← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 9836–9875 · переход к 9841.

стр. 9836

فهو يحيل العجز عن بعض الأمور إلى أنه لم يجر بذلك عادة، لا إلى أنه سبحانه المانع من ذلك، فعمهم شيء من ذلك سطوته فقال ﴿يرسل عليكما﴾ أي أيها المعاندون، قال ابن عباس ﵄: حين تخرجون من القبور بسوقكم إلى المحشر ﴿شواظ﴾ أي لهب عظيم منتشر مع التضايق محيط بكم من كل جانب له صوت شديد كهيئته ذي الخلق الضيق الشديد النفس. ولما كان الشواظ يطلق على اللهب الذي لا دخان فيه وعلى دخان النار وحرها وعلى غير ذلك، بينه بقوله: ﴿من نار ونحاس﴾ أي دخان هو في غاية الفظاعة فيه شرر متطاير وقطر مذاب، قال ابن جرير: والعرب تسمي الدخان نحاساً بضم النون وكسرها، وأجمع القراء على ضمها - انتهى. وجرها أبو عمرو وابن كثير عطفاً على ﴿نار﴾ ورفعه الباقون عطفاً على ﴿شواظ﴾ . ولما كان ذلك ممكناً عقلاً وعادة، وكانوا عارفين بأنهم لو وقعوا في مثل ذلك لم يتخلصوا منه بوجه، سبب عنه قوله: ﴿فلا تنصران *﴾ قال ابن برجان: هذا مصداق قول رسول الله ﷺ «يخرج عنق من نار فيقول بكل جبار عنيد فيلتقطهم من بين الجمع لقط الحمام حب السمسم، ويغشي المجرمين دخان جهنم من بين المؤمنين ولا يضرهم، وآية الشواظ

стр. 9837

وعنق النار هنالك صواعق ما هنا وبروقه والنار المعهودة» . ولما كان التهديد بهذا لطفاً بهم فهو نعمة عليهم والعفو عن المعالجة بإرسالة لذلك، سبب عنه قوله: ﴿فبأيِّ آلاء ربكما﴾ أي المربي لكما بدفع البلايا وجلب المنافع ﴿تكذبان *﴾ أبنعمة السمع من فوق أو غيرها، ألم يكن لكم فيما شهدتموه في الدنيا من دلائل ذلك وآياته ما يوجب لكم الإيمان. ولما كان هذا مما لم تجر عادة بعمومه وإن استطردت بجريانه منه في أشياء منه في أماكن متفرقة كأشخاص كثيرة، بين لهم وقته بقوله: ﴿فإذا﴾ أي فيتسبب عن هذا الإرسال إنه إذا ﴿انشقت السماء﴾ من هوله وعظمته فكانت أبواباً لنزول الملائكة وغيرهم، وغير ذلك من آيات الله ﴿فكانت﴾ لما يصيبها من الحر ﴿وردة﴾ أي حمراء مشرقة من شدة لهيبه، وقال البغوي: كلون الفرس الورد وهو الأبيض الذي يضرب إلى حمرة وصفرة. ﴿كالدهان﴾ أي ذائبة صافية كالشيء الذي يدهن به أو كالأديم الأحمر والمكان الزلق، وآية ذلك في الدنيا الشفقان عند الطلوع وعند الغروب، وجواب ﴿إذا﴾ محذوف تقديره: علمتم ذلك علماً شهودياً أو فما أعظم الهول حينئذ ونحو ذا أن يكون الجواب شيئاً دلت عليه الآيات الآتية نحو: فلا يسأل أحد إذ ذاك عن ذنبه، وحذفه أفخم ليذهب الوهم فيه كل مذهب.

стр. 9838

ولما كان حفظ السماء عن مثل ذلك بتأخير إرسال هذا وغيره من الأسباب وجعلها محل الروح والحياة والرزق من أعظم الفواضل قال مسبباً عنه: ﴿فبأيِّ آلاء ربكما﴾ أي المربي لكما هذا التدبير المتقن ﴿تكذبان *﴾ أبنعمة السمع من تحت أو غيرها وليس شيء بما أخبرتكم به من أحوال الآخرة إلا قد أقمت لكم في الدنيا ما تهتدون به إلى العلم بكونه. ولما كان يوم القيامة ذا ألوان كثيرة ومواقف مهولة طويلة شهيرة تكون في كل منها شؤون عظيمة وأمور كبيرة، ذكر بعض ما سببه هذا الوقت من التعريف بالعاصي والطائع بآيات جعلها الله سبباً في علمها فقال: ﴿فيومئذ﴾ أي فسبب عن يوم انشقت السماء لأنه ﴿لا يسئل﴾ سؤال تعرف واستعلام بل سؤال تقريع وتوبيخ وكلام، وذلك أنه لا يقال له: هل فعلت كذا؟ بل يقال له: لم فعلت كذا، على أنه ذلك اليوم طويل، وهو ذو ألوان تارة يسأل فيه وتارة لا يسأل، والأمر في غاية الشدة، وكل لون من تلك الألوان يسمى يوماً، فقد مضى في الفاتحة أن اليوم عبارة عن وقت يمتد إلى انقضاء أمر مقدر فيه ظاهر من ليل أو نهار أو غيرهما لقوله تعالى ﴿إلى ربك يومئذ المساق﴾ [القيامة: ٣٠] أي يوم إذا بلغت الروح التراقي وهو لا يختص بليل ولا نهار، وبناه للمفعول تعظيماً للأمر بالإشارة إلى أن شأن المعترف بالذنب لا يكون خاصاً بعهد دون عهد بل يعرفه كل من أراد علمه، وأضمر قبل الذكر لما هو مقدم في الرتبة ليفهم الاختصاص فوجد الضمير لأجل اللفظ فقال: ﴿عن ذنبه﴾ أي خاصة وقد سئل المحسن عن حسنته سؤال تشريف له وتنديم لمن دونه.

стр. 9839

ولما كان الإنس أعظم مقصود بهذا، ولهذا كان الرسول ﷺ منهم، وكان التعريف بالشاهد المألوف أعظم في التعريف، وكان علم أحوال الشيء الظاهر أسهل، قدمهم فقال: ﴿إنس﴾ ولما كان لا يلزم من علم أحوال الظاهر علم أحوال الخفي، بين أن الكل عليه سبحانه هين فقال: ﴿ولا جان *﴾ ولما كان هذا التمييز من أجل النعم لئلا يؤدي الالتباس إلى ترويع بعض المطيعين عاملاً أو نكاية بالسؤال عنه قال: ﴿فبأيِّ آلاء ربكما﴾ أي الذي ربى كلاًّ منكم بما لا مطمع في إنكاره ولا خفاء فيه ﴿تكذبان *﴾ أبنعمة الشم من الأمام أم من غيرها. ولما كان الكلام عاماً عرف انه خاص بتعرف المجرم من غيره دون التعزير بالذنب أو غيره من الأحوال فقال معللاً لعدم السؤال: ﴿يعرف﴾ أي لكل أحد ﴿المجرمون﴾ أي العريقون في هذا الوصف ﴿بسيماهم﴾ أي العلامات التي صور الله ذنوبهم فيها فجعلها ظاهرة بعد أن كانت باطنة، وظاهرة الدلالة عليهم كما يعرف أن الليل إذا جاء لا يخفى على أحد أصلاً وكذلك النهار ونحوهما لغير الأعمى، وتلك السيما - والله أعلم - زرقة العيون وسواد الوجوه والعمى والصمم والمشي على الوجوه ونحو ذلك، وكما يعرف المحسنون بسيماهم من بياض الوجوه وإشراقها وتبسمها، والغرة والتحجيل ونحو ذلك، وسبب عن هذه المعرفة قوله مشيراً بالبناء للمفعول إلى سهولة الأخذ من أي آخذ كان ﴿فيؤخذ بالنواصي﴾ أي منهم وهي مقدمات الرؤوس ﴿والأقدام *﴾ بعد أن يجمع بينهما

