← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 10431–10470 · переход к 10436.

стр. 10431

ثم قال: ﴿هُوَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ﴾ والمعنى أنه تعالى لما ذكر انتقال الأجسام من كونها تراباً إلى أن بلغت الشيخوخة، واستدل بهذه التغييرات على وجود الإله القادر قال بعده: ﴿هُوَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي كما أن الانتقال من الحياةِ إلى الموت وبالعكس، يدل على الإله القادر. (و) قوله: ﴿فَإِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ﴾ فيه وجوه: الأول: معناه أنه لم ينقل هذه الأجسام من صفة إلى صفة أخرى بآلةٍ تعينه إنما يقول له كن فيكون. الثاني: أنه عبر عن الإحياء والإماتة بقوله: ﴿كُن فيَكُونُ﴾ فكأنه قيل: الانتقال من كونه تراباً إلى كونه نطفةً إلى كونه علقةً انتقالاتٌ تَحْصُل على التدريج قليلاً. وأما صَيْرُورَتُهُ حَيَّا فهي إنما تحصل بتعليق جَوْهَر الرُّوح، وذلك يحدث دفعة واحدة فلهذا عبر عنه بقوله: «كن فيكون» . الثالث: أنَّ من الناس من يقول: إن الإنسان إنما يتكون من المَنِي والدَّم في الرحم في مدة معينة بحسب الانتقالات من حال إلى حال، فكأنه قيل: إنه يمتنع أن يكون كل إنسان عن إنسان آخرَ؛ لأن التسلسل محالٌ، ووقوع الحادث في الأزل محال فلا بد من الاعتراف بإنسان هو الناس وحينئذ يكون حدوث ذلك الإنسان لا بواسطة المَنِي والدم بل بإيجاد الله تعالى، ابتداءً، فعبر الله تعالى عن هذه المعنى بقوله: ﴿كُن فيَكُونُ﴾ .

стр. 10432

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُجَادِلُونَ في آيَاتِ الله﴾ الآيات. اعلم أنه تعالى عادَ إلى ذَمِّ الذين يجادلون في آيات الله، أي في إنكار آيات الله ودفعها والتكذيب بها، فعَجَّبَ تعالى منهم بقوله: ﴿أنى يُصْرَفُونَ﴾ ؟ كيف صُرِفُوا عن دين الحق وهذا كما

стр. 10433

يقول الرجل لمن لا يسمع نصحه: إلى أين يُذْهَبُ بك؟! تعجباً من غفلته. قوله: «الذين كذبوا» ، يجوز فيه أوجه، أن يكون بدلاً من الموصول قبله، أو بياناً له أو نعتاً أو خبر مبتدأ محذوف، أو منصوباً على الذم، وعلى هذه الأوجه، فقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ جملة مستأنفة، سيقت للتهديد. ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر الجملة من قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ودخول الفاء فيه واضح. فصل المعنى هم الذي كذبوا بالكتاب أي بالقرآن وبما أرسلنا به رسلنا من سائر الكتب؛ قيل: هم المشركون. وعن محمد بن سِيرِين وجماعة: أنها نزلت في القَدَرِيَّة. قوله: ﴿إِذِ الأغلال﴾ فيه سؤال، هو أن «سوفَ» للاستقبال، و «إِذْ» للماضي، فقوله: ﴿فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم﴾ مثل قولك: سَوْفَ أَصُمُ أَمْسِ، والجواب: جوزوا في «إذ» هذه أن تكمون بمعنى «إذا» ؛ لأن العامل فيها محقق الاستقابل وهو فسوف يعلمون. قالوا: وكما تقع «إذَا» موضع إِذْ في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] كذلك تقع إِذْ مَوْقِعَهَا. وقد مضى نَحْوٌ من هذا في البقرة عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الذين ظلموا إِذْ يَرَوْنَ العذاب﴾ [البقرة: ١٦٥] قالوا: والذي حسن هذا تيقن وقوع الفعل، فأخرج في صورة الماضي. قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى إخْراج «إِذْ: عن موضوعها؛ بل هي باقية على دَلَالتِهَا على المعنى، وهي منصوبة بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ نصب المفعول به، أي فسوف يعلمون يوم القيامة وقت الأغلال في أعناقهم أيْ وقتَ سببِ الأغلال، وهي المعاصي التي كانوا يفعلونها في الدنيا، كأنه قيل: سيعرفون وقت معاصيهم التي تَجْعَلُ الأغلال في أعناقهم وهو وجه واضح غاية ما فيه التصرفُ في إذ يجعلها. وهو وجه واضح غاية في ما فيه التصرف في إذ يجعلها مفعولاً بها. ولا يضر ذلك، فإن المعربين

стр. 10434

غالب أوقاتهم يقولون: منصوب» باذْكُرْ «مقُقَدَّراً، أو لا يكون حينئذ إلا مفعولاً به لاستحالة عمل المستقبل في الزمن الماضي. وجوز أن يكون منصوباً باذْكُرْ مقدراً، أي اذكر لهم وَقْتَ الإِغلال؛ ليخالفوا ويَنْزَجِرُوا، فهذه ثلاثة أوجه خيرها أوسطها. قوله:» والسَّلَاسِلُ «العامة على رفعها، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه معطوف على الأغْلَالِ. وأخبر عن النوعين بالجار، فالجال في نية التأخير والتقدير: إذ الأَغْلَالُ والسَّلَاسِلُ في أعنقاهم. الثاني: أنه مبتدأ، والخبر محذوف لدلالة خبر الأول عليه. الثالث: أنه مبتدأ أيضاً، وخبره الجملة من قوله: «يُسْحَبُونَ» ولا بُدَّ مِن ذكر ضمير يعود عليه منها، والتقدير: والسلاسل يُسْحَبُونَ بِهَا، حذف لِقُوَّة الدَّلالةِ عليه. «فَيُسْحَبُونَ» مرفوع المحل على هذا الوجه. وأما الوجهيه المقتدمين فيجوز فيه النصب على الحال من الضمير المنويّ في الجار، ويجوز أن يكون مستأنفاً. وقرأ ابنُ عَبَّاسٍ وابنُ مسعُودٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيِّ وابْنُ وَثَّابٍ، والحسن في اختياره «والسَّلَاسِلَ» نصباً يَسْحَبُونَ بفتح الياء، مبنياً للفاعل، فيكون السلاسل مفعولاً مقدماً، ويكون قد عطف جملة فعلية على جملة اسمية. قال ابن عباس في معنى هذه القراءة: إذا كانوا يَجُرُّونَهَا فهو أشد عليهم يكلفون ذلك ولا يطيقونه. وقرأ ابن عباس وجماعة «والسَّلَاسِل» بالجر يُسْحَبُونَ مبنياً للمفعول وفيها ثلاثةُ تأويلاتٍ: أحدها: الحمل على المعنى وتقديره إِذْ أَعْنَاقُهُم في الأغلالِ والسلاسلٍ فلما كان

стр. 10435

معنى الكلام على ذلك حمل عليه في العطف. قال الزمخري: ووجه إنه لو قيل: «إِذْ أَعْنَاقُهُمْ في الأغلال مكان قوله: إِذ الأَغْلَالُ في أعناقهم» لكان صحيحاً مستقيماً، فلما كانتا عبارتين مُعْتَقِبَتَيْنِ، حمل قوله: «والسلاسل» (عليه) على العبارة الأخرى. ونظيره: ٤٣٤٧ - مَشَائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحينَ عَشِيرةً ... وَلَا نَاعِبٍ إلَاّ بِبَيْنٍ غُرَابُهَا كأنه قيل: بمصليحن. وقرىء: بالسَّلَاسلِ. وقال ابن عطية: تقديره: إذا أعناقهم في الأغعلال والسلاسلِ فعطف على المراد من لكلام لا على ترتيب اللفظ؛ إذ ترتيبه فيه قل، وهو على حد قول العرب: أَدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ فِي رَأْسِي. وفي مصحف أًُبيِّ: وفي السلاسِل يَسْحَبُونها. قال أبو حيان بعد قول ابن عطية والزمخشري المتقدم: ويمسى هذا العطف على التوهم، إلا أن قولهم: إدخال حرف الجر على مصلحين أقرب من تغيير تركيب الجملة بأسرها، والقراءة من تغيير تركيب الجملة السابقة بأسرها، ونظير ذلك قوله: ٤٣٤٨ - أَجِدَّكَ لَنْ تَرَى بثُعَيْلبَاتٍ ... وَلَا بَيْدَاءَ نَاجِيَةً ذَمُولَا وَلَا مُتَدارِكٍ واللَّيْلُ طِفْلٌ ... بِبعْضِ نَوَاشِغِ الوَادِي حُصًُولاً التقدير: لَسْتَ براءٍ ولا بمتداركٍ.

