Полный текст (12 961 стр.). Показаны 10886–10925 · переход к 10891.
стр. 10886
سَمَّيْتُمُوهَآ﴾ إلى أن قال: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظن وَإِنَّ الظن لَا يُغْنِي مِنَ الحق شَيْئاً﴾ [النجم: ٢٣ ٢٨] .
وثالثها: ظننتم أ، الله لا يرى ولا يعلم كما قال تعالى: ﴿ولكن ظَنَنتُمْ أَنَّ الله لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٢] .
قال: والأول أصح أو يقال: المراد جميع ظنونهم كما قال: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الذين كَفَرُواْ﴾ [ص: ٢٧] . ويؤيد ذلك دخول الألاف واللام في السَّوْء. وفي السَّوءِ وجُوهٌ:
أحدها: وهو اختيار المحققين من الأدباء: أن السَّوْسَ عبارة عن الفساد والصِّدق عبارة عن الصلاح، يقال: مررت برجل سَوءٍ أي فاسد، وسكنت عند رجل صِدْق، أي صالح وهو قول الخليل، والزَّجَّاج واختاره الزَّمخشريّ.
(وتحقيق هذا أن السوء في المعاني كالفساد في الأجساد يقال: ساء مِزَاجُهُ (و) ساء خُلُقُه (و) سَاءَ ظَنَّه، كما يقال: فسدَ اللحمُ وفسد الهواء بل كلُّ ما ساء فقد فسد، وكلّ؟ ما فَسدَ فقد سَاءَ غير أن أحدهما كثير الاستعمال في المعاني والآخر في الأجرام قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الفساد فِي البر والبحر﴾ [الروم: ٣٠] وقال: ﴿سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ٩] و [المجادلة: ١٥] و [المنافقون: ٢] .
قوله: ﴿عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السوء﴾ أي دائرة الفساد يعني حاق بهم العذاب بحيث لا يخرجون منه ﴿وَغَضِبَ الله عَلَيْهِمْ﴾ زيادة على التعذيب «وَلعنَهُمْ» أي الغضب يكون شديداً ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ﴾ في العُقْبَى ﴿وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ أي جهنم.
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السماوات والأرض﴾ تقدم تفسيره. وفائدة الإعادة أن لله جنود الرحمة وجنود العذاب، أو جنود الله أنزلهم قد يكون إنزالهم للرحمة وقد يكون للعذاب فذكرهم أولاً لبيان الرحمة بالمؤمنين كما قال: ﴿وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيماً﴾ [الأحزاب: ٤٣] وثانياً: لبيان إنزال العذاب بالنافقين والمشركين.
وفي الأول ذكر الجنود قبل إِدْخَال الجنَّة وذَكرهم هنا بعد تعذيب الكفار وإعداد
стр. 10887
جهنم؛ لأن الله تعالى يُنَزِّل جنودَ الرحمة ليدخل المؤمن معظماً مكرماً الجنة، ثم يلبسهم خُلع الكرامة بقوله: ﴿وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ ثم يقربهم زلفى بقوله: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ الله فَوْزاً عَظِيماً﴾ وأما في حق الكفار فيغضب الله عليهم أولاً فيعبدهم ويطردهم إلى البلاد النائية عن الرحمة وهي جهنم، ثم يسلط عليهم ملائكة العذاب وهم جنود الله كما قال تعالى: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَاّ يَعْصُونَ الله﴾ [التحريم: ٦] فلذلك ذكر جنود الرحْمَةِ أولاً هناك، وقال ههنا: ﴿وَغَضِبَ الله عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾ وهو الإبْعَاد إلى جهنم ثم ذكر الجنو وهم (الملائكة) ملائكة العذاب آخراً.
стр. 10888
قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً﴾ على أمتك بما يفعلون، كما قال تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة: ١٤٣] أنه لا إله إلا الله وكما قال تعالى: ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لَا إله إِلَاّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم﴾ [آل عمران: ١ ٨] . وهم الأبنياء «وَمُبَشِّراً» من قبل شهادته ويحكم بها «ونَذِيراً» لمن ردَّ شهادته.
ثم بين فائدة الإرسال فقال: ﴿لِّتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ﴾ أي تعينوه وتنصوره «وَتُوَقِّرُوهُ» أي تُعظموه وتُفخموه، هذه الكنايات راجعة إلى النبي ﷺ َ وههنا وقف. ثم قال وتسبحوه، أي تسبحوا الله، يريد يصلوا له بكرةً وَأصيلاً بالغَدََاةِ والعشيّّ.
وقيل: الكنايات راجعة إلى لله تعالى، أي ليؤمنوا بالله ورسوله ويعزروا الله بتقوية دينه، ويوقروه الله الذي يُعَظِّموه.
قوله: «لِتُؤْمِنُوا» قرأ ابن كثير وأبو عمرو ليُؤْمِنُوا وما بعده بالياء من تحت رجوعاً إلى قوله المؤمنين والمؤمنات. والباقون بتاء الخطاب (وقرأ الجَحْدريّ يَعَزُّرُوه بفتح
стр. 10889
الياء وضم الزاي وهو أيضاً وجعفر بن محمد كذلك إلا أنهما كسرا الزاي. وابن عباس واليماني ويُعَزِّزُوهُ كالعامَّة إلا أنه بزايَين من العِزَّة.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله في الأحزاب: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى الله بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً﴾ [الأحزاب: ٤٥٤٦] وههنا اقتصر على الثلاثة الأول؟ .
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن ذلك المقام كان مقام ذكر، لأن أكثر السورة ذكر الرسول وأحواله وما تقدمه من المبايعة والوعد بالدخول ففصل هناك ولم يفصل هنا.
وثانيهما: أن قوله: «شاهداً» لما لم يقتض أن يكون داعياً لجواز أن يقول مع نفسه أشهد أن لا إله إلا الله ولا يدعو الناس قال هناك: «وَدَاعِياً» كذلك ههنا لما لم يكن كونه شاهداً ينبىء عن كونه داعياً قال: ليؤمنوا بالله ويعزروه ويوقروهُ. وقوله: «بكرة وأصيلاً» يحتمل أن يكون إشارة إلى المداومة، ويحتمل أن يكون لمخالفة عمل المشركين، فإنهم كانوا يعبدون الأصنام في الكعبة بكرة وعشيَّةً، فأمر الله بالتسبيح في أوقات ذكرهم الفَحْشَاء والمُنْكَر.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ﴾ يا محمَّدُ بالحديبية على أن لا يفروا ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله﴾ لأنهم باعوا أنفسهم من الله تعالى بالجنة، روى يزيدُ بن (أبي) عبيد قال: قلت لسلمةَ بْنِ الأكوع: على أيِّ شيء بايعتم رسولَ الله ﷺ َ يوم الحديبية؟ قال: على الموت.
قوله: ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله﴾ خبر «إنَّ الَّذِينَ» و ﴿يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ جملة حالية، أو خبر ثان وهو ترشيح للمجاز في مبايعة الله. وقرأ تمام بن العباس: يبايعون للهِ، والمفعول محذوف أي إنما يبايعونَكَ لأجل الله.
стр. 10890
قوله: ﴿يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ لما بين أنه مرسل ذكر أن من بايعهُ فقد بايع الحقّ.
وقوله: ﴿يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ يحتمل وجوهاً، وذلك أن اليد في الموضعين إما أن تكون بمعنًى واحدٍ، وإما أن تكومن بمعنيين فإن كانا بمعنى واحد ففيه وجهان:
أحدهما: قال الكلبي: نعمة الله عليه في الهداية فوق ما صنعوا من البيعة كما قال تعالى: ﴿بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧] .
وثانيهما: قال ابن عباس ومجاهد: يد الله بالوفاء بما عاهدهم من النصر والخير وأقوى وأعلى من نصرتهم إياه، ويقال: اليدُ لفلانٍ أي الغلبة والقوة.
وإن كانا بمعنيين ففي حق الله بمعنى الحفظ، وفي حق المبايعين بمعنى الجارحة قال السدي: كانوا يأخذون بيد رسول ﷺ َ ويبايعونه ويد الله فوق أيديهم في المبايعة، وذلك أن المتبايعين إذا مد أحدهما يده إلى الآخر في البيع، وبينهما ثالث فيضع يده على يديهما ويحفظ أيديهما إلى أن يتم العقد ولا يترك أحدهما بترك يد الآخر لكي يلزم العقد ولا يتفاسخان فصار وضع اليد فوق الأيدي سببابً لحفظ البيعة، فقال تعالى: ﴿يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ يحفظهم على البيعة كما يحفظ المتوسط أيدي المتبايعين.
قوله: «فَمَنْ نَكَثَ» أي نقص البيعةَ ﴿فَإِنَّمَا يَنكُثُ على نَفْسِهِ﴾ أي عليه وما له ﴿وَمَنْ أوفى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ الله﴾ أي ثبت على البيعة ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ قرأ أهل العراق فسيُؤتيه بالياء من تحت، وقرأ الآخرون بالنون. والمراد بالأجر العظيم الجنة. وتقدم الكلام في معنى الأجر العظيم.
стр. 10891
قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ المخلفون مِنَ الأعراب﴾ قال ابن عباس: ومجاهد: يعني أعراب غِفَار، ومُزَيْنَةَ وجُهَيْنَةَ، وأشْجَعَ وَأسْلَمَ، وذلك أن رسول الله ﷺ َ حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمراً اسْتَنفَرَ من حول المدينة من الأعراب، والبَوَدِي ليخرجوا معه حَذَراً من قريش أن يعرضوا له بحرب، أو يصدوه عن البيت فأحرم بالعمرة وساق معه الهَدْي، ليعلمَ الناسُ أنه لا يريد حَرباً فتثاقل كثيرٌ من الأعارب وتخلفوا واعْتَلُّوا بالشغل لظنهم أنه يهزم، فأنزل الله هذه الآية.
قوله: «شَغَلَتْنَا» حكى الكسائي عن ابن مدح أنه قرأ: شَغَّلَتْنَا بالتشديد ﴿أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ يعني النساء والذَّرَارِي أنْ لم يكن لنا من يخلفنا فيهم ﴿فاستغفر لَنَا﴾ تَخَلٌّفَنَا عنك.
