← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 10326–10365 · переход к 10331.

стр. 10326

فالجواب: أن قوله:» لَئن أشركت ليحبطن عملك «قضية شرطية والقضية الشرطية لا يلزم (من) صدقها صدق جزئيها ألا ترى قولك: لَوْ كَانت الخَمْسة زوجاً لكانت منقسمة بمتساويين قضية صادقة مع أن كل واحد مِنْ جزئيتها غير صادق. قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلَاّ الله لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] . ولم ييلزم من هذا صدق القول بأن فيهما آلهة وأنهما قد فسدتا، قال المفسرون: هذا خطاب مع الرسول ﷺ َ - والمراد منه غيره، وقيل: هذا أدب من الله لنبيه وتهديده لغيره، لأن الله تعالى عصمه من الشركن وقوله: ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين﴾ قال ابن الخطيب: كما أن طاعات الأنبياء والرسل أفضل من طاعات غيرهم فكذلك القبائح التي تصدر عنهم فإنها بتقدير الصدور تكون أقبح لقوله تعالى: ﴿إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ الممات﴾ [الإسراء: ٧٥] فكان المعنى أن الشرك الحاصل منه بتقدير حصوله منه يكون تأثيره في غضب الله تعالى أقوى وأعظم. قوله: ﴿بَلِ الله فاعبد﴾ الجلالة منصوبة ب «اعْبُدْ» وتقدم الكلام في مثل هذه الفاء في البقرة، وجعله الزمخشري جواب شرط مقدر أي إن كنت عاقلاً فاعْبُدٍ اللَّهِ، فحذف الشرط، وجعل تقديم المفعول عوضاً لجمع بين العِوَض والمُعَوَّض عنه وقرأ عيسى بَل اللَّهُ - رفعاً - على الابتداء، والعائد محذوف أي فَاعْبُدْهُ. فصل لما قال الله تعالى: «قل أفغير الله تأمروني أعبد» يفيد أنهم أمروه بعبادة غيرالله فقال الله تعالى له لا تعبد إلا الله، فإن قوله «بَل اللَّهَ فَاعْبُدْ) يفيد الحصر» وَكُنْ مِن الشَّاكِرِينَ «لإنعامه عليك بالهِدَايَةِ.

стр. 10327

قوله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ قرأ الحسن وأبو حيوة وعيسى قَدَّرُوا بتشديد الدال حَقَّ قَدْرِهِ بفتح الدال، وافقهم الأعمش على فتح الدال من «قَدَرِهِ» والمعنى وما عظمه حق عظمته حين أشركوا به غيره. قوله: ﴿والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ﴾ مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال أي ما عظموه حق تعظيمه والحال أنه موصوف بهذه القدرة الباهرة، كقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] أي (كيف) تكفرون بمن هذا وصفه وحال ملكه كذا و «جميعاً» حال وهي دالة على أن المراد بالأرض الأرضون فإن هذا التأكيد لا يحسن إدخاله إلا على الجمع قال ابن الخطيب: ونظيره قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لبني إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: ٩٣] وقوله: ﴿أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ﴾ [النور: ٣١] وقوله: ﴿إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] ولأن الموضع موضع تفخيم ولعطف الجمع عليها (والعامل) في هذه الحال ما دل عليه «قَبْضَتُهُ» ، (ولا يجوز أن يعمل فيها «قَبْضَتُهُ» ) سواء جعلته مصدراً؛ لأن المصدر لا يتقدم عليه معموله أم مراداً به

стр. 10328

المقدار قال الزمخشري: ومع القصد إلى الجمع «يعني في الأرض» فإنه أريدَ به الجمع وتأكيده بالجميع أتبع الجميع مؤكده قبل مجيء الخبر ليعلم أول الأمر أن الخبر الذي يرد لا يقع عن أرض واحدة ولكن عن الأرض كلها. وقال أبو البقاء: و «جَمِيعاً» حال من الأرض، والتقدير: إذا كانت مجتمعةً قَبْضتُهُ أي مقبوضةً، فالعامل في «إذا» المصدر، لأنه بمعنى المفعول، وقال أبو علي في الحدة: التقدير: «ذَاتُ قَبْضَتِهِ» وقد رد عليه ذلك بأن المضاف إلَيْه لا يعْمَلُ فيما قبله، وهذا لا يصحُّ لن الآن غير مضاف إليه، وبعد حذف المضاف لا يبقى حكمه انتهى وهو كلام فيه إشكال؛ إذ لا حاجة إلى تقدير العامل في «إِذ» التي لم يلفظ بها. وقوله: ﴿قَبْضَتُهُ﴾ إنْ قَدَّرْنَا مضافاً - كما قال الفارسيُّ أي ذاتُ قبضته - لم يكن فيه وقوع المصدر موقع «مفعول» وإن لم يُقَدَّر ذلك احتمل أن يكون المصدر واقعاً موقعه، وحينئذ يقال: كيف أنّث المصدر الواقع موقع مفعول وهو غير جائز؟! لا يقال: حُلّة نَسْجَةُ اليَمَن بل نَسْجُ اليَمن أي مَنْسُوجُه. والجواب: أن الممتنع دخول التاء الدال على التحديد وهذه المجرد التأنيث. كذا أجيب. وليس بذاك فإن المعنى على التحديد لأنه أبلغ في القدرة، واحتمل أن يكون أريد بالمصدر مقدار (ذلك) (التحديد) . والقَبْضَةُ - بالفتح - المَرَّة، وبالضم اسم المقبوض كالغُرْفَة والغَرْفَة، قال تعالى: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرسول﴾ [طه: ٩٦] . والعامة على رفع «قبضته» والحسن ينصبها وخرَّجها ابن خالويه

стр. 10329

وجماعة على النصب على الظرفية أي « (في) قَبْضَتِهِ» . ورد هذا بأنه ظرف مختص فلا بد من وجود «في» وهذا هو رأي البصريين، وأما الكوفيون فهو جائز عندهم إذ يجيزون: زَيْدٌ دَارَك - بالنصب - أي في دَارك، وقال الزمخشري: جعلها ظرفاً تشبيهاً للمؤقت بالمبهم، فوافق الكوفيِّين. قوله: ﴿والسماوات مَطْوِيَّاتٌ﴾ العامة على رفع «مَطْوِيَّات» خبراً، و «بِيَميِنِهِ» فيه أوجه: أحدهما: أنه متعلق «بمطويات» . الثاني: أنه حال من الضمير في «مَطْوِيَّاتٍ» . الثالث: أنه خبر ثان، وعيسى والجحْدري نصباها حالاً واستدل بها الأخفش على جواز تقديم الحال إذا كان العامل فيها حرف جر نحو: زَيْدٌ قائِمٌ في الدار وهذه لا حجة فيها لإمكان تخريجها على وجهين: أظهرهما: أن يكون «السموات» نسقاً على الأرض ويكون قد أخبر عن الأرضين والسموات بأن الجميع قبضته ويكون «مطويات» حالاً من السموات، كما كان جميعاً حالاً من الأرض و «بيمينه» متعلق «بمِطْوِيَاتٍ» . والثاني: أن يكون «مطويات» منصوباً بفعل مقدر و «بِيَمِيِنِهِ» الخبر، و «مَطْوِيَّات» وعالمه جملة معترضة وهو ضعيف. (فصل لما حكمى عن المشركين أنهم أمروا الرسول بعبادة الأصنام ثم إنه تعالى أقام الدلائل على فساد وأمر الرسول بأن يعبد الله ولا يعبد سواه بين أنهم لو عرفوا الله حق

стр. 10330

معرفته لما جعلوا هذه الأشياء الخسيسة مشاركة له في العبودية فقال: ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي ما عظموا الله حقَّ عظمته فقال: ﴿والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ وروى البخاري أن حَبْراً من الأحْبَار أتى النبي ﷺ َ - فقال: يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السموات على أصبع والأرضين على أصبح والماء والثرى على أصبح وسائر الخالق على أصبع، ويقول: أنا الملك فضحك النبي ﷺ َ - حتى بدت نَوَاجِذُهُ تصديقاً لقوله الحَبْر ثم قرأ: «وَمَا قَدَرُوا اله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة» وروى مسلم قال: والجبالُ والشجرُ على إصبح وقال: ثم يهزّهُنَّ فيقول: أنا المَلِكُ أنَا الله وروى شبيةُ عن ابن أبي شَيْبَىَ بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ َ - «يَطْوِي الله السَّمَوَاتِ يَوْمَ القِيَامَةِ ثُمَّ يَأخُذُهُنَّ بِيَدِهِ اليُمْنَى ثم يقال: أَنَا المَلِكُ أيْنَ الجَبَّارُونَ أيْنَ المُتَكَبِّرُون» ولما بين عظمته قال: ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . فصل قال ابن الخطيب: وههنا سؤالات: الأول: أن العرض أعظم من السموات السبع، والأرضين السبع، ثم إنه تعالى قال في صفة العرش: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] فإذا وصف الملائكة بكونهم حاملين للعرش العظيم فيكف يجوز تقرير عظمته الله بكونه حاملاً للسموات والأرض؟! السؤال الثاني: قوله تعالى: ﴿والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ شرح حالاً لا يحصل إلا في القيامة والقوم ما شاهدوا ذلك فإن كان هذا الخطاب مع المصدقين للأنبياء فهم مقرون بأنه لا يجوز القول بجعل الأصنام شركاء لله فلا فائدة في إيراد هذه الحجة عليهم وإن كان الخطاب مع المكذبين في النبوة فهم ينكرون قوله: «والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة» فكيف يمكن الاستدلال به على إبطال القول بالشرك؟ . السؤال الثالث: حاصل القول بالقبضة واليمين هو القدرة الكاملة الوافية بحفظ هذه الأجسام العظيمة فكما أن حفظها وإمساكها يوم القيامة ليس إلا بقدر الله تعالى فكذلك الآن فما الفائدة في تخصيص هذه الأحوال بيوم القيامة؟ . والجواب عن الأول: أن مراتب التعظيم كثيرة فأولها تقرير عظمة الله بكونه قادراً على حفظ هذه الأجسام العظيمة كما أن حفضَها وإمساكها يوم القيامة عظيم، ثم بعده تقرير عظمته بكون قادراً على إمساك أولئك الملائكة الذين يحملون العرش.