стр. 10436

وهذا الذي قالاه سبقهما إليه الفَرَّاءُ فإِنه قال: «من جر السلاسل حمله على المعنى» ، إذ المعنى أعناقهم في الأغلال والسلاسل. الوجه الثاني: أنه عطف على «الحميم» ، فقدم على المعطوف عليه وسيأتي تقرير ذلك. الثالث: أن الجر على تقدير إضمار الخافض ويؤيده قراءة أُبَيٍّ: «وفِي السَّلَاسِلِ» وقرأ غيره: وبالسَّلَاسِلِ وإلى هذا نحا الزجاج، إلَاّ أنَّ الأنباريِّ ردَّه وقال: لو قلت: «زيد في الدار» لم يحسن أن تضمر «في» فتقول: زيد (في) الدار ثم ذكر تأويل الفراء وخرج القراءة عليه. ثم قال: كما تقول: «خَاصَمَ عَبْد اللهِ زَيْداً العَاقِليْنِ» ، بنصب «العاقلين» ورفعه؛ لأن أحدهما إذا خاصم صاحبه فقد خاصمه الآخر. وهذه المسألة ليست جارية على أصول البصريين، ونصّوا على منعها وإنما قال بها من الكوفيين ابْنُ (سَ) عْدَانَ. وقال مَكيّ: وقد قرىء: والسَّلَاسلِ بالخفض على العطف على الأعناق، وهو غلط؛ لأنه يصير الأغلال في الأعناق وفي السلاسل ولا معنى للأغلال في السَّلَاسل؟ قال شهاب الدين: وقوله: على العطف على الأعناق ممنونع بل خفضه على ما تقدم. وقال أيضاً: وقيل: هو معطوف على «الحميم» وهو أيضاً لا يجوز؛ لأن المعطوف المخفوض، لا يتقدم على المعطوف عليه لو قلت: «مَرَرْتُ وَزَيْدٍ بِعَمْرو» لم يجز، وفي المرفوع يجوز، نحو: قَام وَزَيْدٌ عَمْرٌ، ويبعد في المنصوب لا يحسن رأيتُ وَزَيْداً عَمْراً، ولم يُجِزْهُ في المخفوض أحدٌ. قال شهاب الدين: وظاهر كلامه أنهن يجوز في المرفوع منعه، وقد نصوا أنه لا يجوز إلا ضرورة بثلاثة شروط:

стр. 10437

أن لا يقع حرف العطف صدراً، وأن يكون العامل متصرفاً، وأن لا يكون المعطوف عليه مجروراً وأنشدوا: ٤٣٤٩ - ... ... ... ... ... ... ... ... ... عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللهِ السَّلَامُ إلى غير ذلك من الشواهد مع تنصيصهم على أنه مختص بالضرورة. و «السَّلَاسِلُ» معروفة، قال الراغب: «وتَسَلْسَلَ الشيءُ اضطرب كأنه تُصُوِّر منه تسلسلٌ متردد فتردد لفظه تنبيهاً على تردد معناه. وماء سلسل متردد في مقره» . والسَّحْبُ: الجر بمعنف، والسَّحابُ من ذلك لأن الريح تَجُرُّوهُ، أو لأنه يجر الماء، وسجرت التَّنُّورَ أي ملأته ناراً وهيجتها، ومنه البحر المسجور، أي المملوء، وقيل: المضطرب ناراً، وقال الشاعر (رحمة الله عليه) : ٤٣٥٠ - إِذَا شَاءَ طَالَعَ مَسْجُورةً ... تَرَى حَوْلَهَا النَّبْعَ والشَّوْحَطَا فمعشنى قوله تعالى هنا: ﴿ثُمَّ فِي النار يُسْجَرُونَ﴾ أي يوقد بهم، كقوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ [التحريم: ٦] والسَّجِيرةُ: الخليلُ الذي يَسْجُرُ في مَوَدَّة خليله، كقولهم: فُلَانٌ يَحْتَرِقُ فِي مَوَدَّةِ فُلَانٍ.

стр. 10438

فصل هذه كيفية عقابهم، والمعنى أنه يكون في أعناقهم أغلال وسلاسل ثم يسحبون بتلك السلاسل في الماء المُسَخَّنِ بنار جهنم، ثم تُوقَدُ بهم النار ﴿قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ الله﴾ يعني الأصنام ﴿قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا﴾ أي فقدناهم وغابوا عن عيوننا فلا نراهم، ثم قالوا: ﴿بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً﴾ أنكروا، كقولهم في سورة الأنعام: ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] وقيل: معناه لم نكن ندعو من قبل شيئاً يضر وينفع. وقال الحسين بن الفضل: أي لم نكن نصنع من قبل شيئاً أي ضاعت عبادتنا لها كما يقول من ضاع عمله: «ما كنت أعمل شَيْئاً» . ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ الله الكافرين﴾ قال القاضي: معناه أنه يُضِلُّهم عن طريق الجنة، ولا يجوز أن يقال: بضلهم عن الحجة، وقد هداهم في الدنيا، وقال ﴿يُضِلُّ الله الكافرين﴾ مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم حتى أنهم لو نطلبوا الآلهة، أو طلبتهم الآلهة لم يجد أحدهما الآخر. قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ أي ذلكم العذابُ الذي نزل بكم ﴿بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ تَبْطُرون وتَأشِرُنَ ﴿فِي الأرض بِغَيْرِ الحق وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ تفرحون وتختالون. وقيل: تفرحون من باب التجنيس المحرف، وهو أن يقع الفرق بين اللفظين بحرف. قوله: ﴿ادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ أي السبعة المقسومة لكم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين﴾ المخصوص بالذم محذوف؛ أي جهنمُ أو مَثْوَاكُمْ، ولم يقل: فبئس مدخل؛ لأن الدخول لا يدوم وإنما يدوم الثّواء، فلذلك خصه بالذم، وإن كان أيضاً مذموماً.

стр. 10439

قوله تعالى: ﴿فاصبر إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ لما زَيَّفَ طريقة المجادلين في آيات الله تعالى أمر في هذه الآية رسوله بأن يصبرَ على أذاهم بسبب جدالهم، ثم قال: ﴿إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ . والمراد ما وعد الرسول نُصْرته، ومن إنزال العذاب على أعدائه. قوله: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ قال الزمخشري: أصله: فَإِن نُرِكَ و «ما» مزيدة لتأكيد معنى الشرط، ولذلك ألحقت النون بالفعل، ألا ترَاك تقول: «إنْ تُكرِمَنِّي أكْرِمْكَ، ولكن إِمَّا تُكْرِمَنِّي أُكْرِمْكَ» قال أبو حيان: «وما ذكره من تَلَازُمِ النون، ما الزائدة، ليس مذهب سيبويه، إنما هو مذهب المبرد، والزجاج. ونص سيبويه على التخيير، وقد تقدمت هذه القواعدُ مستوفاةً. قوله: ﴿فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ ليس جواباً للشرط الأول، بل جواباً لما عطف عليه. وجواب الأول محذوف. (قال الزمخشري:» فَإِلَيْنَا «متعلق بقوله» نَتَوفَّينَّكَ «وجواب نرينك محذوف) تقديره: فإن نرينك بعض الذي نعدهم من العذاب والقتل يوم بدر، فذاك؛ وإنْ» نَتَوَفَّيَنَّكَ «قبل يوم بدر» فَإِلَيْنَا يُرجَعُونَ «فننتقم منهم أشدُّ الانتقام. وقد تقدم مثلُ هذا في سورة يونس. وبحثُ أبي حَيَّانَ مَعَهُ. وقال أبو حيان هَهُنَا: وقال: جواب» إما نُرِيَنَّكَ «محذوف؛ لدلالة

стр. 10440

المعنى عليه أي فتقرّ عينك، ولا يصح أن يكون» فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ «جواباً للمعطوف عليه والمعطوف، لأن تركيبَ» فإما نُرينك بعض الذي نعدهم في حياتك فإلينا يرجعون «ليس بظاهر، وهو يصحُّ أن يكون جواب» أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ «أي فإِلينا يرجعون فننتقم منهم ونعذبهم، لكونهم يَتَّبِعُوكَ. ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الذي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤١ و٤٢] . إلا أنه هنا صرح بجواب الشرط، قال شهاب الدين: وَهَذَا بعَيْنِهِ هو قولن الزمخشري. وقرأ السُّلَمِيُّ ويَعْقُوبُ: يَرْجِعُونَ بفتح ياء الغيبة مبنياً للفاعل، وابْنُ مِصْرِفٍ ويعقوبُ أيضاً بفتح الخطاب. قوله: ﴿مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا﴾ يجوز أن يكون» مِنْهُمْ «صفة» لِرُسُولاً «فيكون» مَنْ قَصَصْنَا «فاعلاً لاعتماده ويجوز أن يكون خبراً مقدماً، و» مَنْ «مبتدأ مؤخر. ثم في الجملة وجهان: أحدهما: الوصف» لِرُسُلاً «وهو الظاهر. والثاني: الاستئناف. فصل معنى الآية قال لمحمد ﷺ َ) ، أنت كالرسل من قبلك وقد ذكرنا حال بعضهم لك ولم نذكر حال الباقين وليس فيهم أحد أعطاه الله آياتٍ ومعجزاتٍ، إلا وقد جادله قومُه فيها وكَذَّبُوه فصبروا، وكانوا أبداً يقترحون على الأنبياء إظاهر المعجزات الزائدة علكى الحاجة عِناداً وعبثاً، ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَاّ بِإِذْنِ الله﴾ ، والله تعالى علم الصلاح في إظهار ما أظهروه، فلم يَقْدَحْ ذلك في نُبُوَّتِهِمْ، فكذلك الحال في اقتراح قومك عليك المعجزات الزائدة لما لم يكن إظهارها صلاحاً لا جَرَمَ ما أظهرناها. ثم قال: ﴿جَآءَ أَمْرُ الله قُضِيَ بالحق﴾ أي فإذا جاء قضاءُ الله بين الأنبياء والأمم قضي بالحق ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ المبطلون﴾ وهم المعاندون الذين يجادلون في آيات الله فيقترحون المعجزات الزائدة على قدر الحاجة تعنتاً وعبَثاً. قوله تعالى: ﴿الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الأنعام ... ﴾ الآية. لما ذكر الوعيدَ عاد إلى ذِكر

стр. 10441

ما يدل على وجود الإِلَهِ القَادِرِ الحَكِيمِ، وإلى ذكر ما يصلح أن يعد إنعاماً على العباد. قال الزجاج: «الأَنْعَامُ الإِبل (خاصة) َ» ، وقال القاضي: هي الأزواج الثمانية. وقوله: «مِنْهَا ... . وَمِنْهَا» . «من» الأولى يجوز أن تكونَ لِلتَّبْعِيض، إذ ليس كُلُّها تُرْكَبُ، ويجوز أن تكون لابتداء الغاية إذ المرادُ بالأنعام شيءٌ خاصٌّ هي الإبل، قال الزجاج: لأنه لم يُعْهد المركوبُ غيرها «. وأما الثانية فكالأولى. وقال ابن عطية: هي لبيان الجنس قال: لأن الخيل منها ولا تُؤْكَلُ. فإن قيل: ما السَّبَبُ في إدخال لام العِوَض على قوله:» لِتَرْكَبُوا «وعلى قوله:» لِتَبْلُغُوا «ولم يدخل على البَوَاقِي؟ . فالجواب: قال الزمخشري: الركوب في الحج والغزو إما أن يكون واجباً أو مندوباً، وأيضاً ركوبها لأجل حاجتهم، وهي الانتقال من بلدٍ إلى بلد آخر لطلب علم أو إقامة دين يكون إما واجباً أو مندوباً فهذان القسمان أغراض دينيةٍ، فلا جَرَمَ أدخل عليها حرف التعليل نظيره قوله تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] فأدخل حرف التعليل على» الرُّكُوبِ «ولم يدخله على الزِّينَةِ. قوله ﴿لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا﴾ أي بعضها ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ أي في أصوافها وأوبارها وأشعارها وألبانها ﴿وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ لحمل أثقالكم من بلد إلى بلد. قوله: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الفلك تُحْمَلُونَ﴾ أي على الإبل في البرِّ، وعلى السفن في البَحْرِ. فإن قيل: لِمَ لَمْ يقل: في الفلك، كما قال: ﴿قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين﴾ [هود: ٤٠] ؟ . فالجواب: كلمة على للاستِعْلَاء، فالشيء يُوضَع على الفلك كما صح أن يقال: وضع فيه صح أن يقال: وضع عليه ولما صح الوجهان كانت لفظةُ» عَلَى «أولى حتى يتم المزاوجة في قوله: ﴿وعليها وعلى الفلك تحملون﴾ .

