورة منها من توبيخهم وتقريعهم لقوله في الزمر ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣] وقوله: ﴿لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء﴾ [الزمر: ٤] وقوله: ﴿قل الله أعبد مخلصاً له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه﴾ [الزمر: ١٤] وقوله مثلاً لحالهم: ﴿ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون﴾ [الزمر: ٢٩] الآية إلى ما بعد من التقريع والتوبيخ، وقوله في سورة غافر: ﴿ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد﴾ [غافر: ٤] وقوله: ﴿ذلكم بأنه إذ دعى الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله﴾ [غافر: ١٢] وقوله: ﴿أفلم يسيروا في الأرض﴾ [غافر: ٢١ - ٨٢] الآية، وقوله: ﴿إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه﴾ [غافر: ٥٦] وقوله: ﴿ألم تر إلى الذين يجادلون في أيات الله أنى يصرفون﴾ [غافر: ٦٩] ﴿الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون﴾ [غافر: ٧٠] إلى قوله: ﴿فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون﴾ [غافر: ٧٧] وقوله: ﴿أو لم يسيروا في الأرض﴾ [غافر: ٨٢] إلى ما تخلل هذه الآيات، وقوله في فصلت ﴿فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون وقالوا قلوبنا في أكنة﴾ [فصلت: ٥] ﴿وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه﴾ [فصلت: ٢٦] ﴿إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا﴾ [فصلت: ٤٠ - ٤٤] إلى قوله: ﴿أولئك ينادون من مكان بعيد﴾ [فصلت: ٤٠ - ٤٤] وقوله: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق
стр. 9739
وفي أنفسهم﴾ [فصلت: ٥٣] إلى آخر السورة، وقوله في الشورى: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل﴾ [الشورى: ٦] ﴿كبر على المشركين ما تدعوهم إليه والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم﴾ [الشورى: ١٣] الآية ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ [الشورى: ٢١] الآية ﴿فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ﴾
[الشورى: ٤٨] وقوله في الزخرف: ﴿أفنضرب عنكم الذكر صفحاً﴾ [الزخرف: ٥] الآية، ﴿وجعلوا له من عباده جزءاً﴾ [الزخرف: ١٥] إلى ما تردد في هذه السورة مما قرعوا به أشد التقريع، وتكرر في آيات كثيرة فتأملها مثل قوله تعالى في الدخان ﴿بل هم في شك يلعبون﴾ [الدخان: ٩] إلى قوله: ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون﴾ [الدخان: ١٦] وقوله: ﴿إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين﴾ [الدخان: ٤٠] إلى قوله هذا ﴿ما كنتم به تمترون﴾ [الدخان: ٥٠] وقوله في الأعراف: ﴿فبأيّ حديث بعده يؤمنون﴾ [الأعراف: ١٨٥] إلى قوله: ﴿والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم﴾ [الجاثية: ١١] وقوله: ﴿أفرءيت من اتخذ إلهه هواه﴾ [الجاثية: ٢٣] إلى آخر السورة، وقوله في الأحقاف: ﴿والذين كفروا عما أنذروا معرضون﴾ [الأحقاف: ٣] ومعظم هذه الآية لم يخرج عن هذا إلى ختامها، وكذلك سورة القتال ولم يتضمن إلا الأمر بقتلهم وأسرهم وتعجيل حربهم ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب﴾ [محمد: ٤] وأما سورة الفتح فما تضمنته من البشارة والفتح أشد على الكفار من كل ما قرعوا به، ولم تخرج عن الغرض المتقدم، وكذا سورة الحجرات لتضمنها من الأمر بتقدير النبي ﷺ وإجلاله ما يقر عين المؤمن ويقتل العدو الحاسد وما فيها
стр. 9740
أيضاً من إتلاف أمر المؤمنين وجمع كلمتهم وتآخيهم، وموقع هذا لا يخفى على أحد، وأما سورة الذاريات والطور والنجم فما تضمنته مما ذكرناه قبل أوضح شيء، وبذلك افتتحت كل سورة منها فتأمل مطالعها ففي ذلك كفاية في الغرض - والله تعالى هو أعمل بالصواب، فلما انتهى ما قصد من تقريع مكذبي رسول الله ﷺ وبلغت الآي في هذه السورة من ذلك أقصى غاية، وتمحض باطلهم وانقطع دابرهم، ولم يحيروا جواباً فيما عرض عليهم سبحانه في سورة القمر من أحوال الأمم مع أنبيائهم، وكان القصد من ذلك - والله أعلم - مجرد التعريف بأنهم ذكروا فكذبوا فأخذوا ليتبين لهؤلاء أن لا فرق بينهم وبين غيرهم وأن لا يغرهم عظيم حلمه سبحانه عنهم، فهذه السورة إعذار عند تبكيتهم وانقطاع حجتهم بما تقدم وبعد أن انتهى الأمر في وعظهم وتنبيههم بكل آية إلى غاية يعجز عنها البشر، ولهذا افتتح سبحانه هذه السورة بقوله تعالى: ﴿ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فما تغن النذر﴾ وختمها سبحانه بقوله: ﴿أكفاركم خير من أولائكم أم لكم براءة في الزبر﴾ وهذا يبين ما قدمنا، وكان قد قيل لهم: أي فرق بينكم وبين من تقدم حتى ترتكبوا مرتكبهم وتظنوا أنكم ستفوزون بعظيم جزائكم، فذكر سبحانه لهم قصة كل أمة وهلاكها عند تكذيبها بأعظم إيجاز وأجزل إيراد وأفخم عبارة وألطف إشارة، فبدأ بقصة قوم نوح بقوله: ﴿كذبت قوم نوح﴾ إلى قوله: ﴿ولقد تركناها آية فهل من مدكر فكيف كان عذابي ونذر﴾ ثم استمر في ذكر الأمم
стр. 9741
مع أنبيائهم حسبنا ذكروا في السورة الوارد فيها إخبارهم من ذكر أمة بعد أمة إلا أن الواقع هنا من قصصهم أوقع في الزجر وأبلغ في الوعظ وأعرق في الإفصاح بسوء منقلبهم وعاقبة تكذيبهم، ثم ختمت كل قصة بقوله: ﴿فكيف كان عذابي ونذر﴾ وتخلل هذه القصص بقوله تعالى: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾ وهي إشارة إلى ارتفاع عذر من تعلق باستصعاب الأمور على زواجره وتنبيهاته ومواعظه ويدعي بعد ذلك واستعلاقه فقيل له إنه ميسر قريب المرام، وهذا فيما يحصل عند التنبيه والتذكير لما عنده بكون الاستجابة بإذن الله تعالى ووراء ذلك من المشكل والمتشابه ما لا يتوقف عليه ما ذكره وحسب عموم المؤمنين الإيمان بجميعه والعمل بمحكمه، ثم يفتح الله تعالى فهم ذلك على من شرفه به وأعلى درجته، فيتبين بحسب ما يشرح الله تعالى صدره ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ ومن تيسر المقصود المتقدم تكرار قصص الأنبياء مع أممهم في عدة سور أيّ حفظ مها اطلع على ما هو كاف في الاعتبار بهم، ثم إذا ضم بعضه إلى بعض اجتمع منه ما لم يكن ليحصل من بعض تلك السورة، فسبحان من جعله حجة باهرة وبرهاناً على صدق الآتي به محمد ﷺ ، وصراطاً مستقيماً ونوراً مبيناً، ولما ذكر سبحانه عواقب الأمم في تكذيبهم قال لمشركي العرب: ﴿أكفاركم خير من أولائكم﴾ ومن هذا النمط قول شعيب ﵇:
﴿ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد﴾ [
стр. 9742
هود: ٨٩] ثم قال تعالى: ﴿أم يقولون نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾ إي إنكم تعلقتم بتألفكم وجماعتكم فسأفرق ذلك بهزيمتكم يوم بدر بقتل صناديدكم فما حجتكم بعد هذا، إنما مساق القصص في هذه السورة واعتماد التعريف بحال من ذكر في أن كذبوا وعاندوا، فأعقب تكذيبهم أخذهم وهلاكهم، ثم تعقب هذا كله بصرف الكلام في مشركي العرب في قوله: ﴿أكفاركم خير من أولائكم﴾ وليس شيء من السور المذكورة فيها قصص على هذا الاستيفاء كالأعراف وهود، وبظاهرهما ليس في شيء من ذلك تعقيب بذكر مشركي العرب على الصفة الواردة هنا، فأنبأ ذلك بكمال المقصود من الوعظ والتحريك بذكره وانقضاء هذا الغرض، وذلك أنهم ذكروا أولاً بعرض أحوال الأمم والتعريف بما آل إليه أمرهم، وكان ذلك في صورة عرض من يريد تأديب طائفة من إليه نظرهم قبل أن يظهر منهم تمرد وعناد، فهو يستلطف في دعائهم ولا يكلمهم تكليم الواجد عليهم، بل يفهم الإشفاق والاستعطاف وإرادة الخير بهم ثم يذكرهم بذلك ويكرره عليهم المرة بعد المرة وإن تخلل ذلك ما يبين منهم فظاعة التهديد وشدة الوعيد، فلا يصحبه تعيين المخاطب وصرف الكلام بالكلية إليه، بل يكون ذلك على طريق التعريض والتوبيخ، ثم لو كان لا يحتقر بما قبله وما بعده من التلطف حتى إذا تكررت الموعظة فلم تقبل، فهنا محل الغضب وشدة الوعيد، وعلى هذا وردت السور المذكور فيها حال الأمم كسورة الأعراف وهود والمؤمنين والظلة والصافات، وما من سورة منها إلا
стр. 9743
والتي بعدها أشد في التعريف وأمل في الزجر بعد التعريف، فتأمل تعقيب القصص في سورة الأعراف بقوله تعالى:
﴿وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون﴾ [الأعراف: ١٧٤] وقوله بعد موعظة بالغة بذكر من حرمه بعد إشرافه عل الفوز وهو الذي أخلد إلى الأرض واتبع هواه فقال بعد ذلك ﴿فاقصص القصص لعلهم يتفكرون﴾ [الأعراف: ١٧٦] وتذكيره إياه لمحنة الغفلة إلى ما ختمت به السورة وذلك غير خاف في التلطف بالموعظة وقال تعالى بعد قصص سورة هود: ﴿وكذلك أخذ ربك﴾ [هود: ١٠٢] الآية، وقال تعالى: ﴿فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء﴾ [هود: ١٠٩]- إلى قوله - ﴿وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص﴾ [هود: ١٠٩] وتكررت الآية إلى آخر السورة يجاري ما ذكر ولم تبق هذه وآي الأعراف في تلطف الاستدعاء، وقال تعالى في قصص آخر سورة المؤمنين: ﴿فذرهم في غمرتهم حتى حين﴾ [المؤمنون: ٥٤]- إلى قوله - ﴿لا يشعرون﴾ [المؤمنون: ٥٦] ثم قال: ﴿ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون﴾ [المؤمنون: ٦٤] استمرت الآي على شدة الوعيد يتلو بعضها بعضاً إلى قوله: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون﴾ [المؤمنون: ١١٥] وقوله تعالى بعد: ﴿إنه لا يفلح الكافرون﴾ [المؤمنون: ١٧] ولم يبين هذه الآي، وبين الواقعة عقب قصص سورة هود، وقال في آخر قصص الظلمة: ﴿وإنه لتنزيل رب العالمين﴾ [الشعراء: ١٩٢] إلى قوله خاتمة السورة: ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾ [الشعراء: ٢٢٧] فوبخهم وعنفهم ونزه نبيه ﷺ عن توهمهم وعظيم إفكهم وافترائهم، وكل هذا تعنيف وإن لم يتقدم له مثله في السورة المذكورة، ثم هو صريح في مشركي العرب معين لهم في غير
стр. 9744
تلويح ولا تعريض، ثم إنه وقع عقب كل قصة في هذه السورة قوله تعالى: ﴿إن في ذلك﴾ وفيه تهديد ووعيد، وقال تعالى في آخر والصافات: ﴿فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون﴾ [الصافات: ١٤٩] وهذا أعظم التوبيخ وأشد التقريع، ثم نزه نبيه سبحانه عن بهتان مقالهم وسوء ارتكابهم وقبح فعالهم، بقوله: ﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون﴾ [الصافات: ١٨٠] فلما أخذوا بكل مأخذ فما أغنى ذلك عنهم قال تعالى في سورة القمر: ﴿ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر﴾ ﴿حكمة بالغة فما تغني النذر﴾ ، ثم قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿فتول عنهم﴾ ولم يقع أمره ﷺ بتركهم والإعراض عنهم والتولي إلى بعد حصول القصص في السورة المذكورة وأخذهم بكل طريق، وأول أمره بذلك ﷺ في سورة السجدة ﴿فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون﴾ ثم في سورة والذريات ﴿فتول عنهم فما أنت بملوم﴾ بأشد وعيد وأعظم تهديد بعقب كل قصة بقوله: ﴿ولقد تركناها آية فهل من مذكر﴾ وقوله: ﴿فكيف كان عذابي ونذر﴾ ثم صرف إليهم بما تقدم قوله: ﴿أكفاركم خير من أولائكم أم لكم براءة في الزبر﴾ فبلغ ذلك أعظم مبلغ في البيان وإعذار، ثم قال تعالى: ﴿وكل شيء فعلوه في الزبر﴾ ففرق سبحانه بسابق حكمته فيهم ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ وانقضى ذكر القصص فلم يتعرض لها مستوفاة على المساق فيما بعد إلى آخر الكتاب - فسبحان من رحم به عباده المتقين وجعله آية وأي
стр. 9745
آية باهرة إلى يوم الدين، وقطع عناد الجاحدين وغائلة المعتدين وجعله بياناً كافياً ونوراً هادياً وواعظاً شافياً - جعلنا الله ممن اهتدى واعتلق بسببه إنه أهل الاستجابة والعفو والمغفرة - انتهى.
стр. 9746
ولما كان التقدير: فأعرض الكفار عن آية انشقاقه وقالوا: سحر، مع علمهم بأنه دال قطعاً على صدق من انشق لتصديقه، عطف عليه الإعلام بحالهم في المستقبل فطماً لمن يطلبه من المؤمنين إجابة مقترحة من مقترحاتهم رجاء إيمانهم فقال: ﴿وإن يروا﴾ أي فيما يأتي ﴿آية﴾ أي أية آية كانت ﴿يعرضوا﴾ أي عن الانتفاع بها كما أن أعرضوا عن هذه لما رأوها، وقال بعضهم: سحر، وقال بعضهم: أمهلوا حتى يجيء السفار، فإن قالوا: إنهم رأوا كما رأيتم فليست بسحر، فإن محمداً لا يستطيع أن يسحر أهل الأرض كلهم، فجاء السفار وشهدوا برؤيته منشقاً، ومع ذلك فلم يؤمنوا ﴿ويقولوا﴾ أي على سبيل التجديد منهم والاستمرار: هذا ﴿سحر﴾ أي هذا الذي يأتينا به هذا الرجل من وادي الخيال الذي لا حقيقة له وهو ﴿مستمر *﴾ أي لأنه فارق السحر بأنه لا ينكشف في الحال لأنه محكم ثابت دائم بشموله وإحاطته بجميع الأنواع، ولذلك يتأثر عنه غاية الخوارق المتباينة الأنواع الكثيرة.