стр. 10331

والجواب: عن الثاني: أن المقصود منه أن المتولي لإبقاء السموات والأَرَضِين من وجوه العِمَارة في هذا الوقت هو المتولي لتخريبها وإبقائها يوم القيامة وذلك يدل على حصول قدرة تامة على الإيجاد والإعدام ويدل أيضاً على كونه قادراً غنياً على الإطلاق فإنه يدل على أنه حاول تخريب الأرض فكأنه يقبض صغيرة، وذلك يدل على كمال الاستغناء. والجواب: عن الثالث: أنه إنما خصص تلك الحالة بيوم القيامة ليدل على أنه كما ظهر كمال قدرته في الإيجاد عند عمارة الدنيا يظهر كمال قدرته في الإعدام عند خراب الدنيا والله أعلم. قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ العامة على سكون الواو، وزيد بن علي وقتادة بفتحها جمع «صُورَة» وهذه ترد قول ابن عطية أن الصور هنا يتعين أن يكون القرن، ولا يجوز أن يكون جمع صورة وقرئ: فصعق - مبنياً للمفعول - وهو مأخوذ من قوله: «صَعَقَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ، يال: صَعَقَةُ الله فَصُعِقَ. قوله: ﴿إِلَاّ مَن شَآءَ الله﴾ (استثناء) متصل، والمستثنى إما جبريل وميكائيل وإسرافيل: وإما رِضْوَان والحور والزبانية، وإما البارئ تعالى، قاله الحسن وفيه نظر من حيث قوله ﴿مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض﴾ فإنه لا يتحيز فعلى هذا يتعين أن يكون منقطعاً. قوله: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى﴾ يجوز أن يكون» أخرى «هي القائمة مقام الفاعل وهي في الأصل صفة لمصدر محذوف أي نفخ فيه نفخة أخرى ويؤيده التصريح بذلك في قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣] فصرح بإقامة المصدر ويجوزُ أن يكون القائم مقامه الجارّ، و» أُخْرَى «منصوبة على ما تقدم.

стр. 10332

قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ﴾ العامة على رفع» قيام «خبراً، وزَيْدُ بْنُ عَلِيِّ نصبه حالاً، وفيه حنيئذ أوجه: أحدهما: أن الخبر» ينظرون «وهو العامل في هذه الحال أي فإذا هُمْ يَنْظُرُونَ قِيَاماً. والثاني: أن العامل في الحال ما عمل في «إذا» الفجائية إذا كانت ظرفاً. فإن كانت مكانية - كما قال سيبويه - فالتقدير فبِالحَضْرة هُمْ قياماً، وإن كان زمانية كقول الرّمَّانِي فتقديره: فَفِي ذلكَ الزمان هُمْ قياماً أي وجودهم، وإنما احتيجَ إلى تقدير مضاف في هذا الوجه لأنه لا يخبر بالزمان عن الجُثث. الثالث: أن الخبر محذوف هو العامل في الحال أي فإذا هم مبعوثُون أو مجموعون قياماً، وإذا جعلنا الفجائية حرفاً كقول بعضهم فالعامل في الحال إما «ينظرون» ، وإمّا الخبر المقدر كما تقدم تحقيقهما. فصل لما ذكر كمال قدرته وعظمته بما سبق ذكره أردفه بذكر طريق آخر يدل أيضاً على كمال عظمته وهو شرح مقدمات يوم القيامة، لأن نفخ الصور يكون قبل ذلك اليوم، فقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ الآية. اختلفوا في الصعقة فقيل: إنها غير الموت لقوله تعالى في موسى - عليه (الصلاة و) السلام) -: ﴿وَخَرَّ موسى صَعِقاً﴾ [الأعراف: ١٤٣] وهو لم يمت فهذه النفخة تورث الفزغ الشديد وعلى هذا فالمراد من نفخ الصعقة ومن نفخ الفزع واحد وهو المذكور في سورة النمل في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور فَفَزِعَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلَاّ مَن

стр. 10333

شَآءَ الله﴾ [النمل: ٨٧] وعلى هذا القول فنفخ الصور ليس إلا مرتين. وقيل: الصعقة عبارة عن الموت، والقائلون بهذا قالوا: المراد بالفزع أي كادوا يموتون من الفزع وشدة الصوت، وعلى هذا التقدري فالنخة الصعق، والثالثة نفخة القيام وهما مذكورتان في هذه السورة، وقوله: ﴿إِلَاّ مَن شَآءَ الله﴾ قال ابن عباس: نفخة الصعق يموت من في السموات ومن في الأرض إلا جبريل وميكائيل وإسرافيل: وَيبْقَى جبريل وملك الموت، ثم يموت عزرائيل ثم يموت ملك الموت، وقيل: المستثنى هم الشهداء لقوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] وروى أبو هريرة عن ﷺ َ - أنه قال: «هُمُ الشَّهَدَاءُ مُتَقَلِّدُونَ أسْيَافَهُمْ حَوْلَ العَرْشِ» وقال جابر: هو موسى ﷺ َ - لأنه صُعِقَ، ولا يصعق. وقيل: هم الحور العين وسكان العرش والكرسي، وقال قتادة: الله أعلم بهم وليس في القرآن والأخبار ما يدل على أنهم من هم. ثم قال: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ وهذا يدل على أن هذه النفخة متأخرة عن النفخة الأولة لأن لفظة «ثم» للتراخي. وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ َ - «مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْن أربعون» ، قالوا: أرْبَعون يَوْماً قال: أبَيْتُ قالوا: أربعون شهراً قال: أبيت قالوا أربعون سنةً، قال: أبيت قال: ثم ينزل الله من السماء ماءً فتَنْبتُونَ كما ينبت البَقْلُ ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلاّ عظمٌ واحد وهو عَجبُ الذَّنَب، وفيه يركب الخلق يوم القيامة «. وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ يعني أن قيامهم من القبور يحصل عقيب هذه النفخة الأخيرة في الحال من غير تراخ لأن الفاء في قوله: «فإذا هم» يدلّ على التعقيب، وقوله «يَنْظُرون» أي يقبلون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب عظيم، وقيل: ينظرون ماذا يفعل بهم، ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والجمود في مكان لأجل استيلاء الحَيْرة والدهشة عليهم. قوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأرض﴾ العامة على بنائه للفاعل، وابن عباس وأبو الجَوْزاء.

стр. 10334

وعُبَيدُ بنُ عُمَير، عل بنائه للمفعول وهو منقول بالهمزة من شَرقَتْ إذا طلعت، وليس من أشْرقَتْ بمعنى أضاءت لأن ذلك لازمٌ وجعله ابن عطيّة مثل رَجَعَ ورجَعْتُهُ، وَوَقَفَ وَوَقَفْتُهُ فيكون أشرق لازماً ومتعدياً. فصل هذه الأرض عَرْصة القيامة وليست بأرضنا الآن لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات﴾ [إبراهيم: ٤٨] وقوله: ﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾ أي خالقها يتجلى الرب لفصل القضاء بين خلقه، وقال الحسن والسدي: بنور ربها أي بعدل ربها قال عليه (الصلاة و) السلام: «إنَّكُمْ سَتَروْنَ رَبَّكُمْ» وقال: «كما لا تُضَارُّونَ فِي الشَّمْس في اليَوْم الصَّحْو» وقوله: ﴿وَوُضِعَ الكتاب﴾ أي كتاب الأعمال لقوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً﴾ [الإسراء: ١٣] وقوله: ﴿مَالِ هذا الكتاب لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَاّ أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩] وقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ. وقوله: ﴿وَجِيءَ بالنبيين والشهدآء﴾ قال ابن عباس: يعين الذين يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة، وهم أمة محمد ﷺ َ - وقال عطاء ومقاتل: يعني الحَفَظَة لقوله تعالى: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] وقي: أراد بالشهداء: المستشهدون في سبيل الله. ثم قال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بالحق﴾ أي بالعدل ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ أي يُزادون في سيئاتهم ولا يُنْقَصُ من حسناتهم «ووفِّيت كُلّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ» أن ثُوَابَ مَا عَمِلْتْ: واعلم أنه تعالى لما بين أنه يوصل إلى كل أحد حقه عبر عن هذا المعنى بأربع عبارات: أولها: قوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بالحق﴾ . وثانيها: قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ . وثالثها: قوله تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾ . واربعها: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ يعني أنه (إن) لم يكن عالماً بكيفيات أحوالهم فلعله لا يقضي (إلا) بالحق لأجل عدم العلم أما إذا كان عالماً

стр. 10335

بمقادير أفعالهم وبكيفياتها امتنع دخول الخطأ عليه، والمقصود من الآية المبالغة في تَقْرير أن كل مؤمن فإنه يصل إلى حقه، قال عطاء يريد أنّي عالم بأفعالهم لا أحتاج إلى كاتب ولا شاهد. قوله: ﴿وَسِيقَ الذين كفروا إلى جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ لما شرح أحوال أهل القيامة على سبل الإجمال وقال: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾ بين بعده كيفية أحوال العقاب ثم كيفية أحوال الثواب، فأما شرحُ أحوال العقاب فهو هذه الآية وهذا السَّوْق يكون بالعُنُق والدفع بدليل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] أي يدفعون دفعاص، وقوله: ﴿وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ [مريم: ٨٦] . قوله: ﴿زُمَراً﴾ و «زُمَرٌ» جمع «زُمْرة» وهي الجماعات في تفرقة بعضها في إثر بعض، و «تَزَمَّرُوا» تجمعوا قال: ٤٣١١ - حَتَّى احْزَأَلَّتْ زمُرٌ بَعْدَ زُمَرْ ... هذا قول أبي عبيد (ة) والأخفش، وقال الراغب: الزُّمْرة الجماعة القليلة، ومنه شاة زمرة أي قليلة الشعر، ورجل زَمِرٌ أي قليل المروءة، وزَمَرَت النَّعَامَةُ تَزْمُر زَمَاراً ومنه اشتق الزّمر. والزَّمَّارة كناية عن الفاجرة. قوله: ﴿حتى إِذَا﴾ تقدم الكلام في «حتى» الداخلة على «إذا» مِرَاراً، وجواب «إذا»