стр. 10442

وقال بعضهم: إن لفظة» فِي «هناك ألْيَقُ؛ لأن سفينة نُوحٍ على ما قيل كانت مُطْبِقَةً عليهم وهي محيطة بهم كالوعاء، وأما غيرها فالاستعلاء فيه واضح، لان الناس على ظهرها. قوله: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ دلائل قدرته، وقوله: ﴿فَأَيَّ آيَاتِ الله﴾ منصوب ب» تُنْكِرُونَ «وقدم وجوباً لأن له صدر الكلام. قال مكيّ: ولو كان مع الفعل هاءٌ لكان الاختيار الرفع في أي بخلافِ ألف الاستفهام تدخل على الاسم، وبعدها فعلٌ واقعٌ على ضمير الاسم فالاختيار النصب نحو قولك: أَزَيْداً ضَرَبْتَهُ، هذا مذهب سيبويه فرق بين الألف وبين» أي «يعني أنك إذا قُلْت: أَيّهُمْ ضَرَبْتَ؟ كان الاختيار الرفع؛ لأنه لا يُحْوجُ إلى إضمار مع أن الاستفهام موجود وفي» «أَزَيْداً ضَرَبْتَهُ» يختار النصب لأجل الاستفهام فكان مقتضاه اختيار النصب أيضاً فيما إذا كان الاستفهام بنفس الاسم، والفرقب عَسِرٌ. وقال الزمخشري: «فأَيَّ آيَاتِ» جاءت على اللغة المسفيضة وقولك: فأيه آياتِ الله قليلةٌ؛ لأن التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات، نحو: حِمَار، وحِمَارة غريب، وهو في أي أغرب (لإبهامه) قال أبو حيانَ (رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ) : وِمن قلة تأنيث أيَّ قولُه: ٤٣٥١ - بأيِّ كتَابٍ أَمْ بِأَيَّةِ سُنَّةٍ ... تَرَى حُبَّهُمْ عَاراً عَلَيَّ وتَحْسِبُ وقوله: وهو في «أي» أغرب إن عَنَى «أيًّا» على الإطلاق فليس بصحيح؛ لأن المستفيضَ في النِّداء أن يؤنث في نداء المؤنث كقوله تعالى: ﴿ياأيتها النفس المطمئنة﴾ [الفجر: ٢٧] ولا نعلم أحداً ذكر تذكيرها فيه فيقول: يأَيُّها المرأَةُ، إلا صاحب البَدِيع في النَّحْوِ. وإن

стр. 10443

عنَى غير المناداة فكلامه صحيح يقل تأنيثها في الاستفهام، وموصولة شرطية. قال شهاب الدين: أما إذا وقعت صفةً لنكرة أو حالاً لمعرفة فالذي ينبغي أن يجُوزَ الوجهان كالموصولة ويكون التأنيث أقلّ نحو: مررتُ بامرأةٍ أَيَّةِ امرأة، وجَاءَتْ هِنْدٌ أَيَّةُ امْرَأَةٍ وكان ينبغي لأبي حَيَّانَ أن ينبه على هذين الفَرْعَيْنِ. فصل معنى قوله ﴿فَأَيَّ آيَاتِ الله تُنكِرُونَ﴾ أَيْ هذه الآيات التي عددناها كلها ظاهرة باهرة ليس في شيء منها ما يمكن إنكاره.

стр. 10444

قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ ... ﴾ معناه أن هؤلاء الكفار الذين يجادلون في آيات الله وحصل الكِبْر العظيم في صدورهم، إنما كان السبب في ذلك طلب الرياسة والتقديم على الغير في المال والجاه ومن ترك الانقياد على الحق طلباً لهذه الأشياء فقد باع الآخرة بالدنيا وهذه طريقة فاسدة؛ لأن الدنيا ذاهبة واحتج بقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض ... ﴾ يعني لو ساروا في أطراف الارض لعرفوا أن عاقبة المتكبرين والمتمردين ليس إلا الهلاك والبَوَار مع أنهم كانوا أكثر عَدَداً وعِدَداً ومالاً من هؤلاء المتأخرين، فلما لم تُفِدْهُمْ تلك المُكْنَةُ العظيمة إلا الخَيْبَة والخَسَار فكيف حال هؤلاء الفقراء المساكين؟! . قوله: ﴿فما أغنى عنهم﴾ يجوز في «ما» أن تكون نافية واستفهامية بمعنى النفي، ولا حاجة إليه وقوله «مَا كَانُوا» يجوز أن يكون «ما» مصدرية، ومحلها الرفع أي مَكْسُوبُهُمْ أو كَسْبُهُمْ ويجوز أن يكون بمعنى الذي فلا عائد على الأول وعلى الثاني هو محذوف أي يكسبونه وهي فاعل «بأَغْنَى» على التقديرين.

стр. 10445

قوله: ﴿عِندَهُمْ مِّنَ العلم﴾ فيه أوجه: أحدهما: أنه تهكم بهم، والمعنى ليْسَ عندهم عِلْم. الثاني: أن ذلك جاء على زَعْمِهِمْ أنَّ عندهم علماً ينتفعون به. الثالث: أن «مِنْ» بمعنى بدل أي بما عندهم من الدنيا بدل العلم. الرابع: أن يكون الضمير للرسل، أي فَرِحَ الرسل بما عندهم من العلم. الخامس: أن الأول للكفار، وأما الثاني لِلرسل، ومعناه فرح الكفار فَرَحَ ضَحِكٍ واستهزاءٍ بماعند الرسل من العلم؛ إذ لم يأخذوه بقبول ويمتثلوا أوامر الوحي ونواهيه. وقال الزمخشري: وَمِنْهَا أي من والوجوه أن يوضع قوله: ﴿فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ العلم﴾ مبالغة في نفي فرحهم بالوحي الموجب لأقصى الفرح والمسرة مع تهكم بفَرْطِ خُلُوِّهم من العلم وجهلهم. قال أبو حيان: ولا يعبر بالجملة الظاهر كونها مثبتة عن الجملة المنفية إلا في قليل من الكلام، نحو: «شَرٌّ أهَرَّ ذا ناب» على خلاف فيه، ولما آل أمره إلى الإثبات المحصور جاز. وأما في الآية فينبغي أن لا يحمل على القليل لأن في ذلك تخليطاً لمعاني الجمل المتباينة. فصل قال المفسرون: الضمير في قوله: «فَرِحُوا» يحتمل أن يكون عائداً على الكفار وأن يكون عائداً إلى الرسل فإن عاد إلى الكفار، فذلك العلم الذي فرحوا به قيل: هو الأشياء التي كانوا يسمونها علماً، وهي الشبهات المحكيّة عنهم في القرآن، كقولهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَاّ الدهر﴾ [الجاثية: ٢٤] وقولهم: ﴿لَوْ شَآءَ الله مَآ أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٨٤] وقولهم: ﴿مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً﴾ [الكهف: ٣٦] وكانوا يفرحون بذلك ويدفعون به علوم الأنبياء، كما قال ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] و [الروم: ٣٢] وقيل: المراد علوم الفلاسفة فإنهم كانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه وصغَّروا علوم الأنبياء عن علومهم كما روي عن سقراط أن سمع بمجيء أحد الأنبياء علهيم الصلاة والسلام فقيل له: لو هاجرت إليه فقال: نحن قوم مهتدون فلا حاجة بنا إلى من يهدينا. وقيل: المراد علمهم

стр. 10446

بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها، كقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الحياة الدنيا وَهُمْ عَنِ الآخرة هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧] ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ العلم﴾ [النجم: ٣٠] فلما جاءت الرسل بعلوم الديانات ومعرفة الله تعالى، ومعرفة المعاد وتطهير النفس من الرذائل لم يلتفتوا إليها واستهزأوا بها، واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفائدة من علمهم ففرحوا به. وإن عاد الضمير إلى الأنبياء ففيه وجهان: الأول: أن يفرح الرُّسُلُ إِذَا رَأوا من قومهم جهلاً كاملاً وإعراضاً عن الحقِّ وعلموا سوء غَفْلَتِهِمْ وما يلحقهم من العقوبة على جهلهم وإعراضهم يفرحوا بما أوتوا من العلم، ويشركوا الله عليه «وَحَاقَ» بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم. الثاني: أن المراد أن الرسل فرحوا بما عندهم من العلم فَرَحَ ضَحِكٍ واستهزاء. قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا﴾ أي عذابنا ﴿قالوا آمَنَّا بالله وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ أي تبرأنا مما كنا نعدل بالله، البأسُ: شدة العذاب، ومنه قوله تعالى: ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥] . قوله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ﴾ يجوز رفع «إيمانهم» اسماً لكان، و «ويَنْفَعُهُمْ» جملة خبراً مقدماً، ويجوز أن يرتفع بأنهن فاعل ينفعهم، وفي كان ضمير الشأن. وقد تقدم هذا محققاً في قوله: ﴿مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ﴾ [الأعراف: ١٣٧] وأنه ليس من باب التنازع. ودخل حرف النفي على الكون لا على النفي؛ لأنه بمعنى لا يصح ولا ينبغي، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] . واعلم أن المراد بالوقت الذي لا ينفع الإيمان فيه هو وقت مُعَاينَة نزول ملائكة الرحمة وملائكة العذاب لأن في ذلك الوقت يصير المرء ملجأ إلى الإيمان فذلك الإيمان لَا يَنْفَعُ. قوله: ﴿سُنَّةَ الله﴾ يجوز انتصابها على المصدر المؤكد لمضمون الجملة يعني إن الذي فعل الله بهم سنة سابقة من الله، ويجوز انتصابها على التحذير، أي احذَرُوا سنة الله في المكذبين ﴿التي قد خلت في عباده﴾ ، وتلك السنة أنهم إذا عاينوا العذاب آمنوا