ولما فطم عن التشوف إلى إجابتهم في المقترحات على ما قدرته، تسبب منهم عن الانشقاق بقوله: ﴿وكذبوا﴾ أي بكون الانشقاق دالاً على صدق الرسول ﷺ وجزموا بالتكذيب عناداً
стр. 9747
أو خبثاً منهم. ولما كان التكذيب في نفسه قد يكون حقاً، قال مبيناً أنه باطل، فبين عن حالهم بقوله: ﴿واتبعوا﴾ أي بمعالجة فطرهم الأولى المستقيمة في دعائها إلى التصديق ﴿أهواءهم﴾ أي حتى نابذوا ما دلتهم عليه بعد الفطرة الأولى عقولهم، قال القشيري: إذا حصل اتباع الهوى فمن شؤمه يحصل التكذيب، لأن الله يلبس على قلب صاحبه حتى لا يستبصر الرشد، واتباع الرضى مقرون بالتصديق لأن الله تعالى ببركات الاتباع للحق يفتح عين البصيرة فيأتي بالتصديق - والله الهادي. ولما كان ذلك مفظعاً لقلوب المحقين، سلاهم بالوصول إلى محط تظهر فيه الحقائق وتضمحل فيه الشقاشق، فقال عاطفاً على ما تقديره: فسيستقر أمر كل من أمر المحق والمبطل في قراره، ويطلع على دقائقه وأسراره: ﴿وكل أمر﴾ من أموركم وغيرها ﴿مستقر *﴾ أي ثابت وموجود، انتهاؤه إلى غاية تظهر فيها حقيقته من غير حيلة تصاحبه إلى رد ذلك القرار ولا خفاء على أحد، فلا بد أن ينتهي الحق من كل شيء من الآجال والهدايات والضلالات والسعادات والشقاوات وغيرها إلى نهايته فيثبت ثبوتاً لا زوال له، وينتهي الباطل مما دعاه الخلق فيه إلى غايته فيتلاشى تلاشياً لا ثبات له بوجه من الوجوه، فإذا استقرت الأمور ظهر ما لهم عليه وعلموا الخاسر من الفائز، وفي مثل هذا قال ابن عمرو التيمي أخو القعقاع في وقعة السي (؟) من بلاد العراق:
والموت خيلنا لما التقينا ... بقارن والأمور لها انتهاء
وقرأ أبو جعفر بالجر صفة لأمر، فيكون معطوفاً على الساعة أي واقترب
стр. 9748
كل أمر مستقر أي ثابت وهو الحق أي اقترب الظهور وثباته، وذلك لا يكون إلا وقد كان خفاء الباطل وفواته. ولما حذر وبشر قال معلماً أنه محيط العلم بأمرهم من قبل الإجابه إلى شق القمر وأنه ما شقه لطمع في إيمانهم بلا للأعلام بخذلانهم مؤكداً لمن يتعلق رجاؤه بأن تواتر الآيات ربما أوجب لهم التصديق المتضمن لأن ما جاءهم ليس فيه كفاية: ﴿ولقد جاءهم﴾ من قبيل الانشقاق ﴿من الأنباء﴾ أي الأمور العظيمة المرئية، المسموعة التي تستحق لعظمتها أن يخبر بها إخباراً عظيماً سيما ما جاء في القرآن من تفصيل أصول الدين وفروعه وأخبار الأولين والآخرين والأولى والأخرى ﴿ما فيه﴾ خاصة ﴿مزدجر *﴾ أي موضع للزجر من شأنه أن يكون لهم به انزجار عظيم عما فيه من الباطل، ولكن لم يزدجر منهم إلا من أراد الله، قال القشيري: لأن الله أسبل على أبصارهم سجوف الجهل فعموا عن مواضع الرشد.
ولما كان ما فيه ذلك قد لا يكون محكماً، بينه بقوله: ﴿حكمة﴾ عظيمة ﴿بالغة﴾ أي لها معظم البلوغ إلى منتهى غايات الحكمة لصحتها وطهارتها ووضوحها، ففيها مع الزجر ترجية ومواعظ وأحكام ودقائق تجل عن الوصف. ولما تسبب عنها انزجارهم، سبب عن ذلك قوله: ﴿فما﴾ نفياً صريحاً أو باستفهام إنكاري موبخ ﴿تغن النذر *﴾ الإنذارات والمنذرون والأمور المنذر بها - إنما المعني بذلك هو الله تعالى، فما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن، ولعل الإشارة بإسقاط يا «تغني» بإجماع المصاحف من غير موجب في اللفظ إلى أنه كما سقطت غاية
стр. 9749
أحرف الكلمة سقطت نمرة الإنذار وهو القبول.
ولما كان ﷺ التعلق بطلب نجاتهم، فهو لذلك ربما اشتهى إجابتهم إلى مقترحاتهم، سبب عن ذلك قوله: ﴿فتول عنهم﴾ أي كلف نفسك الإعراض عن ذلك فما عليك إلا البلاغ، وأما الهداية فإلى الله وحده. ولما بين اقتراب الساعة بالإجابة إلى بعض مقترحاتهم القائمة مقامها كلها بدلالته على القدرة عليها، وأتبع ذلك الفطم عن طلب الإجابة إلى شيء فيها لأنها لا تغني شيئاً، تطلعت النفوس الكاملة إلى وصف الساعة فأجاب عن ذلك على سبيل الاستئناف بذكر ظرفها وذكر. . . ما يقع فيه من الأهوال، فقال معلقاً بما تقديره: الساعة كائنة على وجه الاقتراب الشديد: ﴿يوم يدع﴾ ويجوز - والله أعلم - أن يكون الناصب له ﴿تول﴾ لأنهم لما أعرضوا حين دعاهم كان جزاءهم أن يعرض عنهم يوم حاجتهم إليه لأن الجزاء من جنس العمل، فكأنه قيل بعد أن عد القيامة أمراً محققاً لا يأتي النزاع فيه: تول عنهم في ذلك اليوم العبوس الذي أنت فيه الشافع المقبول.
