← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 11026–11065 · переход к 11031.

стр. 11026

قوله: ﴿أَوْ أَلْقَى السمع﴾ العامة على «أَلْقَى» مبنياً للفاعل، وطَلْحَةُ والسُّلَمِيُّ والسُّدِّيُّ وأبو البرهسم: أُلْقِيَ مبنياً للمفعول «السَّمْعُ» رفع به. وذكرت هذه القراءة لِعَاصِمٍ عن السّدّيّ فمقته وقال: أليس يقول: يُلْقُونَ السَّمْعَ وإلقاء السمع كناية عن الاستماع، لأن الذي لا يسمع كأنه حفظ سمعه فأمسكه والمعنى اسْتَمَع الْقُرْآنَ واستمع ما يقال له، لا يحدث نفسه بغيره، تقول العرب: أَلْقِ إلَيَّ سَمْعَكَ، أي استمعْ، أو يكون معناه: لمن كان له قلبٌ فقصد الاستماع، أو أَلْقَى السمع بأن أرْسَلَه وإن لم يقصد السماع. «وَهُو شَهِيدٌ» حاضر الذِّهن. ويحتمل أن يقال: الإشارة بذلك إلى القرآن في أول السورة أي في القرآن الذي سبق ذكره ذكرى لمِن كَان لَهُ قلب، أو لمن استمع ويكون معنى «وهو شهيد» أي المنذر الذي تَعَجَّبْتُم منه وهو شهيد عليكم كقوله: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً﴾ [الأحزاب: ٤٥] .

стр. 11027

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ أعاد الدليل مرة أخرى وقد مرّ تفسيره في الم السجدة، فقيل: إن هذا ردّ على اليهود في قولهم: إن الله استراح يوم السَّبْتِ. والظاهر أنها ردّ على المشركين، أي لم يَعْيَ عن الخلق الأول فكيف يعجز عن الإعادة؟ قال ابن الخطيب: وأشار بقوله: فِي ستَّة أيام إلى ستة أطْوَارٍ لأَنَّ المراد من الأيام لا يمكن أن يكون هو المفهوم من وضع اللغة، لأن اليوم في اللغة عبارة عن زمان مُكْثِ الشَّمْس فوق الأرض من الطُّلوع إلى الغُرُوب. وقيل: خلق السموات لم يكن شمسٌ ولا قمرٌ لكن اليوم يطلق ويراد به الوقت، يقال: يَوْمَ يُولَدُ لِلْمَلِكِ ابْنٌ يَكُونُ سُرُورٌ عَظيمٌ ويَوْمَ يَمُوت فُلَانٌ يَكُون حُزْنٌ شَدِيدٌ، وإن اتفقت الوِلادة أو الموت لئلا لا يتعين ذلك. وقد يدخل في مراد القائل، لأنه أراد باليوم مُجَرّد الوقتِ.

стр. 11028

قوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ يجوز أن يكون حالاً، وأن يكون مستأنفاً. والعامة على ضَمِّ لام اللُّغُوب. وعليٌّ وطلحةُ والسُّلَمِيّ ويَعْقُوبُ بفتحها. وهما مصدران (بمعنًى) . وينبغي أن يضم هذا إلى ما حكاه سِيبويه من المصادر الجائية على هذا الوزن وهي خمسة وإلى ما زاده الكسائي وهو الْوَزُوعُ فتصير سبعةً، وقد تقدم هذا في البقرة عند قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ [البقرة: ٢٤] واللّغوب العناءُ والتّعَبُ. قوله تعالى: ﴿فاصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ من كَذِبِهِمْ، وقولهم بِالاسْتِرَاحَةِ، أو على قولهم: إن هذا لشيء عَجِيبٌ. وهذا قبل الأمر بقتالهم. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ قيل: هذا أَمر للنبي ﷺ َ - بالصلاة كقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَيِ النهار وَزُلَفاً مِّنَ الليل﴾ [هود: ١١٤] وقوله ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ الغروب﴾ إشارة إلى طرفي النهار، وقوله: ﴿وَمِنَ الليل فَسَبِّحْهُ﴾ إشارة إلى ﴿زُلَفاً مِّنَ الليل﴾ [هود: ١١٤] . وتقريره أنه ﵊ ُ - كان مشتغلاً بأمرين: أحدهما: عبادة الله. والثاني: هداية الخلق، فإذا لم يهتدوا قيل له: أقبل على شغلك الآخر وهو العبادة. وقيل: معنى سَبِّحْ بحمد ربك، أي نَزِّههُ عما يقولون ولا تَسْأَمْ من تذكيرهم بعَظَمَةِ الله، بل نَزِّهه عن الشرك والعجز عن الممكن وهو الحشر قبل الطلوع وقبل الغروب؛ فإنهما وقت اجتماعهم ويكون المراد بقوله: ﴿وَمِنَ الليل فَسَبِّحْهُ﴾ أوله، لأنه أيضاً وقت اجتماعهم. وقيل: المعنى: قُلْ سُبْحَان الله، لأن ألفاظاً جاءت بمعنى التلفظ بكلامهم كقولهم: كَبَّر لمن قال: اللَّهُ أَكْبَرُ وسلَّم لمن قال: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، وحمَّد لمن قال: الْحَمْدُ لله.

стр. 11029

وهلَّك لمن قال: لَا آله إلَاّ الله، وسبَّح لمن قال: سُبْحَان الله، وذلك أن هذه أمورٌ تَتَكَرَّر من الإنسان في الكلام، [فدعت] الحاجة إلى استعمال لفظة واحدة مفيدة للكلام وقالوا: هلل بخلاف قَوْلِهِمْ: زَيْدٌ فِي السُّوقِ، فإنَّ من قال: زيد في السوق وأراد أن يخبر عنه بذلك لا يجد لفظاً واحداً مفيداً لذلك لعدم تكرره. ومناسبة هذا الوجه: هو أن تكذيبهم وإنكارهم يقتضي مقابلتهم باللَّعْنِ، فقيل له: اصْبِرْ عَلَيْهِمْ، واجعل بدل الدعاء عليهم التسبيح لله، والحمد لله، ﴿وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الحوت﴾ [القلم: ٤٨] أو كنوحٍ - عليهما الصلاة والسلام - حيث قال: ﴿رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً﴾ [نوح: ٢٦] فصل وقد استعمل التسبيح مع الباء ومع اللام وبدونهما. فإن قلنا: المراد بالتسبيح الصلاة فيحتمل أن يكون المراد بحمد ربك: الأمر بقراءة الفاتحة، كقولك: صَلَّى فلانٌ بسورة كذا. وهذا بعيدٌ. وإن قلنا المراد: قُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ، فالباء للمصاحبة. وكذلك إن قلنا: معناه التَّنْزِيهُ أي نَزِّهْهُ واحمَدْهُ وَفَّقَكَ لتسبيحه فيكون المفعول محذوفاً، للعلم به، أي نزه الله بحمد ربك، أي ملتبساً أو مقترناً بحمد ربك. وأما اللام فإمّا أن يكون من باب شَكَرَ ونَصَحَ، وإما أن يكون معناها خالصاً لله. وأما تعدّيه بنفسه فهو الأصل. وأعاد الأمر للتسبيح، إما تأكيداً وإما أن يكون الأول بمعنى الصلاة، والثاني بمعنى التَّسْبِيح والذكر. ودخلت الفاء؛ لأن المعنى: وأمَّا من الليل فسبحه. ولما ذكر أوقات الصلوات ذكر أدْبَار السُّجود؛ ليَعُمَّ الأوقات فيكون كقوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فانصب﴾ [الشرح: ٧] و «من» إما لابتداء الغاية، أو مِنْ أوَّل الليل، وإمَّا للتبعيضِ.

стр. 11030

فصل قال المفسرون: قبل طلوع الشمس يعني صلاة الصبح، وقبل الغروب يعني العصر، وروي عن ابن عباس: قبل الغروب الظهر والعصر ﴿وَمِنَ الليل فَسَبِّحْهُ﴾ يعني صلاة المغرب، والعِشَاءِ. وقال مجاهد: ومِنَ الليل يَعْنِي صلاة الليل، أيّ وقت صلى. قوله: «وأدبار السجود» قرأ نافع وابن كثير، وحمزة: إدبار بكسر الهمزة، على أنه مصدر قَامَ مَقَام ظَرْف الزمَان كقولهم: آتِيكَ خُفُوقَ النّجم وخِلَافَة الحجّاج. ومعنى وقت إدبار الصلاة أي انتصابها وتمامها. والباقون بالفتح جمع (دُبُر) وهو آخر الصلاة وعقبها. ومنه قول أوس: ٤٥١٦ - عَلَى دُبُر الشَّهْرِ الْحَرَام فَأَرْضُنَا ... وَمَا حَوْلَهَا جَدْبٌ سِنُونَ تَلَمَّعُ ولم يختلفوا في: ﴿وَإِدْبَارَ النجوم﴾ [الطور: ٤٩] . وقوله: «وأدبار» معطوف إمّا على «قَبْلَ الْغُرُوبِ» وإمّا على «وَمِنَ اللَّيْلِ» . فصل قال عمرُ بن الخطاب، وعليُّ بن أبي طالب، والحسنُ، والشعبيُّ، والنخعيُّ والأوزاعي: أدبار السجود الركعتان قبل صلاة الفجر، وهي رواية العَوْفي عن ابن عباس. وروي عنه مرفوعاً. وهذا قول أكثر المفسرين. وقال مجاهد: أدبار السجود هو التسبيح باللِّسان في أدبار الصلوات المكتوبات، قال ﵊ ُ -: «مَنْ سَبَّحَ فِي دُبُر كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثاً وثلاثين وَكَبَّرَ ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ وَحَمَّدَ ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ» فَذَلك تِسْعَةٌ وتسعُونَ ثم قال: «تَمَام المِائَةِ لا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ له الْمُلْكُ وَلهُ الْحَمْدُ