стр. 10447

ولا ينفعهم إيمانهم ﴿هُنَالِكَ الكافرون﴾ «هُنَالِكَ» في الأصل مكان. قيل: واستعير هنا للزمان، ولا حاجة فالمكانيةُ فيه ظاهرة، أي وخسر هُنَالِكَ الكافرون بذهاب الدارين. قال الزَّجَّاجُ: «الكافر خاسر في كل وقت، وإنما يُبَيِّنُ لهم خسرانهم إذا رأوا العَذَاب» . فصل قال بن سيرين: رأى رجل في المنام سَبْعَ جوارٍ حِسَانٍ في مكان واحد لم ير أحْسَنَ منْهُنَّ فقال لهُنَّ: لِمَنْ أنتُنَّ؟ فقُلْنَ: لِمَنْ قَرَأَ آلَ حمَ. (اللَّهم وفِّقنا لكتابك) (والله أعلم) .

стр. 10448

سورة فصلت

стр. 10449

مكية وهي أربع وخمسون آية، وسبعمائة وتسعة وتسعون كلمة، وثلاثة آلاف وثلثمائة وخمسون حرفا بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿حم تنزيل من الرحن الرحيم﴾ يجو أن يكون «تنزيل» خبر «حم» على القول بانها اسم السورة،. ويجوز أن يكون تنزيل خبر ابتداء مضمر، أي هذا تنزيل. وقال الأخفش: تنزيل رفعت بالابتداء و «كتاب» خبره. قوله: «كتاب» قد تقدم أنه يجوز أن يكون خبراً لِتَنْزِيلُ، ويجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون بدلاً من تنزيل، وأن يكون فاعلاً بالمصدر، وهو تنزيل أي نزل الكتاب، قاله أبو البقاء. و ﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ صفة «لِكتَابٍ» . قوله: «قرآناً» في نصبة ستةُ أوجه: أحدها: هو حال بنفسه. و «عَرَبِيًّا» صفته، أو حال مُوطِّئَة، والحال في الحقيقة «

стр. 10450

عربياً» وهي حال غير متنقلة وصاحب الحال إما كتاب لوصفه بفصلت، وما «آياته» ، أو منصوب على المصدر، أي يقرأه قرآناً أو على الاختصاص والمدح، أو مفعول ثانٍ «لفصلت» ، أو منصوب بتقدير فعل، أي فصَّلْنَاهُ قُرْآناً. قوله: «لِقَومٍ» فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يتعلق «بفصلت» أي فصلتُ لهؤلاءِ وبينتُ لهم؛ لأنهم هم المنتفعون بها وإن كانت مفصلة في نفسها لجميع الناس. الثاني: أن يتعلق بتنزيل. وهذا إذا لم تجعل «مِنَ الرَّحْمنِ» صفة له؛ لأنك إن جعلت «من الرحمن» صفة له، فقد أعلمت المصدر الموصوف وإذا لم يكن «كتاب» خبراً عنه، ولا بدلاً منه؛ لئلا يلزم الإخبار عن الموصول أو المبدل منه قبل تمام صلته، ومن يتسع في الظرف وعديله لم يبال بشيءٍ. وأما إذا جعلت «من الرحمن» متعلقاً به و «كتاب» فاعلاً به فلا يَضُرُّ ذلك؛ لأنه من تتماته وليس بأجنبي. فصل اعلم أنه تعالى حكم على هذه السورة بأشياء: أولها: كونها تنزيلاً، والمراد المنزل، والتعبير عن المفعول بالمصدر مجاز مشهور، كقوله: هذا بناء الأمير أي مبنيّه، وهذا الدِّرهم ضربُ السُّلطان (أي مضروبه) ومعنى كونه منزلاً: أن الله كتبها في اللوح المحفوظ، وأمر جبريل، عليه (الصلاة) والسلام أن يحفظ الكلمات ثم ينزل بها على النبي محمد ﷺ َ ويُؤَدِّيها إليه، فلما حصل تفهيمُ هذه الكلمات بواسطة نزول جبريل عليه (الصلاة) والسلام سمي بذلك تنزيلاً. وثانيها: كون ذلك التنزيل من الرحن الرحيم، وذلك يدل على أن ذلك التنزيل نعمةٌ عظيمة من الله تعالى، لأن الفعل المقرون بالصفة لا بد وأن يكون مناسباً لتلك

стр. 10451

الصفة، فكونه تعالى رحمن رحيماً صفتان دالتان على كما الرحمة، فالتنزيلُ المضاف إلى هاتين الصفتين لا بدَّ وأن يكون دالاً على أعظم وجوه الرحمة والنعمة والأمر كذلك؛ لأن الخَلْقَ في هذا العالم كالمرضى والمُحتاجين، والقرآن مشتمل على كل ما يحتاج إليه المرضى من الأدوية، وعلى ما يحتاج إليه الأحصاء من الأغذية، فكان أعظم النعم من الله تعالى على أهل هذا العالم إنزال القرآن عليهم. وثالثها: كونه كتاباً، وتقدم أن هذا الاسم مشتق من الكَتْبِ وهو الجمع، فسمي كتاباً لأنه جمع فيه عِلْمَ الأولين والآخرين. ورابعها: قوله فصلت آياته، أي ميزت وجعلت تفاصيل في معانٍ مختلفةٍ فبعضها وصف ذات الله، وصفاتِ التنزيه والتقديس وشرح كمال عمله وقدرته ورحمته وعجائب أصول خلقه من السموات والكواكب وتعاقب الليل والنهار، وعجائب أحوال النبات والحيوان وبعضها في المواعظ والنصائح، وبعضها في تهذيب الأخلاق ورياضة النفس، وبعضها في قَصَص الأنبياء وتواريخ الماضين، وبالجملة فمن أنصف علم أنه ليس في بدء الخلق كتاب اجتمع فيه من العلوم والمختلفة مثل ما في القرآن. وخامسها: قوله: قرآناً وقد سبق توجيه هذا الاسم. وسادسها: قوله عربياً أي إنما نزل بلغة العرب، ويؤكده قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٥] . وسابعها: قوله «لقوم يعلمون» أي جعلناه قرآناً لأَجْلِ أنا أنزلناه على قوم عربٍ بلغتهم ليفهموا منه المراد. وثامنها وتاسعها: قوله «بشيراً نذيرا» يجوز أن يكونا نعتين لقرآناً، وأن يكونا حالين؛ إما من كتاب وإما من آياته، وإما من الضمير المنوي في قرآناً. وقرأ زيد بن علي برفعهما على النعت لكتاب، أو على خبر ابتداء مضمر، أي هو بشير ونذير، ومعناه بشيراً للمطيعين بالثواب ونذيراً للمجرمين بالعقاب. قال ابن الخطيب: والحق أن القرآن بشارة ونِذَارة إلا أنه أطلق اسم الفاعل عليه للتنبيه على كونه كاملاً في هذه الصفة كما يقال: شعر شاعر وكلام قائل.

стр. 10452

عاشرها: كونهم معرضين عنه لا يسمعونه ولا يتلفتون إليه، فهذه الصفات العشرة التي وصف الله تعالى القرآن بها. فصل احتج القائلون بخلق القرآن بهذه الآية من وجوه: الأول: أنه وصف القرآن بكونه مُنَزَّلاً وتَنْزِيلاً، والمنزَّلُ والتنزيلُ مشعر بالتغيير من حال إلى حال فوجب أن يكونَ مخلوقاً. الثاني: أن التنزيل مصدر، والمصدر هو المفعول المطلق باتفاق النحويين. الثالث: أن المراد بالكتابة إما الكتابة، وهي المصدر الذي هو المفعول المطلق وإما المكتوب الذي هو المفعول. الرابع: أن قوله: «فصلت آياته» (بدل) على أن متصرفاً يتصرف فيه بالتفصيل وذلك لا يليق بالقديم. الخامس: أنه إنما سمي قرآناً، لأنه قُرِنَ بعض أجزائه ببعض وذلك يدل على كونه مفعول فاعل ومجعول جاعل. السادس: وصفه بكونه «عربياً» ، وإنما صحت هذه النسبة لأن هذه الألفاظ إنما دلت على هذه المعاني بحسب وضع العرب، واصطلاحاتهم، وما حصل بِجَعْلِ جاعل وفِعْلِ فاعل فلا بد وأن يكون مُحْدَثاً ومَخْلُوقاً. والجواب : أ ، كل هذه الوجوه المذكورة عائدة إلى اللغات وإلى الحروف والكلمات وهي حادثة. فصل ذهب قومٌ إلى أن القرآن من سائر اللغات كالإستبرق والسِّجيل فإنهما فارسيان والمِشْكَاة فإنها حبشية، والقِسْطَاسِ، فإنه من لغة الروم، وهذا فاسد لقوله