стр. 9840

كما أنهم كانوا هم يجمعون ما أمر الله به أن يفرق، ويفرقون ما أمر الله به أن يجمع، فيسحبون بها سحباً من كل ساحب أقامه الله لذلك لا يقدرون على الامتناع بوجه فيلقون في النار. ولما كان ذلك نعمة لا يقام بشكرها لكل من يسمعها لأن كل أحد ينتفي من الإجرام ويود للمجرمين عظيم الانتقام، سبب عنه قوله: ﴿فبأيِّ آلاء ربكما﴾ أي النعم الكبار من الذي دبر مصالحكم بعد أن أوجدكم ﴿تكذبان *﴾ أبنعمة الشم من الوراء أم بغيرها مما يجب أن يفعل من الجزاء في الآخرة لكل شخص بما كان يعمل في الدنيا أو غير ذلك من الفضل. ولما كان أخذهم على هذا الوجه مؤذناً بأنه يصير إلى خزي عظيم، صرح به في قوله، بانياً على ما هدى إليه السياق من نحو: أخذاً مقولاً فيه عند وصولهم إلى محل النكال على الحال التي ذكرت من الأخذ بنواصيهم وأقدامهم، ﴿هذه﴾ أي الحفرة العظيمة الكريهة المنظر «القريبة منكم» الملازمة للقرب لكم ﴿جهنم التي يكذب﴾

стр. 9841

أي ماضياً وحالاً ومآلاً استهانة ﴿ولو ردوا﴾ [الأنعام: ٢٨]- إلى الدنيا - بعد إدخالهم إياها - ﴿لعادوا لما نهوا عنه﴾ [الأنعام: ٢٨] ﴿بها المجرمون *﴾ أي العريقون في الإجرام، وهو قطع ما من حقه أن يوصل وهو ما أمر الله به، وخص هذا الاسم إشارة إلى أنها تلقاهم بالتجهم والعبوسة والكلاحة والفظاظة كما كانوا يفعلون مع الصالحين عند الإجرام المذكور، قال ابن برجان: وقرأ عبد الله «هذه جهنم التي كنتم بها تكذبان فتصليانها لا تموتان فيها ولا تحييان» ثم استأنف ما يفعل بهم فيها فقال: ﴿يطوفون بينها﴾ أي بين دركة النار التي تتجهمهم ﴿وبين حميم﴾ أي ماء حار هو من شدة حرارته ذو دخان. ولما كان هذا الاسم يطلق على البارد، بين أمره فقال: ﴿آن﴾ أي بالغ حره إلى غاية ليس وراءها غاية، قال الرازي في اللوامع: وقيل: حاضر، وبه سمي الحال بالآن لأنه الحاضر الموجود، فإن الماضي لا تدارك له والمستقبل أمل وليس لنا إلا الآن، ثم «الآن» ليس بثابت طرفة عين، لأن الآن هوالجزء المشترك بين زمانين، فهم دائماً يترددون بين عذابي النار المذيبة للظاهر والماء المقطع بحره للباطن لا يزال حاضراً لهم تردد الطائف الذي لا أول لتردده ولا آخر. ولما كانت عذاب المجرم - القاطع لما من شأنه أن يكون متصلاً - من أكبر النعم وأسرها لكل أحد حتى لمن سواه من المجرمين، سبب

стр. 9842

قوله: ﴿فبأي آلاء ربكما﴾ أي المحسن إليكما أيها الثقلان بإهلاك المجرم في الدارين وإنجاء المسلم مما أهلك به المجرم لطفاً بالمهددين ليرتدعوا وينزجروا عما يكون سبب إهلاكهم هم ومن والاهم ﴿تكذبان *﴾ أبنعمة الشم من اليمين أمن من غيرها مما أراكم من آياته، وظاهر عليكم من بيناته، في السماوات والأرض، وما أراكم من مطالع الدنيا من الشمس التي هي آية النهار والقمر الذي هو آية الزمهرير، وغير ذلك من آياته المحكمة المرئية المسموعة، وقد كررت هذه الآية عقب ذكر النار وأهوالها سبع مرات تنبيهاً على استدفاع أبوابها السبعة كما مضى - والله المستعان.

стр. 9843

ولما كان قد عرف ما للمجرم المجترئ على العظائم، وقدمه لما اقتضاه مقام التكبر من الترهيب وجعله سبعاً إشارة إلى أبواب النار السبعة، عطف عليه ما للخائف الذي أداه خوفه إلى الطاعة وجعله ثمانية على عدد أبواب الجنة الثمانية فقال: ﴿ولمن﴾ أي ولكل من، ووحد الضمير مراعاة للفظ ﴿من﴾ إشارة إلى قلة الخائفين ﴿خاف﴾ أي من الثقلين. ولما كان ذكر الخوف من الزمان المضروب للحساب والتدبير والمكان المعد لهما أبلغ من ذكر الخوف من الملك المحاسب المدبر، والخوف مع ذكر وصف الإكرام أبلغ من ذكر الخوف عند ذكر

стр. 9844

أوصاف الجلال، قال دالاًّ بذلك على أن المذكور رأس الخائفين: ﴿مقام ربه﴾ أي مكان قيامه الذي يقيمه وغيره فيه المحسن إليه للحكم وزمانه الذي ضربه له وقيامه عليه وعلى غيره بالتدبير، فهو رقيب عليه وعليهم، فكيف إذا ذكر مقام المنتقم الجبار المتكبر فترك لهذا ما يغضبه وفعل ما يرضيه ﴿جنَّتان﴾ عن يمين وشمال، واحدة للعلم والعقل وأخرى للعمل، ويمكن أن يراد بالتثنية المبالغة إفهاماً لأنها جنان متكررة ومتكثرة مثل ﴿ألقيا في جهنم كل كفَّارٍ عنيد﴾ [ق: ٢٤] ونحو ذلك. ولما كانت هذه نعمة جامعة، سبب عنها قوله: ﴿فبأيِّ آلاء ربكما﴾ أي نعم المربي لكما والمحسن إليكم بإحسانه الكبار التي لا يقدر غيره على شيء منها ﴿تكذبان *﴾ أبنعمة الشم من اليسار المنبعثة من القلب أو غيرها من تربة جنان الدنيا بنفس جهنم من حر الشمس وحرورها، فجعل من ذلك جميع الفواكه والزروع إلى غير ذلك من المرافق التي طبخها بها ﴿وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون﴾ [يوسف: ١٠٥] وغير ذلك من نعمه التي لا تحصى. ولما كانت البساتين لا يكمل مدحها إلا بكثرة الأنواع والألوان والفروع المشتبكة والأغصان، قال واصفاً لهما: ﴿ذواتا﴾ أي صاحبتا