стр. 11031

يُحيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» . قوله تعالى: ﴿واستمع يَوْمَ يُنَادِ﴾ هو استماع على بابه. وقيل: بمعنى الانتظار. وهو بعيد. فعلى الأول يجوز أن يكون المفعول محذوفاً، أي استمع نِدَاءَ المنادي، أو نداء الكافر بالوَيْل والثبور، فعلى هذا يكون «يَوْمَ يُنَادِي» ظرفاً ل «اسْتَمِعْ» أي استمع ذلك فِي يَوْم. وقيل: استمع ما أقول لك فعلى هذا يكون «يَوْمَ يُنَادِي» مفعولاً به أي انتظر ذَلِكَ الْيَوْمَ. وَوَقَفَ ابن كثير على «يُنَادِي» بالياء. والباقون دون ياء. ووجه إثباتها أنه لا مقتضي لحذفها. ووجه حذفها وقفاً اتباع الرسم وكأن الوقْفَ محلّ تخفيفٍ. وأما «المنادي» فأثبت ابن كثير أيضاً ياءَه وصلاً ووقفاً. ونافع وأبو عمرو بإثباتها وصلاً وحذفها وقفاً، وباقي السبعة بحذفهما وصلاً ووقفاً. فمن أثبت، فلأنه الأصل، ومن حذف فلاتباع الرسم. ومن خص الوقف بالحذف فلأنه محلّ راحة ومحلّ تغيير. فصل في «واستمعْ» وجوه: الأول: أن يكون مفعوله محذوفاً رأساً، والمقصود: كُنْ مستمعاً ولا تكن مثلَ هؤلاء المُعْرِضين الغافلين، يقال: هو رجل سَمِيعٌ مطيعٌ، ولا يراد: مسموع بعينه. الثاني: استمع ما يوحى إليك. الثالث: استمع نداء المنادي. فإن قيل: «استمع» عطف على «فَاصْبِرْ» وَ «سَبِّحْ» وهو في الدنيا، فالاستماع يكون في الدنيا وما يوحى (يكون) «يوم ينادي» لا يسمع في الدنيا. فالجواب: أنه لا يلزم ذلك، لجواز أن يقال: صَلِّ وادْخُلِ الْجَنَّةَ أي صل في الدنيا وادخل الجنة في العُقْبَى فكذا ههنا. ويحتمل أن يكون استمع بمعنى انْتَظِرْ. ويحتمل أن يكون المراد: تَأَهَّبْ لهذه الصيحة لئلا يَفْجَأكَ فيُزْعجكَ. والمراد بالمنادي: إما الله تعالى بقوله: ﴿احشروا الذين ظَلَمُواْ﴾ [الصافات: ٢٢] وبقوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤] أو بقوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَآئِيَ﴾ [النحل: ٢٧] ويحتمل أن يكون المراد بالمنادي: إسرافيل قال مقاتل: ينادي إسرافيل بالحشر يا أيتها الْعِظَامُ البالية، والأوْصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، والشُّعور المتفرقة، إن الله يأمركم

стр. 11032

أن تجْتَمِعُوا لفَصْل القضاء. أو يكون النداء للنفس فقال: ﴿ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى رَبِّكِ﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨] إذْ ينادي المنادي هؤلاء للجنة، وهؤلاء للنار، ويحتمل أن يكون المنادي: هو المكلف لقوله: ﴿وَنَادَوْاْ يامالك﴾ [الزخرف: ٧٧] . والظاهر الأول؛ لأن اللام للعهد والتعريف. والمعهود السابق قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤] . وقوله: ﴿مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾ أي لا يخفى على أحد. وقيل: منْ صَخْرَة بَيْتِ المَقْدِس وهي وسط الأرض. قال الكلبي: هي أَقرب الأَرض إلى السماء بثمانيةَ عَشَرَ ميلاً. قوله: «يَوْمَ يَسْمَعُونَ» بدل من «يَوْمَ يُنَادِي» و «بِالْحَقِّ» حال من «الصَّيْحَة» أي ملتبسة بالحق أو من الفاعل أي يسمعون مُلْتَبِسِينَ بسماع الحق. قوله ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخروج﴾ يجوز أن يكون التقدير: ذلك الوقت - أي وقت النداء والسماع - يوم الخروج. ويجوز أن يكون «ذلك» إشارة إلى النداء، ويكون قد اتسع في الظرف فأخبر به عن المصدر، أو فقدر مضاف، أي ذَلِكَ النداء والاستماع نداءُ يوم الخروج، واستماعه. واللام في «الصَّيحة» للتعريف، لقوله: ﴿إِن كَانَتْ إِلَاّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: ٢٩] . والمراد بالحق: الحشر أو اليقين، يقال: صَاحَ فلانٌ بِيَقِين لا بظنٍّ وتخمين أي وجد منه الصياح يقيناً لا كالصَّدى وغيره، أو يكون المراد المقترنة بالحق، يقال: اذْهَبْ بالسَّلَامة وارْجِع بالسَّعَادَة أي مقروناً ومصحوباً. وقيل: «بالْحَقِّ» قسم، أي يسمعون الصيحة بالله (وَ) الْحَقِّ. وهو ضعيف وقوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخروج﴾ أي من القبور.

стр. 11033

قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ قد تقدم الكلام على قوله: «إنَّا نَحْنُ» في سورة

стр. 11034

يس. وأما قوله «نُحْيِِي ونُمِيْتُ» فالمراد من الإحياء الإحياء أولاً، وقوله: «وَنُمِيتُ» إشارة إلى الموتة الأولى و «إلَيْنَا المَصِيرُ» بيان للحشر. وهذا إشارة إلى قدرته على الحشر. قوله: «يَوْمَ تَشَقَّق» يجوز أن يكون بدلاً من «يَوْم» قبله. وقال أبو البقاء: إنه بدل من «يَوْم» الأَوَّل. وفيه نظر من حيث تعدد البدل والمبدل منه واحدٌ. وقد تقدم أنَّ الزَّمخشريَّ مَنَعَهُ. ويجوز أن يكون «الْيَوْمَ» ظرفاً للمَصِيرِ أي يصيرون إلينا يوم تَشَقَّقُ الأَرْض. وقيل ظرف للخروج. وقيل منصوب ب «يَخْرجُونَ» مقدراً. وتقدم في الخلاف في «تَشَقَّقُ» في الفُرْقَان. وقرأ زيد بن علي: «تتشقّق» بفك الإدْغَام. قوله: «سِرَاعاً» حال من الضمير في «عَنْهُمْ» والعامل فيها «تَشَقَّقُ» . وقيل: عاملها هو العاقل في «يَوْمَ تَشَقَّقُ» المقدّر أي يَخْرُجُون سراعاً يو تشقق؛ لأن قوله تعالى: ﴿عَنْهُمْ﴾ يفيد كونهم مفعولين بالتشقق، فكأن التشقق عُدِّي بحرف الجر، كما يقال: «كَشَفْتُ عَنْهُ فَهُوَ مَكْشُوفٌ» ، فيصير «سراعاً» هيئة المفعول كأنه قال: مُسْرِعِينَ. والسراع جمع سريع، كالكِرَام جمع كَرِيم. وقوله: «ذَلِكَ» يحتمل أن يكون إشارة إلى التَّشقُّق عَنْهُمْ وإشارة إلى الإخراج المدلول عليه بقوله: «سِرَاعاً» ، ويحتمل أن يكون معناه ذلك الحشر حشر يسير. والحَشْر الجمع. قوله: «عَلَيْنَا» متعلق ب «يَسِيرٌ» ففصل بمعمول الصّفة بينها وبين موصوفها. ولا يضرّ ذلك. ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال منه؛ لأنه في الأصل يجوز أن يكون نعتاً.

стр. 11035

وقال الزمخشري: التقديم للاختصاص، أي لا يَتيَسَّر ذلك إلا على الله وحده أي هو علينا هيِّن لا على غيرنا وهو إعادة جواب لهم. قوله تعالى: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ يعني كفار مكة في تكذيبك، وهذا تسلية للنبي ﷺ َ - ويحتمل أن يكون تهديداً وتخويفاً لأن قوله: «وَإلَيْنَا الْمَصِيرُ» ظاهر في التهديد، وبالعلم يكمل. ونظيره قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ [الزمر: ٧] . ويحتمل أن يكون تقريراً لأمر الحشر بالعلم؛ لأنه لما بين أن الحشر يسير لكمال قدرته ونفوذ إرادته، ولكن تمام ذلك بالعلم الشامل حتى يتبين جزء زيد وجزء بدن عمرو، فقال: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ لكمال قدرتنا، ولا يخفى عَليْنا الأجْزاء لكمال علمنا. وقوله: «أَعْلَمُ» إما ليست للمشاركة في أصل الفعل كقوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] أو معناه نَحْن أَعْلَمُ به من كل عالم بما يعلمه. قوله: ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ أي بمسلِّط تجبر على الإسلام، وهذا تسلية للنبي ﷺ َ - أي أنك لست حفيظاً عليهم، ومكلفاً بأن يؤمنوا، إنما أنت منذر، وقد فعلت ما أُمِرْتَ بِهِ. قال المفسرون: هي منسوخة بآية القتال. قوله: ﴿فَذَكِّرْ بالقرآن مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ الخلاف في ياء ﴿وَعِيدِ﴾ [ق: ١٤] إثباتاً وحذفاً. والمعنى دُم على الإنذار ولا تترك الهداية بالكلية، بل ذكِّر المؤمنين فإن الذكرى تنفَعُ المؤمنين. وقوله: «بِالْقُرْآنِ» أي اتل عليهم القرآن ليحصل لهم المنفعة بسبب ما فيه أو فَذكِّر بالقُرْآنَ بين به أنك رسول الله لكونه معجزاً، أو يكون المراد فذكر بمقتضى ما في القرآن من الأوامر الواردة بالتبليغ والتذكير. وفي قوله: فذكر إشارة إلى أنه مُرْسَل مأمور بالتذكير

стр. 11036

بالقرآن المنزل عليه، وقوله «وَعِيدِ» إشارة إلى اليوم الآخر وقوله: (وَعيدِ) إشارة إلى الوحدانية، إذ لو قال: وعيد الله لذهب الوَهْمُ إلى كل صَوْب. وضمير المتكلم أعرفُ المعارف، وأبعد عن الاشتراك. وقد تقدم أن أول السورة وآخرها مشتركان في المعنى حيث قال في الأول: ﴿ق والقرآن المجيد﴾ [ق: ١] ، وقال في آخرها: «فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ» . روى أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ َ -: «مَنْ قَرَأَ سُورَة ق هَوَّنَ الله عَلَيْهِ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ» .