стр. 10453

تعالى: «قرآناً عَرَبياً» ، وقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٥] . فصل قالت المعتزلة: الإيمان والكفارة والصلاة والزكاة والصوم والحج، ألفاظ شرعية لا لغوية بمعنى أن الشرع نقل هذه الألفاظ عن مُسمَّياتها اللُّغويَّة الأصلية إلى مسميات أخرى. وهذا باطل، وليس للشرع تصرفٌ في هذه الألفاظ إلا من وجهٍ واحد، وهو أنه خَصَّص هذه الأسماء بنوعٍ معيَّنٍ من أنواع مسمَّيَاتها، كما أن الإيمان عبارةٌ عن التصديق والصلاة عبارة عن الدعاء، فخصَّصه الشرع بنوع معين من الدّعاء، وكذا القول في البواقي. فصل تمسك القائلون بأن أفعال الله تعالى معلَّلةٌ بالمصالح والحكمة بهذه الآية فقالوا: إنها تدل على أنه إنما جعله قرآناً عربياً لأجل أن يعلموا المراد منه، فدل على أنَّ تعليل أفعالِ الله وأحكامه جائز. فصل قال قوم: القرآن كله معلوم لقوله تعالى: قرآناً عربياً لقوم يعلمون يعني إنما جعلناه عربياً ليصير معلوماً والقول بأنه غير معلوم يقدح فيه. قوله: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ لا يصغُّون تكبراً. وهذه الآية تدل على أنه لا مُهْتَدِي إلا من هَدَاه الله، ولا مُضِلَّ إلا من أضله الله. ولما وصف الله تعالى القرآن بأنهم أعرضوا عنه ولم يلتفتوا إليه بين أنهمه صرحوا بهذه النفرة، وذكروا ثلاثة أشياء: أحدها: قوله: «فِي أَكِنَّةٍ» ، قال الزمخشري: فإن قُلْتَ: هلا قيل: على قلوبنا أكنة، كما قيل: وفي آذَانِنَا وقر ليكون الكلام على نمطٍ واحد؟ قلت: هو على نمط واحد؛ لأنه لا فرق في المعنى بين قولك: قلوبنا في أكنة، وعلى قلوبنا أكنة، والدليل عليه قوله تعالى: (إنَّا) جعلنا على قُلُوبِهِم، ولو قيل: جعلنا قلوبهم في أكنةٍ لم يختلف المعنى، وترى المطابيع منه لا يرون الطباق (والملاحظة) إلا في المعاني. قال أبو حيان: و «في» هنا أبلغ من على، لأنهم قصدوا الإفراط في عدم القبول

стр. 10454

بحصول قلوبهم في أكنة احتوت عليها احتواء الظرف على المظروف، فلا يمكن أن يصل إليها شيء كما تقول: المالُ في الكيسِ بخلاف قولك: المالُ على الكيس، فإنه لا يدل على الحَصر، وعدم الوصول دلالة الوعاء، وأما «وجعلنا» فهو من إخبار الله تعالى فلا يحتاج إلى مبالغة. وتقدم تفسير الأكنة والوقر. وقرأ طلحة بن مصرف وِقْر بكسر الواو وتقدَّم الفرق بينهما. قوله: «مِمَّا تَدْعُونَا» من في «مِمَّا» وفي «ومِنْ بَيْننا» لابتداء الغاية والمعنى أن الحِجاب ابتداء منا وابتداء منك فالمسافة المتوسطة جهتنا وجهتك مستوعبة بالحجاب لا فراغ فيها، فلو لم تأتٍ «مِنْ» لكان المعنى أن حجاباً حاصل وسط الجهتين. والمقصود المبالغة بالتبايُن المُفرِط، فلذلك جيء بِمِنْ قاله الزمخشري. وقال أبو البقاء: هو محصول على المعنى؛ لأن المعنى في أكنة محجوبةٍ عن سماع ما تدعُونا إليه. ولا يجوز أن يكون نعتاً لأَكنَّةٍ؛ لأن الأكنة الأغشية، وليس الأغشية مما تدعونا إليه. فصل وقالوا: يعنى المشركين قلوبنا في أكنة أغطية، والأكنة جمع كنان، كأغطية جمع غطاء، والكِنان هو الذي جعل فيه السهام، والمعنى لا نفقهُ ما تقول، وفي آذاننا وقر أي صممٌ فلا نسمعُ ما تقول، والمعنى: إنا في ترك القبول عنك بمنزلة من لا يفهم ولا يسمع ومن بيننا وبينك حجاب، خِلاف في الدين، فلا نوافقك على ما تقول فاعمل أنت على دينك إنّا عاملون على ديننا.

стр. 10455

قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ﴾ قرأ ابنُ وثابٍ والأعمش: «قَالَ» فعلاً ماضياً خبراً عن الرسول. والرسم يحتملهُما. وقد تقدم مثل هذا في الأنبياء وآخر المؤمنين. وقرأ الأعمشُ والنَّخعيُّ يوحي بكسر الحاء؟؛ أي الله تعالى، والمعنى إنَّما أنا بشر مثلكم أي كواحد منكم لولا الوحيُ ما دعوتكم ﴿أَنَّمَآ إلهكم إله وَاحِدٌ﴾ قال الحسن ﵁ عَلَّمَهُ الله التواضع. قوله: ﴿فاستقيموا إِلَيْهِ﴾ عُدِّي بإلى؛ لتضمنه معنى توجَّهُوا والمعنى وجِّهُوا استقامتكم إليه بالطاعنة ولا تَمِيلوا عن سبيله «واستغفروه» من ذنوبكم. قوله: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الذين لَا يُؤْتُونَ الزكاة﴾ قال ابن عباس ﵄: الذي لا يقولون لا إله إلا الله، وهي زكاة الأنفس. والمعنى لا يُطَهِّرون أنفسهم من الشِّرك بالتوحيد، وهو مأخوذ من قوله: «وَنَفٍْ ومَا زَكَّاهَا» . وقال الحسن وقتادة: لا يقرِّون بالزكاة ولا يرون إيتاءَها واجباً. وكان يقال: الزكاة قَنْطَرَةُ الإسلام، فمن قطعها نجا، ومن تخلف عنها هلك. وقال الضحاك ومقاتل: لا يُنفِقُون في الطاعة ولا يتصدقون، وقال مجاهد: لا يزكون أعمالهم ﴿وَهُمْ بالآخرة هُمْ كَافِرُونَ﴾ . فصل احتج من قال: إن الكفار مخاطبُون بفروع الإسلام بهذه الآية، فقالوا: إنه تعالى توعدهم بأمرين: أحدهما: كونهم مشركين. والثاني: لا يؤتون الزكاة، فوجب أن يكون لكل واحد من هذين تأثير عظيم في حق وصول الوعيد، وذلك يدل على أن لعدم ايتاء الزكاة من المشرك تأثير عظيم في زيادة الوعيد وهو المطلوب.

стр. 10456

فصل احتج بعضهم على أن مانع الزكاة كافر بهذه الآية فقال: إن الله تعالى لما ذكر هذه الصفة ذكر قبلها ما يوجب الكفر وهو قوله: «وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ» وذكر بعدها ما يوجب الكفر وهو قوله: ﴿وَهُمْ بالآخرة هُمْ كَافِرُونَ﴾ فلو لم يكن منع الزكاة كفراً لكان ذكره فيما بين الصفتين الموجبتين للكفر قبيحاً؛ لأن الكلام إنما يكون فصيحاً إذا كانت المناسبة مرعيةً بين أجزائه، ثم أكدوا ذلك بأن أبا بكر الصديق ﵁ حكم بكفر مانعي الزكاة. قال ابن الخطيب: والجواب أنه ثبت بالدليل أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، وهما حاصلان عند عدم إيتاء الزكاة، فلم يلزم حُصُول الكفر بسبب عدم إيتاء الزكاة والله أعلم. قوله: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قال ابن عباس ﵄ غير مقطوع، من قولك: مننتُ الحبلَ أي قطعتُهُ، ومنه قولهم: «قَد مَنَّهُ السَّفرَ» أي قطعه وأنشدوا: ٤٣٥٢ - فَضْلَ الجَوَادِ على الخَيْلِ البِطَاءِ فَلَا ... يُعْطِي بذلك مَمْنُوناً وَلَا نَزِقَا وقال مقاتل: غير منقوص، ومنه المنون لأنه ينقص منة الإنسان وقوته، وأنشدوا لذي الإصبع العُدواني: ٤٣٥٣ - إنِّي لَعَمْرُكَ مَا بَابِي بِذِي غَلَقٍ ... على الصَّدِيقِ ولا خَيرِي بِمَمْنُونِ وقيل: غير ممنون به عليهم؛ لأن عطاء الله لا يُمَنُّ به إنما يَمُنُّ المخلوق. وقال مجاهد: غير محسوب وقال السُّدِّيّ: نزلت هذه الآية في المَرْضَى والزَّمنى والهَزْمَى إذا عجزوا عن الطاعة يكتبه لهم الأجرُ كأصح ما كانوا يعلمون فيه. روي عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «إن العبد إذا

стр. 10457

كان على طريقة حسنة من العبادة ثم مَرِضَ، قيل للملك الموكل به: اكتُبْ له مثل علمه إذا كان طليقاً حتى أطلقه أو أكفته إليَّ» . قوله تعالى: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذي خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ﴾ الآية قرأ ابنُ كثير أينكم لتكفرون بهمزة وبعدها ياء محققة ساكنة بلا مد والباقون ممدوداً مشدد النون. وهو استفهام بمعنى الإنكار، أي كيف تكفرون بالله، وكيف يجوز جعل هذه الأنداد الخسيسة أنداداً لله مع أنه تعالى خلق الأرض في يومين، وهما يوم الأحد ويوم الاثنين، وتمم بقية مصالحها في يومين آخرين وخلق السموات بأسرها في يومين آخرين، فمن قدر على خلق هذه الأشياء العظيمة كيف يعقل الكفر به، وإنكار قدرته على الحَشْر والنَّشر؟ فإن قيل: مَن استدل بشيء على إثبات شيء فذلك الشيء المستدل به يجب أن يكون مسلماً عند الخصم حتى يصح الاستدلال به، وكونه تعالى خالقاً للأرض في يومين أمر لا يمكن إثباته بالعقل المحض إنا يمكن إثباته بالسمع ووحي الأنبياء والكفار كانوا منازعين في الوحي والنبوة، فلا يعقل تقرير المقدمة عليهم، وإذا امتنع تقريرها عليهم امتنع الاستدلال بها على فساد مذاهبهم. فالجواب: إثبات كون السموات والأرض مخلوقةً بالعقل مُمكنٌ، وإذا أمكن ذلك أمن الاستدلال به على وجود الإله القادر القاهر العظيم. وحنيئذ يقال: الكافر كيف يعقل التسوية بين الإله الموصوف بهذه القدرة القادرة وبين الصَّنم الذي هوة جمادٌ لا يضرُّ ولا ينفع في المعبودية والإلهية؟ بقي أن يقال: فحينئذ لا يبقى في الاستدلال بكونه تعالى خالقاً للأرض في يومين أثر. قال ابن الخطيب: بل له أثر في هذا الباب، وذلك أن التورية مشتملة على هذا المعنى، فكان ذلك في غاية الشهرة بين أهل الكتاب فكفار مكة كانوا يتعقدون في أهل الكتاب أنهم أصحاب العلوم، والظاهر أنهم كانوا قد سمعوا من أهل الكتاب هذه المعاني فاعتقدوا كونها حقاً، وإذا كان الأمر كذلك حَسن أن يقال لهم: إن الإله الموصوفَ بالقدرة على خلق هذه الأشياء العظيمة في هذه المدة اللطيفة كيف يليق بالعقل جع الخشب المنجور والحجر المنحوت شريكاً له في المعبودية والإليهة؟! فبهذا التقدير حسن الاستدلال. قوله: «وَتَجْعَلُونَ لَهُ» عطف على «لَتَكْفُرُونَ» فهو داخل في حيز الاستفهام وقوله: ﴿ذَلِكَ رَبُّ العالمين﴾ أي ذلك الموجود الذي علمتَ من صفته وقدرته أن خلق الأرض