فكذبهم الله في اعتذارهم فقال: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من الأمر بالاستغفار فإنهم لا يبالون أستغفر لهم النبي أو لا. ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ الله شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً﴾ قرأ الأخوان ضُرًّا بضم الضاد والباقون بفتحها.
فقيل: هما لغتان بمعى كالفَقْر والفُقْر والضَّعف والضُّعْف، وقيل: بالفتح ضِدُّ النفع، وبالضم سُوء الحال فمن فتح قال: لأنه قابله بالنفع، والنفع ضد الضر، وذلك أنهم ظنوا أن تخلفهم عن النبي ﷺ َ يدفع عنهم الضر، ويجعل لهم النفع بالسلامة في أموالهم وأنفسهم فأخبرهم أنه إن أراد بهم شيئاً من ذلك لم يقدر واحد على دفعه ﴿بَلْ كَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ أي بما تعلنون من إظهار أمر وإضمار غيره.
قوله: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرسول والمؤمنون إلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً﴾ أي ظننتم أن العدون يستأصلهم ولا يرجعون. قرأ عبد الله: إلَى أهلهم دون ياء، بل أضاف الأهل مفرداً.
стр. 10892
قوله: ﴿وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ . قرىء: وزين مبنياً للفاعل أي الشيطان أو فِعْلُكُم زين ذلك الظن في قلوبكم ﴿وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السوء﴾ وذلك أنهم قالوا: إن محمداً وأصحابه أكلة رأس فلا يرجعون فأين تذهبون معه؟ انتظروا ما يكون من أمرهم ﴿وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً﴾ أي صرتم هَلْكَى لا تصلحون لخير. وقيل: كنتم على بابها من الإخبار بكونهم في الماضي كذا. والبُورُ الهلاكُ. وهو يحتمل أن يكون هنا مصدراً أخبر به عن الجمع كقوله:
٤٤٩٠ - يَا رَسُول الإِلَهِ إنَّ لِسَانِي ... رَاتِقٌ مَا فَتقْتُ إذْ أَنَا بُورُ
ولذا يستوي فيه المفرد والمذكر وضدهما. ويجوز أن يكون جمع بَائرٍ كحَائل وحُولٍ في المعتل وبَازِل وبُزْلٍ في الصحيح.
قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بالله﴾ يجوز أن يكون (من) شرطية أو موصولة. والظاهر قائم مقام العائد على كلا التقديرين أي فإنا أعتدنا لهم. وفيه فائدة وهي التعميم كأنه قال: ومن لم يؤمن بالله ورسوله فهو من الكافرين وإنّا أعتدنا للكافرين سعيراً.
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوت والأرض يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ ذكر هذه بعد ذكر من له أجر عظيم من المبايعين ومن له في السعير عذاب أليم من الظالمين الضالين. وذلك يفيد عظمة الأمرين جميعاً، لأن من عظم ملكه يكون أجره وهيبته في غاية العظمة وعذابه وعقوبته في غاية الألم.
стр. 10893
(قوله تعالى) : ﴿سَيَقُولُ المخلفون إِذَا انطلقتم﴾ ﴿امَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا﴾ يعني هؤلاء الذين تخلفواعن الحديبية ﴿إِذَا انطلقتم﴾ سرتم وذهبتم أيها المؤمنون ﴿امَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا﴾ يعني مغانم خيبر ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ إلى خيبر لنشهد معكم قتال أهلها، وذلك أنهم لما انطلقوا انصرفوا من الحديبية وعدهم الله فتح خير، وجعل عنائمهنا لمن شهد الحديبية خاصة عوضاً من غنائم مكة إذا انصرفوا من الحديبية (منهم على صلح) ولم يصيبوا منهم شيئاً، (لأن قوله: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ﴾ وعد للمبايعين بالغنيمة وللمخلفين الحالفين بالحرمان) .
قوله: يُرِيدُ (ونَ) يجوزو أن يكون مستأنفاً وأن يكون حالاً من «المخلفون» وأن يكون حالاً من مفعلو «ذَرُونَا» .
قوله: ﴿كَلَامَ الله﴾ قرأ الأخوان كَلِمَ جمع كلمة والبقاون كَلَام قيل معناه: يريدون أن يغيروا تواعد الله تعالى لأهل الحديبية، بغنيمة خيبر خاصة وقال مقاتل: يعني أمر الله لنبيه ﷺ َ أن لا يسيِّر معه منهم أحداً. وقال ابن زيد: هو أن النبي ﷺ َ لما تخلف القوم أطعله الله على ظنهم وأظهر له نفاقهم وقال للنبي ﷺ َ ﴿فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً﴾ [التوبة: ٨٣] . والأولى أصوب وعليه أكثر المفسرين.
قوله: ﴿قُل لَّن تَتَّبِعُونَا﴾ إلى خيبر ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ الله مِن قَبْلُ﴾ أي من قبل مرجعنا إليكم أن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية ليس لغيرهم فيها نصيب.
قوله: ﴿بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ قرأ أبو حيوة تَحْسِدُونَنَا بكسر السين «بَلْ» للإضْراب
стр. 10894
والمضروب عنه محذوف في الموضعين عنه محذوف الموضعين أما ههنا فتقديره ما قال الله كذلك من قبل بل تحسدوننا أي يمنعكم الحد من أن نصيب منكم العنائم ﴿بَلْ كَانُواْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ لا يعلمون عن الله ما لهم وعليهم من الدين ﴿إِلَاّ قَلِيلاً﴾ منهم وهم من صدق الله وروسله.
(فإن قيل: بماذا كان الحسد في اعتقادهم؟
قلنا: كأنهم قالوا: نحن (كنا) مصيبين في عدم الخروج (حيث) رَجَعُوا من الحديبية من غير عدو حاصل، ونحن اسْتَرَحْنَا فإن خرجنا معهم ويكون فيه غنيمة يقولون هم غنموا معنا ولم يتعبوا معنا. ثم قال الله تعالى رداً عليهم كما ردوا عليه: ﴿بَلْ كَانُواْ لَا يَفْقَهُونَ إِلَاّ قَلِيلاً﴾ أي لم يفقهوا من قولك: لا تخرجوا إلا ظاهر النهي، فلم يفهموا حكمة إلَاّ قليلاً فحملوه على ما أرادوه وعللوه بالحسد. .) .
قوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعراب سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ﴾ لما قال للنبي ﵊ ُ لهم لن تتبعونا، ولن تخرجوا معي أبداً كان المخلفون جمعاً كثيراً من قبائل متشعبة دعت الحاجة إلى بيان قبول توبتهم، فإنهم لم يبقوا على ذلك، ولم يكونوا من الذين مَرَدُوا على النفاق بل منهم من حسن حاله فجعل لقبول توتبهم علامة (وهو أنهم يدعون إلى قوم أولي بأس شديد، ويطيعون بخلاف حال ثَعْلَبَةَ، حيث امتنع من أداء الزكاة، ثم أتى بها ولم يقبل منه النبي ﷺ َ واستمر عليه الحال، ولم يقبل منه أحد من الصحابة كذلك كان يستمر حال هؤلاء لولا أن الله تعالى بين أنهم يدعون: فإن أطاعوا أعطوا الأجر الحسن.
والفرق بين حال هؤلاء وبين حال ثعلبة من وجهين:
أحدهما: أن ثعلبة يجوز أن يقال حاله لم يكن يتغير في علم الله فلم يبين لتوبته علامة) وحل الأعراب تغيرت، فإن بعد النبي ﷺ َ لم يبق من المنافقين على النفقا أحدٌ.
الثاني: أن الحاجة إلى بيان حال الجمع الكثير، والْجَمِّ الغفير، أمسّ؛ لأنه لولا البيان لأفضى الأمر إلى قيام الفتنة بين فِرَق الْمُسْلِمِينَ.
стр. 10895
( «فصل»
قال ابن عباس ومجاهد: المراد بقوله ﴿قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ﴾ : هم أصحاب فارس. وقال كعب: الروم وقال الحسن: فارس والروم. وقال سعيد بن جبير: هوازن وثقيف. وقال قتادة: هوازن وغطفان قوم حنين. وقال الزهري ومقاتل وجماعة: هم بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مسيلمة الكذاب. وقال رافع بن خديج: كنا نقرأ هذه الآية ولا نعلم من هم حتى دعا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم هم. وقال أبو هريرة: لم تأت هذه الآية بعد) .
قوله: ﴿أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ العامة على رفعه بإثبات النون عطفاً على «تُقَاتِلُونَهُمْ» أو على الاستئناف أي أو هُمْ يُسْلِمُونَ. وقرأ أبيّ وزيدُ بن عليٍّ بحذف النون نصباً بحذفها.
والنصب بإضمار «أن» عند جمهور البصريين، وب «أو» نفسها عند الجَرْمي والكِسَائيِّ، ويكون قد عطف مصدراً مؤولاً على مصدر متوهم كأنه قيل: يكون قتالٌ أو إسلامٌ. ومثله في النصب قول امرىء القيس:
٤٤٩١ - فَقُلْتُ لَهُ لَا تَبْكِ عَيْنُكَ إنَّمَا ... نُحَاوِلُ مُلْكاً أَوْ نَمُوتَ فَنُعْذَرَا
وقال أبو البقاء: أو بمعنى إلَاّ أَنْ، أو حَتَّى.
( «فصل»
معنى قوله: تقاتلونهم أن يسلمون إشارة إلى أن أحدهما يقع؛ لأن «أو» تبين
стр. 10896
المتغايرين وتُنْبِىءُ عن الحصر، يقال: العدد زوجٌ أو فردٌ، ولهذا لا يصح قوله القائل: هذا زيدٌ أو ابن عمرو؛ أذا كان زيد ابن عمرو؛ إذا علم هذا فقول القائل: أُلَازِمُكَ أَوْ تَقضينِي حَقِّي معناه أن الزمان انحصر في قسمين: قسم يكون فيه الملازمة، وقسم يكون فيه قضاءُ الحق فيكون قوله: «أُلَازِمُكَ أو تقضيني» ، كقوله: ألازمك إلى أن تقضيني، لامتداد زمان الملازمة إلى القضاء) .