стр. 10336

قوله: فتحت. وتقدم خلاف القراء في التشديد والتخفيف في سورة الأنعام. قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ قرأ ابن هُرْمز أَلَمْ تَأْتِكُمْ بتاء التأنيث لتأنيث الجمع، و «مِنْكُمْ» صفة «الرسل» أو متعلق بالإتْيان و «يَتْلُونَ» صفة أُخْرى، و «خَالِدينَ» في الموضعين حال مقدرة. فصل بين تعالى أنهم يُسَاقُون إلى جهنم فإذا جاءوها فتحت أبوابُها، وهذا يدل على أن أبواب جهنم تكون مغلقة قبل ذلك وإنما تفتح عند وصول الكفار إليها فإذا دخلوا جهنم قال لهم خزنةُ جهنم: ألم يأتكم رسل منكم أي من جنسكم يتلون عليكم آياتِ ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا. فإن قيل: لِمَ أضيفَ اليوم إليهم؟ . فالجواب: أراد لقاء وقتكم هذا وهو وقت دخولهم النار لا يوم القيامة واستعمال لفظ اليوم (إليهم) والأيام في أقوات الشدة مستفيض فعند هذا تقول الكفار «بَلَى» أتونا وتَلَوْا علينا «وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذَابِ عَلَى الكَافِرينَ» أي وجبت كلمة العذاب على الكافرين وهي قوله عزو وجل: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] وهذا صريح في أن السعيد (لا ينقلب) شقياً والشقي لا ينقلب سعيداً، ودلت الآية على أنه لا وجوب قبل مجيء الشرع لأن الملائكة بينوا أنهم ما بقي لهم عُذرٌ ولا علة بعد مجيء الأنبياء - عليهم (الصلاة و) السلام -، (ولو) لم يكن مجيء الأنبياء شرطاً في استحقاق العذاب لما بقي في هذا الكلام فائدةٌ. ثم إنَّ إذا سَمِعُوا منهم هذا الكلام قالوا: لهم ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّم خَالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبرينَ. (قال المعتزلة: لو كان دخولهم النار لأجل أنهم حقت عليهم كلمة العذاب لم

стр. 10337

يبق لقول الملائكة: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين﴾ فائدة، وأجيبوا بأن (هذا) الكلام إنما يبقى مفيداً إذا قلنا: إنهم إنما دخلوا النار لأنهم تكبروا على الأنبياء ولم يقبلوا قولهم ولم يلتفتوا إلى دلائلهم، وذلك يدل على صحة قولنا. والله أعلمْ. قوله: ﴿وَسِيقَ الذين اتقوا رَبَّهُمْ إِلَى الجنة زُمَراً﴾ . فإن قِيلَ: السَّوْقُ في أهل النار معقول لأنهم لما أمروا بالذهاب إلى موضع العذاب لا بد وأن يُسَاقُوا إليه، وأما أهل الثواب فإذا أمروا بالذهاب إلى موضع السعادة والراحة فأيُّ حادة فيه إلى السَّوْق؟! . فالجواب: من وجوه: الأول: أن لامحبة ولاصداقة باقية بين المتقين يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَاّ المتقين﴾ [الزخرف: ٦٧] فإذا قيل لواحد منهم: اذهب إلى الجنة فيقول: لا أدخلها إلا مع أحبَّائِي وأصدقائي فيتأخرونَ لهذا السبب فحينئذ يحتاجون إلى السَّوق إلى الجنة. والثاني: أن المتقين قد عبدوا الله لا للجنة ولا للنار فتصير شدة استغراقهم في مشاهدة مواقف الجلال مانِعاً لهم من الرغبة في الجنة فلا جَرَمَ يحتاجون إلى أن يُسَاقُوا إلى الجنة. والثالث: أن النبي ﷺ َ - قال: «أكثر أهل الجنة البُلْهُ» فلهذا السبب يساقون إلى الجنة. الرابع: أن أهل النار وأهلا لجنة يساقون إلا أن المراد بسوق أهل النار طردهم إليها بالهَوَان والشدّة كما يفعل بالأسير الذي يساق إلى الحبس والقتل، والمراد بسوق أهل الجنة سوق مراكبهم لأنه لا يُذْهب بهم إلا رَاكِبينَ، والمراد بذلك لاسوق إسراعهم إلى دار الكرامة والرّضوان كما يفعل بمن يكرم من الوافدين إلى الملوك فشتان ما بين السَّوْقَتْينِ. قوله: «حتى إذا جاءوها وَفُتِحَتْ» في جواب «إذا» ثلاثة أوجه: أحدهما: قوله: ﴿وَفُتِحَتْ﴾ والواو زائدة وهو رأي الكوفيين والأخفش

стр. 10338

وإنّما جيء هنا بالواو دون التي قبلها لأن أبواب السجن تكون مغلقةً إلى أن يجيئها صاحب الجريمة فيفتح له ثم تغلق عليه فناسب ذلك عدم الواو فيها بخلاف أبواب السرور والفرح فإنها تفتحت انتظاراً لمن يدخلها فعلى ذلك أبواب جهنم تكون مغلقة لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها فأما أبواب الجنة ففتحها يكون متقدماً على دخولهم إليها كما قال تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأبواب﴾ [ص: ٥٠] فلذلك جيء بالواو فكأنه قيل: حتى إذا جاؤوها وقود فتحت أبوابها. والثاني: أن الجواب قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ على زيادة الواو أيضاً أي حتى إذا جاءوها قال لهم خزنتها. والثالث: أن الجواب محذوف قال الزمخشري: وحقه أن يقدر بعدك «خَالِدين» انتهى يعين لأنه يجيء بعد متعلقات الشرط وما عطف عليه، والتقدير: اطْمَأَنُوا وقدره المبرد: سُعِدُوا، وعلى هذين الوجهين فتكون الجملة من قوله: «وَفُتِحَتْ» في محل نصب على الحال. وق البغوي: قال الزجاج: القول عندي أن الجواب محذوف تقديره: حَتَّى إذا جاءوها وفتحت أبوابها، وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادْخُلُوها خالدين «دخلوها» . فحذف «دَخَلُوهَا» لدلالة لاكلام عليه، وسمى بعضهم الواو في قوله «وفتحت» واو الثمانية قال: لأن أبواب الجنة ثمانية وكذا قالوا في قوله: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] وقيل: تقديره: حتى إذا جاءوها (جاءوها) فوتحت أبوابها يعني أن الجواب بلفظ الشرط، ولكنه بزيادة تقييده بالحال فلذلك صَحَّ.

стр. 10339

قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها﴾ يريد أن خزنة الجنة يسلمون عليم ويقولون: طبتم قال ابن عباس: طاب لكم المقام. وقال قتادة: إنهم إذا قطعوا النار حُبسُوا على قَنْطَرة بين الجنة والنار فيقتص بعضهم من بعد حتى إذا هذبوا وطيبوا أُدْخِلُوا الجنة فيقول لهم رضوان وأصحابه: سَلَامٌ عليكم طبتم فادخلوها خالدين. وروي عن علي قال: سيقوا إلى الجنة فإذا انتهوا إليها وجدوا عند بابها شجرةً يخرج من تحت ساقها عَيْنَانِ فيغتسل المؤمن من إِحْدَايْهِما فيطهر ظاهره ويشرب منه الأخرى فيطهر باطنه وتتلقاهم الملائكة على أبواب الجنة يقولون: «سَلَامٌ عَلَيْكُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ» فعند ذلك يقول المتقون: الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض أي أرض الجنة وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور مِن بَعْدِ الذكر أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالحون﴾ [الأنبياء: ١٠٥] . قوله: «نَتَبَوَّأُ» جملة حالية و «حَيْثُ» مفعلو به، ويجوز أن تكون ظرفاً على بابها، وهو الظاهر، قال ابن الخطيب: إنما عبر عن أرض الجنة بالأرض لوجوه: الأول: أن الجنة كانت في أول الأمر لآدم - عليه (الصلاة و) السلام - لأنه تعالى قال: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة: ٣٥] فلما عادت الجنة إلى أولاد آدم كان ذلك سبباً للإرث. الثاني: أن هذا اللفظ مأخوذ من قول القائل: هذا الذي أورث كذا وهذا العمل أورث كذا. فلما كانت طاعاتهم قد أفادتهم الجنة لا جَرَمَ قالوا: وأورثنا الأرض، والمعنى أن الله تعالى أورثنا الجنة بأن وفقنا للإتيان بأعمال أَوْبَثتِ الجَنَّةَ. الثالث: أن الوارث يتصرف فيما يرثه كيف يشاء من غير منازع فكذلك المؤمنون المتقون يتصرفون في الجنة حين شاءوا وأرادوا. فإن قيل: هل يتبوأ أحدهم مكان غيره؟ . فالجواب: يكون الكل واحد منهم جنة لا يحتاج معها إلى جنة غيره. ثم قال تعالى: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين﴾ أي ثواب المطيعين، قال مقاتل: هذا ليس من كلام أهل الجنة بل الله تعالى لما حكى ما جرى بين الملائكة وبين المتقين من صفة ثواب أهل الجنة قال بعده: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين﴾ . قوله: ﴿وَتَرَى الملائكة حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العرش﴾ حَافّين جمع حَافِّ: وهو المحدق

стр. 10340

بالشيء من حَفَتْتُ بالشيء إذا أحَطْتَ به، قال: ٤٣١٢ - يَحُفُّهُ جَانِبَا نيقٍ وَيُتْبِعُهُ ... مِثْلَ الزّجَاجَةِ لَمْ تَكْحَلْ مِنَ الرَّمَدِ وهو مأخوذ من الحِفَاف وهو الجانب قال: ٤٣١٣ - لَهُ لَحَظَاتٌ عَنْ جَفَافَيْ سَرِيرِهِ ... إِذَا كَرَّهَا فِيهَا عِقَابٌ وَنَائِلُ وقال الفراء - وبتعه الزمخشري - ولا واحِدَ لحافّين وكأنهما رأيا أن الواحد لا يكون «حَافًّا» إذ الحفوف هوا لإحداق بالشيء والإحاطة به وهذا لا يتحقق إلا في جمع. فصل لما ذكر صفة (الثواب) البشر ذكر عقيبه ثواب الملائكة فكما دارُ ثواب المتقين هو الجنة فكذلك دارُ ثواب الملائكة جوانب العرش فقال: ﴿حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العرش﴾ أي محدقين محيطين بالعرش بحافيه أي جوانبه، قال الليث حَفَّ القَوْمُ بسَيِّدِهِمْ يَحُفُّونَ حَفًّا إِذَا طافوا به. قوله: ﴿مِنْ حَوْلِ﴾ في «من» وجهان: أحدهما: وهو قول الأخفش: أنها مزيدة. والثاني: أنها للابتداء.