стр. 11037

سورة الذاريات

стр. 11038

مكية وهي ستون آية، وثلاثمائة وستون كلمة، وألف ومائتان وتسعة وثمانون حرفا بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿و الذاريات ذَرْواً﴾ أول هذه السورة مناسب لآخرها قبلها، لأنه تعالى لما بين الحشر بدلائله، وقال: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤] وقال: ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ [ق: ٤٥] تُجْبِرهم على الإيمان، إشارة إلى إصرارهم على الكفر بعد إقامة البرهان، وتلاوة القرآن عليهم، لم يبق إلا اليمين فقال: ﴿والذاريات. . إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ وقال في آخرها ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ الذي يُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٦٠] . فصل وفي الحكمة في القسم ههنا وجوه: أحدها: أن الكفار كانوا يَنْسبون النبي ﷺ َ - للجدال، ومعرفة طرقه، وأنه عالم بفساد قولهم، وأنه يغلبهم بمعرفته بالجدال، وحينئذ لا يمكن أن يقابلهم بالأدلة، كما أن من أقام خَصْمُه عليه الدليل ولم يبق له حجة، يقول: إنه غلبني، لعلمه بالجدل وعجزي عن ذلك، وهو يعلم في نفسه أن الحق تبعي ولا يبقى للمتكلم المبرهن غير اليمين، ليقول: والله إن الأمر كما أقول ولا أجادلك بالباطل لأنه لو استدل بطريق آخر يقول خصمه فيه كقوله الأول، فلا يبقى إلا السكوت، أو التمسك بالأيمان، وترك إقامة البرهان.

стр. 11039

الثاني: أن العرب كانت تحترز عن الأيمان الكاذبة، وتعتقد أنها تخرب المنازل، فكان النبي ﷺ َ - يكثر الإقسام، دلالة على أنه صادق ولذلك كان أمره يتزايد ويعلموا أنه لا يحلف بها كاذباً. الثالث: أن الأيمان التي أقسم بها كلها دلائل أخرجت في صورة الأيمان لينبّه بها على كمال القدرة، كقول القائل للمنعم: وحقِّ نِعْمَتِك الكثيرة إنّي لا زال أَشْكُركَ. فذكر النعم التي هي سبب مفيد لدوام الشكر، وإنما أخرجها مُخْرج الإيمان، إيذاناً بأنه يريد أن يتكلم بكلام عظيم فيصغي إليه السامع أكثر ما يصغي إليه حيث يعلم أن الكلام ليس بمعتبر فبدأ بالحلف. فصل أورد القسم على أمور منها الوحدانية، ولظهور أمرها واعترافهم بها حيث يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣] وقولهم: ﴿مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله﴾ [لقمان: ٢٥] لم يقسم عليها إلا في سورة الصافات ومنها الرسالة وهو في سورتين «وَالنَّجْمِ» «وَالضُّحَى» ، وبالحروف في «يس» ومنها الحشر، والجزاء وما يتعلق به، فلكثرة إنكارهم له كرر القسم عليه. فصل أقسم الله بجمع السلامة المؤنث في سور خمس، ولم يقسم بجمع السلامة المذكر في سورةٍ أصلاً، فلم يقل: والصَّالِحِينَ من عبادي، ولا المقربين إلى غير ذلك مع أن المذكر أشرف؛ لأن جموع السلامة بالواو والنون في الغالب لمن يعقل.

стр. 11040

فصل روي عن علي - ﵁ - في قوله تعالى: ﴿والذاريات﴾ قال هي الرياح التي تَذْرُو التُّراب يقال: ذَرَتِ الرِّيحُ التُّرَابَ وأَذْرَتْ «الحَامِلَات وقْراً» يعني السحاب تحمل ثِقْلاً من الماء «فَالجَارِيَاتِ يُسْراً» هي السفن تجري في الماء جرياً سهلاً «فَالمُقَسِّماتِ أَمْراً» هي الملائكة يقسمون الأمور بين الخلق على ما أمروا به، أقسم بهذه الأشياء، لما فيها من الدلالة على صنعته وقدرته. قال ابن الخطيب: والأقرب أن هذه صفات للرياح، فالذاريات هي التي تُنشئ السحاب أولاً، والحاملات هي التي تحمل السحب التي هي بحار المياه التي إذا سحّتْ جرت السيول العظيمة، وهي أوقارٌ أثقل من جبال. والجاريات هي التي تجري السحب عِنْدَ حَمْلِها، وَالمُقَسِّمَات هي الرياح التي تقسم الأمطار وتفرقها على الأقطار، ويحتمل أن يقال: هذه أمور أربعة ذكرت لأمور أربعة بها تتم الإعادة، لأن الأجزاء المتفرقة بعضها في تُخُوم الأرض، وبعضها في قَعْر البِحَار، وبعضها في جَوِّ الهواء، وفي الأجزاء البخارية اللطيفة المنفصلة عن الأبدان فالذاريات هي التي تجمع الذرات من الأرض، وتَذْرُو التُّراب من وجه الأرض والحاملات هي التي تجمع الأجزاء من الجو وتحمله حملاً، فإن التراب لا ترفعه الرياح حملاً مستقلاًّ بل تنقله من موضع إلى موضع، بخلاف السحاب فإنه يحمله في الجو حملاً لا يقع منه شيء، والجاريات هي الجامعة من الماء، فإن من يُجْرِي السفنَ الثقيلة في تيّار البحار قادرٌ على نقل الأجزاء من البحر إلى البرّ، فإذن تبين أن الجمع من الأرض وجو الهواء ووسط البحار ممكن، وإذا اجتمع ذلك كله بَقِيَ نفخُ الروح، وهي من أمر الله، فقال: «فالمُقسِّمَاتِ أَمْراً» يعني الملائكة التي تنفخ الروح في الجسد بأَمْر الله. قوله: «ذَرواً» منصوب على المصدر المؤكد العامل فيه فرعه وهو اسم الفاعل، والمفعول محذوف اختصاراً إذ لا نظير لما تذروه هنا. وأدغم أبو عمرو وحمزة تاء «الذاريات» في ذال «ذَرْواً» وأما «وِقْراً» فهو

стр. 11041

مفعول به بالحاملات، كما يقال: حَمَل فلانٌ عدْلاً ثَقِيلاً. قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يكون اسماً أقِيمَ مُقَام المصدر، كقوله: ضَرَبَهُ سَوْطاً. ويؤيده قراءة من قرأ بفتح الواو. والوِقْرُ - بالكسر - اسم ما يوقِر أي يَحُلُّ. وقرئ بالفتح، وذلك على تسمية المفعول بالمصدر. ويجوز أن يكون مصدراً على حاله والعامل فيه معنى الفعل قبله، لأن الحَمْل والوَقْر بمعنى واحد، وإن كان بينهما عموم وخصوص. قوله: «يُسْراً» يجوز أن يكون مصدراً من معنى ما قبله أي جَرْياً يُسْراً وأن يكون حالاً، أي ذات يُسْرٍ أو مَيْسَرة أو جعلت نفس اليُسْر مبالغةً. قوله: «أَمْراً» يجوز أن يكون مفعولاً به، وهو الظاهر، كقولك: فُلَانٌ قَسَّمَ الرِّزْقَ أَوِ المَالَ، وأن تكون حالاً أي مأمورة. وعلى هذا فيحتاج إلى حذف مفعول «المُقَسِّمَات» . وقد يقال: لا حاجة لتقديره كما في الذاريات. وهل هذه أشياء مختلفة فتكون الفاء على بابها من عطف المتغايرات، والفاء للترتيب في القسم لا في المقسم به؟ قال الزمخشري: ويجوز أن يراد الرياح وحدها، لأنها تُنْشِئ السحاب وتُقِلُّه، وتَصْرِفُهُ، وتجري في الجو جرياً سَهْلاً وعلى هذا يكون من عطف الصفات، والمراد واحد، كقوله (﵀) : ٤٥١٧ - يا لَهْفَ زَيَّابَةِ لِلْحَارِثِ ... الصّابحِ فَالغَانِمِ فَالآيبِ وقوله:

стр. 11042

٤٥١٨ - إِلَى المَلِكِ القَرْمِ وَابْنِ الهُمَامِ ... وَلَيْثِ الكَتِيبَةِ فِي المُزْدَحَمْ فتكون الفاء على هذا الترتيب الأمور في الوجود. فإن قيل: إن كان «وقراً» مَفْعولاً لَمْ يُجمع وما قيل: أوقاراً؟ . فالجواب: لأن جماعةً مِنَ الرياح قد تحمل وقرا واحداً، وكذا القول في المقسّمات أمراً إذا قيل: إنه مفعول به، لأنه قد تجمع جماعة من الملائكة على أمر واحد. قوله: «إنَّمَا تُوعَدونَ» هذا جواب القسم، و «ما» يجوز أن تكون اسمية، وعائدها محذوف، أي تُوعَدُونَهُ وأن تكون مصدرية فلا عائدَ على المشهور، وحينئذ يحتمل أن يكون توعدون مَبْنِيًّا من الوعْد، وأن يكون مبنياً من الوَعِيد، لأنه يصلح أن يقال: أوْعَدْتُهُ فهو يُوعَدُ، وَوَعَدْتُهُ فهو يُوعَد لا يختلف، فالتقدير: إن وعدكم أو إن وعيدكم. ولا حاجة إلى قول من قال: إنه قوله: «لصادق» وقع فيه اسم الفاعل موقع المصدر أي لصدق لأن لفظ اسم الفاعل أبلغ إذا جعل الوعد أو الوعيد صادقاً مبالغة وإن كان الوصف إنما يقوم بمن يَعِدُ أو يُوعِدُ. قال ابن الخطيب: وبناؤه من «أوعد» هو الحق؛ لأن اليمين مع المنكر بِوَعِيدٍ لا بوَعْد، و «الصادق» معناه ذو صدق «كعِيشَةٍ رَاضِيَةٍ» ، ووصف به الفاعل كوصف الفاعل بالمصدر في إفادة المبالغة. قوله: ﴿وَإِنَّ الدين لَوَاقِعٌ﴾ أي الحشر والجزاء كائن.