قوله: ﴿فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ الله أَجْراً حَسَناً﴾ يعني الجنة ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْاْ﴾ تُعْرِضُوا ﴿كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ﴾ عام الحديبية ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ وهو النار، فلما نزلت هذه الآية قال أهل الزمانة: كيف بنا يا رسول الله؟ فأنزل الله ﴿لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ﴾ أي في التخلف عن الجهاد ﴿وَلَا عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلَا عَلَى المريض حَرَجٌ﴾ .
وذلك لأن الجهادَ عبارة عن المقاتلة والكرِّ والفَرِّ، وهؤلاء الثلاثةلا يمكنهم الإقدام على العدو والطلب، ولا يمكنهم الاحتراز والهرب. وفي معنى الأعرج الأَقْطَعُ المُقْعَد بل أولى أن يعذر، ومن به عَرَجٌ لا يمكنه من الكرِّ والفرِّ لا يعذر، وكذلك المرض الذي لا يمنع من الكر والفر كالطّحال والسُّعال وبعض أوجاع المفاصل إذا لم يُضْعِفْهُ عن الكرِّ والفر، فهذه الأعذار في نفس المجاهد، وتبقى أعذار خارجة، كالفقر الذي لا يمكن صاحبه من ستصحاب ما يحتاج له وكذا الاشتغال بمن لولاه لضاع كطفلٍ أو مريضٍ.
والأعذار المبيحة مذكورة في كتب الفقه. وقدم الأعمى على الأعرج، لأن عذر الأعمى يستمر ولو حضر القتال، والأعرج إن حضر راكباً أو بطريق يقدر على القتال بالرمي وغيره.
قوله: ﴿وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً﴾ قرأ أهل المدينة والشام ندخله ونعذبه بالنون فيهما. وقرآ الآخرون بالياء لقوله: ﴿ومن يطع الله ورسوله﴾ .
стр. 10897
قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين ... ﴾ الآية لما بين حال المخلفين بعد قوله: ﴿إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله﴾ [الفتح: ١٠] عاد إلى بيان حال المبايعين.
قوله: ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ﴾ منصوب ب «رَضِيَ» و «تَحْتَ الشَّجَرَة» يجوز أن يكون متعلقاً ب «يُبَايِعُونَكَ» وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من المفعول.
( «فصل»
المعنى: يبايعونك بالحديبية على أن يناجزوا قريشاً، ولا يفروا. وقوله: «تَحْتَ الشَّجَرَة» وكانت سمرة قال سعيد بن المسيب: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله ﷺ َ تحت الشجرة قال: فلما خرجنا من العام المقبل نَسِيناها فلم نقدر عليها. وروي أن عمر بن الخطاب مرّ بذلك المكان بعد أن ذهبت الشجرة فقال: أين؟ فجعل بعضهم يقول: ههنا، وبعضهم ههنا، فلما كثر اختلافهم قال: سيروا قد ذهبت الشجرة. وروى جابر بن عبد الله قال: «قَالَ لَنَا رسول الله صلى الله عليه سولم يوم الحديبية أنتم خير أهل الأرض، وكنا ألفاً وأَرْبَعَمِائةٍ ولو كنت أبصر اليوم لأَرَيْتُكُمْ مَكَانَ الشَّجَرَة. وروى سالم عن جابر عن رسول الله ﷺ َ قال: لَا يَدْخُلُ النار أحَجٌ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) » .
قوله: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من الصدق والوفاء ﴿فَأنزَلَ السكينة﴾ الطمأنينة والرضا «عَلَيْهِمْ»
فإن قيل: الفاء للتعقيب وعلم الله قبل الرضا؛ لأن علم ما في قلوبهم من الصدق فرضي عنهم فكيف يفهم التعقيب في العلم؟
فالجواب: قال ابن الخطيب: إن قوله تعالى: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ متعلق بقوله: ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ﴾ كما تقول: «فَرِحْتُ أَمس إِذْ كَلَّمت زَيْداً فَقَامَ لي، وإذْ دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَأَكْرَمِني» فيكون الفرح بعد الإكرام مرتباً كذلك ههنا قال تعالى: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين إِذْ يُبَايِعُونَكَ ... فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من الصدق إشارة ألى أن الرضا لا يكون
стр. 10898
عند المبايعة (حَسْب بل عند المبايعة) التي كان معها علم الله بصدقهم. والفاء في قوله ﴿فَأنزَلَ السكينة﴾ للتعقيب المذكور، فإنه تعالى رضي عنهم فأنزل السكينة عليهم.
وفي قوله: «فَعَلِمَ» لبيان وصف المبايعة يكون (ها) معقبة بالعلم بالصدق الذي في قلوبهم.
قوله: ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ يعني فتح خيبر. وقوله: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ أي وآتاهم مَغَانِمَ أو أثابهم مغانم. وإنما قدر الخطاب والغيبة لأنه يقرأ: «يَأخُذُونَهَا» بالغيبة، وهي قراءة العامة، و «تَأخُذُونَهَا» بالخطاب وهي قراءة الأعمش وطَلْحَةَ ونافعٍ في رواية سِقْلَابٍ.
فصل
قيل: المراد بالمغانم الكثيرة مغانم خيبر، وكانت خيبر ذاتَ عَقَار وأموال فقسمها رسول الله ﷺ َ بينهم.
وقيل: مغانم هجر.
﴿وَكَان الله عَزِيزا﴾ كامل القدرة غنياً عن إعانتكم إياه «حَكِيماً» حيث جعل هلاك أعدائه على أيديهم ليثيبكم عليه، أو لأن في ذلك كان إعزاز قوم وإذلالَ لآخرين فقال: يُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ بِعِزَّتِهِ، ويعز من يشاء بِحِكْمَتِهِ.
قوله: ﴿وَعَدَكُمُ الله مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ وهي الفتوح التي تفتح لهم إلىيوم القيامة وليس المغانم كل الثواب، بل الجنة قُدَّامهم، وإنما هي عاجلة عَجَّلَ بها لهم، ولهذا قال: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هذه﴾ يعني خيبر ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ الناس عَنْكُمْ﴾ وذلك أن النبي ﷺ َ لما قصد خَيْبَرَ وحَاصَرَ أهلها هَمَّ قبائلُ من أَسَدَ، وغَطَفَان، ِأن يُغِيرُوا على عِيَال المسلمين وذَرَارِيهِمْ بالمدينة فكف الله أيديهم بإلقاء الرعب في قلوبهم. وقيل: كف أيدي الناس عنكم يعني أهل مكة بالصلح، وليكون كفهم وسلامتكم آية للمؤمنين على صدقك، ويعلموا أن الله هو المتولِّي حياطتهم وحِرَاسَتَهُمْ في مشَهْدِهِمْ ومغيبهم.
قوله: «وَلتَكُونَ» يجوز فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يتعلق بفعل مقدر بعد تقديره: ولِتَكُونَ (فعلك) فعل ذلك.
الثاني: أنه معطوف على علة محذوفة تقديره: وَعَدَ فَعَجَّل وَكَفَّ لينتفعوا ولِيَكُونَ أو لتشكروا ولتكون.
стр. 10899
الثالث: أن الواو مزيدة. والتعليل لما قبله أي وَكَفَّ لتكون.
قوله: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾ يثيبكم على الإسلام، ويزيدكم بَصيرَةً ويقيناً بصُلْح الحديبية وفتح خيبر، وذلك أن رسول الله ﷺ َ لما رجع من الحديبية أقام بالمدينة بقية ذي الحجة وبعض المُحَرَّم، ثم خرج في سَنَةِ سَبع إلىخيبر. روى أنسُ بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ َ كان إذا غزا بنا قوماً لم يكن بغير بنا حتى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ، فإن سمع أَذَاناً كفَّ عنهم، وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم، قال: فخرجنا إلى خَيْبَرَ، فانتهينا إليهم، فلما أصبح لم يسمع أذاناً (ركب) وركبتُ خلف أبِي طلحة، وإن قدمي لتمَسُّ قدم النبي ﷺ َ قال: فخرجوا إلينا بمكاتلهم ومَسَاحِيهم فلما رآهم رسول الله ﷺ َ قال: الله أكبر الله أكبر خَربتْ خَيْبَرُ، إنَّا إذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ. وروى إياسُ بْنُ سَلَمَةَ قال حدثني أبي قال: خرجنا إلى خيبر مع رسول الله ﷺ َ قال: فجعل عمي يَرْتَجِزُ بالقَوم:
٤٤٩٢ - تَاللهِ لَوْلَا اللهُ مَاأهْتَدَيْنَا ... وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنضا ... وَنَحْنُ مِنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنَا ... فَثَبِّتِ الأَقَدْامَ إنْ لَا قَيْنَا ... وَأَنْزِلَننْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ... فقال رسول الله ﷺ َ مَنْ هَذَ؟ فقال: أنا عامر، قال: غَفَر الله لك ربك. وما استغفر رسول الله ﷺ َ لإنسان يَخُصُّه إلا استشهد.
قال: فنادى عمرُ بنُ الخَطَّاب ﵁ وهُوَ على جمل له: يا نبيّ الله لولا مَتَّعْتَنَا بعامرٍ قال: فلما قدمنا خيبر خرج ملكهم مَرْجَبُ يخطر بسيفه يقول:
٤٤٩٣ - قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ ... شَاكِي السِّلَاح يَطَلٌ مُجَرِّبُ
стр. 10900
إذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ ... فقال علي ﵁:
٤٤٩٤ - أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهُ ... كَلَيْثِ غابَاتٍ كَرِيهِ المَنْظَرَه ... أَكِيلُكُمْ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ ... قال: فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه.
(ومعنى أكليكم بالسيف كيل السندرة أي أقتلكم قتلاً واسعاً ذريعاً. والسَّندرة مكيال واسع. قيل يحتمل أن يكون اتخذ من السندرة وهي شجرة يعمل منها النَّبْل، والقِسِيُّ، والسَّنْدرة أيضاً العجلة، والنون زائدة. قال ابن الأثير: وذكرها الجَوْهَرِيُّ في هذا الباب ولم ينبه على زيادتها) .