стр. 10458

في يومين (هو رب العالمين وخالقهم ومبدعهم فكيف أثبتهم له أنداداً من الخشب والحجر؟ ثمإنه تعالى لما أخبر عن كونه خالقاً للأرض في يومين) ثم أخبر أنه أتى بثلاثة أنواعٍ من الصُّنع العجيب والفعل البديع بعد ذلك، فالأول قوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ وهذا مستأنف ولا يجوز عطفه على صلة الموصول، للفصل بينهما بأجنبي، وهو قوله: «وَتَجْعَلُونَ» فإنه معطوف على قوله: «لتكفرون» كما تقدم. والمراد بالرواسي الجبال. فإن قيل: ما الفائدة في قوله: «من فوقها» ولم يقتصر على قوله ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ كما اقتصر على قوله ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾ [المرسلات: ٢٧] وقوله ﴿وَجَعَلْنَا فِي الأرض رَوَاسِيَ﴾ [الأنبياء: ٣١] وقوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ [الرعد: ٣] . فالجواب: أ، هـ تعالى لو جعل فيها رواسي من تحتها لأوهم ذلك أن تلك الأساطين التَّحتانيَّة هي التي أمسكت هذه الأرض الثقيلة عن النزول، ولكنه تعالى قال: خُلِقَتْ هذه الجبال الثقال فوق الأرض ليرى الإنسان بعينه أنَّ الأرض والجبال أثقالٌ وكلها مفتقرة إلى مُمْسِكٍ وحافظٍ وما ذاك الحافظ المدبِّر إلا الله . النوع الثاني: قوله «وَبَارَكَ فِيهَا» أي في الأرض بما خلق من البحار والأنهار والأشجار والثمار. قال ابن عباس ﵄: يريد شقَّ الأنهار، وخلق الجبال خلق الأشجار والنار، وخلق الجبال وخلق الأشجار والنار، وخلق أصناف الحيوانات، وكل ما يحتاج إليه من الخيرات. النوع الثالث: قوله ﴿وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا﴾ قيل: المعنى وقدر فيها أقوات أهلِها ومعايشهم ما يصلحهم وقال محمد بن كعب: قدر أقوات الأبدان قبل أن يخلق الأبدان. وقال مجاهد: وقدر فيها أقواتها من المطر. وعلى هذا فالأقوات للأرض لا للسكان، والمعنى أن الله قدر لكل أرض حظَّها من المطر. وقيل المراد من إضافة القُوت إلى الأرض كونها متولدة في تلك الأرض وحادثة فيها؛ لأن النحاة قالوا في حسن الإضافة أدنى سبب فالشيء قد يضاف إلى فاعله تارة، وإلى محله أخرى، فقوله «وقدر فيها أقواتها» أي قدر الأقوات التي يختص حدوثها بها، وذلك لأنه تعالى جعل كل بلدة معدناً لنوع آخر من الأشياء المطلوبة بمعنى أن أهل هذه البلدة يحتاجون إلى الأشياء المتولدة في ذلك البلد وبالعكس فصار هذا المعنى سبباً لرغبة الناس في التجارات واكتساب الأموال.

стр. 10459

قوله: ﴿في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ تقديره: في تَمَام أَرْبَعَةِ أيام باليَوْمَيْنِ المقتدمين. قال الزجاج: في تتمَّة أربعة أيام، يريد بالتتمة اليومين. وقال الزمخشري: في أربعة أيام فلذلك المدة خلق الله الأرض وما فيها كأنه قال: كل ذلك في أربعة أيام كاملة مستويةً بلا زيادة ولا نُقصانٍ. قال شهاب الدين: وهذا كقولك: بَنَيْتُ بيتي في يوم وأكملته في يومين أي بالأول. وقال أبو البقاء: أي في تمام أربعة أيام، ولولا هذا التقدير لكانت الأثام ثمانيةً يومان في الأول، وهو قوله: ﴿خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ﴾ ويومانِ في الآخر وهو قوله ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ وأربعةُ في الوَسَطِ وهو قوله ﴿في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ . فإن قيل: إنه تعالى لما ذكر خلق الأرض في يومين، فلو ذكر أنه خلق هذه الأنواع الثلاثة الباقية في يومين آخرين كان أبعدَ عن الشُّبهة وعن الغلط فَلِمَ تَرَك التصريح وذكر الكلام المجمل؟ فالجواب: أن قوله «في أربعة أيام سواء» فيه فائدة زائدة على ما إذا قال: خلقت هذه الثلاثة في يومين؛ لأنه لو قال: خلقت هذه الأشياء في يومين لم يُفِدْ هذا الكلام كون اليومين مُستغرقين بتلك الأعمال؛ لأنه قد يقال: عملتُ هذا العمل في يومين مع أن اليومين ما كانا مستغرقين بذلك العمل، أمَّا لما ذكر خلق الأرض، ونخلق هذه الأشياء ثم قال: في أربعة أيام سواء دلَّ على أن هذه الأيام الأربعة صارت مستغرقةً في تلك الأعمال من غير زيادة ولا نُقصانٍ. قوله: «سواء» العامة عل النصب، وفيه أوجه: أحدها: أنه منصوب على المصدر بفعل مقدر، أي استوت قاله مكي وأبو البقاء. الثاني: أنه حال من «ها» في أقواتها، أو من «ها» في «فيها» العائدة على الأرض أو من الأرض قاله أبو البقاء وفيه نظر لأن المعنى إنما هو وصف الأيام بأنها سواء، لا وصف الأرض بذلك وعلى هذا جاء التفسير. ويدل على ذلك قراءة سَواءٍ بالجر صفة للمضاف، أو المضاف إليه، وقال قتادةُ والسُّدي سواء معناها سواء لمن سِأل عن الأمر، واستفهم عن حقيقة وقوعه وأراد العبرة فيه فإنه يجده كما قال تعالى. إلا أن ابن زيد وجماعةً قالوا شيئاً يَقْرُبُ من المعنى الذي

стр. 10460

ذكره أبو البقاء فإنهم قالوا معناه مستوٍ مهيَّأ أمر هذه المخلوقات ونفعها للمحتاجين إليها من البشر، فعبر بالسائلين عن الظالبين. وقرأ زيدُ بنُ علي والحسنُ وابنُ أبي إسحاق وعيسى ويعقوبُ وعمرُو بن عُبيدٍ: سَواءٍ بالخفض على ما تقدم. وأبو جعفر بالرفع وفيه وجهان: أحدهما: أنه على خبر ابتداء مضمر، أي هي سواء، لا يزيدُ ولا يَنقُصُ، وقال مكِّي: هو مرفوع بالابتداء وخبره للسائلين؛ وفيه نظر، من حيث الابتداء بنكرة من غير مُسوَّغ. ثم قال: بمعنى مستويات لمن سأل فقال: في كَمْ خلقت؟ وقيل: للسائلين لجميع السائلين لأنهم يسألون الرزق وغيره من عند الله تعالى. قوله «للسائلين» فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه متعلق بسَوَاء بمعنى مستويات للسائلين. الثاني: أنه متعلق بقدَّر، أي قدر فيها أقواتها لأجل الطالبين لها المحتاجين المقتاتين. الثالث: أن يتعلق بمحذوف، كأنه قيل: هذا الحصر لأجل من سأل: في كم خلقت الأرض وما فيها؟ . قوله (تعالى) : ﴿ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌ﴾ أي عمد إلى خلق السماء. وقال ابن الخطيب: من قولهم: استوى إلى مكان كذا إذا توجَّه إليه توجُّهاً لا يلتفتُ معه إلى عمل آخر وهو من الاستواء الذي هو ضد الاعوجاج. ونظيره قولهم: استقام إليه وامتدَّ إليه، قال تعالى: ﴿استقيموا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٦] والمعنى: ثم دعاه داعي الحكمة إلى خلق السموات بعد خلق الأرض ما فيها من صارفٍ يصرفُهُ عن