. . واتركهم لأهواله ودواهيه، فقد بان الخاسر فتوليهم إنما يضرهم، لأن توليهم عنك لا يضرك شيئاً أصلاً، وتوليك عنهم يضرهم ضرراً ما بعدهم ضرر - والله أعلم، وحذف واو «يدعو» للرسم بإجماع المصاحف من غير موجب لأن المقام لبيان اقترابها، فكأنه إشارة إلى كونها بأدنى دعاء، وأيضاً ففي حذفه تشبيه للخبر بالأمر إشارة إلى أن هذا الدعاء لا بد على أن يكون على أعظم وجه وأتقنه وأهوله وأمكنه كما يكون كل مأمور من الأمر المطاع، والوقف على هذا وأمثاله
стр. 9750
بغير واو لجميع القراء موافقة للرسم لأن القاعدة أن ما كان فيها رواية أتبعت وإن خالفت الرسم أو الأصل، وما لم يرد فيه عن أحد منهم رواية اتبع فيه الرسم وإن خولف الأصل، لأن التخفيف معهود في كلام العرب كالوال والمتعال من أسمائه الحسنى، لكن قال علامة القراءات شمس الدين الجزري في كتابه المسمى بالنشر في هذه الأحرف الأربعة: هذا و ﴿يدع الإنسان﴾ في سبحان و ﴿يمح الله الباطل﴾ في شورى و ﴿سندع الزبانية﴾ في العلق: نص الحافظ أبو عمرو الداني عن يعقوب على الوقف عليها بالواو على الأصل، ثم قال: قلت: وهو من انفراده، وقد قرأت به من طريقه ﴿الداع﴾ أي النفخ في الصور ﴿إلى شيء نكر *﴾ عظيم الوصف في النكارة بما تكرهه النفوس فتوجل منه القلوب لأنه لا شيء منه إلا وهو خارج عما تقدمه من العادة.
ولما بين دعاءه بما هال أمره، بين حال المدعوين زيادة في الهول فقال: ﴿خشعاً أبصارهم﴾ أي ينظرون نظرة الخاضع الذليل السافل المنزلة المستوحش الذي هو بشر حال، ونسب الخشوع إلى الأبصار لأن العز والذل يتبين من النظر فإن الذل أن يرمي به صاحبه إلى الأرض مثلاً مع هيئة يعرف منها ذلك كما قال تعالى: ﴿خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي﴾ وإفراده في قراءة أبي عمرو ويعقوب وحمزة والكسائي على أن الخشوع بلغ في النهاية من الشدة ونسبته إلى كل بصر على حد سواء، وجمع على لغة «أكلوني البراغيث» تفي قراءة الباقين بضم
стр. 9751
الخاء وتشديد الشين مفتوحة أو مستنداً المدعوين، والإبصار يدل بعض الإشارة إلى أن كل ذلك موزع على الأبصار.
ولما بين من حالهم هكذا ما يدل على نكارة ذلك اليوم، بين كيفية خروجهم بياناً لما يلزم من تصوره زيادة الذعر فقال: ﴿يخرجون﴾ أي على سبيل التجدد الأشرف فالأشرف ﴿من الأجداث﴾ أي القبور المهيأة لسماع النفخ في الصور ﴿كأنهم﴾ في كثرتهم وتراكم بعضهم على بعض من كبيرهم وصغيرهم وضعيفهم وقويهم ﴿جراد منتشر *﴾ أي منبث متفرق حيران مطاوع لمن نشره بعدما كان فيه من سكون مختلط بعضه ببعض، لا جهة له في الحقيقة يقصدها لو خلى ونفسه.
стр. 9752
ولما كان الانتشار قد يكون وجه المهل والوقار، قال مبيناً أن الأمر على خلاف ذلك زيادة في هول ذلك اليوم وتقريراً لما تقدم من وصفه: ﴿مهطعين إلى الداع﴾ أي مسرعين خائفين مقبلين بأبصارهم عليه لا يقلعون عنه، مادين أعناقهم نحوه مصوبي رؤوسهم لا يلتفتون إلى سواه كما يفعل من ينظر في ذلك وخضوع وصمت واستكانة. ولما بين حال الكل حصر حال المبطلين فقال: ﴿يقول﴾ أي على سبيل التكرار: ﴿الكافرين﴾ أي الذين كانوا في الدنيا عريقين في ستر الأدلة وإظهار الأباطيل المضلة: ﴿هذا﴾ أي الوقت الذي نحن فيه بما نرى من الأهوال ﴿يوم عسر *﴾ أي في غاية العسر الصعوبة والشدة، وذلك بحسب حالهم فيه.
ولما تقدم أمره سبحانه لنبيه ﷺ بالتولي عنهم
стр. 9753
تهديداً لهم، وصرح بما أراد من أمر الساعة لما دعا إلى ذلك من تقدم ذكرها، ولأنها أشد هول يهددون به، وبياناً أن الخلق ما خلق إلا لأجلها لأنها محط الحكمة، وختم بعسرها على الكافرين، تمم ذلك التهديد بعذاب الدنيا ردعاً لأهل الغلظة الموكلين بالمحسوسات، فذكر عسر يوم كان على الكافرين فيها، فقال مهدداً لقريش بجعل القصة مثلاً لهم في إهلاكهم وفي أمر الساعة من حيث إنه كما أهلك أهل الأرض في آن واحد بما أرسله من الماء فهو قادر على أن يهلكهم في آن واحد بالصيحة، وكما صرف هذا التصريف الذي ما سمع بمثله في الإهلاك فهو قادر على أن يصرفه في الإحياء عند البعث على وجه ما عهد مثله تنبت فيه الأجساد وتحيا فيه العباد، جواباً لمن كأنه قال: هذا ما يوعدونه بعد الموت، فهل لهم عذاب قبله دال على كمال القدرة: ﴿كذبت﴾ أو أوقعت التكذيب العظيم الذي عموا به جميع الرسالات وجميع الرسل، وأنث فعلهم تحقيراً لهم وتهويناً لأمرهم في جنب قدرته.
ولما كان ما كان من تصميمهم عليه وعزمهم على عدم الانفكاك عنه لكونه جبلة مستغرقاً لجميع ما بعدهم من الزمان، وكانوا قد سنوا سنة التكذيب فكان عليهم مع وزرهم وزر من أتى بعدهم، وكان ما قبلهم من الزمان يسيراً في جنب ما بعده عدماً، فلذلك ذكر الظرف من غير حرف جر لأنه مع أنه الحق أعظم في التسلية فقال: ﴿قبلهم﴾ أي في جميع ما سلف من الزمان ومضى بعضه بالفعل وبعضه بالقوة لقوة العزم: ﴿قوم نوح﴾ مع ما كان بهم من القوة ولهم من الانتشار
стр. 9754
في جميع الأقطار.
ولما ذكر تكذيبهم إشارة إلى أنه جبلة لهم جحدوا بها النبوة رأساً فلاحظ لهم في التصديق للحق فلا يفترق حالهم بالنسبة إلى أحد من الناس كان من كان، فلذلك سبب عن هذا المطلق قوله: ﴿فكذبوا عبدنا﴾ أي على ما له من العظمة نسبة إلينا لكونه لم يتعبد لغيرنا قط مع تشريفنا إياه بالرسالة، فكان تكذيبهم فراً مما دخل في تكذيبهم المطلق الشامل لكل ما يمكن تكذيبه وهو ميد (؟) ﴿وقالوا﴾ مع التكذيب أيضاً زيادة على تغطية ما ظهر منه من الهداية: ﴿مجنون﴾ أي فهذا الذي يظهر له من الخوارق من أمر الجن.
ولما كان إعلاء الصوت على النبي كائناً من كان عظيم القباحة جداً زائد الفظاظة فكيف إذا كان مرسلاً فكيف إذا كان من أولي العزم فكيف إذا كان على سبيل الإنكار عليه، فكيف إذا كان على صورة ما يفعل ممن لا خطر له بوجه، قال بانياً للمجهول إشارة إلى تبشيعه من غير نظر إلى قائل وإيذاناً بأن ذلك لم يكن من أكابرهم فقط بل من كبيرهم وصغيرهم: ﴿وازدجر *﴾ أي أعملوا أنفسهم في انتهاره وتوعده وتهديده وانتشر ذلك في جميعهم بغاية ما يكون من الغلظة كفاله عن الرسالة ومنعاً له عنها، والمعنى أنهم قالوا: إنه استظهر عليهم بالجنون.