وروي فتح خيبر من طرق أُخَر في بعضها زيادات وفي بعضها نقصان عن بعض.
قوله: «وأخرى» يجوز فيها أوجه:
أحدها: أن تكون مرفوعة بالابتداء و ﴿لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا﴾ صفتها و ﴿قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا﴾ خبرها.
الثاني: أن الخبر «منهم» محذوف مقدر قبلها، أي وَثَمَّ أخرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا.
الثالث: أن تكون منصوبة بفعل مضمر على شريطة التفسير، فتقدر بالفعل من معنى المتأخر وهو ﴿قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا﴾ أي وقَضَى اللهُ أُخَْرَى.
(الرابع: أن تكمون منصوبة بفعل مضمر لا على شريطة التفسير، بل لِدَلَالة السِّياقِ، أي ووَعَدَ أُخْرَى، أو وآتاكُمْ أخرى.
الخامس: أن تكون مجرورة ب «رُبَّ» مقدرة، ويكون الواو واو «رب» ذكره
стр. 10901
الزمخشري. وفي المجرور بعد الواو المذكورة خلاف مشهور أهنو برُبَّ مضمرة أم بنفس الواو؟ إلا أبا حيان قال: ولم تأت «رُبَّ» جارة في القرآن على كَثْرة دورها، يعني جارة لفظاً وإلا تقدر. قيل: إنها جارة تقديراً هنا وفي قوله: ﴿رُّبَمَا﴾ [الحجر: ٢] على قولنا: إنّ ما نكرة موصوفةٌ) .
قوله: ﴿قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا﴾ يجوز أن يكون خبراً ل «أُخْرَى» كما تقدم، أو صفة ثانية إذَا قِيلَ بأن أخرى مبتدأ وخبرها مضمر أو حالاً أيضاَ.
فصل
قال المفسرون: معناه أي وعدكم فتح بلدة أخرى لم تقِدروا عليها قد أحاط الله بها حتى يفتحها لكم كأنه حفظها لكم، ومنعها من غيركم حتى تأخذوها. قال ابن عباس ﵄ علم الله أنه يفتحها لكم. قال ابن الخطيب: تقديره: وعدكم الله مغانم تأخذونها، ومغانم لا تأخذونها أنتم ولا تقدرون عليها، وإنما يأخذها من يجيء بعدكم من المؤمنين. وهذا تفسير الفراء. قال: معنى قوله: ﴿قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا﴾ أي حفظها لمؤمنيني، لا يجري عليها هلاك وفناء إلى أن يأخذها المسلمون كإحاطة الحُرَّاسِ بالخَزَائِنِ.
стр. 10902
واختلفوا فيها فقال ابنُ عباس والحسن ومقاتل: هي فارس والرومُ، وما كانت العرب تقدر على قتال فارس والروم، بل كانوا حولاً لهم حتى قدروا عليها الإسلام.
وقال الضَّحَّاكُ وابنُ زيد: هي خيبر وعدها الله نبيه ﷺ َ قبل أن يصيبها ولم يكونوا برجونها. وقال قتادة: هي مكَّة. وقال عِكْرِمَةُ: حُنَيْن. وقال مجاهد: وما فَتَحُوا حتى اليوم، ﴿وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ .
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الذين كفَرُواْ﴾ يعني أسداسً وغَطفانَ وأَهْلَ خَيْبَرَ ﴿لَوَلَّوُاْ الأدبار﴾ ، قال ابن الخطيب: وهذا يصلح جواباً لمن يقول: كَفّ الأيدي عنهم كان أمراً اتفاقياً، ولو اجتمع عليهم العرب كما زعموا لمنعوهم من فتح خيبر واغتنام غنائمها، فقال: ليس كذلك بل سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا لا ينصرون والغلبة واقعة للمسلمين، فليس أمرهم أمراً اتفاقياً، بل هو أمر إلهيٌّ محكوم به محتوم. وثم قال ﴿لَا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً﴾ .
قوله: ﴿سُنَّةَ الله﴾ مصدر مؤكد لمضمون الجملة المقدمة، أي سَنَّ اللهُ ذَلك سنةً.
قال ابن الخطيب: وهذا جواب عن سؤال آخر يقوله قومٌ من الجُهَّال وهو: إن الطَّوَالِعَ والتأثيرات والاتِّصالاتِ تأثيراتٌ وتغييرات فقال: ليس كذلك، بل سنة الله نصرة رسوله، وإهلاك عدوه، والمعنى: هذه سنة الله في نصرة أوليائه، وقهر أعدائه ﴿تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً﴾ .
стр. 10903
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الذي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ وهذا تبيين لما تقدم من قوله: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الذين كفَرُواْ لَوَلَّوُاْ الأدبار﴾ [الفتح: ٢٢]
стр. 10904
بتقدير الله، كما أنه كف أيهديهم عنكم بالفرار، وأيديكم عنهم بالرجوع عنهم وتركهم.
روى ثابتٌ عن أنس بن مالك ﵁ أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هُبَطُوا على رسول الله ﷺ َ من جبل التنعيم متسلحين يريدون غِرَّةَ النبي ﷺ َ وأصحابه فأخذهم سلْماً فاستحياهم فأنزل الله: ﴿وَهُوَ الذي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ .
قال عبد الله بن مُغَفَّل المُزَنيّ: كنا مع النبي ﷺ َ بالحديبية في اصل الشجرة التي قال الله تعالى «في القرآن» ، وعلى ظهره غُصْنٌ من أغصان الشجرة فرفعته عن ظهرهِ، وعلي بن أبي طالب ﵁ بين يديه يكتب كتاب الصلح فخرج علينا ثلاثون شاباً عليهم السلاح فنادَوْا في وجوهنا فدعى عليهم نبي الله ﷺ َ فأخذ الله بأبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم، فقال لهم رسول الله ﷺ َ جئتم في عهد (أحد) أو هل جَعَلَ لكم أحد أمناً؟ قالوا: اللَّهم لا فَخَلَّى سبيلهم. فأنزل الله هذه الآية.
قوله: ﴿وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ قرأ أبو عمرو يَعْلَمُونَ بالياء وقرأ الآخرون بالتاء من فوق قرأ الغيبة فهو رجوع إلى قوله: «أيْدِيَهُمْ» وَ «عَنْهُمْ» . ومن قرأ بالخطاب فهو رجوع إلى قوله: أيْدِيَكُمْ «و» عَنكُم «، والمعنى أن الله يرى فيه من المصلحة وإنْ كُنْتُمْ لا ترون ذلك.
ثم بين ذلك بقوله تعالى: ﴿ُمُ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام﴾ وهذا أشارة إلى أن الكف لم يكن الأمر (فيهم) لأنهم كفروا وصدوكم وأحصروا وكل ذلك يقتضي قتَالَهُم، فلا يقع لأحد أن الفريقين اتفقوا واصطلحوا، ولم يكن بينهما خلاف ولا نزاع بلا الاختلافُ والنزاعُ باقٍ مستمر؛ لأنهم هم الذين كفروا وصدوكم ومنعوكم فازدادُوا كفراً وعداوةً، وإنما ذلك للرجال المؤمنينَ والنِّساء المؤمنات.
قوله:» وَالهَدْيَ «العامة على نصبه، والمشهور أنه نسق على الضمير المنصوب في»
стр. 10905
صَدُّوكُمْ «وقيل: نصب على المعية. وفيه ضعف، لإمكان العطف. وقرأ أبو عمرو في رواية بجره عطفاً على» المَسْجِدِ الحَرَامِ «. ولا بد من حذف مضاف، أي وعَنْ نَحْرِ الهَدْي، وقرىء برفعه على أنه مرفوع بفعل مقدر لم يسم فاعله أي وصُدَّ الهَدْيُ.
والعامة على فتح الهاء وسكون الدال، وروي عن أبي عمرو وعاصم وغيرهما كسر الدال وتشديد الياء. وحكى ابن خالويه ثلاث لغات الهَدْي وهي الشهيرة لغة قريش، والهَدِيّ والهَدَا.
قوله: «مَعْكُوفاً» حال من الهدى أي محبوساً، يقال: عَكَفْتُ الرَّجُلَ عن حاجته.
وأنكر الفارس تعدية «عكف» بنفسه، وأثبتها ابن سِيدَهْ والأزهريّ وغيرُهُمَا. وهو ظاهر القرآن لبناء اسم مفعول منه.
قوله: ﴿أَن يَبْلُغَ﴾ فيه أوجه:
أحدها: أنه على إسقاط الخافض، أي «عَنْ» أو «مِنْ أن» وحينئذ يجوز في هذا الجار المقدر أن يتعلق «صَدُّوكُمْ» وأن يتعلق ب «مَعْكُوفاً» أي محبوساً عن بلوغ مَحِلِّهِ.
الثاني: أنه مفعول من أجله، وحينئذ يجوز أن يكون علة للصد، والتقدير: صدوا الهدي كراهة أن يبلغ محله وأن يكون علة ل «مَعْكُوفاً» أي لأجل أن يبلغ محله، ويكون الحبس من المسلِمِينَ.
الثالث: أنه بدل من «الهدي» بدل اشتمال أي صدوا بلوغ الهدي محله.
(فصل
معنى الآية ﴿هُمُ الذين كَفَرُواْ﴾ يعنى كفار مكة «وَصَدُّوكُمْ» منعوكم ﴿عَنِ المسجد
стр. 10906
الحرام﴾ أن تطوفوا فيه «وَالهَدْيَ» أي وصدوا الهدي وهي البُدْنُ التي ساقها رسول الله ﷺ َ وكانت سبعينَ بدنةً «مَعْكُوفاً» محبوساً، يقال: عَكَفَهُ عَكْفاً إذا حبسه، وعُكُوفاً، كما يقال: رَجَعَ رَجْعاً ورُجُوعاً ﴿أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ مَنْحَرَهُ، وحيث يحِلّ نحرُه يعني الحرم. ثم قال: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ﴾ يعني المستضعفين بمكة) .