стр. 9845

برد عين الكلمة فإن أصلها «ذوو» ﴿أفنان *﴾ أي جميع فن يتنوع فيه الثمار، وفنن وهو الغصن المستقيم طولاً الذي تكون به الزينة بالورق والثمر وكمال الانتفاع، قال عطاء: في كل غصن فنون من الفاكهة؛ ولهذا سبب عنه قوله: ﴿فبأيّ آلاء ربكما﴾ أي المربي لكما والمحسن إليكما ﴿تكذبان *﴾ أبنعمة الشم من جهة الفوق أو غيرها مما ذكره لكم من وصف الجنة الذي جعل لكم من أمثاله ما تعتبرون به. ولما كانت الجنان لا تقوم إلا بالأنهار قال: ﴿فيهما عينان﴾ أي في كل واحدة عين ﴿تجريان *﴾ أي في كل مكان شاء صاحبهما وإن علا مكانه كما تصعد المياه في الأشجار في كل غصن منها، وإن زاد علوها جرى على عيني دموعه الجاريتين من خشية الله وذلك على مثال جنان الدنيا، والشمس صاعدة في البروج الشمالية من تكامل المياه وتفجرها عيوناً في أيام الربيع والصيف لقرب العهد بالأمطار ﴿فبأي آلاء ربكما﴾ أي المالك لكما والمحسن إليكما ﴿تكذبان *﴾ أبنعمة الشم من جهة التحت أو غيرها مما ذكره وجعل له في الدنيا أمثالاً كثيراً. ولما كان بالمياه حياة النبات وزكاؤه، قال ذاكراً أفضل النبات: ﴿فيهما﴾ أي هاتين الجنتين العاليتين، ودل على جميع كل ما يعلم وزيادة بقوله: ﴿من كل فاكهة﴾ أي تعلمونها أو لا تعلمونها ﴿زوجان﴾

стр. 9846

أي صنفان يكمل أحدهما بالآخر كما لا يدرك كنه أحد الزوجين بسبب العمل بما يرضى والآخر بالانتهاء عما يسخط ﴿فبأيِّ آلاء ربكما﴾ أي النعم الكبار التي رباها الموجد لكما المحسن إليكما ﴿تكذبان *﴾ أبنعمة اللمس من الأمام أو غيرها من أنه أوجد لكما جنان الدنيا بواسطة حر النار التي هي أعدى عدوكما إشارة إلى أنه قادر على أنه يوجد برضوانه ومحبته من موضع غضبه وانتقامه إكراماً، فقد جعل ما في الدنيا مثالاً لما ذكر في الآخرة، فبأي شيء من ذلك تكذبان، لا يكمل الإيمان حتى يصدق المؤمن أنه تعالى قادر على أن يجعل من جهنم جنة بأن يجعل من موضع سخطه رحمة ويشاء ذلك ويعتبر ذلك بما أرانا من نموذجه. ولما كان التفكه لا يكمل حسنه إلا مع التنعم من طيب الفرش وغيره، قال مخبراً عن الذين يخافون مقام ربهم من قبيلي الإنس والجن مراعياً معنى ﴿من﴾ بعد مراعاة لفظها تحقيقاً للواقع: ﴿متكئين﴾ أي لهم ما ذكر في حال الاتكاء وهو التمكين بهيئة المتربع أو غيره من الكون على جنب، قال في القاموس: توكأ عليه: تحمل، واعتمد كأوكأ، والتكأة كهمزة: العصا، وما يتوكأ عليه، وضربه فأتكأه: ألقاه على هيئة المتكئ أو على جانبه الأيسر، وقال ابن القطاع: وضربته حتى أتكأته

стр. 9847

أي سقط على جانبه، وهو يدل على تمام التنعم بصحة الجسم وفراغ البال ﴿على فرش﴾ وعظمها بقوله مخاطباً للمكلفين بما تحتمل عقولهم وإلا فليس في الجنة ما يشبهه على الحقيقة شيء من الدنيا ﴿بطائنها﴾ أي فما ظنك بظواهرها ووجوهها ﴿من إستبرق﴾ وهو ثخين الديباج يوجد فيه من حسنه بريق كأنه من شدة لمعانه يطلب إيجاده حتى كأنه نور مجرد. ولما كان المتكىء قد يشق عليه القيام لتناول ما يريد قال: ﴿وجنا الجنتين﴾ أي مجنيهما اسم بمعنى المفعول - كأنه عبر به ليفهم سهولة نفس المصدر الذي هو الاجتناء ﴿دان *﴾ أي قريب من كل من يريده من متكىء وغيره لا يخرج إلى صعود شجرة، وموجود من كل حين يراد غير مقطوع ولا ممنوع. ولما كان ربما وجد مثل من ذلك شاهد له من أغصان تنعطف بجملتها فتقرب وأخرى تكون قريبة من ساق الشجرة فيسهل تناولها قال: ﴿فبأيِّ آلاء ربكما﴾ أي النعم الكبار الملوكية التي أوجدها لكما هذا المربي لكما الذي يقدر على كل ما يريد ﴿تكذبان *﴾ أبنعمة اللمس من جهة الوراء أم غيرها من قدرته على عطف الأغصان وتقريب الثمار.

стр. 9848

ولما كان ما ذكر لا تتم نعمته إلا بالنسوان الحسان، قال دالاًّ على الكثرة بعد سياق الامتنان بالجمع الذي هو أولى من التثنية بالدلالة على أن في كل بستان جماعة من النسوان، لما بهن من عظيم اللذة وفرط الأنس: ﴿فيهن﴾ أي الجنان التي علم مما مضى أن لكل فرد من الخائفين منها جنتين. ولما كان سياق الامتنان معرفاً بأن جمع القلة أريد به الكثرة مع ما ذكر من محسناته في سورة «ص» قال معبراً به: ﴿قاصرات الطرف﴾ أي نساء مخدرات هن في وجوب الستر بحيث يظن من ذكرهن بغير الوصف من غير تصريح، قد قصرن طرفهن وهممهن على أزواجهن ولهن من الجمال ما قصرن به أزواجهن عن الالتفات إلى غيرهن لفتور الطرف وسحره وشدة أخذه للقلوب جزاء لهم على قصر هممهم في الدنيا على ربهم. ولما كان الاختصاص بالشيء لا سيما المرأة من أعظم الملذذات قال: ﴿لم يطمثهن﴾ أي يجامعهن ويتسلط عليهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه نوع من أنواع السلطة سواء من إنسيات أو جنيات أو غير ذلك، يقال: طمثت المرأة كضرب وفرح: حاضت، وطمثها الرجل: افتضها وأيضاً جامعها، والبعير عقلته، فكأنه قيل: هن أبكار لم يخالط موضع الطمث منهن ﴿إنس﴾ ولما كان المراد تعميم الزمان أسقط الجارّ فقال: ﴿قبلهم﴾ أي المتكئين ﴿ولا جان *﴾ وقد جمع هذا

стр. 9849

كل من يمكن منه جماع من ظاهر وباطن، وفيه دليل على أن الجني يغشى الإنسي كما نقل عن الزجاج ﴿فبأيِّ آلاء ربكما﴾ أي النعم الجسام من المربي الكامل العلم الشامل القدرة القيوم ﴿تكذبان *﴾ أبنعمة اللمس من جهة اليمنى أم غيرها مما جعله الله لكم مثالاً لهذا من الأبكار الحسان، أو غير ذلك من أنواع الإحسان.

стр. 9850

ولما دل ما تقدم من وصف المستمتع بهن بالعزة والنفاسة، زاده على وجه أفاد أنه يكون بهن غاية ما يكون من سكون النفس وقوة القلب وشدة البدن واعتدال الدم وغير ذلك من خواص ما شبههن به فقال: ﴿كأنهن الياقوت﴾ الذي هو في صفاته بحيث يشف عن سلكه وهو جوهر معروف، قال في القاموس: أجوده الأحمر الرماني نافع للوسواس والخفقان وضعف القلب شرباً ولجمود الدم تعليقاً: ﴿والمرجان *﴾ في بياضه، وصغار الدر أنصع بياضاً، قال أبو عبد الله القزاز: والمرجان صغار اللؤلؤ، وهذا الذي يخرج من نبات البحر أحمر معروف - انتهى. وقد يستفاد من ذلك أن ألوانهن البياض والحمرة على نوع من الإشراب هو في غاية الإعجاب من الشفوف والصفاء، وهو مع ذلك ثابت لا يعتريه تغير ليطابق الحديث الذي فيه «يرى مخ ساقها من وراء سبعين حلة» وقال أبو حيان: شبههن بهما فيما يحسن التشبيه به فالياقوت في املاسه وشفوفه والمرجان في املاسه وجمال منظره ﴿فبأيِّ آلاء ربكما﴾ أي