ولما طال ذلك منهم ومضت عليه أجيالهم جيلاً بعد جيل حتى مضى له من إنذارهم أكثر مما مضى من الزمان لأمة هذا النبي الحاتم إلى يومنا هذا، وأخبره الله أنه لن يؤمن منهم إلا من قد آمن معه،
стр. 9755
تسبب عن ذلك الدعاء بالراحة منهم، فلذلك قال صارفاً وجه الخطاب إلى صفة الإحسان والربوبية والامتنان إيذاناً بأنه أجاب دعاءه ولبى نداءه: ﴿فدعا ربه﴾ أي الذي رباه بالإحسان إليه برسالته معلماً له لما أيس من أجابتهم: ﴿أني مغلوب﴾ أي من قومي كلهم بالقوة والمنعة لا بالحجة، وأكده لأنه من يأبى عن الملك الأعظم يكون مظنة النصرة، وإبلاغاً في الشكاية إظهاراً لذل العبودية، لأن الله سبحانه عالم بسر العبد وجهره، فما شرع الدعاء في أصله إلا لإظهار التذلل، وكذا الإبلاغ فيه ﴿فانتصر *﴾ أي أوقع نصري عليهم أنت وحدك على أبلغ وجه.
ولما استجاب له سبحانه، سبب عن دعائه قوله، عائداً إلى مظهر العظمة إعلاماً بمزيد الغضب الموجب دائماً للاستيعاب بالغضب: ﴿ففتحنا﴾ أي تسبب عن دعائه أنا فتحنا فتحاً يليق بعظمتنا ﴿أبواب السماء﴾ كلها في جميع الأقطار، وعبر بجمع القلة عن الكثرة لأن عادة العرب أن تستعيره لها وهو أرشق وأشهر من بيبان، وسياق العظمة يأبى كونه لغيرها. ولما كان المراد تهويل أمر الماء بذكر حاله التي كان عليها حتى كأن المحدث بذلك شاهده جعلت كأنه آية فتحت بها السماء فقال: ﴿بماء منهمر *﴾ أي منصب بأبلغ ما يكون من السيلان والصب عظماً وكثرة، ولذلك لم يقل: بمطر، لأنه خارج عن تلك العادة، واستمر ذلك أربعين يوماً ﴿وفجرنا﴾ أي صدعنا بما لنا من العظمة وشققنا وبعثنا وأرسلنا ﴿الأرض عيوناً﴾ أي جميع عيون الأرض، ولكنه
стр. 9756
عدل عنه للتهويل بالإبهام ثم البيان، وإفادة لأن وجه الأرض صار كله عيوناً.
ولما كان الماء اسم جنس يقع على الأنواع المختلفة كما يقع على النوع الواحد، وكان قد ذكر ماء السماء والأرض، سبب عن ذلك قوله: ﴿فالتقى الماء﴾ أي المعهود وهو ماء السماء وماء الأرض بسبب فعلنا هذا، وزاد في تعظيمه بأداة الاستعلاء فقال: ﴿على أمر﴾ ولما تقررت هذه العظمة لهذه الواقعة، فكان ربما ظن أنه صار جزافاً، وزاد على الحد المأمور به، أشار إلى أنه بالنسبة إلى عظمته في غاية الحقارة فقال: ﴿قد قدر *﴾ أي مع كونه مقدوراً عليه في كل وقت بغاية السهولة قد وقع تقديره في الأزل، فلم يستطع أن يزيد على ذلك قطرة فما فوقها ولا أن يهلك غير من أمرناه بإهلاكه، وأشار بالتخفيف إلى غاية السهولة في ذلك سبحانه.
стр. 9757
ولما ذكر ما علم منه بقرينة ما ذكر من خرقه للعادة، وأن إجابته لدعوته ﵊، ذكر تمام الانتصار بنجاته فقال: ﴿وحملناه﴾ أي بما لنا من العظمة على متن ذلك الماء بعد أن صار جميع وجه الأرض مجرى واحداً، وحذف الموصوف تهويلاً بالحث على تعرفة بتأمل الكلام فقال: ﴿على ذات﴾ أي سفينة ذات ﴿ألواح﴾ أي أخشاب نجرت حتى صارت عريضة ﴿ودسر *﴾ جمع دسار وهو ما يشد به السفينة وتوصل بها ألواحها ويلج بعضها ببعض بمسمار من حديد أو خشب أو من خيوط الليف على وجه الضخامة والقوة الدفع والمتانة، ولعله
стр. 9758
عبر عن السفينة بما شرحها تنبيهاً على قدرته على ما يريد من فتق الرتق ورتق الفتق بحيث يصير ذلك المصنوع، فكان إلى ما هيأه ليراد منه وإن كان ذلك المراد عظيماً وذلك المصنوع.
ولما كان ذلك خارقاً للعادة فكان يمكن أن يكون في السفينة خارق آخر بإسكانها على ظهر الماء من غير حركة، بين أن الأمر ليس كذلك فقال مظهراً خارقاً آخر في جريها: ﴿تجري﴾ أي السفينة ﴿بأعيننا﴾ أي محفوظة أن تدخل بحر الظلمات، أو يأتي عليها غير ذلك من الآفات، بحفظنا على ما لنا من العظمة حفظ من ينظر الشيء كثرة ولا يغيب عنه أصلاً، وجوزوا أن يكون جمع تكسير لعين الماء، ثم علل ذلك بقوله: ﴿جزاء﴾ أي لعبدنا نوح ﵇، ولكنه عبر هنا بما يفهم العلة ليحذر السامع وقوع مثل ذلك العذاب له إن وقع منه مثل فعل قومه فقال: ﴿لمن﴾ وعبر عن طول زمان كفرهم بقوله: ﴿كان كفر *﴾ أي وقع الكفر به وهو أجل النعم، فقال على أهل ذلك الزمان وذلك جزاء من كفر النعم، ويجوز أن يكون المراد به قومه بين أنه وقع الكفر منهم وقوعاً كأنهم مجبولون عليه حتى كأنه وقع عليهم لتوافق قراءة مجاهد بالبناء. للفاعل.
ولما تم الخبر عن نجاته بحمله فيها، نبه عن آثارها بقوله: ﴿ولقد تركناها﴾ أي هذه الفعلة العظيمة من جري السفينة على هذا الوجه وإبقاء نوعها دالة على ما لنا من العظمة، وقيل: تلك السفينة
стр. 9759
بعينها بقيت على الجودي حتى أدرك بقايا ما هذه الأمة ﴿آية﴾ أي علامة عظيمة على ما لنا من العلم المحيط والقدرة التامة ﴿فهل من مدكر *﴾ أي مجتهد في التذكير بسبب هذا الأمر لما يحق على الخلق من شكر الخالق بما هدت إليه رسله كما قالوه.