قوله: ﴿لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ صفة للصِّنْفين، وغلب الذكور، وقوله: ﴿أَن تَطَئُوهُمْ﴾ يجوز أن يكون بطلاً من «رجال ونساء» ، وغلب الذكور كما تقدم وأن يكون بدلاً من مفعول تَعْلَمُوهُمْ، فالتقدير على الأول: ولولا وطءُ رجالٍ ونساءٍ غيرِ معلومين، وتقدير الثاني: لم تَعْلَمُوا وَطْأَهُمْ، والخبر محذوف تقديره: ولولا نساء ورجال موجودون أو بالحَضْرَةِ.
(وأما جواب «لولا» ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه محذوف، لدلالة جواب «لو» عليه.
والثاني: أنه مذكور وهو «لَعَذَّبْنَا» وجواب «لو» هو المحذوف فحذف من الأول لدلالة الثاني، ومن الثاني لدلالة الأول.
والثالث: أن «لعذبنا» جوابهما معاً. وهو بعيد إن أراد حقيقة ذلك.
وقال الزمخشرري قريباً من هذا فإنه قال: ويجوز أن يكون: «لَوْ تَزَيَّلُوا» كالتكرير لِلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ لمرجعهما إلى معنى واحد، ويكون «لَعَذَّبْنَا» هو الجواب.
ومنع أبو حيان مرجعهما لمعنى واحد، قال: لأن ما تعلق به الأَوَّل غيرُ ما تعلَّق به الثاني) .
فصل
المعنى «لم تعلموهم» لم تَعْرِفُوهُم ﴿أَن تَطَئُوهُمْ﴾ بالقتل وتُوقعوا بهم. ﴿فَتُصِيبَكمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ﴾ . قال ابن زيد إثم ذلك لأنكم ربما تقتلوهم فيلزمكم الكفَّار، وهي دليل الإثم، لأن الله تعالى أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا لم يعلم إيمانه الكفارة دون الدِّيَةِ؛ قال تعالى:
﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [
стр. 10907
النساء: ٩٢] . وقال ابن إسحاق: غُرم الدية. وقيل: إن المشركين يعيبوكم ويقولون قتلوا أهل دينهم وفعلوا بإخوانهم ما فعلوا بأعدائهم والمَعَرَّةُ السُّبَّة يقول لولا أن تطئوا رجالاً مؤمنينَ ونساءً مؤمناتٍ لا تعلموهم فيلزمكم به كفارة ويلحقكم به سُبَّة لأذن لكم في دخولها ولكنه حال بينكم وبين ذلك.
قوله: «فَتُصِيبَكُمْ» نَسَقٌ على ﴿فَتُصِيبَكمْ﴾ وقوله ﴿أَن تَطَئُوهُمْ﴾ يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل «مَعَرَّة» وأن يكون حالاً من مفعول «تُصيبُكُمْ» وقال أبو البقاء: مِنَ الضمير المجرور يعني في «منهم» . ولا يظهر معناه. أو أن يتعلق «بتصيبكم» أو أن يتعلق «بتطئوهم» ؛ أي تطئوهم بغير علم.
(فإن قيل: هذا تكرار، لأنه إن قلنا: هو بدل عن الضمير يكون التقدير: لم تعلموا أن تَطَئُوهُمْ بغير علم فيلزم تكرار بغَيرِ عِلْمٍ لحصوله بقوله: لَمْ تَعْلَمُوهُمْ؟ .
فالجواب: أن يقال: قوله: «بِغَيْرِ عِلْمٍ» هو في موضعه أي فتصيبكم منهم مَعَرَّةٌ بغير علم من (الذي) يعرّكم ويعيبُ عليكم، يعني إن وَطَأتُمُوهُمْ غير عالمين يعركم (مَسبَّة) الكفار «بغير علم» أي بجهل لأنهم لا يعلمون أنكم معذورون فيه. أو يقال تقديره: لم تعلموا أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم فيكون الوطء الذي يحصل بغير علم معذورين فيه. أو نقول: المعرَّة قسمان:
أحدهما: ما يحصل من القتل العمد والعدوان ممن هو غير عالم بحال المحِلّ.
والثاني: ما حصل من القتل خطأ وهو عند عندم العلم فقال: تصبيكم منهم معرة بغير علم لا التي تكون عند العلم) .
والوَطْءُ هنا عبارة عن القَتْلِ والدَّوْسِ، قال ﵊ ُ: «اللَّهُمَ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ» وأنشدوا:
٤٤٩٥ - وَوَطِئْتَنَا وَطْاً عَلَى حَنَقٍ ... وَطْءَ المُقَيَّدِ ثَابِتَ الهَرَمِ
стр. 10908
قوله: «لِيُدْخِلَ اللهُ» متعلق بمقدر أي كان انتفاء التسليط على أهل مكة وانتفاء العذاب ليدخل الله. وقال البغوي: اللام في ليدخل متعلق بمحذوف دلّ عليه معنى الكلام يعني ليدخل الله في رحمته أي في دين الإسلام من يشاء من أهل مكمة بعد الصلح قبل أن يدخلوها.
قوله: «َلوْ تَزَيَّلُوا: قرأ بانُ أبي عَبْلَةَ وأبو حيوة وابنُ عَوْن تَزَيَلُوا على تَفَاعَلُوا.
والضمير في تزايلوا يجوز أن يعود على المؤمنين فقط، أو على الكافرين، أو على الفريقين. والمعنى لو تمَيَّزَ هؤلاءِ من هؤلاءِ لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً بالسَّبْيِ والقتْل بأيديكم.
قوله (تعالى) : ﴿إِذْ جَعَلَ الذين كَفَرُواْ﴾ العامل في» إذْ «إِما» لَعَذَّبْنَا «أو» صَدُّوكُمْ «أو» اذْكُر «فيكون مفعولاً به.
قال ابن الخطيب في إذ: يحتمل أن يكون ظرفاً، فلا بد من فعل يقع فيه ويكون عاملاً له، ويحتمل أن يكون مفعولاً به، فإن قلنا: إنه ظرف فالفعل الواقع فيه يحتمل أن يكون مذكوراً ويحتمل أن يكون غير مذكور، فإن كان مذكوراً ففيه وجهان:
أحدهما: هو قوله تعالى: ﴿وَصَدُّوكُمْ﴾ أي وصدوكم حِينَ جَعَلُوا في قلوبهم الحَمِيَّة فلا يرجعون إلى الإسلام.
وثانيهما: المؤمنون لما أنزل الله عليهم سكينته لا يتركون الاجتهاد في الجهاد والله مع المُؤمنين.
فإن قلنا: إنه غير مذكور ففيه وجهان:
أحدهما: حفظ الله المؤمنين عن أن يَطَئُوهم إذ جعل الذين كفروا في قولبهم الحمية.
وثانيهما: أحسن الله إليكم إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية. وعلى هذا فقوله: «فَأَنْزَلَ السَّكيِنَةَ» تفسير لذلك الإحسان. وإن قلنا: إنه مفعول به فتقديره اذكر ذلك
стр. 10909
الوقت كقولك: اذْكُر إِذْْ قَامَ زَيْدٌ أي اذكر وَقْتَ قيامه. وعلى هذا يكون «إذْ» ظرفاً للفعل المضاف إليه.
قوله: «فِي قُلُوبِهِمْ» يجوز أن يتعلرق ب «جَعَلَ» على أنها بمعنى «أَلْقَى» ، فتتعدى لواحد؛ أي إِذْ أَلْقَى الكافرون في قلوبهم الحمية، وأن يتعلق بمحذوف على أنه مفعول ثانٍ قدم على أنها بمعنى صيّر.
قوله: «حَمِيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ» بدل من «الحمية» قبلها، والحمية الأنَفَةُ من الشيء، وأنشدوا للمتلمس:
٤٤٩٦ - أَلَا إِنَّنِي مِنْهُمْ وَعِرْضِي عِرْضُهُمْ ... كَذَا الرَّأْسِ يَحْمِي أَنْفَهُ أَنْ يُهَشَّمَا
وهي المنع، ووزنها فَعِيلَةٌ، وهي مصدر، يقال: حَمَيْتُ عن كذا أَحْمِيه (حَمِيَّةً) .
(فصل
المعنى: إذ جعل الذين كفوروا في قلوبهم الحمية حين صدوا رسول الله ﷺ َ وأصحابه عن البيت، وأنكروا أَنَّ محمداً رسول الله. قال مقاتل: قال أهل مكة قد قتلوا أبناءنا وإخوانَنَا ثم يدخلون علينا فتتحدث العرب أنهم دخلوا علينا على رغم أنفنا، واللاتِ والعُزَّ لا يدخلونها علينا. فهذه حَمِيَّة الجاهلية التي دخلت قلوبهم) .
قله: ﴿فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين﴾ حين لم يدخلهم ما دخلهم من الحمية فعصوا الله في قتالهم. قال ابن الخطيب: دخول الفاء في قوله: ﴿فَأَنزَلَ الله﴾ يدل على تعلق الإنزال أو ترتيبه على ما ذكرنا من أن «إِذْ» ظرف لفعل مقدر كأنه قال: أحْسَنَ اللهُ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا. «فأنزل» تفسير لذلك الإحسان، كما يقال: «اَكْرَمَنِي فَأَعْطَانِي لتفسير الإكرام. ويحتمل أن تكون الفاء للدلالة على تعلق إنزال السكينة بجعلهم الحمية في قلوبهم على معنى المقابلة تقول: أَكْرَمِنِي فَأَثْنَيْتُ عَلَيْهِ.
(قوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وعكرمة والسدي وابن زيد وأكثر المفسرين: كلمة التقوى لا إله إلا الله.
وروي عن أبي بن كعب مرفوعاً. وقال عليٌّ وابنُ عرم: كلمة التقوى لا إله إلا الله والله أكبر. وقال عطاء بن أبي رباح: هي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء
стр. 10910
قدير. وقال عطاء الخراساني: هي لا إله إلا الله محمد رسول الله وقال الزهري: هي بسم الله الرحمن الرحيم. وقيل: هي الوفاء بالعَهْد) .