стр. 11043

ثم ابتدأ قسماً آخر وهو قوله: ﴿والسمآء ذَاتِ الحبك﴾ العامة على الحُبُك - بضمتين - قال ابن عباس وقتادة وعكرمة: ذاتِ الخلق الحسن المستوي، يقال للنساج إذا نَسَجَ الثَوْبَ فَأَجَاد: ما أحْسَنَ حَبْكهُ. وقال سعيد بن جبير: ذاتِ الزّينة أي المزينة بزينة

стр. 11044

الكواكب. قال الحسن: حُبِكَتْ بالنُّجوم. وقال مجاهد: هي المتقنة المبنيّات. وقال مقاتل والكلبي والضحاك: ذات الطرائق كحَبْك الماء إذا ضَرَبَتْهُ الرِّيح، وحَبْكِ الرَّمل والشّعر الجَعْد وهو آثار تَثَنِّيه وَتَكسُّرِهِ، قال زهير: ٤٥١٩ - مُكَلَّلٌ بِأُصُولِ النَّجْمِ تَنْسِجُهُ ... ريحٌ خَريقٌ لضَاحي مَائهِ حُبُك والحبك جمع يحتمل أن يكون مفرده حَبِيكَة، كطَرِيقةٍ وطُرُق أَو حِباك نحو: حِمَار وحُمُر قال: ٤٥٢٠ - كَأَنَّمَا جَلَّلَها الحُوَّاكُ ... طِنْفسَةٌ فِي وَشْيِهَا حِبَاكُ وأصل الحَبْك إحكام الشيء وإتقانه، ومنه يقال للدروع: مَحْبُوكة. وقيل: الحَبْكُ الشدّ والتَّوَثُّق، قال امرؤ القيس: ٤٥٢١ - قَدْ غَدَا يَحْمِلُنِي فِي أَنْفِهِ ... لَاحِقُ الإطْلَيْنِ مَحبُوكٌ مُمَرّ وفي هذه اللفظة قراءات كثيرة، فعن الحسن - ﵁ - ست قراءات، الحبك - بالضم - كالعُنُق، وبضم الحاء وسكون الباء وتروى عن ابن عباس، وأبي عمرو، وبكسر الحاء والباء، وبكسر الحاء وسكون الباء، وهو تخفيف

стр. 11045

المكسور، وكسر الحاء وفتح الباء، وكسر الحاء وضم الباء، وهذه أقلها لأن هذه الزنة مهملة في أبنية العرب. قال ابن عطية وغيره: هو من التداخل، يعني أن فيها لغتين الكسر في الحاء والباء والضم فيهما فأخذ هذا القارئ الكسرَ من لغةٍ، والضمّ من أُخْرَى. واستبعدها الناس؛ لأن التداخل إنما يكون في كلمتين. وخرجها أبو حيان على أن الحاء أتبعت لحركة التاء في ذات، قال: ولم يعتد باللام فاصلةً لأنها ساكنة فهي حاجز بَيِّنٌ حصين. وقد وافق الحسن على هذه القراءة أبو مالك الغِفَارّي. وقرأ عكرمة بالضم والفتح جمع حُبْكَة نحو: غُرْفَة وغُرَف، وابن عباس وأبو مالك الحَبَك بفتحتين، جمع حَبْكَة كعَقْبَة وعَقَب. وقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ﴾ جواب القسم. فصل المعنى: إنكم يا أهل مكة لفي قول مختلف في حق محمد ﷺ َ - تارة تقولون: إنه أمين، وأخرى إنه كاذب، وتارة تنسبونه إلى الجنون، وتارة كاهن، وشاعر، وساحر، وهذا القول ضعيف؛ إذ لا حاجة إلى اليمين على هذا، لأنهم كانوا يقولون ذلك من غير إنكار حتى يؤيد باليمين. وقيل: يقولون: إنه مجنون ثم يقولون: غلبنا بقُوَّةِ جداله. وقيل: لفي قول مختلف في القرآن، يقولون فيه إنه سِحْرٌ وكَهَانَةٌ وأساطير الأولين. وقيل: قَوْلٌ مختلف أي مصدّق ومكذب. وقيل: غير ثابتين على أمر. وقيل: متناقض، تارة يقولون: لا حَشْرَ ولا حَيَاةَ بعد الموت، ثم يقولون: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا على أُمَّةٍ.

стр. 11046

قوله: «يُؤفك عنه» صفة لقول، والضمير في «عنه» للقرآن، أو الرسول، أو للدين، أو لما توعدون، أي يصرف عنه. وقيل: عن السبب. والمأفوك عنه محذوف، والضمير في «عنه» على هذا القول مختلف، أي يؤفك بسبب القول من أراد الإسلام بأن يقول: هو سحرٌ وكَهَانَةٌ. والعامة على بناء الفعلين للمفعول. وقتادة وابن جبير: يُؤْفَكُ عنه من أَفِكَ، الأول للمفعول، والثاني للفاعل، أي يُصْرَفُ عنه من صَرَفَ الناسَ عَنْهُ. وزيد بن علي: يَأْفِكُ مبنياً للفاعل من أفِكَ مبنياً للمفعول عكس ما قبله، أي يَصْرِف الناسَ عَنْه مَنْ هو مَأْفُوكٌ في نَفْسِهِ. وعنه أيضاً: يُؤفّكُ عنه من أفَّكَ بالتشديد، أي من هو أَفَّاك في نفسه. وقرئ: يُؤْفَن عنه من أُفِن بالنون فيهما أي يُحْرَمُهُ من حُرِمَهُ من أَفَنَ الضَّرْعَ إذا نَهَكَهُ حَلْباً. فصل قيل في تفسير قوله: ﴿يؤفك عنه من أفك﴾ وجوه: أحدها: مدح المؤمنين، ومعناه يصرف عن القول المختلف من صرف عن ذلك القول، ويرشد إلى القول المستوي. وقيل: إنه ذم ومعناه يؤفك عن الإيمان به من صرف حتى يكذبه، يعني من حرمه الله الإيمان بمحمد وبالقرآن. وقيل «عن» بمعنى «مِنْ أجل» ، أي يصرف من أجل هذا القول المختلف، أو بسببه عن الإيمان من صرف، وذلك أنهم كانوا يتلقون الرجل إذا أراد الإيمان، فيقولون: إنه ساحر، وكاهن، ومجنون، فيصرفونه عن الإيمان، قاله مجاهد.

стр. 11047

قوله: «قُتِلَ الخَراصونَ» لُعِنَ الكَذَّابُونَ. وقرئ: قَتَلَ مبنياً للفاعل، وهو الله تعالى: ﴿الخرّاصين﴾ مفعوله، والمعنى لُعِنَ الخراصون وهم الذين لا يجزمون بأمر ولا يثبتون عليه، بل هم شاكون متحيرون. وهذا دعاء عليهم، ثم يصفهم بأنهم في غمرة ساهون، فقوله: «سَاهُونَ» يحتمل أن يكون خبراً بعد خبر والمبتدأ قوله «هم» ، والتقدير: هم كائنون في غَمْرَة ساهون، كقولك: زَيدٌ جَاهلٌ جَائرٌ، لا تقصد به وصف الجاهل بالجائر. ويحتمل أن يقال: «ساهون» خبر، و «في غمرة» ظرف له، كقولك: زَيْدٌ فِي بَيْتِهِ قَاعِدٌ فالخبر هو «قاعد» لا غير، و «في بيته» بيان لطرف القعود، فكذا قوله: «في غمرة» ظرف للسَّهْوَةِ. واعلم إن وصف الخارص بالسهو دليل على أن الخراص صفة ذم يقال: تَخَرَّصَ عليه الباطل. قال المفسرون: هم الذين اقتسموا عِقَاب مكة، فاقتسموا القول في النبي ﷺ َ - ليصرفوا الناس عن دين الإسلام. وقال مجاهد: الكهنة الذين هم في غَمْرَة أي غَفْلة وعَمًى وجَهَالَةً «سَاهُونَ» غافلون عن أمر الآخرة. والسهو الغفلة عن الشيء وهو ذَهَابُ القلب عنه. قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدين﴾ فقوله: ﴿أَيَّانَ يَوْمُ الدين﴾ مبتدأ أو خبر قيل: وهما ظرفان فكيف يقع أحد الظرفين في الآخر؟ . وأجيب: بأنه على حذف حَدَثٍ أي أَيَّانَ وُقوع يَوْمِ الدِّين «فَأَيَّانَ» ظرف الوقوع، كما تقول: مَتَى يَكُونُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، وتقدم قراءة إيّانِ - بالكسر - في الأَعراف. قيل: وأيان من المركبات، ركب من «أيٍّ» التي للاستفهام، و «آن» التي بمعنى متى، أو مِنْ «أَيٍّ» (و) أَوَان؛ فكأنه قال: أَيّ أَوَان، فلما ركبت بُنِيَ. وهذا جواب قوله: ﴿وَإِنَّ الدين لَوَاقِعٌ﴾ [الذاريات: ٦] فكأنه قال: أَيَّانَ يَقَعُ؟ استهزاءً.