стр. 9851

النعم الغريبة البالغة في الحسن من المالك الملك المربي ببدائع التربية ﴿تكذبان *﴾ أبنعمة اللمس من جهة اليسرى أم غيرها مما جعله مثالاً لما ذكر من وصفهن من تشبيه شيء بشيئين لبلوغ الأمر في الحسن إلى حد لا يساويه فيه شيء واحد ليشبه به، فهو كما قيل: بيضاء في دعج صفراء في نعج كأنها فضة قد شابها ذهب، وقد جعل سبحانه الأشياء الشفافة مثلاً لذلك وأنت ترى بعض الأجسام يكاد يرى فيه الوجه بل في سواد العين أعظم غرة حيث يرى فيه الوجه فإن السواد منشأ الظلام. ولما كان ألذ ما أفاده الإنسان من النعم ما كان تسبب منه، قال ساراً لهم بذلك مع ما فيه من لذة المدح لا سيما والمادح الملك الأعلى، معظماً له بسياق الاستفهام المفيد للإثبات بعد النفي المفيد للاختصاص على وجه الإنكار الشديد على من يتوهم غير ذلك: ﴿هل جزاء الإحسان﴾ أي في العمل الكائن من الإنس أو الجن أو غيرهم ﴿إلا الإحسان *﴾ أي في الثواب، فهذا من المواضع التي أعيدت فيها المعرفة والمعنى مختلف، روى البغوي بسنده عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «هل تدرون ما قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: يقول: هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة» وذلك جزاء إحسان العبد في العمل في مقابلة إحسان ربه إليه بالتربية ﴿فبأيِّ آلاء ربكما﴾

стр. 9852

أي النعم العظيمة الحسن من السيد الكريم العظيم الرحيم الجامع لأوصاف الكمال ﴿تكذبان *﴾ أبنعمة اللمس من جهة الفوق أم غيرها مما جعله الله سبحانه مثالاً في أن من أحسن قوبل بمثل إحسانه، وهذه الآية ختام ثمان آيات حاثة على العمل الموصل إلى الثمانية الأبواب الكائنة لجنة المقربين - والله الهادي. ولما كان قد علم مما ذكر أول هذا الكلام من الخوف مع ذكر وصف الإكرام، وآخره من ذكر الإحسان أن هذا الفريق محسنون، وكان من المعلوم أن العاملين طبقات، وأن كل طبقة أجرها على مقدار أعمالها، اقتضى الحال بيان ما أعد لمن دونهم: ﴿ومن دونهما﴾ أي من أدنى مكان، رتبة مما تحت جنتي هؤلاء المحسنين المقربين ﴿جنتان *﴾ أي لكل واحد لمن دون هؤلاء المحسنين من الخائفين وهم أصحاب اليمين، قال ابن عباس ﵄: دونهما في الدرج، وجعل ابن برجان الأربع موزعة بين الكل، وأن تخصيص هذه العدة إشارة إلى أنها تكون جامعة لما في فصول الدنيا الأربعة: الشتاء والربيع والصيف والخريف، وفسر بذلك قول النبي ﷺ «جنتان من ذهب أوتيتهما وما فيهما وجنتان من فضة أوتيتهما وما فيهما» ثم جوز أن يكون المراد بالدون الأدنى إلى الإنسان، وهو البرزخ، فتكون هاتان لأهل البرزخ كما كان ﴿وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك﴾ من عذاب القبر ﴿فبأيِّ آلاء ربكما﴾ أي المحسن بنعمه السابغة إلى الأعلى ومن دونه

стр. 9853

﴿تكذبان *﴾ أبنعمة اللمس من جهة التحت أم غيرها مما جعله الله في الدنيا مثالاً لهذا من أن بعض البساتين أفضل من بعض إلى غير ذلك من أنواع التفضيل. ولما كان ما في هاتين من الماء دون ما في الباقيتين، فكان ربما ظن أن ماءهما لا يقوم بأعلى كفايتهما قال: ﴿مدهامتان *﴾ أي خضراوان خضرة تضرب من شدة الري إلى السواد، من الدهمة، قال الأصبهاني: الغالب على هاتين الجنتين النبات والرياحين المنبسطة على وجه الأرض وفي الأوليين الأشجار والفواكه ﴿فبأيِّ آلاء ربكما﴾ أي نعم المحسن إلى العالي منكما ومن دونه بسعة رحمته ﴿تكذبان *﴾ أبنعمة الذوق من جهة الأمام أم غيرها مما جعله مثالاً لذلك من جنان الدنيا الكثيرة الري وغيره.

стр. 9854

ولما كان ذكر ما يدل على ريهما، حققه بقوله: ﴿فيهما﴾ أي في كل جنة لكل شخص منهم ﴿عينان نضاختان *﴾ أي تفوران بشدة توجب لهما رشاش الماء بحيث لا ينقطع ذلك، ولم يذكر جريهما فكأنهما بحيث يرويان جنتهما ولا يبلغان الجري، والنضخ دون الجري وفوق النضخ، قال الأصبهاني: وأصل النضخ بالمعجمة - انتهى. وكأنهما لمن تغرغر عيناه بالدمع فتمتلئان من غير جري، وقال ابن برجان ما معناه إن حر (؟) عدم جريهما لكونهما على مثال جنة خريف ما ههنا وشتاء به لبعد عهدهما بنزول الماء وسكنا في أعماق الأرض

стр. 9855

لينعكس بالنبع والفوران صاعداً مع أن الجنة لا مطر فيها ﴿فبأيِّ آلاء ربكما﴾ أي نعم المربي البليغ الحكمة في التربية ﴿تكذبان *﴾ أبنعمة الذوق من جهة ما وراء اللسان أم غيرها مما جعله مثالاً لذلك من الأعين التي تفور ولا تجري والأنابيب المصنوعة للفوران لأنها بحيث تروق ناظرها لصعودها بقوة نبعها وترشيشها من النعم الكبار. ولما ذكر الري والسبب فيه، ذكر ما ينشأ عنه فقال: ﴿فيهما فاكهة﴾ أي من كل الفاكهة، وخص أشرفها وأكثرها وجداناً في الخريف والشتاء كما في جنان الدنيا التي جعلت مثالاً لهاتين الجنتين فقال: ﴿ونخل ورمان *﴾ فإن كلاًّ منهما فاكهة وإدام، فلذا خص تشريفاً وتنبيهاً على ما فيهما من التفكه وأولاهما أعم نفعاً وأعجب خلقاً فلذا قدم ﴿فبأيِّ آلاء ربكما﴾ أي نعم المحسن إليكما أيها الثقلان بجليل التربية ﴿تكذبان *﴾ أبنعمة الذوق من اليمين أم من غيرها مما جعل مثالاً لهذا من جنان الدنيا وغير ذلك. ولما كان ما ذكر لا تكمل لذته إلا بالأنيس، وكان قد ورد أنه يكون في بعض ثمار الجنة وحمل أشجارها نساء وولدان كما أن أمثال ذلك في بطن مياه الدنيا ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾ [الأنبياء: ٣٠] قال جامعاً على نحو ما مضى من الإشارة إلى أن الجنتين لكل واحد من أفراد هذا الصنف: ﴿فيهن﴾ أي الجنان الأربع أو الجنان التي خصت للنساء، وجوز ابن برجان أن يكون الضمير للفاكهة والنخل والرمان فإنه يتكون منها نساء وولدان