قوله: ﴿وكانوا أَحَقَّ بِهَا﴾ الضمير في «كانوا» يجوز أن يعود إلى المؤمنين وهو الظاهر، أي أحق بكلمة التقوى من الكفار، وقيل: يعود على الكفار أي كانت قريشٌ أحقَّ بها لولا حرمانُهُمْ.
(فصل
قال البغوي: وكان المؤمنونَ أحقّ بها من كفار مكة وأهلها أي وكانوا المؤمنون أحقّ بها من كفار مكة وأهلها أي وكانوا أهلها في علم الله تعالى، لأن الله تعالى اختبار لدينه وصحبةَ نبيه أهل الخير، قال ابن الخطيب: قوله: «أحق بها» يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه يفهم من معنى الأحقِّ أنه يثبت رجحاناً (ما) على الكافرين وإن لم يثبت الأهلية كما لو اختار الملك اثنين لشغل، وكل واحد منهما غير صالح له ولكن أحدهما أبعد عن الاستحقاق يقال للأقرب إلى الاستحقاق إن كان ولا بد فهذا أحق كما يقال: الحبس أهون من القتل، مع أنه لا هيِّن هناك فقال وأهلها دفعاً لذلك.
الثاني: أن يكون لا للتفضيل كما في قوله ﴿خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾ [الفرقان: ٢٤] ، ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيّاً﴾ [مريم: ٧٣] ؛ إذ لا خير في غيره ﴿وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ ) .
стр. 10911
قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرؤيا﴾ . «صَدَقَ» يتعدى لاثنين، ثانيهما بحرف الجر، يقال صَدَقََكَ فِي كَذَا، وقد يحذف كهذه الآية، وقوله: «بِالحَقِّ» فيه أوجه:
أحدها: أن يتعلق ب «صَدَقَ» .
الثاني: أن يكون صفة لمصدر محذوف أي صِدْقاً مُلْتَبِساً بالحَقِّ.
الثالث: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الرؤيا، أي ملتبسةً بالحق.
الرابع: أنه قسم وجوابه: لَتَدْخُلُنَّ فعلى هذا يوقف على الرؤيا، ويبتدأ بما بعدها.
стр. 10912
(قال الزمخشري. وعلى تقديره قَسَماً إما أن يكون قَسَماً بالله فإن الحقَّ من أسمائه، وأما أن يكون قسماً بالحق الذي هو نقيض الباطل.
وقال ابن الخطيب: ويحتمل وجهين آخرين:
أحدهما: فيه تقديرم وتأخير تقديره صدق الله (و) رسوله الرؤيا بالحق الرؤيا أي الرسول الذي هو رسول بالحق.
الثاني: أن يقال تقديره صدق الله (و) رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن فيكون تفسيراً للرؤيا بالحق يعني أن الرؤيا هي وَاللهِ لَتَدْخُلُنَّ.
فصل
ذكر المفسرون أن النبي ﷺ َ رأى في المنام قبل أن يخرج إلى الحديبية أنه يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام ويَحْلِقُونَ رُؤُسَهُمْ ويُقَصِّرونَ، فأخبر أصحابه ففرحوا، وحسبوا أنهم دخلوا مكة عامَهُم ذلك فلما انصرفوا ولم يدخلوا شقَّ عليهم ذلك فأنتزل الله هذه الآية.
وروى مُجَمَّعُ بنُ جارية الأنصاريُّ قال: شهدنا الحديبية مع رسول الله ﷺ َ فلما انصرفنا عنها إذ النَّاسُ يهزّون الأبَاعِرَ فقال بعضهم: ما بال الناس؟ قالوا: أُوحيَّ إلى رسول الله ﷺ َ.
قال: فخرجنا نزحف فوجدنا النبي ﷺ َ واقفاً على راحلته على كرَاع الغَمِيم، فلما اجتمع الناس قرأ: «إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً» فقال عمر: أَوَ فَتحٌ هو يا رسول الله؟ قال: نعم والذي نفسي بيده. ففيه دليل على أن المراد من الفتح صلح الحديبية وتحقيق الرؤيا كان ف يالعام المقبل فقال تعالى: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرؤيا بالحق﴾ أراها إياه في مَخْرَجِهِ إلى الحديبية أنه يدخل هو وأصحابه المسجِدَ الحَرَامَ صدق وحق) .
قوله: «لَتَدْخُلُنَّ» جواب قسم مضمر أو لقوله: «بالحَقِّ» على ذلك القول. وقال أبو البقاء: و «لَتَدْخُلُنَّ» تفسير الرؤيا أو مستأنف أي والله لتدخلن، فجعل كونه جواب قسم قسماً تفسيراً للرؤيا. وهذا لا يصح البتة وهو أن يكون تفسيراً للرؤيا غير جواب القسم، إلا أن يريد أنه جواب قسم ولكنه يجوز أن يكون هو مع القسم تفسيراً وأن يكون مستأنفاً غير تفسير، وهو تفسير من عبارته.
قوله: ﴿إِن شَآءَ الله﴾ فيه وجوه:
стр. 10913
أحدها: أنه ذكره تعظيماً للعبادة الأدب كقوله تعالى:
﴿وَلَا تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلَاّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [الكهف: ٢٣ و٢٤] .
الثاني: أن الدخول لما وقع عام الحديبية وكان المؤمنون يريدون الدخول، ويأبون الصلح قال: لَتَدْخُلُنَّ ولكن لا بجلادتكم ولا بإرادتكم وإنما تَدْخُلُنَّ بمشيئة اله (تَعَالَى.
الثالث: أن الله تعالى لما قال في الوحي المنزَّل على النبي ﷺ َ: «لتدخلن» ذكر أنه بمشيئة الله) تعالى، لأن ذلك من الله وَعْدٌ، ليس عليه دينٌ ولا حقٌّ واجبٌ؛ لأن من وعد بشيء لا يحققه إلا بمشيئة الله، وإلا فلا يلزمه به أحدٌ.
(فصل
قال البغوي: معناه وقال لتدخلن. وقال ابن كيسان: لَتْدخُلُنَّ من قوله رسول الله صلى لله عليه وسلم لأصحابه حكاية عن رؤياه، فأخبر الله عن رسوله أنه قال ذلك، وإنما استثنى مع علمه بدخولها بإخبار الله تعالى تأدباً بأدب الله تعالى حيث قال: ﴿وَلَا تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلَاّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [الكهف: ٢٣ و٢٤] . وقال أبو عبيدة: «إِلَاّ» بمعنى إذ مجازه إذْ شَاءَ شالله كقوله: ﴿إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] وقال الحُسَيْنُ بن الفضل: يجوز أن يكون الاستثناء من الدخول لأن بين الرؤيا وتصديقها سنة ومات في السنة ناس فمجاز الآية لتدخلن المسجد الحرام كلكم إذْ شَاءَ الله. وقيل: الاستثناء واقع على الأمر لا على الدخول؛ لأن الدخول لم يكن فيهن شك كقول النبيّ ﷺ َ عند دخول القبر: «وإِنَّا إنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَا حِقُونَ» فالاستثناء راجع إلى اللحوق لا إلى الموت) .
قوله: «آمِنينَ» حال من فاعل لَتَدْخُلُنَّ وكَذَا «مُحَلِّقِينَ ومُقَصِّرِينَ» . ويجوز أن تكون «مُحَلِّقِينَ» حالاً من «آمِنينَ» فتكون متداخلةً.
فصل.
قوله: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ إشارة إلى أنكم تتمون الحج من أوله إلى آخره فقوله: «لَتَدْخُلُونَّ» إشارة إلى الأول وقوله: «محلقين» إشارة إلى الآخر.
فإن قيل: محلقين حال الداخلين، والدَّاخل لا يكون إلا مُحْرِماً والمحرم لا يكون مُحَلّقاً.
стр. 10914
(فالجواب: أن قوله: «آمِنينَ» مُتَمَكِّنِين من أن تُتِمُوام الحجَّ مُحَلِّقِينَ) .
قوله: «لَا تَخَافُونَ» يجوز أن يكون مستأنفاً، وأن يكون حالاً ثالثةً، وأن يكون حالاً (إما) من فاعل لتدخلن، أو من ضمير «آمنين» أو «محلِّقين أو مقصرين» فإن كانت حالاً من آمنين أو حالاً من فاعل لتدخلن فهي حال للتأكيد وآمنين حال مقارنة وما بعدها حال مقدرة إلا قوله: «لا تخافون» إذا جعل حالاً فإنها مقارنة أيضاً.
فإن قيل: قوله: «لا تخافون» معناه غير خائفين، وذلك يحصل بقوله تعالى: ﴿آمِنِينَ﴾ فما الفائدة في إعادته؟
فالجواب: أن فيه كمال الأمن؛ لأن بعد الحق يخرج الإنسان عن الإحرام فلا يحرم عليه القتال ولكن عند أهل مكة يحرم قتال من أحْرَمَ ومن دَخَلَ الحَرَمَ فقال: تَدْخُلُونَ آمِنِينَ وتَحْلِقُوَ، ويبقى أَمنُكُمْ بعد إحلالكم من الإحْرَام.
قوله: ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ﴾ أي ما لم تعلموا من المصلحة، وأن الصلاح كان في الصلح، وأن دخولكم في سنتكم سبب لوطء المؤمنين والمؤمنات وهوقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ ... ﴾ [الفتح: ٢٥] الآية.
(فإن قيل: الفاء في قوله: «فعلم» فاء التعقيب، فقوله «فعلم» عقبت ماذا؟ .
فالجواب: إن قلنا: إن المراد من «فَعَلِم» وقت الدخول فهو عقيب صَدَقَ، وإن قلنا: المراد فعلم المصلحة فالمعنى علم الوقوع والشهادة لا علم الغيب. والتقدير: لما حصلت المصلحةُ في العام القابل فعلم ما لم تعلموا من المصلحة المتجددة.
﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ﴾ أي من قبل دخولهم المسجد الحرام «فَتْحاً قَرِيباً» وهو فتح الحديبية عند الأكْثَرين. وقيل: فتح خيبر. ثم قال: ﴿وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ [الفتح: ٢٦] وهذا يدفع وَهَمَ حدوثِ علمه في قوله: «فَعَلِمَ» ؛ لأن قوله: ﴿وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ [الفتح: ٢٦] يفيد سَبْقَ علْمِهِ) .