стр. 10341

وقوله ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ «يسبحون» حال من الضمير في «حافين» ، قيل هذا تسبيح لتذذ لا تسبيح تعبد، لأن التكليف يزول في ذلك اليوم وهذا يشعر بأن ثوابهم هو عَين ذلك التسبيح. قوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالحق﴾ هذا الضمير إما للملائكة، وإما للعباد (ة) وَقِيلَ: قضى بين أهل الجنة والنار بالعدل ﴿وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبِّ العالمين﴾ وقيل: إن الملائكة لما قضى بينهم (بالحق) قالوا: الحمد لله رب العالمين على قضائه بيننا بالحق. روى أبو أمامة عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ َ - (وشرف كرم وبجل ومجد وعظم) : «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الزُّمَر لَمْ يَقْطَعِ اللَّهُ رَجَاءَهُ وَأعْطَاهُ ثَوَابَ الخَائِفينَ» وعن عاشئة ﵂ قالت: «كان رسول اله ﷺ َ - يَقْرَأُ كُلَّ ليلة بني إِسْرَائِيلَ والزُّمَر» . رواهما الثعلبي في تفسيره. والله (تعالى) أعلم.

стр. 10342

(رب يسر برحمتك يا كريم وأغن يا رحيم) بسم الله الرحمن الرحيم سورة غافر

стр. 10343

مكية وتسمى سورة الطول، وسورة المؤمن، وهي خمس وثمانون آية، وألف ومائة وتسع وتسعون كلمة وأربعة آلاف وتسعمائة وستون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿حم﴾ كقوله الَمَ وبابه، وقرأ الأخوان وأبو بكر وابن ذكوان بإمالة (حا) في السور السبع إمالة محضة، وورش، وأبو عمرو بالإمالة بين بين، والباقون بالفتح، والعامة على سكون الميم كسائر الحروف المقطعة. وقرأ الزهري برفع الميم على أنه خبر مبتدأ مضمر، أو مبتدأ والخبر ما بعدها، وابن إسحاق وعيسى بفتحها وهي تحتمل وجهين: أحدهما: أنها منصوبة بفعل مقدر أي اقرأ حم، وإنما منع من الصرف للعملية والتأنيث، أو العلمية وشبه العجمة وذلك أنه لس في الأوزان العربية وزن «فاعيل» بخلاف الأعجمية نحو قابيل وهابيل.

стр. 10344

والثاني: أنها حركة بناء تخفيفاً كَأَيْنَ وكَيْفَ. وفي احتمال هذه الوجهين ولن الكميت: ٤٣١٤ - وَجَدْنَا لَكُمْ في آلِ حَامِيم آيَةً ... تَأَوَّلَهَا مِنَّا تَقِيٌّ ومُعْرِبُ وقول شُرَيح بن أوفى: ٤٣١٥ - يُذَكِّرُنِي حَامِيم والرُّمْحُ شَاجِرٌ ... فَهَلَاّ تَلَا حَامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ وقرأ أبو السَّمَّالِ بكسرها، وهل يجوز أن يجمع (حم) على «حواميم» ونقل ابن الجوزي عن شيخه الجواليقي أنه خطأ وليس بصواب بل الصواب أن تقول قرأت أل حم، وفي الحديث عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ َ «إذَا وَقَعْتُ فِي آلِ حمَ وَقَعْتُ في رَوْضَاتٍ أَتأَنَّقُ فيهن» وقال سعيد بن إبراهيم: كلّ آل حم يسمين العرائس، قال الكُمَيْتُ: ٤٣١٦ - وحدنا لكم في آل حاميم ... ... ... ... ....... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .

стр. 10345

ومنهم من جوزه، وروي في ذلك أحاديث منها قوله عليه (الصلاة و) السلام: «الحَوَامِيمُ دِيبَاجُ القرآن» ، وقوله ﵊ ُ: «الحواميمُ سبعُ وأبوابٌ جهنَّمَ سبعُ: جهنمُ والحُطَمَةٌ ولَظَى والسعيرُ وسَقَرُ والهاويةُ والجحيمُ فتجيء كل جسم منهم يوم القيامة على باب من هذه الأبواب فتقول لا يدخل النار من كان يؤمن بي ويقرأني» وقوله ﵊ ُ: «لكل شيء ثمرةٌ وثمرةُ القرآن ذواتُ حم هن روضات حسان مخصبات متجاورات فمن أجب أن يَرْتَعَ في رِيَاضِ الجنة فليقرأ الحواميم» ، وقوله ﵊ ُ: «الحواميم في القرآن كمثل الحِبَرَاتِ في الثياب» وقال ابن عباس ﵄ لكل شيء لُباب ولُباب القرآن الحواميمُ. فإن صحت هذه الأحاديث فهي الفصل في ذلك. قوله «تَنْزِيلُ» إما خبرٌ ل «حمَ» إن كانت مبتدأ، وإما خبر لمبتدأ مضمر، أو مبتدأ وخبره الجار بعده. قال ابن الخطيب: قال «تنزيل» والمراد منه المنزل. فصل روي السُّدي عن ابن عباس ﵄ قال: حم اسم الله الأعظم، وروى عكرمة عنه قال: الم وحم ون حروف الرحمن مقطعة، وقاله سعيد بن جبير: (وقال) عطاء الخراساني: الحاء افتتاح أسمائه حكيم حميد حي حليم حنان، والميم افتتاح اسمائه ملك مجيد. قال الضحاك والكسائيّ معناه قضى ما هو كائن كأنهما أشارا إلى أن معناه: حُمَّ، بضم الحاء وتشديد الميم. قوله «مِنَ اللهِ» لما ذكر أن حم تنزيل الكتاب وجب بيان أن المنزل من هو؟ فقال: من الله، ثم بين أن الله تعالى موصوف بصفات الجلالة فقال «العَزِيزِ العَلِيمِ» . فبين أنه بقدرته وعلمه نزل القرآن الذي يتضمن المصالح والإعجاز، ولولا كونه عزيزاً عالماً لما صح ذَلك. قوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب شَدِيدِ العقاب﴾ في هذه الأوصاف ثلاثة أوجه:

стр. 10346

أحدها: أنها كلها صفات الجلالة ك العزيز، والعليم. وإنما جاز وصف المعرفة بهذه وإن كانت إضافتها لفظية لأنه يجوز أن تجعل إضافتها (معنوية) فيتعرَّف بالإضافة نص سيبويه على أن كل ما إضافته غير محضة جاز أن يجعل محضة وتوصف به المعارف إلا الصفة المشبهة، ولم يستثن غيره شيئاً وهم الكوفيون يقولون في مثل «حَسَن الوَجْهِ» بأنه يجوز أن تصير إضافته محضة. وعلى هذا فقوله: «شَدِيدِ العِقَابِ» من باب الصفة المشبهة فكيف أجزت جعله صفة للمعرفة وهو لا يتعرف إلا بالإضافة؟ والجواب: إمّا بالتزام مذهب الكوفيين وهو أن الصفة المشبهة يجوز أن تتمخض إضافتها أيضاً فتكون معرفة وإما بأن «شديد» بمعنى مشدد كأَذِين بمعنى «مؤذن» فتتمحض إضافته. والثاني: أن يكون الكلِ أبْدالاً لأن إضافتها غير محضة قاله الزمخشري، إلا أن هذا الإبدال بالمشتق قليل جداً إلا أن يهجر فيها جانب الوصفية. الثالث: أن يكون «غَافِرِ» و «قَابِلِ» نعتَيْنِ و «شَدِيدِ» بدلاً لِمَا تقدم من أن الصفة المشبهة لا تتعرف بالإضافة قاله الزجاج إلا أن الزمخشري قال: جعل الزجاج «شديد العقاب» وحده بدلاً للصفات فيه نُبُوٌّ ظاهر. والوجه أن يقال: لما صُودِفَ بين هذه المعارف هذه النكرة الواحدة فقد آذنت بأنها كلها أبدال غير أوصاف، ومثال ذلك قصيدة جاءت تفاعيلها كلها على «مُسْتَفْعِلُن» فهي محكوم عليها بأنها من الرجز، فإن وقع فيها جزءٌ واحد على «مُتَفَاعِلُن» كانت من الكامل. وناقشه أبو حيان فقال: ولا نُبُوَّ في ذلك؛ لأن الجري على القواعد التي قد استقرت وصحت وهو الأصل. وقوله «فقد آذنت بأن كلها أبدال» تركيب غير عربي لأنه جعل فقد آذنت جواب لما، وليس من كلامهم: لَمَّا قَامَ زَيْدٌ فَقَدْ قَام عَمْرو. وقوله بأنّ كلها أبدال فيه تكرير للأبدال إمّا بدل البَدَاء عند من أثبته فقد تكررت فيه الأبدال، وإما بدل كل من كل وبدل بعض من كل