стр. 9856

في داخل قشر الرمان ونحوه ﴿خيرات﴾ أي نساء بليغ ما فيهن من الخير، أصله خير مثقلاً لأن «خير» الذي للتفضيل لا يجمع جمع سلامة، ولعله خفف لاتصافهن بالخفة في وجودهن وجميع شأنهن، ولكون هاتين الجنتين دون ما قبلهما ﴿حسان *﴾ أي في غاية الجمال خلقاً وخلقاً ﴿فبأيِّ آلاء ربكما﴾ أي نعم الكامل الإحسان إليكما ﴿تكذبان *﴾ أبنعمة الذوق من جهة اليسار أمن من غيرها ممن جعله مثالاً لتكوين النساء والولدان والملابس والحلي من ثمار الأشجار والزروع التي من المياه التي بها العيش، ففيها التوليد وغير ذلك مما تظهره الفكرة لأهل العبرة لأن كل ما في الجنة ينشأ عن الكلمة من الرزق كما ينشأ عنه سبحانه في هذه الدار على تسبيب. . . والحكمة، ثم بينهن بقوله: ﴿حور﴾ أي ذوات أعين شديدة سواد السواد وشديدة بياض البياض، وقال ابن جرير: بيض جمع ﴿مقصورات﴾ أي على أزواجهن ومحبوسات، صيانة عن التبذل، فهو كناية عن عظمتهن ﴿في الخيام *﴾ التي هي من الدر المجوف الشفاف جزاء لمن قصر نفسه عن. . . الله فكف جوارحه عن الزلات، وصان قلبه عن الغفلات ﴿فبأيِّ آلاء ربكما﴾ أي الجليل الإحسان إليكما ﴿تكذبان *﴾ أبنعمة الذوق من جهة الفوق

стр. 9857

أم بغيرها مما جعله مثالاً لهذا في الدنيا، فإنه كما خلقنا من تراب ثم طورنا في أطوار الخلقة بحسب حكمة الأسباب كذلك خلق أولئك من أرض الجنة ورياضها وفواكهها عن كلمة السكان من غير أسباب. ولما كانت أنفس الأخيار ذوي الهمم العالية الكبار في الالتفات إلى الأبكار قال: ﴿لم يطمثهن﴾ أي يتسلط عليهن نوع سلطة ﴿إنس﴾ وعم الزمان بحذف الجار فقال: ﴿قبلهم﴾ أي انتفى الطمث المذكور في جميع الزمان الكائن قبل طمث أصحاب هذه الجنان لهن، فلو وجد في لحظة من لحظات القبل لما صدق النفي ﴿ولا جان *﴾ فهن في غاية الاختصاص كل بما عنده ﴿فبأيِّ﴾ أي فتسبب عن هذا التعدد لمثل هذه النعم العظيمة أنا نقول تعجيباً ممن يكذب توبيخاً له وتنبيهاً على ما له تعالى من النعم التي تفوت الحصر: بأيِّ ﴿آلاء ربكما﴾ أي النعم الجليلة من المدبر لكما بما له من القدرة التامة والعظمة الباهرة العامة ﴿تكذبان *﴾ أبنعمة الذوق من تحت أم بغيرها مما جعله مثالاً لهذا من الأبكار المخدرات، وجميع ما ذكر من النعم العامة الظاهرة في كل حالة في الدنيا والآخرة، وختم بالتقرير أربع وعشرون ثمان منها أول السورة من النعم الدنياوية، وست عشرة جنان، وجعلها على هذا العدد، إشارة إلى تعظيمها بتكثيرها فإنه عدد تام لأنه جامع لأكثر الكسور، ولذا قسم الدرهم وغيره أربعة وعشرون قيراطاً. ولما تم التقرير بالنعم المحيطة بالجهات الست والحواس الخمس على الوجه الأكمل من درء المفاسد وجلب المصالح كما تقدمت الإشارة إليه بمدكر،

стр. 9858

بقوله: ﴿فهل من مدكر﴾ [القمر: ١٧] في القمر، بالحسن فيها إلى الحواس الخمس وبتكرارها، وتكرار ﴿كيف كان عذابي ونذر﴾ [القمر: ١٨] ستاً إلى الجهات الست من جهة الوراء والخلف، أوترها بنعمة أخرى واحدة إشارة إلى أن السبب في هذا اعتقاد وحدانية الواحد تعالى اعتقاداً أدى الخضوع لأمر مرسل كلما جاء من عنده تعالى فلذلك كانت نعمة لا تنقطع أصلاً، بل كلما تم دور منها ابتدأ دور آخر جديد، وهكذا على وجه لا انقطاع له أبداً كما أن الواحد الذي هو أصل العدد لا انتهاء له أصلاً، وهذه النعمة الدالة على الراحة الدائمة التي هي المقصودة بالذات على وجه لا يرى أغرب منه ولا أشرف، فقال تعالى مبيناً حال المحسنين ومن دونهم مشركاً لهم في الراحة على ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر: ﴿متكئين﴾ أي لهم ذلك في حال الاتكاء ديدناً لأنهم لا شغل لهم بوجه إلا التمتع ﴿على رفرف﴾ أي ثياب ناعمة وفرش رقيقة النسج من الديباج لينة ووسائد عظيمة ورياض باهرة وبسط لها أطراف فاضلة، ورفرف السحاب هدبه أي ذيله المتدلي. ولما كان الأخضر أحسن الألوان وأبهجها قال: ﴿خضر وعبقري﴾ أي متاع كامل من البسط وغيرها هو في كماله وغرابته كأنه من عمل الجن لنسبته إلى بلدهم، قال في القاموس: عبقر موضع كثير الجن، وقرية بناؤها في غاية الحسن، والعبقري الكامل من كل شيء، والسيد والذي ليس فوقه شيء، وقال الرازي: هو الطنافس المخملة،

стр. 9859

قال ابن جرير: الطنافس الثخان، وقال القشيري: العبقري عند العرب كل ثوب موشى، وقال الخليل: كل جليل نفيس فاخر من الرجال وغيرهم، ومنه قول النبي ﷺ في عمر ﵁: «فلم أر عبقرياً من الناس يفري فريه» وقال قطرب: ليس هو من المنسوب بل هو بمزلة كرسي وبختي. ولما كان المراد به الجنس، دل على كثرته بالجمع مع التعبير بالمفرد إشارة إلى وحدة تكامله بالحسن فقال: ﴿حسان *﴾ أي هي في غاية من كمال الصنعة وحسن المنظر لا توصف ﴿فبأيِّ آلاء ربكما﴾ أي النعم العظيمة من المحسن الواحد الذي لا محسن غيره ولا إحسان إلا منه ولا تعد نعمه ولا تحصي ثناء عليه ﴿تكذبان *﴾ وبهذه الآية تمت النعم الثمان المختصة بجنة أصحاب اليمين إشارة إلى العمل لأبوابها الثمانية. والله الموفق. ولما دل ما ذكر في هذه السورة من النعم على إحاطة مبدعها بأوصاف الكمال، ودل بالإشارة بالنعمة الأخيرة على أن نعمه لا نهاية لها لأنه مع أن له الكمال كله متعال عن شائبة نقص، فكانت ترجمة ذلك قوله في ختام نعم الآخرة مناظرة لما تقدم من ختام نعم الدنيا معبراً هناك بالبقاء لما ذكر قبله، من الفناء، وهذا بما من البركة إشارة