قوله
تعالى
: ﴿هُوَ
الذي
أَرْسَلَ
رَسُولَهُ
بالهدى
﴾ وهذا تأكيد لبيان صدق في
стр. 10915
الرؤيا؛ لأنه لما كان مرسلاً لرسوله ليهدي، لا يريد ما لا يكون فيحدث الناس فيظهر خلافه فيكون ذلك سبباً للضلال. ويحتمل أن الرؤيا الموافقة للقواقع قد تقع لغير المرسل، ولكن ذلك قليل لا يقع لكل أحد فقال تعالى: ﴿هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى﴾ وحكى له ما سيكون في اليقظة فلا يبعد أن يُرِيَه في المنام ما سيقع ولا استبعاد في صدق رؤياه وفيها بيان وقوع الفتح ودخول مكة بقوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ﴾ أي من يقويه على الأديان لا يستبعد منه فتح مكة. والهدى يحتمل أن يكون هو القرآن كقوله تعالى: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ القرآن هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥] وعلى هذا دين الحق هو ما فيه من الأصول والفروع. ويحتمل أن يكون الهدى هو المعجزة أي أرسله بالمعجزة.
فيكون قوله: «وَدِينَ الحق» إشارة إلى ما شرع. ويحتمل أن يكون الهدى هو الأصولَ ودين الحق هو الأحكام. والألف واللام في «الهدى» يحتمل أن تكون للعهد وهو كقوله: ﴿ذلك هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ﴾ [الأنعام: ٨٨] وأن تكون للتعريف أي كل ما هو هُدًى.
قوله: «وَدِينَ الْحَقِّ» يحتمل أن يكون المراد دين الله تعالى؛ لأن الحق من أسماء الله، ويحتمل أن يكون الحقُّ نقيضَ الباطل، فكأنه قال: دين الأمر الحق، ويحتمل أن يكون المراد الانقياد للحق، وقوله: أرسله بالهدى وهو المعجزة على أحد الوجوه ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ﴾ أي جنس الدين ﴿وكفى بالله شَهِيداً﴾ على أنك صادق فيما تخبر وفي أنك رسول الله. وهذا في تسلية قلب المؤمنين فإنهم تأَذوا من ردِّ الكفَّار عليهم العهد المكتوب وقالوا: لا نعلم أنه رسول الله فلا تكتبوا محمد رسول الله، بل اكتبوا محمد بن عبد الله، فقال تعالى: ﴿وكفى بالله شَهِيداً﴾ أي في أنه رسول الله.
قوله
: ﴿مُّحَمَّدٌ
رَّسُولُ
اللهوَالَّذِينَ
مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾
قوله: " محمد رسول الله " يجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر؛ لأنه لما تقدم «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُوله» دل على ذلك المقدر، أي هو أي الرسول بالهُدَى محمد و «رسول الله» بدل أو بيان، أو نعت. وأن يكون مبتدأ وخبراً، وأن يكون مبتدأ و «رسول الله» على ما تقدم من البيان والبدل، والنعت «والذين معه» عطف على محمد والخبر «عَنْهم» .
стр. 10916
قوله: ﴿أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار﴾ (قال ابن الخطيب: كأنه قال: «الذين معه» جميعهم ﴿أشداء الكفار رحماء بينهم﴾ لأن وصف الشدة والرحمة وجد في جميعهم، أما في المؤمنين فقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين﴾ [المائدة: ٥٤] وأما في حق النبي ﵊ ُ فقوله تعالى: ﴿واغلظ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] . وقال في حقه: ﴿بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] .
وعلى هذا فقوله: «تَرَاهُمْ» لا يكون خطاباً مع النبي ﵊ ُ بل يكون عاماً خرج مَخْرَج الخطاب تقديره تراهم أيها السامع كائناً من كان) . وقرأ ابن عامر في رواية: رَسُولَ اللهِ بالنصب على الاختصاص وهي تؤيد كونه تابعاً لا خبراً حالة الرفع.
ويجوز أن يكون «وَالَّذِينَ مَعَهُ» على هذا الوجه مجروراً عطفاً على الجلالة أي ورسول الذين آمنوا معه لأنه لما أرسل إليهم أضيف إليهم فهو رسول الله بمعنى أن الله أرسله ورسول أمته بمعنى أنه مرسل إليهم ويكون «أشداء» حينئذ خبر مبتدأ مضمرم أي هُمْ أَشِدَّاءُ. ويجوز أن يكون تَمَّ الكلامُ على «رَسُول اللهِ» و «الَّذين مَعَهُ» و «أشِدَّاء» خبره. وقرأ الحسن: أشِدَّاءَ رُحَمَاءَ بالنصب إما على المَدْح وإمَّا على الحال من الضمير المستكِنّ في «مَعَهُ» ؛ لوقوعه صلة، والخبر حينئذ عن المبتدأ قوله «تَرَاهُمْ ركعاً» و «رُكَّعاً سُجَّداً» حالان؛ لأن الرؤية بصرية، وكذلك «يَبتَغُونَ» . ويجوز أن يكون مستأنفاً. وإذا كان حالاص فيجوز أن تكون حالاً ثالثة من مفعول «تَرَاهُمْ» وأن تكون من الضمير المستتر في «رُكَّعاً سُجَّداً» . وجوز أبو البقاء أن يكون «سُجَّداً حالاً من الضمير في» رُكَّعاً «حالاً مقدرةً. فعلى هذا يكون» يَبْتَغُونَ «حالاً من الضمير» سُجَّداً، فيكون حالاً من حال، وتلك الحال الأولى حالٌ من حالٍ أخرى. وقرأ ابن يَعْمُرَ أَشِدًّا بالقصر والقَصْرُ من ضرائر الأشعار كقوله:
стр. 10917
٤٤٩٧ - لَا بُدَّ مِنْ صَنْعَا وإنْ طَالَ السَّفَرْ..... ... ... ... ... ... ... ... .
فلذلك كانت شاذة. وقال أبو حيان: وقرأ عمرو بن عبيد: ورُضْوَاناً بضم الرءا قال شهاب الدين: وهذه قرءاة متواترة، قرأ بها عاصمٌ في رواية أبي بكر عنهُ، وتقدمت في سورة آل عمران واستثنيت له حرفاً واحداً وهو ثاني المائدة.
فصل
معنى الآية: ﴿أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار﴾ أي غِلاظٌ عليهم كالأسد على فريسته، لا تأخذهم فيهم رأفة «رُحَمَاءُ بينهم» متعاطفون متوادُّون بعضهم لبعض كالوالد مع الوَلَد كقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين﴾ [المائدة: ٥٤] و ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً﴾ خبر عن كثرة صلاتهم ومداومتهم عليها ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ الله﴾ ، أن يدخلهم الجنة «وَرِضْوَاناً» أي يرضى عنهم. وهذا تمييز لركوعهم وسجودهم عن ركوع الكافر وسجوده وركوع المرائي وسجوده فإنه لا يبتغي به ذلك.
قوله: «سِيمَاهُمْ» قرىء سِيماؤُهُمْ بياء بعد الميم والمد. وهي لغة فصيحة، وأنشد ﵀ عليه) :
٤٤٩٨ - غُلَامٌ رَمَاهُ اللهُ بالْحُسْنِ يَافِعاً ... لَهُ سِيمْيَاءُ لا تُشَقُّ عَلَى البَصَر
وتقدم الكلام عليها وعلى اشتاقها في آخر البقرة.
стр. 10918
و «فِي وُجُوهِهِمْ» خبر «سِيمَاهُمْ» و ﴿مِّنْ أَثَرِ السجود﴾ حال من الضمير المستتر في الجار وهو «في وُجُوهِهِمْ» . وقرأ العامة «مِن أَثْرِ» بفتحتين. وابن هرمُز بكسر وسكون. وقتادة «مِنْ آثار» جمعاً.
فصل
المعنى علامتهم في وجوههم من أثر السجود. قيل: المراد سيماهم نورٌ وبياضٌ في وجوههم يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] . رواه عطيةُ العَوْفيُّ عن ابن عباس: وقال عطاء بن أبي رباح والربيع بن أنس: استنارة وجوههم من كَثْرَةِ صلاتهم. وقال شهر بن حوشب: تكون مواضع السجود من وجوههم كالقمر ليلة البدر. وروي البوالبيُّ عن ابن عباس: هو السَّمْتُ الحسن والخشوعُ والتواضع وهو قول مجاهد. والمعنى أن السجود أورثهم الخشوعَ والسَّمْتَ الحسن الذي يعرفون به. وقال الضحاك: صفرة الوجوه. وقال الحسن ﵁: إذا رأيتهم حسبتهم مرضى وما هم بمرضى. وقال سعيد بن جبير وعكرمة: هو أثر التراب على الجِبَاه. وقيل: المراد ما يظهر في الجباه بكثرة السجود.
قوله: «ذَلِكَ مَثَلُهْمْ» ، «ذلك» إشارة إلى ما تقدم من وصفهم بكونهم أشِدَّاءَ رُحَمَاءَ لهم سِيمَا في وجوههم وهو مبتدأ خبره «مَثَلُهُمْ» و «فِي التَّوْرَاةِ» حال من «مَثَلَهُمْ» والعامل معنى الإشارة.
قوله: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجيل﴾ يجوز فيه وجهان:
أحدهما أنه مبتدأ وخبره «كَزَرْعٍ» فيوقف على قوله: «فِي التَّوْرَاةِ» فهما مَثَلانِ.
وإليه ذهب أبن عباس ﵄ :
والثاني: أنه معطوف على «مَثَلُهُمْ» الأول فيكون مثلاً واحداً في الكتابين ويوقف حينئذ على: ف يالإنجِيلِ وإليه نحا مُجاهدٌ، والفراء.
وعلى هذا يكون قوله «كَزَرْعٍ» فيه أوجه:
أحدهما: أنه خبر مبتدأ مضمر أي مثلهم كزرع فسر بها المثل المذكور.