стр. 10347

وبدل اشتمال، فلا نص على أحد من النحويين أعرفه في جواز التكرار فيها أو منعه إلا أن في كلام بعض أصحابنا ما يدل على أن البدل لا يكرر وذلك في قول الشاعر: ٤٣١٧ - فَإلَى ابْنِ أُمِّ أُنَاسَ أَرْحَلُ نَاقَتِي ... عَمْرٍو فَتُبْلِغُ حَاجَتِي أو تُزْحِفُ مَلِكٍ إذَا نَزَلَ الوُفُودُ ببَابِهِ ... عَرَفُوا مَوَارِدَ مُزْبِدٍ لَا يُنْزِفُ قال: «فملك» بدل من «عمرو» بدل نكرة من معرفة، قال: فإن قلتَ: ألا يكون بدلاً من «أبن أم أناس» قلتُ: لأنه قد أبدل منه «عمراً» فلا يجوز أن يبدل منه مرة أخرى لأنه قد طرح انتهى. قال أبو حيان: فدل هذا على أن البدل لا يتكرر ويتحد المبدل منه، ودل على أن البدل من البدل جَائز. قال شهاب الدين: وهذا البحث قد تقدم في قوله ﴿غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم﴾ [الفاتحة: ٧] فلْيُلْتَفَتْ إليه. قال: وقوله تفاعيلها هو جمع تِفْعال أو تُفْعُول أو تَفْعِيل وليس شيء منها معدوداً من أجزاء العروض، فإن أجزاءه مُنْحَصِرَة ليس فيها شيء من هذه الأوزان فصوابه أن يقول: جاءت أجزاؤها كلها مُسْتَفعِلُن. وقال الزمخشري أيضاً: ولقائل أن يقول هي صفات وإنما حذفت الألف واللام من «شديد» لِيُزَاوجَ ماقبله وما بعده لفظاً فقد غيروا كثيراً من كلامهم عن قوانينه لأجل الإزاج، قالوا: ما يعرف سَحَادَلَيْهِ من عُنَادَلَيْهِ، فَثنَّوا ما هو «وَتر» لأجل ما هو «

стр. 10348

شَفْعٌ» . على أن الخليل قال في قولهم: ما يَحْسُنُ بالرجل (مِثْلِكَ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، وما يَحْسُنُ بالرجل) خير منك أنه على نية الألف واللام كما كان الجَمَّاء الغفير على نية طرح الألف واللام، ومما سهل ذلك الأمن من اللبس وجهالة الموصوف. قال أبو حيان: ولا ضرورة إلى حذف «آل» من «شديد العقاب» وتشبيهه بنادر مغير وهو تثنية الوَتْر لأجل الشفع فيتنزه كتاب الله عن ذلك. قال شهاب الدين: أما الازدواج وهو المشاكلة من حيث هو فإنه واقع في القرآن وقد مضى منه مواضع. وقال الزمخشري أيضاً: ويجوز أن يقال: قد تعمد تنكيره وإبهامه للدلالة على فرط الشِّدَّةِ على ما لا شيء أدْهَى منه وَأَمرّ لزيادة الإنذار. ويجوز أن يقال: هذه النكتة هي الداعية إلى اختيار البدل على الوصف إذا سلكت طريق الإبدال انتهى. وقال مكي: يجوز في «غافر وقابل» البدل على أنهما نكرتان لا ستقبالهما والوصف على أنهما معرفتان لمُضِيِهِمَا. وقال ابن الخطيب لا نزال في جعل «غافر» صفة، وإنما كانا كذلك لأنهما يفيدان معنى الدوام والاستمرار فكذلك (شديد العقاب) يفيد ذلك لأن صفاته منزهة عن الحدوث والتجدد فمعناه كونه بحيث شديد عقابه، وهذا المعنى حاصل أبداً لا يصوف بأنه حصل بعد أن لم يكن قال أبو حيان: وهذا كلام من لم يقف على علم النحو ولا نظر فيه ويلزمه أن يكون «حَكيٍمٌ عَلِيمٌ» و «مَلِيكٌ مُقْتَدِرٌ» معارف لتنزيه صفاته عن الحدوث والتجدد، ولأنها صفاتٌ لم تَحْدُثْ لم تحصل بعد أن لم تكن ويكون تعريف صفاته بأل وتنكيرها سواء، وهذا لا يقوله مبتدىءٌ في علم النحو

стр. 10349

بَلْه أن يًصَنّفَ فيه ويقدم على تفسير كتاب الله تعالى. وقد سُرِدَتْ هذه الصفات كلياً من غير عاطف إلا «قابل التوت» قال بعضهم: وإنما عطف لاجتماعهما وتلازمهما وعدم انفكاك أحدهما عن الآخر وقطع «شديد» عنهما فلم يعطف لانفراده. قال أبو حيان: وفيه نزعة اعتزالية، ومذهب أهل السنة جواز الغفران للعاصي وإن لم يتب إلا الشرك. قال شهاب الدين: وما أبعده عن نزعة الاعتزالية. ثم أقول: التلازم لازم من جهة أنه تعالى متى قَبِلَ التوبة فقد غفر الذنبل وهو كَافٍ في التَّلَازُم. قال الزمخشري فإن قلتَ: ما بال الواو في قوله: «وَقَابِلِ التَّوْبِ» ؟ قلتُ: فيها نكتة جليلة وهي إفادة الجمع المذنب والتائب بين رحمتين بين أن يقبل توبته فيقبلها فيكتبها له طاعة من الطاعات وإن لم يجعلها مَحَّاءَةً للذنبوب كمن لم يذنب كأنه قال: جامعُ المغفرة والقبول أنتهى. وبعد هذا الكلام الأنيق وإبراز هذه المعاني الحسنة قال أبو حيان: وما أكثر تَهَجُّحَ هذا الرجل وشَقْشَقَتَه، والذي أفاد: أن الواو للجمع وهذا معروف من ظاهر علم النحو. قال شهاب الدين: وقد أنشدني بعضهم ﵀: ٤٣١٨ - وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلاً صَحِيحاً ... وآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ (وآخر) : ٤٣١٩ - قَدْ تُنْكِرُ العَيْنُ ضَوْءَ الشَّمْسِ مِنْ رَمَدٍ ... وَيُنْكِرُ الفَمُ طَعْمَ المَاءِ مِنْ سَقَمِ والتَّوْبُ (يحتمل) أن يكون اسماً مفرداً مراداً به الجِنس كالذَّنْب، وأن يكون

стр. 10350

جمعاً لتَوْبَةٍ كتَمْرٍ وتَمْرَةٍ و «ذِي الطَّوْلِ» نعت أو بدل كما تقدم، والطَّوْلُ سَعَةُ الفَضْل، و «لَا إله إلَاّ هُوَ» يجوز أن يكون مستأنفاً، وأن يكون حالاً وحي حالٌ لازمةٌ، وقال أبو البقاء يجوز أن يكون صفة، وهذا على ظا هره فاسد؛ لأن الجُمَل لا تكون صفة للمعارف، ويمكن أن يريد أنه صفة لشديد العقاب، لأنه لم يتعرف بالإضافة. والقول في «إلَيْهِ المَصِيرُ» كالقول في الجملة قبله ويجوز أن يكون حالاً من الجُمْلَةِ قبله. فصل قال المفسرون: غافر الذنب ساتر الذنب وقابل التوب أي التوبة، مصدر تَابَ يَتُوبُ تَوْباً، وقيل: التوب جمع توبة مثل: دَوْمَة ودَوْم، وعَوْمة وعَوْم، وقال ابن عباس ﵄: غافر لمن قال لا إله إلا الله، وقال التوب لمن قال لا إله إلا الله، شديد العقاب لمن لا يقول لا إله إلا الله، «ذي الطول» ذي الغِنَى عمن لا يقول لا إله إلا الله. قال مجاهد: ذي الطول ذي السَّعَةِ، والغِنَى، وقال الحسن: ذي الفضل، وقال قتادة: ذو النعم، وقيل: ذو القدرة، وأصل الطَّوْل الإنعام الذي تطولُ مُدَّتُهُ على صابحه، لا إله إلا هو إليه المصير. والمعنى أنه لما وصف نفسه بصفاتِ الرحمة والفضل فلو حصل معه إله آخر يشاركه في صفة الرحمة والفضل لما كانت الحاجة إلى عبوديته شديدة فكان الترغيب والترهيب الكاملين حاصلين بسبب هذا التوحيد. وقوله «إلَيثْهِ المَصِيرُ» مما يقوِّي الرغبة في الإقرار بالعبودية. قوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ في آيَاتِ الله إِلَاّ الذين كَفَرُواْ﴾ لما قرر أن القرآن كتابه أنزله ليهتدى به في الدين ذكر أقوال من يجادل لغرض إبطاله فقال ﴿ما يجادل في آيات الله﴾ أي في دفع آيات الله بالتكذيب والإنكار إلا الذين كفروا. واعلم أن الجدالَ نوعان، جدالٌ في تقرير الحق، وجدالٌ في تقرير الباطل، أما الجدال في تقرير الحق فهو حِرْفة الأنبياء ﵊ ُ قال تعالى لمحمد

стр. 10351

عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ ﴿وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] وحكى عن قوم نوح قولهم: ﴿قَالُواْ يانوح قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: ٢٣] . وأما الجدال في يتقرير الباطل فهو مذموم وهو المراد بهذه الآية، وقال ﵊ ُ: «إنَّ جِدَالاً في القُرْآنِ كُفْرٌ» وروى عمرو بنُ شُعَيْبٍ عن أبيه عن جده قال: «سمع رسول الله ﷺ َ قوماً يَتَمارَوْنَ فقال: إنما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلضكُمْ بهذا ضربوا كتابَ الله بعضَه ببعض، وإنما نزمل كتاب الله يُصَدِّق بعضه بعضاً فلا تكذبوا بعضَه ببعض فما علمتم منه فقُولُوه، وما جَهْلتم فكِلُوهُ إلى عالمه» ، وقال تعال: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَاّ جَدَلَا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] وقال: ﴿وَجَادَلُوا بالباطل لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق﴾ [غافر: ٥] . قوله «فَلَا يَغْرُرْكَ» قرأ العامة بالفك وهي لغة الحِجَاز، وزيدُ بنُ عليّ وعُبَيْدُ بن عُمَيْرٍ فلا يَغُرَّكَ بالإدغام مفتوح الراء وهي لغة تَمِيمٍ. فصل جدالهم في آيات الله هو قولهم مخرة سحرٌ، ومرة هو شعرٌ، ومرة إنه قول الكهنة، ومرة إنه أساطير الأولين، ومرة إنه يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، وقولهم: ﴿مَآ أَنتُمْ إِلَاّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ [يس: ١٥] أَأنْزِلَ عَلَيْنَا المَلَائِكَةُ، وأشباه هذا. ثم قال: ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي البلاد﴾ أي لا تغترَّ بأني أمْهَلْتُهُمْ وتركتهم سالمين في أبدانهم وأموالهم يتقلبون في البلاد أي يتصرفون فيها للتجارات وطلب المعاش فإني وإن أمهلتهم فإني سآخذهم وأنتقم كما فعلت بالأمم الماضية. ثم كشف عن هذا المعنى فقال ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ والأحزاب مِن بَعْدِهِمْ﴾ وهم الكفار الذين تحزبوا على أنبيائهم بالتكذيب من بعد قوم نوح ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ ، وقال ابن عباس ﵄: ليقتلوه ويُهلكوه وقيل: ليأسِرُوه. وقرأ عبد الله بِرَسُولِها، أعاد الضمير على لفظ «الله» والجمهور على معناها، وفي قوله «