стр. 11048

وترك السؤال دلالة على أن الغرض ليس الجواب، وإنما يسألون استهزاءً، والمعنى يسألون أيان يوم الدين يقولون: يا محمد متى يكون يوم الجزاء؟ يعني يوم القيامة تكذيباً واستهزاء قال الله : ﴿يَوْمَ هُمْ﴾ أي يكون هذا الجزاء في يومِ هُمْ على النار يُفْتَنُونَ أي يعذبون ويحرقون بها، كما يُفْتَنُ الذَّهَبُ بِالنَّارِ. وعلى هذا فالأولى أن يكون معنى يفتنون يُعْرَضُون عرض المجرِّب للذّهب على النار، لأن كلمة «على» تناسب ذلك ولو كان المراد يحرقون لقيل: بالنَّار، أي فِي النار. قوله: «يَوْمَ هُمْ» يجوز أن يكون منصوباً بمضمر أي الجزاءُ كائنٌ يَوْمَ هُمْ ويجوز أن يكون بدلاً من «يَوْم الدين» ، والفتحة للبناء على رأي من يُجيز بناء الظرف، وإن أُضِيفَ إلى جملة اسمية وعلى هذا فيكون حكاية لمعنى كلامهم، قالوه على سَبيل الاستهزاء، ولو جاء على حكاية لفظهم المتقدم لقيل: يوم نَحْنُ عَلَى النَّار نُفْتَنُ. و «يوم» منصوب بالدين، وقيل: بمضمر، أي يُجَازَوْنَ. وقيل: هو مفعول بأعني مقدَّراً وعُدّي يُفْتَنُونَ بعَلَى لأنه بمعنى يُخْتَبَرُون. وقيل: على بمعنى في. وقيل: على بمعنى الباء. وقيل: «يَوْمَ هُمْ» خبر مبتدأ مضمر، أي هُوَ يَوْمَ هُمْ والفتح لما تقدم. ويؤيد ذلك قراءة ابن أبي عبلة والزّعفرانيّ يَوْمُ هُمْ بالرفع، وكذلك يؤيد القول بالبدل. وتقدم الكلام في مثل هذا في غَافِرٍ. فصل قوله: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النار يُفْتَنُونَ﴾ قال ابن الخطيب: يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون جواباً عن قولهم أيَّانَ يَقَعُ فكما أنهم لم يسألوا سؤال مستفهم طالب لعِلم، كذلك لم يجبهم جواب معلم مبين بل قال: يوم هم على النار يفتنون فجهلهم بالثاني أقوى من جهلم بالأول، ولا يجوز أن يكون الجواب بالأخفى، فلو قال قائل: مَتَى يَقْدمُ زَيْدٌ؟ فلو أجيب بقوله: يَوْم يقدم رفِيقُهُ ولا يعلم يوم قُدُوم الرفيق لم يصح هذا الجواب إلا إذا كان الكلام في صورة ولا يكون جواباً كقول القَائل لمن

стр. 11049

يعد عِدَاتاً ويخلفها: إلى متى هذا الإخلاف؟ فيغضب ويقول: إلى أَشْأَمِ يَوْمٍ عليك، فالكلامان في صورة سؤال وجواب، ولا يريد بالأول السؤال، ولا الثاني يريد به الجواب، فكذلك ههنا قال: ﴿يوم هم على النار يفتنون﴾ مقابلة لاستهزائهم بالإيعَادِ لا على وجه الإِتيان بالبَيَان. الثاني: أن يكون «ذلك» ابتداء كلام تمامه (في قوله: «ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ» ) . فإن قيل: هذا يفضي إلى الإضمار! . فالجواب: أن الإضمار لا بد منه؛ لأن قوله: ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ غيرُ متصل بما قبله إلا بإِضمار يقال. قوله: «ذُوقُوا» يقال لهم ذُوقُوا و ﴿هذا الذي كُنتُمْ﴾ مبتدأ وخبر «هذا» هو الظاهر. وجوَّز الزمخشري أن يكون «هذا» بدلاً من «فِتْنَتَكُمْ» ؛ لأنها بمعنى العذاب، ومعنى فتنتكم عذابكم ﴿هذا الذي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ في الدنيا تكذيباً به، وهو قولهم: ﴿رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا﴾ [ص: ١٦] وقولهم: ﴿فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَآ﴾ [هود: ٣٢] ونظائره، وقوله: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدين﴾ فإنه نوع استعجالٍ بالقول. ويحتمل أن يكون المراد الاستعجال بالفعل وهو إصرارهم على العناد، وإظهار الفساد، فإنه يعجل العقوبة.

стр. 11050

قوله تعالى: ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ لما بين حال المجرمين بين بعده حال المتقين، والمتقي له مقامات، أدناها أن يتقي الشرك، وأدناها أن يتقي ما سِوَى الله، وأدنى دَرَجَات المُتقِي الجنة فما من أحد اجتنب الكفر إلا ويدخل الجنة. قوله: «آخِذِينَ» حال من الضمير في قوله: «جَنَّاتٍ» و «مَا آتَاهُمْ» يعني مما في الجنة فيكون حالاً حقيقية، وقيل: مَا آتاهُمُ من أوامره ونواهيه فيكون في الدنيا فتكون حالاً محكيةً، لاختلاف الزمانين.

стр. 11051

وجعل الجار خبراً، والصفة فضلة، وعكس هذا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ المجرمين فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤] ، قيل: لأن الخبر مقصور الجملة، والغَرَضُ هناك الإخبار عن تخليدهم، لأن المؤمن قد يدخل النار، ولكن لا بد من خروجه، وأما آية المتقين، فجعل الظرف فيها خبراً لأمنهم الخروج منها، فجعل ذلك محط الفائدة ليحصل لهم الطمأنينة فانتصبت الصفة حالاً. فصل اعلم أنه تعالى وحد الجنة تارة، قال تعالى: ﴿مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون﴾ [الرعد: ٣٥] و [محمد: ١٥] وأخرى جمعها كقوله ههنا: ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ﴾ وتارة ثَنَّاها، قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] ، والحكمة فيه أن الجنة في توحيدها لاتصال المنازل والأشجار والأنهار كجنة واحدة، وأما جمعها فلأنها بالنسبة إلى الدنيا وبالإضافة إليها جنّات لا يحصرها عدد، وأما تثنيتها فسيأتي في سورة الرحمن. قال ابن الخطيب: غيرَ أنَّا نقول ههنا: إن الله تعالى عند الوعد وحَّد الجنة وعند الإعطاء جمعها إشارة إلى أن الزيادة في الوعد موجودة بخلاف ما لو وعد بجَنَّات ثم يقول إنه في جنة، لأنه دون الموعود، وقوله: «وَعُيُونٍ» يقتضي أن يكون المُتَّقِي فيها ولا لذة في كون الإنسان في ماءٍ؛ فالمعنى في خلال العيون، أي بين الأنهار كقوله: «في جَنَّاتٍ» معناه بين الجنات وفي خلالها؛ لأن الجنة هي الأحجار، ونكرها مع كونها معرفة للتعظيم كقولك: فُلَانٌ رَجُلٌ أي عظيم في الرجولة. ومعنى: «آخذين» أي قابضين ما آتاهم شيئاً فشيئاً ولا يستوفونه بكماله، لامتناع استيفاء ما لا نهاية له. وقيل: معنى آخذين أي قابلين قبول راضٍ كقوله تعالى: ﴿وَيَأْخُذُ الصدقات﴾ [التوبة: ١٠٤] أي يقبلها، قاله الزمخشري. وقال ابن الخطيب: وفيه وجه ثالث، وهو أن قوله: فِي جَنَّاتٍ يدلّ على السُّكْنَى حيث قال: آخِذينَ بلادَ كذا، أو قَلْعَة كذا، أي دخلها متملّكاً لها، وكذا يقال لمن اشترى داراً أو بستاناً أخذه بثمن قليلٍ أي تملكه، وإن لم يكن هناك قبص حسًّا ولا قبول برِضًى. وحيئذ فائدته بيان أن دخولهم فيها ليس دخول مستعيرٍ أو من يسترد منه ذلك بل هو ملكُه الذي اشتراه بماله ونفسه من الله. وقوله: «آتاهُمْ» لبيان (أن) أخذهم ذلك لم يكن عَنْوَةً، وإنما نال ذلك بإعطاء الله تعالى. وعلى هذا الوجه «ما» راجعة إلى الجَنَّاتِ والعُيُون.