ولما قدم تعالى قوله: ﴿فما تغن النذر﴾ وأتبعه ذكر إهلاكه المكذبين، وكان ما ذكره من شأنهم أمرهم في الجلالة والعظمة بحيث يحق للسامع أن يسأل عنه ويتعرف أحواله ليهتدي بها على ذلك بقوله مسبباً عن التذكير باستفهام الإنكار والتوبيخ: ﴿فكيف كان﴾ أي وجد وتحقق ﴿عذابي﴾ أي لمن كذب وكفر وكذب رسلي ﴿ونذر *﴾ أي الإنذارات الصادرة عني والمنذرون المبلغون عني فإنه أنجى نوحاً ﵇ ومن آمن معه من أولاده وغيرهم ومتعهم بعد إهلاك عدوهم وجعل الناس الآن كلهم من نسله، قال القشيري: في هذا قوة لرجاء أهل الدين إذا لقوا في دين الله محنة فجحد غيرهم ما آتاه الله أن يهلك الله عن قريب عدوهم ويمكنهم من ديارهم وبلادهم ويورثهم ما كان إليهم، وكذلك سنة الله في جميع أهل الضلال - انتهى.
وكان المعنى في تكرير ذلك عليهم بعد التذكير بما أتيناهم به من قصص هذه الأمم ميسراً لفهم صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم كيف كان أخذي لهم وعاقبة تخويفي إياهم لعلهم يتعظون فينفعهم إنذار المنذرين.
ولما كان هذا التفصيل مما أنزل أول القرآن تيسيراً على الأمة، نبه على ذلك بقوله: ﴿ولقد يسرنا﴾ أي على ما لنا من العظمة
стр. 9760
﴿القرآن﴾ أي على ما له من الجمع والفرق والعظمة المناسبة لكونه صفة لنا ﴿للذكر﴾ أي الاتعاظ والتذكر والتدبر والفهم والحفظ والتشريف لمن يراعيه، قال ابن برجان: أنزلناه باللسان العربي وأنزلناه للأفهام تنزيلاً وخاطبناهم بعوائدهم وأعلمنا من قبل أعمالهم وأقبسناهم المعرفة واليقين من قبل ذواتهم وضربنا لهم الأمثال وأطلنا لهم في هذه الأعمال ليتذكروا الميثاق المأخوذ عليهم، وقال القشيري: يسر قراءته على ألسنة قوم، وعلمه على قلوب قوم، وفهمه على قلوب قوم، وحفظه على قلوب قوم، وكلهم أهل القرآن وكلهم أهل الله وخاصته - انتهى. والآية ناظرة بالعطف والمعنى إلى ﴿ولقد جاءهم من الأنباء﴾ الآيتين، فالمعنى أنا ولو شئنا بما لنا من العظمة لجئناهم بعبارات لا يشمون رائحتها، وبلاغات لا يهتدون إلى وجه معناها أصلاً لكننا لم نفعل ذلك بل خاطبناهم بأبلغ من بلاغتهم مع تيسير فهم ما خاطبناهم به فكان في ذلك إعجازان: أحدهما أنه فوق بلاغتهم، والثاني أنه مع علوه يشترك في أصل فهمه الذكي والغبي. ولما كان هذا القرآن العظيم الجامع ترجمة لأفعاله سبحانه في هذا الوجود الشاهد والغائب الذي أخبرنا عنه وشرحنا لما أنزل علينا من أسمائه الحسنى وصفاته العليا التي تعرف لنا بها، وكان سبحانه قد جعل خلق الآدمي جامعاً، فما من شيء من أفعاله إلا وفي نفسه منه أثر ظاهر ناظر للتفكر في القرآن والتعرف للأسرار منه بالتذكير الذي يكون. . . لما كان الإنسان يعرفه ثم نسيه حتى صار لا يستقل باستحضاره فإذا ذكر به ذكره، فقال منبهاً على عظيم فعل العلم والقرآن الذي هو طريقه بالتكرار
стр. 9761
والتعبير بما هو من الذكر على أنه المحفوظ للإنسان بما هيأ له من تيسير أمره ﴿فهل من مدكر *﴾ قال البخاري في آخر صحيحه: قال مطر الوراق: هل من طالب علم فيعان عليه، وقد تكررت هذه الموعظة في هذه السورة أربع مرات، وذكرت الجملة الأخيرة منها منفكة عن تيسير القرآن مرتين: مرة في أول القصص وهي قصة نوح ﵇، ومرة كما يأتي في آخرها، وذلك عقب قصة فرعون وهو قوله: ﴿فكيف كان عذابي ونذر﴾ مثل ذلك، وكررت ﴿فبأي ألاء ربكما تكذبان﴾ في الرحمن إحدى وثلاثين مرة، فنظرت في سر ذلك فظهر لي - والله الهادي - أن الذي تقدم في سورة المفصل على هذه السورة أربع سور هذه السورة خاتمتها فأشير إلى التذكر بكل سورة منها حثاً على تدبرها بآية ختمت كلماتها بكلمة عادت حروفها في السور الخمس وأدغم حرف منها في آخر بعد قلب كل منهما، فكانت هذه الكلمة التي مدلولها الذكر مشيرة إلى الحواس الخمس الظاهرة التي هي مبادئ العلم، وكان ما في أول هذه المواعظ وآخرها لخلوه عن ذكر القرآن موازياً للحرفين اللذين طرفهما للوهن بالتعبير والقلب لكن كان الحرفان بالإدغام كحرف واحد، كانت الجملتان الموازيتان لهما كآية واحدة من تلك الأربع، وكان هذا الأول والآخر مشاراً به إلى هذه السورة التي جمعت التذكير بالسورة الأربع، وأعريت عن ذكر تيسير القرآن لافتتاح السور السور بمحو وما يقرب من المحو وهو آية الليل والتيسير فيها والساعة التي هي أغيب الغيب، وكل من فيها سوى الله محو لسلب الأمر كله عنهم وخصت بها الأولى والآخرة
стр. 9762
لجامع بينهما من غرق العصا في الماء ونجاة المطيعين بعضهم بالسفينة وبعضهم بنفس البحر الذي هو مسرح السفن، وكانت الموعظة المذكور فيها القرآن في ختام قصة نوح ﵇ مع عمومها لجميع القرآن إشارة إلى خصوص التذكير بسورة ق لما بينهما من جامع الإحاطة بإحاطة جبل ق بالأرض كلها وطوفان قوم نوح ﵇ بعموم جميع الأرض والتي في سورة عاد إشارة إلى سورة الذاريات لأن كلاهم كان بالريح، والتي في قصة ثمود إشارة إلى التذكير بالطور بجامع ما بينهما من الرج والرجف والذل والصعق، أما في قصة ثمود فظاهر، وأما في الطور فلما كان من دكه وصعق بني إسرائيل فيه، وقد ذكر الصعق في آخر الطور، وما في قصة لوط إشارة إلى النجم لأن مدائنهم ارتفعت إلى عنان السماء ثم أهويت وأتبعت الحجارة، فلما كان الأمر هكذا، وكانت النعم محيطة بالإنسان من جهاته الست، فضربت الحواس الخمس في الجهات الست، فكانت ثلاثين، كأنه قيل: هل مذكر بهذا القرآن، ولا سيما ما تقدم على هذه السورة منه في المفصل ما لله عليه من النعم في نفسه وفي الآفاق المشار إلى القسم الأول منها بمذكر وإلى الثاني بتكرير ذكر الآلاء فكل آية تكرير انتهى إلى العدد المخصوص وإلى المجموع بالمجموع ليعلم أن نعم الله محيطة به على وجه لا يقدر على صنعه إلا الله الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال التي أعظمها - من حيث كونه أساساً يبنى عليه - الوحدانية المنزهة عن الشركة فيخشى من معصيته أن يسلبه نعمه أو واحدة منها فلا يجد من يقوم بها ولا بشيء منها
стр. 9763
غيره أو يعذبه بشيء مثل عذاب هذه الأمم أو بغير ذلك مما له من إحاطة القدرة والعلم فلا يجد من يرد عنه شيئاً منه سبحانه، وأما الواحد الزائد فهو إشارة إلى أن المدار في ذلك الإدراك هو العقل والحواس كما أن المقصود بذلك كله واحد وهو الله تعالى، وكل هذه الأشياء أسباب لمعرفته وأيضاً فالواحد إشارة إلى أن زيادة الآلاء من فضل الله تعالى لا تنقطع كما أن الواحد الذي هو أصل العدد لا يزال، فكلما أغنت زيادتها ابتدأ دور ثم ابتدأ دور آخر دائماً أبداً، وللتكرير نكتة أخرى بديعة جداً، وهي تأكيد التقرير دلالة على اشتداد الغضب المقتضي لأنهى العقوبة كما أن من اشتد غضبه من إنكار شخص لشيء من قتله إذا بينه غاية البيان بأمور متنوعة وهو يتمرد ويلد غاية اللدد يأخذه فيجمع له جمعاً لا يقدر على العدول عن الحق بحضرتهم.