стр. 9860

إلى أن نعمه لا انقضاء لها: ﴿تبارك﴾ قال ابن برجان: تفاعل من البركة، ولا يكاد يذكره جل ذكره إلا عند أمر معجب - انتهى، ومعناه ثبت ثباتاً لا يسع العقول جمع وصفه لكونه على صيغه المفاعلة المفيدة لبذل الجهد إذا كانت ممن تمكن منازعته، وذلك مع اليمن والبركة والإحسان. ولما كان تعظيم الاسم أقعد وأبلغ في تعظيم المسمى قال: ﴿اسم ربك﴾ أي المحسن إليك بإنزال هذا القرآن الذي جبلك على متابعته فصرت مظهراً له وصار خلقاً لك فصار إحسانه إليك فوق الوصف، ولذلك قال واصفاً للرب في قراءة الجمهور: ﴿ذي الجلال﴾ أي العظمة الباهرة فهو المنتقم من الأعداء ﴿والإكرام *﴾ أي الإحسان الذي لا يمكن الإحاطة به فهو المتصف بالجمال الأقدس المقتضي لفيض الرحمة على جميع الأولياء، وقراءة ابن عامر ﴿ذو﴾ صفة للاسم، وكذا هو في مصاحف أهل الشام، والوصفان الأخيران من شبه الاحتباك حذف من الأول متعلق الصفة وهو النقمة للأعداء، ومن الثاني أثر الإكرام وهو الرحمة للأولياء، فإثبات الصفة أولاً يدل على حذف ضدها ثانياً، وإثبات الفعل ثانياً يدل على حذف ضده أولاً، وقال الرازي في اللوامع: كأنه يريد بالاسم الذي افتتح به السورة وقد انعطف آخر السورة على أولها على وجه أعم، فيشمل الإكرام بتعليم القرآن وغيره والانتقام بإدخال النيران وغيرها - الله هو الموفق للصواب.

стр. 9861

سورة الواقعة مقصودها شرح أحوال الأقسام الثلاثة المذكورة في الرحمن للأولياء من السابقين واللاحقين والأعداء المشاققين من المصارحين والمنافقين من الثقلين للدلالة على تمام القدرة بالفعل بالاختيار الذي دل عليه آخر الرحمن بإثبات الكمال ودل عليه آخر هذه بالتنزيه بالنفي لكل شيء به نقص ثم الإثبات بوصف العظمة بجميع الكمال من الجمال والجلال، ولو استوى الناس لم يكن ذلك من بليغ الحكمة، فإن استواءهم يكون شبهة لأهل الطبيعة، واسمها الواقعة دال على ذلك بتأمل آياته وما يتعلق الظرف به) بسم الله (الذي له الكمال كله ففاوت بين الناس في الأحوال) الرحمن (الذي عم بنعمة البيان وفاضل قبولها بين أهل الإدبار وأهل الإقبال) الرحيم (الذي أقبل بأهل حزبه إلى أهل قربه ففازوا بمحاسن الأقوال والأفعال.

стр. 9862

لما صنف سبحانه الناس في تلك إلى ثلاث أصناف: مجرمين وسابقين ولاحقين، وختم بعلة ذلك وهو أنه ذو الانتقام والإكرام، شرح أحوالهم في هذه السورة وبين الوقت الذي يظهر فيه

стр. 9863

إكرامه وانتقامه بما ذكر في الرحمن غاية الظهور فقال بانياً على ما أرشده السياق إلى أن تقديره: يكون ذلك كله كوناً يشترك في علمه الخاص والعام: ﴿إذا وقعت الواقعة *﴾ أي التي لا بد من وقوعها ولا واقع يستحق أن يسمى الواقعة بلام الكمال وتاء المبالغة غيرها، وهي النفخة الثانية التي يكون عنها البعث الأكبر الذي هو القيامة الجامعة لجميع الخلق للحكم بينهم على الانفراد الظاهر الذي لا مدعى للمشاركة فيه بوجه من الوجوه، ويجوز أن يكون ﴿إذا﴾ منصوباً بالمحذوف لتذهب النفس فيه كل مذهب، فيكون أهول أي إذا وقعت كانت أموراً يضيق عنها نطاق الحصر. ولما كان هذا معناه الساعة التي أبرم القضاء بأنه لا بد من كونها، عبر عنه بانياً على مبتدأ محذوف فقال: ﴿ليس لوقعتها﴾ أي تحقق وجودها ﴿كاذبة *﴾ أي كذب فهي مصدر عبر عنه باسم الفاعل للمبالغة بأنه ليس في أحوالها شيء يمكن أن ينسب إليه كذب ولا يمشي فيها كذب أصلاً ولا يقر عليه، بل كل ما أخبر بمجيئه جاء من غير أن يرده شيء، وكل ما أخبر بنفيه انتفى فلا يأتي به شيء، وقرر عظمتها وحقق بعث الأمور فيها بقوله مخبراً عن مبتدأ محذوف: ﴿خافضة﴾ أي هي لمن يشاء الله خفضه من عظماء أهل النار وغيرهم

стр. 9864

مما يشاؤه من الجبال وغيرها إلى أسفل سافلين ﴿رافعة *﴾ أي لضعفاء أهل الجنة وغيرهم من منازلهم وغيرها مما يشاؤه إلى عليين، لا راد لأمره ولا معقب لحكمه. ولما كان في هذا من الهول ما يقطع القلوب الواعية أكده بقوله وزاد ما يشاء منه أيضاً بقوله مبدلاً من الظرف الأول بعض ما يدخل في الرفع والخفض: ﴿إذا رجت الأرض﴾ أي كلها على سعتها وثقلها بأيسر أمر ﴿رجاً *﴾ أي زلزلت زلزالاً شديداً بعنف فانخفضت وارتفعت ثم انتفضت بأهلها انتفاضاً شديداً، قال البغوي: والرج في اللغة التحريك. ولما ذكر حركتها المزعجة، أتبعها غايتها فقال: ﴿وبست الجبال﴾ أي فتتت على صلابتها وعظمها بأدنى إشارة وخلط حجرها بترابها حتى صار شيئاً واحداً، وصارت كالعهن المنفوش، وسيرت وكانت تمر مرّ السحاب ﴿بساً * فكانت﴾ أي بسبب ذلك ﴿هباء﴾ غباراً هو في غاية الانمحاق، وإلى شدة لطافته أشار بصيغة الانفعال فقال: ﴿منبثاً *﴾ أي منتشراً متفرقاً بنفسه من غير حاجة إلى هواء يفرقه فهو كالذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل في كوة. ولما ذكر غاية مبادئها المرجفة المرهبة، ذكر مبادئ غاياتها فقال: ﴿وكنتم﴾ أي قسمتم بما كان في جبلاتكم وطباعكم في الدنيا ﴿أزواجاً ثلاثة *﴾ أي أصنافاً لا تكمل حكمة صنف منها إلا بكونها قسمين: أعلى ودونه، ليكون ذلك أدل على تمام القدرة وهم أصحاب الميمنة المنقسمين إلى سابقين وهم المقربون، وإلى لاحقين وهم

стр. 9865

الأبرار أو أصحاب اليمين، وكأنهم من أولي القلب الذي هو العدل السواء من أصحاب المشأمة إلى آخر أصحاب الميمنة فأصحاب السواء هم المقربون، وبقية أصحاب الميمنة أصحاب اليمين، وأصحاب المشأمة هم أصحاب القسم الثالث، وكل من الثلاثة ينقسم إلى أعلى ودونه، وقد تبينت الأقسام الثلاثة آخر السورة، قال البيضاوي: وكل صنف يكون أو يذكر مع صنف آخر زوج. ولما قسمهم إلى ثلاثة أقسام وفرع تقسيمهم، ذكر أحوالهم وابتدأ ذلك بالإعلام بأنه ليس الخبر كالخبر كما أنه ليس العين كالأثر فقال: ﴿فأصحاب الميمنة *﴾ أي جهة اليمين وموضعها وأعمالها، ثم فخم أمرهم بالتعجيب من حالهم بقوله منبهاً على أنهم أهل لأن يسأل عنهم فيما يفهمه اليمين من الخير والبركة فكيف إذا عبر عنها بصيغة مبالغة فقال: ﴿ما﴾ وهو مبتدأ ثان ﴿أصحاب الميمنة *﴾ أي جهة اليمين وموضعها وأعمالها، والجملة خبر عن الأولى، والرابط تكرار المبتدأ بلفظه، قال أبو حيان رحمه الله تعالى: وأكثر ما يكون ذلك في موضع التهويل والتعظيم. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم الإعذار في السورتين المتقدمتين والتقرير على عظيم البراهين، وأعلم في آخر سورة القمر أن كل واقع في العالم فبقضائه سبحانه وقدره ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ [

стр. 9866

القمر: ٤٩] ﴿وكل شيء فعلوه في الزبر﴾ ﴿القمر: ٥٢] وأعلمهم سبحانه في الواقعة بانقسامهم الأخروي فافتتح ذكر الساعة ﴿إذا وقعت الواقعة﴾ إلى قوله ﴿وكنتم أزواجاً ثلاثة﴾ فتجردت هذه السورة للتعريف بأحوالهم الأخروية، وصدرت بذلك كما جرد في هذه السورة قبل التعريف بحالهم في هذه الدار، وما انجر في السور الثلاث جارياً على غير هذا الأسلوب فبحكم استدعاء الترغيب والترهيب لطفاً بالعباد ورحمة ومطالعها مبنية على ما ذكرته تصريحاً لا تلويحاً، وعلى الاستيفاء لا بالإشارة والإيماء، ولهذا قال تعالى في آخر القصص الأخراوية في هذه السورة: ﴿هذا نزلهم يوم الدين﴾ فأخبر أن هذا حالهم يوم الجزاء وقد قدم حالهم الدنياوي في السورتين قبل وتأكيد التعريف المتقدم فيما بعد، وذلك قوله ﴿فأما إن كان من المقربين﴾ إلى خاتمتها - انتهى. ولما ذكر الناجين بقسميهم، أتبعهم أضدادهم فقال: ﴿وأصحاب المشأمة﴾ أي جهة الشؤم وموضعها وأعمالها، ثم عظم ذنبهم فقال: ﴿ما أصحاب المشأمة﴾ أي لأنهم أهل لأن يسأل عما أصابهم من الشؤم والشر والسوء بعظيم قدرته التي ساقتهم إلى ما وصلوا إليه من الجزاء الذي لا يفعله بنفسه عاقل بل ولا بهيمة مع ما ركب فيهم من العقول الصحيحة والأفكار العظيمة وصان الأولين عن خذلان هؤلاء فأوصلهم إلى النعيم المقيم. ولما ذكر القسمين، وكان كل منهما قسمين، ذكر أعلى أهل

стр. 9867

القسم الأول ترغيباً في أحسن حالهم ولم يقسم أهل المشأمة ترهيباً من سوء مآلهم فقال: ﴿والسابقون﴾ أي إلى أعمال الطاعة أصحاب الجنتين الأوليين في الرحمان وهم أصحاب القلب ﴿السابقون *﴾ أي هم الذين يستحقون الوصف بالسبق لا غيرهم لأنه منزلة أعلى من منزلتهم فلذلك سبقوا إلى منزلتهم وهي جنتهم وهم قسمان كما يأتي عن الرازي، وعن المهدوي أن النبي ﷺ قال: «السابقون الذين إذا أعطوا الحق قبلوه وإذا سألوه بذلوه وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم» . ولما بين علو شأنهم ونسب السبق إليهم، ترجمه نازعاً للفعل منهم بقوله: ﴿أولئك﴾ أي العالو الرتبة جداً من الذين هم أصحاب الميمنة ﴿المقربون *﴾ أي الذين اصطفاهم الله تعالى للسبق فأرادهم لقربه أو أنعم عليهم بقربه ولولا فعله في تقريبهم لم يكونوا سابقين، قال الرازي في اللوامع: المقربون تخلصوا من نفوسهم فأعمالهم كلها لله ديناً ودنيا من حق الله وحق الناس، وكلاهما عندهم حق الله، والدنيا عندهم آخرتهم لأنهم يراقبون ما يبدو لهم من ملكوته فيتلقونه بالرضا والانقياد، وهم صنفان فصنف قلوبهم في جلاله وعظمته هائمة قد ملكتهم هيبتهم فالحق يستعملهم، وصنف آخر قد أرخى من عنانه، فالأمر عليه أسهل لأنه قد جاور بقلبه هذه الحطة ومحله أعلى فهو أمين الله في أرضه، فيكون الأمر عليه أسهل لأنه قد جاوز - انتهى. ثم

стр. 9868

بين تقريبه لهم بقوله: ﴿في جنات النعيم *﴾ أي الذي لا نعيم غيره لأنه لا كدر فيه بوجه ولا منغص، والصنف الآخر منهم المتقربون والمتشاققون من أصحاب المشأمة، أولئك المغضوب عليهم المبعودون، ومن دونهم الضالون البعيدون وهم أصحاب الشمال. ولما ذكر السابقين فصلهم فقال: ﴿ثلة﴾ أي جماعة كثيرة حسنة، وقال البغوي: والثلة جماعة غير محصورة العدد، ﴿من الأولين *﴾ وهم الأنبياء الماضون عليهم الصلاة والسلام، ومن آمن بهم من غير واسطة ﵃ ﴿وقليل من الآخرين *﴾ وهم من آمن بمحمد ﵊ كذلك بغير واسطة ﵃، فقد كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مائة ألف ونيفاً وعشرين ألفاً، وكان من خرج مع موسى ﵇ من مصر وهم من آمن به من الرجال المقاتلين ممن هو فوق العشرين ودون الثمانين وهم ستمائة ألف فما ظنك بمن عداهم من الشيوخ ومن دون العشرين من التابعين والصبيان ومن النساء، فكيف بمن عداه من سائر النبيين عليهم الصلاة والسلام. المجددين من بني إسرائيل وغيرهم، وقيل «الثلة والقليل كلاهما من هذه الأمة» ، رواه الطبراني وابن عدي عن ابن عباس ﵄، وفيه أبان بن أبي عياش وهو متروك ورواه إسحاق بن راهويه مسدد بن مسرهد وأبو داود الطيالسي وإبراهيم الحربي والطبراني من رواية علي بن زيد

стр. 9869

وهو ضعيف عن عقبة بن صهبان عن أبي بكرة ﵁ مرفوعاً وموقوفاً، والموقوف أولى بالصواب، وتطبيقه على هذه الأمة سواء كان مرفوعاً أو موقوفاً صحيح لا غبار عليه، فتكون الصحابة ﵃ كلهم من هذه الثلة وكذا من تبعهم بإحسان إلى رأس القرن الثالث وهم لا يحصيهم إلا الله تعالى، ومن المعلوم أنه تناقص الأمر بعد ذلك إلى أن صار السابق في الناس أقل من القليل لرجوع الإسلام إلى الحال الذي بدأ عليها من الغربة «بدأ الإسلام غريباً وسيكون غريباً فطوبى للغرباء» ويجوز أن يقدر أيضاً: وثلة - أي جماعة كثيرة هلكى - من الأولين، وهم المعاندون من الأمم الماضين، وقليل من الآخرين - وهم المعاندون من هذه الأمة.