стр. 10352

ليأخذوه» عبارة عن المُسَبَّبِ بالسَّبَبِ وذلك أن القتل مسبب عن الأخذ ومنه قيل لِلأسير: أخِيذٌ قال: ٤٣٢٠ - فَإمَّا تأْخُذُونِي تَقْتُلُونِي ... فكَمْ مِنْ واحدٍ يَهْوَى خُلُودِي ﴿وَجَادَلُوا بالباطل لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق﴾ ليُبْتطِلُوا به الحق الذي جاءت به الرسلُ، ﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ اجتزاءٌ بالكسرة عن ياء المتكلم وصلاً ووقفاً؛ لأنها رأ س فاصلة، والمعنى فأنزلت بهم من الهلاك ما هموا بإنزاله بالرسل، وأرادوا أن يأخذوهم فأخذتهم أنا فيكف كان عقابي إيَّاهُم؟ أليس كان مستأصلاً؟ فأنا أفعل بقومك ما فعلت بهؤلاء إن أصروا على الكفر والجدال في آيات الله. قوله تعالى (تعالى) «وَكَذَلِكَ حَقَّتْ» يحتمل الكاف أن تكون مرفوعة المحل على خبر مبتدأ مضمر، أي والأمر كذلك: ثم أخبر بأنه حقت كلمة الله عليهم بالعذاب، وأن يكون نعتاً لمصدر محذوف أي مثل ذلك الوجوب من عقابهم وجب على الكفرة، والمعنى كما حقت كلمة العذاب على الأمم المكذبة حقت أيضاً على الذين كفروا من قومك. قوله ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النار﴾ يجوز أن يكون على حذف حرف الجِرّ أي لأَنَّهُم (فحذف) فيجري في محلها القولان (قال الأخفش لأَنَّهُمْ أو بأَنَّهُمْ أَصْحَابُ النار) ، ويجوز أن يكون في محل رفع بدلاً من «كلمةٍ» . وقد تقدم خلافهم في أفراد «كَلِمَة» وجمعها، وأن نافعاً وابن عامر قرأ «كلمات» على الجمع والباقون بالإفراد.

стр. 10353

قوله: «الَّذِينَ يَحْمِلُونَ» مبتدأ و «يًسَبحُونَ» خبره، والعامة على فتح عين العَرش وابن عباس في آخرينَ بضَمَّها. فقيل: يحتمل أن يكون جمعاً لعَرْش كسُقُفٍ في سَقْفٍ وقوله «مِنْ حَوْلِهِ» يحتمل أن يكون مرفوع المحل عطفاً على «الذين يحملون العرش» أخبر عن الفريقين بأنهم يسبحون، وهذا هو الظاهر، وأن يكون منصوب المحل عطفاً على «العَرْشِِ» يعني أنهم يحملون أيضاً الملائكة الحافين بالعرش، وليس بظاهر. فصل لما بين أن الكفار يبالغون في إظهار العداوة مع المؤمنين بين أن أشرف طبقات المخلوقات هم الملائكة الذين هم حملة العرش والحافّون حول العرش يبالغون في إظهار المحبة والنصرة للمؤمنين، فكأنه تعالى يقول: إن كان هؤلاء الأراذل يبالغون في العداوة فلا تلفت إليهم ولا تُقِمْ لهم وزناً فإن حملة العرش معك، والحافّون من حول العرش ينصرونك وهم الكُرُبِيُّونَ، قال ابن عباس ﵄: حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمسمِائةِ عام، وروى جعفرُ بْنُ محمد عن أبيه عن جده أنهن قال: بين القائمةِ من قوائم العرش والقائمة الثانية خَفَقان الطير المسرع ثلاثين ألف عامٍ. وقال مجاهد: بينَ السماءِ الثانية وبين العرش سبعونُ ألف حجاب: حجاب من نور، وحجاب من ظلمة، وقال وهب بن منبه: إن حول العرشِ سبعونَ ألف صفٍّ من الملائكة، صفّ خلف صفّ يطوفون بالعرش. قوله ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ قال شهر بن حوشب: حملةُ العرش ثمانيةٌ، فأربعةٌ منهم يَقُولُون: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ لَكَ الحَمْدُ عَلَى حِلْمك بعد عِلْمك، وأربعةٌ منهم يقولون: سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ لك الحمدُ على عَفْوِك بعْدَ قدْرَتِكَ؛ قال: وكأنهم يرون ذنوب بني آدَمَ.

стр. 10354

وقوله: «ويُؤمِنُونَ بِهِ» فيه سؤال وهو أن يقال: ما الفائدة في قوله «ويؤمنون به» مع أن الاشتغال بالتسبيح والتحميد لا يمكن إلا بعد سبق الإيمان بالله؟ وأجاب الزمخشري: بأن المقصودَ منه التنبيه على أن الله تعالى لو كان حاضراً لكان حملة العرش والحافون بالعرش يشاهدونه ويعاينونه، ولو كان كذلك لما كان إيمانهم بوجود الله موجباً للمدْجِ والثناء لأن الإقرارَ بوُجُود شيءٍ مشاهد معاين لا يوجب المدح والثناء، ألا ترى أن الإقرار بوجود المشس وبكونها مضيئةً لا يوجب المدح والثناء؟ فلما ذكر الله إيمانهم بالله على سبيل المدح والثناء والتعظيم دل على أنهم إنما آمنوا به مع أنهم ما شاهدوه حاضراً جالساً هُنَاكَ. قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ اعلم أن كمال السعادة بأمرين: أحدِهِمَا: التعظيم لأمر الله. والثاني: الشفقة على خلق الله، ويجب أن يكون التعظيم لأمر الله مقدماً على الشفقة على خلق الله، فقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ مشعر بالتعظيم لأمر الله، وقوله ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ مشعرٌ بالشفقة على خلق الله، واحتج كثير من العلماء بهذه الآية على أن المَلَكَ أفضلُ من البشر؛ لأنها دلت على أن الملائكة لما فرغوا من ذكر الله تعالى بالثناء والتقدير اشتغلوا بالاستغفار لغيرهم وهم المؤمنون وهذا يدل على أنهم مستغنون بأنفسهم؛ إذ لو كانوا محتاجين إلى الاستغفار لاستغفروا لأنفسهم أولاً، لقوله ﷺ َ «ابدأ بنفسك» ولقوله تعالى لمحمد ﵊ ُ ﴿واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات﴾ [محمد: ١١] ٍ وقال عن نوح ﵊ ُ ﴿رَّبِّ اغفر لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات﴾ [نوح: ٢٨] وهذا يدل على أن من كان محتاجاً إلى الاستغفار (فإنه يقدم الاستغفار لنفسه على الاستغفار لغيره والملائكة لو كانوا محتاجين إلى الاستغفار) لاستغفروا لأنفسهم أولاً ثم استغفروا لغيرهم، ولما لم يذكر الله تعالى استغفارهم لأنفسهم علمنا أنهم لم يكونوا محتاجين إلى الاستغفار، وأما الأنبياء عليهم الصلاة واسلام فهم كانوا محتاجين إلى الاستغفار لقوله تعالى لمحمد ﵊ ُ «واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ» فظهر أن لملك أفضل من البشر والله أعلم. قوله «رَبَّنَا» معمول لقول مضمر تقديره يقولون ربنا، والقول المضمر في محل

стр. 10355

نصب على الحال من فاعل «يستغفرون» أو خبرٌ بعد خبر، و «رَحْمَةً وعِلْماً» تمييز منقول من الفاعلية أي وسع كل شيء رَحْمَتُكَ وعِلْمُكَ. واعلم أن الدعاء في أكثر الأمر مذكور بلفظ «الرب» ؛ لأن الملائكة قالوا في هذه الآية «ربنا» ، وقال آدمُ ﵊ ُ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣] وقال نوحٌ: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً﴾ [نوح: ٥] وقال ﴿رَّبِّ اغفر لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح: ٢٧] وقال إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى﴾ [البقرة: ٢٦٠] وقال: ﴿رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] وقال يوسفُ ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الملك﴾ [يوسف: ١٠١] وقال مُوسى ﵊ ُ: ﴿رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] وقال: ﴿ (رَبِّ) إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغفر لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص: ١٦] وحكى عن داود ﵊ ُ أنه استغفر ربه وخر راكعاً وقوله سلمانُ ﵊ ُ ﴿رَبِّ اغفر لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَاّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بعدي إِنَّكَ أَنتَ الوهاب﴾ [ص: ٣٥] ، وحكى عن زَكَرِيَّا ﵊ ُ أنه ﴿نادى رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً﴾ [مريم: ٣] وقال عيسى ﵊ ُ: ﴿رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السمآء﴾ [المائدة: ١١٤] وقال تعالى لمحمد ﵊ ُ: ﴿وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشياطين﴾ [المؤمنون: ٩٧] وحكى عن المؤمنين أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً ... .﴾ [آل عمران: ١٩١] . فإن قيل: لفظ الله أعظم من لفظ الرب فلم خص لفظ الربِّ بالدعاء؟ فالجواب: بأن العبد يقول: كنتُ في العدم المحض والنفي الصِّرْفِ فأخرجتَنِي إلى الوجود وربَّيتني فاجعل تربيتك لي شفيعاً إليك في أن لا تُخَلِّينِي طرفة عين عن تربيتك وإحسانك (وفضلك) ، لإجابة دعائي. فإن قيل: قوله ربنا وسعت كل شيء رحمةً وعلماً فيه سؤال، لأن العلم وسعَ كل شيء وأما الرحمة فما وصلت إلى كل شيء؛ لأن المضرورَ حال وقوعه في الضرر لا يكون ذلك في حقه رحمة وهذا السؤال أيضاً مذكور في قوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] . فالجواب: كل موجود فقد نال من رحمة الله نصيباً؛ لأن الوجود إما واجب وإما ممكن أما الواجب فليس إلا الله (سبحانه) وتعالى. وأما الممكن فوجوده من الله تعالى وبإيجاده وذلك رحمة فثبت أنه لا موجود غير الله إلا وقد حصل له نصيب من الرحمة