وهو يذعن وهو في قبضته فيذكر تلك المعاني بين ذلك الجمع، فيصير كلما ذكر له نوعاً منها بحضرتهم، قال له: هل ظهر لك هذا؟ فيقول ذاك المنكر: نعم ظهر لي، فلا يريد ذلك إلا غضباً لما تقدم له من عظيم غضبه ولدده فيذكر له معنى آخر ثم يقول: هل ظهر لك هذا؟ فيقول: نعم والله لا يعرج على اعترافه ذلك ويذكر له نوعاً آخر، ويقول مثل ذلك يريد الزيادة في تبكيته وتخجيله، وهكذا إلى أن يشتفي - كل ذلك للتنبيه على لدده وكفاية كل نوع منها لما أريد منه من البيان، وقال في الكشاف: فائدته أن يجددوا عند استماع كل نبأ من أنباء الأولين أدكاراً واتعاظاً وأن يستأنفوا تنبهاً واستيقاظاً إذا سمعوا الحث عليه والبعث على ذلك
стр. 9764
كله وأن يقرع لهم العصى مرات ويقعقع لهم السن تارات، لئلا يغلبهم السهود ويستولي عليهم حكم الغفلة، وهكذا حكم التكريرات لتكون العبر حاضرة للقلوب مصورة للأذهان مذكورة غير منسية في أوان - انتهى، ولمثل ما مضى أو قريب منه كرر التهويل بالعذاب ست مرات: أربع منها ﴿فكيف كان عذابي ونذر﴾ واثنان منها ﴿فذوقوا عذابي ونذر﴾ فهما بمنزلة واحدة من الأربع ليرجع الست إلى الخمس الدال عليها ﴿مدكر﴾ إشارة إلى أن الحواس الخمس كما ضربت في الجهات الست لأجل النعم التي هي جلب المصالح ضربت فيها للتذكير بدفع النقم الذي هو درأ المفاسد والتحذير منها، ومن فوائد تكرر الست الراجعة إلى الخمس مرتين: مرة لجلب النعم وأخرى لدفع النقم أن الحواس مكررة ظاهراً وباطناً، فمن ذل لسانه بالقرآن ظاهراً صحت حواسه الظاهرة ونورت له الباطنة، ومن أبى عذب بسبب الباطنة فتفسد الظاهرة، واختير للموعظتين عدد الست مع إرادة جماعة إلى خمسة لأن الست عدد تام وذلك لأن عدد كسورها إذا جمعت سادتها ولم تزد عنها ولم تنقص وهي النصف والثلث والسدس، وهذا العدد مساو لدعائم الإسلام الخمس وحظيرته الجهاد التي هي عماد تقوى المتقين أهل مقعد الصدق الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إلى نبيهم ﷺ وما أنزل من قبله المشار به إلى الصيام
﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ [البقرة: ١٨٣] والحج ﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً﴾ [البقرة: ١٢٥] والجهاد ﴿أم حسبتم أن
стр. 9765
تدخلوا الجنة﴾ [البقرة: ٢١٤] إلى قوله: ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم﴾ [البقرة: ٢١٦] وذلك إشارة إلى أن هذا الدين تام لا زيادة فيه ولا نقص لأن النبي الذي أرسل ختام الأنبياء، وتمام الرسل الأصفياء. ولما كان قوم عاد قد تكبروا بشدتهم وقوتهم، وكانت حال قريش قريبة من ذلك لقولهم إنهم أمنع العرب وأقواهم وأجمعهم للكمالات وأعلاهم، كرر ذلك في قصتهم مرتين زيادة في تذكير قريش وتحذيرهم ولا سيما وقد كان بدء عذابهم من بلدهم مكة المشرفة كما هو مشروح في قصتهم، وكرر الأمر بالذوق في قصة لوط ﵇ لأنهم عذبوا بما يردع من كان له قلب بالطمس، فلما لم ينفعهم ذلك أتاهم أكبر منه فكانوا كأمس الدابر، فلكل مرة من العذاب من الأمر بالذوق، وخصوا بالأمر بالذوق لما في فاحشتهم الخبيثة ما يستلذونه، وقد عم عذاب هذه الأمم جميع الجهات بما لقوم نوح ولوط ﵉ من جهة الغرق بالماء الماطر وحجارة السجيل ومن البحث من الماء النابع والخسف، وما في عموم عذابهم من استغراق بقية الجهات - والله الهادي.
ولما انقضت قصة نوح ﵇ على هذا الهول العظيم، كان ذلك موجباً للسامع أن يظن أنه لا يقصر أحد بعدهم وإن لم يرسل برسول فكيف إذا أرسل، فتشوف إلى علم ما كان بعده هل كان كما ظن أم رجع الناس إلى طباعهم؟ وكانت قصة عاد أعظم قصة جرت بعد قوم نوح ﵇ فيما يعرفه العرب فيصلح أن يكون واعظاً لهم، وكان عذابهم بالريح التي أهلكتهم ونسفت جبالهم التي كانت في محالهم
стр. 9766
من الرمال المتراكمة، فنقلها إلى أمكنة أخرى أقرب دليل إلى أنه تعالى يسير الجبال يوم الدين، هذا إلى ما في صفها الخارج عن العوائد من تصوير النفخ في الصور تارة للقيامة وتارة للأحياء، فأجيب بقوله: ﴿كذبت عاد﴾ أي أوقعت التكذيب العام المطلق الذي أوجب تكذيبهم برسولي هود ﵇ في دعوته لهم إليّ وإنذاره لهم عذابي.
ولما كان عادة الملوك أو بعضهم أنه إذا أهلك قوماً كثيرين من جنده نجا ناس مثلهم بمثل ذنوبهم أن يرفع بهم، ويستألفهم لئلا يهلك جنده، فيختل ملكه، عقب الإخبار بتكذبيهم الإعلام بتعديهم لأنه لا يبالي بشيء لأن كل شيء في قبضته، ولما كان تكذيبهم إلا بإرادته كا أن عذابه بمشيئته، قال مسبباً عن ذلك: ﴿فكيف﴾ أي فعلى الأحوال لأجل تكذيبهم ﴿كان عذابي لهم ونذر *﴾ أي وإنذاري إياهم بلسان رسولي، وكرر في آخر قصتهم هذا الاستخبار، فكان في قصتهم مرتين كما تقدم من سره - والله أعلم.