стр. 9870

ولما ذكر السابقين في الخير بصنفيهم مشيراً إلى السابقين في الشر بصنفيهم، ذكر جزاء أهل الخير ليعلم منه جزاء أولئك، فقال مبيناً أنهم ملوك لكن ملكهم لا ينافس فيه ولا يحاسد، بل هو كله يقابل بالوداد والصفاء ﴿على سرر﴾ وهو ما يسر الإنسان من المقاعد العالية المصنوعة للراحة والكرامة التي هي آية الملك وهو العرش ﴿موضونة *﴾ أي منسوجة نسجاً مضاعفاً منضودة داخلاً بعضها في بعض مقارب النسج معجباً كالدرع لكن نسجها بالذهب مفصلاً بالجوهر من الدر والياقوت. ولما ذكر السرر وبين عظمتها، ذكر غايتها فقال: ﴿متكئين﴾

стр. 9871

أي متكئين هيئة المتربع أو غيرها من الجنب أو غيرها ﴿عليها﴾ ولما كان الجمع إذا كثر كان ظهور بعض أهله إلى بعض، أعلم أن جموع أهل الجنة على غير ذلك فقال: ﴿متقابلين *﴾ فلا بعد ولا مدابرة لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض ولا يكره بعضهم بعضاً. ولما كان المتكىء قد يصعب عليه القيام لحاجته قال: ﴿يطوف عليهم﴾ أي لكفاية كل ما يحتاجون إليه ﴿ولدان﴾ على أحسن صورة وزي وهيئة ﴿مخلدون *﴾ قد حكم ببقائهم على ما هم عليه من الهيئة، قال البغوي: تقول العرب لمن كبر ولمن شمط: إنه مخلد، قال: قال الحسن: هم أولاد أهل الدنيا، لم يكن لهم حسنات يثابون عليها ولا سيئات يعاقبون عليها لأن الجنة لا ولادة فيها، فهم خدام أهل الجنة. ولما كان مدحهم هذا في غاية الإبلاغ مع الإيجاز، وكان فيه - إلى تبليغ ما لهم - تحريك إلى مثل أعمالهم، وكان الأكل الذي هو من أعظم المآرب مشاراً إليه بالمدح العظيم الذي من جملته الاستراحة على الأسرة التي علم أن من عادة الملوك أنهم لا يتسنمونها إلا بعد قضاء الوطر منه فلم يبق بعده إلا ما تدعو الحاجة إليه من المشارب وما يتبعها قال تعالى: ﴿بأكواب﴾ أي كيزان مستديرة الأفواه بلا عرى ولا خراطيم لا يعوق الشارب منها عائق عن الشرب من أي موضع أراد منها فلا يحتاج أن يحول الإناء إلى الحالة التي تناوله عنها ليشرب، ويمكن أن تكون

стр. 9872

البدأة بالشراب لما نالوا من المتاعب من العطش كما لمن يشرب من الحوض فيكون حينئذ قبل الأكل والله أعلم ﴿وأباريق *﴾ أي أواني لها عرى وخراطيم فيها من أنواع المشارب ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ﴿وكأس﴾ أي إناء معد للشرب فيه والشراب نفسه. ولما كان الشراب عاماً بينه بقوله: ﴿من معين *﴾ أي خمر جارية صافية صفاء الماء ليس يتكلف عصرها بل ينبع كما ينبع الماء. ولما أثبت نفعها وما يشوق إليها، نفى ما ينفر عنها فقال: ﴿لا يصدعون﴾ أي تصدعاً يوجب المجاوزة ﴿عنها﴾ أي بوجع في الرأس ولا تفرق لملالة ﴿ولا ينزفون *﴾ أي يذهب بعقولهم بوجه من الوجوه أي يصرع شرابهم، من نزفت البئر - إذا نزح ماؤها كله، ونزف فلان: ذهب عقله أو سكر، وبنى الفعلان لملجهول لأنه لم تدع حاجة إلى معرفة الفاعل، وقال الرازي في اللوامع: قال الصادق: لا تذهل عقولهم عن موارد الحقائق عليهم ولا يغيبون عن مجالس المشاهدة بحال. ولما بدأ بالألذ الهاضم للأكل، تلاه بما يليه مما يدعو إليه الهضم تصريحاً به بعد التلويح فقال: ﴿وفاكهة مما يتخيرون *﴾ أي هو فيها بحيث لو كان فيها جيد وغيره واختاروا وبالغوا في التنقية لكان مما يقع التخير عليه، ولما ذكر ما جرت العادة بتناوله لمجرد اللذة، أتبعه ما العادة أنه لإقامة البينة وإن كان هناك لمجرد اللذة أيضاً فقال:

стр. 9873

﴿ولحم طير﴾ ولما كان في لحم الطير مما يرغب عنه، احترز عنه بقوله: ﴿مما يشتهون *﴾ أي غاية الشهوة بحيث يجدون لآخره من اللذة ما لأوله. ولما كان لم يكن بعد الأكل والشرب أشهى من الجماع، قال عاطفاً على ﴿ولدان﴾ : ﴿وحور العين *﴾ أي يطفن عليهم، وجره حمزة والكسائي عطفاً على ﴿سرر﴾ فإن النساء في معنى الاتكاء لأنهن يسمين فراشاً. ولما كان المثل في الأصل الشيء نفسه كما مضى في الشورى قال: ﴿كأمثال﴾ أي مثل أشخاص ﴿اللؤلؤ المكنون *﴾ أي المصون في الصدف عما قد يدنسه.

стр. 9874

ولما أبلغ في وصف جزائهم بالحسن والصفاء، دل على أن أعمالهم كانت كذلك لأن الجزاء من جنس العمل فقال تعالى: ﴿جزاء﴾ أي فعل لهم ذلك لأجل الجزاء ﴿بما كانوا﴾ جبلة وطبعاً ﴿يعملون *﴾ أي يجددون عمله على جهة الاستمرار. ولما أثبت لها الكمال وجعله لهم، نفى عنها النقص فقال: ﴿لا يسمعون﴾ أي على حال من الأحوال ﴿فيها لغواً﴾ أي شيئاً مما لا ينفع فإن أنكاً. . . بالسميع الحكيم ذلك، واللغو: الساقط ﴿ولا تأثيماً *﴾ أي ما يحصل به الإثم أو النسبة إلى الإثم، بل حركاتهم وسكناتهم كلها رضى الله، وما قطع قلوب السائرين إلى الله إلا هاتان الخصلتان بينا أحدهم

стр. 9875

يبني ما ينفعه مجتهداً في البناء إذ هو غلبه طبعه فهدم أكثر ما بنى، وبينا هو يظن أنه قد قرب إذا هو تحقق بمثل ذلك أنه قد بعد، نزحت داره وشط مزاره، فالله المستعان. ولما كان الاستثناء، معيار العموم، ساق بصورة الاستثناء قوله: ﴿إلا قيلاً﴾ أي هو في غاية اللطافة والرقة بما دل عليه المبني على ما قبلها محاسن مع ما تدل عليه مادة قوله. ولما تشوف السامع إليه بالعبير بما ذكر، بينه بقوله: ﴿سلاماً﴾ ودل على دوامه بتكريره فقال: ﴿سلاماً *﴾ أي لا يخطر في النفس ولا يظهر في الحس منهم قول إلا دالاًّ على السلامة لأنه لا عطب فيها أصلاً، وساقه مساق الاستثناء المتصل دلالة على أنه إن كان فيها لغو فهو ذلك حسب، وهو ما يؤمنهم وينعمهم ويبشرهم مع أنه دال على حسن العشرة وجميل الصحبة وتهذيب الأخلاق وصفاء المودة. ولما أتم سبحانه القسم الأول القلبي السوائي المولي من الثلاثة بقسميه، وذكر في جزائه مما لأصحاب المدن ما لا يمكنهم الوصول إليه، عطف عليه الثاني الذي هو دونه لذلك وهم والله أعلم الأبرار وهم أيضاً صنفان، وذكر في جزائهم من جنس ما لأهل البوادي أنهى ما يتصورونه ويتمنونه فقال: ﴿وأصحاب اليمين *﴾ ثم فخم أمرهم وأعلى مدحهم لتعظيم جزائهم، والإشارة إلى أنهم أهل لأن يسأل عن حالهم فإنهم في غاية الإعجاب فقال: ﴿ما أصحاب اليمين﴾ ولما عبر عنهم بما
следующие страницы →