стр. 10356

فلهذا قال: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً﴾ هذه الآية دلت على أنه تعالى عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها من الكليات والجزئيات. قوله: ﴿فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ واتبعوا سَبِيلَكَ﴾ دينك ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الجحيم﴾ . فإن قيل: لا معنى للغُفْران إلا إسقاط العذاب وعلى هذا فلا فرق بين قوله «فاغْفِرْ لَهُمْ» وبين قوله ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الجحيم﴾ . فالجواب: قولهم: فاغفر فيه رمز وإشارة لإسقاط العذاب، فلهذا أردفوه بذكره على سبيل التصريح تأكيداً ومبالغة. واعلم أنهم لما طلوا من الله إزالة العذاب (عنهم) أردفوه بطلب إيصال الثواب إليهم فقالوا: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ التي وَعَدْتَّهُمْ﴾ . فإن قيل: أنتم زعمتم أن الشفاعة إنما جعلت للمذنبين وهو الآية تُبْطِلُ ذَلِك، لأنه تعالى ما وعد المذنبين بأن يدخلهم جنات عَدْن. فالجواب: (لا نسلم أنه) ما وَعَدَهُمْ بذلك، لأن الدلائل الكثيرة دلت على أنه لا يخلد أهل «لا إله إلا الله، محمد رسول الله» في النار، وإذا أخرجهم من النار وجب أن يدخلهم الجنة فكان هذا وعد من الله بأن يدخلهم جنات عدن إما من غير دخول النار، وإما بعد أن يدخلهم النار. قوله: «وَمَنْ صَلَحَ» في محل نصب إما عطفاً على مفعول «أَدْخِلْهُمْ» وإما على مفعول «وَعَدتَهُمْ» وقال الفراءُ والزجاج نصبه من مكانين إن شئت على الضمير في «أَدْخِلْهُمْ: وإن شئت على الضمير في» وَعَدتَهُمْ «. والعامة على فتح لام» صَلَحَ «يقال: صَلَحَ فهو صَالِحٌ، وابنُ أبي عبلة بضمها، يقال: صَلُحَ فَهُو صَلِيحٌ. والعامة على» ذرِّيّاتهم «جمعاً، وعيسى» ذُرِّيَّتهم «إفراداً. والمراد بقوله ومن صلح من أهل الإيمان. ثم قالوا ﴿إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ . وإنما ذكروا في دعائهم هذين الوصفين، لأنه لو لم يكن عزيزاً بل كان بحيث يغلب ويمنع لما صح وقوع المطلوب منه ولو لم يكن

стр. 10357

حكيماً لما حصل هذا المطلوب على وفق الحكمة والمصلحة. ثم قالوا: بعد ذَلِكَ «وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ» (قال بعضُ المفسرين المراد منه عذاب السيئات. فإن قيل: فعلى هذا التقدير لا فرق بين قوله: «وقهم السيئات» ) وبين قوله ﴿وقهم عذاب الجحيم﴾ وحينئذ يلزم التكرار الخالي من الفائدة وهو لا يجوز! فالجواب: أنّ التفاوت حاصلٌ من وجهين: الأول: أن يكون قوله ﴿وقهم عذاب الجحيم﴾ ، دعاء مذكوراً (للأصُولِ وقوله «وقهم السيئات» دعاء مذكوراً) للفروع وهم الآباء والأزواج والذريات. الثاني: أن يكون قوله ﴿وقهم عذاب الجحيم﴾ مقصوراً على إزالة عذاب الجحيم، وقوله «وقهم السَّيِّئَات» يتناول عذاب الجحيم وعذاب موقف القيامة والحساب والسؤال. وقال بعض المفسرين: المراد: «وَقِهِم السيئات» هو أن الملائكة طلبوا إزالة عذاب النار بقولهم: «عذاب الجحيم» وطلبوا إيصال الثواب (إليهم) بقولهم: ﴿وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ ثم طلبوا بعده ذلك أن يصونهم الله تعالى في الدنيا عن العقائد الفاسدة بقولهم: «وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ» ثم قالوا ﴿وَمَن تَقِ السيئات يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ يعني من تقِ السيئات في الدنيا فقد رحمته في يوم القيامة، ثم قالوا ﴿وَذَلِكَ هُوَ الفوز العظيم﴾ حيث وجدوا بأعمال منقطعة نعيماً لا ينقطع وبأفعالٍ حقيرة مُلْكاً لا تصل العقول إلى كُنْهِ جلالته والله أعلم. قوله: «يَوْمَئِذٍ» التنوين عوض من جملة محذوفة، ولكن ليس في الكلام جملمة مصرحٌ بها عوض من هذه التنوين بخلاف قوله: ﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] أي حين إذْ بَلَغَتْ الحلقومَ لِتَقَدُّمِهَا في اللفظ فلا بدّ من تقدير جملة يكمون هذا عوضاً منهاتقديهر: يَوْمَ إذْ يُؤَاخَذُ بِهَا. فَصْلٌ قال مُطرفٌ: أنصحُ عباد الله للمؤمنين الملائكة وأغشُّ الخلقِ للمؤمنين هم

стр. 10358

الشياطين، قال سعيد بن جبير في تفسير قوله ﴿من صلح من آبائهم﴾ يدخل المؤمن الجنة فيقول: ابن أبي؟ أين ولدي؟ أين زوجتي؟ فيقال لهم: إنهم لم يعملوا مثل عملك فيقول: إن كنت أعمل لي ولهم فيقال: أدخولهم الجنة.

стр. 10359

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ﴾ أي يوم القيامة وهم في النار وقد مقتوا أنفهسم حين عرض عليهم سيئاتهم وعاينوا العذاب فيقال لهم: ﴿لَمَقْتُ الله أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمان فَتَكْفُرُونَ﴾ أي لمقت الله إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم اليوم أنفسكم عند دُخُول العذاب قال البغوي. واعلم أن الله تعالى عاد إلى شرح أحوال الكافرين المجادلين في آيات الله، وهم المذكورون في قوله ﴿مَا يُجَادِلُ في آيَاتِ الله إِلَاّ الذين كَفَرُواْ﴾ [غافر: ٤] وبين أنهم في القيامة يعترفون بذنوبهم واستحقاقهم العذاب ويسألون الرجوع إلى الدنيا ليتلافوا ما فرط مِنْهُمْ. قوله «إذْ تُدْعَوْنَ» منصوب بمقدر يدل عليه (هذا الظاهر، تقديره مقتكم إذ تدعون، وقدّره بعضهم: اذكروا إذ تدعون) . وجوز الزمخشري أن يكون منصوباً بالمقت الأول. ورد عليه أبو حيان بأنه يلزم الفصل بين المصدر ومعموله بالأجنبي وهو الخبر، وقال: هذا من ظواهر علم النحو التي لا تكاد تَخْفَى على المُبْتَدِىءِ، فضلاً عن من يَدَّعِي من العجم أنه شيخ العرب والعجم، قال شهاب الدين: وَمِثْلُ هذها لا يفخى على أبع القاسم، وإنما أراد أنه دال على ناصبه، (و) على تقدير ذلك

стр. 10360

فهو مذهب كوفي ق به. أو لأن الظَّرْفَ يُتَّسَحُ فيه ما لا يُتَّسَعُ في غيره، وأيُّ غموض في هذا محتى يُنْحي عليه هذا الإنحاء؟ ولله درّ القائل: ٤٣٢١ - حَسَدُوا الفَتَى إذْ لَمْ يَنَالُوا سَعْيَهُ ... فالقَوْمُ أعْتدَاءٌ لَهُ وَخُصُومُ كَضَرَائِرِ الحَسْنَاءِ قُلْنَ لِوَجْهِهَا ... كَذِباً وَزُوراً إنَّهُ لَذَمِيمُ وهذا الرد سبقه إليه أبو البقاء فقال: ولا يجوز أن يعمل فيه مقت الله؛ لأنه مصدر أخبر عنه وهو قوله «أَكْبَرُ» فمن ثم أخذه أبو حيان، ولا يجوز أن ينتصب بالمقت الثاني لأنهم لم يمقتوا أنفسهم وقت دعائهم إلى الإيمان إنما مَقتُوهَا يَوْمَ القيامة. والظاهر أن «مقت الله» واقع في الدنيا كما تقدم في تفسير الآية. وجوز الحسن أن يكون في الآخرة وضعفه أبو حيان بأنه يبقى «إذْ تُدْعَوْنَ» مفلّتاً من الكلام لكونه ليس له عامل مقدم فلا يفسر قائلاً فإذا كان المقت في الدنيا أمكن أن يضمر له عامل تقديره (مقتكم) . قال شهاب الدين: وهذا التجري على مثل الحسن يهون عليك تَجَرِّيه على الزمخشري ونحوه. واللام في «لَمَقْتُ» لام اتبداء، أو قسم، ومفعوله محذوف أي لمقت الله إياكم أو أنفسكم فهو مصدر مضاف لفاعله كالثاني. ولا يجوز أن تكون المسألة من باب التنازع في «أنفسكم» بين المقتين؛ لئلا يلزم الفصل بالخبر بين المقت الأول ومعموله على تقدير إعماله. لكن قد اختلف النحاة في مسألة وهي التنازع في فِعْلَي التعجب فمن منع اعتل بما ذكرته لأنه لا يُفْصَلُ بين فعل التعجب ومعموله، ومن جوز فقال: يلتزم (إعمال) الثاني حتى لا يلزم الفصل فليكن هذا منه، والحق عدم الجواز فإنَّه على خلاف قاعدة التنازع.