стр. 10461

ذلك. والدُّخان: هو ما ارتفع عن لهب النار. ويستعار لما يرى من بُخار الأرض عند جدبها وقياس جمعة في القلة أَدْخِنَةٌ وفي الكثرة دُخْيَان، نحو: غُرابٍ وأغربة وغِرْبَانٍ وشذوا في جمعه على: دَوَاخِن، قيل: هو جمع داخِنةٍ تقديراً على سبيل الإسناد المجازيّ، ومثله عثانٌ وعواثِن. وقوله: و «هِيَ» دُخَان «من باب التشبيه الصُّوري؛ لأن صورتها صورة الدُّخانِ في رأي العين. فصل قال المفسريون: هذا الدخان بُخار الماء وذلك أن عرش الرحمن كان على الماء قبل خقل السموات والأرض، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المآء﴾ [هود: ٧] . ثم إن الله تعالى أحدث في ذلك الماء اضطراباً فأزْبَدَ وارتفع، وخرج منه دُخانٌ فأما الزَّبدُ فبقي على وجه الماء فخلق منه اليبوسة وأحدثَ منه الأرض، وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق منه السَّموات. فإن قيل: قوله تعالى ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان﴾ يُشعر بأن تخليق السماء حصل بعد تخليق الأرض، وقوله تعالى ﴿والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠] يشعر بأن تخليص الأرض حصل بعد تخليق السماء وذلك يوجب التناقض! فالجواب: المشهور أن يقال: إنه تعالى خلق الأرض أولاً، ثم خَلَقَ بعنده السماء، ثم بعد أن خَلَقَ السماء دحى الأرض، وبهذه الطريق يزول التناقض. قال ابن الخطيب: وهذا الجواب عندي مُشكِلٌ من وجوه: الأول: أنه تعالى خَلَقَ الأرض في يومين، ثم إنه في اليوم الثالث جعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها، وهذه الأحوال لا يمكن إدخالها في الوجود، إلا بعد أن صارت الأرض منبسطة ثم إنه تعالى قال بعد ذلك: ﴿ثُمَّ استوى إِلَى السمآء﴾ فهذا

стр. 10462

يقتضي أنه تعالى خلق السماء بعد خلق الأرض، وبعد أن جعلها مدحُوَّةً وحينئذ يعود السؤال. الثاني: أنه ورد أنَّ الدلائل الهندسية دلَّت على أن الأرض كرةٌ في أول حدوثها إن قلنا: إنها كرة، والآن بقيتْ كرة أيضاً فهي منذ خقلت كأنها مدحُوَّةٌ، وإن قلنا: إنها غير كرة ثم جعلت كرة فيلزم أن يقال: إنها كانت مدحُوَّةً قبل ذلك، ثم أزيل عنها هذه الصفة وذلك باطل. الثالث: أن الأرض جسمٌ في غاية العِظم والجسم الذي يكون كذلك فإنه من أول دخوله في الوجود يكون مدحوَّا، فالقول بأنها كانت غير مدحوةٍ ثم صارت مدحوة قولٌ باطل. والذي جاء في كتب التواريخ أن الأرض خلقت من موضع الصّخرة ببيت المقدس فهو كلام مشكل لأنه إذا كان المراد أنها على عظمها خلقت من ذلك الموضع ثم خلق بقيةُ أجزائها، وأضيفت إلى تلك الأجزاء التي خلقت أولاً فهذا يكون اعترافاً بأن تخليق الأرض وقع متأخراً عن تخليق السماء. الرابع: أنه لما حصل تخليق ذات الأرض في يومين، وتخليق سائر الأشياء الموجودة في الأرض في يومين وتخليق السموات في يومين آخرين كان مجموع ذلك ستة أيام، فإذا حصل دَحْوُ الأرض بعد ذلك فقد حصل هذال الدحو في زمانٍ آخر بعد الأيام الستة فحينئذ يقع تخليق السموات والأرض في أكثر من ستة أيام وذلك باطل. الخامس: أنه لا نزاع في أن قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً﴾ كناية عن إيجاد السموات والأرض، فلو تقدم إيجاد السمات لكان قوله تعالى: ﴿ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً﴾ يقتضي إيجاد الموجودات انه محال باطل. هذا تمام البحث عن هذا المبحث. ونقل الواحدي في البسيط عن مقاتل أنه قال: خلق السماء قبل الأرض، وتأول قوله: ﴿ثمَّ استوى إلى السماء﴾ ثم كان قد استوى إلى السماء وهي دُخان قبل أن يخلق الأرض، فأضمر فيه كما قال تعالى: ﴿قالوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧] معناه إن يكن سرق، وقال تعالى: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا﴾ [الأعراف: ٤] (والمعنى) فكان قد جاءها، هذا ما نقله الواحدي قال ابن الخطيب وهذا عندي ضعيف، لأن تقدير الكلام ثُمَّ كان قد استوى إلى السماء. هذا جمعين الضدين لأن كلمة «ثُمَّ» تقتضي التأخير، وكلمة «كان» تقتضي التقديم، والجمع بينهما يفيد التناقض، وإنما يجوز تأويل كلام الله بما لا يؤدي إلى وقوع التناقض والركاكة فيه. والمختار عندي إن يُقال: خلق السماء مقدم على خلق الأرض، وتأويل الآية أن

стр. 10463

يقال: الخلق ليس عبارةً عن التكموين والإيجاد، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] فلو كان الخلق عبارةً عن الإيجاد والتكوين لصار تقدير الآية أوجدضهُ من تراب، ثم قال له كن فيكون وهذا محال فثبت أن الخلق ليس عبارةً عن الإيجاد والتكوين، بل هو عبارة عن التقدير، والتقدير في حق الله هو كلمته بأن سيُوجدُهُ. وإذال ثبت هذا فنقول قوله: خلق الأرض في يومين معناه أنه قضى بحدوثِهِ في يومين، وقضاء الله أنه سيحدث كذا في مدة كذا لا يقتضي حدوث ذلك الشيء في الحال فَقَضَاءُ الله بحُدُوثِ الأرض في يومين قد تقدم على إحداثِ السَّماء وحينئذ يزول السؤال. قوله: ﴿ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ . وقرأ العامة «ائتيا» أمراً من الإتيان «قَالَتَا أَتَيْنَا» منه أيضاً. وقرأ ابن عباس وابن جبيرٍ ومجاهدٌ «آتِيا» قَالَتَا آتينا بالمد فيهما وفيه وجهان: أحدهما: من المؤاتاة وهي المُوافقة، أي ليوافق كل منكما الأخرى لما يليق بها. وإليه ذهب الرازي والزَّمخشريُّ، فوزن «آتِيَا» فاعلا، كقاتِلا، و «آتيْنَا» وزنه فاعلنا كقاتلنا. والثاني: أنه من الإيتاء بمعنى الإعطاء، فوزن «آتِيَا» أفْعِلَا كأكرما، ووزن «آتينا» أَفْعَلْنَا كأَكْرَمْنَا. فعلى الأول يكون قد حذف مفعولاً، وعلى الثاني قد حذف معفولين؛ إذ التقدير أعطيا الطاعة من أنفسكما مَنْ أمركما، قالتا أَعطيناهُ الطاعة. وقد منع أبو الفضل الرازي الوجه الثاني فقال: آتينا بالمَدِّ على فاعلنا من المؤاتاة بمعنى سارعنا، على حذف المعفول به، ولا يكون من الإيتاء الذي هو الإعطاء لبعد حذف مفعوليه. قال شهاب الدين: وهذا هو الذي منع الزمخشري أن يجعله من الإتياء. قوله: ﴿طَوْعاً أَوْ كَرْهاً﴾ مصدران في موضع الحال، أي طائعتين أو مُكْرهتين. وقرأ الأعمش «كُرْهاً» بالضم، وتقدم الكلام على ذلك في النساء. وقله: «

стр. 10464

قَالَتَا: أي قالت السماءُ والأرض، وقال ابن عطية: (رحمة الله عليه) أراد الفرقتين المذكورتين، جعل السموات سماءً والأرضين أرضاً كقوله: ٤٣٥٤ - أَلَمْ يحْزُنْكَ أَنَّ حِبَالَ قَوْمِي ... وَقَوْمِكَ قَدْ تَبَاينتا انقِطَاعاَ عبر عنهما» بتَبَايَنَتَا «. قال أبو حيان وليس كما ذكر لأنه لم يتقدم إلا ذكر الأرض مفردة والسماء مفردة فلذلك حسن التعبير بالتثنية. وأما البيت فكأنه قال: حَبْلَي قَوْمِي وَقَوْمِكَ، وأنث في تَبَايَنَتَا على المعنى؛ لأنه عنى بالحبال المودة. قوله:» طَائِعِينَ «في مجيئه مجيء جمع المذكورين العقلاء وجهان: أحدهما: أن المراد يأتينا من فيهما من العقلاء وغيرهم، فلذلك غلَّب العقلاء على غيرهم، وهو رأي الكسائيِّ. والثاني: أنه لما عاملهم معاملة العقلاء في الإخبار عنهما، والأمر لهما جمعهما كجمعهم، كقوله: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] وهل هذه المحاورة حقيقة أو مجازاً وإذا كانت مجازاً فهل هو تمثيلٌ أو تخييلٌ؟ . خلاف. فصل ظاهر هذا الكلام يقتضي أن الله تعالى أمر السماء والأرض بالإيمان فأطاعُوهُ وهذا ليس بمستبعد كما أن الله تعالى أنطقَ الجبالَ مع داود ﵊ ُ فقال: ﴿ياجبال أَوِّبِي مَعَهُ والطير﴾ [سبأ: ١٠] وأنطق الأيدي والأرجل، فقال: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] وقوله: ﴿وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قالوا أَنطَقَنَا الله الذي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] ٍ وإذا كان كذلك فكيف يستبعدُ أن يخلقَ الله تعالى في ذات السموات والأرض حياةً وعقلاً ثم يوجه التكليف عليهما؟ ويؤكد هذا وجوه: الأول: أن الأصل حمل اللفظ على ظاهره، إلا إن منع منه مانع، فههنا لا مانع.