стр. 11052

وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ إشارة إلى أنهم أخذوها بثَمنها وملكوها بالإحسان في الدنيا، والإشارة بذلك إما لدخول الجنة، وإما لإيتاء الله، وإما ليوم الدين، والإحسان هو قول لا إله إلا الله؛ ولهذا قيل في معنى كلمة التقوى: إنها لا إله إلا الله، وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى الله﴾ [فصلت: ٣٣] وقوله: ﴿هَلْ جَزَآءُ الإحسان إِلَاّ الإحسان﴾ [الرحمن: ٦٠] هو الإتيان بكلمة لا إله إلا الله. قوله: ﴿كَانُواْ قَلِيلاً مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ﴾ وهذا كالتفسير لكونهم مُحْسِنِينَ، وفيه أوجه: أحدها: أن الكلام تَمَّ على «قَلِيلاً» ولهذا وقف بعضهم على قليلاً ليؤاخي بها قوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ [ص: ٢٤] ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور﴾ [سبأ: ١٣] ويبتدئ: ﴿مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ﴾ أي ما يهجعون من الليل. والمعنى كانوا من الناس قليلاً، ثم ابتدأ فقال: ما يَهْجَعُون وجعله جَحْداً أي لا ينامون بالليل ألبتة يقومون للصلاة والعبادة. وهو قول الضحاك ومقاتل. وهذا لا يظهر من حيث المعنى، ولا من حيث الصناعة، أما الأول فلا بد أن يهجعوا، ولا يتصور نفي هجوعهم، وأما الصناعة فلأن «ما» في حيز النفي لا يتقدم عليه عند البصريين. هذا إن جعلتها نافية، وإِن جعلتها مصدرية صار التقدير من الليل هُجُوعُهُمْ. ولا فائدة فيه، لأن غيره من سائر الناس بهذه المثابة. الثاني: أن تجعل «ما» مصدرية في محلِّ رفع «بِقَلِيلاً» ، والتقدير: كَانُوا قليلاً هُجُوعُهُمْ. الثالث: أن تجعل ما المصدرية بدلاً من اسم كان بدل اشتمال أي كان هُجُوعُهُمْ قليلاً. و «مِنَ اللَّيْلِ» على هذين لا يتعلق ب «يهجعون» لأن ما في حَيِّز المصدر لا يتقدم عليه على المشهور. وبعض المانعين اغتفروا في الظرف فيجوزُ هذا عنده والمانع يقدر فعلاً يدل عليه: «يَهْجَعُونَ مِنَ اللَّيْل» . الرابع: أن «ما» مزيدة و «يَهْجَعُون» خبر كان، والتقدير: كَانُوا يهجعون من الليل

стр. 11053

هُجُوعاً قَلِيلاً، أو زمناً قليلاً، ف «قَليلاً» ، نعت لمصدر أو ظرف. الخامس: أنها بمعنى الذي، وعائدها محذوف تقديره: كَانُوا قليلاً من الليل الوقت الذي يهجعونه. وهذا فيه تَكَلُّفٌ. فصل قال ابن الخطيب: «قليلاً» منصوب على الظرف تقديره يهجَعونَ قليلاً يقال: قام بَعْضَ الليل، فنصب «بعض» على الظرف، وخبر كان هو قوله: «يَهْجَعُونَ» و «ما» زائدة هذا منقول عن الضَّحَّاك ومقاتل. وأنكر الزمخشري كون «ما» نافية، وقال: لا يجوز أن تكون نافية؛ لأن ما بعدها لا يعمل فيها قبلها لا تقول: زَيْداً ما ضَرَبْتُ ويجوز أن يعمل ما بعد «لم» فيما قبلها، تقول: زَيْداً لَمْ أَضْرِبْ وذلك أن الفعل المتعدي إنما يعمل في النفي حملاً له على الإثبات لأنك إذا قلت: ضَرَبَ زيدٌ عمراً ثبت تعلق فعله بعمرو. فإذا قلت: مَا ضَرَبَهُ لم يوجد منه فعل حتى يتعلق به ويتعدى إليه، لكن النفي محمول على الإثبات، فإذا ثبت هذا فالنفي بالنسبة إلى الإثبات كاسم الفاعل بالنسبة إلى الفعل فإنه يعمل عَمَل الفعل لكن اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي لا يعمل فلا تقول: زَيْداً ضاربٌ عَمْراً أمس، وتقول: زَيْدٌ ضَاربٌ عَمْراً غداً واليَوْمَ والآنَ؛ لأن الماضي لم يبقَ موجوداً ولا مُتوقَّع الوجود، فلا يتعلق بالمفعول حقيقة، لكن الفعل لقوته واسم الفاعل لضعفه لم يَعْمَلْ. إذا عرف هذا فقوله: مَا ضَرَبْتُ للنفي في الماضي، فاجتمع فيه النفي والمضيّ فَضَعُفَ. وأما: لَمْ أَضْرِبْ فإِن كان يقلب المستقبل فوجد فيه ما وجد في قول القائل: زَيْدٌ ضَارِبٌ عَمْراً غَداً فأُعْمِلَ.

стр. 11054

قال ابن الخطيب: غير أن القائل بذلك القول يقول: قليلاً ليس منصوباً بقوله: يَهْجَعُونَ، وإِنما ذلك خبر (كانوا؛ أي) كانوا قَلِيلِينَ. فصل تقديم قليلاً في الذكر ليس لمجرد السَّجع حتى يقع يهجعون ويستغفرون في آخر الآيات، بل لأن الهجوع راحة لهم والمقصود بيان اجتهادهم وتحملهم السهر لله تعالى، فلا يناسبه تقديم (راحتهم) ، وقد يَغْفَلُ السامع عما بعد الكلام فيعتقد كونهم محسنين بسبب هجوعهم، فقدم قوله: «قَلِيلاً» ليسبق إلى الفهم أولاً قلَةُ الهجوع وقوله: «مِنَ اللَّيْل» إشارة إلى أنه الزمن الذي يهجع الناس فيه ولا يسهر في الطاعة إلا متعبد. فإن قيل: الهجوع لا يكون إلا بالليل والنوم نهاراً لا يقالُ له: هُجُوع! . فالجواب: أن ذِكرَ العام وإِردافه بالتخصيص حَسَنٌ، تقول: رأيتُ حَيَوَاناً نَاطِقاً فَصِيحاً. وأما ذكر الخاص وإردافه بالعام فلا يَحْسُن إلا في بعض المواضع، فلا تقول: رأيتُ ناطقاً فصيحاً حيواناً. وإذا عرف هذا فقوله تعالى: كَانُوا قليلاً من الليل ذكر أمراً هو كالعام يحتمل أن يكون بعده: كَانُوا من الليل يسبحون أو يستغفرون أو يسهرون، أو غير ذلك، فلما قال: يَهْجَعُون فكأنه خصّص ذلك بالأمر العام المحتمل له ولغيره فأَزَال الاحْتِمَال. قوله: «وَبِالأَسْحَارِ» متعلق ب «يَسْتَغْفِرُونَ» ، والباء بمعنى «فِي» . وقدم متعلق الخبر على المبتدأ لجواز تقديم العامل. فصل معنى قوله: ﴿قَلِيلاً مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ﴾ أي يصلون أكثر الليل. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: يعني كانوا قل ليلة تمر بهم إلا صلوا فيها شيئاً إما من أولها وإما من أوسطها. وقال أنس بن مالك: كانوا يصلون العَتَمَةَ. وقال مُطرفُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بنِ الشَّخِير: قَلَّ ليلة أتت عليهم يهجعونها كلها. وقال مجاهد: كانوا لا ينامون من الليل إلا أقله، وربما نَشِطُوا فَمَدُّوا إلى السَّحَر، ثم أخذوا بالأسحار في الاستغفار. وقال الكلبي

стр. 11055

ومجاهد ومقاتل: وبالأسحار يصَلّونَ؛ وذلك لأن صلاتهم بالأسحار لطلب المغفرة. روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ َ - قال: «يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاء كُلَّ لَيْلَةٍ حينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْل فَيَقُولُ: أَنَا المَلِكُ أَنَا المَلِكُ، مَنِ الَّذي يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنِ الَّذِي يسَأَلُنِي فَاعْطِيَهُ؟ مِنَ الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟» . فصل في قوله: ﴿وبالأسحار هُمْ يستغفرون﴾ إشارة إلى أنهم كانوا يتهجدون ويجتهدون ثم يريدون أن يكون عملهم أكثر من ذلك وأخلص منه، فهم يستغفرون من التقصير. وهذه سيرة الكريم يأتي بأبلغ وجوه الكرم ويَسْتَقِلُّه ويعتذر من التقصير واللئيم يأتي بالقليل ويستكثره ويَمُنُّ به. وفي الآية لطائف: الأولى: أنه تعالى لما ذكر قلة هجوعهم، والهجوع مُقْتَضى الطبع قال: يَسْتَغْفِرُونَ أي من ذلك القدر من النوم القليل. الثانية: أنه تعالى مدحهم بقلة الهجوع ولم يمدحْهم بكَثْرة السَّهر فلم يقل: كَانُوا قليلاً من الليل ما يسهرون مع أن السَّهَر هو الكَلَفَةُ والاجتهاد لا الهجوع، وهذا إشارة إلى أن نَوْمَهم عبادةٌ حيث مدحهم الله بكونهم هاجعين قليلاً، وذلك الهجوع أورثهم الاشتغال بعبادة أخرى، والاستغفار بالأسحار، ومنعهم من الإعجاب بأنفسهم. فصل الباء في قوله: «بالأسحار» استعملت للظرف هنا، وهي ليست للظرف. قال بعض النحاة: إن حروف الجر ينوب بعضُها عن بعض يقال في ظرف الزمان: خَرَجْتُ لِعَشْرٍ بَقِينَ، وبالليل، وفي شهر رمضان. فتستعمل اللام والباء، وفي، وكذلك في ظرف المكان تقول: قُمْتُ بِمدينة كذا، وفيها، ورأيته ببَلْدَةِ كذا، وفيها. قال ابن الخطيب: والتحقيقُ فيه أن نقول: الحروف لها معانٍ مختلفة كما أن الأسماء والأفعال كذلك غير أن الحروف مستقلة بإفادة المعنى والاسم والفعل مُسْتَقِلَاّنِ، لكن بين بعض الحروف وبعضها تنافرٌ (و) تباعد كما في الأسماء والأفعال، فإن البيتَ والسَّكَن متخالفان ومتقاربان،