стр. 10361

فصل ذكروا في تفسير مقتهم أنفسهم وجوهاً: الأول: أنهم إذا شاهدوا القيامة والجنة والنار مقتوا أنفسهم على إصرارهم على التكذيب بهذه الأشياء في الدنيا. الثاني: أن الأتباع يشتد مقتهم للرؤساء الذين دَعَوْهُم إلى الكفر في الدنيا، والرؤساء أيضاً يشتد مقتهم للأتباع فعبر عن مقت بعضهم بعضاً بأنهم مقتوا أنفسهم كقوله تعالى: ﴿فاقتلوا أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] ، والمراد قتل بعضهم بعضاً. الثالث: قال محمد بن كعب (القُرَظِيّ) : إذا خطبهم إبليس وهم في النار بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾ إلى قوله: ﴿ولوموا أَنفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢] ففي هذه الحالة مقتوا أنفسهم، وأما الذين ينادُون الكفار بهذا الكلام فهم خزنةُ جَهَنَّمَ. فصل المقت: أشد البغض وذلك في حق الله تعالى محال، فالمراد منه الإنكار والزجر، قال الفراء قوله ﴿يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ الله﴾ معناه ينادون أن مقت الله، يقال: ناديت إن زيداً قائمٌ، وناديت لَزَيْدٌ قائم. ثم إنه تعالى بين أن الكفار إذا خوطبوا بهذا الخطابُ قالوا: ﴿ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ... . .﴾ الآية: «اثنتين» نعت مصدر محذوف تقديره إمَاتَتَيْنِ اثْنَتَيْن. قال عباس وقتادة والضحاك: كانوا أمواتاً في أصلاب آبائهم فأحياهم الله في الدنيا، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للعبث يوم القيامة فهما موتان وحياتان، وهو كقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] . وقال السديّ: أميتُوا في الدنيا ثم أُحْيُوا في قبورهم للسؤال ثم أميتُوا في قبورهم، ثم أُحْيُوا في الآخرة. وقوله ﴿فاعترفنا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ أي من خروج من النار إلى الدنيا فنصلح ِأعمالنا ونعمل بطاعتك، وَمَّر نظيرُ: ﴿هَلْ إلى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤] والمعنى أنهم لما عرفوا أن الذي كانوا عليه في الدنيا كان فاسداً باطلاً تمنوا الرجوع إلى الدنيا ليشتغلوا بالأعمال الصالحة. فإن قيل: الفاء في قوله: «فاعْتَرَفْنَا» يقتضي أن تكون الإماتةُ مرتين (والإحياءُ مرتين) سبباً لهذا الاعتراض فما وجه هذه السَّبَبِيَّةِ؟ .

стр. 10362

فالجواب: لأنهم كانوا منكرين البعث فلما شاهدوا هذا الأحياء بعد الإماتة مرتين لم يبق لهم عذر في الإقرار بالبعث فلا جرم وقع هذا الإقرار كالمسبب عن تلك الإماتة والإحياء. واعلم أنهم لما قالوا فهل إلى خروج من سبيل فالجواب الصريح عنه أن يقال: لا أن نعم وهو تعالى لم يَقُلْ ذلك بل قال كلاماً يدل على أنه لا سبيل لهم إلى الخروج وهو قوله ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ الله وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ أي ذلك الذي أنتم فيه من العذاب والخلود من النار وأن لا سبيل لكم إلى خروج قط إنما وقع بسبب كفرهم بتوحيد الله، أي إذا قيل لا إله إلا الله كفرتم وقلتمْ ﴿أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً﴾ [ص: ٥] ﴿وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ﴾ أي تصدقوا ذلك الشرك. قوله «وَحْدَهُ» فيه وجهان: أحدهما: أنه مصدر في موضع الحال، وجاز كونه معرفة لفظاً لكونة في قوة النكرة، كأنه قيل: منفرداً. والثاني وهو قول يُونُسَ: أنه منصوب على الظرف والتقدير: دُعِيَ عَلَى حِيَالِهِ. وهو مصدر محذوف الزوائد، والأصل أوْحَدتُهُ إيحاداً. قوله «فَالحُكْمُ للهِ» حيث حكم عليكم بالعذاب السَّرْمَدِ. وقوله: «العَلِيِّ الكِبِيرِ» يدل على الكبرياء والعظمة الذي لا أعلى منه ولا أكبر.

стр. 10363

قوله تعالى: ﴿هُوَ الذي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ ليدل على كمال قدرته وحكمته وأنه لا يجوز

стр. 10364

جعل هذه الأحجار المنحوتة والخشب المصور شركاء لله تعالى في المعبودية، ثم قال ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السمآء رِزْقاً﴾ يعني المطر الذي هو سبب الأرزاق. وقرأ ابن كثير وأبو عمرٍ «ينزل» خفيفة والباقون بالتشديد. واعلم أن أهم المُهّمات رعايةُ مصالح الأديان ومصالح الأبدان، فالله تالى يراعي مصالح أديان العباد بإظهار البَيِّنات والآيات وراعى مصالح العباد بأبدانهم بإنزال الرزق من السماء فموقع الآيات من الأديان كموقع الأرزاق من الأبدان وعند حصولها يحصل الإنعام الكامل. ثم قال: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَاّ مَن يُنِيبُ﴾ أي ما يتعظ بهذه الآيات إلا من يرجع إلى الله في جميع أموره فيعرض عن غير الله ويقبل الكليّة على الله تعالى ولهذا قال ﴿فادعوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ عن الشرك وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ. قوله تعالى: «رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ» فيه وجهان: أحدهما: أن يكون مبتدأ والخبر «ذو العرش» و «يُلْقِي الروح» يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون حالاً، ويجوز أن يكونَ الثلاثة أخباراً لمبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون الثلاثة أخباراً لقوله ﴿هُوَ الذي يُرِيكُمْ﴾ قال الزمخشري: ثلاثة أخبار يجوز أن تكون مترتبة على قوله ﴿هو الذي يريكم﴾ أو أخبار مبتدأ محذوف وهي مختلفة تعريفاً وتنكيراً، قال شهاب الدِّين: أما الأول ففيه طول الفصل وتعدد الأخبار، وليست في معنى خبر واحد، (وأما الثاني ففيه تعدد الأخبار وليس في معنى واحد) وهي مسألة خلاف ولا يجوز أن كيون «ذُو العَرْشِ» صفة «لِرَفيعِ الدرجات» إن جعلناه صفة مشهبة، أما إذا جعلناه مثال مبالغة أي يرفع درجات المؤمنين فيجوز ذلك على أن يجعل إضافته محضة، وكذلك عند من يُجَوِّزُ تَمَحُّضَ إضافة الصفة المشبهة أيضاً. وقد تقدم، وقرىء «رَفِيعَ» بالنصب على المدح. فصل لما ذرك من صفات كبريائه كونه مظهراً للآيات منزلاً للأرزاق ذكر في هذه الآية

стр. 10365

ثلاثة أخرى من صفات الجلال والعظمة وهو قوله رفيع الدرجات وهذا يحتمل أن يكون المراد منه الرافع وأن يكون المراد منه المرتفع، فإن حملناهُ على الأول ففيه وجوه: الأول: أن الله يرفع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة. والثاني: يرفع درجات الخلق في العلوم والأخلاق الفاضلة فجعل لكل أحد من الملائكة درجةً معيّنة كما قال: ﴿وَمَا مِنَّآ إِلَاّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ الصافات: ١٦٤] ، وجعل لكل أحد من العلماء درجة معينة فقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ الله الذين آمَنُواْ مِنكُمْ والذين أُوتُواْ العلم دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] وعين لكل جسم درجةً معينة فجعل بعضها سُفْليّة كدرة، وبعضها فلكية كوكبية، وبعضها من جواهر العرش والكرسي، وأيضاً جعل لكل واحد مرتبة معينة في الخَلْقِ والخُلُقِ والرزق والأجل فقال: ﴿وَهُوَ الذي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الأرض وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٦٥] وجعل لكل أحد من السعداء والأشقياء في الدنيا درجة معينة من موجبات السعادة وموجبات الشقاوة وفي الآخرة تظهر تلك الآثار. وإن جعلنا «الرفيع» على «المرتفع» فهو سبحانه أرفع الموجودات في جميع صفات الكمال والجلال. وقوله «ذُو العرْشِ» أي خالقه ومالكه ومدبره، و «يُلْقِي الرُّوح» أي ينزل الوحي من السماء روحاً لأنه تحيا به القلوب كما تحيا الأبدان بالأرواح وقوله «مِنْ أَمْرِهِ» متعلق ب «يُلْقِي» ، و «مِنْ» لابتداء الغاية، ويجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه حَالٌ من «الروح» . فصل قال ابن عباس ﵄ معنى من أمره أي من قضائه، وقيل: من قوله. وقال مقاتل بأمره على من يشاء من عباده. وقلوه: ﴿لِيُنذِرَ يَوْمَ التلاق﴾ العامة على بنائه للفاعل، ونصب اليوم والفاعل هو الله تعالى أو الروح أو «مَنْ يَشَاءُ: أو الرسول، ونصب» اليوم «إما على الظرفية والمُنْذَرُ به محذوف تقديره لينذر العذابُ يوم التلاقي، وإما المفعول به اتساعاً في الظرف وقرأ ابيّ وجماعة كذلك إلا أنه رفع اليوم على الفاعلية مجازاً أي لينذر الناس العذاب يوم التلاق. وقرأ الحسن واليمانيّ» لتنذر «بالتاء من فوق وفيه وجهان: أحدهما: أن الفاعل ضمير المخاطب وهو الرسول ﷺ َ.
следующие страницы →