стр. 9767
ولما ذكر تكذيبهم وأعقبه تعذيبهم، علم السامع أنه شديد العظمة فاستمطر أن يعرفه فاستأنف قوله، مؤكداً تنبيهاً على أن قريشاً أفعالهم في التكذيب كأفعالهم كأنهم يكذبون بعذابهم: ﴿إنا أرسلنا﴾ بعظمتنا، وعبر بحرف الاستعلاء إعلاماً بالنقمة فقال: ﴿عليهم ريحاً﴾ ولما كانت الريح ربما كانت عياناً، وصفها بما دل على حالها فقال: ﴿صرصراً﴾ أي شديد البرد والصوت. ولما كان مقصود السورة تقريب قيام الساعة
стр. 9768
ووصف سيرهم إلى الداعي بالإسراع، ناسب أن يعبر عن عذابهم بأقل ما يمكن، فعبر باليوم الذي يراد به الجنس الشامل للقليل والكثير وقد يعبر به عن مقدار من الزمان يتم فيه أمر ظاهر سواء لحظة أو أياماً أو شهوراً أو كثيراً من ذلك أو أقل كيوم البعث ويوم بدر ويوم الموت بقوله تعالى: - ﴿إلى ربك يومئذ المساق﴾ -[القيامة: ٣٥] : ﴿في يوم﴾ وأكد شؤمها بذم زمانها فقال: ﴿نحس﴾ أي شديد القباحة، قيل: كان يوم الأربعاء آخر الشهر وهو شوال لثمان بقيت إلى غروب الأربعاء، وحقق لأن المراد باليوم الجنس لا الواحد بالوصف فقال: ﴿مستمر *﴾ أي قوي في نحوسته نافذ ماض فيما أمر به من ذلك شديد أسبابه، موجود مرارته وجوداً مطلوباً من مرسله في كل وقت، مستحكم المرارة قويها دائمها إلى وقت إنفاذ المراد.
ولما علم وصفها في ذاتها، أتبعه وصفها بما يفعل فيه فقال: ﴿تنزع﴾ أي تأخذ من الأرض بعضهم من وجهها وبعضهم من حفر حفروها ليتمنعوا بها من العذاب، وأظهر موضع الإضمار ليكون نصاً في الذكور، والإناث فعبر بما هو من النوس تفضيلاً لهم فقال: ﴿الناس﴾ الذين هم صور لا ثبات لهم بأرواح التقوى، فتطيرهم بين السماء والأرض كأنهم الهباء المنثور، فتقطع رؤوسهم من جثثهم وتغير ألوانهم تعتيماً لهم إلى السواد، ولذا قال: ﴿كأنهم﴾ أي حين ينزعون فيلقون لا أرواح فيهم كأنهم ﴿أعجاز﴾ أي أصول ﴿نخل﴾ قطعت رؤوسها. ولما كان الحكم هنا على ظاهر حالهم، وكان الظاهر دون الباطن، حمل على اللفظ قوله: ﴿منقعر *﴾
стр. 9769
أي منقصف أي منصرع من أسفل قعره وأصل مغرسه، والتشبيه يشير إلى أنهم طوال قد قطعت رؤوسهم، وفي الحافة وقع التشبيه في الباطن الذي فيه الأعضاء الرئيسة، والمعاني اللطيفة، فأنث الوصف حملاً على معنى النخل لا للطفها - والله أعلم.
ولما طابق ما أخبر به من عذابهم ما هو له به أولاً، أكد ذلك لما تقدم من سره فقال مسبباً عنه مشيراً إلى أنه لشدة هوله مما يجب السؤال عنه: ﴿فكيف كان﴾ أيها السائل، ولفت القول إلى الإقرار تنبيهاً للعبيد على المحافظة على مقام التوحيد: ﴿عذابي﴾ لمن كذب رسلي ﴿ونذر *﴾ أي وإنذاري أو رسلي في إنذارهم هل صدق.
ولما أتم سبحانه تحذيره من مثل حالهم بأمر ناظر أتم نظر إلى تدبير ما في سورة الذاريات، أتبع ذلك التنبيه على أنه ينبغي للسامع أن يتوقع الحث على ذلك، فقال مؤكداً لما لأكثر السامعين من التكذيب بالقال أو بالحال معلماً أنه سهل طريق الفرار من مثل هذه الفتن الكبار إليه، وسوى من الاعتماد عليه، عائداً إلى مظهر العظمة إيذاناً بأن تيسير القرآن لما ذكر من إعجازه لا يكون إلا لعظمة تفوت قوى البشر، وتعجز عنها القدرة ﴿ولقد يسرنا﴾ على ما لنا من العظمة في الذات والصفات ﴿القرآن﴾ الجامع الفارق كله وما أشارت إليه هذه القصة من مفصله ﴿للذكر﴾ للحفظ والشرف والفهم والتدبير والوعظ والاتعاظ ما صرفنا فيه من أنواع الوعظ مع التنبيه للحفظ بالإيجاز وعذوبة اللفظ وقرب الفهم وجلالة المعاني وجزالة السبك وتنويع الفنون وتكثير
стр. 9770
الشعب وإحكام الربط ﴿فهل من مدَّكر *﴾ أي تسبب عن هذا الأمر العظيم الذي فعلناه أنه موضع السؤال عن أحوال السامعين: هل فيهم من يقبل على حفظه ثم تدبره وفهمه ويتعظ بما حل بالأمم السالفة، ويتذكر جميع ما صرف من الأقوال وينزلها على نفسه وما لها من الأحوال، ويجعل ذلك لوجهنا فيلقيه بتشريفه به أمر دنياه وأخراه.
ولما كان هذا موضع الإقبال على تدبر مواعظ القرآن، وكان ثمود أعظم وعظ كان بعد عاد لما في صيحتهم الخارجة عن العهود من تصوير الساعة بنفختيها المميتة ثم المحيية، وقال مؤنثاً فعلهم إشارة إلى سفول هممهم وسفول فعلهم معلماً أن من كذب هلك - على طريق الجواب لمن لعله يقول استبعاداً لتكذيب بعد ما جرى في القصتين الماضيتين من التعذيب: ﴿كذبت ثمود﴾ أي قوم صالح ﴿بالنذر *﴾ الإنذارات والمنذرين كلهم لأنهم شرع واحد، ثم علل ذلك وعقبه بقوله معلماً بالضمير أن المباشر بهذا الكفر رجالهم لئلا يظن أنهم نساء فقط: ﴿فقالوا﴾ منكرين لما جاءهم من الله غاية الإنكار: ﴿أبشراً﴾ إنكاراً لرسالة هذا النوع ليكون إنكار النبوة إنكاراً لنبوة نبيهم على أبلغ الوجوه، وأعظم الإنكار بقولهم مقدمين عدم الانفراد عنهم لخصوصيته: ﴿منا﴾ أي فلا فضل له علينا فما وجه اختصاصه بذلك من بيننا، وزادوا ذلك تأكيداً فقالوا: ﴿واحداً﴾ أي ليس معه من يؤيده، ثم فسر الناصب لقوله: ﴿بشراً﴾ بقوله: ﴿نتبعه *﴾ أي نجاهد نفسنا في خلع مألوفنا وخلاف آبائنا والإقرار على أنفسنا بسخافة العقل والعراقة في الجهل ونحن أشد الناس كثرة
следующие страницы →