стр. 11056

وكذلك مَكَثَ، وسَكَنَ (وَأَلَمَّ) ، وكذلك كل اسمين أو كل فعلين يوجد كان بينهما تقارب وتباعد، لأن الباء للإِلصاق، واللام للاختصاص، و «في» للظرف، والظرف مع المظروف ملتصق ومختص به. إذا عرف هذا فنقول: بين «الباء» و «اللام» و «في» مشاركة، أما الباء فلأنها للإِلصاق، والمتمكن في مكان ملتصق به متصل، وكذلك الفعل بالنسبة إلى الزمان فإِذا قال: سَارَ بالنَّهَارِ معناه ذهب ذَهَاباً مُتَّصِلاً بالنهار. فقوله: ﴿وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي متصلاً بالأسحار، أخبر عن الاقتراب، وذلك أدل على وجود الفعل مع أول جزء من أجزاء الوقت من قوله: «فِي اللَّيْلِ» ؛ لأنه يستدعي احتواء الزمان بالفعل وكذلك قول القائل: أقمتُ ببَلْدَة كذا، لا يفيد أنه كان مخالطاً بالبلد. وقوله: أقمتُ فيها يدل على إحاطتها به، فإذن قول القائل: أَقَمْتُ بالبَلَدِ، ودَعَوْتُ بالأَسْحَارِ أعمُّ مِنْ قوله: أقمتُ فِيهِ؛ لأن القائم فيه قائمٌ به والقائم به ليس قائماً فيه. وإِذا علم هذا فقوله: ﴿وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ إشارة إلى أنهم لا يُخْلُونَ وقتاً عن العبادة وأنهم بالليل لا يهجعون، ومع أول جزء من السحر يتسغفرون فيكون فيه بيان كونهم مستغفرين من غير أن يسبق منهم ذنب، لأنهم وقت الانتباه لم يُخْلوا الوقت للذنب. ولا يطرد استعمال الباء بمعنى «في» ، فلا تقول: خَرَجْتُ بِيَوْم الجُمُعَةِ لأن يوم الجمعة مع أنه زمان فيه خُصُوصيَّات وتقييدات زائدة على الزمان، لأنك إذا قلت: خَرَجْتُ بِنَهَارِنَا وبلَيْلَةِ الجُمُعَةِ، لم يحسن. ولو قلت: خَرَجْتُ بِيَوْم سَعْدٍ وخَرَجَ (بِيَوْمِ) نَحْسٍ حَسُن فالنهارُ والليل لمّا لم يكن فيهما خُصُوصٌ وتقييد جازَ استعمالُ الباء فيهما، فإِذا قيدتهما وخصصتهما زال الجوازُ، و «يَوْمُ الجمعة» لمَّا كان فيه خصوص لم يجز وقلت: خَرَجْتُ بِيَوْم سَعْدٍ جاز. وأما «فِي» فيصح مطلقاً؛ لأن ما حصل في العام حصل في الخاص، لأن العام جزءٌ داخل في الخاص، فتقول: فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ وفِي هذِهِ السَّاعة. وأما اللام فتقدم الكلام عليها عند قوله: ﴿والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ [يس: ٣٨] .

стр. 11057

فصل وفائدة قَوْلِهِ: «هم» ؛ قال الزمخشري: فائدتها انْحِصَارُ المستغفرين أي هم الكاملون فيه لا غيرهم كقولك: زَيْدٌ العَالِمُ، لكماله في العلم كأنه تفرد به، وأيضاً: فلو عطف بدون هم لأوهم أنهم يستغفرون قليلاً. والاستغفار إما طلب المغفرة، كقولهم: رَبَّنا اغْفِرْ لَنَا، وإما إتيانهم بعبارات يتقربون بها طلباً للمغفرة، وإما أن يكون من باب قولهم: اسْتَحْصَد الزَّرْع أي ذلك أوان المغفرة. قوله: ﴿وفي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ والمحروم﴾ لمّا تقدم التعظيم لأم الله ثَنَّى بالشفقة على خلق الله، وأضاف الأموال إليهم، لأنه مدح لهم، وقال في موضع آخر ﴿وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] ؛ لأن ذلك تحريض وحث على النفقة وذلك يناسبه. فإن قيل: كون الحق في المال لا يوجب مدحاً؛ لأن كون المسلم في ماله حقّ وهو الزكاة ليس صفة مدح، لأن كل مسلم كذلك بل الكافر إذا قلنا: إنه مخاطب بفروع الإسلام في ماله حق معلوم، غير أنه إذا أَسْلَمَ سقط عنه، وإن مات عُوقِبَ على ما تركه الأداء. وإن أَدَّى من غير إسلام لا يقع الموقع فكيف يفهم كونه مدحاً؟ فالجواب: أنا نفسر السائل بمن يطلب جزءاً من المَال وهو الزكاة والمَحْرُومُ من لا يطلب جزءاً معيّناً وهو طالب صدقة التطوع كأنه قال: في ماله زكاةٌ وصَدَقَةٌ. أو يقالُ: بأن «في» للظرفية، والمعنى أَنّهم لَا يجمعون المال ولا يجعلونه ظرفاً للحُقُوق، والمطلوب من الظرف والمظروف إنما هو المظروف وهذا مدح عظيم. فإن قيل: لَو قيل: مالهم للسائل كان أبلغ! فالجواب: لا نسلم، فإن صرف جميع المال حتى يبقى فقيراً محتاجاً منهيٌّ عنه، وكذلك الصلاة والصوم الاقتصاد فيهما أبلغ لقوله: ﵊ ُ -: «إنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَادْخُلُوا فِيهِ بِرفقٍ؛ فَإنَّ المُنْبَتَّ لَا أَرْضاً قَطَعَ وَلَا ظَهْراً أَبْقَى» . فصل في السائل والمحروم وجوه: أحدها: أن السائل هو الآدمي، والمحروم كل ذي روح غيره من الحيوانات

стр. 11058

المحترمة، قال ﵊ ُ -: «فِي كُلّ كَبِدٍ حَرَّى أَجْرٌ» وهذا ترتيب حسن؛ لأن الآدمي يُقدَّمُ على البهائم. الثاني: أن السائل هو الذي يَسْأَل، والمَحْرُوم هو المتعفّف يظن أنه غنيٌّ فيُحْرَمُ. وقدَّمَ السائلَ؛ لأن حاله يعرف بسؤاله، أو يكون إشارة إلى كثرة العَطَاء فيعطي السؤّال، فإذا لم يجدهم يسأل عن المحتاجين فيكون سائلاً ومسؤولاً. الثالث: قدم السائل؛ لتجانس رُؤُوس الآي. فصل قال ابنُ عباس وسعيدُ بن المُسيّب: السّائل الذي يسأل الناس، والمحروم الذي ليس له في الغنائم سهمٌ ولا يُجْرَى عليه من الفَيء شَيءٌ. وقال قتادة والزُّهْري: المحروم المتعفّف الذي لا يسأل. وقال زيد بن أسلم: هو المصاب ثمره أو زرعه أو تشَلُّ ماشيتُه، وهو قول مُحَمّد بن كَعْب القُرَظيِّ. قال: المحروم صاحب الحاجة، ثم قرأ: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة: ٦٦ - ٦٧] .

стр. 11059

قوله تعالى: ﴿وَفِي الأرض آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ﴾ إذا ساروا فيها من الجبال والبحار والثمار وأنواع النبات تدلهم على أن الحَشْرَ كائن كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرض خَاشِعَةً﴾ [فصلت: ٣٩] ، ويحتمل أن يكون المعنى: وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ تَدُلُّ على مُدَبِّرٍ قادرٍ قاهرٍ يجب أن يُعْبَدَ ويُحْذَرَ. فإن قيل: كيف خصص الآيات بالمُوقنينَ، ولم يُخَصِّصْ في قوله: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة أَحْيَيْنَاهَا﴾ [يس: ٣٣] ؟ فالجواب: أن القَسَمَ إنما يكون مع المعَانِدِ في البرهان، فهو لا ينتفع بالآيات وإنما ينتفع بها المُوقِنُونَ فلذلك أقسم ههنا فقال: ﴿فَوَرَبِّ السمآء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ وفي سورة يس لم يؤكد ذلك بالقسم الدال على المعاند. أو يقال: أطلقت هناك باعتبار حصولها وخصصت هنا باعتبار المنفعة بها. وجمعت «الآيات» هنا، لأن المُوقن يتنبه لأمور كثيرة، وكذلك قوله: وَفِي أَنْفُسِكُمْ آيات دالة على ذلك إذ كانت نطفةً ثم علقةً، ثم مضغةً، ثم عظاماً، إلى أن ينفخ فيها الرُّوح.

стр. 11060

وقال عطاء عن ابن عباس - ﵃) : يريد اختلاف الأَلْسنة والصور والألوان والطبائع. وقال ابن الزُّبَيْر: يريد سبيل البول والغائط يَأكُلُ ويَشْرَبُ من مَدْخَلٍ واحد ويَخْرج من سِبِيلَيْنِ. وقوله: أفلا تبصرون «قال مقاتل: أفلا تبصرون كيف خلقكم فتعرفوا قدرته على البعث؟ قوله:» وفي أنفسكم «نَسَقٌ على (مَا) » في الأرض «فهو خبر عن» آيات «أيضاً، والتقدير: وفي الأرض وفي أنفسكم آيات. وقال أبو البقاء: وَمَنْ رَفَعَ بالظرف جعل ضمير» الآيات «في الظرف. يعني من يرفع الفاعل بالظرف مطلقاً أي وإن لم يعتمد يرفع بهذا الجار فاعلاً هو ضمير» آيات «. وجوز بعضُهم أن يتعلق ب» يُبْصِرُونَ «. وهو فاسدٌ؛ لأن الاستفهام والفاء يمنعان جَوَازَهُ. وقرأ قتادة:» آية «بالإفراد، وقوله:» فِي أنْفُسِكُمْ «يُحْتَمَلُ أن يكون المراد فِيكُمْ، يقال: الحجارة في نفسها صُلْبَة، ولا يراد بها النفس التي هي مَنْبعُ الحياة والحِسّ والحَرَكَات. ويحتمل أن يكون المراد وفي نفوسكم التي بها حياتكم آيات وقوله:» أَفَلَا تُبْصِرُونَ «بالاستفهام إشارة إلى ظهورها. قوله: ﴿وَفِي السمآء رِزْقُكُمْ﴾ أي سبب رزقكم. وقرأ حُمَيْدٌ وابنُ مُحَيْصن: رازِقُكُمْ اسم فاعل، والله تعالى متعالٍ عَنِ الجِهّةِ. قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل: يعني بالرزق: المطر؛ لأنه سبب الأَرزاق. وقيل: في السماء رزقكم مكتوب، وقيل: تقدير الأرزاق كلها من السماء، ولولاه لما حصل في الأرض حبَّة قُوتٍ.