стр. 10919
الثاني: أنه حال من الضمير في «مَثَلُهُمْ» أي مُمَاثِلِينَ زَرْعاً هذِهِ صفَتُهُ.
الثالث: أنها نعت مصدر محذوف أي تمثيلاً كزرعٍ. ذكره أبو البقاء.
وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون «ذلك» إشارة مبهمةً أوضحت بقوله: «كزرع» ، كقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر أَنَّ دَابِرَ﴾ [الحجر: ٦٦] .
قوله: ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ صفة ل «زَرْع» . وقرأ ابنُ ذَكوَان بفتح الطاء والباقون بإسكانها. وهما لغتان كالنَّهْر والنَّهَر. وقرأ أبو حَيْوة: شَطَاءَهُ بالمد. وزيد بن على: شَطَاهُ بألف صريحة بعد الطاء فيحتمل أن تكون بدلاً من الهمزة بعد نقل حركتها إلى الساكن قبلها على لغة من يقول: المِرَاةُ والكَمَاةُ بعد النقل. وهو مقيسٌ عند الكوفيين. ويحتمل أن يكون مقصوراً من الممدود. وأبو جعفر ونافع في رواية «شَطَهُ» بالنقل والحذف. وهو القياس. والجَحْدَريُّ شَطْوَهُ أبدل الهمزة واواً، أو يكون لغة مستقلة. وهذه كلها لغات في فِرَاخ الزرع، يقال: شَطَا الزرعُ وأَشْطَأ أي أخْرَجَ فِرَاخَهُ. وهل يختص ذلك بالحِنْطَةِ فقط أو بها وبالشعير فقط أو لا يختص خلافٌ مشهور. قال الشاعر:
стр. 10920
٤٤٩٩ - أَخْرَجَ الشَّطْءَ عَلَى وَجْهِ الثَّرَى ... وَمِنَ الأَشْجَارِ أفنانُ الثَّمَرْ
قوله: «فآزَرَهُ» العامة على المد وهون على «أَفْعَلَ» . وَغَلَّطوا من قال: إنه فاعل كَجَاهَرَ وغَيْرِه بأنه لم يسمع في مضارعه: يُؤَازِرُ على يؤزر. وقرأ ذكوان: فَأَزَرَه مَقصُوراً، جعله ثلاثياً. وقرىء «فأزَّرَهُ» بالتشديد. والمعنى في الكل: قوّاه. وقيل: ساواه، وأنشد:
٤٥٠٠ - بِمَحْنِيَةٍ قَدْ آزَرَ الضَّال نَبْتُهَا ... مَجَرَّ جُيُوشٍ غَانِمِينَ وَخُيَّبِ
قوله: «عَلَى سُوقِهِ» متعلق ب «اسْتَوَى» . ويجوز أن يكون حالا أي كائنا على سوقه أي قائما عليها.
وقد تقدم في النمل أن قنبلا يقرأ سؤقه بالهمزة الساكنة. كقوله:
٤٥٠١ - أَحَبُّ المُؤْقِدِينَ إلَيَّ مُؤْسَى..... ... ... ... ... ... ... ... ... .
стр. 10921
بهمزة مضمومة بعدها واو كعروج وتوجيه ذلك. والسُّوق جمع سَاقٍ.
( «فصل» .
قال المفسرون: يقال: أشطأ الزرع فهو مُشْطِىء إذا خَرَجَ. قال مقاتل: هو نبت واحد فإذا خرج بعده فهو شطء. وقال السُّديّ: هو أن يخرج معه الطاقة الأخرى «فَآزَرَهُ» قَوَّاهُ وأَعَانَهُ وشدَّ أزره «فَاسْتَغْلَظَ» غَلُظَ ذلك الزرع «فَاسْتَوَى» تَمَّ وَتَلَاحَقَ نَبَاتُهُ عَلَى سُوقِهِ أصوله: «يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ» أي أعجب ذلك زُرَّاعَهُ هذ مثل ضربهُ الله لأصحاب محمد ﷺ َ في الإنجيل أنهم يكونوا قَليلاً ثم يَزْدَادُونَ وَكْثُرُونَ. قال قتادة: مَثَلُ أصحاب محمد ﷺ َ في الإنجيل مكتوب له سيخرج قومٌ يَنْبتُونَ نبات الزرع يأمُرون بالمعروف وينهوْن عن المنكر. وقيل: الزرع محمد ﷺ َ والشطء أصحابه والمؤمنون. روى مبارك بن فُضَالة عن الحَسَن قال: محمد رسول الله والذين معه: أبو بكر الصديق ﴿أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار﴾ عمر بن الخطاب ﴿رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ﴾ عثمان بن عفان ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً﴾ على بان أبي طالب «يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ رَبِّهِمْ» العشرة المبشرن «كَمَثَلِ زَرْعٍ» محمد ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ أبو بكر ﴿فَآزَرَهُ فاستغلظ﴾ عثمان (بن عفان) يعني استغلظ عثمان بالإسلام ﴿فاستوى على سُوقِهِ﴾ علي بن أبي طالب استقام الإسلام بسيفه ﴿يُعْجِبُ الزراع﴾ قال: المؤمنون ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الكفار﴾ فعل عمر لأهل مكة بعدما أسلم لا يُعبد الله سرًّا بعد اليوم.
روى أنس بن مالك: ﵁ عن النبيّ ﷺ َ قال: «أَرْحَمُ (أصْحَابِ) النَّبِيِّ أبُو بَكْرس، وَأَشَدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حُبًّا عُثْمَانُ وَأَفْرَضُهُمْ زيدٌ، وَأَقْوَأُهُمْ أبيٌّ، وَأَعْلَمُهُمْ بالحلال وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَلِكُلِّ أُمَّة أَمِينٌ وَأَمِين هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ» ، وفي رواية أخرى: «وَأَقْضَاهُمْ عَلِيٌّ» وروى بريدةُ عن النَّبي ﷺ َ قال: «مَنْ مَاتَ مِنْ أَصْحَابِي بِأَرْض كان نُورَهُمْ وَقَائِدَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) » .
قوله: ﴿يُعْجِبُ الزراع﴾ حال أي معجباً. وها تم المَثَلُ.
قوله: «لِيَغِيظَ» فيه أوجهٌ:
أحدها: أنه متعلق ب «وَعَدَ» ؛ لأن الكفار إذا سمعوا بعزِّ المؤمنين في الدنيا وما أد لهم في الآخرة غَاظَهُمْ ذلك.
стр. 10922
الثاني: أن يتعلق بمحذوف دل عليه تشبيهُهُمْ بالزرع في نمائِهِمْ وتقويتهم. قاله الزمخشري، أي شبههم الله بذلك ليغيظ.
الثالث: أن يتعلق بما دل عليه قوله: ﴿أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار ... .﴾ إلى آخره أي جعلهم بهذه الصفات ليغيظ.
قال مالك ابن أنس ﵁ «مَنْ أصْبَحَ فِي قَلْبِهِ غَيْظٌ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ َ فَقَدْ هَذِهِ الآيَةُ» . وقال عليه الصلاة السلام: «اللهَ اللهَ فِي أَصْحَابِي لَا تَتَّخِذُوهُمْ عَرَضاً بَعْدِي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن أذاهم فقد آذاني فَقَدْ أَذَى الله فَيُوشِكُ أَنْ يَأخُذَهُ» .
وقال ﵊ ُ: «لَا تَسُبّثوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدهِم وَلَا نَصِيفَهُ» .
قوله: ﴿لْكُفَّارَ وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم﴾ «مِنْ» هذه للبيان، لا للتبعيض؛ لأن كلهم كذلك فهي كقوله: ﴿فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان﴾ [الحج: ٣٠] .
وقال الطبري: منهم يعني من الشطء الذي أخرج الزرع، وهم الداخلون في الإسلام إلىيوم القيامة، فَأَعَادَ الضمير على معنى الشطء لا على لَفْظِهِ فقال: «مِنْهُمْ» ولم يقل: مِنْه وهو معنًى حَسَنٌ.
فصل
قد تقدم الدكلام على الأجر العظيم والمغفرة مراراً. وقال ههنا في حق الراكعين السَّاجدين: إنهم يَبْتَغُونَ فضلاً من الله ورِضْواناً وقال: لهم أجر «ولم يقل: لهم ما يطلبوا (نَ) هـ من الفضْل؛ لأن المؤمن عند العمل لم يلتَفِتْ إلى عمله ولم يجعل له أجراً يعتدّ به فقال: لا أبتغي إلا فضلك فإن عملي نَزْرٌ لا يكون له أجرٌ والله تعالى آتاه من طلب الفضل، وسماه أجراً إشارةً إلى قبوله عمله ووقوعه الموقع.
стр. 10923
روى أنه من قرأ أول ليلة من رمضان: إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً فِي التَّطَوع حُفِظَ في ذلك العام (انتهى) . (اللَّهم إِنِّي أَسْأَلُكَ رِضَاكَ والْجَنَّة وأَعوذُ بك من سَخَطِكَ والنَّارِ) .
стр. 10924
سورة الحجرات
стр. 10925
مدنية وهي ثماني عشرة آية، وثلثمائة وثلاث وأربعون كلمة وألف وأربعمائة وستة وسبعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ﴾ قرأ العامة بضم التاء وفتح القاف وتشديد الدال مكسورة. وفيها وجهان:
أحدهما: أنه معتمدٍّ، وحذف مفعوله إما اقتصاراً كقوله: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ وكقولهم: «هُوَ يُعْطِي وَمْنَعُ» ، وكُلُوا واشْرَبُوا «وإما اختصاراً للدلالة عليه أي لا تقدموا مالا يصلح.
والثاني: أنه لازم نحو: وَجه وتَوَجَّه. ويعضده قراءة ابن عباس والضحاك: لَا تَقَدَّمُوا بالفتح في الثَّلَاثَةِ. والأصل لا تتقدموا فحذف إحدى التاءين. وبعض المكيين لا تقدموا كذلك إلا أنه بتشديد التاء كتاءات البَزّي والمتوصل إليه بحرف الجر في هاتين القراءتين أيضاً محذوف أَيْ لا تَتَقَدَّموا إلىأمر من الأمور.
следующие страницы →