стр. 10465

الثاني: أنه تعالى جمعهما جمع العقلاء فقال: ﴿قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ . الثالث: قوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ [الأحزاب: ٧٢] وهذا يدل على كونها عارفة بالله، عالمة بتوجه تكليف الله تعالى. وأجاب ابن الخطيب عن هذا القول: بأن المراد من قوله ﴿١٦٤٩;ئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً﴾ الإثبات الى الوجود والحدوث والحصول، فعلى هذا التقدير فحال توجه هذا الأمر كانت السموات والأرض معدومة، إذ لو كانت موجودةً فذلك لا يجوز، فثبت أن حال توجه هذا الأمر عليها كانت معدومة، وإذا كانت معدومة لم تكن فاهمة، ولا عارفة للخطاب، فلم يَجُزْ توجُّه الأمر عليها. فصل روى مجاهدٌ وطاوس عن ابن عباس أنه قال: قال الله للسموات والأرض أخرجا ما فيكما من المنافع ومصالح العباد، أما أنتِ يا سماءُ فأطعلي شَمْسَكِ وقَمَركِ ونُجُومكِ، وأنت يا أرض فشقَّقي أنهارك وأخرجي ثمارك ونباتكِ، وقال لهما: افعلا ما آمركما طوعاً، وإلا ألجأتكما إلى ذلك (حتى) تفعلا فنقول: فعلى هذا التقدير لا يكون المراد من قوله: أتينا طائعين حدوثهما في ذاتهما، بل يصيرُ المراد من هذا الأمر أن يظهرا ما كان مودعاً فيهما، وهذا باطل؛ لأنه تعالى قال: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ وذلك يدعل على حُدُوثَ السماء إنما حصل بعد قوله: ﴿١٦٤٩;ئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً﴾ . فصل اعلم أن المقصود من هذا الكلام إظهار كمال القدرة، والتقدير ائتيا ذلك أو أَبَيْتُما كما يقول الجبار لمن تحت يده: لتفعلن هذا شِئْتَ أو أبيتَ، ولَتَفْعَلُنَّهُ طَوْعاً أو كَرهاً. وقيل: إنَّهُ تعالى ذكر السماء والأرض، ثم ذكر الطوع والكره فوجب أن ينصرف الطوعُ إلى السماء والكرهُ إلى الأرض، وتخصص السماء بالطوع لوجوه: أحدهما: أن السماء في دوام حركتها على نهج واحد لا يختلف تُشْبِهُ حيواناً مطعياً لله بخلاف الأرض فإنها مختلفة الأحوال، تارة تكون ساكنةً، وتارة تضطربُ. وثانيها: أن الموجود في السماء ليس إلا الطاعة، قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ

стр. 10466

وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] وأما أهل الأرض فليس كذلك. وثالثها: أن السماء موصوفة بكمال الحال، وقيل: إنها أفضل الألوان وشكلها أفضل الأشكال وهو المستدير ومكانها أفضل الأمكنة، وهو العُلُوُّ، وسُكَّانُها أفضل الأجرام، وهي الكواكب المنيرة بخلاف الأرض فإنها مكان الظلمة والكثافة، واختلاف الأحوال وتغيير الذات والصفات فلا جرم عبَّر عن تكوين السماء بالطَّوْعِ وعن تكوين الأرض وبالكره. قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ ف ينصب «سَبْعَ» أربعةُ أوجه: أحدها: أنه مفعول ثانٍ «لقَضَاهُنَّ» ؛ لأنه ضمّن معنى صيَّرهُنَّ بقضائه سبع سموات. الثاني: أنه منصوب على الحال من مفعول «فقضاهن» أي قضاهن معدودةً، وقضى بمعنى «صَنَعَ» كقول أبي ذؤيب: ٤٣٥٥ - وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَتَانِ قَضَاهُمَا ... دَاوُدُ أَوْ صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ أي صنعها. الثالث: أنه تمييز؛ قال الزمخشري: ويجوز أن يكون ضميراً مبهماً مفسَّراً بسبع سمواتٍ على التمييز يعني بقوله «مبهماً» ، أنه لا يعود على السماء، لامن حيث اللفظ، ولا من حيث المعنى بخلاف كونه حالاً أو مفعولاً ثانياً. الرابع: أنه بدل من «هُنَّ» في «فَقََاهُنَّ» قاله مكي، وقال أيضاً: السماء، تذكَّر وتؤَنَّثُ، وعلى التأنيث جاء القرآن، ولو جاء على التذكير لقيل: سَبْعَةَ سمواتٍ. وقد تقدم تحقيق تذكيره وتأنيثه في أوائل البقرة.

стр. 10467

فصل قال أهل الأثر: إن الله تعالى خلق الأرض يوم الأحد والإثنين، وخلق سائر ما في الأرض يوم الثلاثاء والأربعاء وخلق السموات وما فيها في يوم الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعةٍ من يوم الجُمُعةِ فخلق بها آدم، وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة. فإن: قيل: اليوم عبادرة عن النهار والليل، وذلك إنما يحصل بطُلُوعِ الشَّمس وغروبها، وقبل حدوث السموات والشمس والقمر كيف يعقل حصوم اليوم؟ فالجواب: معناه أنه مضى من المدة ما لو حصل هناك فلكٌ وشمس لكان المقدار مُقدَّراً بيوم. وقضاء الشيء إتمامه والفرغ منه. قوله: ﴿وأوحى فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا﴾ . قال عطاء عن ابن عباس ﵄: خلق في كل سماء خلقها من الملائكة وما فيها من البحار، وجبال البرد، وما لا يعلمه إلا الله تعالى، وقال قتادة والسُّدِّيُّ: يعني خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها. وقال مقاتل: وأوحى إلى كل سماء ما أراد من الأمر والنهي، وذلك يوم الخميس والجمعة، قال السدي: ولله في كل سماء بيت يُحَجُّ إليه ويطوف به الملائكة، كل واحد منها مقابل للكعبة بحيث لو موقعت منه حصاةٌ لوقعت على الكعبة. قوله: ﴿وَزَيَّنَّا السمآء الدنيا بِمَصَابِيحَ﴾ وهي النيران التي خقلها في السموات، وخص كل واحد بضوء معين، وسرٍّ معين وطبيعة معينة لا يعرفها إلا الله تعالى. قوله: «وَحِفْظاً» في نصبه وجهان: الأول: أنه منصوب على المصدر بفعل مقدر، أي: وحفظناها بالثواقب من الكواكب حفظاً. والثاني: أنه مفعول من أجله على المعنى؛ فإن التقدير: خلقنا الكواكب زينةً وحِفظاً، قال أبو حيان «وهو تَكَلُّفٌ وعُدُولٌ عن السَّهْلِ البَيِّن» .

стр. 10468

فصل المعنى وحفظاها من الشياطين الذي يسترقون السمع، ثم قال: «ذلِكَ» أي الذي ذكر من صُنْعَةِ «العَزِيزِ» في ملكه «العَلِيمِ» بخلقه فالعزيزُ إشارة إلى كمال القدرة، والعليمُ إشارة إلى كمال العلم.

стр. 10469

قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾ هذا التفات من خطابهم بقوله: «قُلْ أَئِنَّكُمْ» إلى الغيبة لفعلهم الإعراض، أعرض عن خطابهم وهو تناسب حسنٌ، والمعنى أن الحجة قد تمت على أكمل الوجوه، فإن بقُوا مصرِّين على الجهل لم يبق حينئذ علاجٌ ف يحقهم إلا إنزال العذاب عليهم، فلهذا قال: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ ، أي هلاكاً مثلَ هلاكِهِمْ، والإنذار التخويف. قال المبرد: الصاعقة المرة المهلكة لأي شيءٍ كان. وقرأ الجمهور: صاعِقَةً مثل صََاعِقَةِ بالألف فيهما. وابنُ الزبير والنَّخعيُّ والسُّلميُّ وابن محيصنٍ: صعقةٌ مثل صعقةِ محذوف الألف وسكون العين. وتقدم الكلام في ذلك في أوائل البقرة. يقال: صعقته الصاعقة فصعق. وهذا مما جاء فيه فعلتُهُ بالفتح ففعل بالكسر. ومثله: جذَعتُهُ فجذعَ. قال الزمخشري: والصَّعقَةُ المرة من الصَّعق. قوله: «إذْ جَاءَتْهُم» فيه أوجه: أحدها: أنه ظرف «لأنْذَرْتُكُم» ، نحو: لقيتك إذ كان كذا. الثاني: أنه منصوب بصاعقه، لأنها بمعنى العذاب، وأي أنذرتكم العذاب الواقع في وقت مجيء رُسُلهم.

стр. 10470

الثالث: أنه صفة لصاعقة الاولى. الرابع: أنه حال من «صاعقة» الثانية، قالهما أبو البقاء. وفيه نظر إذ الظَّاهِرُ أنَّ الصَّاعِقَة جُثَّةٌ وهي قطعة نار تنزل من السماء فتحرق كما تقدم تفسيرها، ولا يقع الزمان صفة لها، ولا حالاً عنها، وتأويلها بمعنى العذاب إخراجٌ لها عن مدلولها من غير ضرورةٍ، وإنما جعلها وصفاً للأولى، لأنها نكرة، وحالاً من الثانية معرفة لإضافتها إلى علم، ولو جعلها حالاً من الأولى لأنها تخصصت بالإضافة لجاز. فتعودُ الأوجهُ خمسةً. قوله: ﴿مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الظاهر أن الضَّميرين عائدان على عاد وثمود. وقيل: الضمير في «خَلْفِهِمْ» يعودُ على الرسل واستُبعد هذا من حيث المعنى؛ إذ يصير التقدير: جاءتهم الرسل من خلق الرسل أي من خلف أنفسهم، وقد يجاب عنه بأنه من باب: دِرْهَمٌ ونصفُهُ، أي ومن خلف رسُلٍ أخرين. قوله: ﴿أَلَاّ تعبدوا﴾ يجوز في «أن» ثلاثةُ أوجه: أحدها: أن تكمون المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوفٌ، الجملة النهيية بعدها خبر، كذا أعربه أبو حيان وفيه نظر من وجهين: أحدهما: أنَّ المخففة (من الثقيلة) لا يقع بعدها فعلٌ إلا من أفعال اليقين. والثاني: أن الخبر في باب إنَّ وأخواتها لا يكون طلباً، فإن ورد منه شيء أوِّلَ، ولذلك تأَوَّلُوا: ٤٣٥٦ - إنَّ الَّذِينَ قَتَلْتُمْ أَمْسِ سَيِّدَهُمْ ... لَا تَحْسَبُوا لَيْلَهُمْ عَنْ لَيْلِكُمْ نَامَا وقوله: ٤٣٥٧ - وَلَوْ أَصَابَتْ لَقَالَتْ وَهيَ صَادِقَةٌ ... إنَّ الرِّيَاضَةَ لَا تُنْصِبْكَ لِلشِّيبِ
следующие страницы →