стр. 11061

قوله:» وَمَا تُوعَدُونَ «قال عطاء: من الثَّوَاب والعِقَاب، وقال مجاهد: من الخَيْر والشَّرِّ. وقال الضحاك: وما توعدون من الجَنَّة والنار فيكون المعنى على هذا: وما توعدون لحقّ، كقوله: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ [الذاريات: ٥] فإن قلنا: المراد بقوله: «وما توعدون» الجنة فهو من الوعد، وإن قيل: المراد العذاب فيكون الخطاب مع الكفار. قوله: ﴿فَوَرَبِّ السمآء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ الضمير إما للقرآن، وإما «للدِّين» ، وإما «الْيَوْم» في قوله: ﴿وَإِنَّ الدين لَوَاقِعٌ﴾ [الذاريات: ٦] و «يَوْمَ هُمْ» و «يَوْم الدِّينِ» ، وإما للنبيّ ﷺ َ - ودخلت الفاء بمعنى إنَّ ما توعدون لحق بالبرهان المبين ثم بالقسم واليمين أو للعطف على قوله: «والذَّاريات» مع إعادة المقسم عليه لوقوع الفَصْل. وأقسم أولاً بالمخلوقات وههنا بربها تَرَقِّياً من الأدنى إلى الأعلى. قوله: «مِثْلَ مَا» قرأ الأخوانِ وأبو بكر مِثْلُ بالرفع، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه خبر ثانٍ مستقلٌّ كالأَول. الثاني: أنه مع ما قبله خبرٌ واحد، كقولك: هَذَا حُلْوٌ حَامِضٌ نقلهما أبو البقاء. والثالث: أنه نعت لحَقٍّ و «ما» مزيدة على الأوجه الثلاثة و «أَنَّكُمْ» مضاف إليه، أي لَحَقٌّ مِثْلُ نُطْقِكُم، ولا يضر تقدير إضافتها لمعرفة، لأنها لا تتعرف بذلك لإبْهَامِهَا. والباقون بالنصب، وفيه أوجه: أشهرها: أنه نعت «لحَقّ» أيضاً كما في القراءة الأولى، وإنما بني الاسم لإضافته إلى غير متمكن، كما بناه الآخر في قوله:

стр. 11062

٤٥٢٢ - فَتَدَاعَى مِنْخَرَاهُ بِدَمٍ ... مِثْلَ مَا أثْمَرَ حُمَّاضُ الجَبَلْ بفتح «مثل» مع أنها نعت لِ «دَمٍ» وكما بنيت «غَيْرُ» في قوله - (رحمةُ الله عليه) -: ٤٥٢٣ - لَمْ يَمْنَع الشُّرْبَ مِنْهَا غَيْرَ أَنْ نَطَقَتْ ... حَمَامَةٌ فِي غُصُونٍ ذَاتِ أَوْقَالِ «غير» فاعل يمنع، فبناها على الفتح لإضافتها إلى «أَنْ نَطَقَتْ» وقد تقدم في قراءة: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] بالفتح ما يُغْنِي عن تقرير مِثْلِ هذا. الثاني: أن «مِثْلَ» ركّب مع «ما» حتى صارا شيئاً واحداً، قال المازني: ومثله: وَيْحَمَا، وهَيَّمَا وَأيْنَمَا، وأنشد لحُمَيْد بن ثَوْر - (رحمة اللَّهِ عليه رَحْمةً واسعةً -) : ٤٥٢٤ - أَلَا هَيَّمَا مِمَّا لَقِيتُ وَهَيَّمَا ... وَوَيْحاً لِمَنْ لَمْ يَدْرِ مَا هُنَّ وَيْحَمَا قال: فلولا البناء لكان منوناً. وأنشد أيضاً: ٤٥٢٥ - ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ...

стр. 11063

فَأَكْرِمْ بِنَا أباً وَأَكْرِمْ بِنَا ابْنَمَا وهو الذي ذهب إليه بعض النحويين وأنشد: ٤٥٢٦ - أَثَوْرَ مَا أَصِيدُكُمْ أَمْ ثَوْرَيْنْ ... أَمْ هَذِه الْجَمَّاءُ ذَاتُ القَرنَيْنْ وأما ما أنشده من قوله: «وَأَكْرِمْ بِنَا ابْنَمَا» فليس من هذا الباب، لأن هذا «ابنٌ» زيدت عليه الميم وإذا زدتَ عليه الميم جعلت النون تابعةً للميم في الحركات على الفصيح، فتقول: هذا ابْنُمٌ، ورأيت ابْنَماً ومررت بابْنِمٍ، فتجري حركات الإعراب على الميم ويتبعها النون. وابنما في البيت منصوب على التمييز فالفتح لأجل النصب لا البناء، وليس هذه «ما» الزائدة، بل الميم وحدها زائدة، والألف بدل من التنوين. الثالث: أنه منصوب على الظَّرْف، وهو قول الكوفيين. ويجيزون: زَيْدٌ مِثْلَكَ بالفتح، ونقله أبو البقاء عن أبي الحسن ولكن بعبارة مُشْكِلَةٍ فقال: ويقرأ بالفتح، وفيه وجهان: أحدهما: هو معرب، ثم في نصبه أوجه، ثم قال: أو على أنه مرفوع الموضع،

стр. 11064

ولكنه فتح كما فتح الظرف في قوله: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] على قول الأخفش، ثم قال: والوجه الثاني: هو مبنيّ. وقال أبو عُبَيْد: بعض العرب يجعل «مِثْلَ» نصباً أبداً، فيقولون: هَذَا رَجُلٌ مِثْلَكَ. الرابع: أنه منصوب على إسقاط الجارِّ وهو كافُ التشبيه. وقال الفراء: العرب تنصبها إذا رفع بها الاسم يعني المبتدأ فيقولون: مِثْلَ مَنْ عَبْد الله؟ وعَبْد الله مثْلَكَ وأنْتَ مِثْلَه لأن الكاف قد تكون داخلة عليها فتُنْصَب إذا ألقيت الكاف. قال شهاب الدين: وفي هذا نظر، أيّ حاجة إلى تقدير دخول الكاف و «مِثْلُ» تفيد فائدتها؟ وكأنه لما رأى أن الكاف قد دخلت عليها في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] قال ذلك. الخامس: أنه نعت لمصدر محذوف، أي لحَقّ حَقًّا مِثْلَ نُطْقِكُمْ. السادس: أنه حال من الضمير في «لَحَقٌّ» ؛ لأنه قد كثر الوصف بهذا المصدر حتى جرى مَجْرى الأوصاف المشتقة، والعامل فيها «حَقٌّ» . السابع: أنه حال من نفس «حَقّ» وإن كان نكرة. وقد نصَّ سيبويه في مواضع من كتابه على جوازه، وتابعه أبو عمرو على ذلك. و «ما» هذه في مثل هذا التركيب نحو قولهم: «هَذَا حَقٌّ» ، كما أنك ههنا لا تجوّز حذفها، فلا يقال: هذا حق كأنك ههنا. نص على ذلك الخليلُ ﵀.

стр. 11065

فإذا جعلت «مِثْلَ» معربة كانت «ما» مزيدة و «أَنَّكُمْ» في محل خفض بالإضافة كما تقدم. وإذا جعلتها مبنية إما للتركيب، وإما لإضافتها إلى غير متمكن جاز في «ما» هذه وجهان: الزيادة وأن تكون نكرة موصوفة، (كذا) قال أبو البَقَاءِ. وفيه نظر، لعدم الوصف هنا، فإن قال: هو محذوف فالأصل عَدمهُ، وأيضاً فنصوا على أن هذه الصفة لا تحذف، لإبهام مَوْصُوفِها. وأما «أَنَّكُمْ تَنْطَقُونَ» فيجوز أن يكون مجروراً بالإضافة إن كانت ( «ما» ) مزيدة، وإن كانت نكرة كان في موضع نصب بإضمار أَعْنِي، أو رفع بإضمار مبتدأ. فصل المعنى: ﴿فَوَرَبِّ السمآء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ أي ما ذكرت من أمر الرزق لَحق كَمِثْلِ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ فتقولون: لا إله إلَاّ الله. وقيل: شَبَّه تحقيق ما أخبر عنه بتحقيق نُطْق الآدمي كقولك: إنَّه لَحَقٌّ كما أنت ههنا وإنه لحق كما أنك تتكلم والمعنى أنه في صدقه ووجوده كالذي تعرفه ضرورة. قال بعض الحكماء: كما أنَّ كل إنسان ينطق بلسان نفسه لا يمكنه أن ينطق بلسان غيره فكذلك كل إنسان يأكل رزق نَفْسه الذي قُسِمَ له، ولا يقدر أن يأكل رزق غيره. وقيل: معناه إن القرآن لحق تكلم به الملك النازل من السماء مثل ما تتكلمون.
следующие страницы →